كاتيكزم الكنيسة القبطية - الجزء السادس

المفاهيم المسيحية والحياة اليومية

كاتيكيزم

الكنيسة القبطية الأرثوذكسية

Catechism of the Coptic Orthodox Church

الجزء السادس

المفاهيم المسيحية والحياة اليومية

2019

إعداد

القمص تادرس يعقوب ملطي

الشماس بيشوي بشرى فايز

كنيسة الملكة القديسة مريم والأمير تادرس

 ساوث برانزويك – نيو جيرسي

كنيسة الشهيد مارجرجس

سبورتنج – الإسكندرية


 

باسم الآب والابن والروح القدس

الله الواحد، آمين


 

Table of Contents

1. الفضائل المسيحية. 6

1. ما هو ارتباط الفضائل بالحياة في المسيح؟. 6

2. ما هي نظرة القديس بولس للفضائل المسيحية؟. 6

3. ما هي أهم الفضائل التي يتَّسِم بها الإنسان المسيحي؟. 7

2. فضيلة التمييز والاستنارة. 19

1. ما هي الفضيلة المسيحية؟. 19

2. ما هي القداسة في الفكر المسيحي؟. 20

3. كيف نقتني القداسة والتمييز؟. 20

4. إلى أي مدى ننمو في الفضيلة بروح التمييز؟. 20

5. ما هي أهم الفضائل؟. 21

6. ماذا يقول الكتاب المقدس عن التمييز أو الإفراز؟. 23

7. من يهبنا روح الاستنارة أو التمييز؟. 24

8. ما هو ارتباط العقل البشري بروح التمييز؟. 24

9. هل يرتبط روح التمييز بعمر الإنسان؟. 25

10. ما هو ارتباط التمييز بالتواضع والاعتدال؟. 25

11. ما هو ملخص المبادئ التي يقدمها الأب موسى بخصوص الإفراز؟. 26

3. فضيلة الطاعة. 28

1. لماذا يمتعض البعض من الطاعة؟. 28

2. هل الطاعة تعني ضعف الشخصية؟. 28

3. من هو الأعظم؟. 28

4. هل الطاعة هي إحدى علامات الشركة في سمات ربنا يسوع المسيح؟. 29

5. من هو القائد والرئيس؟. 29

6. ما هو مفهوم الطاعة في مسيحنا الوديع؟. 29

7. هل نسمع لصوت محبوبنا؟! 31

8. كيف نمارس الطاعة مع بساطة المعرفة؟. 31

9. ألا نطيع صوت ملك الملوك؟. 31

10. ما هو تقديرك للشخص المطيع؟. 32

11. هل يلتزم الأبناء والمرؤوسين بالطاعة العمياء للقادة إن طلبوا منهم ما يخالف وصية إلهية؟  32

12. ما هو رأي القديس باسيليوس في الطاعة على حساب الوصية الإلهية؟. 32

13. ما هو موقف المؤمن إن طلب منه الشخص أن يحاوره فيما سأله أن يفعله؟. 33

14. ماذا يفعل المؤمن إن لاحظ أن أحد المسئولين يخالف وصية إلهية؟. 33

15. هل من حاجة إلى الدولة والطاعة لقوانينها وقادتها؟. 34

16. ما هي نظرة المسيحية للمدينة الأرضية ومدينة الله؟. 34

17. ما هي واجبات الشعب نحو الدولة؟. 35

18. كيف نتطلع إلى سلطان المسئولين في المجتمع؟. 35

19. ماذا يقول الرسول بولس عن الخضوع للسلطات في الرب؟. 35

20. ماذا يقصد الرسول بقوله: "لأنه ليس سلطان إلا من الله، والسلاطين الكائنة هي مُرَتَّبة من الله. حتى أن من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله، والمقاومون سيأخذون لأنفسهم دينونة" (رو 13: 1-2)؟. 36

21. ما هو دور كل من القادة المدنيين والقادة الكنسيين؟. 37

22. ما هي حدود دور الكنيسة والمسيحي في السياسة؟. 37

23. ما هو موقِف الكنيسة والمؤمن من الفساد؟. 38

24. ما هي فضيلة إكرام الوالدين؟. 39

4. فضيلة العفة والطهارة. 41

1. ما هي فضيلة العفة والطهارة؟. 41

2. كيف جذبت الطهارة والبراءة والعفة الوثنيين لقبول الإيمان المسيحي في الكنيسة الأولى؟  41

3. هل أستطيع أن أحيا عفيفًا؟. 43

4. ما هي حياة العفة؟. 44

5. ما دام يطلب تقديسنا، فلماذا وهبنا الجسد بغرائزه؟. 44

6. ما معنى قول الرسول "وإنما أقول اسلكوا بالروح فلا تُكَمِّلوا شهوة الجسد" (غل 5: 16)؟  45

7. لماذا لا أحيا عفيفًا مع أنني مؤمن والروح القدس ساكن فيَّ؟. 45

8. كيف يمكنك أن تغلب عمليًا؟. 46

9. ماذا يقول القديس أغسطينوس عن عفة القلب؟. 46

10. ما هو موقفنا من الأفكار الشريرة؟. 47

11. هل حربنا ضد الشهوات يتوقَّف؟. 47

12. ما هي عفة الجهاد؟. 47

13. ما هو دور الناموس في الكَشَفَ عن شهواتنا؟. 48

14. ما هو دور النعمة في الجهاد؟. 48

15. ما هو مفهوم السلوك حسب الجسد؟. 48

16. لماذا قيل: "الخطية لن تسودكم لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة" (رو 6: 14)؟  49

17. ما هي الأعذار الباطلة التي تدفعنا لتبرير سقوطنا في الشهوات؟. 49

18. هل جسدنا عنصر ظلمة كما ادَّعى أتباع ماني؟. 49

19. ماذا نطلب من الله لنتمتَّع بالنقاوة والعفة؟. 50

20. ما هو موقفنا من الأفكار التي تتسلل إلى عقولنا؟. 50

5. الرذائل أو الشرور. 51

1. ما هو مفهوم الرذيلة؟. 51

2. ما هو ارتباط الفضائل بالرذائل؟. 51

3. ما هي نظرة المؤمن للشرّ؟. 51

4. لماذا يرفض الأشرار المشيئة الإلهية؟. 51

5. بلا شكٍ يحمل البشر طبائع متنوعة، فلماذا نلقي باللوم على إرادتنا؟. 52

6. هل للشيطان المُخادِع سلطان مُلزم للإنسان؟. 53

7. هل توجد قوائم للرذائل في كتابات الكنيسة الأولى؟. 53

8. ما هي أصناف الرذائل وأشكالها عند كاسيان (أو عند الأب سرابيون)؟. 55

9. هل من علاقة تربط الخطايا مع بعضها البعض؟. 57

10. هل يُهاجِم من عدو الخير كل البشر بأسلوبٍ واحدٍ؟. 57

11. إلى أي مدى يفيدنا التعرُّف على نوع الرذيلة التي تهاجمنا؟. 57

12. ما هو ملخص مبادئ حديث القديس سرابيون عن الرذائل في مناظرة القديس يوحنا كاسيان معه؟  58

6. الإيمان المسيحي والثقافات البشرية. 59

1. ما هو دور الفكر الاجتماعي في الكنيسة الأولى؟. 59

2. ما هي سمات الخط الاجتماعي في الكتاب المقدس؟. 59

3. ما هو منهج الكنيسة الأولى وثلاثية trilogy القديس إكليمنضس السكندري؟. 60

4. ما هي نظرة الإيمان المسيحي للثقافات البشرية المتباينة؟. 61

5. ما هي نظرة الإيمان المسيحي للعقل البشري؟. 61

6. كيف هيَّأت الكنيسة العالم لفتح باب التعلُّم لكل إنسان؟. 62

7. ما هو موقف كنيسة العهد الجديد من الفلسفة والمعرفة؟. 64

8. هل كان المسيحيون شعبًا منعزلاً عن المجتمع؟. 66

9. هل دور الإيمان نقد الثقافات أم تقديسها؟. 67

10. هل قامت المسيحية في عصر الآباء الأولين على الإبداع الأدبي؟. 68

11. ما هو موقف الكنيسة الأولى من المسارح والملاعب واستخدام أكاليل الزهور؟. 68

7. العلاقة بين الكنيسة والدولة. 70

1. ما هو موقف الكنيسة من السلطات المدنية والقضائية والعسكرية؟. 70

2. ما هو موقف آباء الكنيسة من الإمبراطور مُضطهِد الإيمان ومن الجيش الروماني؟  71

3. هل امتناع المسيحيين عن الالتحاق بالجيش كان بسبب كراهيتهم للرومان؟. 72

4. هل يليق بالكنيسة أن تُصَلِّي من أجل الدولة حتى إن كانت ضد الكنيسة والمؤمنين؟  72

5. ما هي التزامات المسيحيين نحو الدولة؟. 73

6. هل يعيش المسيحي كمواطنٍ صالحٍ؟. 73

7. ما هي نظرة المسيحي نحو الرؤساء؟. 73

8. هل يليق بالكنيسة أن تحسب نفسها دولة؟. 73

9. هل اتسمت المجتمعات المسيحية بنظامٍ دقيقٍ؟. 75

8. الإيمان المسيحي والخدمة العسكرية. 77

1. ما هي نظرة الكنيسة للالتحاق بالخدمة العسكرية في عصور ما قبل قسطنطين؟. 77

2. ما هو موقف كنيسة العهد الجديد من الحروب؟. 78

3. ما هو موقف القديس إكليمنضس الروماني (القرن الأول) من الالتحاق بالخدمة العسكرية؟  79

4. ما هو موقف الشهيد يوستين (حوالي 150م) من الالتحاق بالخدمة العسكرية؟. 79

5. ما هو موقف أثيناغوراس (القرن الثاني) من الالتحاق بالخدمة العسكرية؟. 79

6. ما هو موقف العلامة ترتليان (160-220 تقريبًا) من الالتحاق بالخدمة العسكرية؟  79

7. ما هو موقف القديس إيريناؤس أسقف ليون (القرن الثاني) من الالتحاق بالخدمة العسكرية؟  81

8. ما هو موقف القديس إكليمنضس السكندري (150-215م تقريبًا) من االخدمة العسكرية؟  81

9. ما هو موقف مينيكيوس فيلكس Minucius Felix من الالتحاق بالخدمة العسكرية؟  82

10. ما هو موقف القديس كبريانوس (تنيح عام 258م) من الالتحاق بالخدمة العسكرية؟  82

11. ما هو موقف العلامة أوريجينوس من الالتحاق بالخدمة العسكرية؟. 83

12. ما هو موقف القديس ديونسيوس السكندري (القرن الثالث) من الالتحاق بالخدمة العسكرية؟  84

13. ما هو موقف أرنوبيوس Arnobius (مات حوالي عام 330م) من الخدمة العسكرية؟  84

14. ما هو موقف لاكتانتيوس Lactantuis (حوالي 240-320م) من الخدمة العسكرية؟  84

15. ماذا تكشف الحوارات التي دارت بين الشهداء والولاة؟. 84

16. ما هو موقف الكنيسة من الالتحاق بالخدمة العسكرية منذ عصر الإمبراطور قسطنطين؟  85

17. ما هو موقف مجمع آرل Arles عام 314 مجمع نيقية من الالتحاق بالخدمة العسكرية؟  85

18. ما هو موقف القديس باسيليوس (حوالي 326-379) من الالتحاق بالخدمة العسكرية؟  86

19. ما هو موقف القديس أمبروسيوس (حوالي 339-397) من الخدمة العسكرية؟. 86

20. ما هو موقف القديس أغسطينوس (354-430م) من الخدمة العسكرية؟. 86

21. ما هو موقف القديس يوحنا كاسيان من الخدمة العسكرية؟. 88

9. الإيمان المسيحي والعلاقات الاجتماعية والأسرية. 89

1. ما هو مدى علاقة المؤمن بأسرته وبإخوته في البشرية؟. 89

2. هل من ضرورة للعلاقات الاجتماعية؟. 89

3. ما هي الدوافع التي لهذه العلاقات الإيجابية؟. 89

4. هل يجوز الدفاع عن النفس والأسرة والوطن؟. 91

5. كيف سعت الشريعة الموسوية للصعود على درجات البرّ الأعظم؟. 91

6. ما هي حدود التأديب في العهد الجديد؟. 92

7. ماذا يُقصَد بالخد الأيمن والآخر؟. 93

8. ما هو موقف القديس أمبروسيوس بخصوص الدفاع عن النفس؟. 93

9. ما هي نظرة الإيمان المسيحي للقضاة؟. 93

10. ما هي نظرة الإيمان للحكم القضائي على المخطئين والأبرياء؟. 93

10. التضامن الاجتماعي... 95

1. ما هو مفهوم التضامن الاجتماعي في الإيمان المسيحي؟. 95

2. ما هو مفهوم المؤسسات الخيرية في الإيمان المسيحي؟. 95

3. ما هي أسس العمل الاجتماعي الكنسي؟. 95

4. كيف تُمارَس الشركة عمليًا بين المؤمنين؟. 96

11. الإيمان المسيحي والطبقات الاجتماعية. 99

1. كيف مارست كل فئات المجتمع الاحترام المتبادل بينهم؟. 99

2. هل يمارس المؤمنون أعمالاً خاصة بهم؟. 100

3. هل كان العمل شاقًا قبل سقوط أبوينا؟. 101

4. هل يلتزم المسيحي بالعمل من أجل الأخرين؟. 101

5. هل من أعمالٍ ممنوعة فلا يمارسها المسيحي؟. 101

6. لماذا هاجم القديس يوحنا الذهبي الفم الأغنياء؟. 102

7. ماذا قدمت الكنيسة الأولى للعبيد والمسبيين؟. 102

8. ما هي نظرة الآباء للعبيد؟. 105

9. ما هي الأسس التي قامت عليها ثورة القديس غريغوريوس النيسي؟. 105

12. الإيمان المسيحي والحرية. 107

1. هل وهب الله المخلوقات العاقلة السماوية والأرضية حرية الإرادة؟. 107

2. لماذا نسأل الله ولا نسعى نحن للغلبة على التجربة مادام كل شيءٍ في مقدورنا؟ ولماذا نجاهد لنحيا صالحين ما دامت القدرة على فعل هذا هي في يد الله؟  108

3. ما ارتباط حرية الإرادة بملكوت الله الذي يُقَام داخلنا بالنعمة الإلهية؟. 109

4. ما هو دور النعمة الإلهية في تقديس الإرادة مقابل دور الشيطان في انحرافها؟. 109

5. ما هي عجلة القيادة التي تُحرِّك إرادة الإنسان؟. 109

6. لماذا هاجم القديس إكليمنضس السكندري الوثنية؟. 110

7. لماذا يَقْبَل المؤمن الاستشهاد بفرحٍ؟. 110

8. ما هو دور حرية الإرادة في حياة الإنسان؟. 111

9. هل حرية الإرادة عطية أم التزام؟. 111

10. ما مفهوم "ليس لمن يشاء ولا لمن يسعى، بل لله الذي يرحم"؟. 112

11. ما علاقة الإيمان والنعمة الإلهية بحرية الإرادة؟. 112

12. هل عبوديتنا لله تُقَيِّد من حريتنا؟. 113

13. هل المعمودية تهبنا الحرية؟. 113

13. الثروة والأغنياء في الإيمان المسيحي... 114

1. هل للمؤمن حق الملكية الخاصة؟. 114

2. هل الملكية الخاصة شرّ؟. 114

3. هل تهاجم الكنيسة حق الإنسان في الملكية خاصة؟. 115

4. لماذا توجد أشياء ملكية عامة وأخرى خاصة؟. 117

5. هل الملكية الخاصة ليست مطلقة! 118

6. ما ذا يعني الاهتمام بالصالح العام؟. 118

7. ما هي نظرة المؤمن للمقتنيات الخاصة؟. 118

8. لماذا لا يستريح بعض الآباء للكلمتين: لي ولك؟. 119

9. كيف نكون أمناء في الأرضيات؟. 119

10. كيف عالج الإيمان المشاكل الاقتصادية البشرية؟. 120

11. ما هي إمكانية خلاص الغني؟. 121

12. ما هو الدافع للعطاء؟. 122

13. لماذا ترفض الفتاة المسيحية الزواج من شاب وثني؟. 123

14. بماذا ينعت الآباء الجاحدين في العطاء؟. 123

15. بماذا ينعت الآباء المحبين للعطاء؟. 124

16. هل نحن محتاجون إلى المحتاجين؟. 124

14. العلم والإيمان. 125

1. ما هو هدف الكتاب المقدس؟ وما هو هدف العلم الحديث؟. 125

2. لماذا لم يُقَدِّم الله كل الحقائق العلمية من بدء الخليقة لأبوينا آدم وحواء؟. 125

3. ماذا يقول الآباء عن أيام الخليقة الستة؟. 125

4. ما هو موقف بعض الدارسين الغربيين فيما ورد في سفر التكوين؟. 125

5. ماذا تعني كلمة "يوم" في الأصحاح الأول من سفر التكوين؟. 126

6. لماذا يعترض البعض على ما ورد في سفر التكوين بخصوص خلق الإنسان الأول؟. 126

7. هل توقَّف عمل الله من أجل الإنسان بعد أيام الخليقة؟. 127

8. ماذا يعني ما ورد في افتتاحية السفر: "في البدء خلق الله السماوات والأرض"؟. 127

9. هل كل ما ورد في الكتاب المقدس يطابق ما جاء في العلم الحديث؟. 128

المحتويات.. 131

1. الفضائل المسيحية. 131

2. فضيلة التمييز والاستنارة 131

3. فضيلة الطاعة. 131

4. فضيلة العفة والطهارة. 132

5. الرذائل أو الشرور. 133

6. الإيمان المسيحي والثقافات البشرية. 133

7. العلاقة بين الكنيسة والدولة. 134

8. الإيمان المسيحي والخدمة العسكرية. 134

15. 135

9. الإيمان المسيحي والعلاقات الاجتماعية والأسرية. 135

10. التضامن الاجتماعي.. 135

11. الإيمان المسيحي والطبقات الاجتماعية. 136

12. الإيمان المسيحي والحرية. 136

13. الثروة والأغنياء في الإيمان المسيحي... 136

14. العلم والإيمان. 137

 

 

 

1. الفضائل المسيحية

1. ما هو ارتباط الفضائل بالحياة في المسيح؟

كل إنسان مهما كانت شروره يحمل في داخله اشتياق أن يكون مُتَّسِمًا بالفضائل. وقد تحدث كثير من الفلاسفة ورجال التعليم والتربية منذ القديم عن الفضائل. وكان كثير من الملوك والولاة والقادة يهتمون أن يُسَلِّموا أبناءهم في أيدي فلاسفة كي يُدَرِّبوهم على الحياة الفاضلة اللائقة بهم.

كان الرسول بولس يفتخر أنه من جهة الناموس فريسي... من جهة البرّ الذي في الناموس بلا لومٍ (في 3: 5-6). وإذ التقى بالسيد المسيح، أدرك أنه بالناموس تعرّفنا على الخطايا التي نرتكبها (رو 3: 20) ولم يعالجها (غل 2: 16)، إنما يحثنا على الالتقاء بالسيد المسيح (رو 10: 4) الذي يهبنا الاتحاد معه وينعم علينا ببرِّه. لذلك عندما يتحدث الرسول عن "الحياة في المسيح" (رو 8: 2)، فهو يعني التمتُّع ببرّ المسيح أو بالشركة في سماته فنتمتَّع بالفضائل قدر ما يليق بنا.

هذه الفضائل تمسّ كل جوانب حياتنا: الحياة الشخصية، والأسرية، و، والعمل، والحياة الاجتماعية الخ. يصعب تخصيص فضائل لجانب مُعَيَّن من الحياة، لأن الحياة في المسيح هي حياة واحدة لها فاعليتها في كل جوانب الحياة. هذا والحياة الفاضلة أشبه بلؤلؤة كثيرة الثمن لها جوانب مختلفة.

2. ما هي نظرة القديس بولس للفضائل المسيحية؟

أ. لم يُصَنِّف الرسول بولس الفضائل المسيحية إلى سلوكيات تمسّ حياة المؤمن الداخلية وأخرى تخص أسلوب معاملاته مع الله وعبادته، وثالثة تخص علاقته بأسرته، ورابعة تخص علاقته بكل إنسانٍ أيّا كان جنسه أو جنسيته أو مركزه الاجتماعي أو الكنسي، وخامسة تخص سلوكه مع الشخص الذي يحمل له عداوة لسبب أو آخر أو دون وجود أسباب للعداوة، وأيضًا سلوكه بخصوص علاقته مع السمائيين، وسلوكه مع إبليس وجنوده.

ب. قَدَّم الرسول لنا قائمة مختصرة وبسيطة لعمل الروح القدس في حياتنا الداخلية ليُعدّنا للسلوك في كل مجالات حياتنا. إذ قال: "وأما ثمر الروح فهو: محبة، فرح، سلام، طول أناة، لطف، صلاح، إيمان، وداعة، تعفُّف. ضد أمثال هذه ليس ناموس" (غل 5: 22-23).

ج. قَدَّم الرسول هذه القائمة التي لثمر الروح لكي تكون دستورًا لحياة المؤمن في كل جوانبها، وأعطى لأناس الله خاصة آباء الكنيسة أن يُقَدِّموا في شيءٍ من التفصيل عن ممارستنا للفضائل، لا كأخلاقيات نلتزم بها، بل كثمر عمل الروح القدس في المؤمن بكونه ابن لله وكعضوٍ في جسد المسيح وكهيكل لله وروح الله يسكن فيه.

3. ما هي أهم الفضائل التي يتَّسِم بها الإنسان المسيحي؟

1. المحبة: لله وللقريب وأيضًا حتى للأعداء. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [هذه الفضيلة تجعل الإنسان مُتشبِّهًا بالله. لاحظ كمّ الفضائل الأخرى التي تقل في أهميتها عن المحبة، هذه التي يرتكز محورها حول جهاد الإنسان ذاته ضد الشهوات، ومقاومته للنهم، والجهاد ضد محبة المال والغضب. أما المحبة فهي فضيلة يشترك فيها الإنسان مع الله ذاته. لهذا يقول المسيح: "صلوا لأجل الذين يُسيئون إليكم ويطردونكم، لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات" (مت 44:5-45). اكتشف بولس أن المحبة هي تاج الفضائل، فسعى إلى غرسها بعناية فائقة[1].] ويقول القديس أغسطينوس [من ليس له المسيح ليس له ثمر... لا تتعجَّب مما يحدث بعد ذلك، عندما تقود المحبة الطريق[2].]

2. فرح[3]: أحيانًا يصوَّر كل من القديسين بولس الرسول ويوحنا الذهبي الفم بملامح حازمة دون ابتسامة، مع أن كليهما يحملان في سيرتهما كما في كتابتهما خط الفرح العجيب. يمكننا القول إنهما في نظراتهما لله كما للكتاب المقدس والكنيسة والعبادة والخط الاجتماعي حتى التوبة الخ. يشع منها الفرح في حياتهما كما في دعوتهما الجميع للحياة التقوية السماوية، وكأنهما أشبه بدينامو يُوَلِّد فرحًا لكل من يلتقيان به أو يتحدثان إليه. الكنيسة في جوهرها العروس المتهللة بعريسها السماوي. به تقيم كما في الأعالي، وهي بعد على الأرض بالجسد. بالعضوية الحقيقية في الكنيسة يسمو الإنسان، فيصير حتى جسده الترابي أشبه بالسماوي، الذي ينتظر بتهليل شركة الأمجاد الأبدية. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لنعجب إلى أين رفع الكنيسة؟ لقد رفعها كما بوسيلة مُعَيَّنة، وأقامها في الأعالي، وأجلسها على عرشٍ سامٍ[4].] أما سرّ الفرح فهو الآتي:

‌أ.    الرجاء والصبر في الضيق مع الصلاة الدائمة (رو 12: 12).

‌ب. مشاركة الفرحين بالفرح معهم (رو 12: 15؛ 1 كو 12: 26).

‌ج.  تمتُّعنا بالفرح في الروح القدس (رو 14: 17).

‌د.   الفرح بالحكماء للخير والبسطاء للشر (رو 16: 19).

‌ه.   الفرح بتوبة إخوتنا (2 كو 2: 2؛ 7: 9).

‌و.   نفرح حينما نكون نحن ضعفاء وإخوتنا أقوياء (2 كو 13: 9).

‌ز.  نفرح بالعاقر التي يصير لها أولاد، أي ثمر الروح (غل 4: 27).

‌ح.  نفرح حين يُنادَى بالمسيح سواء بعلة أو بحق (في 1: 18).

‌ط.  يدعونا الرسول أن يفرح الكل معه (في 2: 18، 28).

‌ي. يفرح الرسول لأنه يكمل نقائص شدائد المسيح في جسمه (كو 1: 24).

‌ك.  انتظارنا ربنا يسوع المسيح في مجيئه (1 تس 2: 19).

3. إنسان السلام يحمل في داخله سلامًا لا تُحَطِّمه الضيقات أو الأحزان، حتى وإن انسكبت الدموع من عينيه، أو شارك الأخرين أحزانهم. يقول القديس باسيليوس الكبير: [من يطلب السلام يطلب المسيح، لأنه هو سلامنا (كو 1: 20)، الذي يجعل الاثنين واحدًا (أف 2: 14)، صانعًا السلام بدم صليبه سواء على الأرض أو في السماء[5].] ويقول القديس إكليمنضس السكندري: [الإنسان هو أداة سلام.... آلة سلام واحدة، يستخدم الكلمة وحده الذي به نكرم الله[6].] أما سرَ السلام فهو الاتي:

‌أ.    سلام لكل من يفعل الصلاح (رو 2: 10).

‌ب. إذ قد تبررنا بالإيمان لنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح (رو 5: 1).

‌ج.  لان ليس ملكوت الله أكلأ وشربا بل هو برّ وسلام وفرح في الروح القدس (رو 14: 17).

‌د.   إله السلام سيسحق الشيطان تحت أرجلنا (رو 16: 20).

‌ه.  الله قد دعانا في السلام (1 كو 7: 15).

‌و.   الله ليس إله تشويش بل إله سلام كما في جميع كنائس القديسين (1 كو 14: 33).

‌ز.  الله هو مصدر السلام: "سلام من الله أبينا والرب يسوع المسيح" (2 كو 1: 2؛ غل 1: 3)

‌ح.  الوحدة الكنسية: لأنه هو سلامنا الذي جعل الاثنين واحدا ونقض حائط السياج المتوسط (أف 2: 14، 17)

‌ط.  الاقتداء بالرسل: "وما تعلمتموه وتسلمتموه وسمعتموه ورأيتموه فيَّ، فهذا افعلوا، وإله السلام يكون معكم (في 4: 9)

‌ي. الهروب من الشهوات الشبابية والسلوك في البرّ والإيمان والمحبة والسلام (2 تي 2: 22)

4. طول الأناة: إن كان الله يُدعَى الطويل الأناة، محب كل البشر، يليق بنا كأبناء له أن نحمل ذات السمة، فلا نشتهي الانتقام من مقاومي الحق مهما كانت شرورهم. يقول ابن سيراخ: "الطويل الأناة يصبر إلى الوقت الملائم، بعد ذلك تعاوده البهجة بقوةٍ" (سي 1: 20). هكذا يُمَيِّز ابن سيراخ بين إنسانٍ يُظلَم فيغضب ويثور، وآخر يسقط تحت الظلم، فيحتمل بطول أناة. الأول وإن كان غضبه قائم على ظُلْمٍ حلّ به، غير أن غضبه هو الذي يُمَثِّل ثقلاً على نفسه فيسقط، وإن ظنّ أنه يُبَرِّر نفسه. أما الثاني فيحتمل إلى حين في صمتٍ ثم يعاوده السرور، ويشهد الكثيرون له وهو صامت لا يدافع عن نفسه. وأيضًا يقول ابن سيراخ: "يرفض كثيرون أن يُقرضوا ليس لأنّهم أشرار، وإنّما مخافة أن يُسلَبوا بلا سبب. مع ذلك، كن طويل الأناة مع من هو في ظروف بائسة، ولا تدعه ينتظر صدقاتك" (سي 29: 7-8). هكذا يدعونا ابن سيراخ أن نحتمل بطول أناة متى كان طالب القرض أو الصدقة في ظروفٍ قاسية. يليق بنا أن نعين المسكين فنُتَمِّم وصيته، فهي أفضل من الذهب والفضة.

5. اللطف: في الحديث وفي التعامل بحكمة بدون رخاوة كما بدون تشدُّد، يقول القدِّيس غريغوريوس النزينزي: [ليتنا لا نضرب (بالفأس) سريعًا، بل نُغلَب باللطف، لئلاَّ نقطع شجرة التين وهي قادرة أن تحمل ثمرًا إن تعهدها كرَّام ماهر لإصلاح حالها![7]]

تقول القديسة أنثوسا: [إن الذي يحب لا يتمنّى أن يحكم أو أن يتسلّط، بل بالأحرى يكون أكثر امتنانًا إذا تلقّى طلبات. إنّه يُفَضِّل أن يُقَدِّم الخدمات بدل أخذها، لأنّه يحب والأخذ لا يشبع شهوته. إنه لا يبتهج في اختبار اللطف، كما في أن يكون لطيفًا، لأنه يفضّل أن يحفظ صديقه على ارتباط معه بدل أن يكون مدينًا له، أو بالأحرى إنه يتمنَّى أن يكون مدينًا لصديقه وأن يكون صديقه الدائن. إنه يتمنى أن يمنح الخدمات لا كَمَن يقدم خدمات بل كَمَن يفي دينًا.

عندما تُفقَد الصداقة، نربك بخدماتنا الذين نخدمهم، ونضخم الأمور الصغيرة. إنما عندما توجد الصداقة فإننا نخفي الخدمات، ونتمنى أن نُظهِر الأمور الكبيرة كصغيرة حتى لا نظهر صديقنا كمدين لنا بل على العكس كدائن ونحن كمدينين.

أنا أعرف أنّ كثيرين لا يفهمون ذلك، والسبب هو أنني أَتحدَّث عن أمر سماوي. إنّه كما لو أني أَتحدَّث عن بعض النباتات التي تنمو في الهند والتي لم يختبرها أحد. لا تستطيع اللغة أن تظهر هذه النبتة، حتى ولو استعملنا عشرات الآلاف من الكلمات. حتى الآن، كل ما أقوله يبقى بلا جدوى لأنه لا يقدر أحد أن يصفها. هذه النبتة قد غُرِسَت في الملكوت، وأغصانها مُحَمَّلة لا بالجواهر، بل بالحياة التي لا تنتهي، الحياة الأكثر متعة من الجواهر.

ولكن عن أي نوع من المتعة أنت ترغب هل بالكلام؟ هل هي المتعة الشائنة أم المتعة الفاضلة؟ إن حلاوة الصداقة تتخطَّى كل المتع الأخرى. أنت قد تذكر حلاوة العسل، غير أن العسل قد يؤدي إلى التخمة، بينما الصديق لا تحدث له تخمة طالما هو صديق.

تزداد الشهوة عند إرضائها، بينما هذه المتعة لا يمكن لها أن تتركنا مشبَعين.

إن الصديق أكثر حلاوة من الحياة الحاضرة. لهذا، يتمنى كثيرون الموت بعد رحيل أصدقائهم. مع الصديق، يصبح النفي محتملاً، بينما بدون الصديق لا يختار أحد العيش حتّى في موطنه. حتّى الفقر محتمل مع الصديق والغنى والصحة لا يُطاقان بدونه.]

6. صلاح. ماذا يقصد الرسول بولس من الصلاح؟ وما هو مصدره؟

إنه ليس مجرد سلوك أخلاقي، وإنما هو أولاً وقبل كل شيء عمل الثالوث القدوس في حياة المؤمن:

أ. هو عطية الأب للمؤمن كابن له، إذ يقول: "فكونوا متمثلين بالله كأولاد أحباء" (أف 5: 1).

ب. عطية السيد المسيح القائم من الأموات، إذ يقول الرسول: "لأنكم كنتم قبلا ظلمة، وأما الآن فنور في الرب اسلكوا كأولاد نور. لأن ثمر الروح هو في كل صلاحٍ وبرٍّ وحقٍ (أف 5: 8-9). إذ بالحب العملي نتمثَّل بالله النور نحمل شركة طبيعته، فنُحسَب "أَوْلاَدِ نُور"، لا مكان لظلمة الموت فينا، بل ننعم بنور القيامة، خلال هذا المفهوم يوصينا الرسول أن نسلك عمليًا كأولاد للنور مُتمتِّعين بقوة القيامة وبهجتها في داخلنا، مُعلَنة في حياتنا اليومية وسلوكنا الخفي والظاهر، تاركين أعمال الظلمة غير اللائقة بنا.

ج. هو ثمر الروح القدس الساكن في المؤمن والقائل والعامل فيه، إذ يقول: "وأما ثمر الروح فهو: محبة، فرح، سلام، طول أناة، لطف، صلاح..." (غل 5: 22).

7. الإيمان. سبق لنا الحديث عن الإيمان في الجزء الأول من الكاتيكيزم، بكونه مصدر العقائد المسيحية وهو ثمر الروح في حياة الإنسان المشتاق للخلاص والتمتُّع بالميراث الأبدي. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لن نتخلَّص من شرور هذه الحياة الحاضرة إلاّ بالإيمان. ولهذا فقد تميَّز كل مَن عاش بالإيمان، إبراهيم وإسحق ويعقوب، وهكذا أُنقِذت راحاب الزانية، وهؤلاء الذين وردت أسماؤهم في العهد القديم، وأيضًا الذين وردت أسماؤهم في العهد الجديد. لأنه يقول: "بالإيمان راحاب الزانية لم تهلك مع العصاة إذ قبلت الجاسوسين بسلام" (عب 31:11). ولم تفكر في نفسها، كيف سيستطيع هؤلاء الأسرى والمنفيون والمهاجرون الذين يعيشون حياة ترحال "حياة البدو"، أن ينتصروا علينا نحن الذين نملك مدينة وأسوار وأبراج؟ لأنها لو قالت هذا، لدمرت نفسها وهؤلاء معًا، الأمر الذي كابده أجداد هؤلاء عندما أُنقذوا آنذاك. لأن الجواسيس - في القديم -  بسبب عدم الإيمان، عندما رأوا أناس طوال القامة وعمالقة، انهزموا بدون حرب، لأنهم قالـوا: "لا نقدر أن نصعد إلى الشعب لأنهم أشد منا. فأشاعوا مذمة الأرض التي تجسسوها في بني إسرائيل، قائلين الأرض التي مررنا فيها لنتجسسها هي أرض تأكل سكانها. وجميع الشعب الذي رأيناه في هذه الأرض هم أناس طوال القامة فكنا في أعيننا كالجراد وهكذا كنا في أعينهم" (عد 31:13-33). أرأيت كيف أن هوة عدم الإيمان هي عميقة، وكيف أن سور الإيمان هو عظيم؟ لأن عدم الإيمان أهلك آلاف، بينما الإيمان لم ينقذ راحاب فقط، بل جعلها أيضًا حامية لكثيرين[8].] كما يقول: [إن ما يعلنه هنا ليس إلا هذا: "الإيمان بي ليس بالأمر العادي، لا يأتي خلال براهين بشرية، بل يحتاج إلى إعلان من فوق، وإلى نفس تدبيرها حسن يجتذبها الله لكي تتقبل الإعلان[9].]

8. الوداعة والتواضع: لإزالة روح الغضب عنّا وعن إخوتنا. يقول القديس مار إسحق السرياني: [طوبى للإنسان الذي يعرف ضعفه، فإذ يدرك هذا يصير بالنسبة له أساسًا وبداية لكل ما هو صالح وجميل. إذ يتحقق الإنسان ويدرك بالحق أنه ضعيف، ينتزع عن نفسه كل بريق يبدد المعرفة، ويصير بالأكثر يقظًا على نفسه. لكن لا يقدر أحد أن يُدرِك ضعفه ما لم يتخلَّ قليلاً عن الأمور الصغيرة ويتجاهلها ويُحاط بالتجارب، سواء في الأمور التي تُسَبِّب آلامًا في الجسد، أو بالطرق التي بها تخضع النفس للآلام. عندئذ فقط إذ يتأمل ضعفه، يتحقَّق عظم المعونة التي تأتي من الله. عندما يدرك إنسان أنه في حاجة إلى عون إلهي، يُقَدِّم صلوات كثيرة. وما أن يُقَدِّم طلبات كثيرة، يتواضع قلبه، فإنه لا يحتاج أحد ويطلب ما لم يكن متواضعًا. "القلب المنكسر والمتواضع لا يرذله الله" (مز 17:51).

ما دام القلب غير متواضع لا يكف عن الجولان، فإن التواضع يجعل القلب في تركيز[10].]

9. النقاوة والتعفف: أو طهارة القلب والجسد والعواطف والأفكار وحتى للأحلام. يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [يظهر أنه ليس ممكنًا للنفس أن تتحد بالله غير الفاسد بأية وسيلة ما لم تصرْ تقريبًا طاهرة خلال عدم الفساد، حتى تنعم الشبه بالشبه، وتقيم نفسها كمرآة تتطلع نحو نقاوة الله، فيتشكَّل جمال النفس بالشركة في الجمال الأصلي والتمتع بانعكاسه عليها[11].] ويقول القديس أغسطينوس [من يلتصق بقطيع المسيح خلال علاقة جسدية فقط بقلبٍ مخادعٍ، لا يمكن أن يُقَال عنه أنه في الكنيسة، وأنه في شركة الروح. لأن "الروح القدس المؤدب يهرب من الخداع" (حك 1: 5)[12].]

10. الطاعة لله وللوالدين والرؤساء والقادة الكنسيين والمدنيين، وأحيانًا حتى للأطفال والشباب من أجل كسبهم للملكوت. يقول القديس باسيليوس الكبير: [في اختصار، أدرك أنه يوجد ثلاثة أوضاع تقودنا إلى الطاعة بطريقة حتمية.

‌أ.    إما خلال الخوف من العقاب فنبتعد عما هو شر، فنكون في وضع العبيد.

‌ب. أو لكي نسعى لنوال المكافأة فنتمم الوصايا من أجل منافعها، فنكون كمن يطلب الربح.

‌ج.  أو نمارس الصلاح من أجل الصلاح ذاته، ومن أجل حبنا للذي وهبنا الناموس، متهللين بأننا تأهلنا لنخدم الله الصالح العظيم، فنكون في مركز البنين[13].]

11. الترفق: نترفق مع كل من نتعامل معهم من كل الطبقات كما مع الحيوانات والطيور بل وبحكمة مع الزروع والجماد، فإن كان قد خلق لنا هذا العالم بجماله، فلا نفسد حتى الطبيعة ما استطعنا. يقول القديس أمبروسيوس: [هذا السامري الصالح الذي هو رمز للسيد المسيح، الذي هو حارس للأرواح[14]، لن يتركك إنما يتحنَّن عليك ويشفيك. لم يترك السامري الصالح المُلقَى بين حي وميت، لأنه رأى فيه نسمات حياة، فترجَّى شفاءه. أما يبدو لك أن الإنسان الساقط في الخطية، بين حي وميت يستطيع الإيمان أن يجد فيه نسمة حياة؟! إن كان الساقط بين حي وميت، صبّ عليه زيتًا وخمرًا، لا تصب خمرًا بلا زيتٍ، حتى تكون له راحة مع آلام التطهير. أتكئه على صدرك، قدمه لصاحب الفندق وادفع الدينارين لأجل شفائه، وكن له قريبًا! ولن تكون له قريبًا ما لم تتعطف عليه، لأن القريب هو الذي يشفي ولا يقتل. فإن أردت أن تكون له قريبًا، يوصيك السيد المسيح قائلاً: "اذهب أنت أيضًا واصنع هكذا" (لو 10: 37)[15].]

12. الكرم والسخاء: فنُقَدِّم ما استطعنا بسخاءٍ وفرحٍ دون انتظار لمقابل. يتحدث الرسول عن سخائه مع شعبه دون انتظارٍ لمقابل، إذ كتب لهم: "وأما أنا فبكل سرورٍ أنفق وأُنفق لأجل أنفسكم، وإن كنت كلما أحبكم أكثر أُحَب أقل" (2 كو 12: 15). إنه يُسَرّ بأن يُقَدِّم ممتلكاته ووقته وقوته وكل ما يشغله لحساب أولاده، وأيضًا أن يتألم ويموت لأجلهم. إنه كالشمس التي تُستهلَك لتضيء للآخرين. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كان يعتبر أمرًا واحدًا مُشينًا، وهو أن يُهتم بشيء أكثر من الخلاص. لهذا لم يترك حجرًا لم يُحَرِّكه، ولا ادّخر وسعًا من أجل خلاص الناس، سواء بالوعظ أو العمل، حتى لم يبخل بحياته. لقد عرَّض حياته للموت مرات عديدة، ولم يتردَّد في إنفاق أي مالٍ إن كان يمتلكه! ولماذا أقول: "إن كان يمتلكه"؟ لأنه كان يُعطي بسخاء. ليس في هذا تناقضٍ، لكن اسمعه يقول: "وأما أنا فبكل سرورٍ أُنفِق وأُنفَق لأجل أنفسكم" (2 كو 15:12)، وخاطب أهل أفسس قائلاً: "أنتم تعلمون أن حاجاتي وحاجة الذين معي خدمتها هاتان اليدان" (أع 34:20)[16].] [من حق بولس أن يأخذ، لكنه لم يرد أن يفعل ذلك. نحن أيضًا يلزمنا أن نتمثَّل بسلوكه[17].]

13. الإقدام والشجاعة: يقف في جانب الحق دون مداهنة، مهما كان الثمن، وبحكمة حتى لا يُفسد الحق بالغضب وعدم المحبة. "تشددوا وتشجعوا، لا تخافوا ولا ترهبوا وجوههم، لأن الرب إلهك سائر معك، لا يهملك ولا يتركك (تث 31: 6). تقدّم السيد المسيح إلى تلاميذه وسط الأمواج الهائجة ليُعلِن لتلاميذه أن الضيقات هي المناخ الذي فيه يتجلَّى السيّد وسط أولاده. إنه لا ينزع الآلام، وإنما يتجلَّى أمام أعينهم، مُعْلِنًا حضرته وأبوّته ورعايته قبل أن يُهَدِّئ الأمواج، إذ قال لهم: "تشجَّعوا!، أنا هو، لا تخافوا" (مت 14: 27).

14. العدالة والحق: فلا يظلم أحدًا مهما كان فقره أو جهله أو صغر سنه أو قلة إمكانياته. يقول الرب في اليوم الأخير: "لا أعرفكم من أين أنتم، تباعدوا عني يا جميع فاعلي الظُلم! (لو 13: 27). إذ يسيطر الطمع على الإنسان، ليس فقط لا يعطي مما لديه للمحتاجين، بل يسلب ما هو للغير فيكسر بيوت الفقراء ويجردها؛ لا يخجل من أن يُحَطِّمها بالعنف. من يتصدَّق بأموال ظَلَم بها إخوته، لا يحمل في صدقته حبًا روحيًا، ولا حتى بشريًا، إذ يعطي إنسانًا ويظلم آخر. يقول البابا أثناسيوس الرسولي: [إذا قدَّمت للإله جزءً ممّا اقتنيته ظلمًا واغتصابًا، فلن يَقْبَل الإله عطيّتك... فلترحم من ظلمته، صانعًا معه رحمة ومحبّة، عاملاً بالصلاح، وبذلك تقدّم رحمة وحقًا. فالله لا يشاركنا جشعنا، ولا يشاطر اللصوص والسالبين، ففي استطاعته أن يطعم الفقراء الذين عهد لنا بهم، لكنه يطلب ثمار البرّ ومحبّة الناس.]

15. الحزم: يسلك المؤمن بروح الحزم في اعتدال وبحكمة، فلا يضغط على إخوته ويحطمهم، ولا يتهاون معهم فيدفعهم نحو اللامبالاة. كلمة الله بالرغم من ترفُّقها بالخطاة، وفتحها أبواب الرجاء أمام الجميع، لكنَّها حازمة وقويَّة، لا تعرف "الميوعة" تعلن الحق وتظهره، وتكشف الباطل وتسحقه. يقول القدِّيس أمبروسيوس: [يجب أن تكون هناك معايير حقيقيَّة لكلماتنا وتعاليمنا حتى لا تأخذ مظهر اللين الزائد أو الخشونة المُغالى فيها.] [في هذه الوظيفة لا يليق بالراعي أن يكون قاسيًا وعنيفًا، ولا يكون متساهلاً جدًا، لئلاَّ يكون في الحالة الأولى كمن له سلطان جائر، وفي الحالة الثانية كمن يهين بلا سبب وظيفته التي نالها.]

16. ضبط النفس: في الحديث مع من أخطأ تكلم معه بروح الثقة في عمل الله معه وفيه يسلك بروح إيجابية، خاصة إن انتقد عمل أحد، يحرص ألا يُحَطِّمه أو يُفْقِده الرجاء. يقول الرسول: "كل من يجاهد يضبط نفسه في كل شيءٍ، أما أولئك فلكي يأخذوا إكليلا يفنى وأما نحن فإكليلا لا يفنى" (1 كو 9: 25). ويقول ابن سيراخ: "أعطِ وخذ واضبط نفسك، فلا سبيل إلى التماس الرفاهية في الجحيم" (سي 14: 16). "لا تتبع أهواءك، بل اكبح شهواتك" (سي 18: 29). ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [من يريد أن يكون مُعَلِّمًا، يلزمه أولاً أن يُعَلِّم نفسه. فكما أن من لم يصر جنديًا صالحًا لا يقدر أن يكون قائدًا، هكذا أيضًا بالنسبة للمُعَلِّم لذلك يقول: "حتى بعدما كرزت للآخرين لا أصير أنا نفسي مرفوضا".[18]]

17. رؤيته للهدف. تصرفات المؤمن ليست انفعالات بلا حكمة حتى وإن دافع عن الحق. إنما يلزم أن تكون له رؤية واضحة لتحقيق هدفه ومساعدة إخوته للسلوك بروح الحق. يرى القديس إكليمنضس السكندري أن هدف الإنسان الروحي (الغنوسي) أن يتعرَّف على الله (الحق) ويراه[19] وجهًا لوجه، أي يعبر إلى كمال المعرفة بالإلهيات من خلال الإيمان، وذلك خلال خبرة الحياة النقيّة والتأمّل الدائم. فإن كنّا قد عبرنا من الوثنيّة إلى الإيمان، فيليق بنا أن نعبر من الإيمان إلى المعرفة[20]، لنرى الله ونعرفه. هذه المعرفة هي هبة إلهيّة نتقبَّلها خلال الابن، وذلك بقبولنا إيّاه وتشبُّهنا به؛ أي خلال نقاوة القلب، نُعايِن الله ونُدرِك ما يبدو للآخرين غير مدرك[21]. يقول القديس إكليمنضس السكندري: [الغنوسية التي هي المعرفة وإدراك الأمور الحاضرة والمستقبلية والماضية، كأمور أكيدة وموثوق فيها، يمنحها ابن الله الذي هو "الحكمة" ويعلنها[22]. يركز الرسول بولس على ضرورة وضع الهدف أمام أعيننا، إذ يقول: "أيها الإخوة أنا لست أحسب نفسي إني قد أدركت، ولكني أفعل شيئًا واحدًا؛ إذ أنا أنسى ما هو وراء وامتد إلى ما هو قدام. أسعى نحو الغرض، لأجل جعالة دعوة الله العليا في المسيح يسوع (في 3: 13-14). سرّ قوة الرسول بولس إدراكه عدم بلوغه بعد الكمال، لا بروح اليأس والتهاون، وإنما بالسعي والجهاد مُدرِكًا أن السيد المسيح نفسه يطلبه ويسعى إليه لكي يفديه ابنا له. بينما يود أن يدرك المسيح، يعلم تمامًا أن المسيح أدركه. فغيرة الرسول على خلاص نفسه لا تُقَارَن بغيرة السيد المسيح على اقتنائه له. يقول القديس أغسطينوس: [إذ تطلّعت امرأة لوط إلى خلف صارت جامدة. إلى حيثما بلغ الشخص فليخف لئلاّ يتطلَّع إلى الوراء من تلك النقطة (تك 19: 26). يلزمه أن يسير في الطريق، فليتبع المسيح[23].] كما يقول: [بقي الرجاء الذي أظن أنه يقارن بالبيضة. فإن ما نرجوه لم يتحقّق بعد، ذلك مثل البيضة التي لم تصر بعد كتكوتًا... فالرجاء يحثّنا على ذلك: أن نستخفّ بالأمور الحاضرة وننتظر الأمور العتيدة. "ننسى ما هو وراء"، ومع الرسول "نمتد إلى ما هو قدّام"[24].]

كما يقول الرسول: "قد جاهدت الجهاد الحسن أكملت السعي حفظت الإيمان. وأخيرا قد وُضِع لي إكليل البرّ الذي يهبه لي في ذلك اليوم الرب الديان العادل وليس لي فقط بل لجميع الذين يُحِبّون ظهوره أيضًا" (2 تي 4: 7-8). يُعَلِّق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة، قائلاً: [كتب الرسول هذا ليعزيه... يقول: "جاهدت الجهاد الحسن"... هل هذا الجهاد حسن وقد وجد فيه سجن وقيود وموت؟ نعم، لأنه جهاد من أجل المسيح خلاله ننعم بأكاليل عظيمة!... ليس جهاد أسمى من هذا! إكليله بلا نهاية؛ إكليله ليس من أوراق الزيتون، والحكم فيه ليس بشريًا، والمشاهدون ليسوا بشرًا، إنما سيكون المسرح مزدحمًا بالملائكة! (في حلقات المصارعة) يجاهد الناس أيامًا كثيرة ويحتملون المصاعب لأجل ساعة ينالون فيها الإكليل، وعندئذ تنتهي كل بهجة في الحال. أما هنا فالحال مختلف تمامًا: الإكليل أبدي، له بهاؤه ومجده وكرامته، لهدا يجب أن نفرح[25].]

وأيضًا يقول: "ألستم تعلمون أن الذين يركضون في الميدان جميعهم يركضون، ولكن واحدًا يأخذ الجعالة؟ هكذا اركضوا لكي تنالوا. وكل من يجاهد يضبط نفسه في كل شيءٍ، أما أولئك فلكي يأخذوا إكليلاً يفنى، وأما نحن فإكليلاً لا يفنى" (1 كو 9: 24-25). كان المشترك في هذه الألعاب يعيش بنظامٍ دقيقٍ للطعام ويمتنع عن شُرْبِ الخمر والأطعمة الشهية، ويتدرَّب على احتمال الحر والبرد ويلتزم بنظام صعب. فالمصارع يُدَرِّب نفسه ويضبط جسده لكي يبلغ أعلى مستوى في السباق. وواحد فقط يقدر أن ينال الجائزة، غالبًا ما كانت إكليل من النباتات يوضع على رأس المنتصر. إنه إكليل يفنى. أما المؤمنون فإنهم إذ يُدَرِّبون أنفسهم في سباق الحياة، فيستطيع كل واحد منهم أن ينال إكليل النصرة الذي لا ينحل. يدرب الملاكم نفسه حتى متى واجه خصمه في حلقة الملاكمة يستطيع أن يُوَجِّه الضربة حسنًا. وإن فشل في التدريب الحسن سيضرب بذراعيه يمُنة ويُسرى كمن يضرب الهواء. عندئذ يصير هدفًا صائبًا من خصمه. هكذا يلزم أن يدرك المؤمن قيمة جسده لهذا لم يرد الرسول أن يكون كمن يضرب الهواء.

18. الالتزام بالمسئولية: يلتزم بالواجبات التي عليه، ولا يستخفّ بأية مشورة تُقَدَّم له. يقول الرسول: [لأنه إن كنت أُبَشِّر فليس لي فخر، إذ الضرورة موضوعة عليَّ، فويل لي إن كنت لا أُبَشِّر (1 كو 9: 16). يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لن أكف عن القيام بواجبي مهما تكن الأسباب، فقد وُجِدت هنا من أجل هذا العمل[26].]

19. الأمانة والإخلاص: أمين في الكثير كما في القليل، لا ينسى محبة الآخرين له، وإخلاصهم، فيرد الحب بالحب، والإخلاص بالإخلاص. وفي نفس الوقت يطلب نعمة الله ليرد حتى الشرّ بالخير، والمعونة لمن أساء إليه. لا يَقْبَل أن تدخل العداوة في فكره أو قلبه مهما كان موقف الآخرين له.

20. المثابرة والجلد: إنسان الله لا يعرف اليأس مطلقًا حتى النفس الأخير، ولا يتوقَّف عن الجهاد حتى على سرير الموت. يدعونا ابن سيراخ أن نختار أصدقاءنا من المثابرين لا المتراخين إذ يقول: "ثابر مع الإنسان التقي، الذي تعرف أنه يحفظ الوصايا، وتتَّفق نفسه مع نفسك، وإذا سقطت يُشارِكك آلامك (ابن سيراخ 37: 12). يقول القديس أنبا أنطونيوس: [يستحيل عليك أن تصير صالحًا أو حكيمًا في لحظة، إنما تحتاج إلى الدراسة والحرص والتمرُّن والتدرُّب والجهاد الطويل (وفوق الكل) الرغبة القوية نحو الخير. الإنسان الصالح المُحِب لله والذي يعرف الله بحقٍ، لا يهدأ قط عن أن يصنع، بدون استثناء، كل الأمور التي ترضي الله. ولكن مثل هؤلاء يندر أن نلتقي بهم[27].]

21. رؤيته المملوءة رجاءً: لا يُرَكِّز على المصاعب التي تُوَاجِهه، بل بروح الرجاء بثقة في نعمة المسيح وقيادة الروح القدس له.

22. الامتنان: فكره وقلبه لا يكُفَّان عن تقديم الشكر لله ولكل أحدٍ، مهما كان عطاء الآخر بسيطًا للغاية. يقول الرسول: "اشكروا في كل شيءٍ لأن هذه هي مشيئة الله في المسيح يسوع من جهتكم" (1 تس 5: 18). شاكرين كل حين على كل شيءٍ في اسم ربنا يسوع المسيح لله والآب (أف 5: 20). الشكر في كل شيء هو سمة خاصة بالسمائيين، الذين إذ يدركوا الله كلي الحكمة والحب يشكرونه من أجل صلاحه وتدبيراته الصالحة. بهذا فإن المؤمن لا يقدر أن يشكر في كل شيء بلسانه ما لم يحمل، خلال المعمودية، الطبيعة الجديدة السماوية والمستنيرة، فيلهج قلبه بتسبحة شكر لا ينقطع. يشعر أنه مدين لأبيه السماوي بكل حياته، مُدرِكًا أبوة الله له ورعايته الفائقة، فتصرخ أعماقه بتسابيح الحمد الخفية، وينفتح لسان إنسانه الداخلي بالترنُّم كما فعل الأطفال والرضع عند دخول السيد أورشليم. إن قبلنا في المسيح الحياة السماوية صار التسبيح نابعًا من أعماق القلب طبيعيًا، يتجاوب معه كل كيان الإنسان، حتى إن كان وسط الضيق. هذا ما هزّ الوثنيون إذ رأوا المسيحيين يُسَبِّحون الله داخل السجون، خاصة حين يصدر الحكم بقتلهم. في القرنين الرابع والخامس على وجه الخصوص كانت الأديرة المصرية وبراريها فراديس لا تسمع فيها سوى صوت التسبيح غير المنقطع، كما أخبرنا القديس يوحنا كاسيان. والكنيسة تعلن طبيعتها المتهللة بالرب بالتسبيح في كل ليتورچياتها، كما في الصلوات الخاصة بكل عضو.

23. الوقار في الكلام مع الابتسامة الهادئة وتحاشي الضحك خاصة بصوتٍ عالٍ. فقد كتب بيلاطس لهيرودس عن السيد المسيح أنه دائم الابتسامة، ولم يوجد قط ضاحكًا ووُجِد في ظروف مُعَيَّنة باكيًا.

24. محبًا للخدمة: سواء للأفراد أو العائلات أو الكنيسة أو الوطن، أو للبشرية، يطلب الخير للجميع ما استطاع، حتى للذين سقطوا في جرائم خطيرة. يرى القديس أغسطينوس أنه مادام الإنسان لازال على قيد الحياة فإن الله يترجَّى خلاصه مهما كانت شروره.

25. تقديم الخدمة للأخرين: بغض النظر عن سنه أو جنسيته أو جنسه أو ديانته أو مبادئه وفلسفته.

26. حكيم ومشير صالح: فهو يطلب مشورة صالحة لنفسه، ويُقَدِّم مشورة صالحة للغير ما استطاع.

27. الصدق: إن كان الشيطان يُدعَى الكذّاب وأبو الكذّابين، يلزمنا أن نلتصق بالصدق مهما كانت التكلفة.

28. المُهذَّب صاحب الأخلاق الكريمة: يليق بنا أن نتعامل بروح الوقار والاحترام بأسلوب مُهذَّب (أخلاقي) متذكِّرين أن كل البشرية خُلِقَت على صورة الله ومثاله.

29. الولاء والإخلاص: يليق بنا أن نتَّسِم بالولاء والإخلاص في كل معاملاتنا، خاصة في العمل ولا نَقْبَل ما ينادى به البعض أننا نعمل قدر ما يُقَدِّمون لنا من أجر! يلزمنا أن نسلك بإخلاص حتى مع الذين يخطئون في حقّنا.

30. أن نكون عصاميين وكادحين، لا نتوقَّف عن العمل بمثابرة وجهاد حتى النفس الأخير.

31. بُعد النظر: فنتعامل مع الطفل الصغير كمن نُدَرِّبه على روح القيادة بحكمة بما يناسب إمكانياته وقدراته ومواهبه، مشتهين فيه أن يصير أكثر منّا في قدراته ومواهبه ومعرفته، ليخدم المجتمع بل وكل إنسان يلتقي به. أيضًا لا نتوقَّف عن العمل متطلعين إلى الثمر الذي يجنيه الجيل القادم أو الأجيال القادمة، فكثيرون غرسوا أشجارًا صغيرة وهم يعلمون أن أبناءهم سيأكلون من ثمارها.

32. قبولنا للتعلُّم بلا توقُّفٍ، ففي كل يوم نتعلَّم درسًا جديدًا حتى اليوم الأخير من حياتنا.

33. تحقيق رسالتنا كأناس الله: فالرسول بولس كان يُذَكِّر شعبه أنهم سفراء عن المسيح (2 كو 5: 20)، وأبناء الله، لذا ينبغي أن يكونوا أُناس صلاة بلا انقطاع!

34. أن نكون مُتحفِّظين: فلا نسلك بروح اللهو، كأن حياتنا بلا هدف ولا قيمة، بل نضع نصب أعيننا الميراث الأبدي الذي نقتنيه بفضل دم ربنا يسوع المسيح كهبة مجانية مدفوعة على عود الصليب. إننا مدعوّون للقاء مع ربنا على السحاب بكوننا العروس السماوية التي تلتقي بعريسها السماوي، وتزفّها الطغمات السماوية في موكب سماوي ويدخلون بها إلى حضن الآب.


 

2. فضيلة التمييز والاستنارة

1. ما هي الفضيلة المسيحية؟

الفضيلة في قلب المؤمن الكنسي هي اتِّحاد مع العريس السماوي، وتمتُّع بالشركة معه في سماته السماوية، بقيادة روحه القدوس. ففي كل صباح، إذ يُصَلِّي المؤمن صلاة باكر ويسبح بها، يذكر قيامة السيد المسيح، العريس السماوي، فيدرك إمكانية قيامته فيه، بالتمتُّع بحياة جديدة سماوية متجددة لن تَقْدُم ولا تشيخ. يتمتَّع بعربون الحياة المقامة في المسيح يسوع، في قلبه وفي سلوكه كربون الكمال السماوي. بفكر إنجيلي يكشف القديس يوحنا الذهبي الفم عن الفضيلة أنها ليست مجموعة أخلاقيات نلتزم بها، إنما أولاً وقبل كل شيءٍ هي اتحاد مع المسيح الذي صار لنا برًا وقداسة وفداءً (1 كو 1: 30). يقول القديس كيرلس الكبير: [ينبوع كل بركة هو المسيح "الذي صار لنا حكمة من الله"، إذ فيه صرنا حكماء وامتلأنا بالمواهب الروحية. الآن من كان متزن العقل يؤكد أن معرفة هذه الأشياء التي فيها نتقدَّم بكل وسيلة بالحياة المقدسة السامية والنمو في الفضيلة إنما هي عطية من الله، يتأهَّل الإنسان للفوز بها[28].]

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذي في السماوات هو كامل" (مت 48:5). ينشر السيد اسم "السماوات" في كل مكان بغزارة رافعًا أذهانهم[29].]

[لقد نزل الله (ليقدم الشريعة) عندما صعد موسى إليه (على جبل سيناء)، أما هنا فالروح القدس ينزل عندما ارتقت طبيعتنا إلى السماء، أو بالأحرى إلى العرش الملوكي[30].]

[بينما ننتظر القيامة المُقبِلة يطلب منا قيامة أخرى، طريقة حياة جديدة في هذا العالم تنبع عن تغيّر في طرقنا القديمة. عندما يصير الزاني طاهرًا، والطمّاع رحومًا، والعنيف لطيفًا. هنا أيضًا قيامة، هي استباق للقيامة المقبلة. كيف يكون هذا قيامة؟ إنها قيامة، لأن الخطية تموت ويقوم البرّ، الإنسان القديم يتحطَّم والحياة الجديدة الملائكية تنتعش. عندما تسمع عن الحياة الجديدة تطلع إلى تغير واختلاف عظيم[31].]

[صار المسيح كل شيء بالنسبة لكم: المائدة والملبس والمنزل والرأس والأصل. " فإنكم جميعًا الذين اعتمدتم قد لبستم المسيح" (غل 27:3). انظروا كيف صار ملبسكم؟ أتريدون أن تعرفوا كيف صار طعامكم؟ يقول المسيح: "كما أنا حيّ بالآب، هكذا من يأكلني يحيا بي" (يو 58:6)؟ وقد صار منزلكم: "من يأكل جسدي يثبت فيّ وأنا فيه" (يو 57:6). ويظهر أنه هو أصلنا وأساسنا عندما يقول: "أنا هو الكرمة وأنتم الأغصان" (يو 5:15)، لكي يظهر أنه أخوكم وصديقكم وعريسكم، يقول: "لا أعود أدعوكم عبيدًا، إذ أنتم أصدقائي" (يو 15:15). مرة أخرى يقول القديس بولس: "قد خطبتكم لرجل واحد، لأُقَدِّمكم عذراء عفيفة للمسيح" (2 كو 2:11). وأيضًا "ليكون بكرًا بين إخوة كثيرين" (رو 29:8).  لم نصر فقط إخوته بل أولاده، إذ يقول: "هأنذا والأولاد الذين أعطانيهم الرب" (إش 18:8). لم نصر أولاده فقط بل وأعضاءه وجسده (1 كو 27:12). إن كانت هذه الأمور التي أشرت إليها غير كافية لتبرهن على حُبِّه ولطفه اللذين يظهرهما لنا، يُقَدِّم لنا شيئًا آخر أكثر تقرُّبًا من هذه عندما يتحدث عن نفسه أنه رأسنا (أف 22:1، 23)[32].]

2. ما هي القداسة في الفكر المسيحي؟

الله القدوس يريد في أبنائه القداسة أو الصلاح والفضيلة، لا ليمارسها المؤمن إلزامًا بل بكامل حريته، وإلاَّ فقدت أصالتها وحافزها. الله الذي وهب الخليقة العاقلة في السماء وعلى الأرض حرية الإرادة لا يقبل أن يُلزم خليقته لممارسة الحياة الفاضلة بغير إرادتهم.

3. كيف نقتني القداسة والتمييز؟

الله القدوس هو مصدر القداسة، فمن يدخل في شركة مع الله، يدرك بنوته للآب القدوس، وسُكنَى الروح القدس القدوس فيه ليُقِيم منه هيكلاً لله، وصيرورته عضوً مقدسًا في جسد المسيح. هذا كله يتحقَّق بالنعمة الإلهية المجانية.

4. إلى أي مدى ننمو في الفضيلة بروح التمييز؟

 الفضيلة الصادقة تهبنا النمو في سمة الشباب الروحي السماوي، دون الدخول في الشيخوخة العاجزة. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم إنه بالنسبة للجسد تحل الشيخوخة بعد الشباب، أما بالنسبة لنفس المؤمن الحقيقي فلن تحل بها شيخوخة، بل تبقى في حالة شباب لا ينتهي، إن أراد ذلك. يقول أيضًا إن نعمة (العماد) عظيمة، لكن إن أردنا تصير أعظم[33]. فالمسيحي لا يتوقَّف عن النمو، إذ يدخل من حالة الطفولة الروحية إلى النضوج الروحي. لكنه، إن أراد، لا ينحدر إلى الشيخوخة الضعيفة العاجزة، بل يبقى دومًا في شبابٍ روحيٍ متجددٍ!

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [الذين يعاقبون، فمن أجل العدالة، أما الذين يكللون، فمن أجل النعمة. فلو أنهم مارسوا ألف عمل صالح، إنما يتمتعون بالسماء والملكوت مقابل هذه الأعمال الصغيرة لأجل حرية النعمة، فيرتفعون إلى ما لا يقاس[34].] كما يقول: [الهروب من الشر غير كافٍ، بل يليق بك أن تُظهر فضيلة عظيمة أيضًا... رب الملكوت نفسه يأتي من الآن فصاعدًا، ويقودنا إلى ضبط أكبر للنفس، داعيًا إيانا من السماء، وجاذبًا إيانا نحو المساكن العلوية[35].]

5. ما هي أهم الفضائل؟

سأل القديس أنبا أنطونيوس أبناءه الرهبان عن أهم الفضائل، وقَدَّم كل راهبٍ الفضيلة التي يعشقها، مركزًا على فضيلة التمييز أو الإفراز أو الاستنارة، فيمكن للإنسان أن يمارس عبادات كثيرة، وبدون التمييز ينحرف عن طريق الحق والقداسة.

يقول القديس إكليمنضس السكندري: [إن خطايانا تغفر بدواء عظيم، بمعمودية الكلمة. إننا بالمعمودية نتطهَّر من جميع خطايانا، ونصير في الحال مُبرئين من الشر. وهي بعينها نعمة الإنارة حتى أننا لا نبقى بعد اهتدائنا (تغيير طريقنا) كما كنا قبل أن نغتسل، نظرًا إلى أن المعرفة تبزغ مع الاستنارة، وتضئ حول العقل، ونحن الذين كنا بلا معرفة أصبحنا على التو متعلمين. هذه المعرفة التي قد أنعم علينا بها.. لأن التعليم البديهي يقود إلى الإيمان، والإيمان يُلقَّن لنا بالروح القدس في المعمودية[36].]

يقول القديس أنبا أنطونيوس[37]: [أحزن البعض أجسادهم بالنسك، وبسبب عدم التمييز هم بعيدون عن الله.]

[كما أن الربابنة (مديري الدفة) وسائقي المركبات يكتسبون خبرة في عملهم بالتمييز (الحكمة في التصرُّف) والجهاد المتواصل، هكذا أيضًا يليق بطالبي الحياة الفاضلة حقًا أن يستخدموا التمييز بيقظة، ويحرصوا أن يعيشوا كما يليق وكما هو مقبول لدى الله. لأن الإنسان الذي يرغب في هذه الحياة الفاضلة ويؤمن إنه يستطيع تحقيق رغبته، ينال بالإيمان عدم الفساد (الحياة النقية).]

[حقًا جاهد كثيرون في الفضيلة جهادًا عظيمًا، لكن بغبائهم (عدم التمييز) أهلكوا أنفسهم، وليس من العجيب أن يحدث هذا معكم... إذ وأنتم متكاسلون في العمل تحسبون أنكم قد نلتم الفضائل.

لقد سقطتم في هذا المرض الشيطاني (الذي يفوق إدراككم)، إذ وأنتم في الظلمة حسبتم أنكم اقتربتم إلى الله وفي النور.]

[صلوا لكي يهبكم الله نعمة الإدراك السليم في كل الأمور، فتقدروا أن تُمَيِّزوا بين الخير والشرّ تمييزًا حسنًا. لقد كتب الرسول بولس "وأما الطعام القوي فللبالغين" (عب 14:5). هؤلاء الذين بواسطة العمل المتواصل والجهاد" تُدرَّب حواسهم وميولهم على التمييز بين الخير والشر، وقد أحصوا كأبناء الملكوت وصاروا من عداد أبناء الله، هؤلاء يعطيهم الله الحكمة والتمييز الحسن في كل أعمالهم، فلا يقدر إنسان أو شيطان أن يخدعهم.

فالعدو يحارب المؤمنين تحت صورة الخير، وينجح في خداع كثيرين، هؤلاء الذين ليس لهم حكمة ولا تمييز حسن. لهذا علّم الرسول بولس عن غِنَى الفهم الذي لا حد لعظمته، المُخَصَّص للمؤمنين، إذ كتب إلى أهل أفسس يقول: "كي يعطيكم إله ربنا يسوع المسيح أبو المجد روح الحكمة والإعلان في معرفته مستنيرة عيون أذهانكم لتعلموا ما هو رجاء دعوته وما هو غنى مجد ميراثه مع القديسين" (أف 17:1، 18). كاتبًا هذا بدافع حُبِّه العظيم المتزايد نحوهم، ولعلمه أنهم إن اقتنوا الفهم لا يعود يكون بالنسبة لهم شيء فيه صعوبة، ولا يمسّهم خوف، بل يُعَزِّيهم فرح الرب نهارًا وليلاً، وتصير الأعمال بالنسبة لهم عذبة في كل حين.

حقًا إن كثيرين من الرهبان والعذارى في المجمع لم يقتنوا الفهم بهذه الدرجة، وأما أنتم فإن أردتم أن تحصلوا عليه بهذا المقدار الذي فيه كمال، فاهربوا من أولئك الذين يحملون اسم "رهبان وبتوليين" دون أن يكون لهم الإدراك الحقيقي والتمييز الحسن. لأنكم إن اختلطتم بهم، لن يدعوكم تتقدَّمون، بل وربما يُطفِئون حرارة غيرتكم، إذ لا حرارة لهم، بل برودة، وهم يسيرون وراء أهوائهم. فإن أتوا إليكم وتحدثوا معكم في أمورٍ أرضيةٍ حسب أهوائهم الخاصة، لا تستكينوا لهذا، إذ كتب الرسول بولس: "لا تطفئوا الروح، لا تحتقروا النبوات" (1 تس 5: 19-20)، عالمين أنه لا شيء يطفئ الروح أكثر من الكلام الباطل.] (رسالة 16)

[اعرفوا مشورات الشرير، فإن جاءكم في زيّ من يُعَلِّم بالحق لكي يخدعكم ويقودكم بمكر، أو جاءكم كملاك نور، فلا تُصَدِّقوه ولا تطيعوه، لأنه يفتن المؤمنين بمظاهر مغرية لها صورة الحق.

ولا يعرف غير الكاملين حيل الشيطان وما يبثه فيهم دائمًا. أما الكاملون فيعرفونها، إذ يقول الرسول: "وأما الطعام القوى فللبالغين الذين بسبب التمرّن قد صارت لهم الحواس مُدرَّبة على التمييز بين الخير والشر" (عب 14:5). أمثال هؤلاء يعجز عن أن يخدعهم. إنما يفتن... أولئك الذين لا يسهرون على أنفسهم، فيصطادهم بطُعْمٍ يبدو لهم حلوًا. وذلك كصيَّاد السمك الذي يخفي صنارته في طُعمٍ حتى يصطاد السمك. وكما يقول سليمان الحكيم: "توجد طريق تظهر للإنسان مستقيمة وعاقبتها طرق الموت" (أم 25:16).

هذا يحدث معهم بسبب اتكالهم على ذواتهم، إذ يتبعون دومًا ميول قلوبهم، ويُحَقِّقون أهواءهم الخاصة، ولا ينصتون إلى آبائهم ولا يطلبون مشوراتهم.

هكذا يُظهر لهم الشيطان رؤى وتصورات خادعة، نافخًا قلوبهم بالكبرياء... وأحيانا يرسل لهم أحلامًا في الليل تتحقَّق في النهار، حتى يسقطوا في حيرة عظيمة، بل وعلاوة على هذا يُظهِر لهم في الليل نورًا يضيء المكان الذين هم فيه، ويصنع لهم أمورًا أخرى كثيرة خاطئة وعلامات... كل هذا لكي تطيب له قلوبهم فيقبلونه كملاك. وبقدر ما يقبلونه، يقذف بهم من علوهم إلى أسفل، بواسطة روح الكبرياء الذي تسلَّط عليهم. ويجعلهم يحسبون أنفسهم عظماء وأجلاء روحيًا أكثر من غيرهم، وأنهم ليسوا بمحتاجين إلى آبائهم أو الإنصات إليهم. هكذا يتم فيهم قول الكتاب المقدس إنهم عناقيد عنب حقيقية زاهرة لكنها مُرَّة وغير ناضجة. فقد صارت تعاليم آبائهم بالنسبة لهم صعبة، إذ يحسبون أنهم عارفون بكل شيء.] (رسالة 18)

يقول القديس مرقس الناسك: [علم التلاميذ الجموع هذا التمييز الذي للصلاة... قائلين: "لا يرضى أن نترك نحن كلمة الله ونخدم موائد، فانتخبوا أيها الأخوة سبعة رجال منكم مشهودًا لهم ومملوئين من الروح القدس وحكمة، فنقيمهم على هذه الحاجة. وأما نحن فنواظب على الصلاة وخدمة الكلمة. فحسن هذا القول أمام كل الجمهور" (أع 2:6-5). ماذا نتعلم من هذا؟ أن الذين لا يقدرون أن يبقوا في الصلاة (طول حياتهم) من الأفضل أن يخدموا (دون أن يمتنعوا عن الصلاة)، لئلا يخسروا الأولى والثانية، وأن الذين لهم الإمكانية (للتفرُّغ للصلاة...) فإنه خير لهم ألا يتركوا ما هو أفضل.]

يقول الأب أوغريس الراهب: [تقترن الحكمة بالسكينة (النياح)، ويقترن التمييز الحسن بالعمل. لا نقدر أن نقتنى الحكمة بدون جهاد، ولا نستطيع أن ننتصر في الجهاد بغير التمييز الحسن. من عمل "التمييز الصالح" أن يصد الغضب الذي تثيره الشياطين، وأن يشدد قوى النفس حتى تعمل هذه القوى قدر المستطاع حسب طبيعتها، وهكذا يمهد التمييز الصالح طريق الحكمة.]

6. ماذا يقول الكتاب المقدس عن التمييز أو الإفراز؟

جاء في المناظرة الثانية للقديس يوحنا كاسيان: [هذا هو التمييز الذي لا يُدعَى فقط "نور الجسد"، بل و"الشمس"، إذ يقول الرسول: "لا تغرب الشمس على غيظكم" (أف 26:4). وُيدعَى أيضًا "سلطانًا"، إذ لا يسمح لنا الكتاب المقدس أن نصنع شيئًا بدونه. "مدينة منهدمة بلا سورٍ، الرجل الذي ليس له سلطان على روحه" (أم 28:25). وبه تسكن الحكمة ويقطن الفهم والمعرفة، وبدونه لا يُبنَى بيتنا الداخلي، ولا نستطيع أن نجمع الغِنَى الروحي الذي لنا، فقد قيل: "بالحكمة يُبنَى البيت، وبالفهم يثبت. بالمعرفة تمتلئ المخادع من كل ثروة كريمة ونفيسة" (أم 3:24-4). وهو "الغذاء الكامل" الذي يقتات به الكاملون في النمو والصحة، إذ قيل: "وأما الطعام القوي فللبالغين الذين بسبب التمرُّن قد صارت لهم الحواس مُدَرَّبة على التمييز بين الخير والشر" (عب 14:5). وتظهر أهميته وضرورته بالنسبة لنا بمقدار ما لكلمة الله وقوتها من أهمية، إذ قيل: "لأن كلمة الله حيَّة وفعَّالة وأمضى من كل سيف ذي حدين وخارقة إلى مفرق النفس والروح والمفاصل والمخاخ ومميزة أفكار القلب ونياته" (عب 12:4). من هذا يظهر بوضوح أنه لا يمكن أن تكون لفضيلة ما كمالها المطلوب، أو تدوم، بدون نعمة التمييز. وكما يقول الطوباوي أنطونيوس كغيره أيضًا من الآباء، بأن التمييز هو الذي يقود الإنسان الشجاع بخطوات ثابتة نحو الله، ويحفظ له دوام سلامة الفضائل المشار إليها بغير سأم، حتى تبلغ أقصى ذروة الكمال. وبدونه لا يمكن الوصول إلى مرتفعات الكمال مهما كان الجهاد بكل رغبة. فالتمييز هو أهم كل الفضائل، وحارسها، ومُنَظِّمها.]

7. من يهبنا روح الاستنارة أو التمييز؟

يقول الأب موسى[38]: [لا توجد فضيلة واحدة يمكننا أن نحصل عليها بمجهودنا البشري ما لم تعيننا النعمة الإلهية. ونحن نرى في الكتاب المقدس أن التمييز حُسِب ضمن مواهب الروح، إذ يقول الرسول: "فإنه لواحد يعطى بالروح كلام حكمة ولآخر كلام بحسب الروح الواحد، ولآخر إيمان بالروح الواحد، ولآخر مواهب شفاء بالروح الواحد... ولآخر تمييز الأرواح"... لقد رأيتم إذن كيف أن موهبة التمييز ليست موهبة أرضية، ولا هي بالأمر الهيِّن، إنما هي عطية عظمى تهبها النعمة الإلهية. إن لم يسعَ الإنسان[39] بكل حماس نحو التمييز... حتمًا يخطئ ويصير كمن هو في ظلمة الليل وحلكة الظلام، ولا يسقط فقط في الأشراك والأهواء بل ويخطئ حتى في الأمور السهلة.]

يقول القدّيس أغسطينوس: [أيها النور الحقيقي الذي تمتَّع به طوبيا عند تعليمه ابنه، مع أنه كان أعمى! أيها النور الذي جعل اسحق، فاقد البصر، يُعلن بالروح لابنه عن مستقبله!... أنت هو النور الذي أنار عقل يعقوب، فكشف لأولاده عن الأمور المختلفة!... أنت هو الكلمة القائل: "ليكن نور، فكان نور". قل هذه العبارة الآن أيضًا، حتى تستنير عيناي بالنور الحقيقي، وأُمَيِّزه عن غيره من النور. فبدونك كيف أقدر أن أُمَيّز النور عن الظلمة، والظلمة عن النور؟! نعم... خارج ضيائك، تهرب الحقيقة منّي، ويقترب الخطأ إليّ، ويملأني الزهو... ويصير فيّ الارتباك عِوَض التمييز، يصير لي الجهل عِوض المعرفة، والعَمى عِوض البصيرة![40]]

8. ما هو ارتباط العقل البشري بروح التمييز؟

وهبنا الله العقل البشري، وقَدَّم له عطية التمييز، ليعيش كائنًا عاقلاً يتفهَّم الأمور المحيطة به، بل ويبحث عن معرفة الله. يريدنا الله - محب البشر – أن نحمل روح الفهم والتمييز حتى في عبادتنا له. يقول العلامة أوريجينوس: [كما أن العين بطبيعتها تطلب النور والبصر، والجسد برغباته الطبيعية يطلب الطعام والشراب، هكذا العقل له رغبته الطبيعية أن يعرف حق الله، ويبحث في علل الأشياء؛ هذه الرغبة التي هي من عند الله[41].]

 في إبداع يُحَدِّثنا القديس مار يعقوب السروجي عن سمو العقل في حياة الإنسان، فيُشَبِّهه وهو في رأس الإنسان أي في العلو بالله الساكن في الأعالي، أي في السماوات. فمن كلماته: [أتقن (الله) المخ بيتًا للعقل، ليجلس هناك في الطابق العلوي مثل الله[42].] كما يقول: [من يأتي إلى الكنيسة، لا يأتي بدون تمييز مثل الحيوانات التي لا فهم لها. لا يزور أحد عيادة الطبيب كنوعٍ من العادة، ما لم يجبره المرض لزيارته طلبًا للشفاء[43].]

مادام للعقل دوره القيادي مع الإرادة البشرية في حياة الإنسان لهذا يُحَذِّرنا القديس مار يعقوب السروجي من التهاون في تقديسه، والانحراف نحو إتِّباع الشهوات الجسدية التي تظلم العقل، وتنحط بالنفس لتصير في عبودية للجسد، حتى تبدو كأنها جسدية. [يظلم العقل بالشهوات لئلاَّ يفهم... فمن أكثر من طعامه، أنزل نفسه لتصير جسدًا[44].]

9. هل يرتبط روح التمييز بعمر الإنسان؟

يقول الأب موسى: [كما أنه ليس كل الشباب متشابهين من جهة غيرتهم في الروح أو متساوين في تَعَلُّمهم التعاليم والآداب القويمة، كذلك أيضًا ليس كل الشيوخ متشابهين في الكمال والفضيلة. فالغنى (الروحي) الحقيقي لا يقاس بشيبة الرأس بل بالجهاد منذ الصغر وحسب أكاليل أعمالهم السابقة... لأن الشيخوخة المكرمة ليست هي القديمة الأيام ولا هي تُقَدَّر بعدد السنين. "ولكن شيب الإنسان هو الفطنة وسن الشيخوخة هي الحياة المُنَزَّهة عن العيب" (حك 9:4)... وعلى ذلك فليس لنا أن نقتدي بأي شيخ غطى الشيب رأسه... بل نتبع آثار أولئك الذين امتازوا منذ صباهم بالحياة اللائقة المستحقة كل ثناء، الذين تدرَّبوا حسب تقاليد الآباء وليس حسب ذواتهم. عبر البعض إلى الشيخوخة بالفتور والكسل، هؤلاء يوبخهم الله بالنبي قائلاً: "أكَلَ الغرباء ثروته وهو لا يعرف وقد رُشَّ على الشيب وهو لا يعرف" (هو 9:7)... هؤلاء يستخدم الشيطان شيبتهم لخداع الشبان، عن طريق مظهر وقارهم الخاطئ، خادعًا من كان يلزم أن يجتهدوا في طريق الكمال بواسطة نصائحهم... مسقطًا إياهم (الشبان) في عدم الاكتراث أو اليأس المميت وذلك عن طريق تعاليم أمثال هؤلاء الشيوخ وأعمالهم[45].]

10. ما هو ارتباط التمييز بالتواضع والاعتدال؟

يقول الأب موسى: [يلزمنا أن نطلب فضيلة "التمييز" بكل طاقاتنا عن طريق الاتضاع، هذا الذي يحفظنا بدون أي ضرر في أي جانب من الجانبين... فالمغالاة في الصوم والنهم كلاهما يؤديان إلى نهاية واحدة. والمغالاة في السهر في الفضائل يوازي التراخي في نوم عميق من جهة ضررهما للراهب. وحينما يضعف الراهب بسبب التقشف الزائد يعود إلى الحالة التي يكون فيها الراهب مُهمِلاً ومقصرًا. لذلك نرى أن أولئك الذين لم ينخدعوا بالنهم كثيرًا ما يهلكون بالصوم الزائد. وتؤدي الفضائل غير المعتدلة والسهر ليلاً الزائد إلى نفس الهلاك الذي يُسَبِّبه النوم. وفي ذلك يقول الرسول "... بسلاح البر لليمين ولليسار" (2 كو 7:6).

      فلنتقدم باعتدال سليم، ونسير في الطريق الوُسطى بروح التمييز.

      فإنني أَتذكَّر إنني كنت أُقاوِم شهوة الطعام حتى كنت أمتنع عن أخذ أي شيء لمدة يومين أو ثلاثة أيام، ولم يكن ذهني يضطرب حتى بتذكُّر أي طعام ما. وأما عن النوم فإنه بخداع شيطاني نزع النوم من عيني لمدة عدة أيام وليالي، حتى أنني توسلت إلى الله أن يمنحني قليلاً من النوم. لقد شعرت أنني في خطر عظيم بسبب نقص الطعام والنوم أكثر مما في الجهاد ضد الاسترخاء والنهم.

      فيلزمنا أن نحذر لئلا نسقط في التدليل عن طريق التنعُّم الجسدي والتساهُل مع أنفسنا بالأكل قبل الميعاد المناسب، أو الأكل بشراهة، وفي نفس الوقت يلزمنا أن نقتات بالطعام والنوم كما يتناسب معنا حتى ولو لم نحب ذلك... لأن الزهد المغالى فيه أكثر ضررًا من الشبع بغير حرص، لأن الأخير يتدخَّل فيه تأنيب الضمير فيفيدنا ويدفعنا إلى المستوى الحقيقي بدقة، أما المغالاة فلا يحدث فيه تأنيب ضمير...

فالعقل الذي يتعب بسبب قلة الطعام يخسر نشاطه في الصلاة، فينهك العقل بسبب الضعف الزائد للجسد ويرغم على التراخي، ثم يعود ليتضايق بكثرة الطعام، وبالتالي لا يقدر أن ينسكب في الصلوات بانطلاق ونقاوة أمام الله، ولا ينجح في حفظ نقاوة عفته على الدوام. فإنه وإن أبدى أنه يطهّر الجسد بتقشفه العنيف إلا أنه يغذي شهوات الجسد بوقود الطعام الذي يأخذه[46].

11. ما هو ملخص المبادئ التي يقدمها الأب موسى بخصوص الإفراز؟

·     التمييز هو عين القلب التي تفرز الأفكار والأعمال مميزة إيّاها. هو عطية إلهية يلزمنا أن نثابر في طلبها بلجاجة من الله "الحكمة" ذاته.

·     التمييز يحفظ الإنسان من الضربات اليمينية كالمغالاة في السهر أو الصوم أو الزهد مما يسقط الإنسان في الكبرياء، كما يحفظه من الانحراف اليساري فلا يقبل التراخي والكسل وأفكار الشر.

·     أولاد الله المتضعون في تمييزهم:

1. لا يعتمدون على فكرهم الذاتي بل يتمسكون بفكر الآباء الأولين وروحهم مقتدين بهم في الرب.

2. لا يخفون شيئًا من أفكارهم وأعمالهم عن أب اعترافهم، لأن الفكر الشرير ينكسر سلطانه متى خرج إلى النور، وأيضًا يظهر خداعه ويفضحه.

3. الشيبة ليست هي كل مؤهلات الراعي (أب الاعتراف)، إنما يلزم أن يكون مُحنكًا في الشركة مع الرب، سالكًا بلا عيبٍ.


 

3. فضيلة الطاعة[47]

1. لماذا يمتعض البعض من الطاعة؟

ارتبطت هذه الكلمة في أذهان الكثيرين، خاصة الفتيان، بالشعور بضعف الشخصية مع الشعور بالمذلة للغير، سواء للوالدين أو المرشدين من قادة المجتمع سواء في المدرسة أو في العمل أو الكنيسة. إذ يرون فيها رغبة القادة في السيطرة وفرض آرائهم وخبراتهم على الغير، مما يُسَبِّب صغر نفس والرغبة في التمرُّد، إن صح التعبير، إن لم يكن خلال تصرفات ظاهرة، فبالكبت الداخلي.

الآن لماذا يُطالِبنا الله بالطاعة؟ هل الطاعة تتطلَّب تجاهل حق الحوار؟ هل يدعونا الله للطاعة العمياء؟ - وما هي غاية الطاعة؟ هل نعيش في مذلةٍ؟  مثل هذه الأسئلة تدفعنا للتمييز بين عظمة الطاعة الإنجيلية والطاعة العمياء، وتصحيح المفاهيم الخاطئة للطاعة.

2. هل الطاعة تعني ضعف الشخصية؟

أذكر جاءتني سيدة تقول لي إن لها طفل رقيق الطبع ولطيف للغاية، التحق بإحدى الحضانات، وفي أول يوم عاد من الحضانة صنع شيئًا خاطئًا، فقالت له السيدة: لا تفعل. أجابها الطفل: لا، سأفعله. بلطفٍ قالت له: "هذا خطأ، لا تفعله". فكانت الإجابة: "لا، سأفعله، أنا قلت لا... يعني لا".

خشت الأم أن تفقد علاقتها بالطفل، فتجاهلت الأمر وصمتت. وفي اليوم التالي سألته إن كان يذكُر ما فعله اليوم السابق. فأجاب بالإيجاب. سألته: "ما هو رأيك فيما فعلته؟" أجاب: "خطأ!" قالت له: "ولماذا تفعل الخطأ؟" أجاب: "يا ماما أنتِ لا تعرفين، لو أنني قلت نعم، لكان هذا معناه أن شخصيتي ضعيفة!" دُهِشَت الأم، فإن هذا أول درس تعلَّمه من الأطفال حول الطاعة أنها لا تعني سوى ضعف الشخصية والخنوع. بحكمةٍ صنعت الأم شيئًا خاطئًا أمامه، وإذ قال لها إن هذا خطأ توقَّفت عن عمله. وبعد يومين دخلت معه في حوار. هل عندما سمعت كلماته يعني هذا أن شخصيتها ضعيفة. أجاب الطفل: "لا، بل أحببتك لأنكِ سمعتي لي". قالت له: إن الطاعة والحوار لا يفقدنا قوة الشخصية، بل يجعلنا محبوبين وناضجين!

3. من هو الأعظم؟

يقول الإنجيلي لوقا عن الطفل يسوع: "كان خاضعًا لهما" (لو 51:2). من هو الأعظم: يسوع المسيح أم القديسة مريم والقديس يوسف؟ ليس من وجه للمقارنة بين كلمة الله المتجسد الخالق وبين المخلوقين مريم ويوسف، ومع هذا خضع لهما، لا عن خنوعٍ، بل بروح الحب والقوة يحاورهما، فعندما عاتبته القديسة مريم: "لماذا فعلت بنا هكذا؟ هوذا أبوك وأنا كنا نطلبك معذبين!" (لو 48:2)، أجابها: "لماذا كنتما تطلبانني؟ ألم تعلما أنه ينبغي أن أكون في ما لأبي؟" (لو 49:2) بحكمةٍ وَرقةٍ وشجاعةٍ تحدث الصبي مع أمه، مُعلِنًا أن له رسالة إلهية سماوية لم يستطيعا في ذلك الحين إدراكها.

عظمة الإنسان لا في إصدار أوامرٍ أو نواهٍ، وإنما إدراك رسالته والعمل بجديةٍ في تحقيقها... بهذا لا يطلب السُلطة ولا يخاف من الطاعة والخضوع بروح الحكمة والتمييز.

الطفل الصغير الذي لا يُدرِك رسالته، كثيرًا ما يثور ويغضب سريعًا. هذا كله يكشف عن عدم النضوج بعد، وعدم معرفته وتقديره لرسالته. أما الإنسان الناضج، فيُحَقِّق رسالته بروح الطاعة والخضوع وبرقةٍ ولطفٍ. هذه هي علامات النضوج الحقيقي والعظمة!

4. هل الطاعة هي إحدى علامات الشركة في سمات ربنا يسوع المسيح؟

كثيرًا ما دافع الرسول بولس عن لاهوت السيد المسيح ومساواته للآب في ذات الجوهر ووحدته، ولكن قد يتعثَّر البعض في كلماته: "ومتى أًخضع له الكل، فحينئذ الابن نفسه أيضًا سيخضع للذي أُخضع له الكل، كي يكون الله الكل في الكل" (1 كو 28:15). يتساءل البعض: كيف يخضع الابن لله الآب؟ الخضوع هنا لا يُفهَم بالفكر البشري الذي أفسد معنى الطاعة أو الخضوع، لكنه سمة التواضع التي لآدم الثاني ربنا يسوع القائل: "تعلَّموا مني، لأني وديع ومتواضع القلب، فتجدوا راحة لنفوسكم" (مت 29:11).  راحة النفس وعظمتها أن تشارك مسيحها سمة الوداعة والتواضع، فتجد في الطاعة راحة سماوية فائقة ومجدًا حقيقيًا.

5. من هو القائد والرئيس؟

 عُرِف القديس باخوميوس، الرجل العسكري، بحزمه الشديد في نظام الشركة، حيث أنشأ أكثر من عشرة أديرة للرجال في صعيد مصر بجانب ثلاثة أديرة للراهبات، وكان عدد الرهبان في الدير الرئيسي في بافو حوالي 1500 راهبًا. كان هو الرئيس العام لكل هذه الأديرة.

في أحد الأيام إذ كان القديس باخوميوس ينتظر مجموعة من المتوحدين ليلتقي بهم، لاحظ تلميذه الخاص تادرس أن ملبسه قديم جدًا وغير لائقٍ، وكان هو المسئول عن ملابس الرهبان. طلب التلميذ من مُعَلِّمه أن يستبدل ثوبه لمقابلة الضيوف، فلم يهتم الأب بذلك. كَرَّر الأمر مرة ثانية فثالثة ولم يستبدل الأب ثوبه، وإذ راجع الأب نفسه دخل قلايته وبكى بمرارة لأنه لم يطع تلميذه. واعترف بخطيته أمام تلاميذه الرهبان! هكذا حسب مؤسس نظام الشركة في عدم الطاعة خسارة عظيمة. فالطاعة في ذهنه ليست من طرفٍ واحد بل خلال الحب والتمتُّع بالحياة الجديدة تكون متبادلة، وبحكمة وتمييز!

6. ما هو مفهوم الطاعة في مسيحنا الوديع؟

 الطاعة هي تمتُّع بكرامة الشركة في سمات مسيحنا الوديع المتواضع القلب. أطاع الآب مع أن إرادته واحدة مع إرادة الآب، ففي محبته قال: "يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكاس، ولكن ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت" (مت 26: 39)، إنه لا يحمل إرادة مختلفة عن إرادة الآب. بقوله هذا يحملنا فيه لنُرَدِّد ذات كلماته باعتزاز فنتنازل عن إرادتنا من أجل تحقيق الإرادة الإلهية المُعلَنة لنا خلال من هم حولنا. الإنسان المُعتد برأيه لا يتمتَّع بروح الحق والتمييز قيل: اثنان لا يُغَيِّران رأيهما قط، وهما الغبي والميت! أما الحكيم المتزن فيقبل رأى الغير، ويُسر أن يطيع مادام في الحق.

لكن، قد يسأل أحد: كيف أعرف صوت الحق فأطيعه؟ أو من يدريني أن النصيحة المُقَدَّمة لي هي حق.

قيل عن أحد الأشخاص، أنه وهو في أحد براري شمال غرب أفريقيا... رأى شبه عاصفة ضخمة من التراب، إذ اقترب من العاصفة وجد أعدادًا لا حصر لها من الأغنام سببت في سيرها هذه العاصفة الترابية. فجأة ظهر ستة رعاة معًا. وإذ مالت القطعان إلى جدول مياه شربت واستراحت. بعد قليل انعزل أحد الرعاة عن الرعاة الخمسة الآخرين، وابتعد قليلاً ثم بدأ يغني، وإذا بعدد قليل من الغنم يترك كل القطعان وينسحب نحو هذا الراعي، ومع استمرار الراعي يغني، تسلسل قطيعه بالتدريج وتجمع حوله بينما ظلت بقية القطعان معًا. وتكرر الأمر، انسحب راعي آخر وبدأ يغني فتجمع أيضًا قطيعه، وهكذا مع بقية الرعاة. عندئذ تذكَّر هذا الشخص قول السيد المسيح: "الخراف تتبعه، لأنها تعرف صوته، وأما الغريب فلا تتبعه، بل تهرب منه، لأنها لا تعرف صوت الغرباء" (يو 4:10-5).

حين تتساءل: كيف أعرف صوت الحق عندما يحدثني أحد؟ الإجابة: إن كُنت صديقًا له وتمارس الشركة معه، حتمًا تعرف صوته وتطيع كلماته خلال الآخرين، خاصة القادة.

قيل أيضًا: إنه في أثناء الحرب العالمية الأولى حاول بعض الجنود أن يستولوا على مجموعة من القطيع أثناء نوم الراعي، وكان ذلك على تل بجوار أورشليم في يوم حار. استيقظ الراعي فجأة ووجد قطيعه يقوده الجند. وإذ شعر باستحالة الوقوف أمام الجند، خطرت بباله فكرة لاستعادة القطيع. انطلق إلى الجانب الآخر، وبدأ ينادي قطيعه بصوته وللحال اندفع القطيع نحوه ولم يستطع الجند السيطرة على الموقف. وبينما كان الجند في حيرة ماذا يفعلون كان الراعي قد انطلق إلى منطقة آمنة والقطيع حوله. لقد عرف القطيع صوت راعيه![48]

قيل إنه في إحدى العروض حيث كان الآلاف ينتظرون مشاهدة عروض الكلاب، ضل أحد الكلاب، ونزل إلى الساحة، وفي ارتباك شديد صار يجول من هنا وهناك. كثيرون كانوا يصفرون له لكي يأتي إليهم لعلهم يردّونه إلى صاحبه، لكنه لم يبالٍ. وأخيرًا صفّر أحد الصبيان من بعيد فانطلق الكلب نحوه وارتمى عليه. لقد عرف صوت صاحبه وميَّزه من آلاف الأصوات!

7. هل نسمع لصوت محبوبنا؟!

 روى دكتور Lee Robertson هذه القصة: لاحظ ذات يوم جمهرة من الناس معًا، وإذ بكلب يتحرَّك ليمارس عملاً ما. تطلع روبرت روبرتسون هنا وهناك ليرى ماذا وراء الكلب. وإذا به يجد صبيًا يُتَمْتِم بشفتيه، والكلب قد وجه أنظاره إليه. بعد قليل سار الكلب نحو هذا الصبي وهو يهز ذيله علامة سروره، وقد ركَّز عينيه على الصبي دون سواه، ثم اقترب منه جدًا. شعر روبرتسون كأن الكلب يقول له: "ألم أجعلك مسرورًا بي؟ ألم أطعك تمامًا؟" في حنان ولطف... ربت الصبي على رأس الكلب وهو يقول له "حسنًا "Good doggie مكررًا هذه العبارة. سار روبرتسون إلى الصبي وسأله: "هل يمكن أن تبيعني هذا الكلب العجيب بخمسة عشر دولارًا؟" وكان هذا المبلغ في ذلك الحين يُمَثِّل قيمة كبيرة. أجابه الصبي: ولو دفعت مئة ضعف هذا المبلغ لن أفرط في كلبي المحبوب! انهارت الدموع من عيني روبرتسون وانسحب وهو يقول في أعماقه: "لقد عرف هذا الكلب أن يُسر صاحبه ويطيعه، هل لي يا رب أن أكون موضع سرورك وأستمع إلى صوتك، فاسمع صوتك: نعمًا أيها العبد الأمين والصالح". منذ ذلك اليوم لم تفارقني هذه المشاعر قط!"

8. كيف نمارس الطاعة مع بساطة المعرفة؟

 قيل إن سيدًا ملحدًا كان لديه عبد بسيط للغاية ومحب لله، وكان لا يكف عن أن يشهد للسيد المسيح بروح البساطة. وفي أحد الأيام أراد السيد أن يسخر به... استدعاه وسأله: "هل أنت كارز يا سام؟" أجابه العبد: "إني أحب سيدي يسوع المسيح، وأود أن يتمتَّع الكل بحبه؟" سأله السيد: إن كنت مبشرًا، فيلزمك أن تكون عارفًا بمعاني الكتاب المقدس. أخبرني ما معنى عبارة: "الذين سبق فعرفهم سبق فعيَّنهم" (رو 29:8). في بساطة سأله العبد: أين هذه العبارة يا سيدي؟" أجابه السيد: "في رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية!" عندئذ في بساطة قال له العبد: "سيدي العزيز، إني سأشرح لك هذه العبارة في بساطة شديدة... لتبدأ بإنجيل متى وإذ تنفذ كل ما أمر به مسيحنا المحبوب في هذا الإنجيل، ابدأ في إنجيل مرقص ونفذ كل ما أوصانا الرب المحبوب فيه، ثم إنجيل لوقا وأطع كل وصايا الرب الواردة فيه، ثم إنجيل يوحنا، فأعمال الرسل، وإذ تصل إلى رسالة رومية ستجدها سهلة جدًا وواضحة تمامًا!

9. ألا نطيع صوت ملك الملوك؟

 إذ كان أحد المبشرين يتمشى في حجرة الطعام بالفندق في الهند لم يجد له موضعًا سوى كرسي بجوار اثنين أحدهما قائد بالجيش والثاني قائد في البحرية ومعهما عائليتهما. كانا يتناقشان معًا، فقال أحدهما للآخر: إني متعجب لماذا يأتي المبشرون إلى الهند؟ لماذا لا يلتزمون ببقائهم في بلادهم؟

تدخَّل المبشر وسأله: "إن صَدر لك أمر الآن من القائد الأعلى أن ترحل فورًا مع الجند إلى موقع مُعَيَّن للدخول في معركة ضد العدو، فهل تتأخَّر؟ أجابه القائد: "يستحيل، لأني ملتزم بالطاعة لرئيسي لصالح بلدي. عندئذ أجابه المبشر: "أيها القائد العظيم، إني مسيحي، ويسوع المسيح هو ملكي. أخدمه كمواطنٍ في ملكوت الله. ملكي قام من الأموات، وعهد إلينا مسئولية إلهية: "اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس..." (مت 19:28). لهذا السبب جئنا هنا إلى الهند، لنُتَمِّم أوامر ملكنا ونخدم مملكته".

10. ما هو تقديرك للشخص المطيع؟

 جاء عن أحد المزارعين أنه رأى مجموعة من الفرسان قادمين من بعيد، وإذ خشي أن يعبروا بحقله ويُسَبِّبوا خسائر لمزروعاته، طلب من صبي يعمل معه أن يغلق باب الحقل. أسرع الصبي وأغلق الباب. وفي لحظات بلغ الفرسان إلى الباب، فأمر أحد الفرسان أن يفتح الباب، فأجابه الصبي: "لا أستطيع! فإن سيدي أمرني بإغلاق الباب. عندئذ قال له الفارس: "أما تعرفني؟ أنا "دوق والنكتن Duke of Wellington" وأنا آمرك أن تفتح الباب لكي أعبر أنا وأصدقائي". رفع الصبي قباعته وحيّا الدوق بكل وقارٍ، ثم قال له: "إني واثق أن "دوق والنجتون" لن يَقْبَل أن أعصى أوامر سيدي، فإني أشعر بالالتزام أن أترك الباب مغلقًا ولا أسمح لأحد أن يعبر منه إلا بسماح من سيدي". سُرّ الدوق من ولاء الصبي وطاعته لسيده، ورفع الدوق قباعته يحي الصبي المطيع والشجاع، قائلاً: "إني أحيي الصبي أو الرجل الذي لا يخاف من الامتناع عن فعل ما هو خطأ. قَدَّم الدوق جنيهًا ذهبيًا للصبي، ثم انصرف هو وأصدقاؤه دون أن يدخل الحقل! هكذا تملي الطاعة على الغير أن يحترموا ويقدروا الإنسان المطيع لقادته في الرب.

11. هل يلتزم الأبناء والمرؤوسين بالطاعة العمياء للقادة إن طلبوا منهم ما يخالف وصية إلهية؟

عندما عاتَبَت القديسة مريم ابنها ربنا يسوع لأنه بقي في الهيكل ثلاثة أيام يحاور المُعَلِّمين وتركها هي والقديس يوسف مُعَذّبَيْنِ (لو 2: 41-52)، لم يعتذر لها لإرضائها، إنما بروح الخضوع لها قال: ""ألم تعلما أنه ينبغي أن أكون في ما لأبي؟!" وعندما تحدث الرب عن صلبه وموته قال له بطرس: "حاشاك يا رب لا يكون لك هذا" (مت 16: 22)، اِلتفت إليه الرب "وقال لبطرس: اذهب عني يا شيطان! أنت معثرة لي، لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس" (مت 16: 23).

12. ما هو رأي القديس باسيليوس في الطاعة على حساب الوصية الإلهية؟[49]

إحدى أساسيات النظام الرهباني الباسيلي الطاعة، لذلك كثيرًا ما أشارت إليها كتابات القديس، بالأخص كتاباته النسكية وقوانينه الرهبانية. 

١. إن أدرك أحد أن العلاج الذي يُقَدِّمه الرئيس مُناقِضًا للوصية، يلزمه أن يعترض سريًا، فإن لم يجد استجابة، يعترض علانية.

٢. إن اختلف راهب في رأيه مع الرئيس، وأدرك أن أمر الرئيس لا يمسّ وصية إلهية، يلتزم بالصمت.

٣. إن تشكَّك في الأمر، ولم يستطع أخذ قرار إذ لم يعرف إن كان أمر الرئيس مُخالِفًا للوصية أو غير مخالفٍ، يلجأ إلى آخرين، فإن رأوا أن ما يطلبه الرئيس مخالفًا للأسفار المقدسة، يكون بهذا قد خَلَّص نفسه وإخوته من العصيان لوصية الله.

٤. لا يجوز للراهب أن يُسَبِّب مناقشات باطلة خطيرة من جهة قرارات الرئيس مادام غير متأكد أنها ضد الوصية الإلهية، حتى لا يُسَبِّب عثرة للبسطاء في الإيمان.

٥. يُحَذِّرنا القديس من الذين يرغبون في المقاومة والعناد وإثارة منازعات دائمة بلا سبب، مثل هؤلاء يُطرَدون من الجماعة.

13. ما هو موقف المؤمن إن طلب منه الشخص أن يحاوره فيما سأله أن يفعله؟

أ. لا يليق بنا أن نطلب من الآخرين أن يطيعونا بدون حوارٍ، فالله نفسه فتح باب الحوار مع إبراهيم الذي شعر أن حرق سدوم وعمورة لا يتناسب مع عدالة الله (تك 18: 25).

ب. نعطى للأبناء وللمرؤوسين الفرصة للحوار معنا بروح الحب، فيدركون تقديرنا لأشخاصهم كأناسٍ من حقهم التفاهم مع والديهم، فلا يخضعون في طاعة عمياء، كأنهم كائنات غير عاقلة.

14. ماذا يفعل المؤمن إن لاحظ أن أحد المسئولين يخالف وصية إلهية؟

أ. يضع في قلبه قول إشعياء النبي: "ويل للقائلين للشر خيرًا، وللخير شرًا" (إش 5: 20). لا يليق أن نجعل النور ظلامًا، ولا نحسب الظلام نورًا.

Jesus--Holy-Shroud-ب. يليق بنا إن رأينا إنسانًا كسر الوصية أو ظننا أنه انحرف عن استقامة الإيمان، أن نراعي في تصرفنا معه الآتي:

·    إن كانت لنا دالة عليه، نسأله كمن يستفسر لا كمن ينتقد.

·    إن لم يكن لنا دالة عليه نبحث عمن له دالة عليه ويكون حكيمًا في كلماته وتصرفاته.

·    مراعاة عدم التشهير به حتى في وسط الأصدقاء حتى أن كان مخطئًا، بل نقتدي بإلهنا الذي يستر علينا، دون التراخي مع الشر.

تخصيص صلوات وأصوام وممارسة مطانيات لكي يستلم الرب نفسه الأمر، وأن يحفظنا الله من التشهير بالآخرين، واهبًا إيانا روح الحب والوداعة والتواضع.

15. هل من حاجة إلى الدولة والطاعة لقوانينها وقادتها؟[50]

يُعتبَر الأب لاكتانتيوس (القرن الثالث/الرابع) أن تكوين الدولة أمر طبيعي يعيش فيه الإنسان طبقًا لطبيعته الاجتماعية. وأن الدولة وسيلة ضرورية لإنهاء العنف والخضوع لنظام مُعَيَّن، طالما تستخدم الدولة القانون وهو القوة للسيطرة على الأشرار. فالقانون ضرورة نشأت بسبب الخطية الأصلية، ودخول الشر إلى حياة الإنسان.

يرى القديس أمبروسيوس أن بدراسة تصرُّفات الطيور والنحل والأسماك، يحتاج الإنسان أيضًا ليس فقط إلى تنظيمٍ اجتماعيٍ، بل وإلى وجود هيكل تنظيمي (القانون) بواسطته تقوم الدولة بتدبير أمور المجتمع. في رأيه أنه لولا السقوط لكانت الدولة تُمارِس سلطانها بروح جماعية للمَصْلَحَةِ العامة، لكن نتج عن السقوط حُبّ السيطرة والطمع مما جعل بعض القادة في الدولة يُرَكِّزون على السلطان وعلى مصالحهم الشخصية على حساب المَصْلَحة العامة. ففي رأيه أن قيام الدولة هو لمقاومة الشر ورَدْعِه، لكن للأسف عِوَض مُحَارَبة الشر، صار الشرّ سِمَة الدولة (متى كان القادة أشرارًا)، لكن لا توجد سلطة شريرة في ذاتها[51]. فالملك (أو الرئيس) مُمَثِّل لله إن أحسن استخدام السلطة[52].

يرى القديس أغسطينوس أنه لولا سقوط الإنسان في الخطية، لما صارت هناك حاجة إلى قوانين تَرْدَع الإنسان، وإلى سلطة الدولة لحفظ السلام الضروري لكل الناس. فالدولة تحفظ السلام الأرضي أو الخارجي، ويدعوه سلام بابل Babylon Peace of، الذي لا يُقارَن بالسلام الحقيقي لمدينة الله، أو السلام السماوي. يقوم السلام الأرضي على الإلزام والقَمْعِ بالعقاب، وهذا يتحقَّق خلال السلطة السياسية، التي في أيدي أناس مُعَرَّضين للخطأ. أما الرعية فيلزمها ألا تتمرَّد على الحاكم، بل تَقْبَل العقوبة التي تحلُّ بها بسبب تَمَرُّدها، كما يليق بها أن تُصَلِّي أن يسامح من ظلمها.

16. ما هي نظرة المسيحية للمدينة الأرضية ومدينة الله؟[53]

يريد الله دولة تمارس سلطانها وفقًا لإرادة الله، لا تعرف الاستبداد، بل تهتم بالاحتياجات المادية والسلوكية والدينية لمواطنيها. تظهر نظرة القديس أغسطينوس للدولة في كتابه "مدينة الله". حيث يتحدَّث عن المدينة الأرضية أو الدولة، فلا ندين الدولة، إلا فيما تمارسه من فسادٍ واستغلالٍ للفقراء واستبدادٍ بالسلطة[54]. ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كيف إذن يظهر أن الحُكْمَ (نظام الدولة) أهم من الأمور الأخرى؟... الخوف من السلطة الحاكمة هو الذي يضع حدودًا (للمواطنين)، ويحفظ ثمار عملهم. دمِّر هذه السلطة، فتنهار كل أعمالهم وتصير كلا شيءٍ[55].]

17. ما هي واجبات الشعب نحو الدولة؟

1. يرى القديس أغسطينوس أن الشعب مُلتَزِم بالطاعة لسلطات الدولة كأمر الله[56].

2. يليق بالمسيحيين أن يكونوا أفضل مواطني الدولة[57].

3. الالتزام بدفع الضرائب[58].

4. خضوع المسيحيين للعدالة الزمنية.

يؤكد القديس أمبروسيوس شرعية النظام القضائي في الإمبراطورية، فيلتزم المسيحيون بمراعاة القوانين المدنية، واحترام النظام الاجتماعي، على ألا تناقض الطاعة للوصية الإلهية.

18. كيف نتطلع إلى سلطان المسئولين في المجتمع؟

كثيرًا ما تحدَّث آباء الكنيسة عن بركات وجود نظام الدولة؛ فلو أن القادة والشعب يسلكون بروح العدل مع الحب والقداسة، لاستراح الطَرَفان. كلاهما يعملان بفرحٍ، فالسلطة يُمارِسها القادة المُقَدَّسون بروح الأُبُوَّة الحانية، فيجدون سعادتهم وغناهم وكرامتهم في سعادة وغنى وكرامة كل شخصٍ من الرعية. والشعب المُقَدَّس، يتنافس في البذل والعطاء، ويجد لذَّتَه في العمل بكل أمانةٍ.

يرى القديس أمبروسيوس أن البشر في بدء حياتهم، كانوا يتقاسمون المسئولية بالتناوب، حيث لم يكن للغطرسة موضعٌ فيهم، لكن بدخول حُبّ السلطة، ظهرت الصراعات على احتلال المراكز القيادية.

يقول القديس أمبروسيوس [في البداية مارس البشر سلطتهم السياسية المُعطَاة لهم بالطبيعة، مُقتَدين بالنحل. وبهذا كان العمل والكرامة أمريْن مشتركيْن. فقد تعلَّم الأفراد الشركة في واجباتهم وتقسيم السلطة والمكافأة، ولم يُستثنَ أحد سواء من الكرامة أو من العمل. وكان هذا أفضل وضع للأمور، حيث لا يُمكِن لأحدٍ أن يصير متغطرسًا بامتلاكه سلطانًا بصورة دائمة أو الانسحاق بسبب الخضوع الدائم... غير أنه بعد ذلك بدأ الناس في اشتهائهم للسلطة أن يدَّعوا حقهم الدائم فيها الأمر الذي لا يليق، ولم يرغبوا في التخلِّي عما نالوه[59].] كما يقول: [ليس من فضيلة يمكنها أن تأتي بمنافع أوفر من تلك التي للإنصاف والعدل. فهي تهتم بالغير أكثر مما لنفسها. تتجاهل المَصْلَحة الخاصة لحساب الصالح العام. العدل هو أهم فضيلة، إذ يُمَثِّل الانسجام بين الفضائل الأخرى... وهو أصل كل الفضائل[60].]

19. ماذا يقول الرسول بولس عن الخضوع للسلطات في الرب؟

يقول الرسول بولس: "لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة، لأنه ليس سلطان إلا من الله، والسلاطين الكائنة هي مُرَتَّبة من الله. حتى أن من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله، والمقاومون سيأخذون لأنفسهم دينونة. فإن الحكام ليسوا خوفًا للأعمال الصالحة بل للشريرة. أفتريد أن لا تخاف السلطان؟ افعل الصلاح فيكون لك مدح منه" (رو 13: 1-3). "فأَطلبُ أول كل شيء أن تُقَام طلبات وصلوات وابتهالات وتشكُّرات لأجل جميع الناس. لأجل الملوك وجميع الذين هم في منصب، لكي نقضي حياة مطمئنة هادئة في كل تقوى ووقارٍ.  لأن هذا حسن ومقبول لدى مخلصنا الله" (1 تي 2: 1-3).

نادت المسيحية بالطاعة للسلطات والخضوع للدولة، كما ركَّزت على السلام الداخلي، والعفو عن المُخطِئين، وعدم استخدام السيف. يلزم المؤمن أن يُطَبِّقَ هذه الوصايا، مشتهيًا أن يُقَدِّم الحُبّ حتى للأعداء المُقاوِمين، وذلك بعمل روح الله القدوس فيه.

20. ماذا يقصد الرسول بقوله: "لأنه ليس سلطان إلا من الله، والسلاطين الكائنة هي مُرَتَّبة من الله. حتى أن من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله، والمقاومون سيأخذون لأنفسهم دينونة" (رو 13: 1-2)؟

هل يعني هذا أن كل حاكم، حتى وإن كان شريرًا، هو مُقَام من الله؟ المُقام من الله النظام، بضرورة وجود رؤساء وحكام، وليس الأشخاص أنفسهم. كأن الرسول يدعونا إلى عدم مقاومة وجود نظام للدولة، لأن هذا النظام سمح به الله لأجل بنيان البشرية وسلامها، وحفظها من الأشرار كالقتلة واللصوص والمفترين والمخادعين الخ. لكن ليس كل حاكم هو من الله. فلا نستطيع القول إن نيرون الظالم من عند الله، ولا يوليانوس الجاحد، ولا أريانا والي أنصنا الخ.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [الأساس الأول لمِثْلِ هذا النظام، وانسجامه مع مَنْطِق الإيمان هو أن هذا كله بتعيين من الله. يقول (الرسول): "لأنه ليس سلطان إلا من الله". ماذا تعني أيها الرسول؟ هل أن كل حاكم هو مُختار من الله، ليكون على العرش الذي يشغله؟ يجيب الرسول: "لا، إنني لم أقل هذا، لستُ أتكلم عن أشخاص الحكام، بل عن السلطان نفسه. أقصد أن هذه هي إرادة حكمة الله أن يوجد سلطان، أن البعض يحكمون والآخرين يطيعون. وأن الأمور تسير هكذا في هذا الاتجاه. بهذا فإن بولس لا يقول: "إنه لا يوجد حاكم لم يُعَيِّنه الله". بل بالحري يتكلم عن السلطان نفسه، قائلاً: "لأنه ليس سلطان إلا من الله، (وأن كل السلاطين) الكائنة على الأرض مُرَتَّبة منه".[61]]

يرى العلامة أوريجينوس أن قول الرسول بولس: "ليس سلطان من الله" (رو 13: 1)، فيه تحذير للسلاطين الفاسدة. فالسلطان عطية ووزنة من الله لا تُستخدَم في تشامخ لحساب الإنسان، إنما للخدمة ولصالح المجتمع. هذه وزنات سوف يُقَدِّمون عنها حسابًا. يقول العلامة أوريجينوس: [لا ينكر أحد أن حواسنا – النظر والسمع والفكر – أعطاها الله لنا. ومع أننا تسلَّمناها من الله، فإن طريقة استخدامنا لها تتوقَّف علينا... فإن الله يديننا بالعدل إن أفسدنا ما وهبنا إيَّاه لاستخدامه للصلاح. هكذا حُكْم الله ضد السلاطين سيكون عادلاً، إن استخدموا السلطان الذي استلموه حسب شرِّهم وليس حسب شرائع الله[62]. يقول القدِّيس باسيليوس الكبير: [من الصواب الخضوع للسلطان الأعلى عندما لا تُنتهَك وصية الرب[63].]

21. ما هو دور كل من القادة المدنيين والقادة الكنسيين؟

يرى العلامة أوريجينوس أن قول الرسول: "السلاطين الكائنة هي مُرتَّبة من الله" (رو 13: 1)، يشير إلى دور السلاطين في فرض عقوبات على الجرائم؛ فقادة الكنيسة ليس من حقهم هذا، إنما دورهم التعليم والتحذير وجذب النفوس للشركة مع الله. يقول العلامة أوريجينوس: [القاضي البشري يعمل كخادم لله. فإن الله يريد أن يعاقب على هذه الجرائم بواسطة قضاة بشريين، وليس بواسطة مُمَثِّلين للكنيسة[64].] ويرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن هذه العبارة تسند القاضي المؤمن في تطبيقه العقوبات على مرتكبي الجريمة، فلا يتشكَّك ضميره. [أعطى اسم "خادم الله"... حتى عندما يصدر عقوبة. فإن هذه هي إرادة الله أن يقوم بهذا العمل[65].] فالقاضي المسيحي من حقه أن يغفر لمن اغتصب شيئًا منه، لكن ليس من حقه أن يعفو عن من يغتصب شيئًا من الآخرين أو يكسر القوانين، بل يلزمه تطبيق القانون الوضعي الجنائي أو المدني، وهو في هذا يُحسَب خادم الله.

22. ما هي حدود دور الكنيسة والمسيحي في السياسة؟

أ. إن كان يليق بالكنيسة أن تكون خميرة مُقَدَّسة في العالم، لأجل بنيانه ونموه وتَقَدُّمِه في كل جوانب الحياة، لذا يليق بها أن تعرف دورها ومسئوليتها وحقوقها. يلزم للكنيسة كأم للبشرية ألا تنجرف نحو السياسة، فمن جانب قد يدفعها هذا إلى التحيُّز إلى جماعات أو أشخاص على حساب الآخرين. يليق بها أن تحمل أمومة وحُبّ للجميع، فلا يجوز لها أن تُقِيمَ حِزْبًا سياسيًا، ولا أن تدفع أولادها إلى الانضمام إلى حِزْبٍ مُعَيَّنٍ.

ب. يليق بالكنيسة أن تقتدي بخالقها ومُخَلِّصها، فتُقدِّس حرية الإرادة. إن كان خالقنا والعارف بكل الأمور يترك للإنسان كمال الحرية مع تقديم النعمة الإلهية لمساندته وإرشاده، فلا يشرق شمسه على المؤمنين ويحجبها عن غير المؤمنين، ولا يمطر على الصالحين، ويمنع المطر عن الطالحين. إنه يحب الجميع، ويعطي كل إنسانٍ كمال الحرية ليختار طريقه ومنهجه وسلوكه. هكذا عمل الكنيسة أن تسند كل إنسانٍ ما استطاعت لتكون له الشخصية الناضجة السوية. فيمارس حياته الروحية والاجتماعية والعلمية، ويكون ناجحًا في كل شيءٍ!

ليس من حق الكنيسة أو أب الاعتراف أن يُحَرِّك الإنسان كما لو كان آلة، بل يحترم إنسانيته ولو كان طفلاً صغيرًا. إنه يحترم حرية الإنسان، ويُقَدِّر تفكيره ويسنده ويُعِينه في الحدود اللائقة التي فيها لا يجحد الإنسان ما وهبه الله من عقلٍ وتفكيرٍ ومواهبٍ. ليس من حق إنسانٍ ما، مهما كان مركزه اجتماعيًا أو كنسيًا أن يُلزِمَ آخر أن ينضم إلى حزبٍ سياسي مُعَيَّن أو ينسحب منه.

ج. يليق بالقادة الكنسيين أن يُشَجِّعوا دون إلزام من جانبهم على تفاعل المسيحي مع المجتمع الذي يعيش فيه، بطريقة إيجابية. على الكنيسة إدراك دور الله القدوس في حياة البشرية. كلما تقدَّست الكنيسة وصارت في مخافة الله بروح الحُبّ مع التواضع، فإنها تتفاعل بحق مع البشرية، وتصير سرَّ بركة وسندًا حقيقيًا للشخص كما للأسرة والمجتمع بل وللعالم.

د. دور الكنيسة هو الصلاة من كل القلب من أجل الدولة والقادة في جوانب أعمالها، وسلام العالم كله، وتشجيع أولادها على ذلك، لكي يعمل الله ويُوَجِّه القادة بما فيه بنيان للجميع.

23. ما هو موقِف الكنيسة والمؤمن من الفساد؟

يدعونا السيد المسيح إلى محبة الأعداء وعدم الإدانة، فيهتم المؤمن بتقديس أعماقه الداخلية بالالتصاق بالقدوس لا بإدانة الغير. هذه المحبة تتفاعل مع الحق، فعندما تعدَّى عبد رئيس الكهنة على السيد المسيح، اعترض السيد المسيح الذي سيُصلَب عن هذا العبد، قائلاً: "إن كنتُ قد تكلَّمتُ رديًّا، فاشهد على الردي، وإن حسنًا، فلماذا تضربني؟" (يو 18: 23) فلا يليق بالمؤمن المداهنة على حساب القداسة. إن كانت الكنيسة لا تُقحِم نفسها في السياسة، غير إنها إذ تسند شبابها للتمتُّع بشخصية سوية، لا تَقْبَلُ الفساد؛ فمن حق الشباب أن يشترك في الاحتجاج على الفساد، بأسلوبٍ روحيٍ ومملوء حبًا بحزمٍ وشجاعةٍ، دون أن تمتد يده إلى العنف والتخريب! أيضًا من حق الكنيسة كما المؤمنين ألا ينعزلوا بسبب ما يُعانوه من ظلم، بل بروح الحوار السليم يطالبون المسئولين برفع الظلم عنهم، دون الدخول بروح العداوة أو العنف.

مصدر الحياة المقدسة هو الله القدوس، يهبها لمن بإيمان وإخلاص يطلب أن يعمل فيه وفي أسرته وجيرانه وكل البشرية، مُجاهِدًا بالصلاة والأصوام وبالحب مع القدوة الصالحة. لذلك قيل عن خدام بيت الرب "جبابرة بأس لعمل خدمة بيت الله" (1 أي 9: 13). وحين أُقيم فينحاس الكاهن رئيسًا على جميع حرَّس بيت الرب، أبرز الكتاب المقدس سلاحه العجيب "والرب معه" (1 أي 9: 20). معركتنا هي الخلاص من الفساد بتمتُّعنا بالتوبة الدائمة، والنمو المستمر في الالتصاق بالقدوس، فنسترد صورة الله المفقودة، ونجتذب نفوس كثيرة لتقبل الله القدوس يملك فيها.

يقول القديس مار يعقوب السروجي: [ليس بالأمر العظيم أن ندعوك أن تبني مدينة؛ فلتبنِ نفسك التي هُدِمَت أيها التائب، وهذا أمر عظيم. هذه (النفس) هي أعظم من العالم بكل اتساعه؛ فهي ليست أرفع من مكانٍ واحدٍ بل من جميع الأماكن... أن تبني أسوار مدينة، لا يستحق هذا مديحًا؛ أما أن تقوم النفس التي سقطت، فشرف عظيم[66].]

24. ما هي فضيلة إكرام الوالدين؟

تركت الحديث عن فضيلة إكرام الوالدين والطاعة لهما حتى النهاية، إذ أعطاها الكتاب المقدس اهتمامًا خاصًا، إذ يقول الرسول: "أكرم أباك وأمك التي هي أول وصية بوعدٍ" (أف 6: 2).

هذه الوصية ينقشها الناموس الطبيعي في القلب، إذ يشعر الأولاد بالتزام طبيعي بالطاعة للوالدين خلال قرابة اللحم والدم القوية وشعور الأولاد ما يحتمله الولدان من أتعاب وأسهار من أجل أولادهما. لا يوجد من يحب للإنسان الخير والتقدُّم والنجاح أكثر منهما. وهب الله الأم أن تتعب بسرورٍ وبهجة من أجل أبنائها. يُقَدِّم الله حُبّها لأولادها كتشبيه لرعايته الساهرة لنا "هلْ تَنْسى المرْأة رضيعها فلا ترحم ابن بطنها؟ حتى هؤلاء ينْسين، وأنا لا أنساك" (إش 49: 15). وقد جاء الناموس الموسوي يعلن هذه الوصية ويُشَدِّد عليها (خر ٢٠: ١٢؛ تث ٥: ١٦؛ ٢٧: ١٦). وإذ فشل الإنسان في إتمام هذه الوصية الطبيعية، أعطاها الرب أولوية حتى عن تقديس سبوته، إذ قيل: "تهابون كل إنسان أمه وأباه وتحفظون سبوتي، أنا الرب إلهكم" (لا ١٩: ٢)، كما قَدَّم تهديدات قاسية ضد كاسرها:

"من ضرب أباه أو أمه يُقتَل... ومن شتم أباه وأمه يُقتَل قتلاً" (خر ٢١: ١٥، ١٧؛ لا ٢٠: ٩).

"ملعون من يستخفّ بأبيه أو أمه، ويقول جميع الشعب آمين" (تث ٢٧: ١٦).

"من سَبّ أباه أو أمه ينطفئ سراجه في حدة الظلام" (أم ٢٠: ٢٠).

"العين المستهزئة بأبيها والمحتقرة طاعة أمها تقورها غربان الوادي، وتأكلها فراخ النسر" (أم ٣٠:١٧).

أخيرًا لم يترك الله الإنسان تحت هذه العقوبات المُرَّة، فجاء الابن الوحيد الجنس نفسه نائبًا عن البشرية يُعلِن كمال الطاعة لأبيه حتى الموت موت الصليب (في ٢: ٨)، بل وخضع للقديسة مريم أمه حسب الجسد وليوسف البار الذي تبنَّاه (لو ٢: ٥١)، فصار مثلاً حيًا لنا.

يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [فضيلة المسيحيين الأولى هي إكرام الوالدين ومكافأتهم عن متاعب من أنجبوهم، مُقَدِّمين لهم كل راحة قدر ما يستطيعون... فيستريحون بالراحة التي نُقَدِّمها لهم، وعندئذ يثبتون لنا البركات التي نالها يعقوب بمكرٍ عوض أخيه، ويتقبَّل أبونا السماوي هدفنا الصالح، ويحكم علينا باستحقاق أن "يضيء الأبرار كالشمس في ملكوت أبيهم" (مت 13: 43)، الذي له المجد مع الابن الوحيد مخلصنا يسوع المسيح ومع الروح القدس المحيي الآن وإلى الأبد وإلى أبد الأبد[67].]

ويقول العلامة أوريجينوس: [لنتعلَّم يا أحبائي الخضوع لوالدينا... خضع يسوع وصار قدوة لكل الأبناء في الخضوع لوالديهم أو لأولياء أمورهم إن كانوا أيتامًا... إن كان يسوع ابن الله قد خضع لمريم ويوسف، أفلا أخضع أنا للأسقف الذي عيَّنه لي الله أبًا؟!... ألا أخضع للكاهن المختار بإرادة الله؟![68]] ويقول القديس أغسطينوس: [كان العالم خاضعًا للمسيح، وكان المسيح خاضعًا لوالديه[69].]

في رسالة كتبها القديس چيروم إلى أم وابنتها قام بينهما نزاع جاء: [كان الرب يسوع خاضعًا لوالديه، لقد احترم تلك الأم التي كان بنفسه أبًا لها. لقد كرم أباه حسب التبنِّي هذا الذي كان المسيح نفسه يعوله! حقًا، إنني لا أقول للأم شيئًا، لأنه ربما يكون في كبر سنها أو ضعفها أو وحدتها ما يعطيها عذرًا كافيًا، لكنني أقول لكِ أيتها الابنة: هل منزل أمك أصغر من أن يحتملك، هذه التي لم تكن بطنها صغيرة عن حملك؟![70]]

وضع الرب إكرام الوالدين في مقدمة الوصايا الخاصة بعلاقتنا بالآخرين، فيأمرنا بإكرامنا لهما قبل أن يوصينا "لا تقتل" أو "لا تزن" الخ... وهي الوصية الوحيدة والمقترنة بمكافأة أو وعد (أف 6: 2). وأعطى للأبناء حق التفاهم مع الوالدين، والطاعة في الرب (أف 6: 1)، وليس الطاعة المطلقة إذ أساء بعض اليهود فهمها.


 

4. فضيلة العفة والطهارة[71]

1. ما هي فضيلة العفة والطهارة؟

الطهارة من الجانب الإيجابي هي شركة مع القدوس، حتى نصير أيقونة للعريس السماوي، فنتأهَّل للعُرْسِ بكوننا العروس المقدسة الطاهرة الكاملة، للعريس القدوس الكامل. فالطهارة هي هبة الله الآب لنا في ابنه القدوس خلال عمل روحه القدوس.

الطهارة أو نقاوة القلب تمسّ كل كيان الإنسان: نفسه كما جسده، عقله كما عواطفه، قدراته وطاقاته، أفكاره وكلماته كما أفعاله. حياة واحدة في المسيح القدوس تُعلَن خلال كياننا كله، حيث يعتزّ المؤمن بصورة الله التي جُبِل عليها، وأُعيدت إليه بالصليب بعد أن أفسدتها الخطية.

للأسف كثيرًا ما يتطلع الإنسان إلى الطهارة في سلبية، وكأنها هي امتناع عن الممارسات الجسدية الخاطئة، والأفكار الشريرة، والكلمات غير اللائقة، وكل التصرفات الدنسة. ونحن بهذا نهين الطهارة؛ إذ نحسبها كأن لا وجود لها بل للدنس والنجاسة وجود، وفي غيابهما نُحسَب طاهرين. لكن مسرة الله أن يرى في أولاده أن يكونوا أطهارًا في كل شيءٍ كما هو طاهر (1 يو 3: 3)، وكاملين كما هو كامل (مت 5: 48)، وقديسين لأنه هو قدوس (لا 11: 44-45).

يقول الأب خروماتيوس: [يُظهر الرب أن الشعب النقي القلب هو مطوَّب. إنهم هؤلاء الذين إذ يعيشون بالإيمان بالله بذهن نقي وضمير بلا غضن، يرجون الحق في رؤية إله المجد في الملكوت السماوي العتيد. وكما يقول الرسول إنه ليس في مرآة في لغز، لكن وجهًا لوجه (أنظر 1 كو 13: 12)[72].]

2. كيف جذبت الطهارة والبراءة والعفة الوثنيين لقبول الإيمان المسيحي في الكنيسة الأولى؟

يمتدح العلامة أثيناغوراس الطهارة كإحدى ثمار الحياة المسيحية الجليلة موضحًا الهدف الإيجابي منها، فيقول: "في وسطنا رجال كثيرون ونساء كثيرات غير متزوجين وهم يمارسون حياة أعمق مع الله". ووضع الشهيد Apollonius من الأشراف قائمة بالفضائل للحاكم برينيس Perennis: [علمنا (يسوع) أن نترك الغضب، وأن نلجم جشعنا، ونسيطر على اللذة، وننزع الحزن عنا، وأن نجعل ممتلكاتنا للنفع العام، وننمي الصداقة، ونزيل كل تباهٍ، لا نطلب الانتقام لمن يؤذينا، ونستخفّ بالموت الذي يصدر بالحكم علينا، إذ نحن ضحايا الظلم – نحتمل الظلم ولا نستسلم له - نطيع الناموس الإلهي، نكرم الإمبراطور، نعبد الله الخالد وحده، نؤمن بخلود النفس والدينونة بعد الموت[73].]

جاء في كتاب الراعي لهرماس الخطوط العريضة لقواعد الفضائل: [تولد العفة عن الإيمان، ومن الإيمان البساطة، ومن البساطة البراءة، ومن البراءة الطهارة، ومن الطهارة المعرفة، ومن المعرفة التهذيب والمحبة[74].]

يقول العلامة أوريجينوس: [قبلاً كنتَ تجري نحو الهيكل (الوثني)، الآن تجري نحو الكنيسة. أولاً كنتَ تسفك دمًا، الآن تحرر دماء الآخرين. كنتَ قبلاً تبدد ثروة الغير، الآن تعطي ممتلكاتك للآخرين، قبلاً كانت عيناك تتطلعان إلى النساء والأمور الأخرى مشتهيًا بنظراتك، والآن تدع عينيك تتطلعان إلى الفقير والضعيف والبائس لتعزيتهم... لسانك الذي كان قبلاً ينطق ببذاءة الآن يبارك الله ويعلن الحق[75].]

يقول القديس باسيليوس الكبير: [نجد هنا تعليمًا بأن ندهش من أجل هبات الله غير المنطوق بها في المسيح يسوع وبخوفٍ أعظم أن نتطهر من كل دنس الجسد والنفس[76].] ويقول القدّيس أغسطينوس: [العفة الحقيقية هي التي من فوق، وهي لا تتم بنزع الخطايا بخطايا، بل بشفاء الشرور بالخير[77].] ويقول القديس غريغوريوس النزينزي: [هذه الثلاثة أمور يطلبها الله من كل إنسان من بني المعمودية: إيمان صحيح في القلب، وصدق في اللسان، وطهارة الجسد وعفته.] ويقول القديس مرقس الناسك: [نحن الذين وهبت لنا الحياة الأبدية نصنع الأعمال الصالحة لا لأجل الجزاء، بل لحفظ النقاوة التي وُهِبَت لنا.]

يقول القديس غريغوريوس النيسي: [يظهر أنه ليس ممكنًا للنفس أن تتحد بالله غير الفاسد بأية وسيلة ما لم تصرْ تقريبًا طاهرة خلال عدم الفساد، حتى تنعم الشبه بالشبه، وتقيم نفسها كمرآة تتطلع نحو نقاوة الله، فيتشكَّل جمال النفس بالشركة في الجمال الأصلي والتمتُّع بانعكاسه عليها[78].]

[مادمنا قابلين للتغيير فالأفضل أن نتغيَّر إلى ما هو أفضل: "من مجدٍ إلى مجدٍ" (2 كو 3: 18). وهذا يجعلنا نتقدَّم دائمًا نحو الكمال بالنمو اليومي، مع عدم الاكتفاء بحدودٍ مُعَيَّنة نحو الكمال. يعني عدم التوقُّف نحو ما هو أفضل، وعدم وضع أيّة حدود نقف عندها في نمونا[79].]

[نحن نرى الآن العروس يقودها الكلمة إلى أعلى درجات الفضيلة، إلى علو الكمال. في البداية يرسل لها الكلمة شعاعًا من نورٍ من خلال شبابيك الأنبياء وكوى الوصايا. ثم يشجعها على أن تقترب من النور، وتصير جميلة بواسطة تحوُّلها إلى صورة الحمامة في النور. وفي هذه المرحلة تأخذ العروس من الخير قدر ما تستطيع. ثم يرفعها الكلمة لكي تشارك في جمال أعلى لم تتذوَّقه من قبل. وبينما هي تتقدم تنمو رغبتها في كل خطوة، لأن الخير غير محدود أمامها. وتشعر باستمرار مع حلول العريس معها أنها قد ابتدأت صعودها للتوّ فقط. لذلك يقول الكلمة للعروس التي أقامها من النوم: "انهضي". وإذ جاءت إليه يقول لها: "تعالي" (نش 2: 10)، لأن الشخص الذي دعاها للنهوض بهذه الطريقة في استطاعته أن يقودها إلى الارتفاع والنهوض بها إلى مستوى أعلى. الشخص الذي يجري نحو الله ستكون أمامه مسافات طويلة. لذلك يجب علينا أن نستمر في النهوض، ولا نتوقَّف أبدا عن التقرُّب من الله. لأنه كلما قال العريس: "انهض" و"تعال" فإنه يعطى القوة للارتفاع لما هو أفضل. لذلك لابد أن تفهم ما يأتي بعد في النص. عندما يحفز العريس العروس الجميلة لكي تكون جميلة فهو يُذَكِّرنا حقًا بكلمات الرسول الذي يطلب منا أن نسلك سلوكًا فاضلاً، لكي نتغيَّر من مجدٍ إلى مجدٍ (2 كو 18:3). وهو يعني بكلمة "مجد" ما فهمناه وحصلنا عليه من بركة في وقت من الأوقات، ولا يهم مقدار ما حصلنا عليه من مجدٍ وبركةٍ وارتفاعٍ، لأنه يُعتقَد أننا حصلنا على أقل مما نأمل في الحصول إليه. ولو أنها وصلت إلى جمال الحمامة بما قد حَقَّقه إلا أن العريس يأمرها بأن تكون حمامة مرة أخرى بواسطة تحوُّلها إلى شيءٍ أفضل. فإذا حدث ذلك فإن النص سوف يُظهر لنا شيئا أفضل من هذا الاسم "حمامة" (نش 2: 14)[80].]

3. هل أستطيع أن أحيا عفيفًا؟

جبل الله الإنسان، وفيه حنين داخلي نحو حياة السمو والطهارة. يود أن يعلو فوق كل الشهوات، وأن يطأ تحت قدميه الملذات الجسدية. فحتى الزناة المنحرفين في تيار الخطية العنيف، المُتلذِّذين بشهواتها، والمُنْحَنِين بكل طاقتهم لأجل إشباع شهواتهم، أحيانًا وهم في أَلَذِّ فترات الشهوة، يتحسسون في داخلهم برغبة سرية عميقة تطالب بحياة النقاوة والعفة. فالعفة كما يُعَرِّفها القديس يوحنا الدرجي هي [إننا نلبس الطبيعة الملائكية: هي مسكن مستمر للسيد المسيح، ونعيم للقلب وسط هذه الحياة. هي إنكار غير طبيعي للطبيعة.] لكن مع كل هذه الاشتياقات لا يزال يظن البعض أنها مُجَرَّد كلمات لا وجود لها إلا في قاموس اللغة أو في خيال المُتديِّنين وكتاباتهم، أو هي حياة الأطفال الصغار أو الرجال العاجزين أو الرهبان والمتوحدين البعيدين عن الشر، أو ربما تخص الملائكة والسمائيين وحدهم. من أجل هذا كثيرًا ما يتساءلون:

1. لماذا يُطالِبنا الله بأمر نعجز عن تحقيقه؟

2. وهل يريد الله أن يُضايِقنا؟

3. ولماذا خلق لنا جسدًا بغرائزه؟

4. وهل يقدر الإنسان السَوي أن يضبط نفسه أمام الإغراءات وشهوة الجسد؟

5. وما الداعي لحياة عفة تحرم الإنسان من إشباع شهواته وغرائزه كيفما تريد؟!

إننا نذكر حديث القديس أغسطينوس الذي اختبر الخطية في أبشع صورها، ولو أنه علي حد تعبيره كان كثيرًا ما يقول: أعطني يا رب حياة الوداعة والعفة ولكن ليس الآن، لأنني لا أريد أن أُحرَم من لذَّة الخطية رغم مرارتها، ولا يَوَد جسدي أن يتخلَّص منها، وأتصور كأن لا وجود لي بدونها. كذلك اختبر حياة العفة بل البتولية في أسمى درجاتها إذ عشق الرب، وأَحبَّه، وجذب كثيرين إليها.

4. ما هي حياة العفة؟

يقول القديس أغسطينوس: [ليس كل من يضبط نفسه أو يمنع نفسه عن الشهوات أو يبحث عن العفة هو "عفيف"، لأن كثيرين بحثوا عن العفة واقتنوا شيئا آخر غير العفة.]

العفة هي عطية الله، الذي يريدك أن تكون مُقدَّسًا كما هو قدوس (1 بط 1: 16)، وإذ يَعْلَم بضعفك وعجزك، لا يطلب منك أن تقتني شيئًا من ذاتك. إنما يريد أن يهبك "العفة" التي من عنده. إنك عروس الرب يسوع، وهو كعريس مُحِب للبشر، يود قداستك، ويهتم بك أكثر من اهتمامك بنفسك... الرب يسوع هو قداستك، "دُفِنا معه بالمعمودية للموت... عالمين هذا أن إنساننا العتيق قد صُلِبَ معه ليُبْطَل جسد الخطية كي لا نعود نُستعبَد أيضًا للخطية" (رو 6: 4-6). وإذ هو يعلم أنك تعجز بذاتك عن تقديس نفسك وجسدك، وهبك في سرِّ الميرون الروح القدس الناري القادر أن يحرق أشواك الخطية. حياة العفة هي عمل الروح القدس، إذ يقود قلوب المجاهدين، يُبَكِّت قلبك، ويمسك بيدك، ويسير معك في طريق الرب المصلوب القائم من بين الأموات. يا إنسان الله لا تخف من نيران الخطية، فإن الذي غيَّر طبيعة النار بالنسبة للثلاثة فتية، إذ هم اتَّكلوا عليه، فكان ابن الله يتمشى معهم في الأتون كما في فردوس مُمْتِع. هو نفسه ساكن فيك، يحرق نيران الشهوة.

5. ما دام يطلب تقديسنا، فلماذا وهبنا الجسد بغرائزه؟

لا تخف فإن هذا الجسد، وتلك الدوافع والعواطف والانفعالات هي ليست من صنعك، بل من خلْق إله صالح مُحب للبشر لا يصنع إلا الخير. هذه الطاقات التي تُحَطِّم علاقاتك بالرب، هي التي تعينك في طريق الرب، متي سُلِّمَتْ في يدي الروح القدس. فالجسد وكل ما فيه هو، كقول الذهبي الفم، [القيثارة التي في يد العازف، والسفينة التي في يدي الربان، مُعِين للنفس ونافع له إن أحسن استخدامه.]. لقد دخلت الخطية إلى الإنسان، نفسه وجسده معًا، ففسد الإنسان كله، لكن إذ الجسد الجانب الأضعف، نُسِبَتْ أعمال الشر إليه، ولقب الإنسان في الخطية أنه "جسداني". لقد اختلَّ توازن الإنسان، وصار بلا ضابط، واحتاج إلى مُعِين يسند النفس في قيادة الجسد، والجسد في خضوعه للنفس... هذا المُعِين هو الروح القدس.

6. ما معنى قول الرسول "وإنما أقول اسلكوا بالروح فلا تُكَمِّلوا شهوة الجسد" (غل 5: 16)؟

لقد مُسِحَتْ أعضاؤك بزيت الميرون، وسكن فيك الروح القدس، وتقدَّستْ وتخصصت للرب وحده. فبقدر ما تخضع متجاوبًا مع الروح القدس، تكون أعضاؤك مُقدَّسة له ومعينًا لك في طريق الحياة. كمثال: غريزة الحب التي تستخدمها الخطية كآلة إثم للموت، تجعلك بالروح القدس عاشقًا للرب وآلة برّ تُثمِر لله. وغريزة الغضب تثيرك ضد أخيك، لكن إن جاهدتَ مُسَلِّمًا إياها للروح القدس، فإنك تثور ضد ضد نفسك وخطيتك وشهوتك. وغريزة الخوف في حياة المجاهدين، بالروح القدس لا تكون مصدر رعب وخوف من الناس بل تقول: "يفرح قلبي عند خوفه من اسمك" (مز 86: 11).

إن هذه الآلات التي كانت قبلاً تُستخدَم للإثم، تصير آلات برّ لله. لقد صارت أعضاؤك أعضاء المسيح (1 كو 6: 15)، لها قُدْسِيتها وقيمتها.

7. لماذا لا أحيا عفيفًا مع أنني مؤمن والروح القدس ساكن فيَّ؟

هذا هو الإيمان المسيحي: إننا قد "دُفِنا معه بالمعمودية للموت... عالمين هذا أن إنساننا العتيق قد صُلِبَ ليُبْطَل جسد الخطية كي لا نعود نُستعبَد أيضًا للخطية" (رو 6: 6). لقد نلنا الإنسان الجديد الحُرّ، لكن حركات شهوة الجسد تحاربنا ونحن غير مستعبدين لها وذلك، كقول أغسطينوس، بجهادنا المرتكز علي عمل النعمة. فبالروح نرفض حركات الشهوة ولا تطيع أعضاؤنا شهوة الجسد.

أ. نرفض حركات الشهوة، ولا نوافقها، إذ صارت إرادتنا صالحة، وبالروح القدس قادرة، رغم هجوم حركات الشهوة المستمر. وهكذا نقول مع الرسول: "أشكر الله بيسوع المسيح. إذًا أنا نفسي بذهني أخدم ناموس الله، ولكن بالجسد ناموس الخطية" (رو 7: 25). بمعني إنني بالروح أُريد الخير وأخدم ناموس الله، لكن حركات الشهوة التي في الجسد تحارب في أعضائي دون أن تستعبدني.

ب. عدم طاعة أعضائنا لشهوة الجسد: لقد صُلِبَتْ شهوة الجسد، إذ صُلِبَ إنساننا العتيق، لكن حركاتها المصلوبة لا تكف عن المصارعة. وعملنا نحن بالروح القدس ألا تطيعها أعضاء جسدنا "لأنه كما قدَّمتم أعضاءكم عبيدًا للنجاسة... هكذا الآن قدِّموا أعضاءكم عبيدًا للبرِّ والقداسة" (رو 6: 20).

 لقد مُتَّ مع المسيح وقُمْتَ بذهنك معه، لكن لا تكف عن الجهاد لاغتصاب الملكوت برفضك فكر الشر وحركاته وعدم إخضاع أعضائك له.

فبعدما أكَّد الرسول "أن إنساننا العتيق قد صُلِبَ ليُبطَل جسد الخطية كي لا نعود نُستعبَد للخطية"، عاد ليأمرنا في نفس الموضوع "احسبوا أنفسكم أمواتًا عن الخطية (أي لا توافقوها) إذا لا تملكن الخطية في جسدكم المائت لكي تطيعوها في شهواته. ولا تُقدِّموا أعضاءكم آلات إثم للخطية بل قدِّموا ذواتكم لله كأحياء من الأموات وأعضاءكم آلات برّ لله" (رو 6: 13).

إن من مات مع الرب يسوع وقام معه بذهنه، يلزمه ألا تملك الخطية عليه وذلك بالجهاد والتغصُّب، إذ "من يظن أنه قائم فلينظر أن لا يسقط" (1 كو 10: 12). وفي هذا يحدثنا الرسول: "يا أولادي أكتب إليكم هذا لكي لا تُخطئوا (أي كأولاد لله جاهدوا بالروح القدس ضد الخطية). وإن أخطأ أحد، فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار وهو كفارة لخطايانا" (1 يو 2: 1-2).

هذا هو مفهوم الحياة مع المسيح، سعي مستمر بقوة النعمة نحو حياة القداسة، مع عدم السقوط في اليأس وفقدان الرجاء في مراحم الله، حتى إن تعثَّر أحد وسقط. يقول الرسول بولس: "وإنما أقول اسلكوا بالروح فلا تُكَمِّلوا شهوة الجسد" (غلا 5: 16)، وهو بهذا يُحذِّرنا من حركات الشهوة المضادة لنا لئلا نُكَمِّلها. وفي موضع آخر يحدثنا الرسول قائلاً: "لأنكم قد مُتم وحياتكم مستترة مع المسيح في الله" (كو 3: 3) ومع ذلك يعود فيأمرنا قائلاً: "فأميتوا أعضاءكم التي على الأرض الزنا والنجاسة. الهوى الشهوة الردية الطمع الذي هو عبادة الأوثان" (كو 3: 1-5).

لقد "مُتنا" فكيف يقول "أميتوا أعضاءكم"؟ حقا إن من مات مع ربنا يسوع وحياته مستترة مع المسيح في الله، يلزمه ألا يرتكب هذه الشرور من زنا ونجاسة وهوى الخ لكن حركات شهوة الجسد تحاربه دون أن تستعبده مادام على الدوام سالكًا في طريق التوبة الدائمة رافضًا حركات الشهوة غير خاضع لها بأعضائه. إنه يردف للحال مطالبًا إيانا "وأما الآن فاطرحوا عنكم أنتم أيضًا الكل... إذ خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله ولبستم الجديد الذي يتجدَّد للمعرفة حسب صورة خالقه" (كو 3: 8 11). باختصار، العفة ليست صعبة لأنها عمل الله في حياتك، وإن كان الله قد وهبك توبة، فجاهد خاضعًا للرب حتى لا تَفقِد ما قد نلته بل يتجدَّد إنسانك الجديد الذي نلته بالمعمودية للمعرفة حسب صورة خالقه.

8. كيف يمكنك أن تغلب عمليًا؟

v  اعرفْ من أنت؟ أنت موضوع حب الله ولذّته. يشتاق إلى قداستك (1 تس 4: 3).

v  اعرف ضعفك أيضًا، إنك محتاج دومًا إلى عمل نعمة الله حتى تجاهد وتغتصب.

v  افتحْ أبواب جسدك ونفسك على الدوام لتأخذ من الله وتعطي الناس.

v  لتدرك أنه ليس للخطية سلطان عليك، لكنك قبلتَ أفكارها يوما ما بإرادتك.

v  اقمع جسدك واستعبده بالصوم والسهر مع الصلاة، عالمًا أن جسدك هو مِلْكٌ للرب.

v  استفد من وسائط النعمة، فباب التوبة والاعتراف مفتوح، وجسد الرب ودمه مُقدَّمان لك للثبات فيه.

v  لتكن عفيفً في كل حواسك وأفكارك وكلماتك حتى في معدتك وفي كل الأرضيات!

وأخيرًا، تذكَّر أيها العزيز أنه ليس إكليل بغير نصرة، ولا نصرة بغير حرب، ولا حرب بغير عدو. فقد وُضِعتَ لتحارب وتجاهد فتنتصر بالرب وتتكلل! لا تأتمن جسدك مهما كان ماضيك!

9. ماذا يقول القديس أغسطينوس عن عفة القلب؟

[لئلا يُظَن أن العفة التي نرجوها من الله تقف عند تلك التي تخص شهوة أعضاء الجسد... يتغنَّى المزمور قائلاً: "ضع يا رب حافظًا لفمي وبابًا حصينًا a door of continence لشفتي" (مز 141: 3)، فإن أدركنا مفهوم كلمة "فمي" كما يلزم، لعرفنا ما هي عطية الله من جهة العفة التي يهبها لنا فإنها لا تَعْنِي "الفم الجسدي"، فيُحفَظ لكي لا يخرج منه صوت شرير، إنما يوجد في الداخل "فم القلب" الذي يريد ناطق هذه الكلمات وكاتبها لكي ننطق نحن بها أن يحرسه الله ويُقِيم عليه بابًا حصينًا (عفيفًا).]

10. ما هو موقفنا من الأفكار الشريرة؟

يقول القديس أغسطينوس: [ولكي يتضح "الفم الداخلي" بصورة أعظم في قوله "ضع يا رب حافظًا لفمي وبابًا حصينًا لشفتي"، أضاف "ولا تملْ قلبي إلى كلام الشر" (مز 141: 4). وماذا يعني ميل القلب إلا القبول والرضى. لأن من لا يميل قلبه بالرضى فيما يفكر فيه في أي أمر من الأمور التي تقابله، فإنه لا ينطق به. لكن متى وافق على الفكر يكون قد تكلم به في قلبه، حتى ولو لم يخرج صوتًا من فمه... حقًا إن أناسًا كثيرين يعملون وفمهم مُبْكَم ولسانهم هادئ، وصوتهم مضبوط، لكنهم لا يفعلون شيئا بجسدهم مالم ينطقوا به في القلب. وهكذا يمكننا أن ترتكب الخطايا في أحاديث داخلية، حتى وإن لم تترجم في أعمال ظاهرة، بينما لا توجد أعمال ظاهرة مالم تكن قبلاً حديثًا داخليًا. لهذا إن أغلق الباب الحصين عند الشفتين الداخليتين فستكون هناك طهارة في كليهما. لهذا قال ربنا "نقِّ أولاً الداخل لكي يكون الخارج نقيًا"[81]... "لأن من القلب تخرج أفكار شريرة: قتل، زنا، فسق، سرقة، شهادة زور، تجديف، هذه هي التي تنجس الإنسان" (مت 15: 16-20).]

11. هل حربنا ضد الشهوات يتوقَّف؟

يقول القديس أغسطينوس: [بالرغم من إنه لا يوجد بعد الكمال الذي فيه لا تصارع العفة مع الرذيلة، إنما إلى الآن لا يزال "الجسد يشتهي ضد الروح والروح ضد الجسد" (غلا 5: 17)، إنما يكفينا ألا نوافق الشرور التي نشعر بها فينا. لأنه بموافقتنا لها يخرج من فم القلب ما يُدَنِّس الإنسان. وبرفضنا لها خلال العفة لا يضرنا شر شهوة الجسد التي تحارب شهوة الروح.]

12. ما هي عفة الجهاد؟

يقول القديس أغسطينوس: [هناك فارق بين أن يحارب الإنسان ههنا محاربة حسنة، مقاومًا نزاع الموت، وبين ما سيكون عليه عندما ينتهي الموت الذي هو "آخر عدو" (1 كو 15: 26). إذ هناك لا يكون لنا خصم (شهوة الجسد)، أما هنا فتُخضِع العفة الشهوات، طالبة الخير الذي نبغيه. وفي نفس الوقت ننبذ الشر الذي نناضل ضده خلال هذا المائت (الجسد). بالتأكيد ما كان للعفة أن تعمل في قمع الشهوات لو لم تكن لدينا شهوات تضاد ما هو لائق، ولدينا معاكسة من جهة الشهوة التي تضاد إرادتنا الصالحة. إذ يصيح الرسول عاليًا قائلاً: "فإني أعلم أنه ليس ساكن فيَّ أي في جسدي شيء صالح. لأن الإرادة حاضرة عندي وأما أن أفعل الحسني فلست أجد" (رو 7: 18). فالآن (في الحياة الحاضرة) يمكننا صُنْع الخير بقدر عدم موافقتنا للشهوة الشريرة. لكن سيكمل الخير عندما تنتهي الشهوة ذاتها. لذا يصرخ مُعَلِّم الأمم ويقول: "فإني أُسَرُّ بناموس الله بحسب الإنسان الباطن ولكن أري ناموسًا آخر في أعضائي يحارب ناموس ذهني" (رو 7: 22-23).]

13. ما هو دور الناموس في الكَشَفَ عن شهواتنا؟

يقول القديس أغسطينوس: [لا يحدث هذا النزاع (بين الإرادة الصالحة وشهوة الجسد) ما لم يحارب الإنسان الرذائل بالفضائل. فعاصفة شرِّ الشهوة لا يُثيرها إلا خير العفة. فيوجد من هم جاهلون بناموس الله تمامًا، هؤلاء لا يرون في شرَّ الشهوات أنها عدو لهم، بل خلال عماهم البائس يُستعبَدون لها، وبإشباعهم لها بدلا من ترويضها يظنون أنهم مباركون[82]. أما الذين صارت لهم معرفة خلال الناموس "لأن بالناموس معرفة الخطية" (رو 3: 20)، "فإنني لم أعرف الشهوة إن لم يقل الناموس لا تشته" (رو 7: 7)، وهم لا يزالون مغلوبين في معركة الشهوات لأنهم يعيشون تحت الناموس، الذي أوصي بما هو خير دون أن يعطيه، هؤلاء لم يعيشوا تحت النعمة التي تهب خلال الروح القدس تنفيذ ما أمر به الناموس... إذن لا عجب إن كان ضعف الإنسان يجعل من الناموس الصالح ما يزيد من الشر، مع أنه قد عهد إليه به لينفذ الناموس.]

14. ما هو دور النعمة في الجهاد؟

يقول القديس أغسطينوس: [شهوة الخطية فينا، لكننا لا نسمح لها أن تملك علينا، ورغباتها موجودة، لكن يلزم ألا نطيعها حتى لا تسيطر علينا. وإذ لا نسمح للشهوة أن تغتصب أعضاءنا بل للعفة أن تطلبها كحقٍ لها، بهذا تكون آلات بر الله وليس آلات إثم للخطية. بهذا لا تسودنا الخطية، لأننا لسنا تحت الناموس الذي يأمر بما هو للخير دون أن يهبه، بل تحت النعمة التي تُحَبِّبنا بما يأمر به الناموس، وهي قادرة على السيطرة على (الإرادة).]

15. ما هو مفهوم السلوك حسب الجسد؟

يلزمنا على وجه الخصوص أن نلاحظ فخاخ اقتراحات الشيطان، فلا نتكل علي قوتنا الذاتية، لأنه "ملعون الرجل الذي يتكل على الإنسان" (إر 17: 5)... ونحن لا نقدر أن نقول بأن المُتَّكل علي ذاته ليس متكلاً علي إنسان. فإن كان القول "من يعيش حسب البشر (الإنسان)" لا تعني إلا أن "يعيش حسب الجسد"، لذلك فمن يرضخ لهذا الاقتراح (أي يتكل على ذاته، على بشر وبالتالي حسب الجسد)، فليسمع ويرتعب إن كانت لديه أية مشاعر مسيحية "لأنه إن عشتم حسب الجسد فستموتون". (رو 8: 13).]

16. لماذا قيل: "الخطية لن تسودكم لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة" (رو 6: 14)؟

يقول القديس أغسطينوس: [عندما تسمع القول: "فإن الخطية لن تسودكم" لا تثق في نفسك أن الخطية لن تسود عليك، بل ثق في الله الذي يتوسل إليه قديس، قائلاً: "ثَبِّتْ خطواتي في كلمتك ولا يتسلط على إثم" (مز 119: 133). ولئلا عند سماعنا "الخطية لن تسودكم" ننتفخ، وننسب ذلك إلى قوتنا الذاتية، أردف الرسول قائلاً: "لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة". فالنعمة هي التي تنزع تسلُّط الخطية عنا. فلا تثقْ في ذاتك لئلا تتسلط عليك بصورة أشد. وعندما نسمع القول: "إن كنتم بالروح تميتون أعمال الجسد فستحيون" (رو 8: 13)، لا ننسب هذا العمل إلى أرواحنا نحن كأنها قادرة على ذلك. ولكيلا نقبل هذا الإحساس الجسدي، فتموت الروح عوض أن تميت هي أعمال الجسد، أضاف للحال: "لأن كل الذين ينقادون بروح الله فأولئك هم أبناء الله" (رو 8: 14). فلكي نُمِيت أعمال الجسد بروحنا يلزمنا أن ننقاد بروح الله واهب العفة، فبها نُقْمِع الشهوة ونغلبها ونُروِّضها.]

17. ما هي الأعذار الباطلة التي تدفعنا لتبرير سقوطنا في الشهوات؟

أ. أننا نرتكب الخطية قضاءً وقدرًا، فنتجاهل الإمكانيات التي يهبها الله لنا. بينما يقول المرتل: "حِدْ عن الشر واصنع الخير، اطلب السلامة واِسعَ وراءها" (مز 34: 14).

ب. ندَّعي أن الشيطان بمقترحاته الخفية هو السبب. إنهم لا يقدرون أن يَشكُّوا في أنهم قد قبلوا الاقتراحات أيا كان مصدرها.

ج. يقول أتباع ماني إنهم يخطئون عندما تغلب طبيعة الجسد الشريرة طبيعة الروح التي خلقها الله.  إذ نحن نوجد بالاثنين معًا، هذين اللذين يتعارض أحدهما مع الآخر، فلنُصَلِّ ولنجاهد ليكونا في اتفاق بعمل الروح القدس فيهما. لهذا يلزمنا ألا نحسب أحدهما عدوًا، بل "الخطأ" الذي يجعل الجسد يشتهي ضد الروح. فإذا ما شُفِي لا يعود يوجد الخطأ ولا يعود هناك صراع بينهما، ويصير جسدنا محبوبًا، إذ يلزمنا أن نعتني به كقول الرسول: "فإنه لم يبغض أحد جسده" (أف 5: 29).

18. هل جسدنا عنصر ظلمة كما ادَّعى أتباع ماني؟

 يوصي الرسول الرجال أن يحبوا نساءهم علي مثال حُبّهم لأجسادهم، وفي نفس الوقت على مثال حب المسيح للكنيسة (أف 5: 29). يُعَلِّمنا الرسول عن ثلاث وِحْدَات:

وِحدة بين المسيح والكنيسة؛

ووِحدة بين الزوج وزوجته؛

ووِحدة بين الروح والجسد.

في هذه الوحدات، يُقَدِّم الطرف الأول المشورة الصالحة للثاني، والثاني يترقَّب الأول (مُسترشِدًا به). ونلاحظ أن كل الأطراف صالحة، ولو سما الطرف الأول عن الآخر متفوقًا عليه، وخضع الثاني للأول خضوعًا لائقًا.

19. ماذا نطلب من الله لنتمتَّع بالنقاوة والعفة؟

يدعونا القديس أفراهاط الحكيم الفارسي أن نطلب ما نحبل به في فكرنا أي نقاوة القلب فتلد العفة. إذ يقول: [قَبِلَ الله تقدمة هابيل بسبب نقاوة قلبه، ورُفضت تقدمة قايين (تك 4:4)... كيف شعر هابيل بقبول تقدمته؟ وكيف تأكَّد قايين من رفض تقدمته؟... أنت تعلم يا عزيزي أن علامة التقدمة المقبولة من الله هو نزول نارٍ من السماء تحرق التقدمة. عندما قدَّم هابيل وقايين تقدماتهما معًا، نزلت النار الحيَّة التي تخدم أمام الله (مز 104: 4)، والتهمت ذبيحة هابيل النقيَّة، بينما لم تمس ذبيحة قايين غير النقيَّة. هكذا عرف هابيل قبول تقدمته، وعرف قايين رفض تقدمته.

لقد عُرِفَت ثمار قلب قايين بعد ذلك حين اُختبر ووجد أن قلبه مملوء غشًا، حين قتل شقيقه، فما حبل به في فكره ولدته يداه. ولكن نقاوة قلب هابيل كانت أساس صلاته[83].]

20. ما هو موقفنا من الأفكار التي تتسلل إلى عقولنا؟

يقول القديس مرقس الناسك: [ظهور الفكر في ذاته ليس شر أو خير، إنما هو اختبار لإرادتنا الحُرَّة، فمن يتمسك بالوصية يُكافَأ بإكليل (النصرة) جزاء إيمانه، ومن يميل إلى التراخي يُعلن عن استحقاقه للدينونة جزاء عدم إيمانه. غير أنه يجب أن تعرف أننا لا ندان هنا في الحال بعد كل تصرُّفٍ إن كنا نظهر فيه أننا ناجحون أو مستحقون للتوبيخ. بل بعدما نكمل حياتنا كلها التي خلالها نُجرَّب بالأفكار، فمرة ننتصر وأخرى ننهزم، نسقط ونقوم، نضل الطريق ونرجع إليه... هذا كله يحتسب لنا بعد الرحيل، وبمقتضاه إما ندان أو نتزكَّى.]


 

5. الرذائل أو الشرور

1. ما هو مفهوم الرذيلة؟

إن كانت كل الفضائل المسيحية هي ثمر عمل الثالوث القدوس في حياة المؤمن التي تُقَدِّم له عربون السماويات، فإن الرذائل من الجانب الآخر هي ثمر الجحود ورفض النعمة الإلهية، حيث يحرم الإنسان نفسه من الشركة مع الله، ويظن أن الفضائل هي مُجَرَّد ممارسة سلوك أخلاقي يُحوِّل حياة الإنسان إلى مظهر برَّاق من الخارج.

2. ما هو ارتباط الفضائل بالرذائل؟

جاء في فردوس الآباء: [سُئِل شيخ: "كيف يقتني الراهب فضيلة"؟ فأجاب: "إن شاء أحد أن يقتني فضيلة، فإن لم يمقت أولاً الرذيلة المضادّة لها فلا يستطيع أن يقتنيها. إن شئتَ أن يكون لك نوح فامقت الضحك، وإن آثرتَ أن تقتني التواضع فابغض الكبرياء، وإن أحببتَ أن تضبط هواك فامقت الشر وتحريف الأمور، وإن شئتَ أن تكون عفيفًا فامقت الفسق، وإن شئتَ أن تكون زاهدًا في القنية فامقت حب الفضة. ومَنْ يريد أن يسكن في البرية فليمقت المدن، ومَنْ يشتهي السكون فليمقت الدالّة، ومَنْ شاء أن يكون غريبًا عن عاداته فليُبغض التخليط (الاختلاط بالناس)، ومَنْ يريد أن يضبط غضبه فليبغض مشيئته، ومَنْ يريد أن يضبط بطنه فليبغض اللذات والتواجد مع أهل العالم، ومَنْ أراد عدم الحقد فليُبغض المثالب، ومَنْ لا يقدر أن يتحمل الهموم فليسكن وحده منفردًا، ومَنْ يريد أن يضبط لسانه فليسدّ أذنيه لئلاّ يسمع كثيرًا، ومَنْ يشاء أن يحصل له مخافة الله فليمقت راحة الجسد ويحب الضيقة والحزن. فبهذه الصفات يمكنك أن تعبد الله بإخلاص".]

3. ما هي نظرة المؤمن للشرّ؟

لم يخلق الله الكلي الصلاح الشرّ، أما ما حلّ بنا فبسبب دخول الخطية في حياة البشر، فالله بحُبِّه لنا يسندنا ويجعلها سرّ تطويب وبركة وإكليل أبدي لنا.

4. لماذا يرفض الأشرار المشيئة الإلهية؟

 بالنعمة الإلهية يُعلِن طالب العماد أو إشبينه الميلاد الجديد، أما غير المؤمن فيعتزّ ببنوته لإبليس. يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [لا يقف الأمر عند العود والحجارة بل اختار الإنسان حتى الشيطان مهلك النفوس ليكون أبًا له. لهذا انتهر الرب قائلاً: "أنتم تعملون أعمال أبيكم" (يو 8: 41، 44)، "أنتم من أب هو إبليس"، أب البشر بالخداع لا بالطبيعة. فكما صار بولس بتعليمه الصالح أبًا للكورنثيين (1 كو 4: 15)، هكذا دُعِي الشيطان أبًا للذين يوافقونه بإرادتهم الحُرَّة.

إننا لا نَقْبَل الشرح الخاطئ للعبارة: "أولاد الله ظاهرون وأولاد إبليس" (1 يو 3: 10)، قائلين إنه بالطبيعة يخلص البعض وبالطبيعة يهلك آخرون. إنما نحن ندخل في بنوة مقدسة كهذه ليس عن إلزام بل باختيار، كما لم يكن يهوذا الخائن ملزمًا أن يكون ابنًا للشيطان والهلاك، وإلا ما كان يمكنه أن يُخرِج الشياطين باسم المسيح، لأن الشيطان لا يُخرِج شيطانًا" (مر 3: 23). ومن جانب آخر ما كان لبولس أن يتحوَّل من الاضطهاد ليكون مُبَشِّرًا. لكن التبني في قوتنا "أي بإرادتنا"، إذ يقول يوحنا إن كثيرين "قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله، أي المؤمنين باسمه" (يو 1: 12)، أي لم يكونوا قبل الإيمان أولاد الله، إنما باختيارهم الإيمان تأهَّلوا لذلك[84].]

5. بلا شكٍ يحمل البشر طبائع متنوعة، فلماذا نلقي باللوم على إرادتنا؟

بالإيمان الحي تتقدَّس طبائعنا بالرغم من تنوُّعِها، كمثالٍ واضح في العهد الجديد طبائع بطرس الرسول السريع الانفعال تختلف عن طبائع يوحنا الحبيب المُتَّسِم بالهدوء، وإذ تقدَّس الاثنان، شعر كل منهما أن الآخر مُكَمِّل للآخَر، فلا نعجب من انطلاقهما للخدمة في انسجام. ففي مواقف كثيرة انطلقا معًا في صحبة السيد المسيح (مت 17: 1؛ مر 5: 37؛ 13: 3؛ 14:33؛ لو 8: 51؛ 22: 8) كما انطلقا معًا للعمل (أع 3: 1، 3، 4، 11، 13)، وأرسلهما الرسل معًا إلى السامرة (8: 14).

إن الشرّ الذي يختاره الإنسان بنفسه هو نتاج الإرادة، وتظهر إرادتنا الحُرَّة في ارتكاب الخطية من قول النبي بوضوح: "وأنا قد غرستك كرمة مثمرة، شجرة كاملة، فكيف تحولتِ إلى شجرةٍ بريةٍ وكرمةٍ غريبةٍ؟!" (راجع إر 2: 21) كان الزرع جيدًا ولكن الثمر جاء رديئا! فالزارع بريء، وأمّا الشجرة فتُحرَق بالنار، لأنها زُرِعَت جيدة وبإرادتها حملت ثمرًا رديئًا. وكما يقول المُبَشِّر: "الله صنع الإنسان مستقيمًا، أما هم فطلبوا اختراعات كثيرة" (جا 7: 29). ويقول الرسول: "لأننا نحن عمله، مخلوقين... لأعمال صالحة وقد سبق الله فأَعدَّها لكي نسلك فيها" (أف 2: 1-2). فالخالق صالح، خلقنا لأعمال صالحة، أما الخليقة فانحرفت إلى الشرّ بإرادتها الحُرَّة. يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [الخطية شرّ مُرعِب للغاية، لكنها ليست من المرض المُستعصي شفاءه. هي مرعبة لمن يلتصق بها، لكن من يتركها بالتوبة يُشفَى منها بسهولة...

تصور إنسانًا يحمل نارًا في يديه، فإنه مادام يحمل الفحم يتأكد احتراقه، وإن ألقاها يلقى اللهيب أيضًا! لكن إن ظن أحد أنه لا يحترق إن أخطأ، فالكتاب المقدس يخبره قائلاً: "أيأخذ إنسان نارًا في حضنه ولا تحترق ثيابه؟!" (أم 6: 27) الخطية تحرق طاقات النفس (تكسر عظام الذهن الروحية، وتظلم نور القلب[85])[86].]

6. هل للشيطان المُخادِع سلطان مُلزم للإنسان؟

يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [لست وحدك صانع الشر، بل يوجد من يدفعك إليه بعنفٍ. إنه الشيطان الذي يقترح عليك الشرّ دون أن تكون له سيادة إلزامية على من يقبله. لذلك يقول المُبَشِّر: "إن صعدَت عليك روح المتسلط فلا تترك مكانك" (جا 10: 4)[87]. أغلق بابك واطرده بعيدًا عنك، فلا يصنع بك سوءًا، أما إن قبلت فكر الشهوة بغير مبالاة، فستتغلغل جذوره فيك، ويُفتن ذهنك بحيله، ويهوي بك في هاوية الشرور. قد تقول: أنا مؤمن، لا تقدر الشهوة أن تصعد إليّ حتى وإن فكرت فيها كثيرًا! أما تعلم أن جذع الشجرة بالمقاومة المستمرة يستطيع أن يحطم حتى الصخرة؟! فلا تسمح للبذرة أن توجد فيك حتى لا تمزق إيمانك وتحطمه. اقتلع الشر بجذره قبلما يزهر، لئلا بإهمالك في البداية تحتاج بعد ذلك إلى فؤوس ونار. عالج عينيك في الوقت المناسب عندما يلتهبان، لئلا تصير أعمى، وتحتاج إلى طبيب![88]]

حتى الشيطان لم تُلزِمه طبيعته على السقوط في الشر، يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [دُعِي "إبليس" بسبب أضاليله. كان خادم الله الصالح، وقد صار مدعوًا شيطانًا بحق، لأن كلمة "شيطان" معناها "خصم". هذا التعليم ليس من عندي، بل هو تعليم حزقيال النبي الموحى به، إذ رفع مرثاة عليه قائلاً: "كنت خاتم صورة الله، وتاج البهاء، وُلدت في الفردوس" (راجع حز 28: 12-17).

يعود فيقول بعد قليل: "عشت بلا عيب في طرقك من يوم خُلقت حتى وُجد فيك إثم". إنه بحق يقول: "حتى وُجِد فيك إثم"، إذ لم يُجلب عليه من الخارج، بل هو جلبه لنفسه. وللتوّ أشار إلى السبب قائلاً: "قد ارتفع قلبك لجمالك بسبب كثرة خطاياك، طعنت فطرحت على الأرض". هذا القول يتَّفِق مع قول الرب في الإنجيل: "رأيت الشيطان ساقطًا مثل البرق من السماء" (لو 10: 18).

ها أنت ترى اتفاق العهدين القديم والجديد! عندما طُرِد سحب معه كثيرين، إذ يبث الشهوات فيمن ينصتون إليه. منه تنبع الدعارة والزنا وكل أنواع الشر. خلاله طُرِد أبونا بسبب العصيان، وتحول عن الفردوس ذي الثمر العجيب إلى الأرض المُنبِتة شوكًا[89].]

7. هل توجد قوائم للرذائل في كتابات الكنيسة الأولى؟

بجانب ما ورد في الكتاب المقدس وردت قائمة للرذائل في "الديداكية" التي غالبًا ما ترجع إلى نهاية القرن الأول وبدء القرن الثاني.

يُقَدِّم لنا القديس أوغريس Evagrius قائمته المشهورة عن الرذائل الثمانية، وهي: النهم gluttony، والشهوات الجسدية lust، والطمع avarice، والكآبة dejection، والغضب anger، واليأس despondency، والمجد الباطل vainglory، والكبرياء pride. هذه القائمة تضم ثلاث مجموعات:

أولاً: رذائل تمسّ المادة، وهي النهم والشهوات الجسدية، والطمع.

ثانيًا: رذائل تمسّ حِدَّة الطبع، وهي الكآبة والغضب والقنوط.

ثالثًا: رذائل تمسّ الاعتداد بالذات، وهي المجد الباطل والكبرياء.

المجموعة الأولى تصدر عن إساءة الشهوات الغريزية، حيث لا يضبط الإنسان نفسه في الأكل الشرب أو شهوات الجسد أو محبة المال.

والمجموعة الثانية تصدر عن عدم ضبط الانفعالات الخاصة بحدة الطبع. 

والمجموعة الثالثة تصدر عن الاعتداد بالذات، فيسقط في طلب الإنسان في المجد الباطل والتشامخ.

أما القديس يوحنا كاسيان[90] تلميذ القديس أوغريس فتبنَّى نفس الفكرة مع اختلاف في ترتيب الرذائل، ليبرز العلاقة بين الكآبة واليأس أو القنوط، فنَقَلَ الغضب إلى ما بعد الطمع.

وقام البابا غريغوريوس (الكبير 590-604)، فجعل الكبرياء منفصلاً بكونه أم كل بقية الرذائل، وحذف الكآبة بكونها هي عينها اليأس، وأضاف الحسد إلى مجموعة الرذائل[91]. بهذا قَدَّم قائمة "السبعة خطايا المميتة". التي اشتهر بها الغرب في العصور الوسطى، وهي:

‌أ.    المجد الباطل.

‌ب. الحسد.

‌ج.  الغضب.

‌د.   الكآبة.

‌ه.  الطمع.

‌و.   النهم.

‌ز.  الشهوة الجسدية.

أما القديس يوحنا الدرجي (كليماكوس) فلم يلتزم بأي تقسيم، قائلاً بأن الخطية بطبيعتها لا تعرف نظامًا، ولا يمكن تقسيمها في شيءٍ من الدقة.

التزم بالسبع رذائل، إذ حذف "الحسد"، وجاءت قائمته هكذا:

‌أ.    النهم.

‌ب. الشهوة.

‌ج.  الطمع.

‌د.   اليأس.

‌ه.  الغضب.

‌و.   المجد الباطل.

‌ز.  الكبرياء.

مقارنة بين قوائم الرذائل في كتابات القديسين أوغريس، يوحنا كليماكوس ويوحنا كاسيان:

 

القديس أوغريس

القديس يوحنا كليماكوس

القديس يوحنا كاسيان

 

الغضب

 

 

اليأس

 

النهم

النهم

النهم

الشهوة الجسدية

الشهوة الجسدية

الزنا

الطمع

الطمع

البُخل أو محبة المال

الغضب

 

الغضب

اليأس

 

الحزن (الغم)

المجد الباطل

المجد الباطل

التواني أو الفتور

الكبرياء

الكبرياء

حب الظهور

 

أضاف: الحقد

الكبرياء

 

الافتراء (لقذف)

 

 

الثرثرة

 

 

الكذب (الباطل)

 

8. ما هي أصناف الرذائل وأشكالها عند كاسيان (أو عند الأب سرابيون)؟

هذه الرذائل صنفان: خطايا جسدية وخطايا روحية.

أما عن أسلوب الخطية أو الرذيلة فينا فإنه يأخذ أربعة أشكال:

 (أ) البعض لا يتم ما لم يقوم الجسد بدور فيه، مثل النهم والزنا.

(ب) والآخر يتم بدون أن يقوم الجسد بأي عمل، مثل حب الظهور والكبرياء.

(ج) والبعض بواعثه من الخارج، مثل الطمع والغضب.

(د) والآخر ينبع من مشاعر داخلية، كالفتور والغّم.

جاء في المناظرة 5: [إنني لا أتكلم من نفسي حسب ضعفي، إنما ببرهان الكتاب المقدس يظهر أن النهم والزنا وإن كانا يوجدان فينا طبيعيًا، إذ ينبعان منّا دون حاجة إلى بواعث ذهنية، بل حسب عواطف الجسد وإغراءاته، إلا أنهما لكي يَتِمّا فينا، يلزم أن توجد مادة خارجية تثير الجسد. "ولكن كلُّ واحدٍ يُجرَّب إذا انجذب وانخدع من شهوتهِ. ثم الشهوة إذا حبلت تلد خطيَّةً والخطية إذا كملت تُنتج موتًا" (يع 14:1-15). فآدم الأول ما كان يسقط في النهم لو لم يجد الطعام في يده مستخدمًا إيّاه بطريقة خاطئة، ولا جُرِّب آدم الثاني بغير مادة مُغرِية، بل قيل له: "إن كنت ابن الله فقل أن تصير هذه الحجارة خبزًا" (مت 3:4). ومن الواضح أيضًا للجميع أن الزنا لا يتم إلا بعمل جسدي، إذ يقول الله عن هذا الزوج الطوباوي أيوب: "ها هي قوتهُ في مَتْنَيهِ وشدَّتهُ في عضل بطنهِ" (أي 16:40). وبذلك فإذ هاتين الخطيتين بالذات تُثارا بمساعدة الجسد، فهما يحتاجان إلى زهدًا جسديًا بجوار الاهتمام الروحي، حيث تصميم العقل وحده لا يكفي لمقاومة تلك الحروب. توجد أخطاء مثل الغضب والغم وغيرهما يمكن التغلب عليها بقوة العقل بغير تقشف جسدي.

ويستخدم الزهد الجسدي عن طريق: الصوم والسهر، وأعمال التوبة. أضف إلى ذلك ترك مكان الخطية، لأنه حيث أن الخطية تنتج عن تضافر أخطاء الجسد مع العقل، لذا يلزم أن تتضافر قواهما معًا للتغلُّب عليها. ومع أن الرسول الطوباوي يتكلم عن الخطايا عامة بأنها جسدية، إلا أنه يحصي العداوة والغضب والهرطقات أنها أعمال أخرى للجسد. لذا في معالجة الخطايا يلزم أن نكشف عن طبيعتها بدقة مميّزين بين الصنفين، فندعو البعض جسدي والآخر خطايا روحية. الخطايا الجسدية هي التي تعمل على إشباع الشهوات الجسدية وتلذّذ الجسد. وهذه تهيِّج العقل أحيانًا ليقبل رغباتها بغير إرادته. وعن هذا يقول الرسول الطوباوي: "الذين نحن أيضًا جميعًا تصرَّفنا قبلاً بينهم في شهوات جسدنا عاملين مشيئات الجسد والأفكار، وكُنَّا بالطبيعة أبناءَ الغضب كالباقين أيضًا" (أف 3:2).

أما الخطايا الروحية فهي التي تنبع فقط من باعث عقلي، فليس فقط لا تهب للجسد لذّة، بل أحيانًا تجلب له ضعفًا وتضرّه. إنها تغذي العقل السقيم بطعام اللذّة البائسة. لذلك فهي تحتاج إلى علاج واحد وليس كالخطايا الجسدية التي تشفي بعلاج مزدوج...

لقد لُقِّب كلاهما بـ "آدم". أحدهما كان الأول في الخراب والموت، أما الثاني فكان الأول في القيامة والحياة. بالأول صارت البشرية كلها تحت الدينونة وبالثاني تحررت البشرية. لقد جرَّبه الشيطان بنفس الخطايا التي بها انخدع آدم الأول، ظانًا أنه كما خدع الأول يخدع الثاني مثله، فوجد نفسه قد انهزم بالتجارب التي هزم بها آدم الأول. وإذ انتصر الرب في تجربة النهم لم يجسر الشيطان أن يُجَرِّبه بتجربة الزنا بل عبر به إلى تجربة الطمع الذي هو مصدر الشرور (1 تي 10:6). وعندما انتصر على الطمع لم يجسر أن يحاربه بالتجارب الأخرى التابعة لها والتي مصدرها وينبوعها هو الطمع، لكنه عبر به إلى آخر الخطايا وهي الكبرياء، لأنه يعرف أن الكاملين الذين غَلبوا كل الخطايا يمكن أن يتأثروا بالكبرياء، ولعلمه أنه هو نفسه لوسيفور ومن معه قد سقطوا بسبب الكبرياء من غير أن يسقطوا في أي خطية من الخطايا السابقة... بهذا الترتيب الذي ذكرناه حسب الإنجيلي لوقا نجد توافقًا وترتيبًا دقيقًا بين الإغراءات وأشكال التجارب التي هاجمهم بها العدو الماكر آدم الأول وآدم الثاني[92].]

9. هل من علاقة تربط الخطايا مع بعضها البعض؟

جاء أيضًا في المناظرة 5: [وبالرغم من أن الخطايا الثمانية مختلفة عن بعضها البعض من جهة أصلها وطريقة تأثيرها علينا إلا أن الخطايا الست الأولى: أي النهم والزنا والطمع والغضب والغّم (الكآبة) والفتور لها ارتباط بين بعضها البعض. فإثارة أحداها تكون بداية للتي بعدها. فالزيادة في النهم يتبعه الزنا، والزنا يتبعه الطمع، والطمع يثير الغضب، والغضب يولد الغم (الكآبة)، والغم يُنشئ الفتور... ويجب أن نراعي هذا في محاربتنا الخطايا. فالشجرة الطويلة كثيرة الأغصان تجف متى تعرَّت جذورها أو قُطِعَت، وبركة الماء لا يمكن تجفيفها ما لم توقف القناة التي تمدها بالماء.

فإن أردت الغلبة على الفتور يلزمك النصرة على الكآبة. ولكي ما تتخلَّص من الكآبة يلزم طرد الغضب. ولتهدئة روح الغضب يلزم أن نطأ بأقدامنا على الطمع، ولأجل اقتلاع الطمع يلزم الامتناع عن الزنا، ولكي ما نهلك الزنا فلننتهر خطية النهم. أما الخطيتان الباقيتان أي الافتخار والكبرياء، فإنهما مرتبطان معًا بنفس الطريقة إلى حد ما... ونلاحظ أننا نكون في خطر من هاتين الخطيتين متى صار لنا الغلبة والنصرة الرائعة على الخطايا الستة السابقة[93].]

10. هل يُهاجِم من عدو الخير كل البشر بأسلوبٍ واحدٍ؟

جاء في المناظرة الخامسة: [وإن كانت هذه الخطايا الثمانية تهاجم البشر جميعًا، إلا أنها لا تهاجم الكل بطريقة واحدة. فقد يحتل الزنا مركز الصدارة عند البعض، بينما يحتل الغضب المركز الأول عند آخرين[94].]

11. إلى أي مدى يفيدنا التعرُّف على نوع الرذيلة التي تهاجمنا؟

يقول الأب سرابيون في مناظرات كاسيان:

[يجب علينا أن نتطلَّع إلى جميع الخطايا بطريقة تسمح لكل واحد منّا أن يتعرَّف على الخطية التي تربكه هو بالذات. بهذا يُوجِّه هجماته الأساسية ضدّها معطيًا إيّاها عناية خاصة، ساهرًا من أجلها، وموجهًا ضدها سيوف الصوم اليومي، قاذفًا عليها رِماح التنهُّدات والتأوهات القلبية على الدوام، مُجاهِدًا في أعمال السهر والتأملات القلبية منسكبًا بدموع وصلوات أمام الله، طالبًا على الدوام أن يحفظه من هجماتها...

ويكون في ذلك مِثلُه مثل ذاك الذي يُصارِع مع مجموعة من الحيوانات المفترسة في حضرة ملوك أرضيين، فإنه دون اعتبار إلى المكافأة التي يأخذها في ذلك المشهد الذي يدعى pancarpus، يُوجِّه هجومه الأول ضد الحيوان الأقوى والأشد افتراسًا، فإذا ما قتله يستطيع بسهولة أن يتغلَّب على بقية الحيوانات الأضعف غير المُخيفة...

إلا أنه يلزمنا ألا نظن أنه إذا هاجم إنسان خطية مُعَيَّنة واحدة يهمل في الهجوم على بقية الخطايا الأخرى، فإنه لن ينتصر بسهولة بسبب الهجمات المفاجئة التي تثيرها الخطايا الأخرى...[95]

ويُعلِّمنا المُشرِّع نفسه أن نسلك هكذا، غير معتمدين في ذلك على جهادنا الذاتي، إذ يقول: "لا ترهب وجوههم لأن الرب إلهك في وسطك إله عظيم ومخوف. ولكن الرب إلهك يطرد هؤلاءِ الشعوب (رمز للخطايا) من أمامك قليلاً قليلاً. لا تستطيع أن تفنيهم سريعًا لئَلاَّ تكثر عليك وحوش البرية0 ويدفعهم الرب إلهك أمامك ويوقع بهم اضطرابًا عظيمًا حتى يفنوا" (تث 21:7-23)[96].]

12. ما هو ملخص مبادئ حديث القديس سرابيون عن الرذائل في مناظرة القديس يوحنا كاسيان معه؟

·     الخطايا الجسدية التي يشبع فيها الجسد أو يتلذَّذ تحتاج إلى تضافر قوى الجسد (الصوم والزهد والسهر) مع قوى العقل (صلاة وتنهُّدات) في يدي النعمة الإلهية للنصرة عليها.

·     الخطايا سلسلة، كُلٍ منها تُسَلِّم الإنسان إلى غيرها، لذا يلزم محاربة الأصل...

·     لكل إنسان خطية مُعَيَّنة، يلزمه أن يُرَكِّز عليها ضربات السهام من صوم وصلاة وسهر وتنهدات ودموع، وتَتَطَلَّب النصرة عليها الاهتمام بالخطايا الأخرى أيضًا.

·     قد جُرِّب الرب وانتصر، لكي نعلم أنه لا نصرة لنا بجهودنا الذاتية بل بالرب يسوع المنتصر.

·     تتطلب النصرة حياة الشكر لله، لأنه لا خلاص لنا من خطية بغير نعمة الله وعنايته وحمايته لنا.


 

6. الإيمان المسيحي والثقافات البشرية[97]

1. ما هو دور الفكر الاجتماعي في الكنيسة الأولى؟

الكنيسة وإن كانت لا تتدخَّل في الشئون السياسية والقوانين المدنية والعسكرية والاقتصادية والمنظمات الاجتماعية، لكنها تحمل أمومة صادقة نحو كل إنسانٍ وكل أسرة بل وكل المجتمع، وتشتهي أن تتحوَّل الأرض إلى سماءٍ متهللةٍ ليست في عوزٍ، كما لا تحتمل أن ترى إنسانًا مظلومًا أو متألمًا. تود أن ترى كل إنسانٍ في العالم يحمل ثقة في نفسه بالرب، له دوره الحيّ في البشريَّة، يحمل في داخله روح القيادة الجادة الملتزمة بتواضعٍ داخليٍ، في غير خمولٍ أو شعورٍ بالنقص.

جاء الخط الاجتماعي في الكنيسة الأولى ليس وليد دراسات جافة وجدال عقلاني بحت، لكنّه وليد تقدير حيّ للفكر الإنساني، واعتزاز بالثقافات البشريَّة وتقديسها، وشركة حيَّة مع الله محب كل البشريَّة. فكل أب، بل وكل عضو في الكنيسة، يشتهي أن يرى العالم كلَّه سماءً جديدة متهللة، لا ينقصها شيء، وليس للظلم الاجتماعي أو الجهل الفكري أو الأنانية وحب السلطة موضع فيه! فالخط الاجتماعي المسيحي هو حياة إنجيلية كنسية تمسّ أعماق الفكر والقلب والحواس، وتُترجَم خلال السلوك والمعاملات اليومية.

2. ما هي سمات الخط الاجتماعي في الكتاب المقدس؟

ليس ما يشغل الناموس في العهد القديم مثل العدالة والبرّ، فالعدالة في الناموس تمسّ معاملات الإنسان مع الله ومع الإنسان أخيه، بل ومع الحيوانات والطيور، حتى الجمادات. إنها قوانين تفصيلية قُدِّمت للإنسان في بدء حياته الروحية لتكون ناموسًا له، لا يحيد عنه يمينًا ولا يسارًا. بدونها ليس من قبول لذبائحه وصلواته وأصوامه وعطاياه وكل عبادته. حين يتحدَّث الأنبياء عن الفساد الذي حلّ بالإنسان لمحاربته والتوبة عنه يبدأون بالحديث عن التحرُّر من الظلم والعنف مع الاهتمام بالمحتاجين والضعفاء والذين ليس لهم من يسأل عنهم. ثم يخلطون هذا التحرر خلال التوبة بالعبادة الطاهرة النقية.

أما في العهد الجديد فلا نجد شرائع تفصيلية خاصة بالخط الاجتماعي، لكن الله يتعامل مع المؤمن كإنسانٍ ناضجٍ، يهبه الفكر الحيّ والحياة الداخلية النقية، لكي يُقَدِّم العمل الاجتماعي حسب احتياج كل عصرٍ بروحٍ إيمانيٍ عمليٍ واقعيٍ. من هنا نجد في كتابات الآباء الأولين منذ عصر الآباء الرسوليين تطورًا في العمل الاجتماعي، لكن بفكر إيماني واضح غير مُتغيِّر. فالفكر حيّ وثابت، لكنّه يتكيَّف حسب احتياجات العصر.

يصعب علينا أن نُحَدِّد الخط الاجتماعي للكنيسة الأولى كما لو كان في معزلٍ عن الخط الروحي أو الثقافي أو غيره. إنما هو خط واحد متكامل، وخبرة حياة مُعاشَة. لقد جاءت كتابات الكنيسة الأولى المُبَكِّرة تكشف عن هذه الوحدة في الحياة، فليس من فصلِ بين الحياة الروحية الشخصية الخفية والحياة الكنسية الجماعية الملتهبة بالروح. وليس من فصلٍ بين علاقة المسيحي مع الله وبين علاقته بإخوته بني البشر عامة والمؤمنين خاصة. وليس من عزلٍ بين نموه الروحي واهتمامه بنموه الدراسي، ولا بين تقديس النفس وتقديس العقل، وأيضًا الجسد والحواس والعواطف! لهذا عندما نحاول تسجيل الخط الاجتماعي عند آباء الكنيسة الأولى يليق بنا ألا نعزله عن بقية جوانب الحياة ككلٍ!

3. ما هو منهج الكنيسة الأولى وثلاثية trilogy القديس إكليمنضس السكندري؟

يُعرَف القديس إكليمنضس بثالوثه المشهور أو أعماله الكتابية الثلاثة الرئيسية، وهي: نصح لليونانيين Protrepticus، والمُعَلِّم أو المربى Paedagogus، والمتفرقات Stromata. يكشف هذا الثالوث عن منهج الدراسة في مدرسة الإسكندرية الأولى. وكما يقول Osborn: إن مشكلة العلاقة بين هذه الأعمال الثلاثة الكبرى قد جذبت الانتباه بطريقة ملحوظة في الخمسين سنة الأخيرة[98]. ويقول Swete: "ربما ليس في كل الأدب الآبائي الأول أكثر جاذبية للقارئ الحديث مثل ثالوث (إكليمنضس) العظيم في تدريج التعليم في الحياة المسيحية... ومفهوم إكليمنضس للمسيحية في علاقتها بكل ميادين الفكر البشرى، الأمر الذي له قيمته في أيامنا... ونفعه متزايد في العصر الحاضر[99].

يرى القديس إكليمنضس أن خطة الله نحو البشرية تأخذ ثلاث مراحل وهي تُطابِق كتبه الثلاثة[100]:

أولاً: يدعو اللوغوس "كلمة الله" البشرية للخلاص من براثن الوثنية خلال الإيمان... هذا يطابق الكتاب الأول "نصح لليونانيين". وكما يقول يوسابيوس: إنه كان مناسبًا جدًا لإكليمنضس أن يُوَضِّح خسة الوثنية فقد عبَّر هو خلالها لكنه هرب من وبائها.

ثانيًا: تُصلح حياتهم بالوصايا الأخلاقية... هذه المرحلة تُطابِق كتاب "المُرَبِّي" الذي يهتم بالكثير من الوصايا السلوكية غايتها "التشبُّه بالله الكلمة أو المُعَلِّم الإلهي نفسه".

ثالثًا: في كتابه "المتفرقات" يرفعهم إلى المعرفة الكاملة للإلهيات ليتمتعوا بالغنوسية المسيحية.

هذا العمل الثلاثي هو نصح وتقديم مشورة ثم تدريب وتقوية وأخيرًا شفاء وتعليم. وكما يقول Jay: "يسعى في ثالوثه أن يظهر كلمة الله الذي قَدَّم استنارة لإسرائيل القديم ولليونانيين أنه قد جاء الآن في المسيح يسوع بطريقة جديدة ليُقَدِّم معرفة الله الخلاصية لكل البشرية. إنه يناشد قارئيه أن يأخذوا المسيح مُعَلِّمًا لهم. ففي البداية ينصحهم، وبعد اهتدائهم يُدَرِّبهم بنظام مفيد ويقودهم إلى مبادئ التهذيب من الخوف إلى الرجاء، إلى الحب النزيه والمعرفة التي تطلب الآن كغاية في ذاتها، أي معرفة الله[101]. ومن كلمات القديس نفسه [إذ يريد اللوغوس خلاصنا خطوة فخطوة، يستخدم وسيلة ممتازة: أنه في البداية يهدي، ثم يصلح، وأخيرًا يُعَلِّم[102].] تكشف لنا كتابات القديس إكليمنضس السكندري عن حرص الكنيسة الأولى منذ عصرٍ مبكرٍ على الاهتمام بكل الجوانب للحياة البشرية، سواء الخلاص من فساد الوثنية، أو التمتُّع بالشركة في الحياة الجديدة العملية، كأيقونة للمُهذِّب الإلهي، أو التمتُّع بالنمو في معرفة الأسرار الإلهية. فالحياة وحدة واحدة، ليس من فصلٍ بين العقيدة والعبادة والسلوك والعلم والمعرفة. بهذا لا نعزل الفكر الكنسي الاجتماعي عن كل جوانب الحياة.

4. ما هي نظرة الإيمان المسيحي للثقافات البشرية المتباينة؟

جوهر الإيمان المسيحي كله أن الله ليس في معزلٍ في السماء، خلق العالم وحرَّكه ثم تركه للقوانين التي وضعها له كما قال أرسطو، إنما الله محب البشر. يحتل الإنسان مركزًا خاصًا في قلبه، إن صحّ التعبير. وكما قيل بالنبي: "الرب إلهك في وسطك... يبتهج بك فرحًا... يبتهج بك بترنم" (صف 3: 17). إنه أشبه بالأُم التي تحتضن طفلها الوحيد، وتُعَبِّر عن فرحها به بالتهليل والأغاني!

تجسُّد كلمة الله وحلوله في عالمنا كواحدٍ منا، قدَّس أرضنا وأعمالنا وعقولنا وعواطفنا ومواهبنا وإمكانياتنا. فلا نعجب أن بظهوره بدأ التطور السريع في التقدُّم، وصارت بعض الأديرة ورجال الدين علماء، يشغفون بالتقدُّم المستمر دون انتظار لمكافأة. جاء مسيحنا ليُقَدِّس العقل كما العواطف، فلا يتوقَّف الإنسان عن البحث والعمل، حتى اقتحم عالم الفضاء، والتقدُّم التكنولوجي السريع. وسيبقى هذا التقدم مادام كلمة الله نفسه نزل ليُقَدِّس ويُنَمّي، دون الاستخفاف بالحياة البشرية والفكر الإنساني.

والآن في اختصار شديد نُقَدِّم صورة حية لموقف الكنيسة الأولى من الفكر الاجتماعي، وإن كان قد وُجِد قلة قليلة ذات فكرٍ ضيِّقٍ أخذوا موقفًا مضادًا، لكن الكنيسة بفكرها الإنجيلي الحيّ لا تكف عن مساندة العالم فيما هو حق وللبنيان!

5. ما هي نظرة الإيمان المسيحي للعقل البشري؟

يُحَدِّثنا العلامة أوريجينوس عميد مدرس الإسكندرية عن دور العقل في حياة المؤمن، قائلاً: [كما أن العين بطبيعتها تطلب النور والبصر، والجسد برغباته الطبيعية يطلب الطعام والشراب، هكذا العقل له رغبته الطبيعية أن يعرف حق الله، ويبحث في علل الأشياء؛ هذه الرغبة هي من عند الله[103].]

جاء السيد المسيح ليُقَدِّم للعالم الخلاص، فيرفع المؤمنين إلى المجد السماوي الأبدي، فإن كان لم يلتحق بمدارس فلسفية وعلمية، لكنه قدَّم نظرة جديدة للإنسان، مكرمًا إياه فوق كل العالم، وقدَّس كل ما للإنسان لكي يعمل بروح القوة والتقدُّم والتمتُّع بالحياة الفُضلَى. بهذا دفع البشرية نحو الاهتمام بالتقدُّم والمعرفة والعلم. وجاءت كنيسته تدفع العالم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة للتقدُّم.

لم يدخل السيد المسيح في حوارات فلسفية (كان العلم جزءً من الفلسفة)، لكنه فتح الطريق للكل كي يدرسوا ويتعلَّموا. على سبيل المثال كان أتباع أرسطو يرون أنه لا يمكن أن يكون الإنسان سعيدًا متى كان فقيرًا أو بلا شهرة أو مريضًا أو عبدًا. وكانت نظرة المجتمع إلى التعلُّم أنه حق خاص بالشخص الحُرّ الغني صاحب الجاه والقوي البنية وحده. جاءت الكنيسة تنادي أنه ليس عبد ولا حر في المسيح يسوع (غل 3: 28)، تُقَدِّم الطوبى للمساكين والحزانى والمتألمين. جاء الإيمان المسيحي دعوة للعالم كله لكي يتمتع بالمعرفة، بل ويتشكَّل ويتجدَّد بروح الله المُقَدَّم بلا محاباة، ليصير الإنسان على صورة خالقه. بهذا قُدِّم التعليم المسيحي للجميع لكي يختبر المؤمن الحياة الجديدة المقدمة في الرب، ويتمتَّع كل يوم بخبرة حية في علاقته مع خالقه ومُخَلِّصه. لقد انفتح باب التعليم أمام الجميع، يقول العلامة أوريجينوس إن كل أسقفية صارت مدرسة.

احتل التعليم مركز الصدارة في حياة الكنيسة جنبًا إلى جنب مع الإيمان في كتابات الكثير من آباء الكنيسة، خاصة القديس إكليمنضس السكندري من رجال القرن الثاني. لقد سجَّل لنا عمله المشهور Paedagogus أي المهذب، ويعني به السيد المسيح، الذي يبقى يُهَذِّب ويُدَرِّب تلاميذه ليصيروا أيقونة له. كانت الكنيسة في نظره هي المدرسة، والمُرَبِّي هو السيد المسيح، الذي يرعانا ويُهَذِّب نفوسنا. إذ يقول: [من هو المُرَبِّي؟ إنه يُدعَى يسوع، وأحيانًا يقول عن نفسه إنه راعٍ، قائلاً: "أنا هو الراعي الصالح" (يو 10: 11)... الذي يقود الأطفال إلى الخلاص، يُدعَى بحق المُعَلِّم... والتقوى هي التعليم، إذ هي دراسة خدمة الله، وهي المشورة الصحيحة التي تقود إلى السماء[104].] [نتعلَّم منه التواضع والتدبير، وكل ما يتَّصِف بحب الحق والصدق، ومحبة البشر، ومحبة التفوق والتقدُّم... يوجد طريق سخي وكريم يناسب ذلك الاختيار الذي تفرضه عذوبة الأخلاق الفاضلة، والنابعة من تعليم المسيح[105].]

6. كيف هيَّأت الكنيسة العالم لفتح باب التعلُّم لكل إنسان؟

أولاً: فتح باب التعلُّم والخدمة للجميع. اهتم أغلب الكتاب المسيحيين بالدفاع عن تقديس حرية الإنسان. يقول العلامة أوريجينوس: [كل نفسٍ عاقلة تُمنَح إرادة حُرَّة والقوة للاختيار[106].] كما يقول: [توجد حرية معيبة، وعبودية تستحق المديح]، فإنه يمكننا أن نتحرَّر من التسيُّب أو نُستعبَد للعدالة والحكمة والرحمة الخ[107]. فهو ينادي بالحرية الملتزمة الجادة، وكما يقول الرسول بولس: "لا تُصيروا الحرية فرصة للجسد، بل بالمحبة اخدموا بعضكم بعضًا" (غل 5: 13). فالحب العامل حتى للإخوة يعطي عذوبة للعبودية والخدمة وقبول الآخرين وتقديمهم في الكرامة. يقول عن هذه العبودية: "فإني إذ كنت حرًا من الجميع استعبدت نفسي للجميع لأربح الأكثرين" (1 كو 9: 19).

ثانيًا: بثّ روح الفرح الداخلي الذي يُهَيِّئ للتعلُّم. الدراسة والبحث والعمل المُتَجَدِّد الخلاَّق يحتاج إلى نفوسٍ سوية، لا يُحَطِّمها اليأس، ولا يفسدها الشعور بالقلق، ولا يعطلها ثقل الهم الذي يفسد بصيرة الإنسان، فيرى كل شيء من منظارٍ مظلمٍ، فيفقد حيويته ويحطم قدراته ومواهبه. ركَّز الآباء على الحياة المسبحة المُفرِحة، فقد كان العالم في حاجة إلى خبرة الفرح السماوي. جاء السيد المسيح يبثّ روح الفرح الداخلي في المؤمنين به. يقول القديس إكليمنضس السكندري: [لنأخذ نموذج حياة مخلصنا مثالاً كمنهج لأجل خلاصنا، متأملين ذلك النموذج السماوي للحياة، نهتدي به، ونتقدَّس، وندهن رؤوسنا، ونعطر أنفسنا بطيب الفرح الدائم الأبدي[108].]

ثالثًا: رفع نفسية الإنسان واعتزازه بقدراته في الرب. يحتاج الإنسان إلى من يرفع من نفسه بأن الحق في متناول يده. جاءه الحق ذاته إلى أرضه وإلى بيته، بل وإلى قلبه ليصير بالحق عاملاً للتمتع بالمعرفة في هذا العالم والعالم العتيد. هذه الرغبة في المعرفة والتعلُّم لا تتوقف قط، بل تبقى ملتهبة في داخله، تسكب عليه بهجة داخلية دائمة. يعمل حسب موهبته وفي الحدود اللائقة بإمكانياته وظروفه، دون فصل بين جهاده في معرفته للزمنيات وتلك التي للأبديات. إنه إنسان الله الحي الذي يصبو نحو اقتناء الحق. سمو الحق يرفع الإنسان ليصير أيقونة السيد المسيح، حكمة الله المتجسد. يقول القديس إكليمنضس السكندري: [التعليم الذي من الله هو التوجيه الصحيح للحق نحو التأمل في الله، وإظهار الأعمال المقدسة في إصرار لا يكل ولا ينقطع[109].] كما يقول: [يُعين الله الإنسان الفاضل مكرمًا إياه بعنايته الفائقة... يبث فيه إذ هو موطد العزم أن يسلك الحياة الصالحة، القوة ليتمتع بالخلاص... وكما أن الطبيب يشفي الذين يتعاونون معه لاسترداد صحتهم، هكذا يهب الله الخلاص الأبدي لمن يتعاون معه لينال المعرفة والأعمال الصالحة[110].]

رابعًا: بث روح الرجاء وتحدِّي المرض والشيخوخة والموت. جاء السيد المسيح إلى العالم ليهب الإنسان روح القوة لا روح الفشل (2 تي 1: 7). بهذا الروح يعمل الإنسان بقوةٍ وفي تحدٍ لكل الظروف القاسية. هذا الروح ضروري في حياة الراغب الحقيقي في التعلُّم والتقدُّم والمساهمة في العمل الخلاَّق. يقول القديس إكليمنضس السكندري: [لا تخف من المرض الذي يُهَدِّدك، ولا من الشيخوخة التي تجلبها السنوات عليك. فإنه حتى المرض يبطل إن تممنا إرادة الله بكل قلوبنا. إذ تعرف ذلك، عِدْ نفسك أن تكون قوية ضد المرض. كن شجاعًا كمحاربٍ قوي في الإستاد، حتى تغلب متاعبك بثباتٍ لا يُقهَر. لا تسمح لنفسك أن تكتئب بالحزن، لا بسبب مرض أو بسبب أية كارثة تحل بك[111].] كما يقول: [يقف (الغنوصي أو صاحب المعرفة الحقيقية) ضد كل خوفٍ وكل خطرٍ، وليس فقط ضد الموت، بل وضد الفقر والمرض والعار[112].]

خامسًا: الاعتدال في كل سلوك. دعوة المسيحية للحياة المعتدلة في كل شيء خاصة الأكل والشرب والملبس والمرح تسحب الإنسان من الاستعباد لهذه الأمور ليدرك سمو رسالته. فيتفرَّغ فكره وقلبه للعمل، في اعتزاز بالعمل لحساب البشرية كلها، ولأجل المجد المُنتظَر في السماء! يقول القديس إكليمنضس السكندري: [كما أن الاعتدال والبُعْد عن الإسراف هما ابنا القناعة عادة، فإذا اعتاد إنسان أن يستغنى عن كل ما هو كمالي وغير ضروري، لا يوجد انحراف أو سقوط في الإغراءات[113].]

7. ما هو موقف كنيسة العهد الجديد من الفلسفة والمعرفة؟

وُلِدَت كنيسة العهد الجديد في عصر يمكن تلقيبه "عصر الفلسفة". كانت كلمة "فلسفة" في القرون الأولى تُعادِل "التقدُّم الصناعي" في العصور الوسطى بأوروبا، والتقدُّم العلمي في القرن العشرين، والتقدُّم التكنولوجي في عصرنا الحالي. فكان الحكام والقضاة وأصحاب المراكز القيادية يفتخرون بأنهم فلاسفة أو عشاق الفلسفة ورجالها، وأنهم أصحاب ثقافة عالية. أوضح الرسول بولس أن الصليب عند اليونانيين (الفلاسفة) جهالة (1 كو 2: 14)، لكنه في حقيقته فلسفة إلهية فائقة. "لأن جهالة الله أحكم من الناس! وضعف الله أقوى من الناس!" (1 كو 1: 25). يحسبونه جهالة بسبب عجز هؤلاء الفلاسفة عن إدراك سرّ حكمة الله وفلسفته.

لم تُسَفِّه الكنيسة الفلسفة ولا المعرفة، فكثيرًا ما استخدم الرسل كلمة "يعرف" ومشتقاتها في العهد الجديد! المعرفة لا تقف في تضاد مع الإيمان، إنما هما أختان متلازمتان، مادامت المعرفة صادقة (الحق) والإيمان حقيقي غير مُزَيَّف.

تبقى مدرسة الإسكندرية المسيحية – أول معهد مسيحي علمي في العالم - شاهدًا عمليًا على نظرة الكنيسة الأولى المتسعة نحو الثقافة في المجتمع:

أولاً: يشهد العلامة أوريجينوس (185-254) أن القديس بنتينوس مدير المدرسة (تنيح حوالي عام 190م) كسب كثيرًا من الفلاسفة للإيمان المسيحي باستخدامه للفلسفة.

ثانيًا: يُعتبَر القديس إكليمنضس السكندري (150-215) أول كاتب مسيحي قام بتزويج الإيمان مع الفلسفة، بكونهما هبة من الله، وإن كان بعض الفلاسفة أدخلوا عليها ما هو باطل. وكان القديس يلبس بلين الفلاسفة وهو يُدَرِّس في مدرسة إسكندرية المسيحية. آمن أنه لا توجد عداوة بين المسيحية والفلسفة. وتتلخَّص نظرته إلى الفلسفة في النقاط التالية[114]:

أ. أن الفلسفة ليست عملاً من أعمال الظلمة، بل في كل مذهب من مذاهبها يشرق عليها شعاع نور[115] من اللوغوس... ففي بداية كتابة "المتفرقات Stromata" انتقد القائلين بأن الفلسفة شرّ، ووعد أنه سيوضح، خلال هذا العمل، أنها من جانب هي "عمل التدبير الإلهي[116]". في رأيه أن غاية الفلاسفة في كل المدارس الفلسفية هي ذات غاية المسيحية، ألا وهي الحياة السامية، ولكن الفارق هو أن الفلاسفة لم يتمتَّعوا إلا بقليل من الحق، أما المسيحية فأَعلنت الحق كاملاً في المسيح[117]. الفلسفة، في رأيه، أقل من الحق[118]، لكنها ليست بلا قيمة[119]. لهذا يرى الفلاسفة أطفالاً بقوا هكذا حتى جعلهم السيد المسيح رجالاً.

ب. لقد قال: "أقصد بالفلسفة لا المذهب الرواقي أو الأفلاطوني أو الأبيقوري أو الأرسطاطلي، بل ما قد قيل بحق في كل المذاهب ويُعلَّم مع العلم التقوى.

ج. يرى أن عناية الله لم تتجاهل أي شعب. فكما أَعدّ الله العبرانيين بالناموس ليقودهم للسيد المسيح، هكذا استخدم الفلاسفة بالنسبة لليونانيين للبلوغ بهم إلى ذات الهدف. في هذا يقول: [قبل مجيء الرب كانت الفلسفة ضرورية لليونانيين للبرّ، وأما الآن فقد أصبحت موصلاً للتقوى، بكونها نوعًا من التدريب الإعدادي للذين ينالون الإيمان خلال البرهان... لقد أعطيت الفلسفة اليونانية مباشرة، وبطريقة بدائية إلى أن يدعوهم الرب. وكما يقود الناموس العبرانيين للمسيح (غل 24:3)، هكذا كانت الفلسفة إعدادًا، تهيئ الطريق الذين يتكملون في المسيح[120]".]

د. أَكَّد القديس بأمثلة عديدة أن اليونانيين قد استعاروا الكثير من العهد القديم[121]. قال إن أفلاطون انتحل آراء موسى والأنبياء، ولو أنه لم يُقَدِّمها بطريقة صادقة. كما شبَّه الفلسفة اليونانية بالشريعة الموسوية، ومع ذلك فكثيرًا ما أَكَّد أن الإيمان هو أساس كل المعرفة[122]، وأعظم منها وهو الحكم عليها[123]، كما دافع عن الإيمان ضد الفلاسفة[124].

ه. إذ عرف القديس العالم بجانبيه الوثني والمسيحي، عرف الكتابات اليونانية الكلاسيكية واللاهوت المسيحي. لهذا اعتقد أنه ليس من واجب الكنيسة أن تثبط همة الموعوظين عن متابعة دراستهم الفلسفية، إنما تستطيع الكنيسة أن تعطي مسحة مسيحية للفلسفة بثقافتها وتعليمها.

ثالثًا: قيل في القرن الثاني وبدء القرن الثالث صار الفلاسفة مسيحيين، والمسيحيون فلاسفة، حيث كان الفلاسفة على علاقة وثيقة بعمداء مدرسة إسكندرية المسيحية وأساتذتها[125].

رابعًا: لا نعجب أن مدرسة الإسكندرية منذ بدء نشأتها، لا يقف منهجها عند الدراسات الدينية، بل تدرس علومًا كثيرة encyclopedic. هذا الموقف المشرف من قادة الفكر المسيحي في الكنيسة الأولى يكشف كيف واجهت الكنيسة المجتمع بثقافاته وقدراته وإمكانياته، لا لتأخذ موقف المواجهة ضد المجتمع، بل تقديس ونمو وتطور كل ما هو للبنيان.

خامسًا: القديس إكليمنضس السكندري في محاولاته لإرساء "غنوسية" مسيحية حقيقية وأصيلة وعملية، يستخدم بصفة مستمرة، مصطلح "غنوسي Gnostic" بمعنى "المؤمن الروحاني". فهو لا يفصل بين المعرفة Gnosis والروحانية.

في حديث الشهيد يوستين (100-165 م) عن الفلسفة والفلاسفة يقول: [إن كل ما علموه من حقائقٍ يخصنا نحن المسيحيين، وذلك لأن "اللوغوس" الذي نعبده ونحبّه، والمولود من الآب، والمتجسد لأجلنا ولأجل شفائنا من آثامنا بتحمله العذابات والآلام، هو ذاته الذي أوحى إليهم بتلك الحقائق. لقد عرفوا الحقيقة، لأن اللوغوس نفسه وضع فيهم زرعه. ولكن الفارق كبير بين الحصول على هذا الزرع وبين المشاركة فيه. لهذا فإن جميع المبادئ الصحيحة التي اكتشفها الفلاسفة والمُشَرِّعون وعبَّروا عنها تعود إلى أنهم وجدوها وتأملوها جزئيًا في اللوغوس. وعندما كانوا يخطئون، فيعود ذلك إلى أنهم لم يعرفوا اللوغوس بالكلية، الذي هو المسيح. أما نحن فعرفناه وأخذنا عنه الحقيقة كاملة[126].]

8. هل كان المسيحيون شعبًا منعزلاً عن المجتمع؟

لم يكن المسيحيون شعبًا منعزلاً عن المجتمع، لكنهم عاشوا في المجتمع لهم خلفية ثقافية مُعَيَّنة، وتعليم مُعَيَّن وأصدقاء وأقرباء وجيران؛ لم ينفصلوا عن الثقافة التي وُلِدوا فيها، والمجتمع بكل ما فيه. لقد كانوا في العالم، لكنهم ليسوا من العالم. لهم دعوة خاصة لتقديس العالم بعمل الله بهم وفيهم. "لأن الله لم يدعنا للنجاسة، بل في القداسة" (1 تس4: 7). "بل نظير القدوس الذي دعاكم، كونوا أنتم أيضًا قديسين في كل سيرة، لأنه مكتوب: كونوا قديسين لأني أنا قدوس" (1 بط 1: 15-16).

جاء في الرسالة إلى ديوغينيتس The Epistle to Diognetus والتي تُعتبَر من كتابات الآباء الرسوليين، أن المسيحيين ليسوا، كما يتخيَّل ديوغنيتس، شعبًا متقوقعًا حول ذاته، يُقِيم من ذاته دولة لها لغتها الخاصة وعاداتها المستقلّة، إنّما الإيمان المسيحي هو انفتاح على البشريّة، على خلاف اليهود. [لا وطن، ولا لغة، ولا عادات، تُمَيِّز المسيحيّين عن سائر البشر. فهم لا يقطنون مدنًا خاصة بهم، ولا ينفردون بلهجة مُعَيَّنة...] وأن علاقة الكنيسة بالعالم كعلاقة الروح بالجسد، مصدر حياتهم، إنّها خميرة المجتمع البشري، والنور الذي يهديه سواء السبيل. [يقيم المسيحيّون في العالم كما تقيم الروح في الجسد. الروح منتشرة في أعضاء الجسد انتشار المسيحيّين في مدن العالم. الروح تقيم في الجسد، إلاَّ أنّها ليست من الجسد المنظور... الجسد يكره الروح ويقاومها، وإن لم ينله منها أذى، سوى أنّها تحول دون انغماسه في حمأة اللذات. والعالم يكره المسيحيّين، لا لأنّهم أساءوا إليه، بل بكونهم يتصدّون لما فيه من شهوات منحرفة فاسدة. تحب الروح الجسد الذي يبغضها، كما يحب المسيحيّون مبغضيهم. الروح سجينة الجسد، ولولاها لما كان للجسد من حياة، والمسيحيّون موثقون في سجن العالم، ولولاهم لا قيام ولا حياة للعالم.]

9. هل دور الإيمان نقد الثقافات أم تقديسها؟

أوضح العلامة أوريجينوس أن المسيحية لا تدين الثقافة في المجتمع، بل تُقَدِّسها. إذ يقول: [الثقافة ليست شرًا، بل بالحقيقة هي طريق للفضيلة... إنها لا تعوق معرفة الله[127].] [[يلزم توبيخ أولئك المسيحيين الذين يجدون راحتهم في جهلهم[128].] [الحكمة الحقيقية لا تأثم، بل الجهل يخطئ. الأمر الوحيد المستقر بين كل الموجودات هي المعرفة والحق، هذا وذاك ينبعان عن الحكمة[129].]

يفضل العلامة أوريجينوس أصحاب العقول الأكثر تعقلاً وذكاءً لاستخراج أسرار الكتاب المقدس والبحث بعمقٍ في غوامض الإيمان[130]. تعلم القديس غريغوريوس العجائبي (213-270) الذي درس في مدرسة أوريجينوس أن المعرفة تقود إلى الإيمان، والجهل إلى العمى، وأن من لا يدرس الفلسفة لا يقدر أن يكون تقيًا[131].

لقد كسب أوريجينوس القديس غريغوريوس العجائبي وأخاه أثينودورس Athenodorus للمسيحية من خلال ثقافة مُعَلِّمهم وقدرته الفكرية. كان مُعَلِّمهم يُوَجِّه تلاميذه نحو دراسة نظريات الفلاسفة اليونانيين، أيا كانوا، ماعدا الملحدين. لم يسمح لتلاميذه أن يجهلوا الأفكار البشرية، وقد درَّبهم أن يُمَيِّزوا الحق من الباطل خلال الغابات الكثيفة المملوءة أشواكًا[132].

في عظاته على سفر الخروج يقول العلامة أوريجينوس أنه يليق بالمسيحيين أن يستخدموا الفلسفات لبناء الصرح الإيماني، كما استخدم العبرانيون ذهب المصريين في إنشاء خيمة الاجتماع.

في حديث للشباب لم يمنع القديس باسيليوس الكبير القراءة للشعراء والمؤرخين والخطباء مادامت هذه القراءات نافعة. يكمل حديثه لهم قائلاً: [علينا أن نبتدئ بقراءة الفكر الدنيوي لنرتفع بعده إلى المقدسات وأسرار الإيمان... فإذا كان هناك من موافقة بين هذه الثقافة وعقائدنا، كانت معرفتها من الإفادة بمكان كبير، وإلا فالمقارنة في الحالة العكسية من شانها أن تثبت اعتقاداتنا الصحيحة[133].]

10. هل قامت المسيحية في عصر الآباء الأولين على الإبداع الأدبي؟

لم يَقُم الإيمان المسيحي على الإبداع الأدبي، لكنه يُقَدِّس كل ما هو مُبدِع. شجَّع القادة والشعب على استخدام موهبة الإبداع الأدبي. كمثال الشهيد كبريانوس الذي كان قبل الإيمان خطيبًا فصيحًا لم يُحَطِّم ما تمتَّع به من بلاغة، لكن الإيمان أعطى لبلاغته عذوبة خاصة سندته في رعايته للشعب سواء خلال الكلمة المقولة أو المكتوبة. لقد اقتدت الكنيسة بالأنبياء والرسل الذين كتبوا بلغة عصرهم، غير مُستخفِّين بالثقافة التي كانت تسود في أيام كل واحدٍ منهم[134].

ما قلناه بخصوص الإبداع الأدبي واللغوي وتقديسه لحساب بنيان الجماعة في تناغمٍ وتناسقٍ مع الإيمان الحي العملي، نقوله أيضًا بخصوص الفنون. لقد نجحت الكنيسة الأولى في تقديس الفنون للعمل معًا على التهاب القلب بالحب الإلهي وطلب السماويات في غير استخفاف بالفنون. وُجِدَت في مصر ورقة بردي تحوي لحنًا مسيحيًا بموسيقى[135]. كما نعرف عن الأسقف المصري نيبوس Nepos أنه وضع الكثير من التسابيح والمزامير التي كان المؤمنون يتغنَّون بها بلذة في أيام البابا ديونسيوس السكندري (190-265).

11. ما هو موقف الكنيسة الأولى من المسارح والملاعب واستخدام أكاليل الزهور؟

كانت المسارح والملاعب تُستخدَم عادة للاحتفالات الخاصة بالآلهة الوثنية أو بالإمبراطور كإله، وكان لها طقوسها الخاصة، مثل إنارة مشاعل ووضع أكاليل من الزهور على رؤوسهم. وقد اضطر البعض، بسبب البسطاء أو الضعفاء في الإيمان، رفض استخدام الزهور، ليس لأنها دنسة، ولكن لأنها ارتبطت بعبادة الشيطان والأوثان. مع هذا يقول الشهيد يوستين (110-165): [كل شيء يُولَد كعطية الله التي لا تُنتهَك حرمتها، لا يُمكِن انتهاكها بعمل بشري (حتى وإن استخدمت في طقوس وثنية). على أي الأحوال، نحن نمتنع عن استخدامها حتى لا يعتقد أحد أننا نخضع للشياطين الذي من أجلهم يُشرَب الخمر، أو أننا نخجل من ديانتنا. بالتأكيد زهور الربيع مُبهِجة لنا، فإننا نختار وردة الربيع والسوسنة وغيرها من الزهور ذات الألوان المُبهِجة للغاية والرائحة الذكية، ونستخدمها سواء كلٍ منها بمفردها أو ننثر أوراقها أو ننسجها معًا كأكاليل نُزَيَّن بها رقابنا[136].]

يقول القديس إكليمنضس السكندري: [الذين تعلَّموا بواسطة اللوغوس يمتنعون عن ارتداء أكاليل (الزهور). إذ يحسبون أنه ليس من الضروري أن يُقَيِّدوا أذهانهم التي في رؤوسهم، ليس لأن الإكليل رمز لحياة السكر الجامحة، وإنما لأنها ترتبط بالوثنية[137].] ويؤكد العلامة ترتليان (160-225) أن كل ما في العالم صالح في ذاته، حتى حجارة المسارح، وصوت المغني والسيف والأعشاب. إنما إساءة استخدامها سواء في المسارح وللغناء الفاحش أو القتل أو للسم هو شر[138].

كثيرًا ما هاجم العلامة ترتليان في مقاله De Spectaculis المسارح والملاعب للأسباب التالية:

1. تُقدَّم فيها ذبائح بشرية استرضاء للموتى (ف 12).

2. يُقَدَّم فيها أمور مخزية، وينطقون بألفاظ مشينة (ف 22).

3. تتم فيها جرائم قتل تحت شعار الرياضة، بهذا تُكسر وصية إلهية أساسية: لا تقتل (ف 2).

4. ممارسة العبادة الوثنية فيها (ف 10).

5. ما تدينه القوانين خارج المسارح يتم كأمر طبيعي في المسارح (ف 17).

6. ما يتم في المسارح لا يخنق العين كعضو للنظر فحسب، وإنما له تأثيره على الفكر، حيث يتعلَّم الشخص التسيب والحسد والغضب. إنه يثير العواطف ويفسدها (ف 17).

يقول العلامة ترتليان إن المسيحيين "كهنة السلام"، فإن كانوا يدانون خارج المسارح، فإنهم يُدانـون أيضًا داخلها، إن لم يكونوا أمناء في دورهم كرجال سلامٍ (ف 16).

مع تحليله الأسباب التي لأجلها يرفض المسيحيون الذهاب إلى المسارح والملاعب، يقول العلامة ترتليان بأنه يجب تذكُّر "إن المواضع في ذاتها لا تدنسنا، وإنما ما يُمارَس فيها" (ف 8).


 

7. العلاقة بين الكنيسة والدولة[139]

  1. ما هو موقف الكنيسة من السلطات المدنية والقضائية والعسكرية؟

نادت المسيحية بالطاعة للسلطات والخضوع للدولة كما ركَّزت على السلام الداخلي والغفران للمخطئين، وعدم استخدام السيف ضد المقاومين، فإن المؤمن يلزمه أن يُطَبِّق هذه الوصايا، مشتهيًا أن يُقَدِّم الحب حتى للأعداء المقاومين وذلك بعمل روح الله القدوس فيه. يقول الرسول بولس: "لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة، لأنه ليس سلطان إلا من الله والسلاطين الكائنة هي مُرَتَّبة من الله. حتى أن من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله، والمقاومون سيأخذون لأنفسهم دينونة. فإن الحكام ليسوا خوفًا للأعمال الصالحة بل للشريرة. أفتريد أن لا تخاف السلطان؟ افعل الصلاح فيكون لك مدح منه" (رو 13: 1-3). "فأطلب أول كل شيء أن تُقَام طلبات وصلوات وابتهالات وتشكرات لأجل جميع الناس. لأجل الملوك وجميع الذين هم في منصب، لكي نقضي حياة مطمئنة هادئة في كل تقوى ووقارٍ. لأن هذا حسن ومقبول لدى مخلصنا الله" (1 تي 2: 1-3). هذا وقد اختلف تطبيق هذه الوصايا حسب الظروف التي يعيش فيها المؤمنون وقامتهم الروحية.

كانت الكنيسة في الشرق والغرب تحمل فكرًا انقضائيًا حيَّا، فالكل يترقَّب مجيء السيد المسيح الأخير بفرحٍ وبهجة قلبٍ، مما دفع المؤمنين إلى تنازلات كثيرة بفرحٍ من أجل المجد المنتظر، ولفتت انتباه الوثنيين بالحب واللطف إلى الحياة الإيمانية الحيّة، مهما كانت التكلفة.

اتَّسم المسيحيون بحُبِّهم للبشرية كلها، حتى للمقاومين والمُضطهِدين لهم. غير أن كثيرًا من القادة والشعب كانوا يرفضون أو على الأقل لا يستريحون للالتحاق بالجيش الروماني، ليس بدافع الكراهية للجيش، ولا عن عصيان للسلطات، وإنما لأجل سمات الجيش في تلك الأوقات، وهي:

أ. لم تكن الجيوش الرومانية في فترات كثيرة منشغلة بالدفاع عن الإمبراطورية الرومانية قدر ما كانت تُكَرِّس أغلب طاقاتها لتحطيم الإيمان المسيحي وإبادة المسيحيين أو إلزامهم بالعبادة الوثنية. وضع العلامة أوريجينوس العبادة الوثنية مع اللصوصية كخطايا عامة كانت في الجيش[140].]

توجد حقيقـة هامة وهي أنه منذ عصر نيرون (54-68) إلى عصر قسطنطين (306-337) كانت ممارسة الحياة المسيحية غالبًا ما تُعتبَر جريمة عقوبتها الموت. بالنسبة للمسيحي يستطيع الإنسان المدني الهروب بطريقة أسهل من الجندي المسيحي. إذ لم يكن ممكنًا للجندي أن يرفض ممارسة العبادة الوثنية. لهذا فإن نسبة الشهداء الجند والقادة تُعتبَر مرتفعة عنها بين المدنيين وإن كانت نسبة تعداد العسكريين المسيحيين قليلة.

ب. اتَّسم الجيش الروماني بالعنف واغتصاب الغير والتهور. هذا ولم يكن يُسمَح للجنود أن يمارسوا حياتهم الزوجية أو أن يتزوجوا، لهذا كان أمامهم أحد اختيارين: إما العفة الإلزامية أو الزنا[141].

ج. كانت الكنيسة الأولى ترفض الدخول في الحياة السياسية[142]. في رد العلامة أوريجينوس بن لاونديوس الشهيد على صلسس كتب: [مجلس الشيوخ الروماني، والأباطرة المتعاقبون، والجيش، والشعب، وأقرباء المؤمنين من الدرجات الأولى، الكل يتآمرون لتدمير الكنيسة[143].] كما كتب مُعَلِّمه القديس إكليمنضس السكندري عن اضطهاد الدولة الرومانية للمسيحيين لا لجريمة ارتكبوها وإنما لأجل إيمانهم[144].

تؤكد الرسالة إلى ديوغنيتس أن الاستشهاد لم يُحَطِّم المسيحية، بل به زاد عدد المسيحيين[145].

ويقول العلامة ترتليان إن دم الشهداء هو بذرة المسيحيين[146].

2. ما هو موقف آباء الكنيسة من الإمبراطور مُضطهِد الإيمان ومن الجيش الروماني؟

أولاً: ظهور مجموعة المدافعين  .Apologists واجهت الكنيسة مقاومة من اليهود الذين تمسكوا بالحرف لفهم الناموس والنبوات، فكانوا يترقَّبون مجيء المسيا الملك الذي يقيم خيمة داود الساقطة، ويُخَلِّصهم من الاستعمار الروماني. لهذا كان الصليب بالنسبة لهم عثرة. كما واجهت مقاومة من بعض الفلاسفة إذ كانوا يحسبون المسيحيين جماعة من العامة غير المُتعلِّمين، فإذا بهم يجدون فلاسفة عظماء يقبلون الإيمان المسيحي. أما بالنسبة للدولة الرومانية، فهي دولة عسكرية من الطراز الأول، قامت على الأسلحة، ونمت خلال الحروب؛ إمبراطورها هو رأس الجيش وقائده. كانت الدولة في البداية تتطلع إلى المسيحية كفرقةٍ يهوديةٍ، ولم يطمع أحد من القادة في الغرب أو الشرق أن يغتصب الحكم من الإمبراطور ليُقِيم مملكة أو إمبراطورية جديدة.

لم يعرف المسيحيون العنف، ولا استخدام السلاح، لكن إذ تزايد عدد المسيحيين في كل دول العالم في ذلك الحين، كانوا يُمَثِّلون خطرًا ببث فكر يقاوم ديانة الدولة وإعلان رفضهم الحروب.

لقد ظهر مجموعة من المفكرين المسيحيين منذ بدء انطلاق المسيحية يُدعون بالمُدافِعين Apologists، جابهوا المقاومة سواء من اليهود أو الفلاسفة أو الحكام بشجاعةٍ مع أدبٍ، يتحدثون مع كل فئةٍ بلغتها ومفاهيمها.

ثانيًا: موقف المسيحي من المحافل الدينية الوثنية. إذ كان المسيحيون لا يشتركون في المحافل الدينية الوثنية، حسبهم البعض ليسوا رومانيين حتى وإن كانت لهم المواطنة الرومانية، وأنهم مقاومون للدولة الرومانية. فقام المدافعون المسيحيون بالكتابة عن أمانة المسيحيين وإخلاصهم للإمبراطور والهيئات الحاكمة والدولة، وأنهم سند للدولة.

3. هل امتناع المسيحيين عن الالتحاق بالجيش كان بسبب كراهيتهم للرومان؟

مستحيل! فقد كتب القديس لوقا الإنجيل مُوَجِّهًا إياه إلى أحد القادة يحمل لغة الحب نحوهم. هذا وقد لجأ بولس الرسول إلى قيصر (أع 30:26). وفي القرن الثاني قال العلامة ترتليان في دفاعه عن الكنيسة: "العالم يضطهد الكنيسة، والكنيسة تحب العالم وتخدمه". هذا يكشف عن روح الكنيسة والمسيحيين تجاه الدولة حتى في لحظات الاضطهاد. يرى العلامة أوريجينوس مدير مدرسة الإسكندرية أن في سلام الدولة الرومانية عون إلهي لانتشار الإنجيل[147].

4. هل يليق بالكنيسة أن تُصَلِّي من أجل الدولة حتى إن كانت ضد الكنيسة والمؤمنين؟

الصلاة من أجل كل البشرية وصية إنجيلية، يلتزم المؤمن أن يمارسها، كثمرةٍ طبيعةٍ لمشاركة مسيحه الحب لجميع الناس. هذا ويوصي الرسول بالصلاة من أجل الملوك والرؤساء، وكل الذين في مركز قيادي. لأنهم كقادة يحتاجون إلى حكمة سماوية لقيادة الخاضعين لهم بروح الحب والأبوَّة، لصالح البشرية. كما في سلامهم سلام للكنيسة وطمأنينة. جدير بالملاحظة أن الكنيسة في بدء انطلاقها لم تدخل في التيار السياسي وبقيت هكذا بالنسبة لبعض الكنائس كالكنيسة القبطيّة الأرثوذكسيّة، لكنها تشعر بالمسئوليّة نحو رجال السياسة كقادة لهم دورهم في حياة البشر، وأيضًا في حياة الكنائس المحليّة، خاصة إن كان القادة يضطهدون الكنيسة ويقاومون الإيمان. يقول العلامة ترتليان إن المسيحيين يصلون عن الأباطرة ووزرائهم والولاة، من أجل حفظ العالم، وسلام الدولة[148].

يقول العلامة ترتليان: [نحن نتضرع إلى الله الأبدي، الله الحقيقي، الإله الحي، من أجل صحة رؤسائنا... يليق بهم أن يدركوا ممن نالوا سلطانهم، إنهم كبشرٍ يعلمون ممن نالوا الحياة ذاتها. إنهم مقتنعون أنه هو الله الوحيد، وعلى قوته يعتمدون تمامًا... إليه نحن المسيحيون نرفع أعيننا ونبسط أيادينا إذ نحن أبرياء، ورؤوسنا مكشوفة إذ لسنا في حاجة أن نخجل، وأخيرًا بدون حاجة إلى من يحثنا، لأننا نصلي من القلب، ونتضرع دومًا من أجل كل أباطرتنا. نطلب لهم حياة طويلة، وإمبراطورية هادئة، ومسكنًا آمنًا، وجيوشًا قوية، ومجلس شيوخ مُخلصًا، وعالمًا في سلامٍ وكل ما يشتهيه هذا الإنسان وقيصر[149].]

5. ما هي التزامات المسيحيين نحو الدولة؟

التزامات الإنسان المسيحي نحو الدولة وإخوته المواطنين لا يحققها عن خوفٍ من القانون، بل عن حبٍ باذل، يُقَدِّم أكثر مما يُطلَب منه، بفرحٍ وسرورٍ. يباري الآخرين في العطاء، لا في الأخذ، وفي هذا لا يطلب لنفسه مديحًا أو جزاءً. يقول الشهيد يوستين: [نبذل الجهد أن نكون أول من يدفع الضرائب والجزية للمسئولين في كل مكان. هذا ما علَّمنا إياه (المسيح)[150].]

لا يحاول المسيحي التهرب من القوانين والأنظمة التي تحكم البيت والمدرسة والعمل والمؤسسات التي ينتمي إليها كما الدولة والمجتمع البشري. يرى في طاعته للقوانين شركة مع السيد المسيح الذي في حُبِّه لنا أطاع، بل وأطاع حتى القديسة مريم والقديس يوسف النجار اللذين من خليقته.

يعلن تاتيان (في القرن الثاني) أنه مستعد لدفع الضرائب. وخدمة الإمبراطور والطاعة له، لكنه لن يدفع جزية العبادة له، لأن "الإنسان يُكرم كإنسانٍ، والله وحده نخافه"[151].

6. هل يعيش المسيحي كمواطنٍ صالحٍ؟

المسيحي الذي يُعِدِّه الروح القدس للمواطنة السماوية، حتمًا يكون نموذجًا صالحًا وفريدًا بين المواطنين. يُقَدِّم صورة بهية للمواطن المملوء حبًا وبذلاً، بدافع داخلي إلهي! يقول العلامة ترتليان: [تطلعوا إلى سجونهم، إنها مشحونة بالمجرمين، لكنهم وثنيون[152].] كما يقول إن الدولة التي تقتل أفضل مواطنيها، المسيحيين، إنما تضر نفسها[153].

7. ما هي نظرة المسيحي نحو الرؤساء؟

يَقْبَل العلامة ترتليان كمواطنٍ روماني لقب "أب" بالنسبة للحاكم، مُقَدِّمًا مفهومًا عميقًا لأبوة القائد أكثر من فرض للسلطة. [كيف يمكن لذاك الذي هو أب لأمته أن يكون سيدًا عليها؟ لكن هذا اللقب الحامل الحنو أعذب مما للقب السلطة. رؤساء العائلات أيضًا آباء أكثر منهم سادة[154].] يقول العلامة ترتليان: [الإنسان المسيحي ليس عدوًا لأحدٍ، فبالأولى لرئيس الدولة. وإذ يعلم أن الأخير مُقام من قبل إلهه، يجد نفسه ملتزمًا بالحب له، وتقديم التكريم والتوقير له، مشتهيًا له كل خير كما لكل الدولة الرومانية[155].] [نحن نكرم الإمبراطور إذ يُسمَح لنا بتكريمه، بكونه إنسانًا يأتي بعد الله[156].]

8. هل يليق بالكنيسة أن تحسب نفسها دولة؟

منذ البداية سلكت الكنيسة في العالم، بكونها مُضطهَدة ومطرودة خارج المحلة، لا لتقيم من أعضائها دولة، بل لتعمل بهم كخميرةٍ مقدسةٍ، قلوبهم مرتبطة بالوطن السماوي. وكما يقول الرسول بولس: "فلنخرج إذا إليه خارج المحلة، حاملين عاره. لأن ليس لنا هنا مدينة باقية، لكننا نطلب العتيدة" (عب 13: 13-14). حقا الكنيسة هي إسرائيل الجديد، شعب جديد له رسالة سماوية وسط العالم.

يتحدث السيد المسيح عن المؤمن أو الكنيسة كخميرةٍ تخمر العجين كله. وقد تغنَّى كثير من آباء الكنيسة الأولين بالمجتمع الكنسي المقدس كمجتمعٍ مثالي، أو مدينة الله المقدسة، أو الحياة الجديدة، أو ملكوت الله على الأرض. مع كل هذه الألقاب الصادرة عن خبرة عاشتها الكنيسة، لم تُقِم من نفسها دولة داخل دولة، لكنها خميرة مقدسة تتفاعل مع العجين لتقديس العجين كله. يقول القديس إكليمنضس السكندري: [واحد هو أب الجميع، واحد هو الكلمة للكل، وواحد هو الروح القدس، هو بعينه في كل موضعٍ. أيضًا واحدة هي الأم البتول، وإني أسر أن أدعوها: الكنيسة... هي أيضًا بتول، طاهرة كبتول، ومُحِّبة كأم[157].]

المسيحيون هم شعب جديد، لكنهم ليسوا جنسًا آخر، يتَّسِم هذا الشعب بالجامعية، لكنهم لا يُكَوِّنون جنسًا متميزًا عن بقية الأجناس. يشعرون أنهم أسمى من أن يُحَدّوا بجنسٍ مُعَيَّنٍ. يقول العلامة أوريجينوس "المسيحيون ليسوا جنسًا، بل شعب واحد قادم من كل الأجناس". يلزم أن يُدعوا: "جنس الأجناس"[158]. يرى الآباء الرسوليون ومن جاء بعدهم أن المجتمع المسيحي، أو الكنيسة، شعب جديد هو جيش روحي، يعرف كل مؤمن موقعه فيه، له نظام هرمي قمته "السيد المسيح"، ملك الملوك، ومخلص الجميع، يخضع له كل ما في السماء وما على الأرض. المسيحيون يحاربون روحيًا تحت لوائه، ومن ينحرف عنه يهلك. يقول القديس أغناطيوس الأنطاكي إن المعمودية [هي درع، والإيمان هو خوذة، والحب هو رمح، والصبر سلاح، والأعمال الصالحة هي الربح المختزن لكم حتى متى انقضى وقت الخدمة تنالون المكافأة اللائقة بكم"[159].]

هذا الشعب الجديد له نظامه الخاص الهيراركي (الكهنوتي) hierarchical، له أيضًا نظامه المالي حيث يتقبَّل التبرعات المنتظمة أو كدفعات غير منتظمة، المالية والعينية، وله حق العطاء والأنفاق على العاملين فيها والأرامل والأيتام والفقراء والمرضى والتعليم الخ.

وجود نظام دقيق للكنائس أثار الحكام الموالين للدولة الرومانية إذ حسبوا الكنائس أشبه بمؤسسات لها قوانينها وأنظمتها التي قد تقف في وجه الدولة الرومانية وقوانينها. يقول القديس إكليمنضس الروماني: [لنلاحظ الذين يخدمون قادتهم بأي نظم وطاعة وخضوع يتمّمون أوامرهم. فإنه ليس الجميع ولاة ولا قوّاد ألف ولا قوّاد مائة أو خمسين، إنّما كل واحد حسب رتبته يأخذ الأمر من الملك أو القّادة. إذ لا وجود للكبار بدون الصغار، ولا للصغار بدون الكبار، بل في كل مكان يوجد دمج (كبار وصغار) لنفع الجميع[160].]

9. هل اتسمت المجتمعات المسيحية بنظامٍ دقيقٍ؟

إنهم يتطلعون إلى الأسقف أنه مُعَيَّن من قِبَل الله، يُمَثِّل السيد المسيح، يلزم طاعته. عندما اقتيد القديس أغناطيوس للاستشهاد كان الأساقفة والكهنة والشعب يلتقون به في كل ميناء، ليحيوه ويطلبون بركته ويصلون معه.

أشار العلامة أوريجينوس إلى استخدام على الأقل ثلاثة طرقٍ في إقامة الأسقف: إما باختيار الأسقف السابق له، أو بانتخاب الشعب، أو انتخاب الكهنة[161].

مع كل ما اتسمت به الكنيسة من نظام جامعي وتدبير دقيق من كل الجوانب، لكن حرصت الكنيسة أن تبقى الخميرة وسط العالم لكي تخمره، ولا تعزل نفسها عن العالم. فهي ليست دولة داخل دولة! لا يتطلع المسيحيون إلى إقامة دولة لهم، لكنهم ينتسبون إلى كنيسة واحدة جامعة (مسكونية)، لهم طابع جديد في الحياة.

يقول العلامة ترتليان: [إننا لسنا براهمة ولا نمارس رياضات هندية، لا نسكن في غابات أو مستبعدين عن الحياة العادية... إننا نبحر معكم، ونخدم معكم في الجيش، وننشغل معكم في التجارة كما تفعلون أنتم، ونمارس معكم الحِرَفْ العامة والخدمات لصالحكم[162].]

وجاء في الرسالة إلى ديوجنيتس (غالبًا في بدء القرن الثاني).

[إن المسيحيين لا يختلفون عن سواهم من أبناء البشر في الوطن أو اللغة والعادات. والواقع هو أنهم لا يقطنون مدنًا خاصة بهم وحدهم، ولا يتكلمون لغة خاصة بهم، ولا يعيشون عيشة غريبة شاذة. وأن عقيدتهم ليست من مكتشفات أشخاص فضوليين خياليين متكبرين. ولا يؤيدون كغيرهم عقيدة من صنع البشر. ومع أنهم يسكنون في مدن يونانية وغير يونانية حسب نصيب كل منهم، ويسلكون بموجب عادات البلد الذي يحلون فيه من جهة الزي والطعام وأساليب المعيشة الأخرى، فإن أسلوب معيشتهم يستوجب الإعجاب والإقرار بأنه غير متوقع. تراهم يسكنون البلدان ولكنهم غرباء. هم يشتركون في كل شيءٍ كمواطنين ولكنهم يحتملون كل ما يحتمله الغرباء. كل بلد أجنبي وطن لهم. وكل وطن لهم بلد غريب[163].]


 

8. الإيمان المسيحي والخدمة العسكرية

1. ما هي نظرة الكنيسة للالتحاق بالخدمة العسكرية في عصور ما قبل قسطنطين؟

 في القرن الثاني هاجم الفيلسوف الوثني صلسس Celsus المسيحيين بكونهم هاربين من الجيش وبالتالي غير مدافعين عن الإمبراطور. لم يفند العلامة أوريجينوس هذا الاتهام بكونه اتهامًا باطلاً، لأن المسيحيين لا يشتركون في الحرب مثل كهنة الأوثان الذين كانوا يُعفون من الخدمة العسكرية حتى لا يُقَدِّموا الذبائح بأيدٍ ملطخة بالدماء، ملوثة بالقتل. فالمسيحيون لهم ما يُبَرِّرهم في الإعفاء من هذه الخدمة[164]. إنه يعلن عن ولاء المسيحيين للدولة دون الشركة في الخدمة العسكرية متى كانت تُمارَس بدون عدالة. في اختصار يمكن الشركة فيها متى كانت حربًا عادلة. يقول العلامة أوريجينوس: [لو لم تكن هذه الحروب الجسدية (أي ضد الشعوب) ترمز إلى الحروب الروحية لست أظن أنه كان يمكن للرسل أن يسمحوا لأتباع المسيح أن يقرأوا الأسفار التاريخية اليهودية في كنائسهم... هكذا إذ كان الرسول مُدرِكًا أن الحروب الجسدية (أي ضد الشعوب) لم تعد بعد تُثَار بواسطتنا، إنما محاربتنا هي فقط في معارك النفس ضد الأعداء الروحيين يعطي الأوامر للمؤمنين بكونهم جنود المسيح وهو القائد العسكري، إذ يقول: "البسوا سلاح الله الكامل لكي تقدروا أن تثبتوا ضد مكايد إبليس" (أف 11:6)[165].]

يعالج القديس أغسطينوس موضوع الحروب التي سمح الله أن يمارسها الشعب ضد الشعوب الوثنية، متطلعًا إلى أن ما يحلّ بهذه الشعوب من عقوبة أبدية أخطر بكثير مما يعانوه من الحروب ومن الموت الجسدي. يقول إن الله "يستخدم عادة الحروب كطريقٍ للتأديب ومعاقبة المخطئين[166]".

في رده على فوستوس الذي هاجم الحروب الواردة في العهد القديم، قال القديس أغسطينوس: [يلزم (لفوستوس) ألا يتعجَّب ولا يرتعب من الحروب التي أثارها موسى، فإنه حتى في حالة موسى كان يتبع تعليمات الله. وقد فعل هذا ليس بروح الانتقام، بل من أجل الطاعة. لم يكن عمل الله هذا وإصدار أمره بالحروب غير إنساني، بل هو تقديم عقوبات عادلة لإثارة الخوف في قلوب مستحقيها... ما يستحق التوبيخ بحقٍ هو الرغبة في الضرر والانتقام القاسي... روح التمرد الهمجي، وشهوة السيطرة وغير ذلك من الأمور. أما لماذا يمارس الصالحون حروبًا بأمرٍ إلهيٍ في مواجهة المقاومة العنيفة، أو بأمر سلطة شرعية، فهو لكي يوقعوا عقوبة عادلة على مثل هذه الأمور[167].] كما يقول: [يمارس الصالحون عمل الرحمة حتى بإثارة الحروب لكي يضبطوا الأهواء المتسيبة، ويقطعوا الرذائل التي يجب إزالتها، أو الضغط عليهم (الأعداء) بموقف مسئول[168].]

2. ما هو موقف كنيسة العهد الجديد من الحروب؟

أولاً: المسيحية دعوة للحب حتى للأعداء. يقول القديس أمبروسيوس: [يدعو الناموس إلى الانتقام المعادل للضرر، أما الإنجيل فيأمرنا أن نرد العداوة بالحب، والكراهية بالإرادة الصالحة، والصلاة من أجل اللاعنين. إنه يأمرنا أن نعين الذين يضطهدوننا[169].]

ثانيًا: اهتمام العهد الجديد بالحياة الداخلية. مع عدم تجاهل الواقع الذي يعيش فيه المؤمن، ركز العهد الجديد على الإنسان الداخلي، أو الحياة الداخلية، مؤمنًا بقدرتها على التغيير بالنسبة للمؤمن والمجتمع. فقد أعلن السيد المسيح لتلاميذه: "ها ملكوت الله داخلكم" (لو 21:17)، والمسيحي قادر أن يمنح سلامًا (مت 13:10)، لأن سلام الله يحفظ قلبه (في 7:4). ويظهر السيد المسيح الغالب في شكل حمل (رؤ 5) كمثال للغلبة بروح الوداعة الداخلية. وكما يقول العلامة أوريجينوس: [مادام قد أُمِر (المؤمن) أن يكون مُسالِمًا حتى مع الذين يبغضون السلام، فإنه يعجز عن استخدام السيف ضد أي شخص[170].] ويقول القديس أمبروسيوس: [السلام الذي ينزع إغراءات الأهواء، ويعطي هدوءً لمتاعب الروح، أكثر عذوبة من ذاك الذي ينتج عن إحباط غزو البرابرة. إنه لأمر عظيم أن تقاوم العدو داخلك عن ذاك العدو البعيد عنك[171].]

ثالثًا: لم يكن الالتحاق بالخدمة العسكرية إلزاميًا. حتى عام 170 لم تكن هناك مشكلة بالنسبة للمسيحيين، فالدولة الرومانية لم تكن دولة عسكرية بالمفهوم الحديث. كان الجيش يمثل نسبة صغيرة بالنسبة للتعداد، لهذا لم تكن هناك حاجة لإلزام المسيحي على الالتحاق بالجيش الروماني. يري Edward A. Ryan أنه لم تكن هناك مشكلة بالنسبة للمسيحيين في بدء نشأة الكنيسة بخصوص الالتحاق بالخدمة العسكرية، إذ كان الرومان يتطلعون إليهم كطائفةٍ يهوديةٍ، فانتفعوا بالاستثناء الذي لليهود الخاص بالإعفاء من الخدمة العسكرية[172].

من جانب آخر عندما قام اليهود بتمردٍ خطيرٍ ما بين عامي 66، 70 وقام فاسبسيان وتيطس بمقاومته، كان المسيحيون قد عبروا الأردن إلى Pella، ولم يدخلوا في مقاومة مسلحة للدفاع عن أورشليم، من أجل ولائهم للحاكم، فقد أَكَّد الرسل ضرورة الطاعة للحكام (1 بط 13:2؛ رو 1:13-7). ولأن السيد المسيح سبق فأعلن لهم عما سيحدث وطالبهم بالهروب.

3. ما هو موقف القديس إكليمنضس الروماني (القرن الأول) من الالتحاق بالخدمة العسكرية؟

يقتبس القديس إكليمنضس الروماني في كتاباته نظام القيادة العسكرية في الجيش الروماني، ليس فقط كأسلوب مجازي، لكنه كمن يؤيد ويقبل[173]. أظهر أن بعض المسيحيين كانوا يخدمون في الجيش، وكأنهم في جيش الله، كانوا في طاعة يخضعون للأوامر العسكرية. كانوا في رتب مختلفة، وقد أخذ الجيش مثلاً لحاجة الكبير والصغير لبعضهما البعض، وضرورة ممارسة روح الخضوع العام[174].

4. ما هو موقف الشهيد يوستين (حوالي 150م) من الالتحاق بالخدمة العسكرية؟

يرى رفض الاشتراك في الحرب بسبب العادات الخاصة بالجيش حيث كان الجند يلتزمون بضرورة إنكار السيد المسيح وتقديم ذبائح قبل المعركة وبعدها. إنه يقول: [نحن الذين كنا قبلاً نقتل بعضنا بعضًا ليس فقط نرفض أن نثير حربًا على أعدائنا، وإنما لكي نتجنَّب الكذب والخداع على الذين يسألوننا أن نذهب بكامل حريتنا للموت معترفين بالمسيح[175].]

5. ما هو موقف أثيناغوراس (القرن الثاني) من الالتحاق بالخدمة العسكرية؟

يقول أثيناغوراس مدير مدرسة الإسكندرية إن المسيحي لا يقدر أن يرى إنسانًا يُقتَل ولو بعدلٍ[176]. وفي دفاعه عن المسيحيين، الذي قدَّمه للإمبراطور وابنه كتب: [إننا نصلي لأجل مملكتك لكي يعبر النجاح من الأب إلى الابن كما هو لائق جدًا، ويزداد نفوذك، ويمتد، فيخضع كل واحدٍ لك. مثل هذا التقدُّم يفيدنا نحن أيضًا حيث نقدر أن نسلك حياة هادئة وسالمة، ونفعل بإرادتنا كل ما نؤمر به[177].] [لقد تعلَّمنا ألا نرد اللطمة بلطمةٍ، ولا نأخذ إلى المحكمة من يسلبوننا ويغتصبون ما لنا. ماذا بالأكثر إن ضربونا بمهانةٍ على رأسنا، فقد تعلَّمنا أن نُقَدِّم الجانب الآخر أيضًا (الحب)، وأن نُقَدِّم ثوبنا لمن يأخذ رداءنا[178].]

6. ما هو موقف العلامة ترتليان (160-220 تقريبًا) من الالتحاق بالخدمة العسكرية؟

في أيام ماركوس أوريليوس (161-180) نسمع عن الكتيبة الثانية عشر[179] ومعجزة سقوط الأمطار. وكما يقول ترتليان[180] ويوسابيوس[181] أن الكتيبة الرومانية في معركتها ضد الألمان والـ Sormatians عانت من الظمأ الشديد، وقد طلبت الفرق المسيحية التي كانت في المعركة من الله مطرًا يسند الجيش الروماني، مما أعطاه فرصة للنصرة. هذا يعني وجود عدد كافِ من المسيحيين في الكتيبة، ووجودهم لم يُسَبِّب عثرة، بل كان سندًا للجيش في المعركة.

حدَّد العلامة ترتليان ثلاث خطايا خطيرة وهي عبادة الأوثان والزنا والقتل دفاعًا عن النفس[182]. ولذلك بالرغم من رغبته الحارة في إبراز الدور الإيجابي للمسيحيين في خدمة الإمبراطور وجيشه، كان مترددًا في قبول المسيحي الالتحاق بالجيش والاشتراك في الحروب. لم يستطع أن يُقَدِّم تصالحًا بين هذه الظاهرة والدعوة الإنجيلية للسلام. [لقد بدأنا بالأمس وها نحن قد ملأنا العالم وكل ما يتعلَّق بكم: المدن، وشقق المنازل، والحصون، والبلاد، والأسواق، والمعسكرات ذاتها، وقبائلكم، ومجالس مدنكم، والقصر الملكي، ومجلس الشيوخ، وأسواق الحوار، الشيء الوحيد الذي تركناه لكم هو المعابد. يمكننا أن نحصي جيوشكم. يوجد عدد كبير من المسيحيين في ولاية واحدة. أي نوع من الحرب نشترك فيها نحن الذين نخضع بإرادتنا للسيف فإنه بحسب تعليمنا يُسمَح بالأكثر أن نُقتَل عن أن نقتل؟![183]] [إننا نعيش في العالم، نشاركهم أسواق الحوار والسوق والحمامات والمتاجر والمصانع والفنادق وأيام السوق وكل أنشطة تجارية. إننا لسنا أقل منكم: نبحر في البحر، نخدم في الجيش، نفلح الأرض، نشتري ونبيع[184].] [نحن نصلي بغير انقطاعٍ من أجل كل الأباطرة، من أجل امتداد حياتهم، ومن أجل إمبراطورية آمنة، وحماية للقصر الإمبراطوري، وجيوش شجاعة، ومجلس شيوخ ملوكي، ووطنية صادقة، وعالم مملوء سلامًا، ومن أجل كل ما يشتهيه الإمبراطور كإنسان وكقيصر[185].] [كيف يفعل المسيحي ذلك؟ كيف يمكنه أن يخدم في الجيش حتى في وقت السلام بدون السيف الذي انتزعه يسوع المسيح؟ حتى إن كان الجنود قد جاءوا إلى يوحنا وأخذوا مشورة ماذا يجب أن يفعلوا، حتى إن كان قائد المائة صار مؤمنًا، فإن الرب بطلبه أن يرُد بطرس سيفه إلى غمده (مت 26: 52)، يليق بكل جندي أن يتخلَّى عن سلاحه فيما بعد. إنه لا يسمح لنا أن نرتدي أي شكل يشير إلى عملٍ خاطئٍ[186].]

في أيام سبتميوس سويرس Septimuis Severus (193- 211م) تزايدت الأعمال الحكومية المدنية باستمرار، وكان يمارسها أشخاص عسكريون. لهذا كان يمكن أن يلتحق الإنسان بالجيش دون أن يشترك في معركة، أو حتى يمارس واجب الشرطة (تأديب المجرمين).

جاء في "التقليد الرسولي" المنسوب للقديس هيبوليتس الروماني [الجندي في الرتب الدنيا لا يقتل أحدًا. إن صدر له أمر بذلك لا يطيع، ولا يُقسم. إن كان لا يريد أن يذعن لهذا الاتجاه، فلينسحب (من الكنيسة). إن كان أحد يمارس سلطان السيف أو سلطانًا مدنيًا، ويلبس الأرجوان، فليمتنع عن هذه الوظيفة أو ينسحب. الموعوظ أو العضو بين المؤمنين الذي يريد أن يلتحق بالجيش فلينسحب، لكي يُظهر استحقاقًا لله[187].]

7. ما هو موقف القديس إيريناؤس أسقف ليون (القرن الثاني) من الالتحاق بالخدمة العسكرية؟

يشير القديس إيريناؤس إلى النبوة الخاصة بتحويل السيوف إلى محاريث للزراعة، بأنها تحققت في المسيحيين الذين لا يعرفون كيف يحاربون، بل عندما يُضرَبون يُحَوِّلون الخد الآخر[188].

8. ما هو موقف القديس إكليمنضس السكندري (150-215م تقريبًا) من االخدمة العسكرية؟

مثل سابقه العلامة أثيناغوراس يؤمن أن الحروب موحى بها من الشياطين[189] (الآلهة الوثنية). وقد أشار أكثر من مرة إلى أن المسيحيين "جنس سلام". في دفاعه عن التزام الرجال والنساء بقانون واحد للسلوك، واجه اعتراضًا بأن النساء على خلاف الرجال لا يتدربن على الحرب. أما هو فتمسك بالمساواة، رافضًا التدريب العسكري حتى بالنسبة للرجال[190]. كما يقول: [لقد تدرَّبنا على السلام لا على الحرب. تحتاج الحرب إلى إعداد عظيم، أما السلامة والمحبة فهما أختان هادئتان لا تحتاجان إلى أسلحة، ولا إلى مصاريف باهظة"[191].] [يستخدم كثير من الشعوب الموسيقى العسكرية لإثارة الحرب، أما المسيحيون فيستخدمون كلمة الله كأداة للسلام[192]".] يُقَدِّم تشبيهًا بين جيش المسيح الذي لا يُسفَك فيه دم والجيوش الزمنية. [إن كان البوق المرتفع الصوت يرعد الجنود للحرب، أما يجمع المسيح جنوده الذين للسلام من أقاصي الأرض، وذلك بعزف أغنية السلام؟! إنه المسيح بالحق أيها إنسان الذي يجمع جيشًا غير دموي، وذلك بواسطة دمه وكلمته، وقد عهد لهذا الجيش ملكوت السماوات. بوق المسيح هو إنجيله. إنه ينفخ به، ونحن نسمعه. ليتنا نرتدي سلاح السلام وصدرية الكمال، ونرفع درع الإيمان، ونلبس خوذة الخلاص. ونمسك سيف الروح الذي هو كلمة الله (أف 6: 14-17؛ 1 تس 8:5). بهذا النظام يرتبنا الرسول في معركة السلام. إذ نتسلَّح بأسلحة مثل هذه لا تُقاوَم لنأخذ موقفًا مضادًا للشرير[193].]

مادام في عهده وُجِد جنود مسيحيون في الجيش فإن مثل هذه العبارات وإن كانت تحثّنا على السلام، لكننا نلتمس فيها قبول الدفاع عن الوطن، والطاعة في الجيش. لهذا لم يتردَّد القديس إكليمنضس في مدح موسى كقائدٍ عسكريٍ[194]. وبالإشارة إلى ما ورد في إنجيل لوقا 14:3 قال إن السيد المسيح "على فم لوقا أمر الجند أن يقتنعوا بأجورهم ولم يطلب منهم شيئًا أكثر"[195].

وعندما تحدث عن دعوة كل البشرية للإيمان لم يستثنِ منهم رجال الجيش. [إن كنت مزارعًا، نقول، لتحرث الأرض، ولتتعرَّف على إله المزارعين، وإن كنت تحب الإبحار تذكر أن تدعو علي الدوام القائد السماوي. وإن كنت في الجيش وقد أمسكت بك معرفة الله، فلتطع القائد (المسيح) الذي يقدم إشارات البرّ[196].] هكذا يقول القديس إكليمنضس السكندري أنه إذا قبل جندي الإيمان وهو في الجيش فليبقَ في موقعه، لكنه يجب أن يخضع للقائد الإلهي.

9. ما هو موقف مينيكيوس فيلكس Minucius Felix من الالتحاق بالخدمة العسكرية؟

مع نهاية القرن الثاني قال المدافع مينيكيوس فيلكس الذي كان وثنيًا وقَبِلَ المسيحية إن المسيحيين لا يقدرون أن يحتملوا أن يسمعوا أو يروا إنسانًا مقتولاً[197].

10. ما هو موقف القديس كبريانوس (تنيح عام 258م) من الالتحاق بالخدمة العسكرية؟

تلميذ العلامة ترتليان ومن أهم الكتَّاب اللاهوتيين الغربيين في شمال غرب أفريقيا. يبدو أنه لم يعالج هذا الموضوع بطريقة واضحة مثل مُعَلِّمه. إنه يؤمن بأن الله خلق الحديد لكي يُستخدَم في فلاحة الأرض، لا في قتل الناس في الحروب[198]. يهاجم العالم الذي يرفض دفاع الإنسان عن نفسه بالقتل بينما يقبل ذلك في الدفاع عن الدولة، قائلاً: [عندما يقتل الأفراد شخصًا يُعتبر جريمة؛ وعندما يتم القتل من أجل الدولة يُدعى فضيلة[199].]

إنه يرفض تمامًا أن تمتد اليد وتتلطخ بالدماء مهما كان السبب، إذ يصر [بعد قبول الإفخارستيا، لا تُدنس اليد بالسيف وسفك الدم[200].] يبدو أنه يرى أن الحروب لا يمكن تجنُّبها[201]، ويقرر أن ضعف القوى العسكرية في أيامه داخل الإمبراطورية هو إحدى علامات العقوبة الإلهية[202]. وهو يصلي لأجل نجاح جيوش الإمبراطورية في طرد الأعداء. [عندما نذهب إلى الله نتقبَّل المكافآت الموعود بها. لذلك فنحن دومًا نُصَلِّي أن يبقي الأعداء في موقف حرج، وأن تُنتزَع الكوارث أو تصير أقل حدة. نسكب تضرعاتنا نهارًا وليلاً ونطلب من الله ونسأله على الدوام لأجل الأمان والسلام[203].]

يستخدم القديس كبريانوس الجند في المعارك مجازًا في الحديث عن الحرب الروحية: [إنه عمل الجندي الصالح أن يدافع عن المعسكر ضد الخونة وضد أعداء الإمبراطور، وأن يحفظ الأعلام التي في عهدته[204].] [إن كان يُحسَب الأمر مجيدًا للجندي أن يرجع إلى بيته في نصرةٍ لحساب وطنه بعد أن يهزم العدو، كم بالأكثر تكون أكثر قوة ومجدًا نصرة الإنسان، عائدًا إلى الفردوس، هازمًا الشيطان؟![205]]

مثل هذه النصوص تجعلنا من الصعب أن نقبل أن القديس كبريانوس يتطلع إلى الحروب كعملٍ لا أخلاقي. إنما كغيره من الكتَّاب قبل الإمبراطور قسطنطين كان يدين سفك الدم.

11. ما هو موقف العلامة أوريجينوس من الالتحاق بالخدمة العسكرية؟

يُقَرِّر العلامة أوريجينوس بطريقة إيجابية: "الله في تشريعه الإلهي يحسب أن السماح بقتل إنسانٍ مهما كان السبب أمر غير لائق[206]". طلب أمبروسيوس من صديقه العلامة أوريجينوس أن يُفَنِّد كتاب صلسس الوثني (من القرن الثاني) الذي هاجم اليهودية والمسيحية، مستخدمًا كل وسيلة للهجوم. أحد اتهاماته أنه لو سلك الكل مثل المسيحيين لتُرِك الإمبراطور وحده ويهجره الكل، ويسقط في أيدي البرابرة الذين لا يعرفون القانون[207]. ربما التقى صلسس ببعض المسيحيين الذين تركوا الخدمة العسكرية بعد قبولهم الإيمان المسيحي، أو بعضًا منهم لا يريدون الالتحاق بالخدمة العسكرية، لكن بالتأكيد كان مخطئًا، لأنه وُجِد مسيحيون في الجيش الروماني. ففي فترة كتابته لهذا العمل وُجِدَت أول شهادة عن فرقة الرعد Thundering legion تحت قيادة مرقس أوريليوس عام 173م. ومنذ ذلك التاريخ وُجِدَت دلائل علي تزايد المسيحيين في الرتب العسكرية[208].

في تفنيده لهذا الاتهام، لم يطلب العلامة أوريجينوس من المسيحيين أن يلتحقوا بالجيش الروماني، بل أن يسندوا الإمبراطور كجيش المسيح الروحي ضد إبليس مثير الحروب. يرى العلامة أوريجينوس أن الخدمة المسيحية المُقَدَّمة للإمبراطور هي في دائرة الروح، وليست في مجالات الحرب والقتل فإن كان الكهنة الوثنيون وحراس المعابد لا يدنسون أياديهم بالقتل، فيُعفَون من المعارك الحربية، كم بالأولى يجب ترك المسيحيين يخدمون الإمبراطور، لا بالاشتراك في المعارك المنظورة بل غير المنظورة، حتى يكون محفوظًا بالعون الإلهي. بهذا يتحوَّل المسيحيون إلى جيش روحي قوي يسند الإمبراطور، رافضًا قتل الأعداء حتى إن صدرت لهم الأوامر بذلك[209]. فمن كلماته: [إننا لا نعود نحمل السيف ضد أية دولة، ولا نتعلَّم الحرب بعد. عوض هذه التقاليد التي جعلتنا غرباء عن العهود (مت 5: 9؛ إش 9: 6) صرنا أبناء سلام بيسوع مؤسسنا[210].]

12. ما هو موقف القديس ديونسيوس السكندري (القرن الثالث) من الالتحاق بالخدمة العسكرية؟

يبدو أن القديس ديونسيوس السكندري كان يرفض الالتحاق بالجيش الروماني، أو على الأقل أن يحارب الآخرين، إذ يقول: [يجب حفظ الحب بعمل الصلاح حتى لمن لا يريد أن يَقْبَلَه[211].]

13. ما هو موقف أرنوبيوس Arnobius (مات حوالي عام 330م) من الخدمة العسكرية؟

أَكَّد أنه [ليس من حقنا أن نرد الشرّ بالشرٍ، بل الأفضل أن نحتمل الضرر عن أن نُسَبِّب ضررًا لشخصٍ ما، وأن يُسفَك دمنا عن أن نلطخ ضميرنا بدم غيرنا. العالم الجاحد مدين كثيرًا للمسيح ببركة تلطيف عنفه الهمجي، وتوقف الأيادي المعادية عن سفك دم الأقرباء[212].] انتقد أرنوبيوس روما لأنها حطمت تمامًا بعض الأمم وأخضعت أممًا أخرى لنيرها[213]. في نفس الوقت دافع عن المسيحيين ضد الاتهام بأن مصائب كثيرة حلَّت بالدولة الرومانية بسبب وجود اتجاهات متباينة فيها. في دفاعه قال إنه خلال الـ 300 عامًا من وجود المسيحية: [وُجِدَت نصرات بلا حصرٍ على الأعداء المهزومين، وقد اتَّسعت رقعة الإمبراطورية، وأمم كثيرة لم يُسمَع عنها من قبل خضعت لها[214].] هل يقصد أن المسيحيين ساهموا في الجيش أم أنهم كانوا يصلون من أجل الإمبراطورية؟!

14. ما هو موقف لاكتانتيوس Lactantuis (حوالي 240-320م) من الخدمة العسكرية؟

عاصر إيمان قسطنطين بالمسيحية، لذا كتاباته قبل تحوُّل قسطنطين تختلف عنها بعد التحوُّل.

ففي كتاباته الأولى يرفض لاكتانتيوس حق المسيحي في أن يدافع عن نفسه، حتى بالنسبة لمن يصيبه بضررٍ، وإلا فقد لقبه كإنسانٍ بارٍ. [هكذا ليس من حق الإنسان البار أن يخدم في الجيش

وليس من حق البار أن يحكم على أحد بجريمة الإعدام. إنه لا يوجد فرق بين أن تقتل إنسانًا بسيفٍ أو بكلمة (نُطق القاضي بالإعدام)، مادام القتل ذاته ممنوعًا. هكذا لا يوجد أية استثناء لهذا الأمر الإلهي. قتل كائن بشري يريد الله ألا يُعتدي عليه بالقتل، هو أمر خاطئ دائمًا[215].]

حدث تحوُّل في كتابات لاكتانتيوس بعد قيام قسطنطين، على الأقل خفَّف لاكتانتيوس من حِدَّة النغمة بخصوص منع القتل في أثناء الحروب أو الحكم القضائي بالإعدام.

15. ماذا تكشف الحوارات التي دارت بين الشهداء والولاة؟

إنها تكشف عن رفض الشهداء الالتحاق بالجيش ورفضهم الختم الخاص بالجند. ففي نوميديا Numidia عام 295م قال ماكسميليان Maximilian للحاكم Proconsul Dion: "ليس من حقي أن أخدم في الجيش مادمت مسيحيًا. اقطع رأسي، سأخدم في جيش إلهي، وليس في أي جيش ينتمي إلى هذا العالم. إنني لن آخذ (الختم)، فإن لديّ ختم فعلاً، هو ختم المسيح إلهي. أنا مسيحي، لا أحمل قطعة رصاص حول عنقي الآن، إذ أقبل الختم المخلص لربي يسوع المسيح، ابن الله الحيّ. أنت لا تعرف عنه شيئًا، فقد تألم لأجل خلاصنا، وأُسلِم بواسطة الله لأجل خطايانا[216]."

واضح أن ماكسيميليان Maximilian كان يعتقد مثل ترتليان أن ختم الجيش وختم المعمودية لا يتفقان معًا[217]. ذلك لأن الالتحاق بالجيش كان مرتبطًا بالعبادة الوثنية، وأن الرفض لم يكن بسبب عدم الاشتراك في المعارك وذلك كما يظهر في حوار الشهيد يوليوس فيتيران[218] Julius the Veteran.

16. ما هو موقف الكنيسة من الالتحاق بالخدمة العسكرية منذ عصر الإمبراطور قسطنطين؟

كان يوسابيوس القيصري (حوالي 260-340م) يتطلَّع إلى قسطنطين كوكيل الله على الأرض. [كما أن مُخَلِّص كل البشر العام القائم بدور الراعي الصالح يواجه الوحوش المفترسة، مستخدمًا قوته الإلهية غير المنظورة قاهرًا الأرواح المُتمرِّدة التي تضرب بسهامها في الهواء وتهاجم نفوس البشر، هكذا أيضًا صديق المخلص (قسطنطين) المسلح ضد أعدائه بلواءات مُقَدَّمة له من الأعالي من قِبل المخلص، يُخضع أعداء الحق المنظورين في المعركة ويؤدبِّهم[219].] يقول يوسابيوس القيصري كان قسطنطين يصلي إلى السيد المسيح حليفه قبل دخول المعركة[220]. يقدم يوسابيوس القيصري حلاً لوجود اتجاهين بين المسيحيين من جهة الالتحاق بالجيش. الأول من أجل الشعب الذين يمكن أن يشتركوا في زيجات طاهرة، وحروب عادلة وأعمال مدنية، والثاني للكهنة تتطلب البتولية والفقر والتحفظ من العالم والتكريس الكامل لله[221].

17. ما هو موقف مجمع آرل Arles عام 314 مجمع نيقية من الالتحاق بالخدمة العسكرية؟

جاء في قانون 3 مجمع آرل: [الذين يلقون أسلحتهم في وقت السلام، ينفصلون عن الجماعة.] ربما يعنى بعبارة "في وقت السلام" أي في غير وقت الاضطهاد، حيث يُطالب المسيحيون ألا يتركوا الخدمة العسكرية. يقول[222] Roland H. Banton إن هذا الأمر اختلف في تفسيره كثير من الشرَّاح. لكن أغلب الدارسين يرون أنه لا يقصد بوقت السلام عدم دخول الجيش في أيام الحرب بل أثناء سلام الكنيسة، كما في عصر قسطنطين. أما في وقت الاضطهاد فيمكنهم ترك الخدمة لكي لا يشتركوا في تقديم الذبائح الوثنية. ويفسر البعض هذا القانون بأنه يخص وقت السلام للدولة، حيث يلتزم المسيحي بالبقاء في الجيش لممارسة أعمال الشرطة مثل الحراسة وحفظ الأمن. لكن متى اشتعلت الحرب، فله أن يتخلَّى عن ذلك حتى لا يلتزم بقتل الغير.

في سنة 325م في مجمع نيقية صدر قانون يخالف ما صدر في مجمع آرل: [الذين استجابوا لدعوة النعمة، وعبَّروا عن إيمانهم بنزع لباس العسكرية لكن بعد ذلك ككلاب عادوا إلى قيئهم عندما قدموا مالاً وهدايا لكي يعودوا إلى الجيش، يلزم أن يبقوا بين الموعوظين ثلاث سنوات وبعد ذلك بين المتوسلين 10 سنوات أخرى.] قانون 12.

وجاء في القوانين المنسوبة للقديس هيبوليتس (عام 336-340) لا يجوز للمسيحي أن يلتحق بالجيش بإرادته، إنما يخضع إن أُلزم بذلك. يلزم أن يكون معه سيف، لكن يلزم ألا يُؤمَر بالقتل [14].

18. ما هو موقف القديس باسيليوس (حوالي 326-379) من الالتحاق بالخدمة العسكرية؟

رفض القديس باسيليوس أن تمتد أيدي من استخدم العنف إلى المقدسات. هذه الحساسية نجدها في القديس المعاصر له أمبروسيوس الذي يصر ألا يستخدم الكهنة العنف تحت أي ظرف. وفي حديثه عن المعركة سماوية مع إبليس يقتبس تشبيهه من نظام الجيش وقوانينه[223].

19. ما هو موقف القديس أمبروسيوس (حوالي 339-397) من الخدمة العسكرية؟

[الشجاعة التي تستخدم في الدفاع عن الإمبراطورية ضد البرابرة أو لحماية الضعفاء في مداخل بيوتهم، أو للتحالف ضد اللصوص أمر عادل تمامًا[224].] وتحدث عن الشجاعة في الحروب قائلاً: [إنها تفضل الموت عن العبودية والعار[225].] من الخطأ أن نظن أن القديس أمبروسيوس قد ختم بالموافقة على قبول المسيحية كل الممارسات الرومانية ومبادئها متجاهلاً الوصايا الإنجيلية الخاصة بالسلام والاحتمال، فمن كلماته: [الشجاعة العسكرية نفسها غالبًا ما تكون ضد السلام[226].]

20. ما هو موقف القديس أغسطينوس (354-430م) من الخدمة العسكرية؟

يُدعَى القديس أغسطينوس "مؤسس نظرية الحرب العادلة[227]". تتلخص نظرته في النقاط التالية:

أولاً: يرى أن استخدام القوة أو السلطة أمر هام لبنيان الدولة، ولحماية المجتمع من الأشرار، بل ولنمو الأبناء. [بالتأكيد ليس باطلاً أن لنا مؤسسات مثل سلطان الملك، واستخدام عقوبة الإعدام التي يحكم بها القاضي، خُطاف منفذي عقوبة الإعدام، أسلحة الجنود، عنف السادة حتى حزم الأب الصالح. كل هذه الأشياء لها وسائلها ومبرراتها ودوافعها ومنافعها. عندما يخافها الأشرار ينضبطون، ويتمتَّع الصالحون بسلام أعظم وهم وسط الأشرار[228].]

ثانيًا: يبغي المسيحي الأمور الصالحة في المدينة الأرضية كما في المدينة السماوية. وفي رأيه أن سلام المدينة الزمنية قد لا يتحقَّق بدون الدخول في حرب ونوال نصرة على الأعداء المقاومين، عندئذ يحل السلام كأمرٍ صالحٍ. لكن هذا السلام يتحوَّل إلى بؤس، أو يزيد الإنسان بؤسًا متى انشغل بالأمور الزمنية الصالحة، متجاهلاً المجد السماوي[229].

ثالثًا: إذ يدخل القائد في المعركة ضد العدو المقاوم، يشتهي البلوغ إلى السلام، وإن اضطر أن يقتل فليكن بسبب الضرورة لا بشهوة داخلية للانتقام والقتل[230].

رابعًا: إن كانت الحرب تتم تحت ضرورة، فإنه إن وُجِدَت وسائل سلمية وأمكن تحقيق تعهُّدات وتحالفات، فإن هذا يُحسَب أمرًا مجيدًا[231].]

خامسًا: وإن كان القديس أغسطينوس يُمَيِّز بين الحروب العادلة والحروب الظالمة، إلا إنه يرى أنه بسبب الخطية توجد الأفعال الظالمة للغير، ويلتزم الحكيم بإثارة الحرب أو الدخول فيها. الخطية ليست من جانبٍ واحدٍ، بل من الجانبين مثير الحرب والملتزم بالدخول. الأول يخطئ بممارسته الظلم، والثاني يدخل في الحروب كتأديب إلهي عن خطايا ارتكبها. [إنه لأمر رديء للصالحين أن يكونوا تحت إصبع صانعي الشر[232].]

سادسًا: حتى إن كانت الحرب ضرورة يلتزم بها الحكيم ليصد أعمال الشر من جانب الآخر، فإنه إن انتصر لا يفتخر لأنه عمل صلاحًا، لأنه كان الأفضل لو عولج الأمر بدون سفك دم.

سابعًا: الحروب ضرورة في كل العصور. مع حديث القديس أغسطينوس عن بركات السلام ومرارة الصراعات والحروب الأهلية والخارجية، يتساءل في إحدى رسائله (35:10:199) إن كان قد وُجِد وقتٌ ما لم يعانِ منه العالم من الحروب في موضع أو آخر. وجاءت إجابته في كتاب "مدينة الله"، بأن هذا يتحقَّق بالتمتع برؤية الله مصدر السلام وجهًا لوجه في أورشليم العليا[233].

ثامنًا: الواجب العسكري لا يُفقِد المؤمن صلاحه. [إنه ليس الواجب العسكري بل حقد القلب هو الذي يعوق عمل الصلاح[234].]

تاسعًا: القتل بأمرٍ إلهيٍ أو كتنفيذٍ للقانون لقد وُجِدَت الوصية الإلهية: "لا تقتل" (مت 19: 18؛ خر 20: 13؛ تث 5: 17). وفي نظر القديس أغسطينوس أن لهذه الوصية استثناءات، مثل أمر الله بالقتل كتحقيق للعدالة الإلهية، أو للتأديب. وعندما يُقَرِّر رئيس دولة القيام بالحرب لأجل الدفاع عن وطنه، فإن القائد أو الجندي إذ يطيع الرئيس لا يُحسَب قاتلاً[235].]

21. ما هو موقف القديس يوحنا كاسيان من الخدمة العسكرية؟

ورد في كتابه "المؤسسات"، الكتاب الرابع عن جاحدي العالم (الحياة العامة والفضائل اللائقة بها)، الفصل 23 إذ يكتب لتدريب الذين يجحدون هذا العالم، يقول إن الراهب يبدأ بالتواضع الحقيقي والطاعة الكاملة حتى يصعد إلى مرتفعات الفضائل الأخرى أيضًا، وقد وجد من اللازم تقديم عينات قليلة لتصرفات بعض الشيوخ الذين سموا في هذه الفضيلة. المثل الأول في ذلك هو الأب يوحنا الذي عاش بجوار ليكوبوليس (أسيوط) في منطقة طيبة والذي بلغ إلى درجة النبوة من أجل طاعته العجيبة، وصارت له شهرة حتى بين ملوك هذا العالم، فإن الإمبراطور ثيؤدوسيوس لم يكن يجسر أن يعلن الحرب ضد الطغاة الأقوياء جدًا دون تشجيع كلمات هذا الأب، واثقًا أنها صادرة كما من السماء فينال نصرات على أعدائه في المعارك التي تبدو لا رجاء فيها.

جاء في أوشية الملك (أو الرئيس) في القداس الكيرلسي: [لتخضع له كل البربر الأمم الذين يريدون الحروب في جميع ما لنا من الخصب.]


 

9. الإيمان المسيحي والعلاقات الاجتماعية والأسرية[236]

1. ما هو مدى علاقة المؤمن بأسرته وبإخوته في البشرية؟

إيماننا المسيحي الخالص دعوة للتمتُّع بما فقدناه بسبب الخطية، ألا وهو أن يعود فيصير أيقونة لله محب البشر. يحمل كل البشرية في قلبه، حتى وإن كان متوحدًا في مغارة بالبرية، أو سائحًا لا يرى وجه إنسان إلى سنوات، ويترجم هذا الحب بصلواته المستمرة من أجل خلاص كل إنسانٍ في العالم وتمتع الكل بالسلام الداخلي السماوي، ولا يكف عن أن يمارس أصوامه ومطانياته من أجل الجميع، كما يعلن عن ذلك الحب في سلوكه حسبما استطاع.

2. هل من ضرورة للعلاقات الاجتماعية؟

لا يمكن للكنيسة كما للمؤمن كعضوٍ حيٍّ فيها أن يأخذ موقفًا سلبيًا أو اللامبالاة بإخوته، لأن الإنسان بطبعه اجتماعي، والإيمان يردّنا إلى حالتنا الأصلية كصورة لله محب البشر. فالصداقة والعمل المشترك والاهتمام بالعمل الاجتماعي، هذا كله يصدر لا على مجرد عواطف بشرية متغيرة، وإنما على أساس الحب الصادق، كعطية إلهية. فالإنسان لا يقدر أن يتمتَّع بأبديته وهو في لامبالاة بإخوته. يقول القديس باسيليوس الكبير: [إني أعرف جيدًا إنني محتاج إلى مساعدة كل واحدٍ من الإخوة أكثر مما تحتاج اليد إلى اليد الأخرى. فالرب يُعَلِّمنا من خلال تكويننا الجسدي ضرورة الصحبة. وعندما أنظر إلى أطرافي، وأرى كل منها لا يستطيع أن يكتفي بذاته، كيف أَعتبر أنني قادر على تنفيذ واجبات الحياة بنفسي (وحدي)؟ لا تستطيع إحدى القدمين أن تمشي بمفردها دون مساعدة القدم الأخرى. ولا تستطيع العين الواحدة أن ترى جيدًا دون مساعدة الأخرى، التي تنظر إلى الأشياء في اتحاد معها... يقول الرب إنه يكون في وسط اثنين أو ثلاثة يدعونه وهم في اتفاقٍ (مت 18: 20)[237].]

3. ما هي الدوافع التي لهذه العلاقات الإيجابية؟

أولاً: تقديم الحب كما للمسيح نفسه. كشف المسيحيون عن حُبِّهم للبشرية حتى لمضطهديهم. إيجابية الكنيسة سواء على المستوى الفردي أو الجماعي، في خدمة الجميع، أعطاهم القدرة على كسب غير المؤمنين إلى الإيمان، وتحدِّي الكثيرين للموت، حتى بالنسبة للموعوظين الذين لم يكونوا بعد قد نالوا العماد. يقول الشهيد يوستين: [نحن الذين كنا قبلاً نضع طرق اكتساب الثروة والممتلكات فوق كل اعتبار، الآن نُقَدِّم ما لدينا لصندوق الشركة، ونشارك كل محتاج[238].] تنبع هذه الأعمال المملوءة حبًا ليس عن عواطف بشرية مجردة، بل عن عواطفٍ مقدسةٍ وعن قلبٍ ملتهبٍ بالحب الإلهي، فقدموا بكل كيانهم من أعماقهم، وارتبط ذلك بالعبادة، وحسبوها مُقَدَّمة لله نفسه محب البشر.

ثانيًا: ممارسة أعمال الحب هي تكملة للناموس. وضع السيد المسيح أساس الناموس السلوكي المسيحي: "وصية جديدة أنا أعطيكم: أن تحبوا بعضكم بعضًا. كما أحببتكم أنا تحبون أنتم أيضا بعضكم بعضًا. بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي: إن كان لكم حب بعضًا لبعض" (يو 13: 34-35). يقول الرسول بولس: "لا تكونوا مديونين لأحد بشيءٍ إلا بأن يحب بعضكم بعضًا، لأن من أحب غيره فقد أكمل الناموس." (رو 13: 8). لم يُقَدِّم الرسل قوانين أخلاقية مُعَيَّنة، لكنهم قَدَّموا الروح الذي به تُوضَع القوانين، والتي تحكم السلوك المسيحي حسب الظروف القائمة. لقد ترك للكنيسة أن تُقَدِّم تفاصيل السلوك الروحي الحي قائمًا على الأسس الإنجيلية دون تقديم كثرة من القوانين: "أخيرًا أيها الإخوة، كل ما هو حق، كل ما هو جليل، كل ما هو عادل، كل ما هو طاهر، كل ما هو مُسرُّ، كل ما صيته حسن، إن كانت فضيلة، وإن كان مدح، ففي هذا افتكروا" (في 4: 8).

ثالثًا: استخدام الإمكانيات الجديدة. ففي المعمودية نتمتَّع بالدفن مع السيد المسيح، نموت عن الخطية، ولا يكون لها سلطان علينا، إلا إذا قبلناها بإرادتنا؛ كما صارت لنا البنوة لله، والتمتُّع بإمكانيات الثالوث القدوس: أُبوَّة الآب المحب للبشر، ونعمة الابن واهب الغفران، وشركة الروح القدس الذي يُقَدِّس ويُجَدِّد حتى نصير أيقونة للسيد المسيح. قَدَّمت لنا الديداكية[239] كمثالٍ، حق الخيار بين طريق الحياة وطريق الموت، لكنها لم تضع قائمة بالتفصيل عن الفضائل التي تحكمنا في سلوكنا في طريق الحياة، ولا قائمة كاملة بالرذائل التي تدفعنا إلى طريق الموت[240]. جاء فيها: [يوجد طريقان: أحدهما للحياة والآخر للموت. لكن الفرق بين الطريقين عظيم. طريق الحياة هو هكذا: أولاً، أحبب الله الذي خلقك (تث ٦: ٥). ثانيًا، حب قريبك كنفسك (لا ١٩: ١٨؛ مت ٢٢: ٣٧، ٣٩). مالا تريد أن يفعله الناس بك لا تفعله أنت بالآخرين (طو ٤: ١٥؛ مت ٧: ١٢؛ لو ٦: ٣١). إليك ما تحمله هذه الأقوال من تعليم: باركوا لاعنيكم، صلوا من أجل أعدائكم، وصوموا من أجل مضطهديكم. لأنه أي فضل لكم إن أحببتم الذين يحبونكم؟ أليس الوثنيون يفعلون ذلك؟! أما أنتم فأحبوا مبغضيكم، فلا يكون لكم عدو (مت ٥: ٤٥–٤٧؛ لو ٦: ٢٧–٣١). ابتعدوا عن الشهوات الجسدية (١ بط ٢: ١١) الزمنية (عالمية). "من لطمك على خدك الأيمن فحوِّل له الآخر أيضًا" (مت ٥: ٣٩؛ لو ٦: ٢٩). وكن كاملاً (مت ٥: ٤٨).]

4. هل يجوز الدفاع عن النفس والأسرة والوطن؟[241]

لكي يعيش الإنسان المسيحي في المجتمع ناجحًا ملتزمًا بقوانينه وعاداته، يجب أن يكون ملمًا بها جيدًا، خاضعًا لها كوصية الله: "أعطِ ما لقيصر لقيصر" (مر 12: 17). هذا وأن القوانين الوضعية التي تحكمنا نجدها غالبًا ما تسير مع تعاليم الكتاب وكنيستنا، كقول الرسول بولس: "السلاطين الكائنة هي مُرَتَّبة من الله" (رو 1:13). فالمسيحية تدعو إلى المحبة والتسامح كما تدعو إلى الشرعية حيث تحثّ المسيحي على الالتجاء إلى القانون لتدبير الأمور، فيكون على من ظُلم أو سُلِب حقه أن يُطالِب به عن طريق قنوات المجتمع الشرعية.

كان رفع الدعاوى مُقَرَّرًا منذ القديم في الشريعة اليهودية (تث 8:17، 9)، وكانت الشريعة الرومانية تبيح لرعاياها أن يرفعوا دعواهم إلى الإمبراطور إذا لم يرضوا بحكم حكام الأقاليم والمقاطعات. لذلك رفع القديس بولس دعواه إلى قيصر (أع 11:25).

كما أنه في حالات أخرى نجد المسيحي في وضع الدفاع عن نفسه أو عن أقاربه أو وطنه، يقف أمام الخطر دون استطاعة منه أن ينتظر أجهزة الدولة حتى لا يفقد حياته أو حياة أقاربه، سايرت بعض القوانين الوضعية تعاليم الكتب السماوية في وضع أسباب مُعَيَّنة يستطيع عندها الشخص أن يدفع الخطر عنه، دون أن تقع عليه أية مُسائلة قانونية أو دينية. بروحٍ تقويٍ يقول لتلميذه: "ذَكِّرهم أن يخضعوا للرياسات والسلاطين، ويطيعوا، ويكونوا مستعدين لكل عملٍ صالحٍ" (تي 1:3).

5. كيف سعت الشريعة الموسوية للصعود على درجات البرّ الأعظم؟

يستعرض القديس أغسطينوس في شرحه للموعظة على الجبل تطور علاقة الإنسان بأخيه، مبتدئًا من الإنسان البدائي الذي يبدأ بالشر، وينتهي بالإنسان الكامل الذي يفرح باحتمال ضعفات الآخرين، فيقول[242]: [برّ الفريسيين الأصغر هو عدم تجاوز حدود الانتقام، أي لا ينتقم الإنسان بأكثر مما أصابه. ومع ذلك فليس من السهل أن نجد شخصًا يرغب في أن يرد الضربة بضربة واحدة، ويرد بكلمة واحدة على من أساء إليه بكلمة. فالإنسان يرغب دائمًا في الانتقام بصورة مغالى فيها جدًا، وذلك بسبب الغضب والشعور بأن المسيء يجب أن يُعاقَب عقابًا مضاعفًا. فالشريعة الموسوية التي جاء فيها "عين بعين وسن بسن" (خر 21: 24)، تحد من الروح السابقة لأنها تطالب بأن لا يزيد الانتقام عن مقدار الضرر الذي أصاب الشخص. هذه الشريعة هي بداية السلام، أما السلام الكامل فهو في عدم الانتقام... فبحسب ترتيب الأزمنة حدث تحوُّل من الخصومة العظيمة (أي رغبة الإنسان في الانتقام بأكثر مما أصابه) إلى اتفاق عظيم بواسطة الشريعة (أي الانتقام بقدر ما أصابه).

أ. يبدأ الإنسان البدائي بالاعتداء على أخيه.

ب. والإنسان الذي لا يبدأ بالشر، بل يقاوم الشر بشرٍ أعظم، لم يبلغ مستوى الشريعة الموسوية.

ج. أما في الشريعة الموسوية فقد طُلِب من الإنسان ألا يتعدَّى انتقامه قدر الشر الذي أصابه...

د. عدم مقاومة الشر بشرٍ أعظم أو مساوٍ له بل أقل منه فيقابل الضربتين بضربة واحدة.

ه. من يسمو على الدرجة السابقة، لا يُقابِل الشر بشرٍ، مقتربًا بذلك من وصية الرب.

و. أما درجة الكمال المسيحي، ففيها يأمر رب المجد بعدم مقاومة الشر، قائلاً: "بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر" (مت 5: 39)... يوصينا طبيب النفوس، الرب يسوع، بأقربائنا؟ إنه لا يطلب منا سوى احتمال ضعفاتهم، لأجل خلاصهم. فإن شرور أقربائنا تنبع عن ضعف نفوسهم ومرضها.]

6. ما هي حدود التأديب في العهد الجديد؟

يلتزم الحكام بتأديب الأشرار والمجرمين، وكما يقول الرسول: "لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة، لأنه ليس سلطان إلا من الله، والسلاطين الكائنة هي مُرتَّبة من الله. حتى إن من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله، والمقاومون سيأخذون لأنفسهم دينونة. فإن الحكام ليسوا خوفًا للأعمال الصالحة بل للشريرة. أفتريد أن لا تخاف السلطان؟! افعل الصلاح فيكون لك مدح منه، لأنه خادم الله للصلاح! ولكن إن فعلت الشر فخفْ. لأنه لا يحمل السيف عبثًا، إذ هو خادم الله، منتقم للغضب من الذي يفعل الشر. لذلك يلزم أن يُخضع له، ليس بسبب الغضب فقط، بل أيضًا بسبب الضمير" (رو 1:13-5). واضح أن العهد الجديد أعطى للحاكم أو المسئولين حق تأديب الأشرار حتى إلى استخدام السيف. وقد ترك للمُشَرِّعين أن يضعوا حدود العقوبة أو التأديب حسب ظروف العصر والدولة ومرتكب الشر وملابسات القضية.

هذا عن تأديب الجماعة للأشرار، أما بالنسبة لتأديب الأبناء فيقول الرسول: "أي ابن لا يؤدِّبه أبوه؟!" (عب 7:12). أما حدود هذا التأديب فهو تقديم صورة حب الله الحاني الحازم لأولاده: "لأن الذي يُحِبّه الرب يؤدِّبه ويجلد كل ابن يقبله" (عب 6:12). لم يُقَدِّم لنا العهد الجديد شرائع تفصيلية، لكنه يُقَدِّم مبدأ أساسيًا، وهو التعامل مع الأبناء كظل لتعامل الله معنا،

يتحدث العلامة أوريجينوس عن عُرفٍ سائدٍ يشير إلى استخدام التأديب منذ زمنٍ بعيدٍ. [في كنيسة المسيح، جَرَى العُرف على استبعاد الممارسين لخطايا واضحة عن الصلاة المشتركة[243].]

يلزم أن يكون التأديب أكثر صرامة وحزمًا طبقًا لمسئولية المؤمن في الكنيسة ودوره دون استثناء. وكما يقول العلامة أوريجينوس: [كل الخطاة في الكنيسة مستحقون للعقاب. لكن عقابهم يختلف تبعًا للمرتبة التي يشغلونها[244].] ويقول العلامة أوريجينوس أنه يلزمنا ألا نتسرَّع بالتأديب العلني[245].

7. ماذا يُقصَد بالخد الأيمن والآخر؟

يقول القديس أغسطينوس[246]: [احتمل الرسول بولس اللطم على الخد الأيمن ثم الأيسر. فقد احتمل ما احتمله التلاميذ من تعيير بسبب اسم المسيح الذي دعي عليهم (أي احتمل اللطم على الخد الأيمن). بعد ذلك قَدَّم الخد الأيسر مضحيًا بأمجاده العالمية (جنسيته الرومانية - انظر أع 37:16). فعندما أعلن عن جنسيته الرومانية لم يكن يقصد بذلك الافتخار أو الانتقام ممن أساءوا إليه. بل بالعكس كان بولس يعلن عن رومانيته لتتهيأ له فرصة للحديث عن المسيح معلنًا بذلك محبته لخلاص نفوس هؤلاء الذين أكرموه لأجل رومانيته وأهانوه لأجل مسيحيته.]

8. ما هو موقف القديس أمبروسيوس بخصوص الدفاع عن النفس؟

في رأي القديس أمبروسيوس أن دفاع الإنسان عن نفسه لا يمكن قبوله لأنه حتمًا يُحَطِّم فضيلة الحب، التي تُدعى التقوى، وتُوَحِّد الإنسان مع الله، وهي أساس كل الفضائل الأخرى[247].

9. ما هي نظرة الإيمان المسيحي للقضاة؟

كان يُسمَح لليهود أن يُمارِسوا الشريعة في قضايا دينية أخلاقية كالجلد أربعين جلدة إلى واحدة[248]. لكن هل كان من حقهم أن يصدروا حكمًا بالموت على شخصٍ ما؟ جاء في (يو 18: 31) انه لا يجوز لهم أن يحكموا على أحد بالموت. لكن ربما يتساءل البعض عن الزانية التي أُمسِكَت في الزنا وقد أمسك البعض حجارة ليرجموها، هل كان من حقهم التنفيذ؟ يرى العلامة أوريجينوس أنه كان يسمح لهم بذلك على ألا يتم علانية وان يخطروا الإمبراطور (أو من يُمَثِّله) بذلك[249]. عندما طالب الرسول بولس بمحاكمة من أراد أن يتزوج امرأة أبيه (1 كو 5)، لم يطلب صدور حكم جسماني بل حكم روحي (فرزه إلى حين).

عرفت الكنيسة الأولى وجود محاكمات كنسية تحت إشراف الأسقف وإصدار تأديبات كنسية.

10. ما هي نظرة الإيمان للحكم القضائي على المخطئين والأبرياء؟

يرى القديس أغسطينوس (354-430م) أنه حينما يُصدر القاضي حكمًا بالإعدام منفذًا القانون في عدالة، أو من يقوم بالتنفيذ، لا يُحسَب هذا قتلاً.

كما عالج القديس أغسطينوس مشكلة القاضي المسيحي الذي يحكم على متهمٍ فيعاني من العنف، وهو لا يدري أنه مظلوم وأن الشهود كذبة قد أحكموا الاتهام ضده ظلمًا. فإنه مادام القاضي لم يهمل، وقد بذل كل الجهد لإدراك الحقيقة ولم تكن لديه نية شريرة ضد المتهم، فإنه لا يُلام على ذلك لأن ما فعله هو ضرورة. لهذا يجب أن يصرخ دومًا لله: "خلصني من ضروراتي" (راجع مز 17:25)[250].


 

10. التضامن الاجتماعي

1. ما هو مفهوم التضامن الاجتماعي في الإيمان المسيحي؟

ترتبط أعمال المحبة الجماعية كما الفردية بالعبادة الروحية، فتصدر عن قلوبٍ مملوءة حبًا، تُقَدَّم هذه الأعمال بفرحٍ ومسرةٍ، كتعبيرٍ حيّ عن الاتحاد مع الله بكونه أب الكل، واتحادنا مع بعضنا البعض كأعضاء في جسدٍ واحدٍ! ما يمارسونه يحسبونه أمرًا طبيعيًا ينبع عن عضويتهم في العائلة الإلهية، إن صح التعبير. يقول العلامة ترتليان: [يليق بهم أن يُدعوا إخوة، ويُحسّبون هكذا، هؤلاء الذين انقادوا إلى معرفة الله بكونه أباهم العام، والذين يشربون روحًا واحدة للقداسة، والذين عانوا في ذات رحم الجهالة، وخرجوا إلى نور الحق... إذ لنا الفكر الواحد، والروح الواحدة، لن نتردَّد في المشاركة في الخيرات الأرضية مع بعضنا البعض. كل شيءٍ بيننا مشترك ماعدا الزوجات. لقد امتنعت جماعتنا عما يمارسه الآخرون الذين ليس فقط يغتصبون زوجات أصدقائهم، بل وفي أكثر تهاون يُقَدِّمون لأصدقائهم زوجاتهم. وكما أظن أنهم يتمثَّلون بحكماء الأزمنة القديمة مثل سقراط اليوناني، وكاتو Cato الروماني، الذين قدَّموا زوجاتهم الذين تزوجوا بهن إلى أصدقائهم[251].]

2. ما هو مفهوم المؤسسات الخيرية في الإيمان المسيحي؟

أقامت بعض الكنائس مؤسسات خيرية تديرها من خلال الشمامسة والشماسات والأرامل.

أنشأ القديس باسيليوس الكبير مجموعة من المباني على أطراف مدينة قيصرية كبادوكية لاستقبال الغرباء والمرضى، خاصة المنبوذين منهم، وجهَّز هذه المؤسسات بأشخاص مؤهَّلين للعمل فيها[252]. وفي إنطاكية أقامت الكنيسة مستشفى ضخمة وبيتًا للغرباء. كما اهتمت الأديرة، خاصة الباخومية، باستضافة الغرباء، وخدمة الفقراء والمرضى في القرى المحيطة بكل ديرٍ. وبتأييد من الدولة انتشرت ملاجئ الفقراء في مصر وفلسطين وشرق اليونان وإيطاليا، حتى في روما نفسها. واهتم كثير من الأساقفة بالعمل الاجتماعي لبنيان جميع الشعب، وليس للمسيحيين وحدهم، نذكر منهم القديس أمبروسيوس، ومكسيموس أسقف تورين، وبولنيوس أسقف نولا، ومارتين أسقف تورز، ونيسيتديوس أسقف ليون، وغيرهم.

3. ما هي أسس العمل الاجتماعي الكنسي؟

 قام العمل الاجتماعي في الكنيسة الأولى على أساس إنجيلي، غايته أن يختبر البشر عربون السماء خلال الممارسة العملية للحب. تركزت أسس العمل الاجتماعي في المبادئ التالية:

أ. قانون العلاقات الاجتماعية هو الحب الأخوي المتلاحم مع المحبة الإلهية، وتحقيق العدالة.

ب. الاهتمام بالمصلحة العامة لكل البشرية دون تجاهل الاهتمام الفردي بكل أحدٍ ما أمكن.

ج. العمل على التساوي بين جميع البشر، مهما كانت ظروفهم الاجتماعية، دون محاباة لجنسٍ مُعَيَّنٍ أو طبقةٍ مُعَيَّنةٍ أو أصحاب مواهب معينة.

د. مع الاهتمام بالمساواة، يكرم كل عضو الآخر، وأيضًا تُعطى الكرامة لمن له الكرامة، لكن دون السماح بالمذلة لإنسانٍ ما، مهما كانت ظروفه وأوضاعه في المجتمع أو الكنيسة.

ه. تقديس الحرية الإنسانية، واحترام شخصية كل إنسانٍ، ليعبر عن نفسه كسفيرٍ للسيد المسيح ووكالة السماء، محققًا رسالته التي من أجلها خلقه الله وقدم له الخلاص.

و. تكريس الطاقات والمواهب وتقديسها، أيا كانت!

ز. تحقيق العضوية الكنيسة العاملة، بأن يمارس كل شخصٍ دورًا إيجابيًا في المجتمع والكنيسة، مع خلق روح القيادة الصادقة بروح التواضع مع الشعور بالالتزام والمسئولية.

4. كيف تُمارَس الشركة عمليًا بين المؤمنين؟

يُصَوِّر لنا الإنجيلي لوقا في سفر الأعمال الكنيسة في عصر الرسل بكونها تحمل شركة في العبادة كما في الممتلكات، فهي تقوم على اتحاد الأعضاء معًا في جسدٍ واحدٍ، كل يهتم بالآخر.

في نهاية القرن الثاني ظهر في روما والإسكندرية وقرطاجنة وفى الشرق إقامة وجبات محبة agape بعد الاحتفال بليتورجيا الإفخارستيا، وذلك إما من أموال الكنيسة أو يقوم بها أحد الأغنياء. وإذ لم تكن بعد قد ظهرت المستشفيات، اهتمت الكنيسة بمعالجة المرضى[253].

لا يقف العطاء عند الأغنياء نحو الفقراء، بل الفقير أيضًا يعطي أخاه الفقير.

إن وُجِد بينهم شخص فقير محتاج وليس لديهم شيء زائد، يصومون يومين أو ثلاثة أيام لكي يُقَدِّموا الطعام الضروري للمحتاج[254].

عندما قَدَّم القديس أغناطيوس صورة مبسطة عن الأسقف المثالي، وضع أول التزاماته الاهتمام بتقديم احتياجات المساكين من بينهم الأرامل الذين صاروا في عهدته بعد الرب[255].

وجد الضمان الاجتماعي مكانه في الحياة الكنسية السرائرية والليتورجيات وكل عبادة. فلا ندهش إن اجتمعت الكنيسة معًا لتقضي سهرة تمتد الليل كله احتفالاً بشهيد انتصر؛ وأن تطلب في صلواتها من أجل الراقدين، وأن يصلي كل عضو باسم الجماعة كلها.

شعر القديس بوليكربس قبل استشهاده مباشرة بالحاجة إلى الصلاة عن الكل "العظماء والصغار، المشهورين والمجهولين، وعن كل الكنيسة الجامعة في كل العالم"[256]. كما يقول إن علاقة الحب الحقيقي غير المتغير، ليس أننا نشتهي خلاصنا وحده، بل خلاص كل الإخوة أيضًا[257]. هكذا يحسب البحث عن النفس المنحرفة ليس خيرًا نُقَدِّمه للغير بل لأنفسنا، لأنّه ما دامت توجد نفس ضائعة، فنحن غير كاملين. بعودة النفس المنحرفة يحلّ السلام على الكنيسة ويكمّل البنيان. إذ يتحدَّث القديس بوليكربس عن القس فالنز وزوجته اللذين بسبب الطمع انحرفا عن الإيمان، قائلاً: [إنني حزين جدًا يا إخوة من أجل فالنز ومن أجل زوجته أيضًا، يا ليت الرب يمنحهما توبة صادقّة! عالجوا هذا الأمر بالذات باعتدال، ولا تحسبوهما أعداء، بل حاولوا أعادتهما كعضوين مريضين تائهين، ومتى عادا يصبح جسدكم كاملاً، إذا فعلتم هذا فإنكم تبنون أنفسكم[258].] وفي تصوره للكاهن المثالي، يركز على العمل الاجتماعي للمحتاجين بفكرٍ روحي، إذ كتب في رسالته: [ينبغي أن يكون القسوس عطوفين ورحماء على الجميع، فيردّون الذين ضلُّوا، ويزورون المرضى، ولا يهملون الأرملة واليتيم والفقير، بل دائمًا يكونون "معتنين بأمورٍ حسنة قدام الرب والناس" (راجع رو ١٢: ١٧؛ ٢ كو ٨: ٢١)، ممتنعين عن كل غضب، ومحاباة الناس، أو إصدار حكم ٍظالمٍ، هاربين من كل محبّة للمال، غير متعجلين في الحكم ضدّ أحد، غير قاسين في الحكم، عالمين إنّنا جميعًا مدينون بالخطيّة[259].]

يقول الشهيد كبريانوس: [قبل كل شيء (السيد المسيح) كمعَّلم بالسلام ومدرس عن الوحدة، لم يرد لنا أن نصلي أفرادًا أو بطريقة سرية حتى لا نصلي عن أنفسنا وحدنا. فإننا لا نقول بالحقيقة: "أبي الذي في السماوات" ولا "خبزي اليومي أعطني اليوم"... لكن لنا صلاة عامة جماعية، وعندما نصلي لا نطلب عن شخصٍ واحدٍ، بل عن الشعب كله، لأننا الشعب كله يكون وحدة. الله معلم السلام والاتفاق، الذي علمنا الوحدة يريد من كل إنسانٍ أن يصلي عن الكل وذلك كما حملنا نحن جميعًا في واحدٍ[260].]

 

جاء في الرسالة إلى ديوجنيتس: [لأي مسيحي الحريّة أن يشارك طعام قريبه، لكنّه لن يشاركه مضجعه[261].]

يقول مينيكوس إن المسيحيين يحبُّون بعضهم حتى قبل أن يعرفوا بعضهم البعض[262].

يقول أريستيديس: [(المسيحيون) لا يهملون الأرملة، ويحررون اليتيم ممن يتعاملون معه بعنفٍ، ويعطي (المسيحي) المحتاج دون تذمرٍ، وعندما يرون غريبًا يأخذونه إلى منازلهم، ويفرحون به كأخِ لهم... وعندما يموت فقير، فإنهم إذ يعرفون بهذا، يُقَدِّمون لجثمانه مدفنًا حسب قدرتهم، وإن سمعوا أن أحدهم سُجِن ويعاني ضيقًا من أجل المسيح، يتكاتفون معًا ويمدُّونه باحتياجاته وإن استطاعوا يطلقونه من السجن[263].]

يقول القديس إكليمنضس الروماني: [حسن ومفيد أن "يفتقد الإنسان الأيتام والأرامل" خاصة الفقراء الذين لهم أبناء كثيرون[264].]


 

11. الإيمان المسيحي والطبقات الاجتماعية

1. كيف مارست كل فئات المجتمع الاحترام المتبادل بينهم؟

مجيء السيد المسيح غيَّر مفاهيمنا، فصرنا نعتزّ بميلادنا الروحي لا بالطبقة الاجتماعية التي ننتمي إليها، ونراعي التزامنا في قيام كل طبقة بالعمل البَنَّاء للكل.

أولاً: شركة السادة مع عبيدهم في نوال بركة الاستشهاد. تُقَدِّم لنا أعمال الشهداء صورة حية لأشراف وحكام وأغنياء قبلوا الإيمان المسيحي، ولم يقدموا بفيضٍ للفقراء فحسب، وإنما بفرح قَدَّموا حياتهم مبذولة من أجل الإيمان. أيضًا نجد سادة اشتركوا مع عبيدهم أو جواريهم في قبول الاستشهاد، فصار من العبيد أبطالاً تعتز بهم الكنيسة ويكرمهم الجميع أيا كان مركزهم الاجتماعي.

ثانيًا: الزواج بين المسيحيين من طبقات متباينة. سمح كالستوس Callistus (217-223) أسقف روما لسيدة مسيحية أرستقراطية أن تتزوج رجلاً مسيحيًا من طبقة أقل منها، الأمر الذي كان القانون الروماني يمنعه.

ثالثًا: مسيحنا جمعنا فيه. في الرد على صلسس الذي حقَّر من شأن السيد المسيح، مدعيًا أنه كان يشحذ، وضم إليه عشرة أو أحدى عشر شخصًا سمعتهم رديئة، كما جمع حوله العشارين والخطاة، وكان يجول هنا وهناك لعله يجد ما يأكله وسط العوز والخزي، قال أوريجينوس: [يسوعنا الذي اُحتقر لأنه وُلِد في قرية صغيرة لم تكن هيلينية، ولا ذات مواطنة ذات تقدير، والذي أُهين لأنه كان ابن أم فقيرة عاملة، ولأنه جاع وترك لذة العيش في مصر؛ يسوع هذا الذي لم يكن بسيريفوس العادي[265] Seriphos... نجح في أن يهز العالم المسكون، ليس فقط أكثر من ثيميستوكليس الأثيني، بل وأكثر من أفلاطون وأثيناغوراس أو  الناس من اشتهى أن يكون الأخير، ومن يطلب الأقل ينال كل ما سيشتهيه[266].]

رابعًا: مجدنا هو الشعور بأن غالبيتنا فقراء في الزمنيات. يقول مينيكوس فيلكس: [إن قيل إن غالبيتنا فقراء فهذا هو مجدنا، وليس عارًا علينا. فكما أن الذهن يصير واهنًا بالترف، ويتقوى بالتدبير باقتصادٍ. ومع هذا من يقدر أن يكون فقيرًا ولا يشعر بعوزٍ، ولا يشتهي ما لدى الغير، فهو غني في حكم الله. إنه أكثر فقرًا الإنسان الذي وإن كان لديه الكثير لكنه يشتهي ما هو أكثر... سعيد هو هذا الذي يعرف كيف يرفع نفسه فوق فقره أكثر من أن يتأوه تحت ثقل الغنى. ومع هذا إن كنا نظن أن الثروة نافعة لنا نطلبها من الله، بالتأكيد ذاك الذي هو مالك كل الأشياء يستطيع أن يهبنا نصيبًا. لكننا نحن نُفَضِّل أن نزدري بالثروة عن أن نلمسها. أفضل من الثروة نحن نطلب البراءة، ونفضل أن نسأل الصبر، ونستحسن أن نكون صالحين عن أن نكون ضالين[267].] كما يقول: [هل أنت ملك؟ إنك تخاف... ومهما كان الحرس المحيطون بك بلا عددٍ، لكنك إذ في مواجهة خطرٍ تجد نفسك وحيدًا. هل أنت غني؟ إنه مرض أن يثق الإنسان فيما لديه، وتكون رحلة الحياة القصيرة ليست مهيأة بل تمثل حمل أثقال من حمولات المئونة. هل مجدك هو في الشعارات الخاصة بالسلطة والأرجوان؟ إنه خطأ بشري، وعبادة بلا نفع لكرامة متألقة في الأرجوان وخسيسة في الفكر. هل أنت من النبلاء، وتستعرض أسلافك؟ نعم، جميعنا وُلِدنا من ذات المصدر، ولن نُمَيِّز الواحد عن الآخر إلا بالفضيلة[268].]

خامسًا: الصداقة مع الجميع وليس مع طبقة مُعيَّنة. يقول القديس أغسطينوس: [لا تُحد الصداقة بحدودٍ ضيقة، بل تضم كل الذين لهم الحق في الحب والحنو، وإن كانت تصل سريعًا للبعض وأكثر بطء للآخرين، لكنها تحتضن حتى أعداءنا، هؤلاء الذين أُوصينا أن نصلي لأجلهم (مت 5: 44). هكذا لا يوجد إنسان واحد في الجنس البشري لا يستحق المحبة، سواء كان ذلك مقابل الحب المتبادل، أو من أجل اشتراكه في طبيعتنا المشتركة. غير أن الذين يحبوننا بالتبادل في القداسة والطهارة يُقَدِّمون لنا أصدق فرح[269].]

2. هل يمارس المؤمنون أعمالاً خاصة بهم؟

تحدث العلامة ترتليان في شيءٍ من التفصيل ليرد على الاتهام الموجه ضد المسيحيين أنهم خاملون غير منتجين[270]. كما يؤكد أن المسيحيين يشاركون الوثنيين في ممارسة كل الأعمال، ولا يحتقرون مهنةً ما إلا إذا كانت مفسدة للحياة الروحية. إذ يقول: [لأننا نتذكَّر أنه يجب علينا أن نكون شاكرين للرب إلهنا وخالقنا. إننا لا نرذل أية ثمرة لأعماله؛ إننا نستخدمها باعتدال وليس بتطرفٍ خاطئ. لهذا فإننا لا نفشل في التردُّد على الساحات والأسواق والحمامات والمتاجر والمصانع والفنادق وفي كل أعمالكم، وأن تكون لنا كل العلاقات الأخرى حتى نعبر حياتنا معكم في هذا العالم. معكم نبحر في البحر، ونلتحق بالخدمة العسكرية، ونعمل في الأرض ونتاجر، ونبيع علانية ما تستخدمونه من منتجات تجارتنا ومصنوعاتنا[271].] وجاء في الديداكية: [كل من يأتيكم باسم الرب اقبلوه، بعد ذلك اختبروه واعرفوه، لتميزوا اليمين من اليسار. فإن كان الآتي عابر سبيل أعينوه قدر استطاعتكم، ولا يبقى عندكم أكثر من يومين أو ثلاثة عند الضرورة. إذا أراد أن يمكث عندكم كصاحب مهنة فليعمل ليأكل (٢ تس ٣: ١٠). أما إذا لم يكن صاحب حرفة، فوجِّهوه أنتم لكيلا يعيش بينكم كمسيحي عاطلاً. إذا لم يرد أن يعمل فهو متاجر بالمسيح (١ تي ٦: ٥)، احترزوا من أمثاله[272].] ويقول العلامة أوريجينوس إنه ليس من أحد خامل في بيت الحكيم[273]. جاء في رسالة منسوبة للقديس إكليمنضس الروماني: [لنتأمّل في خوف الله حياة هؤلاء القدّيسين. نعم، نجد أنّه قد كُتِب عن موسى وهرون أنهما عملا وعاشا مع رجال يسلكون على مثالهما، وهكذا يشوع بن نون[274].] يرى القديس إكليمنضس السكندري أن من يعمل لكي يغتني إنما يعمل بهدف غير مسيحي[275]. وأما من جهة الكهنة، فتطالب الديداكية أن يتفرغ الكاهن لعمله ويأكل منه.

3. هل كان العمل شاقًا قبل سقوط أبوينا؟

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [في البداية أعطانا الله حياة خالية من الهموم ومُعفاة من الكد. أما نحن فلم نستخدم العطية حسنًا، بل أفسدنا راحتنا، وخسرنا الفردوس. لهذا جعل حياتنا متعبة... يعمل الكسل على إفسادنا ويُسَبِّب لنا متاعب كثيرة... لو أن الإنسان اختبر الكد منذ البداية، لما ابتلي به كعقابٍ بعد ذلك. وفي واقع الأمر يمكنك أن تعمل وفي نفس الوقت لا تصل إلى مرحلة العمل الشاق، كما في حالة الملائكة[276]]

4. هل يلتزم المسيحي بالعمل من أجل الأخرين؟

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لا تقل: "يستحيل عليّ أن اهتم بالغير". فإن كنت مسيحيًا يستحيل ألا تهتم بهم... لا تخطئ إلى الله، فإن قلت إن الشمس لا تقدر أن تضيء، فأنت بهذا تهينها. وإن قلت إن المسيحي لا يستطيع أن يفعل خيرًا، فبقولك هذا تهين الله وتدعوه كاذبًا. فمن الأسهل للشمس ألا تعطي حرارتها أو ضوءها من أن لا يبعث المسيحي أشعة نورٍ. من الأسهل أن يصبح النور ظلامًا من أن يصير المسيحي هكذا... ليس شيء أكثر تفاهة من مسيحي لا يبالي بخلاص الغير. لا يمكنك هنا أن تتعلل بالفقر، لأن التي ألقت فلسيها ستدينك (لو 21: 2). وقال بطرس: "ليس لي فضة ولا ذهب" (أع 3: 6). وأيضًا بولس كان فقيرًا، فغالبًا ما كان جائعًا دون أن يجد ما يقتات به من طعام. ولا يمكنك أن تتعلل بوضاعة المولد فقد كان (التلاميذ) وضيعي المولد، ومن آباء هكذا. ولا تقدر أن تعتذر بنقص التعليم، إذ كانوا أناسًا عديمي العلم (أع 4: 13). فإنك وإن كنت عبدًا، فإن لك دور يلزم أن تفعله؛ فقد فعل أنسيمُس هكذا... لا تقدر أن تتعلل بالضعف، فقد كان تيموثاوس هكذا، الذي كثيرًا ما كانت له ضعفات[277].]

5. هل من أعمالٍ ممنوعة فلا يمارسها المسيحي؟

يُطالِب القديس أغناطيوس الهروب من الفنون (والأعمال) الشريرة[278]، كأن يعمل كاهنًا للأوثان، أو يُعد الذبائح الوثنية، أو يصب تماثيل لآلهة وثنية، أو يتاجر في السموم أو السحر أو العرافة الخ. أيضًا حذَّر العلامة ترتليان من استخدام الكذب والغش في التجارة، أو استخدام القسم أثناء المعاملات التجارية[279]. كما حرَّم البعض العمل كنحاتين يصنعون التماثيل، معتمدين على ما ورد في (خر 20: 4)[280].

الله الذي قَدَّم كل الإمكانيات لآدم، لم يجبله في جنة عدن ليأكل ويشرب وينام، لكن أيضًا ليعمل في الجنة. فالعمل أمر مقدس يُضفي على الإنسان نوعًا من السعادة والشعور بالقدرة على الإنتاج. قيل عن السيد المسيح إنه نجار (مر 6: 3)، ووُصِف بولس الرسول كصانع خيام (أع 18: 3). وجاء في أمثلة السيد المسيح أن الإنسان القادر على العمل يستحي أن يستعطي (لو 16: 3). يعتزّ الرسول بولس بأنه كان ينفق على نفسه ومن معه خلال عمله (أع 20: 34-35). وفي رسالته إلى أهل كورنثوس (1 كو 4: 8-13) أوضح أنه كان يعمل ويتعب. جاء في الدسقولية: [كن منشغلاً بما هو للرب، أو مشغولاً بعملك، ولكن لا تكن عاطلاً[281].]

6. لماذا هاجم القديس يوحنا الذهبي الفم الأغنياء؟

كثيرًا ما هاجمهم ليس لأنهم أغنياء، وإنما لأنهم كانوا كسالى بلا عملٍ. وعندما يتحدث عن الفقراء كان يقصد العاملين الكادحين. يمتدحهم لا على فقرهم، بل على جهادهم وكفاحهم في العمل، وانهم يعيشون بتعب أياديهم لكي يعولوا عائلاتهم. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إن أردتم أن تستأصلوا الفقر فحتمًا تستأصلون كل هيكل الحياة، إنكم تحطمون حياتكم. لا تجدون ملاحًا ولا قائد مركب ولا مزارعًا ولا بنَّاءً، ولا نساجًا ولا صانع أحذية ولا نجارًا ولا حدادًا ولا صانع جلود ولا طحانًا؛ لن تجدوا أحدًا من هؤلاء العاملين ولا غيرهم... إن صار الكل أغنياء، يعيش الكل في خمولٍ، يهلك كل شيءٍ ويتبدد[282].]

7. ماذا قدمت الكنيسة الأولى للعبيد والمسبيين؟

من العادات الشائعة في العالم القديم أن يبيع الإنسان نفسه أو أبناءه للخلاص من الفقر المدقع؛ وأيضًا أن يبيع الجيش المنتصر المسبيين عبيدًا سواء للأغنياء من بلدهم أو من البلاد المجاورة. مع انتشار نظام العبيد لم يكن ممكنًا للكنيسة أن تقف في سلبية، بالرغم من عدم تمتُّعها بسلطة زمنية لإصدار أوامر صريحة ومُلزمة بتحرير العبيد. قَدَّمت شريعة العهد القديم وصايا تحد من العنف وإساءة استخدام السلطة بالنسبة للسادة في تعاملهم مع العبيد، خاصة من بني جنسهم، ليس كموافقة على وجود هذا النظام، وإنما تهيئة للتعامل مع العبيد كأشخاص وإخوة. وبيرز العهد الجديد اهتمامه بالعبيد في الآتي:

أولاً: يطالب السادة بالحنو على إخوتهم العبيد، كشركاء معهم في الميراث الأبدي.

ثانيًا: أبرز ما للعبيد المؤمنين من رسالة فعَّالة حتى على السادة العنفاء يكسبونهم للإيمان خلال الطاعة في الربّ، والحب الخارج من القلب، وليس قهرًا. تحدث الرسول بولس في الرسالة إلى فليمون عن عبده أنسيمُس السارق والهارب ينعته فيها بأنه قد ولده في قيوده، وأنه أحشاؤه، وأن يحسبه سيده نظير بولس نفسه (فل 10، 12). هكذا أعطى الرسول بولس درسًا عمليًا لتحرير العبيد، لا خلال ثورات عنيفة ومعارك، ولكن خلال روح الوحدة والحب، والشركة معًا في الحياة الجديدة في السماويات!

ثالثًا: يؤكد آباء الكنيسة أن الله خلق الإنسان حرًا، مثل القديسين أمبروسيوس[283]، ويوحنا الذهبي الفم[284]، وغريغوريوس النيسي[285]، وباسيليوس الكبير[286]. ويُعتبَر القديس إكليمنضس السكندري والعلامة أوريجينوس من أكبر المدافعين عن العبيد. أما القديس جيروم[287] والعلامة ترتليان[288] فكانا يهاجمان تمرُّد العبيد.

رابعًا: بدأت مدرسة الإسكندريّة كمدرسة للموعوظين[289] Catechumens تضم طالبي العماد من الأمم واليهود لتعليم الإيمان المسيحي، تُقَدِّم لهم دراسات تؤهِّلهم لنوال سَّر المعموديّة. فتحت المدرسة أبوابها أمام الجميع، يلتحق بها أناس من ديانات مختلفة وثقافات متباينة وذوي مراكز اجتماعيّة مختلفة وأعمار متفاوتة. "كان التعليم بها لا يُمَيِّز بين الطبقات أو الظروف، بين العبيد أو السادة"[290]، في وقت كان العبد رخيصًا، يُبَاع كالسلعة ويُشترَى! حقًا كان في كنيسة الإسكندرية في عصر أثيناغوراس مسيحيون أثرياء يمتلكون العبيد وآخرين من أصل فقير، إلا إنه حسب قول أثيناغوراس، لم يتقدم أحد من هؤلاء العبيد بأية شكوى ضدهم تشير إلى إنكار حقوقهم تحت وطأة التعذيب. في نفس الوقت طالب مجمع غانغرا أن يخضع العبيد لسادتهم في الرب، ويشهدوا للإنجيل الحيّ فيهم، ولا يحاولوا الهروب من السادة، ولا استخدام العنف معهم[291]. [إن كان أحد يُعلم عبدًا – تحت مظهر التقوى – أن يحتقر سيده أو يترك خدمته، وألا يخدمه بنيه صالحة، فليكن أناثيما[292].]

خامسًا: الصلاة من أجل العبيد المأسورين. تشهد كتابات الآباء الرسوليين[293] وبعض الليتورجيات القديمة عن اهتمام الكنيسة الأولى منذ وقت مبكر بالمسبيين والذين في المناجم والمسجونين. يذكر القديس يوستين[294] جمع عطايا بعد القداس لخمسة فئات من بينهم الذين في القيود. ويشير أريستيدس[295] من بين فضائل المسيحيين، التعامل مع العبيد كإخوة وأخوات، وأيضًا تعاون المسيحيين لتحرير المسجونين من أجل اسم يسوع المسيح. ويذكر العلامة ترتليان الجمع الشهري للعطايا، الذي كان يوزع منها لاحتياجات العبيد المسنين، والذين في المناجم والنفي والسجون من أجل الإيمان. وأشارت الدسقولية إلى نفس الأمر. جاء في القديس إكليمنضس الروماني: [نسألك أيّها الرب، كن معيننا وحافظنا (مز ١١٩: ١١٤). خَلِّص الذين في أحزان... المأسورين أعتقهم؛ الضعفاء أنعشهم؛ صغيري القلوب عَزِّهم[296].]

سادسَا: العمل من أجل تحريرهم. أرسل القديس كبريانوس 100 ألفًا من السسترس Sesterces (عملة رومانية قديمة) إلى كنائس نوميديا Numidia لافتداء المسيحيين الذين أَسَرَتهم قبائل بربرية[297]. وأورد المؤرخ يوسابيوس فقرات من رسالة ديونيسيوس أسقف كورنثوس إلى أهل روما، موجهة إلى سوتير أسقف روما وقتئذ، جاء فيها، [لأنكم تعودتم من البداية أن تصنعوا الخير لكل الإخوة بطرقٍ مختلفةٍ، وترسلوا مساعدات لكنائس كثيرة في كل مدينة، وهكذا إذ تسدُّون أعواز المحتاجين، توفرون احتياجات الإخوة الذين في المناجم بالهبات التي أرسلتموها من البداية. فإنكم أيها الرومانيون تحافظون على عوائد الرومانيين الموروثة التي لم يتمسك بها أسقفكم المبارك سوتير فقط، بل أيضًا أضاف إليها مقدمًا إمدادات للقديسين، ومُشَجِّعًا الإخوة الذين من الخارج بكلمات مباركة كأب محبٍ لبنيه[298].]

لما كانت الكنيسة تهتم بتحرير العبيد بشرائهم، أعطى قسطنطين الكنيسة عام 331 حق تحريرهم بإجراء خاص داخل مبنى الكنيسة، مع تحقيق كل الآثار القانونية التي ترتبط بإجراءات القانون المدني. كما أعطى أيضًا للكنيسة حق حماية العبيد الهاربين إليها. يقول القديس إكليمنضس الروماني: [نحن نعرف من بيننا كثيرين أسلموا أنفسهم للقيود بإرادتهم ليخلصوا آخرين. كثيرون باعوا أنفسهم كعبيدٍ وأطعموا آخرين بالثمن الذي بيعوا به[299].]

8. ما هي نظرة الآباء للعبيد؟

هاجم القديس يوحنا الذهبي الفم الأغنياء من المسيحيين الذين يمتلكون ألفًا أو ألفين من العبيد[300]. ويرى أنه يمكن للمسيحي أن يكون لديه عبد أو اثنين لخدمة بيته وليس لإذلالهما[301]، كما أوضح أن العبودية ليست في خطة الله الأصلية[302]. وحثّ المسيحيين أن يساعدوا العبد على تعلُّم مهنة مُعيَّنة حتى يمكنه أن يعمل ويتحرَّر من العبودية. وأُعلن القديس غريغوريوس النزينزي أن العبودية هي سمة أثيمة، ومع ذلك فهي جزء من الواقع الحاضر[303]. ويقول القديس باسيليوس الكبير إنه ليس أحد بالطبيعة عبدًا. لكنه في نفس الوقت لم يطلب مقاومة نظام المجتمع، إذ يقول: [وإن كان إنسان ما يُجعَل سيدًا والآخر عبدًا، مع هذا فخلال نظرتنا الخاصة بالمساواة في الرتبة، نحن جميعًا قطيعًا لخالقنا، إخوة عبيد[304].] أما القديس غريغوريوس النيسي فهو أول لاهوتي يقوم بثورة فكرية ضد العبودية. جاء في عظته الرابعة على سفر الجامعة أساسًا لاهوتيًا لمقاومته للعبودية يتلخص في النقاط التالية:

* إن ظن أحد أنه سيد لجنسه، يحسب في نفسه أنه مختلف عن الخاضعين له.

* الطبيعة البشرية التي خلقها الله حُرَّة، لكل فردٍ حق أخذ قراراته المصيرية بنفسه.

* يجب التمييز بين الخليقة غير العاقلة وصورة الله ومثاله الكائن العاقل الحر.

* استحالة السيادة على صورة الله الحُرَّة، إذ لا يقدر إنسان أن يدفع ثمن آخر!

* من أنت يا من تظن أنك سيد لكائنٍ بشريٍ؟

9. ما هي الأسس التي قامت عليها ثورة القديس غريغوريوس النيسي؟

أولاً: [جميعنا متساوون بالطبيعة[305].]

ثانيًا: الله سيد الكل. [ألا تلاحظ بشاعة العجرفة؟... إذ يظن السيد في نفسه أنه شيء مختلف عن الخاضعين له؟][306]

ثالثًا: الطبيعة البشرية حُرَّة. ["اقتنيت عبيدًا وجوارٍ"... كأنك تتحدَّى القانون الإلهي وتحاربه[307].] [لقد نسيت حدود سلطانك، قانونك هو أن تسيطر على الأشياء غير العاقلة.]

رابعًا: أي ثمن دفعته لشراء عبيدك؟ [كم من العملات تظن أنك تُقَدِّر بها صورة الله؟]

خامسًا: هل يُبَاع العبد مع ما يمتلكه؟ إذ الأرض كلها ملكه!

سادسًا: كيف يُكتَب عقد بيع العبد؟

سابعًا: الاختلاف بين السيد والعبد هو اختلاف في اللقب لا غير.

ثامنًا: دعوة لعتق العبيد في عيد القيامة المجيد وذلك كما حررنا السيد المسيح بقيامته من عبودية الخطية.

وفي حديث أخر يؤمن القديس غريغوريوس بأن المجتمع المسيحي يليق به أن يلتزم بالمساواة، لذا يجب انتزاع العبودية وكل ظلمٍ من الجماعة الكنسية. [لتُمحَ الاختلافات الاجتماعية، فلا يوجد خضوع وسلطة، فقر وغنى فاحش، أشراف وعامة، أسرة مُنحطَّة وأسرة مُكَرَّمة، ولا مجال لعدم المساواة... لنحكم بالمساواة السياسية والتشريعية، وتوزع على كل واحدٍ في كمال الحرية، وبطريقة مملوءة سلامًا ليختار ما يريده[308].]


 

12. الإيمان المسيحي والحرية

1. هل وهب الله المخلوقات العاقلة السماوية والأرضية حرية الإرادة؟

وهب الله الطغمات السماوية والإنسان حرّية الإرادة كاملة، بهذا كل الخليقة العاقلة مسئولة عن تصرفاتها. لكن الشيطان خُلِق بدون جسد كالإنسان، فإذ سقط في التشامخ حُكِم عليه أبديًا. ولو لم يخطئ لبقي كالملائكة الأبرار يحيا إلى الأبد. أما آدم فكان له جسد قابل للموت. وحين أخطأ حُكِم عليه بالموت، ولكن ليس إلى الأبد، لأن الإنسان مُعَدّ للحياة والخلود. يوجد في الإنسان ديناميكية تدفعه إلى صنع الخير، وإلى الخلود، وفيه حنين يجعله يشعر بندمٍ إذا ما أضاع الخير.

إرادة الملاك مُجَمَّدة في الخير أو في الشر، فبعد أول عمل حرّ لم يعد الملاك الساقط يريد إلا الشر وغير قادر على غير ذلك؛ أما إرادة الإنسان فتتيح له أن يفعل هذا أو ذاك. وبأول عمل حرّ اختار آدم الموت، ولكن بسبب الحب الإلهي وإمكانية الخلود الذي فيه، استطاع أن يستعيد الحالة التي ضيَّعها وذلك من خلال قبوله وتجاوبه مع نعمة الله وخطة الله للخلاص.

يختلف البشر عن الملائكة، فهم مُعَدُّون للخلود. أمامهم يُفتَح طريق الخلاص، إن قبلوه بكامل حريتهم صار لهم حق التمتُّع بالخلود. بهذا لم يترك الله صورته تسير إلى الهلاك، إنما قَدَّم لها النعمة الإلهية القادرة أن تردها إلى الخلود.

هذا ومن جانب آخر، فإن الشيطان سقط بسبب كبريائه الذي تفاقم حتى بعد سقوطه مع تصميمه على الخطأ ومقاومة الله، أما الإنسان فسقط بغواية إبليس.

صوَّر القديس مار يعقوب السروجي موقف آدم بعد سقوطه، قائلاً:

[حسده الغاش وزرع فيه زرعًا مملوءً موتًا، إذ بدأ يظن أن المجد من عنده. ظن أن مجده من ذاته وليس من آخر.

قال في نفسه: ثمرة تلك الشجرة هي لي، أنا هو السيد، من يلزمني بأمره؟

ليس من ملك على الخليقة غيري.

بغى حتى نسي الله.

هذا هو الثمر الذي يُقَدِّم الموت لآكله.

بالفكرة آلتي سقط بها الشيطان، هدم رئيس جنس (البشر) من البدء،

زرع الزرع بفكر ممتلئ موتًا، وبه قتل ذلك الجبار المملوء حُسنًا.

شفق عليه بالمراحم ذاك المتحنن المملوء صلاحًا. وأخذ منه المجد الذي كساه به، وعراه من ثوب ذلك المجد حتى لا يتشامخ ويهلك تمامًا مثل الشيطان.

إذ أنزله من مكانته وضع أمامه المسكنة. إنك تراب وطين محتقر، وابن الغبار. لماذا تطلب أن تغتصب درجة ليست هي لك؟ إنك لم تخلق الخليقة جميعها، وهي ليست لك...

أنت تراب، فلا تبغ العظمة!

طين أنت، فلماذا تطأ بقدميك ما هو ليس لك؟...

أنت تراب، ولأنك بغيت فإلى ترابٍ تعود.]

ويقول القديس غريغوريوس النيسي: [أعطى الله الطبيعة العاقلة نعمة حرية الإرادة، وأنعم على الإنسان بالقدرة على تحديد ما يريده حتى يسكن الصلاح في حياتنا، ليس قسرًا ولا لاإراديًا بل نتيجة للاختيار الحُر. إن تمتعنا بحرية الإرادة يؤدى بنا إلى اكتشاف حقائق جلية. في طبيعة الأمور إذا ما أساء أحد استخدام مثل هذه الإرادة الحرة فإنه بحسب كلمات الرسول يصير مثل هذا الشخص مخترعًا لأعمال شريرة (رو 30:1)[309].]

ولازال يهبنا خالقنا حرية الإرادة في رجوعنا إليه وتبعيتنا له بعد أن تجسد وحلَّ بيننا، فإنه يُقدِّس الإرادة الموهوبة لنا. وكما يقول الشهيد كبريانوس: [إنه لم يُوَبِّخ الذين تركوه ولا هدَّدهم بطريقة عنيفة بل بالأحرى اتجه نحو تلاميذه قائلاً: "ألعلكم أنتم أيضًا تريدون أن تمضوا؟" (يو 6: 67)، محترمًا بالحق القانون الذي به يمارس الإنسان حريته ويبقى في حرية إرادته يختار الموت أو الخلاص[310].]

ويؤكد القديس جيروم تقديس حرية الإرادة الممنوحة لنا لنسلك في المسيح يسوع، قائلاً: [إنه لا يقول: "يجب أن تشربوا، يجب أن تجروا، أردتم أو لم تريدوا"، بل من كان راغبًا وقادرًا على الجري والشرب، فسيغلب ويرتوي[311].]

2. لماذا نسأل الله ولا نسعى نحن للغلبة على التجربة مادام كل شيءٍ في مقدورنا؟ ولماذا نجاهد لنحيا صالحين ما دامت القدرة على فعل هذا هي في يد الله؟

يقول القديس أغسطينوس: [لا يتجاسر أحد في دفاعه عن حرية الإرادة بطريقة بها يحاول أن يحرمنا من الصلاة القائلة: "لا تدخلنا في تجربة". ومن الجانب الآخر لا ينكر أحد الإرادة ويتجاسر فيجد عذرًا للخطية. لنلتفت إلى الرب في تقديمه الوصية، وفي تقديمه عونه، ففي كليهما يخبرنا عن التزامنا بالواجب، وعن مساندتنا في تنفيذه. فإن البعض يرتفعون إلى الكبرياء خلال ثقتهم المبالغ فيها في إرادتهم الذاتية، بينما يسقط آخرون في عدم المبالاة خلال المبالغة في عدم الثقة... من جانبٍ يلزمنا أن نشكره من أجل القوة التي يمنحنا إياها، ومن الجانب الآخر يلزمنا أن نصلي لكي لا تفشل قوتنا الصغيرة تمامًا. إنه ذات الإيمان عينه العامل بالمحبة (غلا ٥: ٦)، حسب القياس الذي يهبه الرب لكل إنسانٍ، حتى أن من يفتخر لا يفتخر بذاته بل في الرب (١ كو ١: ٣١)[312].]

3. ما ارتباط حرية الإرادة بملكوت الله الذي يُقَام داخلنا بالنعمة الإلهية؟

يقول القديس كيرلس الكبير: [انظروا، فإن ملكوت الله هو داخلكم. يقول لا تسألوا عن الأزمنة التي فيها يأتي ملكوت الله (لو 17: 20-36)، وإنما كونوا مشتاقين أن توجدوا متأهِّلين له، لأنه في داخلكم، أي يعتمد على إرادتكم، وفي سلطانكم أن تقبلوه أو ترفضوه. كل إنسان يقبل التبرير بالإيمان بالمسيح ويتزيَّن بكل فضيلة، يُحسَب أهلاً لملكوت السماوات[313].]

4. ما هو دور النعمة الإلهية في تقديس الإرادة مقابل دور الشيطان في انحرافها؟

يقول القدّيس جيروم: [لنسأل هؤلاء الهراطقة الذين يؤكِّدون وجود طبيعتين متعارضتين، إذ يفهمون كما لو أن الشجرة لا يمكن أن تأتي بثمر رديء (حتى إن انحرفت)، إذ كيف أمكن لموسى - الشجرة الصالحة - أن يخطئ عند ماء الخصومة؟ (عد 20: 12) أو كيف أنكر بطرس الرب عند آلامه، قائلاً: لا أعرف الرجل (مت 26: 74)؟ أو كيف أمكن لحمى موسى - الشجرة الرديئة - الذي لا يؤمن بإله إسرائيل أن يقدّم مشورة صالحة (خر 18: 19-25)[314]؟]

5. ما هي عجلة القيادة التي تُحرِّك إرادة الإنسان؟

يُسلِّم الإنسان الروحي إرادته لروح الله ليقودها، أما الإنسان الجسدي فيسلكها لرغباته وشهواته الجسدية. والإنسان الطبيعي يتجاهل نعمة الله ويظن أنه قادر على توجيه كل طاقاته الداخلية وسلوكه الخارجي حسبما يريد.

الإنسان الروحي هو الشخص الحار في العبادة والمشتعل بحب الله. والجسداني هو الذي له ضعفات واضحة في حياته لا يتحرر منها. والطبيعي هو الشخص الفاتر الذي يظن في نفسه إنه غير محتاج إلى نعمة الله ومساندته. وهو إنسان تخدعه شكليات مُعَيَّنة، كأن يكون حافظًا للكتاب المقدس أو واعظًا مؤثرًا يهز قلوب كثيرين أو مكتفيًا بكونه راهبًا... أو له صور مُعَيَّنة من العبادة أو الخدمة، دون أن يعيش كإنسانٍ تائبٍ منسحق القلب مُتمتِّع بعشرة الرب. وهذا الصنف خطير لأن خارجه يخدع الآخرين بل ويخدع نفسه.

يقول الأب دانيال[315]: [يتحدث الكتاب المقدس عن ثلاثة أنواع من الأرواح: الجسداني، والطبيعي، والروحاني. فيقول الرسول عن الجسداني "سقيتكم لبنًا لا طعامًا، لأنكم لم تكونوا بعدُ تستطيعون، بل الآن أيضًا لا تستطيعون، لأنكم بعدُ جسديُّون." (1 كو 3: 2-3). وأيضًا "إذ فيكم حسد وخصام وانشقاْق أَلستم جسديّين؟" أما عن الطبيعي فيقول: "لكن الإنسان الطبيعي لا يقبل ما لروح الله لأنهُ عندهُ جهالة" (1 كو 14:2). أما عن الروحاني فيقول: "وأمَّا الروحيُّ فيَحكم في كلّ شيءٍ وهو لا يُحكَم فيهِ من أحدٍ" (1 كو 15:2). وأيضًا "فأصلحوا أنتم الروحانيين مثل هذا بروح الوداعة" (غل 1:6)...

يقول القديس أنبا أنطونيوس: [لا نعتبر الأحرار هم أولئك الأحرار بحسب مركزهم، بل الذين هم بحق أحرار في حياتهم وطبعهم... حرية النفس وطوباويتها هما نتيجة النقاء الحقيقي والازدراء بالزمنيات[316].] وأيضًا [الإنسان الحُرّ هو ذاك الذي لا تستعبده الملذات، بل يتحكَّم في الجسد بتمييز صالح وعفة، قانعًا بما يعطيه الله، مهما كان قليلاً، شاكرًا إياه من كل قلبه[317].]

6. لماذا هاجم القديس إكليمنضس السكندري الوثنية؟

هاجم القديس إكليمنضس السكندري الوثنية، لأنها تفسد الحرية الإنسانية بوسيلة أو أخرى. فيتحدث عن أورفيوس Orpheus كيف أفسد بأغانيه "حرية البشرية الجميلة تحت السماء"، لكي يجعل من البشر عبيدًا لخزعبلات وأسحار شيطانية[318].

يفسر القديس إكليمنضس دعوة السيد المسيح للمؤمن أن يترك أباه وأمه ليتبعه بطريقة رمزية. فالمؤمن يترك العالم، أي أمه، ويتخلَّى عن أبيه، أي القوانين التي ضد الإيمان، من أجل تمتُّعه بالصداقة مع الله ليكون على يمين المذبح[319]. بهذا يتمتَّع المؤمن بحرية الإرادة ليختار ما يليق به.

7. لماذا يَقْبَل المؤمن الاستشهاد بفرحٍ؟

يشعر المؤمن بالاعتزاز بالتمتع بحرية الإرادة، حيث يختار التبعية للسيد المسيح والتلمذة له بكامل اختياره، ولو كانت التكلفة استشهاده! يرى مينيكس فيلكس أن قبول الاستشهاد بفرحٍ، ومواجهه الموت بقوة، هو "تأكيد للحرية الحقيقية"[320]. إذ يقول: [يا له من مشهدٍ مدهشٍ للرب عندما يواجه المسيحي الألم، وهو مستعد أن يحارب ضد التهديدات والعقوبات والعذابات؛ عندما يضحك ويسخر بتحطيم الموت ورعب الجلادين، ويؤكد حريته الشخصية ضد ملوك ورؤساء، ويُسَلِّم نفسه لله وحده، الذي إليه ينتمي، وكغالبٍ يتحدى القاضي الذي أصدر الحكم ضده![321]]

كما يقول: [الإنسان حُرّ، بحسب ناموس الكلمة الكل أحرار، فإنه وإن هدده طاغية بالموت، وإن ألُقي به في السجن، وتعرض لخطر الموت، أو تعرض لفقدان كل شيءٍ، لن يتخلَّى عن عبادة الله، أيا كانت الوسائل المستخدمة ضده[322].]

8. ما هو دور حرية الإرادة في حياة الإنسان؟

إذ يضع المسيحيّون - مثل أثيناغوراس - الخالق كمركز لفلسفتهم، يلزمهم تأكيد أهمية الإنسان وحرّيّة إرادته[323]. هذه الحرّيّة تجعلنا أمام مسئوليّة، فنُدَان عن كل تصرف يصدر عنّا. فإن سقط الإنسان في الشرّ يُدَان، ويلقى في نار أبديّة، لأن نفسه لا تفنى، وإن التصق بالله يعيش الإنسان في حياة أبديّة سماويّة.

9. هل حرية الإرادة عطية أم التزام؟

حرية الإرادة عطية إلهية ثمينة، وفي نفس الوقت التزام أن نحرص على حرية إرادة الخاضعين لنا، سواء كانوا أعضاء في الأسرة أو مرؤوسين لنا في العمل أو خدم. نرد عطية الله لنا في من نلتقي بهم. يرى القديس أغسطينوس أنه حتى في ظل وجود نظام العبيد، يليق بالمؤمن ألا ينخدع بما له من حق إصدار الأوامر لمن هم تحته، خاضعين له. إنما في نوعٍ من الأبوة أو الأمومة يشعر أنه مسئول عن الخاضعين له من كل الجوانب الروحية والمادية والنفسية. وكأن وجود العبد ليس فرصة للراحة على حساب الغير، إنما يتحمل السيد مسؤولية هذا العبد كأخٍ له، بل يكون السيد خادمًا لعبده.

يقول القديس أغسطينوس: [حتى أولئك الذين يصدرون الأوامر هم خدام لمن يأمرونهم، إذ هم لا يأمرون بدافع شهوة السلطة، بل يلزم الاهتمام بمصالح الآخرين، ليس في كبرياءٍ، بل بمحبة الاعتناء بالغير[324].] كما يقول: [يليق بالإنسان أن يبدأ ببيته، فهذا الجزء الصغير يُكَوِّن المجتمع المدني، وكل بداية موجهة إلى نهاية من نوعها. وكل جزء يساهم في كمال الكل الذي يكون جزءًا منه. بمعنى آخر فإن السلام العائلي يساهم في سلام المدينة. بمعنى أن الانسجام اللائق بين الذين يعيشون معًا في منزل فيما يتعلق بإعطاء الأوامر وطاعتها يساهم في الانسجام اللائق فيما يتعلق بالسلطة والطاعة من المواطنين[325].]

ويقول أيضًا: [يقول القديس بولس عن فليمون: "الذي كنت أشاء أن أمسكه عندي لكي يخدمني عوضًا عنك في قيود الإنجيل، ولكن بدون رأيك لم أشاء أن أفعل شيئًا، لكي لا يكون خيرك على سبيل الاضطرار بل على سبيل الاختيار". وجاء في سفر التثنية "انظر قد جعلت اليوم قدامك الحياة والخير، الموت والشر... فاختر الحياة لكي تحيا أنت ونسلك" (تث ٣٠: ١٥، ١٩). وأيضًا في سفر ابن سيراخ: "هو صنع الإنسان في البدء وتركه في يد اختياره... فإن شئت حفظت الوصايا ووفيت مرضاته. وعرض لك النار والماء فتمد يدك إلى ما شئت" (سي ١٥: ١٤، ١٧). هكذا أيضًا نقرأ في سفر إشعياء "إن شئتم وسمعتم تأكلون خير الأرض، وإن أبيتم وتمردتم تؤكلون بالسيف، لأن فم الرب تكلم"  (إش ١: ١٩-٢٠)... فإننا لا نبلغ إلى الغاية بغير إرادتنا، ولكن لا نستطيع أن نكمل الغاية ما لم ننل المعونة الإلهيّة[326].]

10. ما مفهوم "ليس لمن يشاء ولا لمن يسعى، بل لله الذي يرحم"؟

يقول القديس جيروم: [لنتحقق ماذا يعني هذا؟ إن الأمر ليس بخصوص من يشاء أو من يسعى، وإنما بخصوص الله الذي يرحم. فإن كنا لا نشاء ولا نسعى، فالله لا يأتي ليعيننا. فمن جانبنا يلزمنا أن نشاء وأن نسعى فيتراءف علينا، لكن إن نام المصارع يفقد النصرة[327].]

11. ما علاقة الإيمان والنعمة الإلهية بحرية الإرادة؟

يقول القدّيس جيروم: [من جانبنا نحن نقبل حريّة الإرادة هذه بسرورٍ، لكنّنا لن ننسى أن نشكر العاطي، مدركين أننا نصير بلا قوّة ما لم يحفظ الله عطاياه فينا على الدوام... المشيئة هي منّا، والسعي أيضًا من جانبنا، لكن بدون معونة الله المستمرة لا تكون لنا مشيئة ولا سعي. يقول المُخَلِّص في الإنجيل: "أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل" (يو 5: 17). إنه دائم العطاء، مانح باستمرار. لم يكتفِ بأن يهب النعمة مرة واحدة، إنما يُقَدِّمها على الدوام. إنني أطلب لكي أنال، وإذ أنال أعود فأطلب ثانية، إذ أنا طامع في غِنَى الله، وهو لا يمتنع عن العطاء، وأنا لا أكف عن الأخذ. كلما شربت عطشت، إذ أسمع تسبحة المرتّل: "ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب" (مز 34: 8). كل صلاحٍ نناله هو تذوُّق للرب[328].]

كما يقول القدّيس جيروم أيضًا: [حيث توجد النعمة، فإنها لا توهب عن أعمال، بل هي عطيّة مجّانية من العاطي... ومع ذلك فلنا أن نشاء أو لا نشاء، إنما الحرّية عينها التي لنا هي مُقَدَّمة لنا برحمة الله[329].]

حينما تحدث القديس إكليمنضس السكندري عن الإيمان والحرية الإنسانية، أَكَّد أن الحرية الإنسانية والعقل كلاهما هبة إلهية، لا يقدران أن يُقَدِّما للإنسان حياة الشركة دون العون الإلهي. فإن كان الإيمان من صنع الإرادة الحرة، لكنه هبة إلهية[330]. إنه يشبه لاعب الكرة الذي له الحرية أن يمسك بالكرة أو يرفض، لكنه لا يقدر أن يمسك بها ما لم تُقذَف إليه[331]. هكذا يمكننا أن نمسك بالإيمان أو نرفضه، لكننا في حاجة إلي يد الله تُقَدِّمه لنا. هذا الفكر استقاه تلميذه العلامة أوريجينوس الذي تحدث بفيضٍ عن نعمة الله المجانية مؤكدًا: [ليس شيء من عطايا الله للبشرية يُعطَى كوفاء لدين، بل كلها تُعطَى من قبيل نعمته[332]]. وفي نفس الوقت يؤكد: [إن نُزِع عنصر حرية الإرادة عن الفضيلة يتدمر كيانها[333].]

12. هل عبوديتنا لله تُقَيِّد من حريتنا؟

الحرّية التي نمارسها لا تتحقَّق عن اضطرار، إنما تُمارَس خلال الحب "من القلب" بكمال إرادتنا. فالحرّية في المسيح هي عبودية للبرّ (رو 6: 18)، لكنها عبودية الحب الاختياري وليس عبودية العنف الإلزامي؛ عبودية النضوج والالتزام بلا استهتار أو تسيُّب! يقول القدّيس أغسطينوس: [لا يقل المسيحي أنني حرّ، أفعل ما يحلو لي، ليس لأحد أن يكبح إرادتي مادمت حرًا. إن كنت بهذه الحرّية ترتكب خطيّة فأنت عبد للخطية. لا تفسد حريتك بالتحرُّر للخطية، إنما لاستخدامها في عدم ارتكاب الخطيّة. "فإنكم إنما دُعِيتم للحرّية أيها الإخوة، غير أنه لا تُصيِّروا الحرّية فرصة للجسد بل بالمحبّة اخدموا بعضكم بعضًا" (غل 5: 13)[334].]

كما يقول أيضًا القديس أغسطينوس: [الإنسان الصالح وإن كان عبدًا فهو حر، أما الشرير فحتى إن كان ملكًا فهو عبد[335].]

13. هل المعمودية تهبنا الحرية؟

يقول القديس مرقس الناسك: [تهبنا المعمودية المقدسة حرية كاملة، ومع ذلك فإن للإنسان مطلق الحرية والإرادة، إما أن يُستعبَد مرة أخرى برباطات شهوانية، أو يبقى حرًا في تنفيذ الوصايا. فان التصق بالفكر إحدى الشهوات، فهذا من عمل إرادتنا الخاصة، وليس رغمًا عنا. إذ يقول الكتاب إنه قد أُعطى لنا سلطان "هادمين ظنونًا" (2 كو 5:10)... ويكون الفكر الشرير، بالنسبة لمن يهدمونه، علامة على حبهم لله وليس للخطية. لأن وجود الفكر الشرير ليس فيه خطية، إنما تكمن الخطية في حديث العقل معه حديث ود وصداقة. إننا لسنا مُغرمين بالفكر الشرير، فلماذا نتباطأ نحن فيه؟ فما نبغضه من كل القلب، يستحيل أن تطيل قلوبنا الحديث معه، إلا إذا كانت لنا شركة خبيثة معه؟!]


 

13. الثروة والأغنياء في الإيمان المسيحي

1. هل للمؤمن حق الملكية الخاصة؟

يصف القديس لوقا البشير حال الكنيسة في عصر الرسل، قائلاً: "وجميع الذين آمنوا كانوا معًا وكان عندهم كل شيء مشتركًا" (أع 2: 44)، كما قال: "وكان لجمهور الذين آمنوا قلب واحد ونفس واحدة ولم يكن أحد يقول إن شيئًا من أمواله له، بل كان عندهم كل شيء مشتركًا" (أع 4: 32). فهل منعت الكنيسة حق الملكية الخاصة، إذ خلال هذا الحق تظهر عدة طبقات مثل الأغنياء ومتوسطي الحال والفقراء والمعدمين تمامًا.

في العهد القديم نجد إبراهيم أب كل المؤمنين كان غنيًا جدًا (تك 13: 2)، لكنه عُرِف بحُبِّه لاستضافة الغرباء، كما اتَّسم بالعطاء حتى قَدَّم ابنه ذبيحة حب لله، هذا بجانب تواضعه ووداعته. وفي العهد الجديد انتقد السيد المسيح الغني الغبي، ليس لأنه غني، وإنما لأنه كان متكلاً على المال لا على الله (لو 12: 20). كما انتقد الغني الذي لم يُبالِ بلعازر الفقير، ليس من أجل غناه، وإنما من أجل قسوة قلبه وعدم مبالاته بالفقير. وانتقد الرسول يعقوب الأغنياء من أجل ظلمهم للعمال الأجراء (يع 5: 4)، كما انتقد الكنيسة متى سلكت في محاباة للأغنياء (يع 2: 1-6). لا ننسى أن الرب قبل تقدمة يوسف الرامي الغني حين قَدَّم قبره كي يُدفَن فيه جسده. والكنيسة في ليتورجياتها تصلي للأغنياء كما للفقراء. جاء في قداس القديس غريغوريوس: [رحمة للتائبين، صلاحًا للأغنياء. وداعة للفضلاء، معونة للمساكين.] يربط القداس الإلهي الأغنياء بالتوبة، ليعلن عن حاجتهم كإخوتهم لحياة التوبة، ويربط الفقراء بالفضلاء، ففضيلتهم ليست الفقر بل السلوك الروحي في المسيح يسوع.

2. هل الملكية الخاصة شرّ؟

لم يدن آباء الكنيسة الملكية الخاصة، إنما أدانوا إساءة استخدامها وإفسادها. يقول هرماس (من الآباء الرسوليين): [استخدم مالك كما يتطلب حالك في الحياة، ليُسَبِّب لك سعادة. لا تسلب ولا تطمع في ما لغيرك بأية وسيلة[336].] وأبرز القديس إكليمنضس السكندري بركات ملكية الثروات متى اُستخدمت في مساندة المحتاجين. وأن الثروة لا تُستخدَم لتمتعنا الفارغ، وإنما للصالح العام[337]. وقَرَّر لكتانتيوس أن العدالة الكاملة تكمن في استخدام الثروة، لا للمتعة الشخصية، وإنما لمصلحة الكثيرين[338].

في أواخر القرن الرابع إذ ساء حال الكثيرين اقتصاديًا واجتماعيًا، هاجم بعض الآباء بقوة لا الملكية الخاصة، وإنما تجميع هذه الثروات بطريقة مُبالَغ فيها على حساب الآخرين، كما هاجموا أسلوب الحياة المترفة مع عدم المبالاة بالفقراء، لكنهم لم يرفضوا الملكية الخاصة ولا هاجموها.

أ. يتطلع الآباء إلى الملكية، لا بكونها امتلاك بل إدارة الأموال كوكلاء أمناء[339].

ب. يُمَيِّزون بين الملكية الخاصة واشتهاء ما للغير.

ج. يرى القديس أغسطينوس أن المؤمن العاجز عن التنازل عن ممتلكاته يلزمه التنازل عن حُبِّه لها[340]. ويعتبر العلامة أوريجينوس أن الطمع صورة من صور الوثنية. ويرى القديس كبريانوس في الجشع عبودية للأموال، وحرمان من حرية أولاد الله[341]. ويرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الإنسان البخيل يعبد المال، وله أن يختار بين عبادة شيطان المال والسيد المسيح[342].

د. يرى القديس غريغوريوس النيسي مع قبولنا حق الملكية الخاصة يلزمنا ألا نؤيد هذا الحق بطريقة مطلقة، إذ يجب على المؤمن أن يضع في الاعتبار قوة الله وحق الآخرين في المشاركة. فالملكية الخاصة لها دورها الروحي كما لها عملها الاجتماعي. أما التفاوت الشاسع بين الطبقات – في نظره – فنابع لا عن حق الملكية الخاصة، بل عن أنانية الإنسان وافتقاره إلى الضمير الإنساني.

ه. يُمَيِّز القديس يوحنا الذهبي الفم بين مجموعتين من الممتلكات، الممتلكات العامة قَدَّمها الله لكل البشرية كالهواء والشمس والمياه الخ. وهي أمور أساسية وضرورية للحياة، ليس لأحد أن يدَّعي ملكيته الخاصة لها. أما الأمور غير الضرورية فسمح أن تكون ملكية خاصة كالذهب والفضة والحجارة الثمينة الخ. حتى يمارس الأغنياء حبهم للفقراء، ويقدم الفقراء شكرهم للأغنياء.

3. هل تهاجم الكنيسة حق الإنسان في الملكية خاصة؟

اعتادت الكنيسة في معالجتها للأمور أن تُقَدِّم الجوانب الإيجابية قبل مهاجمتها، فتحثّ على الحب قبل مهاجمتها للكراهية والحقد والحسد. وإذ نشأت المجتمع الكنسي حثَّت على حياة الشركة والعطاء بسخاء ولم تهاجم حق الإنسان في الملكية خاصة. اهتمت بطريقة استخدام المؤمنين للممتلكات فيما هو لبنيان الجماعة وسعادة الأفراد في الرب.

يرى القديس أمبروسيوس أن كل شيءٍ خُلِق للاستخدام العام، ويحق لكل شخصٍ أن يتمتَّع بخيرات الأرض. وأن الملكية الخاصة تخلق عدم مساواة[343].

في نظر القديس أغسطينوس، الإنسان التقي يُمَيِّز بين استخدام الشيء والتلذُّذ به. فيستخدم ما يلزم استخدامه، ويتمتع بما يلزم التمتُّع به، دون الخلط بينهما، إذ يقول:

[أن نتمتَّع بأي شيء يعني أن نلتصق به بقوة لأجل الشيء في ذاته. وأما أن نستخدم شيئًا فهو أن نوظف ما نناله، لنحصل على ما نحتاج إليه، بشرط أن يكون من اللائق بنا أن نحتاجه[344].]

[لا تظن أن الفضة أو الذهب يجب أن يُلاما بسبب الجشعين، ولا الطعام والخمر بسبب النهمين والسكارى، ولا الجمال النسائي بسبب الزناة والفاسقين. وهكذا في كل الأمور الأخرى، خاصة حينما ترى طبيبًا يستخدم نارًا بطريقة صالحة بينما قاتل يستخدم خبزًا به سم لتنفيذ جريمته[345].]

[إذ فقد أيوب كل غناه وبلغ إلى أقصى الفقر، احتفظ بنفسه غير مضطربة، مُرَكِّزًا على الله ليظهر أن الأمور الأرضية ليست بذات قيمة في عينيه، بل كان هو أعظم منها، والله أعظم منه. فلو أن أناس أيامنا هذه لهم ذات الفكر، لما كنا قد مُنعنا بإصرارٍ في العهد الجديد من امتلاك هذه الأشياء لكي ما نبلغ الكمال. لأن امتلاكنا مثل هذه الأشياء دون التعلق بها لشيء جدير بالثناء أكثر من عدم امتلاكها نهائيًا[346].]

يرى القديس أغسطينوس أنه يليق بنا أن نستخدم ما لدينا ولا ندعها تستخدمنا، أو كما يقول: "امتلك الزمنيات ولا تدعها تمتلكك." فمن كلماته في هذا الأمر: [يوجد في الكنيسة الجامعة عدد ضخم من المؤمنين لا يستخدمون الخيرات الدنيوية، ويوجد آخرون يستخدمونها وكأنهم لا يستخدمونها، كما قال الرسول (1 كو 7: 31). هذا ظهر عندما أُلزِم المسيحيون على عبادة الأوثان في وقتٍ ما، فكم من أثرياء وأصحاب بيوت وتجار وجنود، وكم من قادة مدنيين وأشراف، من كلا الجنسين تعذَّبوا من أجل الإيمان والتقوى، تخلُّوا عن كل تلك الخيرات الباطلة الزمنية التي كانوا يستخدمونها، ولكنهم لم يُستعبَدوا لها. بهذا أثبتوا لغير المؤمنين أنهم امتلكوا هذه الأشياء دون أن تمتلكهم[347].] كما يقول: [أية راحة يُمكِن لهذه (الممتلكات) أن تجلبها، عندما يكون من الأفضل ألا نحتاج إليها من ألا نتمسَّك بها؟ وعندما يُعَذِّبنا الاشتياق الشديد لامتلاكها بل ويكون العذاب أعظم من الخوف بأن نفقدها بعد أن نمتلكها؟ ليس بمثل هذه الممتلكات يصير الناس صالحين، وإنما بعدما يصيرون صالحين يجعلون هذه الأشياء صالحة باستخدامها بطريقة صالحة. لذلك لا توجد راحة صادقة في هذه الأشياء، بل بالأحرى توجد الراحة حيث توجد الحياة الحقيقية. وسعادة الإنسان تأتي بالضرورة من ذات مصدر صلاحه[348].] [على الرغم من امتلاك (بعض) المسيحيين الأغنياء ثروات، لكنها لا تمتلكهم، لأنهم بالحق تخلُّوا عن العالم في قلوبهم، ولا يلقون رجاءهم على مثل هذه الممتلكات. إنهم يستخدمون نظامًا سليمًا في تدريب زوجاتهم وأبنائهم وكل أهل بيوتهم أن يتمسكوا بالدين المسيحي؛ تفيض بيوتهم بكرم الضيافة... ويُقَدِّمون خبزًا للجائعين، ويكسون العرايا، ويفتدون الأسرى، مدخرين لأنفسهم أساسًا حسنًا للمستقبل لكي يتمسكوا بالحياة الأبدية (1 تي 6: 19).[349]] [إن أَردنا أن نرجع إلى بلدنا الأصلي حيث توجد سعادتنا، يلزمنا أن نستخدم هذا العالم، لا أن نتمتَّع به، لكي ما نرى "أمور الله غير المنظورة مُدركَة بالمصنوعات" (رو 1: 20). بمعنى أننا ندرك الأبدي الروحي من خلال ما هو جسدي وقتي.[350]]

4. لماذا توجد أشياء ملكية عامة وأخرى خاصة؟

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ماذا يعنى الرسول عندما يقول: "بل على الله الحي الذي يمنحنا كل شيءٍ بغنى للتمتُّع" (ا تي 6: 17)؟ يعطينا الله بفيض كل الأشياء الضرورية أكثر من المال مثل الهواء والماء والنار وأشعة الشمس والأشياء التي من هذا النوع. ومع ذلك لا يمكن القول إن الغني لديه أشعة شمس أكثر من الفقير، ولا يمكن القول إن الغني يتنفس هواء أكثر من الفقير. كل هذه الأشياء مُتاحة للكل بطريقة مشتركة وبالتساوي. لماذا خلق الله الأشياء الأعظم والأهم، تلك التي تمدنا بالحياة، مشتركة للجميع، بينما الأشياء الأقل والدنيئة جدًا أي المال ليس مشاعًا للناس. هذا هو ما أود أن أسأله. لكي يصون حياتنا ويفتح أمامنا طريق الفضيلة، ومن ناحية أخرى لو لم تكن ضروريات الحياة مشتركة، لاستولى عليها الأغنياء بطمعهم المعتاد، وحرموا منها الفقراء. لأنهم إن كانوا قد فعلوا هذا مع الأموال، فكم بالأحرى كانوا يفعلون ذات الأمر مع هذه الأشياء. ومن ناحية أخرى لو كان المال مشاعًا ومتاحًا للجميع، لما كانت توجد فرصة لتقديم الصدقات، ولما وُجِد حافز لعمل الخير[351].] كما يقول: [أخبرني من أين جاءت ثروتك؟ ممن؟ من جدي، ومن والدي. هل يمكنك أن تصعد إلى عدة أجيال وتثبت لي أن ثروتك شرعية؟ كلا! لا تستطيع ذلك. إذ يجب أن تبلغ إلى المصدر، وأن يكون غير ملوثٍ بالظلم. وكيف؟ لأن الله هو مصدر الأصل، وهو لم يخلق غنيًا وفقيرًا، ولم يعطِ أحدًا كتلة من ذهبٍ في غفلة من الآخر، بل سَلَّم الجميع نفس الأرض. وإن كانت الأرض مشاعة، فكيف يمتلك الواحد الكثير من المساحات والآخر لم يحصل حتى على قطعةٍ واحدةٍ، تجيب أبي قد نقلها إليّ. وممن هو استلمها؟ من أسلافه. غير أنه يجب الرجوع حتى تعرف البداية. يعقوب أصبح غنيًا، لكن بالحصول على مكافأة المشاق التي تحملها. ومع ذلك لا أريد البحث في هذه المصاعب، إن كانت الثروة نقية من كل سلبٍ أو غير مشروعة، فأنت غير مسئول عما ورثته من مكاسبٍ غير مشروعة عن والدك... فإن كان صاحبها لم يحصل عليها ظلمًا، وأعطى جزءً منها للمحتاجين، لكنه إن رفض ذلك تكون الثروة رديئة ومملوءة بالفخاخٍ. لكن طالما لا تُسَبِّب شرًا فهي ليست رديئة حتى ولو لم تكن سببًا للخير. فليكن! أليس الشرّ هو الانفراد بأخذ ما يخص الله، والاستمتاع الفردي الأناني بما يخص الجميع؟ أليست الأرض ملكًا لله؟ ثرواتنا تخص ربّ العالم فهي تخص البشر الذين يخدمون مثلنا، فإن كل ما يخص السيد هو لاستعمال الجميع[352].]

5. هل الملكية الخاصة ليست مطلقة!

يقول القديس باسيليوس الكبير: [تذكر نفسك – من أنت؟ على أية وكالة أنت؟ ممن استلمتها؟ ولماذا فُضِّلت على الكثيرين؟ لقد جُعِلت كاهنًا (خادمًا) لإله رؤوف، وكيلاً على العبيد زملائك. فلا تظن إذن أن كل هذه الأمور قد قُدِّمت لك لأجل بطنك. الثروة التي في يديك تخص الآخرين، فكر هكذا. لن تبهجك طويلاً، إذ سرعان ما تُسحَب منك وتذهب عنك، وتُسأل أن تعطي حسابًا دقيقًا عنها. فإن وضعتها خلف الأبواب وخبأتها، فالتفكير فيها يجعلك لا تنام بالليالي[353].]

6. ما ذا يعني الاهتمام بالصالح العام؟

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [هذا هو قانون كمال المسيحية الأعظم، ومفهومها في أكثر دقةٍ، وعلى أعلى مستوى، أعنى طلب الصالح العام. يُقَرِّر بولس نفسه هذا إذ يقول: "(كونوا متمثلين بي) كما أنا أيضًا بالمسيح" (1 كو 11: 1). ليس ما يجعلنا متمثلين بالمسيح أكثر من اهتمام الإنسان بإخوته، فإنك وإن كنت تصوم أو تفترش أرضًا، أو تتعرَّض للموت، ولا تفكر في أخيك لست تفعل شيئًا عظيمًا. على الرغم من كل ما تفعله، فإنك لا تزال تقف بعيدًا عن مثال المسيحي الكامل.[354]]

ويقول القديس باسيليوس الكبير [في العلاقات، الاجتماعات والحياة المشتركة يتضح ضرورة ميل الإنسان لمشاركة ممتلكاته في مساعدة المحتاجين. "من سألك فأعطه" (مت 5: 42). يطلب الرب منا أن نكون مستعدين أن نعطي من يسألوننا لأجل الخير وأن نفكر في احتياج كل واحدٍ يسألنا.[355]] كما يقول: [اقتدِ بالأرض؛ أثمر كما هي تثمر! هل مكانتك البشرية أقل شأنًا مما لا حياة فيه؟ فالأرض تأتي بثمر لا لمسرتها ولكن لخدمتك؛ فتستطيع أنت أن تحصد لنفسك ثمار الكرم، لأن مكافأة الأعمال الصالحة ترجع إلى الذين يؤدونها. فإن أعطيت الجائعين تصبح العطية ملكًا لك، وترجع إليك بما هو أكثر. وكما أن الحنطة التي تسقط على الأرض تتحوَّل لنفع الإنسان الذي تركها تسقط، هكذا أيضًا الحبوب التي تُقَدِّمها للجائعين تجلب لك ربحًا مائة ضعف فيما بعد. اجعل نهاية الزراعة (الحصاد) بداية لبذر الحب السماوي. يقول الكتاب المقدس: "ازرعوا لأنفسكم بالبرّ" (هو 10: 12).[356]]

7. ما هي نظرة المؤمن للمقتنيات الخاصة؟

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [الثروة ليست ملكًا لنا، إنها ليست مقتنيات، بل هي قرض للاستخدام. كيف تزعم بأنها مقتنيات بينما عندما تموت –أردت أو لم ترد- يذهب كل شيءٍ إلى آخرين، وهم بدورهم يتركونه لآخرين مرة أخرى. فكلنا رُحَّل... الملكية في الواقع ليست إلا كلمة، فكلنا نملّك لكن لكي يقتنيها أناس آخرون... فالثروة ليست ملكنا، والمقتنيات ليست ممتلكات بل هي قرض. الفضيلة وحدها قادرة أن ترحل معنا وترافقنا في العالم العلوي.[357]] كما يقول: [أليست الأرض وملؤها لله؟ فإن كانت ممتلكاتنا تخص الرب الذي هو عام للكل، فهي أيضًا تخص العبيد رفقاءنا. ممتلكات الرب عامة للكل.[358]]

8. لماذا لا يستريح بعض الآباء للكلمتين: لي ولك؟

يرى القديس باخوميوس أب الشركة أن هاتين الكلمتين تفسد الدير والحياة الرهبانية. ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لاحظ كيف أنه لا يوجد نزاع على الأشياء المشتركة، بل الكل يستخدمها في سلام. لكن بمجرد محاولة أحد أن يقتني شيئًا، ويجعله حكرًا له، يظهر النزاع. كما لو كانت الطبيعة نفسها تحتج على هذا التصرف. فبينما يجمعنا الله بكل وسيلة، نسعى نحن لننقسم وننفصل عن بعضنا البعض، وذلك عن طريق تخصيص أشياء مع استخدام الكلمتين الباردتين "لي ولك". عندئذ تظهر الصراعات والبغضة، وحيث لا يحدث هذا لا يظهر نزاع أو صراع.[359]]

9. كيف نكون أمناء في الأرضيات؟

أولاً: أن نستخدمها من أجل نوال الخيرات الأبدية. يقول القديس أغسطينوس: [كل إنسان يستخدم هذه الخيرات بطريقة سليمة يجدها قد خُلِقَت لتخدم الإنسان لكي ينال خيرات أوفر وأفضل، أي ينال سلام الخلود والمجد والكرامة في حياة أبدية، مُتمتِّعًا بالله. أما من يُسيء استخدام هذه الخيرات الأرضية، فسيفقدها، ومن ثم لا ينال عطايا السماء الفضلى![360]

ثانيًا: لا نخشى الغنى بل الجشع. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لنتعلَّم من دروس الحكمة الحقيقية ونقول إننا لا نمنع طلب الغنى، وإنما نمنع الثروات المكتسبة بطريقة غير مشروعة. فإنه لأمر شرعي أن تكون غنيًا، لكن بدون طمعٍ ولا نهبٍ ولا عنفٍ، وبدون سمعةٍ رديئةٍ لدى كل الناس.[361]]

ثالثًا: العمل لحساب الصالح العام. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يلزم كل واحدٍ أن يستخدم بالكمال كل ما لديه لأجل الصالح العام. فإن كان لديك حكمة أو قوة أو غنى أو أي شيءٍ آخر، فلا يكون ذلك لدمار العبيد زملائك ولا لدمارك أنت[362].] كما يقول: [من أين يأتي التباين الكبير في أحوال الحياة؟ من طمع الأغنياء وغطرستهم[363].]

رابعًا: عدم إساءة استخدام الملكية. يقول القديس أغسطينوس: [في هذه الحياة يمكن أن يُحتمَل ظُلم المُلَّاك الأشرار، كما تُشرع ما تُدعى بالقوانين المدنية في مواجهتهم، ليس لكي تُلزم الناس أن يستخدموا ثرواتهم حسنًا، وإنما ليُحجموا من الضرر الذي يقع على الغير من الذين يسيئون استخدامها.[364]]

ويقول القديس أمبروسيوس: [في البدء كانت الأرض للجميع مشاركة، خُلِقَت للأغنياء والفقراء على السواء. فأي حق لكم إذن في احتكارها؟ لا تعرف الطبيعة شيئًا عن الغنى. فالجميع عندما ولدوا كانوا فقراء، بلا ثيابٍ ولا ذهبٍ أو فضةٍ أو طعامٍ أو شرابٍ أو غطاءٍ. لقد وُلدنا بدون هذا كله. وتتقبل (الأرض) أبناءها في القبر عرايا، ليس من تصحبه أرضه معه، بل تكفي قطعة صغيرة منها للفقراء والأغنياء. الأرض التي تبدو ضيقة للغاية أمام شهوات الأحياء تصير واسعة جدًا في النهاية بالنسبة للغني وما لديه (عند دفنه)[365].] كما يقول: [أفاضت الطبيعة بكل الأشياء للجميع للمشاركة في استخدامها. أمر الله نفسه أن تُنتج كل الأشياء لكي يتوفر الطعام للجميع بالتشارك، وأن تكون الأرض نوعًا من الملكية المشتركة للجميع. أعطت الطبيعة حقًا مشتركًا للجميع، لكن الطمع جعلها حقًا لفئة قليلة، وحكرًا لها.[366]] [[خُلِق العالم للجميع، لكن حفنة من الأغنياء يحاولون أن يجعلوه حكرًا لهم[367].]

10. كيف عالج الإيمان المشاكل الاقتصادية البشرية؟

مع انتشار المسيحية بسرعة فائقة جاء الحلّ لهذه المشاكل، لا خلال قوانين مدنية مُلزمة، وإنما خلال مفاهيم إيمانية تعمل في القلب والفكر، ليهتم كل مؤمن - كما الكنيسة أيضًا كجماعة - بالفقراء والأرامل والأيتام والذين يتعرضون لمتاعب مالية ومجاعات. الاهتمام بالخلاص الأبدي والحب الصادق للإنسان نحو إخوته قدم حلولاً عملية، كما يشهد بذلك سفر أعمال الرسل ورسائل القديس بولس، حيث كانت الكنائس تهتم أن تجمع لفقراء أورشليم الذين تعرَّضوا لمجاعة. المشاركة في الممتلكات كانت إحدى الملامح الرئيسية للحياة الكنسية كعلامة من علامات الحب الأخوي والوحدة[368].

يقول القديس إكليمنضس السكندري: [خلق الله كل شيءٍ لكل أحدٍ. لهذا فإن كل الأشياء ملكية مشاعة، فليت الأغنياء لا يدعون بأن لهم الحق في أخذ ما هو أكثر من غيرهم. أعطانا الله السلطة أن نستخدم ثروته، لكن حسب الضرورة، وهو يريدنا أن نستخدمها مشاعًا للكل. فمن الظلم أن يقيم شخص وليمة ويتمتع، بينما يعيش كثيرون في فقرٍ[369].]

إن كان الأغنياء يفتخرون بممتلكاتهم، فإنها يوم تُنزَع عنهم لا يختلفون في شيءٍ عن عبيدهم وجواريهم، وإنما غالبًا ما يكون هؤلاء السادة أضعف منهم صحيًا. لهذا لا تعجب إن سمح الله لخدامه الأمناء أحيانًا بالاحتياج. يقول القديس إكليمنضس السكندري: [لننزع عن النساء الشريفات زينتهن وعن السادة عبيدهم، فستلاحظ أن هؤلاء لن يختلفوا بأي شكل عن العبيد الذين يُشترون بالمال، ولا في طريقه المشي ولا في الملامح ولا في أحاديثهم. وإنما يشبهون في كل شيءٍ من هم خاضعين لهم. وإن اختلفوا عنهم في شيء، إنما في أنهم أضعف في البنية وأقل قوة من الآخرين (العبيد)، لأنهم نشأوا نشأه مترفة تعرضهم للمرض[370].]

11. ما هي إمكانية خلاص الغني؟

إذ يتحدث القديس أغسطينوس عن مثل الغني الغبي ولعازر الفقير، يوضح أن لعازر حملته الملائكة إلى حضن إبراهيم، الذي قيل عنه أنه كان غنيًا جدًا (تك 13: 2)، بينما ذهب الغني البخيل إلى الجحيم. لم يكن الفقر هو المؤهل للعازر للتمتع بحضن إبراهيم، ولا الغنى هو علة هلاك الغني، إنما تقوى الأول ورضاه، وجشع الثاني وقسوة قلبه وبُخله، وإلا ما كان يُدعى حضن إبراهيم الغني جدًا (لو 16: 22) رمزًا للتمتُّع بملكوت الله. يقول القديس أغسطينوس: [مع أن الغني جدًا الذي كان يرتدي الأرجوان والكتان الفاخر ويقيم ولائم يومية مُبالَغ فيها مات وتعذب في الجحيم، إلا أنه لو كان قد أظهر رحمة للفقير الذي كانت تغطيه القروح، لوجد رحمةً. ولو أن استحقاق الفقير هو فقره وليس صلاحه، بالتأكيد ما كانت قد حملته الملائكة إلى حضن إبراهيم الذي كان غنيًا في هذه الحياة. المقصود هنا أن يظهر لنا أنه من جانب لم يكن الفقر في ذاته هو ما وهبه كرامة إلهية، ومن الجانب الآخر لم يكن الغنى في ذاته قد دين إنما هذه هي نتائج تقوى أحدهما وشر الآخر.[371]]

يقول القديس إكليمنضس السكندري إنه يليق بنا ألا نجعل أمور بيوتنا حملاً يثقل علينا. وكما يفعل المسافر الذكي الحكيم، لنضع الأمور في نصابها بقدرها الحقيقي، فالزوجة المُحِبَّة لزوجها، لا تجهز للسفر أكثر مما لاحتياجات الرحلة. الزهد والقناعة هما ذخر للمسافر في رحلته نحو السماء. وكما أن القدم هي التي تُحَدِّد مقاس الحذاء، كذلك الجسد هو الذي يحكم ما على الإنسان أن يملك ويقتني[372]. كما يقول: [إن كان الإنسان غنيًا، يمكن أن يكون غناه سببًا لخلاصه، إن وزَّع منه على المحتاجين. وكما يكون الحال مع الآبار المتدفقة التي كلما سحبنا منها ماء، عادت مرة أخرى إلى ما كانت عليه من غنى وتدفق، كذلك العطاء هو النبع الذي لا ينضب للمحبة. وعندما يشارك ويعطي من مياهه العطاش، يعود ذلك النبع فيعوض مياهه، بل ويفيض به. تمامًا كما يعود اللبن إلى الثدي الذي رضع منه الصغير أو الذي تمّ حلب لبنه، لأن من كان له الله القدير، الكلمة، فليس له احتياج إلى أي شيء آخر، ولا يكون أبدًا في ضيق إذا ما احتاج لشيء. لأن في الكلمة ما يغني عن امتلاك أي شيء آخر[373]. ] أيضًا يقول يلزمنا أن نتعامل مع الثراء بعقلٍ وحكمةٍ، وعندما نعطي ونمنح يكون في محبة وليس في افتخار[374].

يلزمنا أن نُرَدِّد على الدوام هذا القول المأثور: الإنسان الصالح، لأنه معتدل وحكيم يحتفظ بكنزه في السماء، ذاك الذي يبيع ما يملك في هذا العالم ويوزعه على الفقراء، ويحصل بذلك على الكنز الذي لا يفنى[375]. يبدو لي الغنى كأنه ثعبان، يلتف حول الإنسان ويلدغه، إذا لم يتعامل معه الإنسان بحذرٍ، ويعرف كيف يقبض عليه، فيأمن شره، ويتحكم في حركة ذيله.

12. ما هو الدافع للعطاء؟

ليس من أجل العدالة أو العاطفة البشرية، نعطي المحتاجين، وإنما يرى المؤمنون في الفقير شخص السيد المسيح. يقول القديس غريغوريوس النزينزي: [لا تحتقروا هؤلاء الناس برفضهم، ولا تظنوا أنهم بلا قيمة. فكروا فيهم. استرجعوا كيانهم، فستعرفون أنهم أناس لهم كرامة، فغالبًا ما حملوا في أنفسهم شخص المخلص.] [ختامًا يا خدام المسيح، الإخوة، شركائي في الميراث. إن أردتم أن تمتدحوني هلم نفتقد المسيح، هلم نهتم بالمسيح، لنطعم المسيح، ولنُرَحِّب به. لنكرم المسيح لا بدعوته على مائدتنا كما يفعل البعض (لو 7: 36)، ولا بسكب الطيب مثل مريم (يو 12: 3)، ولا بدفنه كما فعل يوسف الرامي (مر 15: 43)، ولا بتقديم ما هو ضروري للدفن كما فعل نيقوديموس الذي أحب المسيح بفتور (يو7: 50-52)، ولا بتقديم ذهبٍ ولبانٍ ومرٍ كما فعل المجوس قبل حدوث هذا كله (مت 2: 11). لا، فإن رب المسكونة يطلب رحمة لا ذبيحة (مت 9: 13)، وحنوًّا عظيمًا أفضل من آلاف الحملان. إذن قدمها له خلال الفقراء، والذين انتشروا في كل الأرض، حتى متى تركنا هذا العالم يستقبلوننا في المظال الأبدية مع المسيح نفسه ربنا الذي له المجد إلى أبد الأبد. آمين[376].] ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لأنه فقير أطعمه، لتكون قد أطعمت المسيح[377]. ويقول الشهيد كبريانوس: [لابد أن نحسب أسر أخوتنا أسرًا لنا... ونرى المسيح في أخينا المأسور[378].] ويقول القديس أغسطينوس: [المسيح جوعان وعطشان وعريان. هو غريب ومريض ومسجون، لأنه قال إنه عندما يعاني إخوته الأصاغر هنا على الأرض، فهو نفسه يعاني[379].]

13. لماذا ترفض الفتاة المسيحية الزواج من شاب وثني؟

كانت إضافة الغرباء أمرًا أساسيًا في حياة المسيحي، حتى أن العلامة ترتليان يُقَدِّم من بين أسباب عدم زواج المسيحية بوثني، أنه بهذا يستحيل عليها استضافة رُحَّل في بيتها. ويقول العلامة أوريجينوس إنه يليق بالمسيحيين استضافة الغرباء كما استضاف إبراهيم ثلاثة مسافرين مجهولين له عند ممرا، وغسل أرجلهم ودهنهم[380]. ويقول القديس يوستين: [كنا قبلاً لا نستضيف أحدًا في مأوانا من جنس آخر وله عادات غير عاداتنا، لكن الآن بعد مجيء المسيح نعيش معًا في شركة معهم[381].]

14. بماذا ينعت الآباء الجاحدين في العطاء؟

 أولاً: يتهمونهم بالسرقة. يقول القديس أغسطينوس: [ليتنا نضيف بصلواتنا أجنحة التقوى لصدقاتنا، ونصلي لكي تطير بسرعةٍ أعظم إلى الله. علاوة على هذا فان النفس المسيحية تدرك أهمية تجنب سرقة خيرات الآخرين، بإدراكها أن عدم مشاركة ما يزيد عن الحاجة مع المحتاجين هو نوع من السرقة.[382]] ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [عدم إعطاء الإنسان جزءِ من ممتلكاته للغير يُحسَب بالفعل نوعًا من اللصوصية... يقول الرب: "أخذتم ما للفقراء". هذا ما يقوله ليوضح للأغنياء أن ما يمتلكونه يخص الفقراء، حتى وإن كان ميراثًا من آبائهم، أو حصلوا على بعض الأموال من أي مصدرٍ. يقول في موضع آخر: "لا تحرم الفقير من عيشه" (سي 4: 1)[383].] ويقول القديس جيروم: [يلزمك أن تتجنَّب خطية الجشع، ليس برفض الاستيلاء على ما يخص الغير فحسب، وإنما أيضًا بعدم تعلقك بممتلكاتك الخاصة التي لا تصبح ملكك فيما بعد. يقول الرب: "وإن لم تكونوا أمناء في ما هو للغير، فمن يعطيكم ما هو لكم؟" (لو 16: 12). الذهب والفضة ليسا لنا، الذي لنا هو الميراث الروحي[384].] ويقول القديس باسيليوس الكبير: [إذا استولى أحد على ما يخص الفقير، وأخذته أنت، وجعلته جزءً من ثروتك (ربما يقصد اشتراه كعبدٍ). فإنك بذلك تكون ظالمًا أكثر من الظالم، وأكثر بخلاً من البخيل.[385]]

ثانيًا: ينعته بالظلم. يقول القديس باسيليوس الكبير: [من هو الإنسان الطمّاع؟ ذاك الذي لا تكفيه الكثرة. ومن هو المحتال؟ ذاك الذي يسلب ما يخص الجميع. أفلا تكون جشعًا ومحتالاً حين تحتفظ بما أُعطيت لتوزيعه للاستخدام الخاص؟ حين يجرد أحد إنسانًا من ثيابه ندعوه لصًا، أفلا يُعطى ذات اللقب لمن يستطيع أن يكسو عريانًا ولا يفعل؟ الخبز الذي على مائدتك يخص الجائعين، والثوب الذي في خزانة ملابسك يخص العرايا، والحذاء الذي تتركه يبلى يخص حفاة الأقدام. المال الذي في سردابك يخص المُعدَمين. إنك تظلم كل من تستطيع أن تساعدهم ولا تفعل[386].] [لو كانت الممتلكات شر في ذاتها، لا يمكن أن يكون الله خالقها بأية طريقة، "لأن كل خليقة الله جيدة، ولا يُرفض شيء" (1 تي 4: 4)... وصية الله لا تعلمنا أنه يلزم رفض الممتلكات وتفاديها كما لو كانت شرًا، بل يلزمنا أن نديرها. الشخص الذي يُدان، لا يُدان لأنه يمتلك أشياءً، بل لأنه يسيء استخدامها. بهذا فإن الممتلكات الأرضية غير مرفوضة إذا وجَّهتها إدارة حكيمة[387].]

15. بماذا ينعت الآباء المحبين للعطاء؟

يقول القديس باسيليوس الكبير: [كما أن النهر الكبير يتدفَّق في الآلاف من القنوات خلال أرض خصبة، هكذا دع ثروتك تجري خلال قنوات عديدة إلى بيوت الفقراء. الآبار التي يُسحَب منها تفيض ما هو أفضل؛ أما التي تترك بلا استخدام فإنها تعطب. هكذا المال إن اُحتفظ به يصير بلا قيمة، أما إن تحرك وتناقلته الأيادي، فهو يساعد المجتمع ويزداد[388].]

16. هل نحن محتاجون إلى المحتاجين؟

يقول القديس أغسطينوس: [ليتنا لا نستخفّ بإلهنا المحتاج في أشخاص فقرائه حتى يسند أعوازنا من غناه. لدينا محتاجون، لكننا نحن أنفسنا محتاجون. لنُعطِ فنأخذ. في الحقيقة ماذا نعطي؟ وماذا نرغب في أن نأخذ مقابل هذا القدر الضئيل المرئي الوقتي والأرضي؟ "ما لم ترَ عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على بال إنسانٍ" (1 كو 2: 9)[389].]


 

14. العلم والإيمان

1. ما هو هدف الكتاب المقدس؟ وما هو هدف العلم الحديث؟

هدف الكتاب المقدس ليس البحث في عملية الخلق وكيف تحقَّقت، وإنما التعرُّف على الله محب البشر، وعدم تجاهله للإنسان بعد أن خلقه، وخطته الإلهية لاسترداد ما فقده الإنسان بعد اعتزاله عن الله. وأيضًا تعرُّفه على الأسرار الإلهية بما يناسب إمكانياته الحالية، وما سيتمتع به في العالم الآتي. إنه يعلن رغبته وشوقه للتمتُّع بالنعمة الإلهية مع ممارسة حياة التسبيح والشكر وتذوُّق عربون السماويات.

أما العلم فيبقى يبحث في أسرار الخليقة وما يسنده في تقدمه المستمر والذي لا يتوقَّف حتى مجيء الرب الأخير.

2. لماذا لم يُقَدِّم الله كل الحقائق العلمية من بدء الخليقة لأبوينا آدم وحواء؟

أ. الله يُقَدِّس الإرادة الحرة، والعمل البشري، فيفتح لهم باب الدراسة والنمو في المعرفة.

ب. لكي ندرك قيمة عطية العقل وتقديسه دون تجاهل معونة الله.

ج. يُقَدِّم الله لكل جيلٍ ما يحتاج إليه من معرفة، ولشكر الله على نعمة التقدم والنمو في المعرفة البناءة.

د. المعرفة لأمور لا نحتاجها قد تُسَبِّب أضرارًا في حياة البشرية.

ه يبقى الإنسان دائمًا في عطشٍ إلى عطية المعرفة، في كل جوانب الحياة هنا وفي الأبدية.

3. ماذا يقول الآباء عن أيام الخليقة الستة؟

عندما كتب القديس باسيليوس الكبير مقالاته عن أيام الخليقة الستة Hexamaeron، أوضح أن عمل الكنيسة ليس البحث عن طبيعة الأشياء والمخلوقات، وإنما دراسة عملها ونفعها.

وأعلن القديس أغسطينوس: [كثير عليك إدراك كيف خلق الله هذه الأشياء، فقد خلقك أنت أيضًا لكي تطيعه كعبد وعندئذ تفهم كصديق له[390]]. وكأننا كخليقة الله نقبل عمله بفرح كعبيد وإذ يهبنا فهمًا وحكمة وإدراكًا لأسراره نعيش معه كأصدقاء وأبناء له.

4. ما هو موقف بعض الدارسين الغربيين فيما ورد في سفر التكوين؟

حاول كثير من الدارسين الغربيين تأكيد أن ما ورد في سفر التكوين لا يتنافى مع الحقائق العلمية حسب الفكر الحديث، ورأى البعض أن ما ورد من تسلسل في الخليقة كما جاء في التكوين يطابق الفكر الخاص بتطور الخليقة بدقة بالغة. وقد صدرت أبحاث كثيرة في هذا الشأن كتب بعضها علماء أتقياء. وقد سبق فأصدرت كنيسة الشهيد مار جرجس باسبورتنج بحثًا مبسطًا للأستاذ الدكتور يوسف رياض، أستاذ بكلية العلوم جامعة الإسكندرية، تحت عنوان: "التوافق بين العلم الحديث والكتاب المقدس"، تعرَّض لهذا الموضوع في شيء من البساطة والإيجاز، كما قدَّمت أسقفية الشباب كتيبًا عن: "ستة أيام الخليقة" للدكتور فوزي إلياس.

5. ماذا تعني كلمة "يوم" في الأصحاح الأول من سفر التكوين؟

إنها لا تعني فترة زمنية قياسية مدتها 24 ساعة، إنما تعني حقبة زمنية قد تطول إلى ملايين السنوات، فالشمس والقمر وبقية الكواكب لم تكن بعد قد خُلِقَت حتى الحقبة الزمنية الرابعة، وبالتالي لم يكن يوجد من قبل زمن مثل الذي نخضع له الآن، كما لم يكن للعالم نهار وليل بالمعنى المادي الملموس. هذا ما أَكَّده كثير من الآباء منهم القديس جيروم[391]. وحتى بعد الخليقة كثيرًا ما يتحدث الكتاب المقدس عن "اليوم" بمفهوم أوسع من اليوم الزمني، من ذلك قول المرتل: "لأن يومًا واحدًا في ديارك خير من ألف" (مز 84: 10؛ راجع مز 90: 4، 2 بط 3: 8).

لقد جاءت كلمة "يوم" في الكتاب المقدس بمفاهيم كثيرة، فأحيانًا يقصد بها الأزل حيث لا توجد بداية، كقول الآب للابن: "أنت ابني وأنا اليوم ولدتك" (مز 2: 7؛ أع 13: 32؛ عب 1: 5)، كما قيل عن الله: "القديم الأيام" (دا 7: 9) بمعني الأزلي. وجاء عن "اليوم" بمعني الأبدية التي فوق الزمن كالقول: "يوم الرب" (أع 2: 20)، أي مجيئه الأخير حيث ينتهي الزمن، كما قيل عن السيد المسيح: "ربنا يسوع المسيح له المجد الآن وإلى يوم الدهر" (2 بط 3: 18).

6. لماذا يعترض البعض على ما ورد في سفر التكوين بخصوص خلق الإنسان الأول؟

يقولون: قد أثبت الحفريات بطريقة قاطعة وجود عظام إنسان منذ أكثر من مليون سنة كما وجدت نقوش قديمة عن أيام آدم... فبماذا نُعَلِّل هذا؟

أولاً: بحسبة رياضية بسيطة نجد أن سكان العالم حاليًا لا يمكن أن يكون ثمر أكثر من 6000 عامًا بافتراض أن كل عائلة تنجب حوالي 3 أطفال، هذا مع خصم نسبة مرتفعة من الموتى بسبب الموت الطبيعي والكوارث الطبيعية والحروب... لو أن تاريخ الإنسان يرجع إلى مليون سنة، فإن الإنسان الواحد في مليون سنة ينجب نسلاً لا تكفي آلاف مضاعفة من مساحة الأرض لوجودهم.

ثانيًا: إن كل حقبة زمنية يمكن أن تكون عدة ملايين من السنوات، فغالبًا ما تكون هذه العظام لحيوانات ثديية حملت شكل الإنسان ولها أيضًا قدرات، لكن ليس لها النسمة التي من فم الله التي تميز بها آدم وحواء. هذه الكائنات لا تحسب بشرًا حتى إن حملت شيئًا من التشابه.

7. هل توقَّف عمل الله من أجل الإنسان بعد أيام الخليقة؟

إن كان سفر التكوين يُقَدِّم لنا فصلاً مختصرًا للغاية عن عمل الله في بدء الخليقة، فإن الله الذي كان يعمل ليقدم لنا العالم لخدمتنا، يبقي عاملاً خلاقًا في حياتنا بلا انقطاعٍ. فما سبق ففعله لا يتوقَّف، إذ يبقي الله نفسه يعمل في حياة الإنسان ليجعل من أعماقه سماءً جديدة وأرضًا جديدة يسكنها البرّ. وفي هذا يقول السيد المسيح: "أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل" (يو 5: 17). لهذا ففي تفسيرنا هذا نود أن نتلمس عمل الله المستمر في حياتنا الداخلية ليخلق فينا بلا انقطاعٍ مُجَدِّدًا أعماقنا.

8. ماذا يعني ما ورد في افتتاحية السفر: "في البدء خلق الله السماوات والأرض"؟

إن كان التعبير "في البدء" (تك 1: 1) لا يعني زمنًا معينًا، إذ لم يكن الزمن قد أوجد بعد، حيث لم تكن توجد الكواكب بنظمها الدقيقة، لكنه يعني أن العالم المادي له بداية، وليس كما ادَّعى بعض الفلاسفة أنه أزلي، يشارك الله أزليته. هذا ما أكده القديس باسيليوس في كتابه "الهكساميرون" أي "ستة أيام الخليقة"، إذ يقول إن تعبير "في البدء" لا يعني زمنًا وإلاَّ كان للبدء بداية ونهاية، وهكذا تكون لهذه البداية بداية وندخل في سلسلة لانهائية من البدايات، لكن "البدء" هنا يعني حركة أولى لا كمًّا زمنيًا، وذلك كالقول: "بدء الحكمة مخافة الله" (أم 9: 10)[392]. كما يقول: [لا تظن يا إنسان أن العالم المنظور بلا بداية لمجرد أن الأجسام السماوية تتحرك في فلك دائري ويصعب على حواسنا تحديد نقطة البداية، أي متى تبدأ الحركة الدائرية، فتظن أنها بطبيعتها بلا بداية[393]]، ويقول: [الذي بدأ بزمن ينتهي أيضًا في زمن[394]]. هنا لا يعني وجود زمن في بداية الحركة للعمل، إنما يؤكد انتزاع فكرة الأزلية، فمع عدم وجود زمن لكنه وجدت بداية قبلها إذ كان العالم عدمًا. وقد جاء العلم يؤكد عدم أزلية المادة[395].

ويأخذ كثير من الآباء بجانب هذا التفسير الحرفي أو التاريخي "في البدء" التفسير الرمزي أو الروحي، فيرون أنه يعني "في المسيح يسوع" أو "في كلمة الله" خُلِقَت السماوات والأرض، وفيما يلي بعض كلمات الآباء في هذا الشأن:

يقول القديس أغسطينوس: [الابن نفسه هو البدء. فعندما سأله اليهود: من أنت؟ أجابهم: "أنا من البدء" (يو 8: 25). هكذا في البدء خلق الله السماوات والأرض[396].]                        

يقول العلامة أوريجينوس: [من هو بدء كل شيء إلاَّ ربنا ومخلص جميع الناس (1 تي 4: 10) يسوع المسيح، "بكر كل خليقة" (كو 1: 15)؟ ففي هذا البدء، أي في كلمته "خلق الله السماوات والأرض"، وكما يقول الإنجيلي يوحنا في بداية إنجيله: "في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله، هذا كان في البدء عند الله، كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان" (يو 1: 1-3). فالكتاب لا يتحدث عن بداية زمنية، إنما عن هذه البداية التي هي المخلص، إذ به صُنِعَت السماوات والأرض[397].]             

يقول القديس ديديموس الضرير: [يفكر البعض أن "البدء" هو زمن، لكن من يتعمَّق في كلمة "البدء" يجد أنها لا تحمل معني واحدًا بل أكثر من معنى. فأحيانًا تعني العلة، فيكون المعنى هنا أن السماوات والأرض متواجدة في العلة... بالحقيقة كل شيء صنعها الكلمة؛ ففي المسيح يسوع خُلِق كل ما على الأرض وما في السماء، الأمور المنظورة وغير المنظورة[398].]     

 في اختصار نقول إن الله خلق العالم في بداية مُعَيَّنة ولم يكن العالم شريكًا معه في الأزلية، ومن جانب آخر فإن كلمة الله هو البدء الذي بلا بداية خالق الكل!

9. هل كل ما ورد في الكتاب المقدس يطابق ما جاء في العلم الحديث؟

نبدأ أولاً بنظرة الدين للعلم.

أ. إن بدأنا بأسفار موسى الخمسة، نلاحظ أن الحديث عن الخليقة حتى عصر موسى كان يعتمد على أساطير وتخيلات جاء فيها تصوير الآلهة أنها تتزوج من بعضها البعض، وأيضًا تحارب بعضها البعض الخ، بينما ما ورد في سفر التكوين قُدِّم بصورة غاية في البساطة كي يدركها حتى الصبي الصغير ولا تتعارض مع الحقائق العلمية خاصة وإن الأيام السبعة لا يُقصد بها 24 ساعة بل فترة زمنية كما يقول القديس باسيليوس الكبير.

ب. لم يهاجم الكتاب المقدس البحث العلمي، إنما يهاجم التشامخ البشري والاستخفاف بما وراء الزمن.

ج. يدعونا الكتاب المقدس إلى تقديس الجسد بحواسه والفكر بقدراته.

د. منذ القرن الأول حيث دخل مار مرقس الرسول الإسكندرية ووجد مدرسة الإسكندرية التي أنشأها بطليموس، ومدارس يهودية ومصرية لم يأخذ موقفً معاديًا منها، بل أنشأ مدرسة الإسكندرية (المسيحية) كما يقول القديس جيروم، وكان منهجها يشمل الدراسة بخصوص الفلسفات المعاصرة في ذلك الوقت والطب والفلك والرياضيات، واللغات كاليونانية والمصرية (التي تطورت إلى القبطية)، وبالحب والتفاهم كسبت مدرسة الإسكندرية علماء من المدرسة الفلسفية وكان بعضهم يرتدي زي الفلاسفة وهم يدرسون في المدرسة المسيحية.

ه. اهتم القديس باسيليوس الكبير الذي نقل الرهبنة إلى قيصرية الجديدة بإنشاء مدارس لتعليم الصبيان والشباب ملحقة بالأديرة.

و. لم يستخفّ الكتاب المقدس من عطية العقل والعلم والأبحاث، ولكن أوضح غاية كلمة الله وهي العبور بالإنسان إلى وراء هذا العالم ليتعرَّف على خالقه ويشترك مع السمائيين في حياتهم المُطوَّبة.

ز. لا ننسى أن كثير من النظريات التي كنا ننظر إليها كحقائقٍ علميةٍ ثابتة حلّ محلها نظريات تُصَحِّحها.

ح. أغلب جامعات أوربا أنشأها رهبان اهتموا بالعلم، وإن كانت الآن تفصل بين العلم والإيمان.

ط. قام البعض بعمل إحصائيات للعلماء المشهورين في علوم مختلفة الذين أنكروا الإيمان بالله، ورجعوا إليه بأكثر غيرة وحماسٍ في أواخر حياتهم.

ي. يليق بنا أن ننظر إلى الإنسان ككيان واحد: الجسد والروح والنفس والعقل والعواطف، فإن كان الأطباء يبحثون في صحة الجسد والنفسانيون في سلامة الجانب النفسي والعلم في تقدُّم المعرفة العلمية الخ، فإننا لا نتجاهل أن جميع البشرية تواجه الموت، وعمل الإيمان تقديم ما يليق بنا أن ندركه بخصوص حياتنا بعد الموت، وعن إمكانية الإيمان والنعمة الإلهية في التمتُّع بالفرح الداخلي وتحدِّي كل المتاعب والضيقات ليختبر الإنسان عربون السماء.

ك. للأسف مع تأكد كل البشر أنهم لن يفلتوا من الموت، ينشغل البعض بما يخص الحياة الحاضرة ويتجاهلون وجود الحياة الأبدية الخالدة.

ل. وجود مئات من النبوات عن السيد المسيح المخلص منذ بدء الخليقة حتى لحظات تجسده، وهي متناسقة معًا، ويشهد لها المؤرخون غير المؤمنين. هذه النبوات ليست من وضع الكنيسة المسيحية لأنها لازالت في العهد القديم الذي حفظه اليهود وتُرجِم إلى لغات أخرى قبل مجيء المسيح مثل الترجمة السبعينية التي اهتم بها بطليموس في القرن الثاني قبل الميلاد، واستخدمها الرسل للكرازة، خاصة الرسول بولس الكارز للأمم.

م. تظهر حكمة الكنيسة المسيحية منذ القرن الأول حيث قَدَّمت كل دولة العبادة بلغتها وثقافتها وعاشت الكنيسة حتى القرن الخامس في وحدة عجيبة، ولم تُصرّ أية دولة على أن تنادي بأن لغتها هي الوحيدة المقدسة في العبادة المسيحية. وبروح الحب كثيرًا ما تُرجِمَت الكتابات المسيحية إلى لغات الدول الأخرى دون أن تفقد دقّتها وهدفها الروحي واللاهوتي. فبعض الكتب القبطية والعربية الخاصة بالأقباط ضاعت خلال هدم وحرق الكنائس والأديرة وحفظت باللغة الأمهرية واليونانية وغيرها من اللغات.

و. لا ينكر المؤمن أهمية تقدُّم العلوم، لكنها نظريات قابلة للتغير. نذكر على سبيل المثال: إنجيل يوحنا إلى فترة طويلة كان علماء دراسة الكتاب المقدس يثقون بأن هذا السفر ليس من كتابة القديس يوحنا، لأن أسلوبه يطابق ما جاء في القرن الثاني لكن عندما اكتشفت مخطوطات نجع حمادي عام 1948 ووُجِدَت مخطوطات من القرن الأول تطابق أسلوب هذا السفر. وأيضًا أنكر البعض بعض الأحداث الواردة في الكتاب المقدس مثل سفر دانيال، وجاءت اكتشافات حديثة في علم الآثار تؤكد ما ورد في الكتاب المقدس كحقائق تاريخية.


 

المحتويات

كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - الجزء السادس

المفاهيم المسيحية والحياة اليومية

1. الفضائل المسيحية

1. ما هو ارتباط الفضائل بالحياة في المسيح؟

2. ما هي نظرة القديس بولس للفضائل المسيحية؟

3. ما هي أهم الفضائل التي يتسم بها الإنسان المسيحي؟

2. فضيلة التمييز والاستنارة

1. ما هي الفضيلة المسيحية؟

2. ما هي القداسة في الفكر المسيحي؟

3. كيف نقتني القداسة والتمييز؟

4. إلى أي مدى ننمو في الفضيلة بروح التمييز؟

5. ما هي أهم الفضائل؟

6. ماذا يقول الكتاب المقدس عن التمييز أو الإفراز؟

7. من يهبنا روح الاستنارة أو التمييز؟

8. ما هو ارتباط العقل البشري بروح التمييز؟

9. هل يرتبط روح التمييز بعمر الإنسان؟

10. ما هو ارتباط التمييز بالتواضع والاعتدال؟

11. ما هو ملخص المبادئ التي يقدمها الأب موسى بخصوص الإفراز؟

3. فضيلة الطاعة

1. لماذا يمتعض البعض من الطاعة؟

2. هل الطاعة تعني ضعف الشخصية؟

3. من هو الأعظم؟

4. هل الطاعة هي إحدى علامات الشركة في سمات ربنا يسوع المسيح؟

5. من هو القائد والرئيس؟

6. ما هو مفهوم الطاعة في مسيحنا الوديع؟

7. هل نسمع لصوت محبوبنا؟!

8. كيف نمارس الطاعة مع بساطة المعرفة؟

9. ألا نطيع صوت ملك الملوك؟

10. ما هو تقديرك للشخص المطيع؟

11. هل يلتزم الأبناء والمرؤوسين بالطاعة العمياء للقادة إن طُلبوا منهم ما يخالف وصية إلهية؟

12. ما هو رأي القديس باسيليوس في الطاعة على حساب الوصية الإلهية؟

13. ما هو موقف المؤمن إن طلب منه الشخص أن يحاوره فيما سأله أن يفعله؟

14. ماذا يفعل المؤمن إن لاحظ أن أحد المسئولين يخالف وصية إلهية؟

15. هل من حاجة إلى الدولة والطاعة لقوانينها وقادتها؟

16. ما هي نظرة المسيحية للمدينة الأرضية ومدينة الله؟

17. ما هي واجبات الشعب نحو الدولة؟

18. كيف نتطلع إلى سلطان المسئولين في المجتمع؟

19. ماذا يقول الرسول بولس عن الخضوع للسلطات في الرب؟

20. ماذا يقصد الرسول بقوله: "لأنه ليس سلطان إلا من الله، والسلاطين الكائنة هي مُرَتَّبة من الله. حتى أن من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله، والمقاومون سيأخذون لأنفسهم دينونة" (رو 13: 1-2)؟

21. ما هو دور كل من القادة المدنيين والقادة الكنسيين؟

22. ما هي حدود دور الكنيسة والمسيحي في السياسة؟

23. ما هو موقِف الكنيسة والمؤمن من الفساد؟

24. ما هي فضيلة إكرام الوالدين؟

4. فضيلة العفة والطهارة

1. ما هي فضيلة العفة والطهارة؟

2. كيف جذبت الطهارة والبراءة والعفة الوثنيين لقبول الإيمان المسيحي في الكنيسة الأولى؟

3. هل أستطيع أن أحيا عفيفًا؟

4. ما هي حياة العفة؟

5. ما دام يطلب تقديسنا، فلماذا وهبنا الجسد بغرائزه؟

6. ما معنى قول الرسول "وإنما أقول اسلكوا بالروح فلا تُكَمِّلوا شهوة الجسد" (غل 5: 16)؟

7. لماذا لا أحيا عفيفًا مع أنني مؤمن والروح القدس ساكن فيَّ؟

8. كيف يمكنك أن تغلب عمليًا؟

9. ماذا يقول القديس أغسطينوس عن عفة القلب؟

10. ما هو موقفنا من الأفكار الشريرة؟

11. هل حربنا ضد الشهوات يتوقف؟

12. ما هي عفة الجهاد؟

13. ما هو دور الناموس في الكَشَفَ عن شهواتنا؟

14. ما هو دور النعمة في الجهاد؟

15. ما هو مفهوم السلوك حسب الجسد؟

16. لماذا قيل: "الخطية لن تسودكم لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة" (رو 6: 14)؟

17. ما هي الأعذار الباطلة التي تدفعنا لتبرير سقوطنا في الشهوات؟

18. هل جسدنا عنصر ظلمة كما ادعى أتباع ماني؟

19. ماذا نطلب من الله لنتمتع بالنقاوة والعفة؟

20. ما هو موقفنا من الأفكار التي تتسلل إلى عقولنا؟

5. الرذائل أو الشرور

1. ما هو مفهوم الرذيلة؟

2. ما هو ارتباط الفضائل بالرذائل؟

3. ما هي نظرة المؤمن للشرّ؟

4. لماذا يرفض الأشرار المشيئة الإلهية؟

5. بلا شك يحمل البشر طبائع متنوعة، فلماذا نلقي باللوم على إرادتنا؟

6. هل للشيطان المخادع سلطان مُلزم للإنسان؟

7. هل توجد قوائم للرذائل في كتابات الكنيسة الأولى؟

8. ما هي أصناف الرذائل وأشكالها عند كاسيان (أو عند الأب سرابيون)؟

9. هل من علاقة تربط الخطايا مع بعضها البعض؟

10. هل يُهاجم من عدو الخير كل البشر بأسلوبٍ واحدٍ؟

11. إلى أي مدى يفيدنا التعَّرف على نوع الرذيلة التي تهاجمنا؟

6. الإيمان المسيحي والثقافات البشرية

1. ما هو دور الفكر الاجتماعي في الكنيسة الأولى؟

2. ما هي سمات الخط الاجتماعي في الكتاب المقدس؟

3. ما هو منهج الكنيسة الأولى وثلاثية trilogy القديس إكليمنضس السكندري؟

4. ما هي نظرة الإيمان المسيحي للثقافات البشرية المتباينة؟

5. ما هي نظرة الإيمان المسيحي للعقل البشري؟

6. كيف هيأت الكنيسة العالم لفتح باب التعلم لكل إنسان؟

7. ما هو موقف كنيسة العهد الجديد من الفلسفة والمعرفة؟

8. هل كان المسيحيون شعبًا منعزلاً عن المجتمع؟

9. هل دور الإيمان نقد الثقافات أم تقديسها؟

10. هل قامت المسيحية في عصر الآباء الأولين على الإبداع الأدبي؟

11. ما هو موقف الكنيسة الأولى من المسارح والملاعب واستخدام أكاليل الزهور؟

7. العلاقة بين الكنيسة والدولة

1. ما هو موقف الكنيسة من السلطات المدنية والقضائية والعسكرية؟

2. ما هو موقف آباء الكنيسة من الإمبراطور مُضطهِد الإيمان ومن الجيش الروماني؟

3. هل امتناع المسيحيين عن الالتحاق بالجيش كان بسبب كراهيتهم للرومان؟

4. هل يليق بالكنيسة أن تصلي من أجل الدولة حتى إن كانت ضد الكنيسة والمؤمنين؟

5. ما هي التزامات المسيحيين نحو الدولة؟

6. هل يعيش المسيحي كمواطنٍ صالحٍ؟

7. ما هي نظرة المسيحي نحو الرؤساء؟

8. هل يليق بالكنيسة أن تحسب نفسها دولة؟

9. هل اتسمت المجتمعات المسيحية بنظامٍ دقيقٍ؟

8. الإيمان المسيحي والخدمة العسكرية

1. ما هي نظرة الكنيسة للالتحاق بالخدمة العسكرية في عصور ما قبل قسطنطين؟

2. ما هو موقف كنيسة العهد الجديد من الحروب؟

3. ما هو موقف القديس إكليمنضس الروماني (القرن الأول) من الالتحاق بالخدمة العسكرية؟

4. ما هو موقف الشهيد يوستين (حوالي 150م) من الالتحاق بالخدمة العسكرية؟

5. ما هو موقف أثيناغوراس (القرن الثاني) من الالتحاق بالخدمة العسكرية؟

6. ما هو موقف العلامة ترتليان (160-220 تقريبًا) من الالتحاق بالخدمة العسكرية؟

7. ما هو موقف القديس إيريناؤس أسقف ليون (القرن الثاني) من الالتحاق بالخدمة العسكرية؟

8. ما هو موقف القديس إكليمنضس السكندري (150-215م تقريبًا) من االخدمة العسكرية؟

9. ما هو موقف مينيكيوس فيلكس Minucius Felix من الالتحاق بالخدمة العسكرية؟

10. ما هو موقف القديس كبريانوس (تنيح عام 258م) من الالتحاق بالخدمة العسكرية؟

11. ما هو موقف العلامة أوريجينوس من الالتحاق بالخدمة العسكرية؟

12. ما هو موقف القديس ديونسيوس السكندري (القرن الثالث) من الالتحاق بالخدمة العسكرية؟

13. ما هو موقف أرنوبيوس Arnobius (مات حوالي عام 330م) من الخدمة العسكرية؟

14. ما هو موقف لاكتانتيوس Lactantuis (حوالي 240-320م) من الخدمة العسكرية؟

15. ماذا تكشف الحوارات التي دارت بين الشهداء والولاة؟

16. ما هو موقف الكنيسة من الالتحاق بالخدمة العسكرية منذ عصر الإمبراطور قسطنطين؟

17. ما هو موقف مجمع آرل Arles عام 314 مجمع نيقية من الالتحاق بالخدمة العسكرية؟

18. ما هو موقف القديس باسيليوس (حوالي 326-379) من الالتحاق بالخدمة العسكرية؟

19. ما هو موقف القديس أمبروسيوس (حوالي 339-397) من الخدمة العسكرية؟

20. ما هو موقف القديس أغسطينوس (354-430م) من الخدمة العسكرية؟

21. ما هو موقف القديس يوحنا كاسيان من الخدمة العسكرية؟

9. الإيمان المسيحي والعلاقات الاجتماعية والأسرية

1. ما هو مدى علاقة المؤمن بأسرته وبإخوته في البشرية؟

2. هل من ضرورة للعلاقات الاجتماعية؟

3. ما هي الدوافع التي لهذه العلاقات الإيجابية؟

4. هل يجوز الدفاع عن النفس والأسرة والوطن؟

5. كيف سعت الشريعة الموسوية للصعود على درجات البرّ الأعظم؟

6. ما هي حدود التأديب في العهد الجديد؟

7. ماذا يُقصد بالخد الأيمن والآخر؟

8. ما هو موقف القديس أمبروسيوس بخصوص الدفاع عن النفس؟

9. ما هي نظرة الإيمان المسيحي للقضاة؟

10. ما هو نظرة الإيمان للحكم القضائي على المخطئين والأبرياء؟

10. التضامن الاجتماعي

1. ما هو مفهوم التضامن الاجتماعي في الإيمان المسيحي؟

2. ما هو مفهوم المؤسسات الخيرية في الإيمان المسيحي؟

3. ما هي أسس العمل الاجتماعي الكنسي؟

4. كيف تُمارس الشركة عمليًا بين المؤمنين؟

11. الإيمان المسيحي والطبقات الاجتماعية

1. كيف مارست كل فئات المجتمع الاحترام المتبادل بينهم؟

2. هل يمارس المؤمنون أعمالاً خاصة بهم؟

3. هل كان العمل شاقًا قبل سقوط أبوينا؟

4. هل يلتزم المسيحي بالعمل من أجل الأخرين؟

5. هل من أعمالٍ ممنوعة فلا يمارسها المسيحي؟

6. لماذا هاجم القديس يوحنا الذهبي الفم الأغنياء؟

7. ماذا قدمت الكنيسة الأولى للعبيد والمسبيين؟

8. ما هي نظرة الآباء للعبيد؟

9. ما هي الأسس التي قامت عليها ثورة القديس غريغوريوس النيسي؟

12. الإيمان المسيحي والحرية

1. هل وهب الله المخلوقات العاقلة السماوية والأرضية حرية الإرادة؟

2. لماذا نسأل الله ولا نسعى نحن للغلبة على التجربة مادام كل شيءٍ في مقدورنا؟ ولماذا نجاهد لنحيا صالحين ما دامت القدرة على فعل هذا هي في يد الله؟

3. ما ارتباط حرية الإرادة بملكوت الله الذي يُقام داخلنا بالنعمة الإلهية؟

4. ما هو دور النعمة الإلهية في تقديس الإرادة مقابل دور الشيطان في انحرافها؟

5. ما هي عجلة القيادة التي تُحرِّك إرادة الإنسان؟

6. لماذا هاجم القديس إكليمنضس السكندري الوثنية؟

7. لماذا يقبل المؤمن الاستشهاد بفرحٍ؟

8. ما هو دور حرية الإرادة في حياة الإنسان؟

9. هل حرية الإرادة عطية أم التزام؟

10. ما مفهوم "ليس لمن يشاء ولا لمن يسعى، بل لله الذي يرحم"؟

11. ما علاقة الإيمان والنعمة الإلهية بحرية الإرادة؟

12. هل عبوديتنا لله تقيد من حريتنا؟

13. هل المعمودية تهبنا الحرية؟

13. الثروة والأغنياء في الإيمان المسيحي

1. هل للمؤمن حق الملكية الخاصة؟

2. هل الملكية الخاصة شر؟

3. هل تهاجم الكنيسة حق الإنسان في الملكية خاصة؟

4. لماذا توجد أشياء ملكية عامة وأخرى خاصة؟

5. هل الملكية الخاصة ليست مطلقة!

6. ما ذا يعني الاهتمام بالصالح العام؟

7. ما هي نظرة المؤمن للمقتنيات الخاصة؟

8. لماذا لا يستريح بعض الآباء للكلمتين: لي ولك؟

9. كيف نكون أمناء في الأرضيات؟

10. كيف عالج الإيمان المشاكل الاقتصادية البشرية؟

11. ما هي إمكانية خلاص الغني؟

12. ما هو الدافع للعطاء؟

13. لماذا ترفض الفتاة المسيحية الزواج من شاب وثني؟

14. بماذا ينعت الآباء الجاحدين في العطاء؟

15. بماذا ينعت الآباء المحبين للعطاء؟

16. هل نحن محتاجون إلى المحتاجين؟

14. العلم والإيمان

1. هل كل ما ورد في الكتاب المقدس يطابق ما جاء في العلم الحديث؟

2. ما هو هدف الكتاب المقدس؟ وما هو هدف العلم الحديث؟

3. لماذا لم يقدم الله كل الحقائق العلمية من بدء الخليقة لأبوينا آدم وحواء؟

4. ماذا يقول الآباء عن أيام الخليقة الستة؟

5. ما هو موقف بعض الدارسين الغربيين فيما ورد في سفر التكوين؟

6. ماذا تعني كلمة "يوم" في الأصحاح الأول من سفر التكوين؟

7. لماذا يعترض البعض على ما ورد في سفر التكوين بخصوص خلق الإنسان الأول؟

8. هل توقف عمل الله من أجل الإنسان بعد أيام الخليقة؟

9. ماذا يعني ما ورد في افتتاحية السفر: "في البدء خلق الله السماوات والأرض"؟



[1] في مديح القديس بولس، عظة 3.

[2] Sermons on N.T. Lessons 39:1.

[3]  الكاتب: سرّ الفرح في فكر القديس يوحنا الذهبي الفم،

[4] In Eph. Hom. 3.

[5] Homilies 16: 10.

[6] Paedagogus 2: 4.

[7] Oration 32.

[8] راجع تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية، عظة 3: 6، ترجمة د. سعيد حكيم يعقوب.

[9] Homilies on St. John, Hom. 45:2.

[10] A. J. Wensinck: Mystic Treatises by Isaac of Nineveh, 1923, p. 70;  Dana Miller: The Ascetical Homilies of St. Isaac the Syrian, 1984, p. 67.

 Robert Llewelyn, the Joy of the Saints, Spiritual Readings throughout the Year, Springfield, Illinois, 1989, p. 31.

[11] Concerning Virginity 11. PG 46:368 BC.

[12] Sermons on NT. Lessons, 21:32.

[13] Reg.  Fus. Introduction, 1.

[14] كلمة "سامري" معناها "حارس".

[15]  راجع للكاتب: ترفقوا بالخطاة للقيس أمبروسيوس، 2005.

[16] في مديح القديس بولس، عظة 3

[17] In 2 Cor. hom 27:2-3.

[18] In 1 Tim., hom. 5.

[19] Strom. 2:10.

[20] Strom. 7:10.

[21] Strom. 6:8.

[22] Stromataو 6:7.

[23] Sermons on N.T. Lessons, 41 :10.

[24] Sermons on N.T. Lessons, 55 :8.

[25] In 2 Tim. hom 9.

[26] In 1 Cor. PG 61:354.

[27] الفيلوكاليا، الجزء الأول، 1993، القديس أنطونيوس الكبير 170 نصًا عن حياة القداسة 40.

[28] On Luc hom 119.

[29] In Matt. hom. 18:9.

[30] In Matt. hom 1: 3.

[31] In Rom Hom 10. PG 60:480 B-C.

[32] Baptismal Instructions, 12:13, 14.

[33] De Res. Dom. PG 50:441-442A.

[34] In Mat PG 58: 720.

[35] In Matt. hom. 11 : 3.

[36] Kay’s Writings of Clement of Alexandria, p437.

القمص باخوم المحرقي (المتنيح أنبا غريغوريوس): القيم الروحية... في سرّ المعمودية، ص 47.

[38]Cassian: Confer. 2:1.

[39]  الحديث في المناظرات عن الرهبان وقد استبدلت كلمة "راهب" بـ "إنسان".

[40] الحب الإلهي، 1967، ص 74-75.

[41] De Principiis 2: 2: 4.

[42] راجع المرجع السابق، ص 26.

[43] راجع الدكتور الأب بهنام سُوني: الإنسان في تعليم مار يعقوب السروجي الملفان، 1995، ص 22.

[44] راجع المرجع السابق، ص 67.

[45] Cassian: Confer. 2:13.

[46] Cassian: Confer. 2:16-17. 23.

[47]  راجع للكاتب: الخط الاجتماعي عند آباء الكنيسة الأولى، الإسكندرية، 2005؛ الكاتب وماجد سوس: الإيمان والإباحة، 1998.

[48] Cf Knight's master book of 4000 illustration, 2000, .p. 441.

[49] للرجوع إلى كتابات القديس باسيليوس الكبير راجع للكاتب: القديس باسيليوس، مجلد 2 باب 4: 6.

[50] للكاتب: الطاعة للسلطات ورفض الفساد!، 2011.

[51] Ambrose: Expos. Evang. Lucam, 11: 29- 31.

[52] Ibid.

[53]  للكاتب: الطاعة للسلطات ورفض الفساد!، 2011.

[54] City of God 3: 14: 4, 3 and 7.

[55] Homilies on 2Cor, homily 15:3

[56] Sermons, 62: 8: n. 13.

[57] St, Ambrose: Comm. On Luke 4: 73.

[58] St. Augustine: Letter 96. St. Ambrose: Ep. To Valentinian 11: 21.

[59] The Hexameron, 5:15:52.

[60] Paradise, 3:18.

[61] Homilies on Rom., 23:1.

[62] Commentary on Romans.

[63] The Morals 79:1.

[64] Commentary on Romans.

[65] Homilies on Romans, homily 23.

[66] راجع ميمر بدير القديس مقاريوس على التوبة.

[67] مقال 7: 16.

[68] راجع للمؤلف: إنجيل لوقا (تفسير ٢: ٤٩).

[69] Ser. On N.T. lessons 1.

[70] للمؤلف: الحب العائلي، ١٩٧٠، ص ٦٣، ٦٤.

[71]  القدِّيس أغسطينوس العفة، ترجمة الكاتب، 2010.

[72] Tractate on Matt, hom 17: 6: 3-4.

[73] Acta Apoll., 37.

[74] Hermas: Pastor, visions 3: 8, 7.

[75] In Epist. Ad Rom., 6: 4.

[76] Concerning Baptism 1:2.

[77] العفة للقديس أغسطينوس، 28.

[78] Concerning Virginity 11. PG 46:368 BC.

[79] من مجدٍ إلى مجدٍ، تعريب القمص إشعياء ميخائيل، 1984، فصل 2:1.

[80] Commentary on Song of Songs, Homily 5.

[81] "نَقِّ أولاً داخل الكأس والصحفة لكي يكون خارجها أيضًا نقيًا" (مت 23: 26).

[82] هذا الخداع يسقط فيه كثيرون، مثال ذلك نجد شابًا يتعلل بأنه عندما أَحَبّ فتاة مُعَيَّنة وكون معها علاقات عاطفية لم تعد له نظرات شريرة ولا تخالجه أفكار دنسة، وهو في هذا يحسب نفسه قد تقدَّس وهو لا يعلم أن الشهوات التي فيه قد استراحت بانحرافه فلا حاجة لثورتها فيه، لإنهاء مَلَكَته واستعبدته تمامًا تحت صورة شبه مقدسة. وأيضًا نجد العكس عندما يبدأ إنسان بقطع العلاقة ، تبدأ حرب الأفكار والنظرات تجاهها وتجاه غيرها تزداد، لأن شهوة الجسد تقاوم شهوة روحه أيّ العفة.

[83] Demonstrations, 4:2 (On Prayer). ترجمة الدكتور صفوت منير

[84] مقال 7: 13.

[85] هذه العبارة محذوفة من النسختين البندكتية، والـ Milles لكنها وردت في الطبعات الحديثة الدقيقة.

[86] مقال 2: 1.

[87] جا 10: 4. راجع أيضا أف 2: 7. "ولا تعطوا إبليس مكانا".

[88] مقال 2: 3.

[89] مقال 2: 4.

[90]  ترجمة الكاتب مناظرات يوحنا كاسييان مع مشاهير آباء البرية، مناظرة 5 للأب سرابيون عن الأخطاء الثمانية.

[91] Moralia 31:87. PL 76:621.

[92] Conference 5:4.

[93] Conference 5:10.

[94] Conference 5:13.

[95] تحدَّث عن الطمع والغضب أنه يمكن التغلب عليهما بسهولة حتى أن الآلاف تركوا ممتلكاتهم وسكنوا البراري. كذلك عن الغمّ والفتور وهما يظهران بدون حاجة إلى مؤثر خارجي، لذلك فإنهما كثيرًا ما يهاجمان المتوحدين.

[96] Conference 5:14.

[97] الكاتب: الخط الاجتماعي عند آباء الكنيسة الأولى، 2005، مقال 1.

[98] F.F. Osborn: The Philosophy of Clement of Alexandria, Cambridge 1957, p. 5.

[99] H.B. Swete: Patristic Study, London, 1902, p.48

[100] Cf. Neander: Church History, vol. 2, p. 11-12.

[101] Eric G. Jay: The Church, vol. 1, London, 1977, p. 59.

[102] Paedagogus 1:1.

[103] De Principiis 2: 2: 4.

[104] Paedagogus 1: 7 PG 8: 313.

[105] Paedagogus, 1: 12.

[106] Origen : De Principiis, 1, Praef., 5.

[107] Origen: Ep. Ad Rom. 6: 5

[108] Paedagogus 1: 12.

[109] Paedagogus 1: 7.

[110] Stromata 7: 7 PG 8: 468.

[111] Id. Fragments 5 (44).

[112] Stromata 7: 11. PG 9: 489.

[113] Paedagogus 3: 11 ترجمة فيلوباترون.

[114] راجع للمؤلف: آباء مدرسة الإسكندرية الأولون، 2001، ص 69-72.

[115] Stromata, 1:13.

[116] Stromata, 1:4.

[117] W. Fairweather: Origen & Greek Patristic Theology, Edinburgh 1901, p. 15.

[118] Stromata, 1:98.

[119] Stromata, 1:15.

[120] Stromata 1:5 (A.N. Frs, vol 2, P 305).

[121] Stromata, 2:5.

[122] Stromata, 2:4.

[123] Stromata, 2:4:5.

[124] Stromata, 2:2:8.

[125] Cf. Fr. Tadros Malaty: The School of Alexandria, chapters 4, 5.

[126] Apology, 2- 10.

[127] Contra Celsus 3: 47, 49.

[128] Contra Celsus 3: 44.

[129] Contra Celsus 3: 72.

[130] Cf. Contra Celsus 3: 74.

[131] Paneg. 6: 14.

[132] Igino Giordani: The Social Message of the Early Church Fathers, 1977, p. 47 (Gregory Thaumaturgus: Paneg. 13).

[133] Durkheim E.: Education et sociologie, P.U.F. Paris 1966, Introd. P. 1-2.

[134] Origen C. Celsus, 7: 59-60.

[135] Igino Giordani, P. 52- P. Oxy, 1786.

[136] Justin 3: 2.

[137] Paedagogus 2: 8 PG 8: 484.

[138] Tertullian: De spectaculis,1.

[139] للاستزادة راجع كتاب: الإيمان والإباحة إعداد القمص تادرس يعقوب ملطي وماجد سامي سوس المحامي، 1998، الباب الثاني.

[140] Everett Ferguson, Scholer and Finney: Studies in Early Christianity, vol. 16, Christian Life: Ethics, Morality, and Discipline in the Early Church, p. 200-201.

[141] Everett, p. 227.

[142] Everett, p. 200.

[143] Contra Celsus 1: 3.

[144] Strom. 4:11.

[145] Ad Diogn., 7.

[146] Tertullian: Apology 1: 13.

[147] Against Celsus 2:30.

[148] Tertullian: Apology 39:2.

[149] Tertullian: Apology 30: 1: 4.

[150] Apology 1: 17: 1.

[151] Oratio ad Graecos, 4: 1; 27: 2.

[152] Apology, 44.

[153]Apology, 44

[154] Apology, 34: 2.

[155] Apology, 34.

[156] Ad Scapulam, 2.

[157] Paeadagogus 1: 6. PG 8: 300.

[158] Origen: In ep. Ad Rom. 8: 6. PG 14:11 73.

[159] St. Ignatius: Polyc. 2.

[160] 1 Clement 37:1-4.

[161] Cf. E. Ferguson in Church History 43 (1974), 26-33.

[162] Apology 42: 1-3.

[163]  فصل 5، ترجمة بولين تدري.

[164] Origen : Contra Celsus 8: 73.

[165] Against Celsus 15:1.

[166] City of God 1:1.

[167] Against Faustus 22:74.

[168] Letter 138:2:14.

[169] Discourse on Luke 5:73.

[170] Comm. Ser. 102 in Matth.

[171] On Jacob 2;6:29.

[172] Everett Ferguson, Scholer and Finney: Studies in Early Christianity, vol. 16, Christian Life: Ethics, Morality, and Discipline in the Early Church, p. 217ff.

[173] Cf. Robert M. Grant: Early Christianity and Society, London 1978, p. 22.

[174] Epistle, 1:37:1 – 4.

[175] Apology 1:39:2 – 3.

[176] Legatio, 35.

[177] Plea for the Christians, 37:2-3.

[178] Plea for the Christians, 1:4.

[179] Legio - 12 fulminate.

[180] Apology 5:6; To Scapula 4:6.

[181] Eccles. Hist. 5:5:1 –6.

[182] De Pudicitia, 12.

[183] Tertullian: Apology 37:4.

[184] Apology 42:2- 3.

[185] Apology, 30:4.

[186] Tertullian: Idolatry 19:1- 3.

[187] St. Hippolytus of Rome: The Apostolic Tradition, canon 16.

[188] Adversus Haereses 4:34:4.

[189] Protrepticus “Exhortation to the Greeks,” 3:42:1.

[190] Stromata 4:8.

[191] Paedagogus, 1:12:99.

[192] Paedagogus, 2:4:42.

[193] Exhortation to the Greeks, 11:116-117.

[194] Misscellanies, 1:24:162.

[195] Stromata 6:14:112.

[196] Exhortation to the Greeks, 10:100:2.

[197] Octavius, 30:6.

[198] De Habitu Virginum, 11.

[199] St. Cyprian of Carthage: To Donates, 6.

[200] On the Goodness of Patience, 14.

[201] On Mortality, 2.

[202] To Demetrianus, 3, 17.

[203] To Demetrianus, 20.

[204] Epistle, 13:10.

[205] To Fortunatus, 13.

[206] Against Celsus 3:7

[207] Against Celsus, 8:68-69.

[208] Everett Ferguson: Studies in Early Christianity, vol. 16, p. 190

[209] Against Celsus 8:73.

[210] Against Celsus 5:33.

[211] De Patientia 15,16.

[212] Against the Pagans 1:6.

[213] Ibid. 2:1.

[214] Ibid. 1:14.

[215] Divine Institutes, 6:20,15-17.

[216] The Acts of Maximilian 1-2.

[217] Tertullian: On the crown 11:1; On Idolatry 19:2.

[218] Julius the Veteran, 1:4-3:5.

[219] In Praise of Constantine 2:3.

[220] E.H.9:9:2.

[221] Demonstratio Evangelica 1:8:29-30.

[222] Studies in Early Christianity, vol. 16, p. 204.

[223] An Introduction to the Ascetical Life, (Frs. Of the Church, volume 9, p. 9).

[224] On the Duties of the Clergy 1:27:129.

[225] On the Duties of the Clergy 1:41:201.

[226] Discourse on Psalm 118:21, 17.

[227] Louis J.Swift: The Early Fathers on War and Military Service (Message of the Fathers of the Church, 19), Delaware 1983, p. 40.

[228] Letter 153:6:16.

[229] City of God 15:4.

[230] Letter 189:6.

[231] City of God 19:7.

[232] City of God 4:15.

[233] City of God 17:13.

[234] Sermon 302:15.

[235] Letter 47.5.

[236] لمزيد من أقوال الآباء في هذا الشأن راجع الحب الأخوي، 2004، باب 5، ف 8.

[237] Letter 97 to the Senate Tyana.

[238] Apology 1: 14.

[239] جاءت كلمة "ديداكية" Didache عن الحروف اليونانية الأولى لعنوان عمل يسمى "تعليم الرب للأمم بواسطة الاثني عشر رسولاً". وهي تعتبر أهم وثيقة بعد كتابات الرسل، تكشف لنا عن الحياة الكنسية الأولى من كل الجوانب: السلوكي والليتورچي والتنظيمي.

[240] الديداكية 1: 1-4.

[241] راجع كتاب: الإيمان والإباحة إعداد القمص تادرس يعقوب ملطي وماجد سامي سوس المحامي، 1998، ص 10 الخ.

[242] الموعظة على الجبل للقديس أغسطينوس، ترجمة: القمص تادرس يعقوب ملطي، ك 1، ف 56، 57.

[243] PG 13:1740.

[244] In Ezech. Hom. 5:4.

[245] In Lev. Hom. 2:1.

[246] الموعظة على الجبل للقديس أغسطينوس، ترجمة: القمص تادرس يعقوب ملطي، ك 1، ف 58.

[247] Discourse on Ps. 118:18:45; On Ps. 36:37.

[248] Josephus: Antiq. 14: 235; Acts 18: 14-15; 23: 29; 25: 19.

[249] Origen: Ep. Ad Africanum. 14 PG 11: 84 A.

[250] St. Augustine: City of God, 19:6.

[251] Apology 1: 39.

[252] Sozomen: H. E. 6: 34.

[253] Polycarp, 6: 1.

[254] Aristides: Apol 15 (Syriac version).

[255] Ignatius: Pal. 4: 1; 4: 3, Tertullian: Adv Marc. 4: 16.

[256] Martyr, Polycar., 8: 1.

[257] Martyr, Polycar., 1: 2.

[258] Martyr, Polycar., 11: 4.

[259] Martyr, Polycar.6.

[260] St. Cyprian : De orat. Domin., 8.

[261] Diognetus, 5.

[262] Octavius, 9: 2.

[263] Aristides, Apal. 15 (Suriac version).

[264] First Epistle on Virginity, 12.

[265] شخص مجهول ليس يونانيًا جاء إلى أفلاطون ليقدم اعتراضات على مجد ثيميستوكليس Themistocles.

[266] Justin: Apal. 20: 2.

[267] Minucius Felix: Octairus, 36: 3-7.

[268] Minucius Felix: Octavius, 37: 9-10.

[269] Letters 130 to Proba, 12.

[270] Apology 42: 1.

[271] Tertullian: Apology 42: 1-3.

[272] Didache 12:1-5.

[273] Origen: In Gen. Hom. 4: 1.

[274] The So-Called Second Epistle of Clement, 14:1.

[275] Paedagogus 1: 12.

[276] Homilies on John, 36:3.

[277] Homilies on Acts, 20:4.

[278] Ignatius: Ad Poluc. 5: 1; cf. Tertullian. Apolgy, 43: 1.

[279] Tertullian: De idal 11.

[280] St. Clem. Alex.: Protr., 4.

[281] Didascalia apostolorum, P. 129 (Connolly).

[282] De Anna 5: 3 PG 54: 673.

[283] Epistle 37: 24.

[284] Homilies on Eph. 22: 6: 2.

[285] Hom. 4 in Eccl.

[286] De Spirit. Saucto, 20.

[287] Ep. 38: 5; 45: 5; 107: 8.

[288] Apology 27:7.

[289] كلمة Catechumens مأخوذة عن اليونانيّة Katichoumenos، تعنى "تحت التعليم" والفعل يعنى "يتعلم شفويًا". استخدمت كنسيًا بمعنى طالبي العماد.

[290] Rev. Markary El- Souriany: Ancient and contemporary Christian Education in the Coptic Church, Princeton, 1955, P 78.

[291] Council of Gangra Canon 3.

[292] Gangra (in Cappadocia) canon 3.

[293] راجع القديس أغناطيوس: (سميرنا 6: 2؛ بوليكربس 4: 3)، وهرماس (man 8: 10).

[294] Apology 1:67.

[295] Apology 39: 5-6.

[296] الرسالة 1: 59.

[297] St. Cyprian: Ep. 62: 4.

[298] يوسابيوس: التاريخ الكنسي 4: 23: 10 ترجمة القمص مرقس داود.

[299] الرسالة 1: 55. لم يُسجل لنا التاريخ شيئًا عن هذا الكرم بين الوثنيين، لكن ربّما قصد أن يورد أمثلة من المسيحيّين إذ قال "بينكم"، وقد حدث هذا مع بطرس أحد شرفاء الإسكندرية الذي باع نفسه عبدًا ودفع الثمن للمحتاجين (راجع قصة العبد الناسك).

[300] St. John Chrysostom; Homilies on Matt., homily 63: 4 PG 58: 608.

[301] In 1 Cor. hom 40:5.

[302] In 1 Cor. hom. 40:5, in Eph. hom 22:2.

[303] De rebus suis 80-82.

[304] De Spiritu Sancto 20:51.

[305] De Beatitudinibus,1.

[306] In Eccles. Hom., 4.

[307] In Eccles. Hom., 4.

[308] De Morstuis.

[309] نشيد الأناشيد للقديس غريغوريوس أسقف نيصص، تعريب الدكتور جورج نوّار، عظة 2.

[310] Letter 59 to Cornellius: 7.

[311] Against Jovinianus, 1:12.

[312]St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate, 53: 8.

[313] On Luke hom 117.

[314] In Matt.  7:18. 

[315]  مناظرات كاسيان، 4: 19.

[316] الفيلوكاليا، 1993، ص ٣٤.

[317] الفيلوكاليا، 1993، ص ٤٣.

[318] St. Clem. Alex: Protr. 1: 3: 1.

[319] Cf. Stromata 4: 15. PG 8: 12229.

[320] Octavius, 38: 1.

[321] Octavius, 37: 1.

[322] Stromata 4: 67: 2.

[323] W. R. Schoedel. Athenagoras, P XXII. Embassy 24-25.

[324] City of God, 19:14

[325] City of God, 19:16

[326] Augustine: Man’s perfection in Righteousness 19.

[327] On Ps. hom 34.

[328] Ep. 133: 6.

[329] Ep. 130: 12.

[330] Stromata 2: 4; 3: 7.

[331] Strom. 2: 6.

[332] Comm. Rom 22 on 4: 4.

[333] Contra Celsus 4: 3.

[334] In Ioan tr 41: 8.

[335] City of God 4: 12: 3.

[336] Hermas: Pastor, sim. 1: 11.

[337] Paedagogus, 2: 1.

[338] Divine Instit. 6: 12.

[339] Ep. Ad Diogn.

[340] Enarr. In Ps. 131: 5.

[341] Alms. 13.

[342] St. John Chrysostom: Hom. On Ephes. 6: 5- 6.

[343] Expos. Evong sec Luc. 7: 124; 247.

[344] On Christian Doctrine 1:3-4.

[345] On Free Choice of the will, 1:6:15.

[346] The way of Life of the Catholic Church, 1:23:42.

[347] The way of Life of the Catholic Church ,1:35:77.

[348].Letters, 130 to Proba,3.

[349] Letters, 157 to Hialarius, 35

[350] Christian Instruction, 1:3:4

[351] To the People of Autioch, homily 2:6. P6 49:43

[352] Homilies on. 1 Tim., homily 12. PG 62: 562. 564.

[353] Homily on "I will pull down my barns," 2

[354] Homilies on 1Cor, homily 25:3

[355] Homilies on Psalms, homily 1:6 on Ps.14

[356] Homily on "I will pull down my Barns," 3.

[357] Homilies on 1Timothy, homily 11:2.

[358] Homilies on 1Timothy, homily 12:4.

[359] Homilies on 1Timothy, homily 12:4.

[360] City of God, 19:13

[361] Homilies on 1Cor., homily 11:5.

[362] Homilies on Matthew, 77:3.

[363] Homilies on John, 15:3.

[364] Letters, 153 to Macedonius, 26.

[365] On Naboth, 1.

[366] On the Duties of the Clergy, 1:128:132.

[367] On Naboth, 11.

[368] Cf. Ignatius, ad Magn., 7: 1.

[369] Paedagogus 2: 12.

[370] Paedagogus, 3: 6.

[371] Letters, 157 to Hilarius, 23

[372] Paedagogus, 7.

[373] Paedagogus 3: 7.

[374] Paedagogus 3: 6.

[375] Paedagogus 3: 6.

[376] On the Love for the Poor (14), 39.

[377] Homilies on Matt., 48: 9.

[378] Ep. 59.

[379] Sermon 87: 1- 2.

[380] Origrn: In Gen. Hom, 4: 1-2.

[381] Justin: 1 Apology, 14: 3.

[382] Sermons, 206:2 PL 38:1041

[383] On Lagarius, Homily 2:4

[384] Letters, 22:31.

[385] The Hexameron, homily 7:3.

[386] Homily on "I will pull down my Barns," 7.

[387] The Short Rules, Answer on Question 92.

[388] Homily on "I will pull down my barns," 5

[389] Sermons, 206:2 PL 38:1041

[390] On Ps. 102.

[391] Hom. 1.

[392] Hexaemeron 1: 6.

[393] Ibid 1: 3.

[394] Ibid.

[395] راجع د. فوزي إلياس: ستة أيام الخليقة ص ١١: ١٤.

[396] Pl 46: 821.

[397] In Gen. hom 1: 1.

[398] In Gen. hom 1.

Previous
Previous

كاتيكزم الكنيسة القبطية - الجزء السابع

Next
Next

كاتيكزم الكنيسة القبطية - الجزء الخامس