كاتيكزم الكنيسة القبطية - الجزء الخامس

المؤمن والطغمات السماوية

كاتيكيزم

الكنيسة القبطية الأرثوذكسية

Catechism of the Coptic Orthodox Church

الجزء الخامس

المؤمن والطغمات السماوية

2019

إعداد

القمص تادرس يعقوب ملطي

الشماس بيشوي بشرى فايز

كنيسة الملكة القديسة مريم والأمير تادرس

 ساوث برانزويك – نيو جيرسي

 

كنيسة الشهيد مارجرجس

سبورتنج - الإسكندرية


 

باسم الآب والابن والروح القدس

الله الواحد، آمين


 

Table of Contents

1. خلقة العالم الروحي... 10

1. ما هو العالم الروحي؟. 10

2. من هم الملائكة؟. 11

3. لماذا دُعوا ملائكة؟. 11

4. هل من ضرورة للتعرُّف على السمائيين الصالحين والساقطين؟. 11

5. لماذا يتحدث الكتاب المقدس عن السمائيين؟. 12

6. هل يُوهَب الإنسان ملاكًا حارسًا؟. 12

7. هل كل طوائف اليهود تعتقد بوجود ملائكة؟. 14

8. ما هو عدد الملائكة؟. 14

9. هل كل الملائكة صالحون؟. 14

10. متى خُلِقَت الملائكة، وكيف خُلِقَت؟. 14

11. لماذا خُتم الكتاب المقدس بسفر الرؤيا الذي كثيرًا ما أشار إلى السمائيين؟. 15

12. هل طبيعة الملائكة روحية بلا جسد وخالدة؟. 15

13. هل للملائكة إرادة حُرَّة؟. 16

2. صُحبتنا مع الطغمات السمائية. 17

1. هل يتوقَّف السمائيون عن التسبيح ليُصَلُّوا عنّا ويشفعوا فينا؟. 17

2. لماذا نحتفل بأعياد السمائيين؟. 17

3. ما هي سمات الكائنات السماوية؟. 18

4. هل للملاك شكل؟. 19

5. هل هي كائنات عاقلة لها كيانها المستقل بها وإن كان ليس لها جسد مادي؟. 20

6. لماذا خلق الله الملائكة؟. 20

7. لماذا خُلِقَت الملائكة قبل البشر؟. 21

8. هل يستطيع الإنسان أن يرى الملائكة؟. 21

9. ما هو غذاء الملائكة؟. 21

10. هل تخضع الملائكة للدينونة؟. 22

11. هل للملائكة دورهم في العمل الكنسي؟. 22

12. لماذا يُسر الملائكة باجتماع المؤمنين معًا؟. 23

3. نظام الطغمات السمائية. 24

1. هل توجد سمات مشتركة بين الطغمات السمائية؟. 24

2. هل يمكننا التمييز بين الطغمات السماوية؟. 24

3. ماذا قَدَّم لنا كتاب الرُتب (الهيراركي) السماوية Celestial Hierarchies؟. 24

4. ماذا قيل عن الرتبة الأولى التي تضم السيرافيم والكروبيم والكراسي؟. 27

5. ماذا قيل عن السيرافيم؟. 27

6. ماذا قيل عن الكروبيم؟. 29

7. ماذا يقول القديس مار يعقوب السروجي عن الكروبيم كمركبة الله؟. 30

8. لماذا أقام الله كاروبًا لحراسة طريق الفردوس؟. 30

9. لماذا وُضِع كاروبان من الذهب على تابوت العهد؟. 32

10. لماذا وهب الله حزقيال النبي رؤية المركبة الإلهية؟. 33

11. كيف صار الجالس على الكروبيم في المذود في حضن القديسة مريم؟. 34

12. ماذا قيل عن "الكراسي" أو "العروش"؟. 34

13. ماذا قيل عن تحرك مركبة المخلوقات الحية الأربعة؟. 34

14. لماذا تحدث الكتاب المقدس بعهديه عن الأربعة مخلوقات الحية؟. 35

15. ما هي سمات المخلوقات الحية الأربعة؟. 35

16. ماذا قيل عن الأربعة وعشرين قسيسًا (رؤ 4:4)؟. 38

17. ماذا قيل عن الرتبة الثانية التي تضم السلاطين والأرباب والقوات؟. 39

18. ماذا قيل عن الرتبة الثالثة التي تضم الرئاسات ورؤساء الملائكة؟. 39

19. ماذا قيل عن رئيس الملائكة ميخائيل؟. 40

20. ماذا قيل عن مقاومة رئيس الملائكة ميخائيل لإبليس؟. 41

21. هل من جولات أخرى لرئيس الملائكة ميخائيل مع الشيطان ومملكته؟. 42

22. متى نحتفل بعيد رئيس الملائكة ميخائيل؟. 43

23. لماذا يدعو البعض الملاك ميخائيل ملاك قيامة السيد المسيح؟. 44

24. لماذا يدعو البعض الملاك ميخائيل ملاك القيامة العامة؟. 44

25. ماذا قيل عن رئيس الملائكة جبرائيل؟. 45

26. ما هو دور الملاك جبرائيل كما جاء في سفر دانيال النبي؟. 45

27. ما هو دور رئيس الملائكة جبرائيل في البشارة بالتجسد الإلهي؟. 47

28. ماذا قيل عن رئيس الملائكة رافائيل؟. 48

29. ماذا قيل عن رئيس الملائكة سوريـال؟. 49

30. من هم بقية السبعة رؤساء الملائكة؟. 50

4. ليس للشيطان سلطان علينا؟. 52

1. من هم الملائكة الأشرار؟. 52

2. ما هو حال إبليس قبل سقوطه؟. 52

3. هل الشيطان شخصية حقيقية؟. 52

4. هل الأرض مملوءة بالملائكة والشياطين؟. 53

5. ما هي خطية الملائكة؟. 53

6. أين موضع الملائكة الأشرار؟. 53

7. هل الملائكة الأشرار خُلِقوا من طبيعة تختلف عن طبيعة الملائكة الصالحين؟. 54

8. لماذا دُعِي الملائكة الأشرار شياطين، أي مفترون أو مخادعون؟. 54

9. هل أشار السيد المسيح إلى الشيطان وملائكته؟. 54

10. كيف نفلت من فخ إبليس؟. 54

11. من هو قائد معركتنا ضد إبليس؟. 55

12. ماذا يعني القول: "هكذا أضارب كأني لا أضرب الهواء" (1 كو 26:9)؟. 55

13. أيهما أقوى المؤمن أم الشيطان؟. 55

14. ماذا يعني القول: "أَتَلْعَبُ مَعَهُ كَالْعُصْفُورِ، أَوْ تَرْبِطُهُ لأَجْلِ فَتَيَاتِكَ؟" (أي 41: 5) 56

15. كيف حطَّم السيد المسيح الشيطان؟. 56

ه. المسيح واهب النصرة. 57

16. ماذا قَدَّم لنا مسيحنا عوض الخسارة التي حلَّت بنا؟. 59

17. لماذا لم ينزع الله الشيطان عن العالم؟. 60

المحتويات.. 62

1. خلقة العالم الروحي................................................................................ 5. 62

2. صُحبتنا مع الطغمات السمائية.............................................................. 12. 62

3. نظام الطغمات السمائية....................................................................... 20. 63

4. ليس للشيطان سلطان علينا؟................................................................ 48. 64

المحتويات............................................................................................... 58. 64

 


 

1. خلقة العالم الروحي

1. ما هو العالم الروحي؟

كانت خطة الله أن يخلق مملكة يشترك مواطنوها في خيرات الملكوت المُعَد للخليقة المُقدسة. إذ يقول السيد المسيح: "ومتى جاء ابن الإنسان في مجده وجميع الملائكة القديسين معه، فحينئذٍ يجلس على كرسي مجده ... ثم يقول الملك للذين عن يمينه: "تعالوا يا مباركي أبي، رثوا الملكوت المُعَدّ لكم منذ تأسيس العالم" (مت ٢٥: ٣١، 34). من الواضح أن إكليل خليقته هو أن تتمتَّع الكائنات العاقلة باختيار خالقها ملكًا سماويًا لها، وتتمتَّع هي بالحياة الأبدية المُطَوَّبة.

يتحقَّق هذا ليس قسرًا، وإنما خلال حرية إرادة الخليقة العاقلة، ينضم المؤمن الحقيقي إلى صفوف الكائنات الروحية السامية. وقد أَكَّد الكتاب المقدس أن الإنسان أقل من الملائكة (مز ٨: ٥).

عملهم الرئيسي هو التأمل في جمال مجد الله، وتمجيده بلا انقطاعٍ. حياتهم المُطوَّبة تنمو خلال تأملهم في مجد الله.

بعد سقوط الإنسان، أظهر الملائكة تجاوبهم مع محبة الله للبشر في تقديم رسائل إلهية لهم لممارسة التوبة ورجوعهم إلى الله.

2. من هم الملائكة؟

الملائكة كائنات سماوية روحية عاقلة بدون جسد بشري، ولها إرادتها وقوتها.

3. لماذا دُعوا ملائكة؟

مع وجود الطغمات السماوية المتنوعة، تُدعَى جميعها أحيانًا ملائكة.

كلمة "ملاك" معناها "رسول." فقد أقام الله من العالم الروحي رسلاً يبعثهم إلى البشر لإعلان إرادته في أمورٍ مُعَيَّنةٍ، خاصة في خلاص الإنسان، إذ يريد الله من العالم الروحي مشاركته في حُبِّه للبشر ورغبته في خلاصهم. كما قال دانيال النبي: "إلهي أرسل ملاكه وسدَّ أفواه الأسود فلم تضرني، لأني وُجِدت بريئا قدامه وقدامك أيضًا أيها الملك لم أفعل ذنبًا" (دا 6: 22). وأيضًا يقومون ببعض المهام بخصوص خلاص الإنسان، كما فعل رئيس الملائكة جبرائيل للعذراء مريم (لو 1: 26-38). وأيضًا كان للملاك روفائيل دورًا كبيرًا في سفر طوبيت. فكلمة "ملاك" لا تشير إلى طبيعتهم بل إلى رسالتهم وعملهم.

ويُحسَب الأنبياء ورجال الكهنوت رسلاً، لأنهم مدعوون لإبلاغ البشر عن محبة الله لهم. بل ودُعِي السيد المسيح نفسه الذي هو ربّ الملائكة: ملاك العهد (ملاخي ٣: ١-٣).

4. هل من ضرورة للتعرُّف على السمائيين الصالحين والساقطين؟

‌أ.    إن كان الإنسان لا يقدر أن يصف روحه ويُحَدِّد مكانها مع تأكده من وجودها وقدراتها، فكيف يقدر أن يتعرَّف على طبيعة السمائيين غير المتجسدين.

‌ب. أشار الكتاب المقدس إلى بعض الطغمات السمائية، وقدَّم لنا بعض سماتها، وإن كانت اللغة البشرية تعجز عن وصف ما هو سماوي، هذا ما يؤكده لنا أيضًا سفر الرؤيا.

‌ج.  مع تأكيد آباء الكنيسة محبة السمائيين لنا، يعتبرون أن الكتاب المقدس قدَّم عنهم الحقائق التي تمسّ حياتنا وجهادنا وتبعث روح الرجاء فينا.

‌د.   نتوقَّع عند انطلاقنا من العالم أن نلتقي بهم، ونشترك في خورُس السمائيين، ونتعرَّف على الكثير عنهم مما لا نعرفه خلال غربتنا هنا على الأرض.

‌ه.  الحب المتبادل بين السمائيين والبشر له تقديره الخاص في عيني خالق الكل.

‌و.   الحديث عنهم ينزع الخوف من الموت عند الأطفال والكبار، إذ يشعرون بصداقة السمائيين لهم.

‌ز.  يليق بنا التمييز بين من يُصَابون بتخيلات وأوهام سواء في يقظتهم أو في الأحلام، وبين الحقائق الأبدية الخاصة بالحياة الأخرى التي تعلنها كلمة الله.

‌ح.  يكشف لنا الكتاب المقدس عن سمو إبليس قبل سقوطه، وإصراره على التمرد على الله، وحيله كي نتعظ ونفض مشوراته ونلتصق بالله محب البشر، وندرك الإمكانيات التي يقدمها الله لنا، فنتحدى عدو الخير، وننضم إلى خورس السمائيين.

5. لماذا يتحدث الكتاب المقدس عن السمائيين؟

أَكَّد الكتاب المقدس إرسال الله بعض السمائيين وقيامهم بدورٍ خاص في حياة البشرية، بالقول: "أليس جميعهم أرواحًا خادمة مُرسَلة للخدمة للعتيدين أن يرثوا الخلاص؟!" (عب ١: ١٤).

لقد وردت الكلمات "ملاك وملائكة وكروب وكاروبيم" وبعض أسماء الطغمات السماوية في الكتاب المقدس أكثر من 230 مرة في العهد القديم و190 مرة في العهد الجديد. الأمر الذي يحثّ المؤمن أن يتعرَّف عليهم وعلى حُبِّهم للبشر واشتياقهم لتمتُّعنا بالخلاص.

6. هل يُوهَب الإنسان ملاكًا حارسًا؟

يعتقد اليهود أن ملاكين يصاحبان الإنسان عند عودته من المجمع إلى بيته في عشية السبت، واحد صالح والآخر شرير[1].

عقيدة الملاك الحارس لها أساس في الكتاب المقدس (تك 16:48؛ طوبيا 25:3؛ أع 15:12). يقول السيد المسيح: "انظروا، لا تحتقروا أحد هؤلاء الصغار، لأني أقول لكم: إن ملائكتهم في السماوات كل حين ينظرون وجه أبي الذي في السماوات" (مت 18: 10). ويقول المرتل: "لأنه يوصي ملائكته بك لكي يحفظوك في كل طرقك" (مز 91: 11). قال المجتمعون في العلية للصبية عن الذي يقرع الباب إنه ملاكه (أع 12: 15). وأوصى الرسول المرأة أن يكون لها غطاء للرأس لأجل الملائكة (1 كو 11: 10). ويقول المرتل: "ملاك الرب حال حول خائفيه" (مز 34: 7).

يظهر هذا التعليم الخاص بالملاك الحارس في الكتابات المسيحية المبكرة، ذُكِر في برناباس[2] وفي أعمال القديس إكليمنضس السكندري. جاء في كتاب الراعي لهرماس: [يصحب الإنسان ملاكان، ملاك العدل وملاك الشرّ... عندما تشعر بالتذمُّر والمرارة، فاعلم أن الشيطان يسكن فيك... فابتعد عنه ولا تُصَدِّقه، لأن أعماله تضر عبيد الله[3].]

وجاء في العلامة أوريجينوس: [يجب أن نؤمن أن الملائكة، وهم خدام الله والحراس المُعَيَّنين من قِبَله، متواجدون مع الإنسان الذي يُصَلِّي، حتى ينضموا إليه فيما يلتمسه. والحقيقة أن الملاك المُخَصَّص لكل منا، حتى للصغار في الكنيسة، والذي يعاين دائمًا وجه الآب، ويشاهد ألوهية الخالق، يصلي معنا ويدعمنا على قدر الإمكان فيما نطلب.] [كل واحدٍ من المؤمنين حتى وإن كان الأصغر في الكنيسة، يعاونه ملاك، ويقول الإنجيل إن هؤلاء الملائكة يعاينون على الدوام وجه الله الآب الذي في السماوات[4].] [إذ يقبل إنسان الإيمان، يعهد به المسيح الذي فداه بدمه من الشرير إلى ملاكٍ مقدسٍ الذي بسبب نقاوته يعاين وجه الله الآب[5].]

[لابد أن نقول إن النفس البشرية هي تحت إشراف ملاك بالنسبة لها بمثابة الوالد[6].]

[حتى لا يحدث أن تجد الأرواح الشريرة فيما بعد مكانًا فيها (النفس البشرية)، رأت حكمة الله وعنايته أن تُزوِّد الأطفال الصغار وأولئك الذين هم ليسوا إلا أطفالاً رُضّع في المسيح، وغير القادرين على الدفاع عن أنفسهم ضد غواية الشيطان وهجمات الأرواح الشريرة، بملائكة وحراس أبطال، مُعَيَّنين من قِبَله كمرشدين ومُربّين لصغار السن أو غير القادرين على الدفاع عن أنفسهم (1 كو 1:3؛ أف 11:6؛ غل 2:4)[7].] [ما أقوله فيما يختص بكل إقليمٍ، من الواجب تطبيقه فيما يختص بكل فردٍ. فكل شخصٍ منا يقع تحت تأثير ملاكين: ملاك للصلاح وآخر للشر. فإن وُجِد فكر صالح في رأسنا، فما من شك في أن ملاك الرب هو الذي يتحدث معنا. أما إن جاءت أمور شريرة إلى قلوبنا، فالذي يخاطبنا هو ملاك الشرّ[8].] [إذ يشهد الرب في الإنجيل أن قلوب الخطاة مُحاصَرة "بسبعة شياطين" (لو 26:11)، نجد الكاهن على نحو ملائم يرش بأصابعه زيتًا سبع مرات أمام الرب لطرد الأرواح الشريرة السبعة من قلب الشخص الذي ينشد التطهير[9].] [المستقيمون هم من يحتاجون إلى معونة ملائكة الله، حتى لا يُسقِطهم الشيطان، ولا يخترق قلوبهم سهم يطير في الظلام[10].]

[إذ رأى الملائكة رب الطغمة السمائية يجول في الأرض، دخلوا الطريق الذي فتحه، مقتفين أثر ربّهم، متمثلين لإرادته، فهو الذي أسند إليهم رعاية من آمنوا به. فالملائكة في خدمة خلاصك. إذ اتخذ جسدًا، كان عليهم أن يتبعوه. كأني أسمعهم يقولون فيما بينهم: "إن كان قد اتخذ جسدًا مماتًا، فكيف نظل نحن باقين بدون عمل؟ تعالوا أيها الملائكة. تعالوا ننزل كلنا من السماء." هذا هو السبب في تواجد جمهرة من القوات السمائية يُسَبِّحون الله ويُمَجِّدونه عند ولادة المسيح، فقد كان المكان زاخرًا بهم[11].]

[جاء ملاك الرب للرعاة وكلمهم. اسمعوا يا ملائكة الكنائس، فإن ملاك الرب لا يزال ينزل من السماء ليعلن لكم: "إنه وُلِد لكم اليوم مُخَلِّص هو المسيح الرب". حقًا لو لم يأتِ هذا المُخَلِّص لما استطاع رعاة الكنائس أن يعتنوا برعيتهم من أنفسهم. فاشلة هي رعايتهم إن لم يرعها المسيح معهم! ها نحن بصدد قراءة ما جاء عن الرسل: "نحن فلاحة الله" (1 كو 3: 9)، فالراعي الصالح هو ذاك الذي يتبع سيده الراعي الصالح، فيعمل مع الله (الآب) ومع المسيح.]

لكل شخصٍ ملاك حارس، وأيضًا لكل مدينة وكل كنيسة.

7. هل كل طوائف اليهود تعتقد بوجود ملائكة؟

بينما يعتقد الفريسيون بوجود ملائكة، ينكر الصدوقيون القيامة ووجود ملائكة وأرواح (أع ٢٣: ٨).

8. ما هو عدد الملائكة؟

جاء في سفر دانيال أن عدد الملائكة كانوا ألوف ألوف يخدمونه، وربوات ربوات وقوف قدامه" (دا ٧: ١٠). فهي بالنسبة لنا لا تُحصَى. وجاء في سفر الرؤيا: "ونظرت وسمعت صوت ملائكة كثيرين حول العرش والمخلوقات الحيّة والقسوس، وكان عددهم ربوات ربوات وألوف ألوف" (رؤ ٥: ١١).

يعتقد اليهود أن عددهم بلا إحصاء. وأن ستين ربوة من الملائكة رقصت متهللة عندما ترك يعقوب بيت لابان[12] وكانت تقويه لأنه كان خائفًا من عيسو (تك 32: 2). وفي سيناء ظهر الله ومعه 22 ألفًا من القوات الملائكية[13].

عند ميلاد السيد المسيح ظهر جمهور من الملائكة يُسَبِّحون الله (لو 13:2-15). وعند القبض عليه قال إنه قادر أن يستدعي أكثر من اثني عشر جيشًا من الملائكة (مت 53:26).

إن كان لكل إنسان ملاكه (مت 10:18)، فيكون عددهم مساوٍ لعدد البشرية عبر التاريخ. ويربط البعض عددهم بعدد الكواكب (أي 7:38؛ مز 1:148-3؛ رؤ 1:9، 2؛ 3:12، 4، 7-9) سواء الكواكب التي يمكن رؤيتها أو غير المنظورة لنا، التي تبلغ البلايين. لقد أوضح كل من القديس يوحنا (رؤ 11:5) والقديس بولس (عب 22:12) أن الملائكة لا يمكن إحصاء عددهم.

9. هل كل الملائكة صالحون؟

يوجد ملائكة صالحون يُحِبّون الله ويُسَبِّحونه، كما يوجد أيضًا ملائكة أشرار تشامخوا على الله يُدعَون شياطين. بمشيئة الله سنتحدث عنهم في البند الرابع من هذا الجزء.

10. متى خُلِقَت الملائكة، وكيف خُلِقَت؟

لم يشر الكتاب المقدس إلى متى خُلِقَت الملائكة، ولا كيف خُلِقَت. إنما جاء في سفر الخروج: "لأن في ستة أيام صنع الربّ السماء والأرض والبحر وكل ما فيها، واستراح في اليوم السابع. لذلك بارك الربّ يوم السبت وقدَّسه" (خر ٢٠: ١١). ويقول القديس بولس: "فإنه فيه خُلِق الكل: ما في السماوات وما على الأرض، ما يُرَى وما لا يُرَى، سواء كان عروشًا أم سيادات أم رياسات أم سلاطين. الكل به وله قد خُلِق" (كو ١: ١٦).

الإشارة الوحيدة التي بين أيدينا عن زمن خلقتهم وردت في سفر أيوب، إذ قيل: "عندما ترنَّمت كواكب الصبح (الملائكة) معًا وهتف جميع بني الله" (أي ٣٨: ٧). لقد اتفق كل الآباء القديسين أن الله خلق الطغمات السماوية قبل خلقة العالم المنظور والإنسان[14].

يرى بعض الآباء مثل مار أفرآم السرياني أن الملائكة خُلِقَت مع خلقة العالم، في اليوم الأول مع خلقة السماء أو في اليوم الرابع مع الكواكب[15].

يقول هرماس[16] والقديس غريغوريوس اللاهوتي إنهم وُجِدوا قبل الخليقة كلها.

11. لماذا خُتم الكتاب المقدس بسفر الرؤيا الذي كثيرًا ما أشار إلى السمائيين؟

‌أ.    لأن ربّ الأسرة السماوية يريد أن يلهب قلب كنيسته بالانطلاق إليه والتمتُّع بنصيبها السماوي.

‌ب. الله حاضر في كنيسته الحاضرة (رؤ 2-3)، يعالج ضعفاتها ويُعَزِّيها ويهبها الفرح السماوي الأبدي مع السماويين.

‌ج.  يكشف لها عن اهتمام السمائيين بها ومساندتهم لها، فتختبر العذوبة السماوية.

‌د.   يُعلِن سفر الرؤيا عن أورشليم مدينة الله العُليا السماوية بكونها مسكن الله مع الناس (رؤ 21: 3)، وموطننا الأبدي.

‌ه.  هذا ومعرفتنا للطغمات السمائية تكشف لنا عن جوانب تمسّ حياتنا الإيمانية العملية الحاضرة. ففي تَعَرُّفنا عليهم ندرك الكثير من سماتهم التي وُهِبَت لهم كعطايا إلهية، فنشتهي أن نحمل ذات السمات، وذلك بنعمة الله الفائقة المجانية. دراستنا للطغمات السمائية من خلال الكتاب المقدس، والتقليد الكنسي أو كتابات الآباء تكشف لنا أسرارًا خاصة بالحياة السماوية كما بالكنيسة المقدسة وأيضًا حياة المؤمن الداخلية، خاصة خدام الرب.

12. هل طبيعة الملائكة روحية بلا جسد وخالدة؟

يقول الأب يوحنا الدمشقي: "لأن الملائكة هم كائنات عقلانية، فهم في أماكن روحية لا يُوصَفون بطريقة جسدانية ... وهم يعيشون في أماكن هوائية بطبيعة نورانية متحركة"، لا تحدّهم أماكن مادية لكنهم ليسوا حاضرين دومًا مثل الله. فعندما يكونون في السماء لا يوجدون على الأرض، وعندما يُرسَلون إلى الأرض بواسطة الله لا يبقون في السماء. هم دائمو الحركة، يتحرَّكون في كل المسكونة بسهولة دون عوائق تمنعهم مثل الحوائط والأبواب المغلقة والمختومة[17]"

كما لا نستطيع أن نعرف جوهر الملائكة بدقة. غير أن الكتاب المقدس يقول عن الله: "الجاعل الملائكة أرواحًا" (مز ١٠٤: ٤).

يعتقد بعض الآباء أن الملائكة لهم أجساد هوائية رقيقة وخالدة، متى قورنت بنا نحن البشر. ومتى قورنت بالله البسيط غير المادي تُحسَب كثيفة ومادية.

يقول القديس باسيليوس الكبير أنهم لا يتغيَّرون في أجسامهم مثل البشر عندما يشيخون. ليس بينهم طفل وشاب وشيخ، إنما هم باقون كما هم منذ خلقتهم. يقول لوقا الإنجيلي: "ولكن الذين حُسِبوا أهلاً للحصول على ذلك الدهر والقيامة من الأموات لا يُزوِجون ويُزوَجون، إذ لا يستطيعون أن يموتوا أيضًا لأنهم مثل الملائكة وهم أبناء الله إذ هم أبناء القيامة" (لو ٢٠: ٣٥-٣٦).

يرى الأب يوحنا الدمشقي أن الملائكة خالدون ليس بالطبيعة، وإنما بالنعمة مثل نفوس البشر.

13. هل للملائكة إرادة حُرَّة؟

الملائكة ككائنات روحية، "لها سلطان وحرية إرادة، إما أن تبقى على ما هي عليه وتتقدَّم في الصلاح والفضيلة أو تنحرف نحو الشرّ[18]" يرى القديس باسيليوس الكبير أنه يمكن للملائكة أن تنحرف نحو الشرّ، لأن القوات السماوية ليست مقدسة بالطبيعة، فالقداسة من خارج طبيعتهم، ينالونها بحرصهم وعملهم الجاد. يرجع كمالهم إلى عمل الروح القدس وحسن استخدامهم لإرادتهم الحُرَّة.


 

2. صُحبتنا مع الطغمات السمائية

1. هل يتوقَّف السمائيون عن التسبيح ليُصَلُّوا عنّا ويشفعوا فينا؟

يدور هذا التساؤل في ذهن الإنسان الذي يتخيَّل السمائيين كائنات جسدانية، فيظن أن تسبيح السمائيين لله صادر عن أفواه وحناجر وألسنة مادية. فإن كان التسبيح في جوهره هو حُبّ صادر من أعماق المخلوق، فهو لا يتوقَّف أبدًا. فالوالدان المُحِبّان لابنهما المريض لن يشغلهما أي عمل عن حُبّهما له، لهذا نتساءل:

§     هل توقَّف جبرائيل الملاك عن التسبيح لله وهو يُبَشِّر القديسة مريم بالتجسد الإلهي، وقد دخل معها في حوارٍ بديع (لو 1: 8-19)؟

§     هل يتوقَّف السمائيون عن التسبيح وهم يُقَدِّمون بخورًا لله الذي هو صلوات القديسين (رؤ 5: 8)؟

§     هل توقَّف رئيس الملائكة ميخائيل عن التسبيح أثناء صراعه مع الشيطان ليُخفي جسد موسى (يه 1، 9)؟

§     هل توقَّف الملاك عن التسبيح لله عندما قتل 185 ألفًا من الأشوريين (2 مل 16: 35)؟

§     هل توقَّف الملاك عن التسبيح وهو يوقظ بطرس وينقذه من السجن (أع 12: 5-10)؟

§     هل توقف عن التسبيح الملاك الذي سدّ أفواه الأسود (دا 6: 20-23)، والملاك الذي حثّ كرنيليوس الأممي أن يستدعي بطرس الرسول (أع 10، 11)، والملاك الذي أمدَّ هاجر وابنها بالماء (تك 21: 17-19) الخ.

2. لماذا نحتفل بأعياد السمائيين؟

‌أ. يفتح السمائيون لنا مجالاً للاقتداء بهم في طاعتهم لله، وحُبِّهم للغير، وممارسة لتسبيح والشكر لله. إنهم يُسَبِّحون الله ويشكرونه أيضًا من أجل عمله معنا. قيل في سفر الرؤيا (الأصحاح الخامس) أن الأربعة والعشرين قسيسًا غير المتجسدين يترنمون وهم ساجدون أمام الحمل، بل "ولهم كل واحد قيثارات وجامات من ذهب مملوءة بخورًا هي صلوات القديسين. وهم يترنمون ترنيمة جديدة، قائلين: مستحق أنت أن تأخذ السفر، وتفتح ختومه، لأنك ذبحت واشتريتنا لله بدمك، من كل قبيلة ولسان وشعب وأُمة. وجعلتنا ملوكًا وكهنة، فسنملك على الأرض" (رؤ 5: 8-10).

‌ب. نعود إلى القسوس لنراهم يُسَبِّحون للرب على ألسنتنا لأنهم ككهنة الله العلي، يصلون عنا، ويُقَدِّمون صلواتنا أمام العرش الإلهي.

‌ج. من يتذوَّق الحياة مع المسيح يدرك أنه "لا أنانيّة في السماء"، فالقسوس غير المتجسدين بحُبِّهم لنا لا يُمَيِّزون بين أنفسهم وبيننا، فينطقون بالتسبيح عنا بلساننا ويفرحون لفرحنا، ويشعرون أننا إخوتهم وشركاؤهم في الحياة السماوية. وهكذا وحَّد الحمل بين السماء والأرض، فصارتا واحدًا.

‌د. تحثّنا أعياد السمائيين على التعرُّف على أمجادنا الداخلية. يقول السيد: "ها ملكوت الله داخلكم" (لو 17: 21).

‌ه. ما يشغل كلمة الله في العهدين، لا أن ننشغل بأبحاث نظرية. بل نسترد اللؤلؤة المفقودة، ألا وهي صورة الله ومثاله لكي نتأهَّل للاستقرار الأبدي في الأحضان الإلهية، والشركة العملية في خورُس السمائيين، فنُحسَب كطغمة سماوية لها تقديرها عند محب البشر وعند السمائيين.

‌و. لم يفرد لنا الكتاب المقدس بكل أسفاره في العهدين عرضًا للطغمات السماوية ودرجاتهم وطبيعتهم. إذ لا يدعونا خالقنا ومُخَلِّصنا لحب الاستطلاع الجاف، إنما يكشف لنا عن الأسرار السماوية قدر احتياجنا وبنياننا وحسب الظروف والمناسبات التي نعيش فيها.

3. ما هي سمات الكائنات السماوية؟

الكائن السماوي جوهر عقلاني، دائم الحركة، لا جسد له، يخدم الله ويتمتَّع بنعمة الخلود. أما نوع جوهره وتحديده فلا يعرفهما إلا الخالق وحده. غير أن الكتاب المقدس يقول عنهم بوجه عام: "الصانع ملائكته أرواحًا، وخدامه لهيب نار" (عب 7:1؛ مز 4:104).

يتحرَّكون في كل المسكونة بسهولة دون عوائق تمنعهم مثل الحيطان والأبواب المغلقة والمختومة.

لا تحدّهم أماكن مادية لكنهم محدودون؛ إذا أرسلهم الله إلى الأرض في مهمةٍ ما لا يكونون في السماء. لكن الأسوار والأبواب والأقفال والأختام لا تحدّهم، لأنهم لا يُحصَرون.

يقول القديس باسيليوس الكبير أنهم لا يتغيَّرون في أجسامهم مثل البشر عندما يشيخون، لأنهم لا يأكلون طعامًا ماديًا ولا يشربون. ليس بينهم طفل وشاب وشيخ، إنما هم باقون كما هم منذ خلقتهم.

يقول لوقا الإنجيلي: "لا يُزوِجون ويُزوَجون، إذ لا يستطيعون أن يموتوا أيضًا، لأنهم مثل الملائكة وهم أبناء الله إذ هم أبناء القيامة" (لو ٢٠: ٣٥-٣٦). ويرى الأب يوحنا الدمشقي أن الملائكة خالدون ليس بالطبيعة، وإنما بالنعمة مثل نفوس البشر. ويرى القديس كيرلس الكبير أن الملائكة يجهلون أفكار البشر [الله وحده فقط الذي يعرف أسرار قلوب الناس[19].]

يعتقد بعض الآباء أن الملائكة لهم أجسام هوائية رقيقة وخالدة، متى قورنت بنا نحن البشر. ومتى قورنت بالله "الروح" يُحسَبون أجسادًا روحانية. قَرَّر مجمع نيقية Nicea عام 784 أن للملائكة أجساد أثيرية أو نورانية[20]. يعتمد القائلون على وجود أجسام روحية للملائكة على الآتي:

أ. ستتحوَّل أجسام البشر إلى أجسام روحانية في القيامة (1 كو 44:15). مما يؤكد إمكانية وجود أنواع من الأجسام الروحانية.

ب. خضوع الملائكة للمكان والزمان، كما أن قدرتهم وسلطانهم ومعرفتهم وقداستهم محدودة. فقد خلق الله الكائنات السماوية تتمتَّع بإمكانيات سماوية جبَّارة، من جهة إمكانية الطاعة لله وتتميم إرادته المقدسة مع سرعة الحركة بطريقة فائقة. ولما كان الملائكة أجسامًا روحانية لذلك فإن حركتهم سريعة للغاية في السماء وعلى الأرض. هذا لا يعني أن كيانهم غير محدود، ولا أن كل واحدٍ منهم يوجد في كل موضعٍ، إنما ينتقلون بسرعة من موضع إلى آخر (دا 21:9-23).

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [حسنًا، لقد أُرسِل الابن لكنه ليس بكونه عبدًا ولا خادمًا، إنما هو الابن الوحيد الذي له ذات مشيئة الآب. لم يُرسَل بكونه أخذ جسدًا، أما الملائكة فيُغَيِّرون موضعهم، يتركون المواضع التي كانوا فيها ليُرسَلوا إلى مواضع أخرى لم يكونوا فيها.] يقول دانيال النبي: "هوذا ميخائيل واحد من الرؤساء الأولين جاء لإعانتي" (دا 10: 13).

ج. الملائكة ككائنات روحية وُهِب لها الإرادة الحُرَّة، لها سلطان وحرية إرادة إما أن تتقدَّم في الصلاح والفضيلة أو تنحرف نحو الشرّ[21]. ويرى القديس باسيليوس الكبير أنه يمكن للملائكة أن تنحرف، لأنها ليست مقدسة بالطبيعة، فالقداسة من خارج طبيعتهم، ينالونها بحرصهم وعملهم الجاد. يرجع كمالهم إلى عمل الروح القدس وحُسْن استخدامهم لإرادتهم الحُرَّة.

يقول القديس باسيليوس في رسالته إلى أمفيليكوس إن للقوات السمائية حرية الإرادة ويمكن أن يميلوا إلى الخير أو إلى الشر، لذا فهم في حاجةٍ إلى مساعدة الروح القدس. كما يقول في مقاله الثالث ضد أفنوميوس إن كل الطغمات السماوية لهم القداسة من جهادهم وتأملهم المستمر في الله، وليسوا قديسين بطبيعتهم الذاتية، وإنهم إذ يتوقون إلى الصلاح، ينالون القداسة حسب درجة محبتهم الخالصة لله. وفي مقاله عن الثالوث يقول إن هؤلاء العلويين يستمدون القداسة من الروح القدس حسب درجة كل رتبةٍ. بهذا يظهر أنهم ليسوا صالحين بالطبيعة، بل بالحرية التي تجتذبهم إلى الصلاح والنعمة.

ما يحفظ الملائكة الآن من السقوط هو أن تأملهم في الله ينمو ويتزايد، والأمر الثاني إدراكهم للتجربة التي حلَّت بالطغمات الملائكية الساقطة بسبب كبريائهم، هذا مع مقاومتهم المستمرة للملائكة الأشرار يزيدهم شوقًا للصلاح وللتذكية أمام الله.

د. الملائكة لا تعرف الأحداث المستقبلية وما يدور في قلوب البشر. يقول القديس كيرلس الكبير إن الملائكة يعرفون أن الله وحده الذي يعرف أسرار قلوب البشر[22].

4. هل للملاك شكل؟

يقول القديس مقاريوس الكبير: [للنفس صورة وشكل كما أن للملاك صورة وشكل... وكما أن للإنسان الخارجي صورته الخاصة، هكذا للإنسان الداخلي صورة مثل الملاك، وله شكل يُقابِل الشكل الخارجي[23].]

5. هل هي كائنات عاقلة لها كيانها المستقل بها وإن كان ليس لها جسد مادي؟

إنها ليست طاقات مُجرَّدة، بل لكل ملاك شخصيته المستقلة، وكيانه المستقل عن بقية الطغمة، كما أن له إرادته الحُرَّة ليأخذ قراره الشخصي الذي يُمَيِّزه عن غيره من الكائنات السماوية.

يتوفر لكل ملاكٍ عناصر خاصة، وهي:

أ. الملاك كائن عاقل، وبسبب عدم لبسه جسدًا كثيفًا يتمتَّع بمعرفة فائقة وفهم يفوق البشر. هذا لا يعني أن معرفته مُطلَقة، بل هي محدودة حسب إمكانياته واستحقاقه كعطية من قِبَل الله له.

ب. يمكنه الاتصال بكائنات عاقلة، كما تحدَّث الملاك مع المرأتين عند قبر السيد المسيح (مت 5:28).

ج. له دوافع الحب والفرح. هتفت الملائكة بفرحٍ عظيمٍ للخالق (أي 7:38). ويسجد السيرافيم بخوف ورعدة يُسَبِّحون الله (إش 3:6). إنهم يفرحون بالخاطئ التائب (لو 10:15).

د. له حرية الإرادة وله حق تقرير مصيره، أي الاختيار بين الطاعة لله أو العصيان. قيل إن لوسيفر الذي كان من أعظم الرتب الملائكية وسقط معتد برأيه وإرادته (إش 11:14-15).

ه. كائنات نورانية: الملائكة الصالحون هم ملائكة النور في مقابل قوات الظلمة (2 كو 14:11؛ أف 12:6). عندما ظهر ملاك لبطرس في السجن أضاء نور في الزنزانة (أع 7:12).

و. يعملون بروحٍ جماعي: قيل: "وكان ذات يوم أنه جاء بنو الله ليَمْثلوا أمام الرب" (أي 6:1؛ 1:2). واستقبل السمائيون خلقة العالم بهتاف جماعي، إذ يقول الرب: "أين كنت حين أسست الأرض؟ أخبر... عندما ترنمت كواكب الصبح معًا، وهتف جميع بني الله؟" (أي 4:38، 7).

ز. ليس بين الملائكة جنس، لكنهم عادة إذا ما ظهروا للبشر يحملون شكل البشر (تك 2:18، 22؛ 1:19؛ دا 18:10)، بجمال فائق، ولا تُعرف في البداية إنها ملائكة (تك 2:18؛ 5:19).

ح. عدم الفناء: للملاك بداية مثل النفس البشرية، ولا يخضع للموت بمعنى الفناء (لو 36:20).

6. لماذا خلق الله الملائكة؟

يقول القديس غريغوريوس الثيؤلوغوس في مقاله عن الميلاد، إن الله خلق الملائكة من أجل صلاحه؛ يسكب صلاحه عليهم، ويتمتعون بالتفكير فيه، فيعملون (يخدمونه بالروح) متمتعين بذلك[24].

لقد أوضح الكتاب المقدس موقف كل من الملائكة الأبرار والأشرار من خلقة البشر حيث سبَّح وتهلل الملائكة الأبرار بينما حسدهم الأشرار وعلى رأسهم إبليس.

7. لماذا خُلِقَت الملائكة قبل البشر؟

إن خلق الملائكة قبل الإنسان زَكَّاهم، إذ أعلنوا محبتهم وفرحهم بخلقة العالم الجميل لبني البشر. لم يكونوا في حاجة إلى النباتات والحيوانات والطيور والأسماك الخ، لأن ليس لهم جسد يحتاج إلى هذا كله، إنما ترنَّموا لعمل الله من أجل إخوتهم الذين يُخلَقون على الأرض (أي ٣٨: ٨). خلقة الإنسان كشفت عن سمو السمائيين وحُبِّهم للخليقة العاقلة على الأرض.

وفي نفس الوقت خلقة الإنسان ملأت كأس إبليس وملائكته الأشرار. وكما يقول سليمان الحكيم: "بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم" (حك ٢: ٢٤). يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ماذا يعني بالقول: "بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم"؟ هذا الوحش الشرير رأى أن الإنسان الأول قد خُلِق خالدًا، فِسمَتِه الشريرة قادته إلى عصيان الوصية، وبها جلب لنفسه الموت. إذن الحسد سبَّب خداعًا، والخداع عصيانًا، والعصيان موتًا[25].]

8. هل يستطيع الإنسان أن يرى الملائكة؟

لا يستطيع الإنسان أن يرى الملائكة بعينيه الجسديتين، لكن يمكنه رؤيتهم بسماحٍ إلهيٍ، كما حدث مع جيحزي تلميذ إليشع الذي رأى جيشًا ملائكيًا يحيط بهما ويدافع عنهما (2 مل 17:6). من أجل نفعنا يسمح الله حتى للحيوانات أن ترى الملائكة كما حدث مع أتان بلعام (عد 26:22-31).]

9. ما هو غذاء الملائكة؟

يرى سليمان الحكيم أن شعب إسرائيل قد تمتَّع بخبز الملائكة في رحلتهم في البرية. ولعله لا يقصد المن في ذاته، فإن الملائكة لا يحتاجون إلى غذاء مادي كالمن، لكن الله في حُبِّه لشعبه أعطى لمؤمنيه المطيعين له شبعًا داخليًا وعذوبة، فيجد كل واحدٍ ما يشتهيه. جاء في سفر الحكمة: "ناولتهم طعام ملائكة، وقدَّمت لهم من السماء خبزًا مُعَدًا لم يتعبوا فيه، خبزًا يوفر كل لذةٍ، ويُلائِم كل ذوقٍ" (حك 19:16، 20). كان الشعب طوال رحلة خروجه لا تخدمه الملائكة فحسب، بل ويقتات بغذائهم. أعطى الله شعبه خبزًا من السماء، مُعدًا بغير جهدٍ، فيه كل ما هو شهي وحُلو المذاق (خر 16).

يُطالِب العلامة أوريجينوس بممارسة الخروج والقيام برحلة روحية عَبْر برية هذه الحياة، حتى نحصل على خبز الملائكة. إنه يقول: [لا تضطربوا من قفر البرية، فإنكم لن تحصلوا على المنّ من السماء وتتغذّون على خبز الملائكة إلا وأنتم مقيمون في خيامها[26].]

تتغذَّى الملائكة بطعام روحي هو اللقاء الحي مع الله الذي يهب النفس أو الروح حياةً وشبعًا. يقول الأب يوحنا الدمشقي: [طعام الملائكة هو رؤية الله على قدر استطاعتهم، بهذا يقوم طعامهم. إنهم يتفوَّقون علينا بصفتهم خالين من الجسد ومن كل انفعالٍ جسمانيٍ. لكنهم ليسوا بدون انفعال البتة، لأن الله وحده لا ينفعل.] يرى اليهود أن الملائكة يقتاتون على أشعة جلال الله، ففي نور ملامح الملك توجد حياة" (أم 16: 15)[27]. ويقولون إنه لكي يصير موسى مثل الملائكة يلزمه أن يُستهلَك كل الطعام والشراب الذي في أحشائه[28].

10. هل تخضع الملائكة للدينونة؟

الطغمات السمائية كخليقة تخضع للدينونة، فقد سقط كوكب من أعظم الطغمات السمائية (إش 14: 12)، وسحب معه كثيرين من الطغمات الأخرى. سقط إبليس وملائكته في التشامخ، وصاروا تحت الدينونة، حيث أُعِدَّت لهم جهنم الأبدية.

يمكننا القول إن جميع الطغمات تقف أمام الله لتُقَدِّم حسابًا، غير أنهم الآن وقد رفضوا الخضوع لإبليس، بل أخذوا موقف المقاومة لحساب ملكوت الله لا يمكن سقوطهم، ليس لأن طبيعتهم غير قابلة للسقوط، ولكن لأنهم قد نجحوا في امتحان التواضع، ولا زالوا يسلكون بروح التواضع بفرحٍ عظيمٍ.

يمكن القول إنه صار موقفهم كموقف القديسين بعد رحيلهم من هذا العالم مع الفارق أن الإنسان كان له ضعفاته بسبب الجسد الهيولي الثقيل وقد تقدَّس خلال الدم الثمين بعمل الروح القدس الناري.

لقد دين رئيس هذا العالم، إبليس (يو 11:16)؛ وفي يوم الرب العظيم يقول السيد "للذين على اليسار: اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المُعدَّة لإبليس وملائكته" (مت 41:25).

11. هل للملائكة دورهم في العمل الكنسي؟

يرى العلامة أوريجينوس أن ملاكًا يتقبَّل من ينال العماد بفرحٍ من أجل ما يناله المُعَمَّد من بركات إلهية فائقة. ولا يقف الأمر عند الحضور والفرح، إذ يقول: [في الوقت الذي نلت فيه سرّ الإيمان، كان من حولك قوات سمائية تستقبلك، خدمة كهنوتية للملائكة، كنيسة أبكار (عب 23:12). إذا علمنا أن كلمة "إسرائيل" تعني "رؤية الرب بالذهن"، فسنرى أن هذا الاسم يصير أكثر تطابقًا إذا اُستخدم بالنسبة للملائكة الذين يخدموننا. فكما قال الرب عن الأطفال وقد كنت أنت طفلاً عند عمادك "إن ملائكتهم في السماوات كل حين ينظرون وجه أبي الذي في السماوات" (مت 10:18)... هكذا كان بنو "إسرائيل" ينظرون وجه الرب ويتواجدون ويعطون لك أسرار الإيمان[29].] كما يقول: [قبل الاهتداء كان الإنسان عبدًا للشيطان، أما بعد الاهتداء فيحظى برعاية ملاك خاص ليُحِثّه على العمل الصالح، ويحميه من الملائكة الأشرار. بالإشارة إلى الكلمات "عندما صرت من خلال الجُرْن طفلاً في المسيح"، يمكن القول إنه لا يوجد ملاك مقدس مع من هم بعد في الرذيلة. ففي فترة جحودهم يصيرون تحت قيادة ملائكة إبليس. أما بعد تجديدهم، فيعهد بهم من فداهم بدمه إلى ملاك مقدس هو أيضًا وبسبب طهارته يعاين وجه الله[30].]

يقول العلامة أوريجينوس إن الملائكة يترددون بين الإنسان والسماء. [فنحن نُسلّم فعلاً أنهم يصعدون حاملين صلوات الناس، ثم يعودون نازلين ومعهم لكل واحدٍ ما يرغب فيه من أمورٍ صالحةٍ، عيَّنهم الرب لتقديمها إلى من يحبونه[31].]

12. لماذا يُسر الملائكة باجتماع المؤمنين معًا؟

يقول العلامة أوريجينوس: [كما يتواجد الملائكة عند العماد، يتواجدون أيضًا في كل اجتماع مسيحي. "ملاك الرب حالٌ حول خائفيه، ويخلصهم" (مز 7:34). معنى هذا، أنه إذا اجتمع عدد من الناس لمجد المسيح، فسيكون مع كل واحدٍ منهم ملاكه (الحال حوله)، إذ كلهم من خائفي الرب. سيكون كل ملاك في صحبة من خُصِّص له لحراسته وإرشاده، أي أنه عندما يجتمع القديسون، توجد كنيستان، واحدة من الناس والأخرى من الملائكة[32].]

كما يقول: [ليس عندي شك، في أنه توجد ملائكة في وسط اجتماعنا أيضًا. ليس فقط في الكنيسة ككل، بل وفي كل كنيسة منفردة، في كل كنيسة تضم من قيل عنهم إن "ملائكتهم تنظر وجه الآب الذي في السماوات" (مت 18: 10). فعندنا هنا إذًا كنيسة مزدوجة، إحداها من الناس، والأخرى من الملائكة. إن كان ما نقوله متمشيًا مع المنطق، ومع روح الأسفار المقدسة، فالملائكة تفرح وتُصلِّي معنا. وحيث أن الملائكة متواجدون في الكنيسة، أي في الكنيسة التي تستحق وجودهم، فمن واجب النساء المصليات أن يكون لهن ما يُغطي رؤوسهن من أجل الملائكة (1 كو 11: 10).]

يقول القديس أنبا أنطونيوس عن الحراسة السماوية: [عندما تغلق باب مسكنك وتبقى بمفردك، اعلم أن معك ملاكًا، مُعَيَّنًا من قِبل الله لكل إنسانٍ، وهو الذي يُلَقِّبه اليونانيون "روح البيت". إنه لا ينام، ويرى كل شيء بمرافقته الدائمة لك، ولا ينخدع، ولا يختفي عنه شيء في الظلام. واعلم أن الله بجوارك حال في كل مكانٍ، فإنه لا يوجد مكان أو حيِّز ليس الله موجودًا فيه. إنه أعظم من الكل وممسك بيده الجميع[33].]


 

3. نظام الطغمات السمائية

1. هل توجد سمات مشتركة بين الطغمات السمائية؟

توجد سمات عامة مشتركة بين الطغمات السمائية مع انسجام كامل معًا، حتى يمكن إن جاز لنا أن ندعو الكل خورُس السمائيين. هذا الخورُس العام المتناغم يضم على الأقل تسع طغمات، لكل طغمة اسم خاص بها، ولها ما يشترك فيه أعضاء الطغمة من سمات خاصة بالطغمة. وكل طغمةٍ أو كل خورُس يتَّسِم بوحدة متميزة في سمات خاصة بكل الأعضاء، وإن كان لكل عضوٍ أيضًا له ما يُمَيِّزه عن بقية أعضاء نفس الخورُس.

يقول القديس أنبا أنطونيوس الكبير: [أُعطيت لهم أسماء مختلفة حسب نوع كل واحدٍ منهم. فالبعض ملائكة ورؤساء ملائكة، والبعض كراسي وربوبيات ورئاسات وسلاطين وشاروبيم (كروبيم). أُعطيت هذه الأسماء لهم حين حفظوا مشيئة خالقهم. ومن الجهة الأخرى فإن شرّ الآخرين جعل من الضروري تسميتهم بأسماء: إبليس وشياطين بسبب حالتهم الشريرة، والبعض منهم دُعوا أرواح شريرة وأرواح نجسة، والبعض أرواح مُضِلَّة، والبعض دُعوا بلقب رؤساء هذا العالم، وتوجد أنواع أخرى كثيرة[34].]

2. هل يمكننا التمييز بين الطغمات السماوية؟

في التعرُّف على التسع طغمات السماوية يوجد سمات مشتركة تجعلنا نعجز عن تصوُّر التمييز بينها، خاصة وان كل الطغمات روحية ليس لها جسد مادي مثلنا، وتفوق فكرنا، والكل يتمتَّع بالحضرة الإلهية، وإشراق النور الإلهي عليها. والكل يشترك في خورُس سماوي يُسَبِّح الله ويُمَجِّده بطريقة رائعة!

3. ماذا قَدَّم لنا كتاب الرُتب (الهيراركي) السماوية Celestial Hierarchies؟

أبرز هذا الكتاب الذي لديونيسيوس الأريوباغي أن الله إله نظام وليس إله تشويش (1 كو 33:14)، لهذا حتمًا للسماء وللسمائيين طقس خاص ونظام دقيق. وواضح أن لهم اجتماعات ربما دورية كما يظهر من (أي 6:1؛ 1:2). اجتمعوا أثناء الخلقة في دهشة يُمَجِّدون الخالق ويُسَبِّحونه (أي 7:38). وقد تحدَّث المرتل عن اجتماعاتهم (مز 5:89، 6). تظهر دقة النظام في المعركة بين رئيس الملائكة ميخائيل ومعه ملائكته ضد إبليس وملائكته (رؤ 7:12-9).

إلى يومنا هذا يتبع بعض الدارسين ما ورد في هذا الكتاب عن رتب الملائكة وطغماتهم، خاصة وأن بعض الليتورچيات التي يحفظها لنا التقليد اتبعت ما ورد في ديونيسيوس.

أشار الكتاب إلى تسع طغمات، لكل طغمة اسم يدل على دورها ووظيفتها. كما أشارت نصوص الليتورجيات إلى هذه التسع طغمات. في الفصل الثالث من كتاب الرتب السمائية المنسوب لديونيسيوس الأريوباغي[35] يذكر الكاتب أن نظام الرتب السمائية هو نظام مُقَدَّس فيه تنعم الكائنات السمائية بإشراقات إلهية حسب استحقاقها، فتصير مُتشبهة بالله. ينعكس عليها الجمال الإلهي، فيهبها صلاحًا واتحادًا وانسجامًا بكل كمالٍ.

جاء في الفصل السادس أن الخالق الإلهي وحده يعرف تمامًا عدد الكائنات السمائية الفائقة وطبيعتهم وأنظمتهم. وما كان يمكننا أن نعرف شيئًا عنهم لو لم يُعَلِّمنا الله ذلك خلال خدامه السمائيين الذين يعرفون طبيعتهم. لهذا يليق بنا ألا نتحدَّث عنهم حسب تخيلاتنا، بل بما أُعلِن لنا حسب قدرتنا على الإدراك خلال الرؤى الملائكية التي نظرها اللاهوتيون المكرمون.

يقول الكاتب أيضًا أن جميع الطغمات السمائية يمكن دعوتها "ملائكة". فقد خلق الله هؤلاء الكائنات السماوية خلال صلاحه الإلهي، وتحمل كلمة "ملائكة" معنى مرسلين، لأن جميع الطغمات كائنات تسمو عن المخلوقات الأرضية العاقلة وغير العاقلة.

[هكذا يشترك هؤلاء أولاً بكل وسيلةٍ مختلفةٍ في (النور) الإلهي، ويعلنون بطرقٍ كثيرةٍ عن الأسرار الإلهية. لهذا فهم فوق كل شيءٍ مستحقون لاسم "ملائكة"، إذ يتقبَّلون النور الإلهي وينقلونه إلينا بإعلانات تفوق إدراكنا... قبل أيام الناموس كما بعده قاد الملائكة آباؤنا المشهورين رجال الله، إما بإعلانها لهم عما يجب أن يفعلوه، أو بقيادتهم من الحياة الخاطئة والشريرة إلى طريق الحق المستقيم، أو بإعلانها لهم عن الشريعة الإلهية. يستخدمون طريقة المفسرين، فيوضحون لهم النظم السمائية، أو يقدمون لهم رؤى سرية عن أسرار العالم الفائق، أو يقدمون لهم نبوات إلهية معينة[36].]

يرى واضع الكتاب أن الرتب الملائكية تُقسم إلى ثلاث رتب، كل رتبة تضم ثلاث طغمات.

الرتبة الأولى (فصل 7): أكثر التصاقًا بالله، وفوق كل الرتب الأخرى. تضم ثلاث طغمات وهم: السيرافيم المملوئين أعيُنًا، وذوي أجنحة كثيرة، والشاروبيم (الكروبيم) Cherubim، والكراسي (العروش) Thrones.

الرتبة الثانية (فصل 8): وهي تضم ثلاث طغمات وهم: الأرباب Virtues (Lordships) والقوات Powers والسلاطين Dominions (Authorities).

الرتبة الثالثة (فصل 9): تضم ثلاث طغمات وهم: الرئاسات Principalities، ورؤساء الملائكة Archngels والملائكة Angels.

يرى ابن العبري[37] أن هذه الثلاث مجموعات أشبه بكنائس سمائية:

الكنيسة الأولى تضم السيرافيم والكروبيم والكراسي، يمثلون معًا العرش الإلهي. فيظهر في حزقيال أن السيرافيم هم مركبة الله، وجاء في المزامير: "يا جالسًا على الكروبيم أشرق" (مز 80: 1). "الرب قد ملك، ترتعد الشعوب وهو جالس على الكروبيم، تتزلزل الأرض" (مز 99: 1).

الكنيسة الثانية تضم السيادات والقوات والسلاطين.

الكنيسة الثالثة تضم الرئاسات ورؤساء الملائكة والملائكة.

في العهد القديم كان رئيس الكهنة يحمل 12 حجرًا كريمًا على كتفيه، تسع حجارة تُمَثِّل الطغمات الملائكية. الصف الأول: عقيق أحمر يرمز للسيرافيم الناريين، وياقوت أصفر يُمَثِّل الكروبيم أصحاب المعرفة، والزمرد يُمَثِّل الكراسي (خر 28: 17). الصف الثاني: بهرمان وياقوت أزرق وعقيق أبيض (خر 28: 18). الصف الثالث: عين الهروشيم وجمشت (خر 28: 19).

أما الصف الرابع فهو يُمَثِّل كنيسة بني البشر المنضمة إلى الكنائس السمائية، وتضم زبرجدًا وجزعًا ويشبًا، إشارة إلى درجات الكهنوت الثلاث: رؤساء الكهنة والكهنة والشماسة.

جاء في القداس الاغريغوري: [أنت الذي يسبحه الملائكة، ويسجد لك رؤساء الملائكة،

أنت الذي يباركك الرؤساء، ويصرخ لك الأرباب،

أنت الذي ينطق السلاطين بمجدك، أنت الذي يرسل لك الكراسي الكرامة،

ألوف ألوف وقوف قدامك، وربوات ربوات يقدمون لك الخدمة،

أنت هو القيام حولك الشاروبيم والسيرافيم، ستة أجنحة للواحد، وستة أجنحة للآخر، فبجناحين يغطون وجوههم، وباثنين يغطون أرجلهم ويطيرون باثنين[38]، ويصرخون واحد قبالة واحدٍ منهم.]

وجاء في القداس الكيرلسي (المرقسي): [أنت الذي يقوم أمامك المخلوقان الحيًان الكريمان جدًا، ذا الستة أجنحة، الكثيرا العيون، السيرافيم والشاربيم.]

وجاء في الثلاثة تقديسات في خولاجي الأسقف سرابيون: [أنت هو الذي يقف حولك، ألوف ألوف وربوات ربوات الملائكة ورؤساء الملائكة، والعروش والسلاطين والرئاسات والقوات. السيرافان الرهيبان ذا الستة أجنحة...]

كما أن القديس إيرينيؤس يرى أنه يوجد سبع طغمات ملائكية[39].

4. ماذا قيل عن الرتبة الأولى التي تضم السيرافيم والكروبيم والكراسي؟

الرتبة الأولى أكثر التصاقًا بالله، وفوق كل الرتب الأخرى. تضم الثلاث طغمات وهم: السيرافيم المملوئين أعيُنًا، وذوي أجنحة كثيرة والشاروبيم (الكروبيم) الكراسي (العروش). وهم متساوون في الرتبة، كاملون أكثر من غيرهم في تشبههم بالله، ومتحدون مباشرة بالنور الأول للاهوت.

5. ماذا قيل عن السيرافيم[40]؟

كلمة سيرافيم هي صيغة الجمع لكلمة "سروف"، ومعناها الناريون الملتهبون، وهم يسطعون بالنور الإلهي المُشرِق عليهم. إن كانت طغمة السيرافيم تُعتبَر أعلى طغمة بين كل السمائيين، فهي دائمة التسبيح، تمجده، لأنه القدوس الكلي القداسة والكمال والرحمة والعدل والجمال والحكمة. كأن هذه الطغمة تدعو كل الخليقة أن تقترب إلى القدوس على الدوام خلال حياة القداسة والتسبيح بفرحٍ (إش 6: 3).

هنا ندرك دور الألحان في الكنيسة ليس التنافس على حفظ الألحان، بل الاقتداء بالسيرافيم والجهاد على الالتصاق بالقدوس والشركة معه، لنحمل برّ المسيح فينا مع الشكر والفرح، بعمل الله فينا وفي كل الخليقة.

إن كان أحد السيرافيم أخذ من على المذبح السماوي جمرة بملقطٍ (إش ٦: 6)، ومسَّ بها شفتي إشعياء، فتطهر النبي وتأهَّل للشهادة للربّ، فإن هذه القطعة من الجمر الناري، تشير إلى جسد الربّ الذي نتناوله، فيلتهب إنساننا الداخلي بنار الحب الإلهي. نصير على مثال الملائكة، خدام الله الناريين، الملتهبين بالحب لله ولخلاص البشرية. هؤلاء الناريون بالحب المقدس يشتاقون أن نستنير بالقدوس، فيلتهب قلبنا بالنار المقدسة التي تُحَطِّم كل ظلال الظلمة التي فينا، وتهبنا استنارة ومعرفة الأسرار الإلهية والحكمة التي من فوق، والثبات الدائم، بل والنمو المستمر في تشبُّهنا بالله[41].

تمتع إشعياء النبي برؤيا السيرافيم (إش 6: 1) في سنة وفاة عزيا الملك الذي ملك على يهوذا وهو ابن 16 سنة لمدة 52 عامًا وعمل المستقيم في عيني الرب، وقد نجح في كل أعماله. لكن إذ ارتفع اسمه جدًا سقط في الكبرياء، وأراد أن يوقد للرب على مذبح البخور، فضُرِب بالبرص وهو في الهيكل، وطرده الكهنة، وأُصيب بالبرص إلى يوم وفاته، معزولاً في بيتٍ بعيدٍ عن القصر (2 أي 26: 16).

اغتم إشعياء جدًا لسقوط عزيا الملك في أيامه الأخيرة. تطلع النبي إلى الشعب ليراه مُنطرِحًا كغنمٍ بلا راعٍ، إذ صار نجسًا لا يمارس عمله الملكي (2 أي 26: 18-22). أدرك إشعياء أن الشعب في حاجة إلى رعاية سماوية، لأن ذراع البشر يعجز عن إشباع احتياجات الشعب، وكما يقول المرتل: "لا تتكلوا على الرؤساء ولا علي بني البشر الذين ليس عندهم خلاص، تخرج روحهم فيعودون إلى ترابهم" (مز 146: 3-4). وسط هذه المرارة أعلن الرب هذه الرؤيا لإشعياء من أجل تعزيته. تحقَّقت الرؤيا في الهيكل غالبًا في وقت انفرد فيه النبي للعبادة الخاصة، إذ كان يصرخ إلى الله ليستلم رعاية شعبه. ظهر له السيد جالسًا على كرسيٍ عالٍ ومرتفعٍ ليؤكد له أنه هو الراعي السماوي، أفكاره تعلو عن أفكار البشر، وطرقه عن طرقهم. يجلس في الأعالي لكي يحمل كنيسته معه تشاركه أمجاده العلوية. رأى أذياله تملأ الهيكل (إش 6: 1)، إذ هو حال في كنيسته ينتظر كل نفسٍ تُقبِل إليه لتتمتع بالاتحاد معه. لقد رأى السيد المسيح في مجده (يو 12: 41) يملأ السماء والأرض بلاهوته ورعايته. كما رأى السيرافيم يسبحونه.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يصيح السيرافيم قائلين: قدوس قدوس قدوس رب الصباؤوت... إن القوات العلوية يأخذ منها الرعب كل مأخذٍ بغير انقطاعٍ، فهي تدير وجهها وتبسط أجنحتها كحائطٍ، يحميها من الإشعاع غير المحتمل الصادر من قبل الله، ومع ذلك فما تراه إنما هو صورة مصغرة للحقيقة... بينما لا يقوى السيرافيم حتى علي مشاهدة الله الذي لا يتجلَّى لهم إلاَّ كتنازلٍ منه حسب ضعفهم، نرى أناسًا تجاسروا متصورين في عقلهم إدراك طبيعة الله عينها التي يعجز السيرافيم عن إدراكها. إنهم يزعمون أنهم قادرون على التطلُّع إليها بوضوح وبغير حدود! ارتعدي أيتها السماوات واندهشي أيتها الأرض[42].] ويقول: [حقًا إن الله حتى بالنسبة لهذه الطغمات غير مُدرَك، ولا يُمكن الدنو منه. لهذا فهو يتنازل ليظهر بالطريقة التي وردت في الرؤيا. الله الذي لا يحده مكان ولا يجلس على عرش... من قبيل محبته لنا يظهر جالسًا على عرش وتحيط به القوات السمائية[43].] وأيضًا: [(رؤى الأنبياء) إعلانات، كلها أمثلة عن تنازله، وليست رؤى لجوهره بالكشف عنه. لأنهم لو نظروا جوهره ذاته لما رأوه تحت أشكال مختلفة، إذ هو بسيط، بغير شكل ولا أعضاء ولا أساليب مُحَدَّدة، طبيعته لا تجلس ولا تقف ولا تمشي[44].]

ما يُعَزّي الخادم هو أن يرى الخدمة الملائكية، فيتحقَّق أن متاعب الكنيسة وضعفاتها تنتهي يومًا ما لتشترك مع السمائيين في التسبيح أبديًا. الكنيسة هنا كأيقونة السماء، تتمتَّع بعربون الخدمة السمائية. ففي إحدى العظات القبطية تُعَرَّف الكنيسة أنها: [موضع تعزية، هي اجتماع الملائكة وموضع الشاروبيم والسيرافيم[45]]. قيل إن القديس باخوميوس كان يرى الكنيسة مملوءة بالملائكة.

السيرافيم هم خدام العرش الإلهي، يحملون الرب بفرحٍ وتهليلٍ، يسبحونه بلا انقطاعٍ. وكأن عمل كل خادمٍ أو نبيٍ في الكنيسة هو جذب كل نفسٍ إلي الرب كعرشٍ له يسكنه، ويقيم ملكوته داخله، فيصير أشبه بالسروف الناري السماوي. لكل سروف ستة أجنحة، باثنين يُغَطِّي وجهه علامة اتسامه بالمخافة الإلهية، لا يقدر أن يدرك كل البهاء الإلهي. وباثنين يُغَطِّي رجليه علامة الحياء، إن صح هذا التعبير. وباثنين يطير مُحَلِّقًا في السماويات. هكذا يليق بنا أن نتشبَّه بالسروف، ننعم بالمخافة الإلهية في احتشامٍ مع نموٍ دائمٍ وارتفاعٍ مستمرٍ نحو السماويات.

بينما يحمل الكروبيم العرش الإلهي، إذا بالسيرافيم يرفرفون حول العرش، يصرخون واحد قبالة الآخر يعلنون أن الله قدوس، قدوس، قدوس، وأن مجده ملء كل الأرض (إش 3:6).

يرى البعض أن السيرافيم يقومون بعمل كهنوتي ليتورجي، حيث لا ينقطعون عن تقديم التسبيح بالثلاثة تقديسات. يعلنون قداسة الله لكي يفكر الإنسان في جديةٍ نحو تقديسه حتى يقدر أن يقترب من القدوس. يلزم المؤمن أن يقتدي بإشعياء النبي، فيتقبل جمرة النار التي يقدمها السروف بملقطٍ من على مذبح الرب ويلمس بها شفتيه ليطهره من خطاياه (إش 6:6، 7).

6. ماذا قيل عن الكروبيم؟

كلمة "كروبيم" هي صيغة الجمع لكلمة "كروب". ذُكِر اسم "كروب" في الكتاب المقدس قبل أية إشارة إلى الطغمات السماوية، إذ أقامه الربّ حارسًا على الجنة حتى لا يعبر آدم وحواء إلى شجرة الحياة بعد سقوطهما في الخطية (تك 3: 24).

أبرز الكتاب المقدس مواقف الكروبيم والسيرافيم كيف تمسّ حياة المؤمنين، وعلاقتهم بالله والسماء. في العهد القديم لم يُذكَر عن الكروبيم أنهم قاموا بإرسالية للبشر، ولا بخدمة لهم، لكنهم يشفعون فيهم. إنهم قريبون من الله، متميزون بمعرفة الله ومداومة تسبيحه بلا فتور ولا انقطاع. فقد ورد ذكر الكروبيم في الكتاب المقدس ٧٢ مرة، أما السيرافيم، فذُكِروا في رؤية إشعياء النبي الأصحاح السادس، وكيف ألهبت هذه الرؤيا قلبه للانطلاق إلى خدمة ملكوت الله، وملأت نفسه بالرجاء في عمل الله لا البشر. فالكروبيم أغنياء في "المعرفة" يفيضون بالحكمة. يُصورون حاملين للعرش الإلهي كمركبات الله.

تبع القديس إكليمنضس السكندري فيلون اليهودي، قائلاً إن كلمة "كروب" تعني "معرفة"، وكأنه من خلال المعرفة الروحية الصادقة تصير حياتنا مَركبة تحمل اللّه، فنتمتع برؤيته.

رأى القديس جيروم في الكروب رمزًا لمخزن المعرفة التي تعمل في طبيعتنا، لترفعها وتنطلق بها بين القوات السماوية. تعمل في طبيعتنا خلال أربعة جوانب، إذ تصير صاحبة سلطان على الشهوات كأنها أسد، وتحلق في الأمور العلوية كأنها نسر، وتعمل مجاهدة كأنها ثور، وتسلك بتعقُّل كإنسانٍ حكيمٍ في الرب. هذه المعرفة ننعم بها خلال الحياة الإنجيلية خلال الأناجيل الأربعة، إذ يقول القديس جيروم: [متى ومرقس ولوقا ويوحنا هم فريق الرب الرباعي، الكروبيم الحقيقيون، أو مخزن المعرفة؛ فإن جسدهم مملوء عيونًا ومتلألئ كالبرق...، أقدامهم مستقيمة ومرتفعة (حز 1: 7)، ظهرهم مجنح، مستعدون للطيران في كل الاتجاهات (حز 1: 9)، كل واحدٍ منهم يمسك بالآخر ويتحركون حسب نسمات الروح القدس (حز 1: 20)[46].]

7. ماذا يقول القديس مار يعقوب السروجي عن الكروبيم كمركبة الله؟

[كُتِب في النبوة أنه ركب على الكروبيم وطار... الكروبيم مرتبطون بالله، إن تركهم يسقطون ويتخبطون. هو المُمسِك بهم، ولهذا يطيرون بسرعة. قوته العظيمة حامله للكروبيم الحاملين له! هو حامل العالم كله، فمن يحمله؟! الخليقة مُعَلَّقة برمزه الخفي وهو يديرها. أية مركبة تقدر أن تكفيه ليتحرك بها؟ هو فوق الأعالي وتحت الأعماق ومحتضن الكل. لا تكفي هذه المركبة لقوته العظيمة بكل الجوانب، فهو المُمسِك الخليقة كي لا تسقط.]

كما يقول: [لا يحمله الكروبيم ولا المركبة، إنما لأجل التدبير ربطها من أجل الأسرار المرتبطة بها. أفرز لها مكانًا ليكون محل إقامته في بلده، لتقدم إليه الصفوف العلوية مدائحها... صنع له مثل محفة، لكي يظهر فيها، ويكون هناك تجمع ويتمتَّع الكل برؤياه.

وضع علامة له في مكانٍ واحدٍ للسمائيين، وقاموا قدامه كما لو كان موجودًا هناك بأكمله.

تزاحمت الجموع عند باب الملك العظيم. يخدمه ربوات ربوات حسب أشكالهم، ويرسلون إليه أصوات المجد كما لمكانه! يخرج المجد والبهاء المخوف من المركبة ليجمع السمائيين للمجد العظيم.

ليقفوا صفوفًا صفوفًا يخدمونه. ويتفرَّس كل جنودهم نحو موضع واحدٍ. ويستريح نظر بني النور على المركبة، ولا يميلون هنا وهناك لرؤية المجد!

يفرح الكروبيم كمن هم حاملون له، ويقدس السيرافيم وهم يتفرسون في بلدة القدوس.

ويُسَرّ بصفوف السمائيين كمن هم في باب بيت المملكة. ويهتف الجميع لأنهم تأهَّلوا لنظر مكانه العالي... ببهاء نوره يتمتعون جميعهم ببركاته. بكل حياتهم تحمده القوات ورؤساء القوات، لأنهم تأهَّلوا أن ينظروه في بلدته العالية.

توقف طلبهم ولم يفقدوا بحثهم عن الأقطار العلوية لبلد ذاك الخفي غير المحدود. جميعهم يتطلعون نحو ذاك المكان المسُتعار، الذي اختاره واستراح فيه، ويصرخون ممجدين كرامته.

تعترف صفوف السمائيين حيث اصطفّوا عند المركبة. ويباركه الكروبيم، إذ يرتبطون به ويحملونه. وتمجده الجموع، إذ اجتمعوا لتمجيده... انتفع هؤلاء من ارتباط المركبة، أما هو فليس بمحتاجٍ إلى المركبة.]

8. لماذا أقام الله كاروبًا لحراسة طريق الفردوس؟

ارتبط الكروب بخلاصنا ارتباطًا وثيقًا، ظهر في أول أسفار الكتاب المقدس ممسكًا سيفًا ملتهبًا نارًا يحرس طريق الفردوس حتى لا يدخل الإنسان المتمرد على الله إلى شجرة الحياة (تك 3: 24). إذ لا تقدر طبيعة الإنسان الساقطة أن تقترب من سرّ الحياة. لم يحمل الكاروب كراهية للإنسان إذ ظهر في آخر أسفار الكتاب المقدس مع الأربعة وعشرين قسيسًا السمائيين يشتركون معًا في تسبحة الحمل التي هي تسبحة خلاصنا (رؤ 9:5). إذ طُرِد الإنسان من الفردوس، أقام الله كروبًا للحراسة حتى جاء الجالس على الكروبيم نفسه إلى عالمنا يحملنا في جنبه المطعون ليدخل بنا إلى فردوسه السماوي، فتتهلل كل طغمة الكروبيم مع بقية الطغمات السماوية لانضمام الإنسان إلى خورُس السمائيين.

إقامة حراسة مُشدَّدة على جنة عدن يقوم بها واحد من أعلى الرتب السماوية، تحثّ على إدراك خطورة التمرُّد على الله، وأن المصالحة بين الله والإنسان المُتمرِّد تحتاج إلى تدخُّل إلهي.

هنا أقتبس ما تصوَّره القديس مار يعقوب السروجي عندما انطلق ديماس اللص إلى الفردوس، والحوار الذي دار بين الكروب حارس الفردوس واللص اليمين.

[إذ كان (اللص) يقتحم أساس اللهيب العظيم، التقى به الكروب، وقام يسأله متعجبًا.

قل لي يا رجل: من أنت؟ ومن أين أنت؟ وكيف أتيت في طريق اللهيب المخيف؟

وكيف حملتك الرياح لتسير على أكتافها؟ ألم تحرق أمواج النار ضعفك؟

كيف عبَرتَ الهوة العظيمة المملوءة نارًا؟ كيف عبَرتَ بين أمواج اللهيب ولم تحترق؟

أيها الهباء المنثور، مَن ساعدك لتركض على العواصف، ولم تتبدد بعنفها؟

كيف وطأ أخمص اللحم اللهيبَ، ولم يذب بغليان حرارته؟

يا حبة التراب، كيف عبرت في بحر النار، ووقع طينك بين الأمواج، ولم يتفتت؟

هل أنت آدم المجبول بيدَيّ اللاهوت؟ أم شيث (تك 4: 26) البهي المحاط بأسرار الوحيد؟...

اِظهرْ لي يا ابن التراب من أنت، لأن جسارتك عبرت بحر اللهيب.

صرخ اللص: يا ابن اللهيب لا تغضب، سأقول لك من أنا، ومن أرسلني.

أنا لص، كنتُ أسلك في الرذائل، وكنت أغتسل بدم الناس في الطرقات.

خطفتُ الكنوز من التجار واقتنيتها، وجعلت الرؤساء محتاجين (بسرقة) كنوزهم.

قتلتُ قتلاً، وسبَحت في دم البشر، وعذبتُ الشيوخ، ولم أحزن على الشباب.

أغلقت الطرقات على المارين والمسافرين، وظل التجار في منازلهم (محرومين) من الأرباح.

سلبت ثروات أناسٍ بلا عددٍ، وفي البرية سبَحت في الشرور كما لو في المياه.

سمع (الكروب) الناري الجدال العجيب فتحيَّر، ودعا جموع الناريين المخيفة وهو يرتعب.

قال المستيقظ (الكروب) والقوات متعجبة: أيها الرجل الدنس، ماذا تعمل في الموضع الطاهر؟

أيها الملطخ بالدم، بأي طريق تم مجيئك، ولم تجرفك أمواج النار وأنت تعبر؟

يا سالب الكنوز، إن موضع شعبنا لا يُسلَب، يا قتّاَل الناس لا توجد إمكانية ليموت المستيقظون (السمائيون).

يا مستغل الأحرار، لا تقدر أن تنهب المستيقظين! عد واذهب إلى موضعك، لئلا تحترق بأجنحتهم!

يا باقة الأعشاب، كيف تسبح في بحر النار؟ يا جثة الدم، ماذا تعمل بين الناريين؟

أساس عدن (الفردوس) هو لهيب لا يُنقَب، والمزلاج عظيم، وقد ختمه الملك ولا يُفتَح.

هوذا المفتاح في الملكوت، من يخرجه؟ والسور ناري، ولا تقدر أن تقتحم الأساس.

رمح النار يلتهب ويخيف، فلو تجاسرت أيها العشب الضعيف ستضمحل به.

أيها الترابي، لقد استهنتَ باللهيب، ولم تجرفك أنهار النار المخيفة.

ذكر اللص لابن اللهيب: أيها الروحي اسمع لأقول لك الحقيقة: كنتُ لصًا، واصطادتني المراحم من الرذائل، فسبحت واغتسلت من الشرور التي كنت ملطخًا بها.

كنتُ أقترف الإثم في الطرقات طيلة النهار، واصطادتني المراحم لأتوب وقت المساء.

دعتني أعمالي الشريرة لأموت على قمة الخشبة (الصليب)، وبالتوبة جذبتني المراحم لأرث الحياة (لو 23: 42).

أعطاني الملك ربُّك الحياة، لأنني اعترفت باسمه، وفتح أمامي باب النور، لأدخل إلى عدن.

أيها الروحي، يلزمك أن تفرح بالضال الذي عاد، فإن ربَّك يفرح به...

جميع المستيقظين (السمائيين) يفرحون بخاطئ واحد يتوب، ويبتهج به بنو اليمين ليرث معهم (لو 15: 7). وأنت، هل تحزن؟ ولماذا؟ لأنني أتيت بينما ابن الملك وقواته يفرحون بعودتي؟[47]]

9. لماذا وُضِع كاروبان من الذهب على تابوت العهد؟

يظهر كاروبان من الذهب على تابوت العهد في خيمة الاجتماع وفي الهيكل (خر 17:25-22). ويُسَمَّى تابوت العهد كرسي الرحمة، حيث كان يُمَثِّل عرش الله المملوء حنوًا نحو أولاده. وفوقه الكاروبان، واحد من كل طرف، باسطان أجنحتهما إلى فوق، ووجهاهما كل واحدٍ نحو الآخر. وعلى كل من الجانبين حلقتان ذهبيتان لكي يدخل في كل حلقتين عصا من خشب السنط المغشاه بالذهب، تُستخدَم لحمل التابوت. وكان المنوط بحراسته وحمله بنو قهات (عد 3: 29-31).

يشير الكروبان إلى المجد الإلهي علامة الحضرة الإلهية، وكان اللّه يتحدث مع موسى من خلالهما. وجود كروبين فوق تابوت العهد، يشير إلى أن اللّه الساكن وسط شعبه يتحدث معهم ويتعامل معهم خلال الرحمة والحب. أيضًا وجود اثنين يشير إلى دور السمائيين من نحونا: الصلاة لأجلنا والعمل كخدام للعتيدين أن يرثوا الخلاص (عب 14:1).

الكروبان هما علامة انفتاحنا على الخليقة السماوية وشركتنا مع السيرافيم والكروبيم في تسابيحهم وليتورجياتهم. قال الرب لموسى النبي: "وأنا أجتمع بك هناك وأتكلم معك، من على الغطاء من بين الكروبين اللذين على تابوت الشهادة بكل ما أوصيك به إلى بني إسرائيل" (خر 25: 22). أما ظهور السحاب بين الكروبين وتراءي الله هناك وسماع صوته، وظهور لون أزرق سماوي (حز 1: 26) عند الكروبين... هذا جميعه يشير إلى إسخاتولوجية (الفكر الخاص بالحياة ما بعد الموت) ليتورجيتنا في المذبح الجديد، واتسامها بالطابع السماوي. رُسِم شكل الكروب على ستائر الخيمة والحجاب (خر 26-31) يقترب من شكل الإنسان مجنحًا، فيعلن عن اقتراب الطبيعة البشرية إلى الحضرة الإلهية.

10. لماذا وهب الله حزقيال النبي رؤية المركبة الإلهية؟

بلغ حزقيال السن القانونية لاستلام العمل الكهنوتي من دخول إلى المقدسات وتقديم ذبائح واشتراك في الليتورجيات اليومية واحتفال بالأعياد وتمتع بالتسابيح المفرحة. لكنه حُرِم من هذا كله لأنه في أرض السبي، فكان يجلس عند ضفاف نهر خابور يبكي حال بلده وشعبه وهيكل الرب. هناك تمتَّع برؤيا مجد الله، ظهر فيها المخلوقات الحية الأربعة (حز 1:1، 28). وعرَّف هذه المخلوقات الحيّة بكونهم الكروبيم (حز 4:10، 18-22). هكذا إذ تمررت نفس الكاهن النبي، ارتفع به الروح إلى السماوات ليدخل به إلى أورشليم العليا ويتمتَّع بالهيكل الأبدي، فلم يرَ تابوت العهد والمنارة الذهبية ومذبح البخور الخ، إنما رأى المركبة الإلهية النارية والعرش الإلهي الناري. انفتحت السماوات أمام حزقيال النبي المسبي ليدخل كما إلى عرش الله القدير، فيدرك أن شئون البشر لا تسير بطريقة عشوائية، وإنما بتدبير إلهي عجيب، فالله ضابط الكل يهتم بكل ما يمسّ حياة الإنسان. هذا هو سرّ تعزيتنا وسط الضيق.

كانت نفسية الشعب في السبي مُحَطَّمة، خاصة وأن الكلدانيين كانوا يطوفون بموكب الإله بيل أو مردوخ[48] في شوارع العاصمة في عظمة وأُبَهّة، بينما حُرِم هذا الشعب من هيكله وانقطعت عنه تسابيح التهليل، فظهر انكسارهم كأنه انكسار لإلههم. لهذا لم يعلن الله نفسه في عليقة بسيطة مُتَّقِدة كما فعل مع موسى النبي (خر 3: 2)، بل خلال المركبة النارية المملوءة مجدًا وبهاءً، وكأن الله أراد أن يؤكد لنبيِّه وشعبه أن مجده يملأ السماء والأرض حتى في اللحظات التي فيها يُسَلم شعبه للأمم للتأديب.

في سفر الرؤيا رأى القديس يوحنا لكل مخلوق حيّ وجهًا فرأى في الأربعة، أربعة وجوه فقط. أما حزقيال النبي فيقول إنه رأى أربعة وجوه لكل مخلوق حي، من كل جانب وجه. ولعل السبب أن القديس يوحنا تطلَّع إلى هذه الخليقة من جانب واحد ولم تكن تتحرَّك في كل الاتجاهات، أما حزقيال النبي فتطلع إليها من كل الجوانب، إذ رأى المركبة في حالة تحرك من كل الجهات.

11. كيف صار الجالس على الكروبيم في المذود في حضن القديسة مريم؟

التهب قلب القديس مار يعقوب السروجي شوقًا أن ينطلق ليتمتَّع برؤية الجالس على الكروبيم، وفي نفس الوقت انطلقت أفكاره إلى المذود ليراه في حضن القديسة مريم، فقال:

[أين ينطلق العقل في طريقه ليبحث عنك؟ وفي أي دربٍ يليق بالكلمة أن تتحرَّك لتتقبَّل أمجادك؟

أين توجد؟ هل على المركبة (حز ١: ٢٦) أم مع مريم؟! مع أبيك السماوي، أم مع يوسف في أرض يهوذا؟

هل في حضن أبيك أم بالحقيقة أنت في حضن مريم؟ مع الأم حسب الجسد أم على العرش البلوري (حز ١: ٢٢؛ رؤ ٤: ٦)؟

هل يجدك أحد على الأجنحة النارية للريش السرّي (٢ صم ٢٢: ١١؛ مز ١٨: ١٠)، أم محمولاً على ذراعي أمك؟ هل أراك على الكروبيم، أم أرى جلالك ساكنًا على ركبتي المرأة المؤمنة (لو ١: ٤٥)؟ هل بهاؤك في حشود أشعة النار المتلألئة، أم في الأقمطة الرخيصة في اللفائف التي في المذود (لو ٢: ٧)؟]

12. ماذا قيل عن "الكراسي" أو "العروش"؟

لم يذكر الكتاب المقدس شيئًا عن هذه الطغمة ولا عملها، إنما جاء اسمها في قائمة المخلوقات السماوية. "فإنه فيه خُلِق الكل ما في السماوات وما على الأرض، ما يُرَى وما لا يُرَى، سواء كان عروشًا أم سيادات أم رياسات أم سلاطين، الكل به وله قد خُلِق" (كو ١: ١٦). إنهم يشتركون مع السيرافيم والكروبيم في سمو طبيعتهم، وأنهم أقرب إلى العرش الإلهي من بقية الطغمات.

يُدعون المملوئين أعينًا، إشارة إلى الامتلاء بالمجد والكرامة، وعدم الالتصاق بما هو أرضي وسفلي. يسكنون في كمال القوة بكل ثباتٍ وكمالٍ، متأسسون في الأعالي. يتقبَّلون الفكر الإلهي فوق كل شيءٍ، ويُرَكِّزون على الشركة الإلهية، وبهذا يُظهرون الله. يقول البابا غريغوريوس (الكبير): [ما هو "كرسي" الله سوى الأرواح الملائكية، الذين يشهد لهم الكتاب المقدس أنهم يدعون "العروش"؟ فمن يرغب أن يأتي إلى كرسي الله إلا الذي يشتاق أن يكون بين الأرواح الملائكية... فيرتفع ليسكن في المجد بالتأمل في الأبدية.]

13. ماذا قيل عن تحرك مركبة المخلوقات الحية الأربعة؟

يقول القديس مار يعقوب السروجي عن طريقة تحرُّكهم التي يصعب علينا شرحها: [يملأك الدهش بقوة أمام رهبة هذه المركبة، وبغير فحصٍ أدهش بالراكب، إذ هو ابن الله. عسر عليك أن تسمع، وعسر عليّ أن أتكلم، لأن تدبير السيرافيم لا يُفَسَّر. أربعة مخلوقات حية لأربع جهات الخليقة مرتبطة معًا. كل مخلوقٍ حيٍ يسير الواحد فالواحد بدون تخبيط. ذاك المتجه للشرق يسرع نحو الشرق مقابل وجهه؛ والذي للغرب يسرع نحو الغرب كما هو ملتزم؛ والذي للتيمن (الجنوب) نحو التيمن يُسرع ولا ينقلب، والذي للشمال فللشمال يمضي بقوة عظيمة. وإذا ما سار رئيس نحو جهة واحدة يمضي الكل معه دون ارتباك، ويسعى الكل نحو الجهات الأربع مرتبطين معًا... من يجسر أن يفسر هذا الأمر المدهش يصير أضحوكة وتنفضح عدم معرفته.]

14. لماذا تحدث الكتاب المقدس بعهديه عن الأربعة مخلوقات الحية؟

قدَّم الكتاب المقدس بعهديه رؤى خاصة بهذه المخلوقات السامية الملازمة للعرش الإلهي، لكي تضع الكنيسة في قلبها، أن يشتهي الكل الاقتداء بهذه الخليقة بالنعمة الإلهية.

15. ما هي سمات المخلوقات الحية الأربعة؟

"وحول العرش أربعة مخلوقات حية[49]" (رؤ 6:4). وهم طغمتا الشاروبيم والسيرافيم اللتان تطلب الكنيسة شفاعتهما على الدوام وتُعَيِّد لهما في 8 هاتور كعيدٍ تذكاري، وتدعوهما "غير المتجسدين، حاملي مركبة الله[50]".

أ. كرامتهم: يقول عنهم القديس يوحنا الذهبي الفم: [أقول لكم يا أولادي الأحباء إنه ليس من يشبههم في كرامتهم، لا في السماء ولا على الأرض، لأنهم يحملون عرش الله، ولا يستطيعون النظر إلى وجه الحي الأزلي: مخلوقون من نورٍ ونارٍ، أقوياء، أشداء جدًا يسألون الله أن يغفر خطايا البشر ويتحنَّن عليهم... رأى إشعياء النبي مجدهم ونطق بكرامتهم (إش 6: 1-3). وأيضًا نظر حزقيال النبي مجدهم ونطق بكرامتهم (حز 1: 4-28). وداود العظيم في الأنبياء، أب الأنبياء، أب المسيح بالجسد، رأى كرامة هؤلاء الروحانيين ونطق بمجدهم، قائلاً في المزمور: "طأطأ السماوات ونزل، وضباب تحت رجليه. ركب على كروب وطار، وهف على أجنحة الرياح" (مز 9:18-10).]

ب. بلا عروش ولا أكاليل مثل القسوس، لأن الرب إكليلهم وهم مركبته!

ج. "مملوئون عيونًا من قدام ومن وراء"، وكما يقول ابن العسال إنها تشير إلى إدراكهم الأسرار الحاضرة والمقبلة التي يكشفها لهم الرب.

د. "لكل واحدٍ منها ستة أجنحة" وكما نسبح الرب قائلين: [أنت هو القيام حولك الشاروبيم والسيرافيم، ستة أجنحة للواحد وستة أجنحة للآخر (رؤ 4: 8). فبجناحين يغطون وجوههم، وباثنين يغطون أرجلهم، ويطيرون باثنين. ويصرخون واحد قبالة واحدٍ منهم. يرسلون تسبحة الغلبة والخلاص الذي لنا بصوتٍ ممتلئٍ مجدًا[51].] هكذا يليق بالكاهن أن يتشبَّه بهم، فيُغَطِّي وجهه بالحياء والرعدة، ويستر رجليه بالرجاء والثقة، ويطير قلبه بالحب والترنُّم أمام الرب المذبوح عنا!

وينصحنا القديس يوحنا الذهبي الفم، قائلاً: [أنا أبوكم يوحنا المسكين. أسألكم يا أولادي الأحباء القسوس والشمامسة ألا تتقدَّموا إلى المذبح وأنتم غير طاهرين، بل احفظوا أجسادكم ونفوسكم أنقياء إذا أردتم التقدم إلى الخدمة الطاهرة، فإنكم مثال السيرافيم السمائيين، لأنهم لا يجسرون على التطلع إلى وجه الله الحي، بل هم قيام ووجوههم إلى أسفل مغطاة بأجنحتهم! أيها الخدام إنكم تنظرون جسد ابن الله ودمه الزكي الموضوعين أمامكم على المذبح الطاهر وتلمسونه وتأكلونه، وأنتم عارفون بعظم الكرامة اللائقة بهما، فينبغي عليكم أن تقفوا بوجوه فرحة وقلوب خائفة وأعين مطرقة إلى الأرض ورؤوس منكسة، لأنكم مثل الشاروبيم والسيرافيم الحاملين كرسي العظمة.]

ويقول أيضًا: [عندما تسمع عن السيرافيم أنهم يطيرون حول العرش في سموه ورفعته، ويغطون وجوههم بجناحين، ويسترون أرجلهم باثنين، ويصيحون بصوتٍ مملوءٍ رعدةٍ، لا تظن أن لهم ريشًا وأرجل وأجنحة، فهي قوات غير منظورة... حقًا إن الله حتى بالنسبة لهذه الطغمات غير مُدرَك ولا يقدرون على الدنو منه، لهذا يتنازل بالطريقة التي جاءت في الرؤيا، لأن الله لا يحدّه مكان ولا يجلس على عرشٍ... وإنما جلوسه على العرش وإحاطته بالقوات السمائية من قبيل حُبِّه لهم... وإذا ظهر جالسًا على العرش وأحاطت به هذه القوات لا تتمكَّن من رؤيته، ولا تحتمل التطلُّع إلى نوره الباهر، فتغطي أعينها بجناحين، وليس لها إلا أن تُسَبِّح وتترنَّم بتسابيحٍ مملوءةٍ رعدةٍ مقدسةٍ، وأناشيد عجيبة تشهد لقداسة الجالس على العرش. فحري بذاك الذي يتجاسر ليفحص عناية الله لا تقدر القوات السمائية على لمسها أو التعبير عنها أن يختبئ مختفيًا تحت الآكام![52]]

ه. شكلهم: إنهم قوات غير جسدانية ولا منظورة، لكنها ظهرت ليوحنا الحبيب كما لحزقيال النبي هكذا: "المخلوق الحي الأول شبه أسد، والمخلوق الحي الثاني شبه عجل، والمخلوق الحي الثالث له وجه مثل وجه إنسان، والمخلوق الحي الرابع شبه نسرٍ طائرٍ" (رؤ 4: 7).

أولا: يقول القديس يوحنا الذهبي الفم [جعلهم الله يطلبون في جنس البشر وسائر الخليقة من وحوش وبهائم وطيور السماء، لأنهم قريبون منه أكثر من سائر السمائيين.]

ثانيا: يرى القديس غريغوريوس النزينزي والعلامة أوريجينوس أن هذه الخليقة الحاملة للعرش تحمل معنى قوى النفس الأربعة التي تتقدس بحمل الله، وهي: القوى الغضبية ويشار إليها بالأسد، وقوى الشهوات (المقدسة) ويشار إليها بالعجل، والنطقية ويشار إليها بمن له كوجه إنسانٍ، والروحية ويشار إليها بشبه نسرٍ طائرٍ.

ثالثا: يرى القديس جيروم أنها تحمل إشارة إلى العمل الفدائي للرب. فمن له كوجه إنسان يشير إلى التجسد، والعجل إلى الذبح على الصليب، والأسد إلى القيامة، والنسر الطائر إلى الصعود.

رابعا: يرى القديس إيرينيؤس[53] أنها تحمل رمزًا إلى العمل الفدائي، فمن له كوجه إنسان يشير إلى التجسد، والعجل إلى طقس الذبيحة والكهنوت إذ هو يشفع فينا، والأسد إلى سلطانه الملوكي، والنسر إرساله الروح القدس.

خامسًا: يرى العلامة أوريجينوس أن وجود الوجوه الأربعة معًا (الأسد والنسر والثور والإنسان) إشارة إلى عودة المخلوقات الحية المقدسة إلى طبيعتها الأولى المستأنسة، فإن كان في العصر المسياني قد سكن الذئب مع الخروف، وربض النمر مع الجدي، وصار الأسد يأكل تبنًا كالبقر (إش 7:11)، يتحقَّق هذا التناغم الكامل في مجيء المسيح الأخير.

سادسًا: إن كانت هذه الكائنات الأربعة تُمَثِّل الكنيسة المقدسة الحاملة للحياة الإلهية في داخلها فإن هؤلاء الأربعة إنما هم الأسقفية والقسيسية والشموسية، والشعب، إنهم أركان رئيسية تعمل معًا لحساب السيد المسيح، أيّ ضعف لركن منها يُفقِد الكنيسة اتزانها ويُسِيء إلى رسالتها. إن فقد ركن عمله أو تفاعله مع الأركان الأخرى يخسر الكل حيويته، فالكنيسة ليست مُركَّزة حول أسقف أو كاهن أو شماس أو مسئول علماني (من الشعب) لكنها حياة متكاملة ومتفاعلة معًا.

سابعًا: تدعونا هذه المخلوقات السماوية أن يكون لنا وجه الأسد، ووجه الإنسان، ووجه الثور، ونطير مع النسر الروحي.

أ. يسلك المؤمن بروح الملوكية كأسدٍ، لا يخشى إبليس ولا يرتعب من الخطية، لأن المُخَلِّص أعطانا سلطانًا أن ندوس على الحيات والعقارب وكل قوة العدو (لو ١٠: ١٩).

ب. اعتزاز الكنيسة وأعضائها بروح التبني لله والتمتُّع بملكوت الله الداخلي في النفس وشركة الطبيعة الإلهية، يدفعهم هذا كله أن يذكروا أنهم بشر، فينصتون إلى قول الربّ: "تعلَّموا مني، لأني وديع ومتواضع القلب" (مت ١١: ٢٩).

ج. يليق بالمؤمن أن يقتدي بالربّ مُخَلِّص العالم، فيمارس الكهنوت الروحي بصلواته الدائمة عن كل البشرية حتى من أجل المقاومين للحق والأعداء، ويُقَدِّم ذبيحة البذل (كالثور).

د. أما بخصوص النسر، فيليق بالمؤمن أن ينطلق مع الرسول بولس مُحَلِّقًا في السماويات، يتمتَّع بالنمو في المجد يومًا فيومًا. فيكون كالنسر المُحَلِّق بجناحيه في الأعالي، ويتمتَّع بالبصيرة الحادة وإدراك الأسرار الإلهية حسب قامته الروحية.

ثامنًا: كثير من الآباء الأولين تطلعوا إلى المخلوقات الحية الأربعة كرموز للإنجيليين، غير أن كل أب في مطابقة المخلوقات الحية الأربعة بالإنجيليين تطلَّع إلى التشابه بينهم بطريقة أو أخرى.

يقول القديس إيرينيؤس: [ما كان يمكن أن يكون عدد الأناجيل أكثر أو أقل مما هو عليه. إذ توجد أربع مناطق للعالم الذي نعيش فيه (الشرق والغرب والشمال والجنوب). كما توجد أربعة رياح رئيسية، بينما الكنيسة منتشرة في العالم. أساس الكنيسة وعمودها هو الإنجيل وروح الحياة. لهذا، يلزم أن يكون بها أربعة أعمدة، فتتنسم الخلود في كل جانب (من الجوانب الأربعة) التي تعيد الحياة للشعب مرة أخرى. واضح خلال هذه الحقيقة أن الكلمة الخالق المُبدِع لكل الأشياء يجلس على الشاروبيم (الكروبيم) ويحوي كل الأشياء، هذا المُعلَن للبشرية، أعطانا الإنجيل خلال أربعة جوانب، لكن له روح واحد.]

16. ماذا قيل عن الأربعة وعشرين قسيسًا (رؤ 4:4)؟

كلمة "قسيس" أو "شيخ" في النص اليوناني presbyter تحمل معنى العمل الكهنوتي. لهذا أدركت الكنيسة الأولى أنهم طغمة سمائية كهنوتية، ورتَّبت لهم عيدًا تذكاريًا، وتضعهم في مقدمة السمائيين بعد الأربعة مخلوقات الحية. يمكننا أن نلمس مكانتهم في الكنيسة الأولى مما قاله عنهم القديس كيرلس الأورشليمي: [لقد أمرنا الآباء أن يهتم كل المسيحيين بتذكارهم لما شاهدوه من كرامتهم وعلو مجدهم، هؤلاء غير المتجسدين، لأنهم قريبون من الله ضابط الكل، وهم أمامه في كل حين يشفعون في الخليقة جميعها، صارخين مع الأربعة مخلوقات الحية، قائلين: قدوس، قدوس، قدوس... ما أشرف هذه المكانة التي استحقّوها! لأن الملائكة وكل بقية الطغمات السمائية واقفون أمام الديان العادل، وهؤلاء جلوس على كراسٍ نورانيةٍ لابسون حللاً ملوكية، وعلى رؤوسهم أكاليل مُكَرَّمة، وفي أياديهم مجامر ذهبية مملوءة صلوات القديسين، ويسجدون أمام الحمل الحقيقي، ويسألونه غفران ذنوب البشر! إنهم لا يفترون عن التسبيح والتهليل أمام رب الصباؤوت (الجنود) مع الأربعة المخلوقات الحية...]

غير أنه يلزمنا كقول القديس أمبروسيوس[54] ألا نتخيَّل العروش أو الجلوس عليها بصورة مادية، لأن هذه مُجَرَّد تعبيرات عن مقدار سمو الكرامة والسعادة! أما الثياب البيض فكقول ابن العسال تشير إلى بهائهم ومجدهم وبرِّهم وقداستهم. ويرى الأسقف فيكتوريانوس أن هؤلاء القسوس هم كائنات سماوية وفي نفس الوقت يرمزون لأنبياء العهد القديم الذين يحيطون بالرب معلنين بروح النبوة عن تجسده وآلامه وصلبه وقيامته وصعوده[55]. جاء في ذكصولوجية للأربعة والعشرين قسّيسًا: [عظيمة هي كرامة القديسين غير المتجسّدين، كهنة الحق: الأربعة والعشرين قسّيسًا. لأنهم قريبون من الله، وكائنون أمام عرشه. يسبحون بلا فتورٍ، النهار والليل. جالسون على أربعة وعشرين عرشًا، وأكاليل على رؤوسهم، وجامات ذهب بأياديهم، مملوءة بخورًا مختارًا. الذي هو صلوات القديسين الذين على الأرض، يقدمونها إلى الحمل الحقيقي. الذين تظهر أسماؤهم وهم كائنون على الأرض، يطلبون من الرب عنهم، لأنهم قريبون من الله. اشفعوا فينا يا كهنة الحق، الأربعة وعشرين قسّيسًا، ليغفر لنا خطايانا.]

17. ماذا قيل عن الرتبة الثانية التي تضم السلاطين والأرباب والقوات؟

أولاً: السلاطين Dominions (Authorities): يشير الاسم إلى نوع من الارتفاع إلى فوق والتحرُّر من كل ما هو أرضي، ومن كل ميلٍ داخليٍ نحو الاستعباد للغير، أو تحرُّر سامٍ فوق كل عنف طاغٍ، وتخلٍ عن كل عبودية دنيئة، يشتاقون نحو النجاح كسادة حقيقيين. بل ويشتاقون إلى الله مصدر السيادة؛ ما يشغلهم على الدوام أن يصير من هم أقل منهم متشبهين بالله في السيادة.

ثانيًا: الأرباب أو الفضائلVirtues (Lordships) : لهم طاقات جبارة يتشبهون بالله، لا يعرفون الضعف أو الخمول في استقبالهم الاستنارة الإلهية الممنوحة لهم. يُشار إليهم أحيانًا بالمشرقين أو المنيرين. تتشكل هذه الاستنارة في كمالٍ عجيبٍ كفضائلٍ. لا يظهرون ضعفًا ولا هزالاً في تقبُّلهم الإشراقات الإلهية الممنوحة لهم. يصعدون بكمال القوة للتشبه بالله، وهم صاعدون نحو مصدر الطاقة أو الفضيلة. يشتهون دومًا أن يفيضوا على الآخرين بالرغبة في التمتع بالفضيلة الإلهية.

ثالثٌا: القوات Powers المقدسة" وهم مساوون للسلاطين والأرباب، تحت التدبير اللائق لقبول الإلهيات بطريقة لا تُقاوَم. لهم نظام إلهي في التمتع بقوة سامية متميزة في التعقُّل. يُنظَر إليهم كملائكة محاربين يسندون العالم والبشرية ضد قوات الظلمة والشرّ.

18. ماذا قيل عن الرتبة الثالثة[56] التي تضم الرئاسات ورؤساء الملائكة؟

أولاً: الرئاسات Principalities. رتبة ذات وقارٍ روحيٍ مهوبٍ. فهم يتجهون نحو "رئيس الرؤساء"، ويقودون غيرهم إلى الطابع الرئاسي اللائق princely fashion. الملائكة الحراس للمدن والأمم والحكام من غزو الملائكة الأشرار. الرئاسات تعني التشبُّه بالله من حيث يصيرون رؤساء Princes أصحاب سلاطين في نظام مقدس يليق بقوات ملوكية.

جاء في رسالة يهوذا: "والملائكة الذين لم يحفظوا رياستهم their principalities، بل تركوا مسكنهم، حفظهم إلى دينونة اليوم العظيم بقيودٍ أبدية تحت الظلام" (يه ٦). فكما يوجد رئاسات في الملائكة صالحون، توجد أيضًا رئاسات بين قوات الظلمة، لأنهم أساءوا إلى مركزهم، فعوض القيادة المقدسة لمن هم أقل منهم للتشبه بالله، سقط هؤلاء من رئاساتهم بسبب الكبرياء فصاروا يحثون على الشرّ بالرغم من إدراكهم أنهم محفوظون تحت الظلام إلى يوم الدينونة.

يقدم الرسول يهوذا هذا المثل الشرير لكيلا يتكل المؤمن على ما وُهِب له من قدرات ومواهب ومراكز دينية، مظهرًا خطورة سقوط القائد المتدين في الكبرياء، طالبًا أن يحفظه الربّ من الانحراف والاعتداد بالذات.

ثانيًا: رؤساء الملائكة. يُنظَر إليهم كرؤساء وقادة للملائكة (يه ٩؛ 1 تس ٤: ١٦). لكل رئيس فرقة ضخمة أو أكثر من الملائكة يقودونها بطريقة فائقة غير منظورة. إنهم مرتبطون بالرئاسات كما بالملائكة. يُقَال إنهم سبعة رؤساء، لهم شرف المثول أمام عرش الله في السماء، الذين قيل عنهم في سفر الرؤيا: "ومن السبعة الأرواح التي أمام عرشه" (رؤ 4:1). وأنهم "سبعة مصابيح من نار متقدة حول العرش هي أرواح الله السبعة" (رؤ 5:4). ويرى القديسان إكليمنضس الإسكندري والشهيد كبريانوس أنهم السبعة رؤساء الملائكة كما يظهر من قول رافائيل عن نفسه أنه أحد الملائكة السبعة الواقفين أمام الرب (طو 15:12). نطلب على الدوام شفاعتهم بعد شفاعة العذراء مريم والدة الإله مباشرة (كما في مجمع الأبصلمودية)، خاصة "الثلاثة العظماء المنيرون": ميخائيل، وجبرائيل (غبـريـال) ورافائيل.

ثالثًا: الملائكة. أقل الرتب السمائية الحاملة الطبيعة الملائكية. يقومون بلقاءات مباشرة مع العالم. لكل إنسانٍ ملاكه الحارس، خاصة خائفي الربّ والبسطاء والأطفال.

يرى البعض أن البشر المؤمنين والسالكين بالروح يصيرون في يوم الرب العظيم، أي يوم القيامة أشبه بالطغمة العاشرة، وكأنهم احتلوا مركز إبليس وملائكته الذين سقطوا من رتبهم.

19. ماذا قيل عن رئيس الملائكة ميخائيل؟

تميل الكنيسة الغربية إلى الحديث عن ميخائيل العظيم بين رؤساء الملائكة، أما في الكنيسة الشرقية فيُنظَر إليه كرئيس جند الربّ، أي يقود كل الطغمات في المعارك ضد إبليس والشرّ.

في ذهن الكثيرين الملاك هو ملاك بغض النظر عن رتبته والطغمة التي ينتمي إليها.

دُعِي "ميخائيل" ومعناها "من مثل الله"، لأنه يحب البشر ويغِير عليهم، ويهبه الله سلطانًا أن يحارب التنين عنهم (رؤ 7:12). له دوره الخاص كمُرسَل من الله لحماية شعبه في الظروف الحالكة (طو ١٢: ٦، ١٥؛ يو ٥: ٤؛ رؤ ١٢: ٧-٩).

يحسبه اليهود ملاك أمتهم. وينظر إليه المسيحيون كحارسٍ للكنيسة. اعتاد الأقباط أن يبنوا كنيسة باسمه في أعلى المبنى الخاص بكل دير، بكونه الملاك الحارس للدير والرهبان.

20. ماذا قيل عن مقاومة رئيس الملائكة ميخائيل لإبليس؟

يرى الأسقف فيكتورينوس أن هذه هي بداية فترة "ضد المسيح"، إذ يحارب رئيس الملائكة ميخائيل إبليس فيقوى عليه، ويُسقِطه من السماء حتى لا يشتكي على المؤمنين. على أثر هذه الحرب يسقط إبليس محتضرًا، لهذا يبثّ كل سمومه، باذلاً كل طاقاته للانتقام فيما تبقَّى له من وقت يسير ليُطرَح في جهنم إلى الأبد. وبهذا تبدأ فترة ضد المسيح ويأتي الشاهدان إيليا وأخنوخ.

هكذا يظهر في الكتاب المقدس كقائدٍ لجيش الملائكة، بينما يظهر جبرائيل كقائد للمبشرين المُرسَلين للبشر. ومع قدرته وإمكانياته ومركزه في حربه ضد إبليس يمارس التواضع (يه 9).

ميخائيل هو الأعظم بين رؤساء الملائكة السبعة، كما يشهد عنه الملاك جبرائيل "ميخائيل الرئيس العظيم" (دا 1:12)، ويقول عن نفسه: "أنا رئيس جند الرب" (يش 14:5)، أي أنه رئيس الملائكة ورؤساء الملائكة، تصفه كتب الكنيسة في أكثر من موضع أنه "رئيس السمائيين بين أجناد الرب من الملائكة".

إنها نصرة عظيمة أن يُسقِط إبليس من السماء لكيلا يشتكي علينا الذي حتى في اللحظات الأخيرة له لا يكف عن التضليل وهو يُدعَى[57]:

1. الكاروب المغطى (حز 28: 16، 14).

2. لوسفير (حامل النور) (أش 14: 12).

3. شيطان (زك 3: 1).

4. الشرير (يو 17: 15؛ 1 يو 5: 18؛ مت 13: 19، 38).

5. العدو (مت 13: 28).

6. إبليس (أي المخادع).

7. رئيس هذا العالم (يو 12: 31؛ 14: 3؛ 16: 11).

8. إله هذا الدهر (2 كو 4: 4).

9. رئيس سلطان الهواء (أف 2:2).

10. بعلزبول (سيد الذباب) (مت 12: 24؛ لو 11: 15).

11. بليعال (2 كو 6: 15).

12. الحية القديمة (2 كو 11: 43؛ رؤ 12: 9).

13. التنين العظيم (رؤ 12:  3، 7، 9).

14. المشتكي (رؤ 12: 10).

15. المخادع (رؤ 12: 9؛ 20: 3).

16. المضل (رؤ 12: 9).

17. القتال (يو 8: 44).

18. الكذاب وأبو الكذاب (يو 8: 33، 44).

إذ يسقط العدو في أنفاسه الأخيرة، يقول يوحنا الحبيب: "وسمعت صوتًا عظيمًا قائلاً في السماء: الآن صار خلاص إلهنا وقدرته وملكه وسلطان مسيحه، لأنه قد طرح المشتكي على إخوتنا، الذي كان يشتكي عليهم أمام إلهنا نهارًا وليلاً. وهم غلبوه بدم الخروف وبكلمة شهادتهم، لم يحبوا حياتهم حتى الموت. من أجل ذلك افرحي أيتها السماوات والساكنون فيها. ويل لساكني الأرض والبحر لأن إبليس نزل إليكم وبه غضب عظيم، عالمًا أن له زمانًا قليلاً" (رؤ 10:12-12).

يكشف السمائيون عن ضعف إبليس، وتظهر هزيمته عندما يُلقَى من السماء. إنهم يبتهجون بإعلان نصرة الإنسان في يوم الدينونة المجيد، وذلك بالدم الثمين. وفي بهجتهم وحبهم للبشر يدعون الكنيسة التي لا تزال على الأرض مجاهدة "إخوتهم"، إذ سيصيرون كملائكة الله.

21. هل من جولات أخرى لرئيس الملائكة ميخائيل مع الشيطان ومملكته؟

ميخائيل هو الذي ساند الملاك جبرائيل، وأعانه على الشيطان، رئيس مملكة فارس، عندما وقف الأخير ضد جبرائيل وقاومه مدة واحد وعشرين يومًا، ليمنعه من الوصول إلى النبي دانيال، وكان جبرائيل قد أتى من السماء ليبشر دانيال بخلاص شعبه، استجابة لصلواته ولصومه الطويل لمدة واحد وعشرين يومًا. قال الملاك لدانيال بعد أن وصل إليه أخيرًا بعد واحدٍ وعشرين يومًا من بدء صومه وصلواته: "لا تخف يا دانيال، فإنك من أول يوم وجَّهت فيه قلبك للفهم، ولإذلال نفسك أمام إلهك، استُجيب كلامُك، وأتيتُ أنا لأجلِ كلامك. وقد قاومني رئيس مملكة فارس، واحدًا وعشرين يومًا، فأتى لنُصرتي ميخائيل أحد الرؤساء الأولين، فلم أبطئ هناك عند ملوك فارس، ثم أتيتُ لأُبيّن لك ما يحدث لشعبك في الأيام الآتية" (دا 12:10-14).

ثم يقول جبرائيل الملاك لدانيال في نهاية رسالته إليه: "لا تخف أيها الرجل المحبوب، سلام لك، تقوّ وتشدَّد... أُعلِمتُ لماذا جئتُ إليك. فالآن أرجع لأحارب رئيس فارس... ولكني أخبرك بما هو مرسوم في كتاب الحق. وليس أحدُ يساعدني على تحقيقه إلا ميخائيل رئيس رؤساء الملائكة" (دا 19:10-21). يظهر في هذا النص الإلهي قوة الملاك ميخائيل وسلطانه.

يدعونا القدِّيس باسيليوس الكبير أن نجاهد ونفرح مع الملائكة، قائلاً: [افحص تصرفاتك كل يومٍ، وقارنها بأحداث اليوم السابق وجاهد نحو التقدُّم. تقدَّم في الفضيلة، لتصير في صحبة الملائكة. اقضِ وقتك في خلوة لا لأيام وشهور بل لعدة سنوات، تُسَبِّح ربك بالأغاني، ليلاً ونهارًا، مقتديًا بالشاروبيم. إن بدأت هكذا، وانتهيت هكذا مسافرًا في الطريق المستقيم إلى وقت قصير لامتحانك، فإنك بنعمة الله تدخل الفردوس بسراج نفسك المنير ببهاء، لتفرح مع المسيح إلى أبد الأبد. آمين[58].]

كما يقول: [ما هو أكثر غبطة من مشابهة الملائكة على الأرض؟! في بدء النهار ينهض الإنسان للصلاة وتسبيح الخالق بالترتيل والأغاني الروحيَّة. ومع شروق الشمس يبدأ العمل مصحوبًا بالصلاة أينما ذهب مملِّحًا عمله بالتسبيح. إن سكون الوحدة هو بدء تنقية النفس، والعقل ألا يضطرب لأي شيءٍ، ولم يتشتَّت عن طريق الحواس في أمور العالم، يرتد إلى ذاته، ويرفع إلى التفكير في الله. هناك في الوحدة يجد في الأسفار المقدَّسة، كما في مخزن الأدويَّة، العلاج الحقيقي لعلٌته.]

[الآن وأنت عبد لا للناس بل للخطيئة، المنادي يدعوك إلى الحريَّة، ليعتقك من أسرك، ويجعلك معادلاً للملائكة في الحقوق، ويقيمك ابنًا لله بالتبنِّي، بواسطة النعمة، وارثًا لخيرات المسيح، وتقول بأن الوقت لم يحن بعد لك لنيل هذه المواهب[59].]

22. متى نحتفل بعيد رئيس الملائكة ميخائيل؟

تُعَيِّد له الكنيسة القبطية في الثاني عشر من كل شهر قبطي، خاصة في هاتور وبؤونة. أما الروم الأرثوذكس والكنائس التي تتبع الطقس البيزنطي فتحتفل بالملاك ميخائيل والملاك جبرائيل في اليوم الثامن من نوفمبر. والكنيسة الرومانية الكاثوليكية تحتفل بالملاك ميخائيل في التاسع والعشرين من سبتمبر وكذلك الكنيسة الأسقفية.

وكان من عادة الأقباط، خصوصًا في الريف، أن تقام في هذه المناسبة القداسات والصلوات، وبعد ذلك تُمد الموائد ليأكل منها الفقراء والمساكين، وخصوصًا من السمك، ونوع من الفطير والخبز الخاص المعجون بالسكر أو العسل والزيت يعرف بـفطير الملاك. والأصل في اختيار الثاني عشر من شهر هاتور القبطي عيدًا لرئيس الملائكة ميخائيل، إن هذا اليوم كان عند المصريين القدماء عيدًا يقيمونه للإله "زُحل". فلما صار الأقباط مسيحيين رأى البابا الكسندروس Alexandros وهو التاسع عشر من بطاركة الكرسي الإسكندري (312-328 م) أن يُحَوِّلَه إلى عيد لرئيس الملائكة ميخائيل بعد أن بنى مكان هيكل "زحل" كنيسة باسم رئيس الملائكة ميخائيل.

كذلك اليوم الثاني عشر من شهر بؤونة كان يقع في بدء الفيضان، وكان يُعَدّ عند المصريين القدماء عيدًا من أهم الأعياد القومية والوطنية. وكانوا يُقيمونه في مبدأ الأمر لإله النيل، اعتقادًا منهم أنه كانت تأخذه الرحمة بالمصريين في زمن التحاريق، فيطير إلى أعالي النيل، وهناك يُلقي فيها من فمه قطرات من الماء، فتتبخر وتصعد إلى السماء، وتتحوَّل إلى سحب كثيرة، فتهطل سيولاً من أعالي الجبال، ومن ثم يفيض نهر النيل بالمياه التي تروي البلاد، فيعم الخصب والنماء، ويفرح المصريون لهذا الخير العميم، ويتبادلون الهدايا.

فلما صار الأقباط مسيحيين، تحوَّل عندهم هذا العيد القومي لإله النيل، إلى عيد لرئيس الملائكة ميخائيل بصفته رئيس الملائكة الواقف أمام العرش الإلهي في السماء يشفع في الناس ويرفع إلى الله صلواتهم ويطلب من الله ارتفاع مياه النيل، ليعم الخير في كل وادي النيل.

23. لماذا يدعو البعض الملاك ميخائيل ملاك قيامة السيد المسيح؟

لم يذكر الإنجيل صراحة اسم الملاك الذي نزل من السماء ودحرج الحجر عن باب القبر، لكن ذكرته كتب الكنيسة وأوضحت أنه ميخائيل رئيس الملائكة. جاء في قسمة عيد القيامة والخماسين بالخولاجي المقدس: [ميخائيل رئيس الملائكة نزل من السماء، ودحرج الحجر عن باب القبر، وبشّر النسوة حاملات الطيب قائلاً: "المسيح قام من بين الأموات.] وجاء في ابصالية آدام للقيامة التي تُقَال في أحد توما: [تكلم ميخائيل معكنّ (النسوة حاملات الطيب) هكذا بفرحٍ، قائلاً: "ليس هو ههنا" (مر 16: 6).] وجاء في كتاب "التماجيد المقدسة": [السلام لميخائيل رئيس الملائكة المنادي بخلاص القيامة، لأنك أنت الذي نزلت من السماء بمجدٍ عظيمٍ مُضيء ودحرجت الحجر عن باب القبر، ثم جلست عليه بخوفٍ عظيمٍ، وتكلّمت مع النسوة بفرحٍ وتهليلٍ وعفافٍ روحاني، معزّيًا إياهن أن يسوع الناصري قام وليس هو ههنا.]

24. لماذا يدعو البعض الملاك ميخائيل ملاك القيامة العامة؟

يُعرَف رئيس الملائكة ميخائيل أنه ملاك القيامة العامة الذي سيبوق البوق الأخير، قُبيْل المجيء الثاني للمسيح، عندما يجيء ليدين الأحياء والأموات، فيقوم الموتى للدينونة. يقول الرسول: "لأن الرب نفسه سينزل من السماء، عند الهُتاف ونداء رئيس الملائكة وصوت بوق الله، فيقوم أولاً الذين ماتوا في المسيح" (1 تس 16:4). وجاء في كتاب "التماجيد المقدسة": [أنت الذي تصيح ببوقك في اليوم الأخير، في الانقضاء، فيقوم كل الذين رقدوا ليلبسوا أجسادهم بقوة الله. وينال كل واحدٍ كأعماله أمام منبر القاضي العادل. نسألك يا رئيس الملائكة ميخائيل أن تكون معنا في ذلك اليوم.]

جاء في ذكصولوجية لرئيس الملائكة ميخائيل [ميخائيل رئيس السمائيين، هو الأول في الطقوس الملائكية، يخدم أمام الرب. يرسل الله لنا مراحمه ورأفاته، بطلبات ميخائيل رئيس الملائكة العظيم. وتكمل الأثمار بطلبات ميخائيل، لأنه قريب إلى الله، يسأل عنّا. كل عطية صالحة، وكل موهبة تامة، إنما تنزل لنا من فوق من عند أبي الأنوار. فلنسبح ونمجد ونسجد للثالوث القدوس المساوي، الدائم إلى الأبد. اشفع فينا يا رئيس الملائكة القديس ميخائيل رئيس السمائيين، ليغفر لنا خطايانا.]

25. ماذا قيل عن رئيس الملائكة جبرائيل؟

كلمة "جبرائيل" تعني "جبروت الله"، لأنه يخبرنا عن جبروت الله وعظم أعماله معنا. وهو الملاك المُبَشِّر بالأخبار السارة. قال عن نفسه في حديثه إلى زكريا رئيس الكهنة والد النبي يوحنا المعمدان، وهو يصف شرف مهمته وكرامة وظيفته: "أنا جبرائيل الواقف قدام الله" (لو 19:1)، وهو ما يتفق تمامًا مع ما قاله الملاك رافائيل لطوبيا: "أنا رافائيل الملاك أحد السبعة الواقفين أمام الرب" (طو 15:12).

26. ما هو دور الملاك جبرائيل كما جاء في سفر دانيال النبي؟

جاء الملاك إلى دانيال يفسر له الرؤيا التي رآها عند نهر أولاي. "وكان لما رأيت أنا دانيال هذه الرؤيا، وطلبت فهمها، إذ بشبه إنسان واقف أمامي. وسمعت صوت إنسانٍ من وسط نهر أولاي، فنادى وقال: يا جبرائيل فَهِّم هذا الرجل الرؤيا" (دا 15:8-16).

اشتهى دانيال النبي تفسير الرؤيا بصورة أكمل، فقد عرف القليل، لكن لنفعه ولنفع الكنيسة ككل اشتهى أن يبحث عن المعنى، وقبل أن يسأل رأى "شبه إنسان"؛ غالبًا ما يكون كلمة الله قبل التجسد الذي له سلطان أن يأمر رئيس الملائكة جبرائيل لكي يفسر له الرؤيا. "فجاء إلى حيث وقفت، ولما جاء ارتعبت وخررت على وجهي. فقال لي: افهم يا ابن آدم. إن الرؤيا لوقت المنتهى. وإذ كان يتكلم معي كنت في نومٍ عميقٍ على وجهي إلى الأرض، فلمسني وأوقفني على قدميَّ. وقال: أُعرفك ما يكون في آخر السخط، لأنها تشير إلى انقضاء الزمن" (دا 17:8-19).

المرة الثانية التي ورد فيها اسم الملاك جبرائيل أيضًا في (دا 20:9، 23). "وأنا أتكلم وأصلي... إذا بالرجل جبرائيل الذي رأيته في الرؤيا في الابتداء طار سريعًا ولمسني عند وقت تقدمة المساء. وفهَّمني وتكلم معي، وقال: يا دانيال إني خرجتُ الآن لتدرك الرؤيا وتفهمها. في ابتداء تضرُّعاتك خرج الأمر، وأنا جئتُ لأخبرك لأنك أنت محبوبٌ جدًا من الله. فتأمل الكلام وافهم الرؤيا.

إرسال الله رئيس ملائكة طائرًا بسرعة إلى دانيال، اهتمام إلهي عجيب. لأول مرة نسمع عن أجنحة الملائكة أو أنها كائنات طائرة. ظهر له على شكل إنسانٍ، لذا قال: "الرجل جبرائيل". بهذا يؤكد الله تقديره للإنسان واعتزازه به، فيجعل ملائكته ليس فقط تظهر لخدمة الإنسان، وإنما تحمل أيضًا شكله، حتى يمكن التلاقي بينهم. يقول القديس جيروم: [قيل إنه "طار" لأنه ظهر بمظهر إنسانٍ[60].]

كشف رئيس الملائكة جبرائيل لدانيال عن مركزه لدى الله إذ يقول: "لأنك أنت محبوب جدًا"، وبالمعنى الحرفي للكلمة العبرية "الرجل الذي يرغب فيه الله"، أي موضع سرور الله. الله محب كل البشرية يُسَرّ بالأكثر بمن يتمتعون بشركةٍ عميقةٍ معه، فيُسَرّ أن يُعلِن لهم أسراره الإلهية.

قَدَّم له الملاك وصية إلهية، بل عطية إلهية، وهي عطية الفهم: "فتأمل الكلام وافهم الرؤيا". لقد درس دانيال نبوات إرميا، وفهم تاريخ العودة من السبي، لكنه كان محتاجًا إلى فهمٍ أعظم، حيث ينسحب قلبه من الرجوع إلى كنعان إلى الرجوع إلى السماء عينها خلال عمل المسيا. أنبأه عن مجيء المسيح الفادي، وتتميم الفداء والخلاص وعن خراب الهيكل والقدس (دا 23:9، 27).

قَدَّم له الملاك خدمة ملائكية "وإذا بيدٍ لمستني، وأقامتني مرتجفًا على ركبتي وعلى كفَّي يدي" (دا 10:10). واضح أن دانيال شاهد الرؤيا وهو منبطح على الأرض، وكان مستندًا على ركبتيه ويديه، وكان محتاجًا إلى عون سماوي ليُقِيمَه. اليد التي كتبت على الحائط فأرعبت الملك بيلشاصر، هي التي لمست دانيال وأعطته قوة للقيام والتمتُّع بالفهم. يرى البعض أن اليد السماوية تشير إلى التجسد الإلهي، حيث قَدَّم لنا السيد المسيح العمل الإلهي، واهبًا إيّانا الفهم والحكمة مع الفداء والمجد.

يقول القديس جيروم: [ظهر الملاك في شكل إنسانٍ ووضع يده على النبي إذ كان مستلقيًا على الأرض، لقد حمل الشكل (البشري) حتى لا يرتعب![61]]

ظهور الملائكة على شكل بشر يكشف عن تقدير السماء لنا، فإنهم لا يحملون أجسادًا لكنهم لا يستنكفون من الظهور بشكلٍ بشريٍ. بهذا يعلنون عن شوق السمائيين إلى الدخول في صداقة معنا.

يُعَلِّق القديس جيروم على تعبير: "المحبوب"، قائلاً: [إنه تعبير لائق، فإن كل قديس يحمل جمالاً في نفسه، وهو محبوب من الرب[62].]

تذلل دانيال بالتوبة قدام الله إلهه، أي خلال العلاقة الشخصية مع الله الذي يحسبه إلهه، أي ينسبه إليه، لهذا تأهَّل أن يرسل الله ملاكه إليه، لأن ملاك الرب حال حول خائفيه (مز 19:145).

هل كان رئيس الملائكة جبرائيل عاجزًا عن مقاومة الشيطان الذي يبث روح العنف والكراهية في قمبيز Cambyses ضد المؤمنين؟ أو كان عاجزًا عن مقاومة الملك الشرير نفسه؟ لماذا أرسل له الملاك ميخائيل (دا 12:10-14)؟ لست أظن أن حديث الملاك هنا يقلل من شأن الملاك جبرائيل أو قدرته، إنما يكشف عن روح العمل الجماعي حتى بين السمائيين، وأيضًا يعلن عن اهتمام الله بشعبه، فيرسل أكثر من رئيس ملائكة من أجل شعبه. يقول يوناثان: "لأنه ليس للرب مانع عن أن يخلص بالكثير أو بالقليل" (1 صم 6:14).

لقد أنقذ الملاك جبرائيل دانيال النبي من جب الأسود وسدّ أفواهها فلم تؤذه: "فأجاب دانيال الملك: أيها الملك حييت إلى الأبد. إن إلهي أرسل ملاكه، فسدّ أفواه الأسود فلم تؤذني، لأني وُجِدت بريئًا أمامه وأمامك أيضًا أيها الملك، لم أصنع سوءًا" (دا 21:6-22).

وفي تقليد الكنائس الرسولية في الشرق والغرب أن الملاك جبرائيل هو الذي نقل بيديه الطاهرتين حبقوق النبي من أرض إسرائيل وتخوم الناصرة إلى دانيال النبي وهو في أسفل بئر السباع الكاسرة في أرض الكلدانيين" (دا 32:14-38). وهو بعينه الذي بشر العذراء مريم بتجسد الله الكلمة منها (لو 26:1-35). وهو الملاك الذي بشر الرعاة بمولد السيد المسيح (لو 8:2-14). وهو الذي أمر المجوس بعد أن سجدوا للمسيح المولود وقدموا له هداياهم، أن لا يرجعوا إلى هيرودس الملك. وهو الذي رافق المسيح له المجد في طفولته خادمًا له، ورافق العائلة المقدسة في رحلتها إلى مصر، وعودتها منها إلى فلسطين. كما ظهر للسيد المسيح في بستان جثسيماني أثناء صراعه وآلامه، وكان يقول له: "لك القوة" (لو 43:22).

وفي التقليد اليهودي كما جاء في (الترجوم) وهو الترجمة الآرامية للتوراة مع تفسير لها كانوا يقرأونها في المجامع اليهودية في زمن الهيكل الثاني وما بعد ذلك إن الملاك جبرائيل هو الرجل الذي قاد يوسف إلى إخوته عندما أرسله أبوه يعقوب ليسأل عن سلامتهم "فوجده رجل وإذا هو ضال في الحقل. فسأله الرجل قائلاً: ماذا تطلب؟ فقال: أنا طالب إخوتي. أخبرني أين يرعون؟ فقال الرجل: قد ارتحلوا من هنا إلى دوثان. فذهب يوسف وراء إخوته فوجدهم في دوثان" (تك 13:37-17). وأن الملاك جبرائيل اشترك مع رئيس الملائكة ميخائيل في دفن جسد موسى وإخفائه عن بني إسرائيل (تث 6:34)، وأنه هو الملاك الذي أرسله الرب فضرب من جيش سنحاريب ملك أشور مائة وخمسة وثمانين ألفًا من جنوده (2 مل 35:19؛ 2 أي 21:32؛ إش 36:37).

الملاك جبرائيل هو أحد الملاكين اللذين كانا مع الرب في ضيافة إبراهيم أب الآباء، عندما تجلّى له الرب في بلوطات ممرا. وأما الملاك الآخر فكان ميخائيل (تك 1:18-23، عب 2:13). ثم ذهب الاثنان بعد ذلك إلى لوط وأنقذاه هو وأسرته من الهلاك الذي حلّ بسدوم وعمورة (تك 1:19-22).

27. ما هو دور رئيس الملائكة جبرائيل في البشارة بالتجسد الإلهي؟

يُقَدِّم لنا القديس مار يعقوب السروجي القديسة العذراء مريم مثالاً ونموذجًا حيًا للتمتُّع بالمعرفة خلال الإيمان. لقد حاورت مع رئيس الملائكة جبرائيل للتعرُّف على سرّ التجسد الإلهي، ليس في جدالٍ عقيمٍ، وإنما بروح الخضوع والتواضع مع المحبة الصادقة نحو الله، فتمتعت بتجسد كلمة الله في أحشائها، مع تمتعها بالبتولية الدائمة. هكذا يليق بنا أن نكف عن الجدال الجاف، وفي إيمان صادق نتقبَّل عمل الله فينا، فيسكن مسيحنا في داخلنا، ويهب نفوسنا بتولية روحية فائقة. يقول مار يعقوب: [امتلأت هذه اللحظة بالعجب، حين وقفت مريم لتناقش جبرائيل. الفقيرة بنت أحد الفقراء وملاك تقابلا، وتكلما في قصة كلها عجب. عذراء نقية وساهر ناري تكلما في روعة، بحديث صالح السمائيين مع الأرضيين. إحدى النساء وأمير كل الطغمات صنعا اتفاقًا من أجل مصالحة كل العالم. جلس الاثنان بين العلويين والسفليين، تكلما وصنعا سلامًا لكل الذين كانوا غاضبين. الفتاة والساهر تقابلا وتناقشا في الأمر، فزال الخصام بين الرب وآدم. هذا النزاع العظيم الذي بدأ بين الأشجار[63] (تك 3: 1-7)، أصبح موضع مناقشة، وأتى إلى نهايته، وأصبح هناك سلام. مخلوقة أرضية ومخلوق سمائي تكلما بمحبة، وتوقف الخصام بين الفريقين، وأصبحا في سلام[64].]

الملاك جبرائيل هو ملاك الرب الذي كلّم فيلبس الشماس (أع 26:8-40).

كان الملاك جبرائيل أحد الملاكين اللذين ظهرا للنسوة عند قبر المخلص بثياب برّاقة.

تُعَيِّد له الكنيسة في 13 هاتور، 22 كيهك، 3 برمهات، 13 بؤونة.

جاء في ذكصولوجية لرئيس الملائكة جبرائيل: [غبـريـال الملاك، رآه دانيال، واقفًا على قدميه على شاطئ النهر. ومدّ يده اليمنى إلى السماء، وحلف بالعليّ، الدائم إلى الأبد. قائلاً من زمانٍ إلى زمانٍ، وإلى نصف زمان، إلى تمام الرؤيا، أنا أُخبرك بها. ميخائيل وغبـريـال، رئيسا ملائكتك العظيمان، يُسَبِّحانك يا ملك المجد، صارخين، قائلين: قدوس الله: المرضى أشفهم، قدوس القوي: الراقدين يا رب نيّحهم. قدوس الذي لا يموت: بارك ميراثك، ولتكن رحمتك وسلامك، حصنًا لشعبك. إذا ما قالا الليلويا: يتبعهما السمائيون، قائلين: قدوس آمين، الليلويا، المجد هو لإلهنا. اشفعا فينا يا رئيسي الملائكة القديسين ميخائيل وغبـريـال، ليغفر لنا خطايانا.]

28. ماذا قيل عن رئيس الملائكة رافائيل؟

"رافائيل" اسم عبري يعني "رأفات الله"، قاد طوبيا في رحلته وشفى عيني والده. تُعَيِّد له الكنيسة في 3 من النسي، وهو تكريس كنيسته التي بناها البابا ثاؤفيلس البطريرك 23 من باباوات الإسكندرية. لذلك يُعتبَر الملاك رافائيل شفيع المرضى وراعي المستشفيات، والحامي للملاحين والمسافرين، ونصير الأطباء وأخصائي العيون، والمشتغلين بتحضير الوصفات الطبية. وهو شفيع الراغبين في الحياة الزوجية السعيدة، يطلبون صلواته ومعونته ليتحقَّق لهم التوفيق والهناء والإنجاب للبنين والبنات.

يروي القديس يوحنا الذهبي الفم رؤياه الخاصة بالملاك رافائيل في عظة عن رئيس الملائكة رافائيل في يوم تذكاره في الكنيسة التي بناها الملك أركاديوس على اسمه. قال: "حدث في ذات يوم، أنا يوحنا، وأنا أُصَلِّي القداس الإلهي وقت الساعة السادسة، أن أشرق نور عظيم، وأتى إليَّ شاب جميل الوجه جدًا، ويحيط به مجد بهي، وبيده اليُمنى قضيب من ذهب برأسه صليب، ودعاني ثلاث مرات قائلاً: "يا يوحنا، اللسان شافي النفوس التي ماتت بالخطية"، "يا يوحنا اللسان المتكلم على الأرض لكي يفرح الله في السماء." ولما سمعت هذا اضطربتُ أمام قدميه، وسجدت له، فأمسك بيدي وأقامني، وقال لي: لا تخف، أنا عبدُ زميل لك. اسجد لله. فقلتُ وأنا مرتعد. من أنت يا سيدي؟ يا من على هذه الحال ويحيط بك هذا المجد العظيم، ولم أنظر أحدًا مثلك مطلقًا؟ فأزال عني الخوف، وقال لي: "أنا رافائيل أحد رؤساء الملائكة السبعة. أنا رافائيل الذي ربطني مولاي مع فيلوثاوس فحملته هو وأباه وأمه إلى المسيح يسوع. أنا رافائيل رئيس الملائكة الذي أسلمك المسيح ليدي منذ صغرك، ولم أتركك منذ ولادتك إلى اليوم ساعة واحدة ولا طرفة عين، ولن أتركك حتى اليوم الذي أصحبك فيه إلى الملك المسيح. لقد أسلمك إليّ عندما ذهبتُ إلى منزل المعلم الذي علّمك الكتابة. ولقد كنتُ أصحبك عندما أبحرت إلى أثينا وبيريه اللتين سافرت إليهما، ومهدّت طرقك، ولقّنتك دروسُا تتفطن بها وتتعقَّل. وكنتُ كفلاحٍ يبدأ بإعداد بذوره ويبحث عن الماء في الآبار. والآن تقوّ وتشدَّد ولا تخف، أيها المعترف العجيب لأنني لا أخيف النفوس، بل أُطمئن النفوس، لأن زملائي الملائكة يدعونني "الملاك مُفَرِّح القلوب. تقوّ وليتشدد قلبك، ولا تخف، فلستُ صاحب خصام، ولكني صاحب سلام."

وللملاك رافائيل مساعدات لكثيرين، من بينهم طوبيا والقديس فيلوثيؤس، والشهيد الأنبا إيسي، والقديس توماس السائح، والأمير تادرس الشُطبي، والملكة التقية والمحبة لله أوفيمية، وغيرهم كثيرون.

جاء في ذكصولوجية لرئيس الملائكة رافائيل: "كل الأجيال الذين كانوا من آدم إلى اليوم، يجدون رافائيل حصنًا للبشرية. وكل واحدٍ من القضاة، الأنبياء والأبرار، والملوك الصديقين، كان ناصرًا لهم. وآباؤنا الرسل القديسون، هو الذي أرشدهم، حتى ردّوا المسكونة إلى معرفة الحق. والشهداء المجاهدون، الذين لربنا يسوع المسيح، لم يفارقهم جميعًا، حتى لبسوا الإكليل غير المضمحل. والنساك المختارون، التائهون في البراري، كان رافائيل يحيط بهم، حتى أكملوا سعيهم. ملاك الرب يحيط بكل الذين يخافونه، يحرسهم وينجّيهم. فلنمجد الثالوث القدوس المساوي، لكي يحفظنا من التجارب. اشفع فينا يا رئيس الملائكة القديس رافائيل مفرِّح القلوب، ليغفر لنا خطايانا.]

29. ماذا قيل عن رئيس الملائكة سوريـال[65]؟

"سوريال" معناه في اللغة العبرانية "الله صخرتي"، أو صخرتي هو الله". كما جاء في السنكسار أنه يعني "بوق الله"، سوف يبوق في اليوم الأخير حين يرسل الله ملائكته ببوقٍ عظيم الصوت، فيجمعون مختاريه من الأربعة رياح. تُعَيِّد له الكنيسة في ٢٧ طوبة، وتحسبه المُبَوِّق بلحن الفرح. تتطلع إليه الكنيسة أنه مفرح القلوب أكثر من أفراح العالم الزمني.

1.  قيل عنه إنه كان مع عزرا الكاتب وسانده، وعرَّفه أسرارًا خفية. جاء عنه في السنكسار أنه هو الذي بشَّر آدم بالخلاص، وخَلّص يوسف الصديق من يد سيدته امرأة فوطيفار.

2.  قيل عنه أيضًا إنه كان يسند الشهداء والقديسين في حروبهم الروحية ويُثَبِّتهم على الإيمان.

3.  جاء في كتاب عزرا المنحول إن عزرا رأى جمهورًا عظيمًا على جبل الهيكل يُسَبِّحون الله، ثم رأى شابًا أطول من الجميع. أوضح له الملاك سوريال أنه شخص ابن الله.

4.  اشتكى عزرا للملاك من الضيقات، فأجابه أنها بسبب الشرّ الذي سكن في قلب آدم وبنيه. ولما سأله: لماذا الحياة قصيرة وشاقة؟ أجابه الملاك: إن الرحيل من العالم هو حسب تدبير الله. أعلمه أيضًا أن الملاك أنانئيل هو الذي طيَّب قلوب الشهداء الذين تحت المذبح، "وقال لهم أن يستريحوا زمانًا يسيرًا حتى يكمل العبيد رفقاؤهم" (رؤ ٦: ١١). أخبره أيضًا عن أيام الضيق التي تكون في نهاية الأزمنة. وأوصاه بضرورة سير شعب الله في الطريق الضيق.

5.  أوضح له الملاك أن الأشرار سيُعانون من الشدة لسبعة أسباب: شعورهم بعصيانهم الله، وعدم قبولهم التوبة، تطلعهم إلى مجد الأبرار، العذاب الشديد الذي ينتظرهم، رؤيتهم الملائكة وهم يحيطون بالأبرار، شعورهم بالخوف، الحرمان من رؤية الله. مقابل هذا يتمتَّع الأبرار بسبعة مصادر للفرح: النصرة على الشرّ، خلاصهم من عذاب الأشرار، شهادة الله لهم، التمتُّع بالراحة في الفردوس، بعدهم عن الفساد، استنارة وجوههم، رؤيتهم لله.

جاء في ذكصولوجية رئيس الملائكة سوريال: [لنسجد للآب والابن والروح القدس، ونكرم سوريال الرابع في رؤساء الملائكة. جيد هو فرح سوريال، نصنعه (نتمتع به) في الكنائس، أكثر من فرح عُرْسِ هذا العالم الزائل. أنت أيضًا تعلم أيها الحبيب أن فرح العالم يزول، أما فرح سوريال فيدوم إلى الأبد. اشفع فينا يا رئيس الملائكة الطاهر سوريال، المبوِّق، ليغفر لنا الربّ خطايانا.]

30. من هم بقية السبعة رؤساء الملائكة؟

رئيس الملائكة سيداكيئيل Sedakiel؛ ورئيس الملائكة ساراثيئيل Sarathiel؛ ورئيس الملائكة أنانيال Ananiel.

جاء في ذكصولوجية لكل السمائيين: [سبعة رؤساء ملائكة، وقوف يسبحون أمام الضابط الكل، يخدمون السرّ الخفي. ميخائيل هو الأول، غبريال هو الثاني، رافائيل هو الثالث، كمثالٍ للثالوث. سوريال، وسداكيل، وساراثيئيل وأنانيال، هؤلاء المنيرون العظماء الأطهار، يطلبون منه عن الخليقة. الشاروبيم والسيرافيم، العروش والأرباب والقوات. والأربعة الأحياء غير المتجسّدين الحاملون مركبة الله. الأربعة والعشرون قسّيسًا في كنيسة الأبكار، يسبحونه بلا فتورٍ، صارخين قائلين: "قدوس الله، المرضى أشفيهم؛ قدوس القوي، الراقدين يا رب نيّحهم. قدوس الذي لا يموت، بارك ميراثك، ولتكن رحمتك وسلامك حصنًا لشعبك. قدوس قدوس قدوس رب الجنود: السماء والأرض مملوءتان من مجدك وكرامتك. إذا ما قالوا الليلويا"، يتبعهم السمائيون قائلين: "قدوس آمين الليلويا: المجد هو لإلهنا. اشفعوا فينا أيها الجنود، والطغمات السمائية، ليغفر لنا خطايانا.]


 

4. ليس للشيطان سلطان علينا؟[66]

1. من هم الملائكة الأشرار؟

خلق الله إبليس وملائكته مع بقية الملائكة. لكن بالكبرياء سقط إبليس من رتبته (إش ١٤: ١٢-١٤). إذ أراد أن يجلس فوق عرش الله. سارت ملائكته وراءه فسقطوا معه من السماء.

ظهر إبليس كحية ليخدع حواء (تك ٣: ١-٦). وجاء في سفر الحكمة: "بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم" (حك ٢: ٢٤). دعاه مُخَلِّصنا "التنين العظيم الحيّة القديمة، المدعو إبليس والشيطان الذي يضل العالم كله" (راجع رؤ ١٢: ٩؛ رؤ ٢٠: ٢). أُصِيب الأبوان الأولان بالعمى، واختارا ظلمة الخطية عوض نور الحق الإلهي، وعجزا عن إدراك إرادة الله وخطته الخلاصية. كما أَكَّد لنا ربّنا أن الشيطان كان قتّالاً منذ البدء ولم يقف في الحق... لأنه كذّاب وأبو الكذّاب (يو 8: 44).

أشارت كثير من أسفار العهد القديم إلى إبليس الذي ظهر كطاغية يقاوم الأبرار. كما تحدث العهد الجديد خاصة سفر الرؤيا عن إبليس وسماته وأفكاره ومقاومته للإنسان كي يُحَطِّمَه.

2. ما هو حال إبليس قبل سقوطه؟

كان إبليس يُدعَى لوسيفر أو زهرة بنت الصبح، ففقد النور وصار رئيس مملكة الظلمة. وكما يقول إشعياء النبي: "كيف سقطت من السماء يا زهرة بنت الصبح؟! كيف قُطعت إلى الأرض يا قاهر الأمم؟! وأنت قلت في قلبك: أصعد إلى السماوات، أرفع كرسيّ فوق كواكب الله، وأجلس على جيل الاجتماع في أقصى الشمال، أصعد فوق مرتفعات السحاب، أصير مثل العلي" (إش 14: 12-14). كان إبليس كوكبًا عظيمًا ومرموقًا بين السمائيين "زهرة بنت الصبح"، لا يتمتع بالنور فحسب، وإنما كان يشرق بنوره على الغير كأنه نور مُشرِق في الصباح، وذلك كعطية إلهية، لكنه تشامخ على الله خالقه وواهبه النور.

يتحدث العلامة أوريجينوس عن الشيطان كمخلوقٍ صالحٍ أخطأ بإرادته، قائلاً: [الذين يقولون إن الشيطان ليس خليقة الله مخطئون. فبقدر ما هو شيطان ليس خليقة الله، أما الكائن نفسه (كمخلوق) فهو خليقة الله. وذلك كالقول بأن القاتل ليس خليقة الله، لكنه كإنسان هو خليقة الله[67].]

3. هل الشيطان شخصية حقيقية؟

يؤكد الكتاب المقدس حقيقة وجوده ككائن له سماته وإرادته وعمله. نذكر على سبيل المثال:

أ. ورد في سفر أيوب دخول الله في حوار مع الشيطان ككائن جاء بين الملائكة، واعتراف انه كان يجول في الأرض، وقَدَّم اتهامات ضد أيوب البار.

ب. جَرَّب الشيطان السيد المسيح في البرية، وحاوره، ثم فارقه إلى حين (لو 4).

ج. دخل ميخائيل رئيس الملائكة في معركة معه (رؤ 12؛ يه 9).

د. طلب الشيطان أن يُغَربل التلاميذ كالحنطة (لو 22: 31).

هـ. ألقى الشيطان بعضًا من المؤمنين في السجن (رؤ 2: 10).

و. للشيطان أفكاره التي لا نجهلها (2 كو 2: 11)؛ وله مكره الذي يلزمنا الحذر منه (2 كو 11: 3)، وله علم (رؤ 12: 12)، وإرادة (2 تي 2: 26)، ومشـاعر كالكبرياء (1 تي 3: 6)، والغضب (رؤ 12: 12).

هذا كله يؤكد أن الشيطان مخلوق حقيقي وليس فكرة من صنع الإنسان.

4. هل الأرض مملوءة بالملائكة والشياطين؟

إذ يود عدو الخير أن يسيطر على كل البشرية ليكون رئيسًا لهذا العالم، لا يكف عن الجولان في كل الأرض هو وملائكته لنصب شباكهم للبشر، واكتشاف أخطائهم كي يشتكوهم أمام الله. هذا ما كشفه لنا سفر أيوب. يقول القدِّيس يوحنا الذهبي الفم: ["فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: مِنْ أَيْنَ جِئْتَ؟ فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ: مِنْ الْجَوَلاَنِ فِي الأَرْضِ، وَمِنَ التَّمَشِّي فِيهَا" (أي 1: 7). ماذا نفهم من ذلك؟ الأرض مملوءة بالشياطين والملائكة... هذا النص يعني أن الشيطان مع الملائكة في العالم. فكما أن الناس المخادعين مع الصالحين ممتزجون معًا هكذا أيضًا الملائكة والشياطين[68].]

5. ما هي خطية الملائكة؟

الكبرياء هي سبب سقوط الملائكة (إش ١٤: ١٢-١٤). وهي نفس الخطية التي سقط فيها آدم وحواء بغواية إبليس (تك ٣: ٢-١٤).

6. أين موضع الملائكة الأشرار؟

موضع الملائكة الساقطين يُدعَى الجحيم أو قيود الظلمة، ولكن إلى أن يحلّ يوم الدينونة يتمتعون بنوعٍ ما من الحرية ويُسمَح لهم أن يهاجموا البشر (١ يو ٣: ١٢؛ ٢ كو ٢: ١١). يقول الرسول: "فإن مصارعتنا ليست مع دم ولحم، بل مع الرؤساء مع السلاطين مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر مع أجناد الشرّ الروحية في السماويات" (أف ٦: 12). يقول الرسول بطرس: "اصحوا واسهروا، لأن إبليس خصمكم كأسدٍ زائرٍ يجول ملتمسًا من يبتلعه هو" (١ بط ٥: ٨). قيل عن خيانة يهوذا لسيده: "ألقى الشيطان في قلب يهوذا الإسخريوطي أن يسلمه" (يو ١٣: ٢). لهذا قيل: "لأجل هذا أُظهِر ابن الله لكي ينقض أعمال إبليس" (١ يو ٣: ٨).

7. هل الملائكة الأشرار خُلِقوا من طبيعة تختلف عن طبيعة الملائكة الصالحين؟

خلق الله جميع السمائيين صالحين، بل وكل الخليقة صالحة. أما سبب سقوط الملائكة الأشرار فهو سوء استخدامهم حرية الإرادة الممنوحة لهم. سقطوا في التمسك بإرادتهم الذاتية في كبرياءٍ وتشامخٍ وخبثٍ. يقول عنهم الرسول يهوذا: "والملائكة الذين لم يحفظوا رياستهم، بل تركوا مسكنهم، حفظهم إلى دينونة اليوم العظيم بقيود أبدية تحت الظلام" (يه 6). أما الملائكة الصالحون فسرّ استمرارهم في الصلاح هو تواضعهم وقبولهم نعمة الله تعمل فيهم. استمر الأشرار في شرّهم، فانطلقوا من شرٍ إلى شرٍ، وحرموا أنفسهم من نعمة الله. هذا دفعهم إلى حسد الإنسان وبغضهم له ومقاومته بكل وسيلة مُمكِنة. تحوَّلت طاقتهم الجبارة من تمجيد الله إلى مقاومة الإنسان وخداعه، فصار الإنسان يتبعهم في التجديف على الله وعصيانه بل وتحدّيه. صار الشيطان أبًا ومُعَلِّمًا لمن يخضع له فيحثه أن يبذل الجهد ليخدع إخوته أيضًا.

8. لماذا دُعِي الملائكة الأشرار شياطين، أي مفترون أو مخادعون؟

لأنهم دائمًا يضعون شِباكً للبشر كي يخدعوهم، ويثيرون فيهم رغبات وشهوات شريرة، وكما قال السيد المسيح لليهود غير المؤمنين: "أنتم من أب هو إبليس، وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا. ذاك كان قتَّالاً للناس من البدء، ولم يثبت في الحق، لأنه ليس فيه حق. متى تكلم بالكذب، فإنما يتكلم مما له، لأنه كذّاب وأبو الكذاب" (يو 8: 44).

9. هل أشار السيد المسيح إلى الشيطان وملائكته؟

حوَّل السيد المسيح أنظارنا إلى السماء والسمائيين، حتى يلتهب قلبنا بالحب نحو الانطلاق إلى الأمجاد الأبدية. وفي مواقف قليلة للغاية أشار إلى الشيطان وملائكته، محذرًا إيانا من خططهم وخداعهم. في عنادٍ وتشامخٍ يدخل الشيطان في معركة مع النور الإلهي!

10. كيف نفلت من فخ إبليس؟

وقف المرتل في دهشةٍ أمام عمل الله العجيب، وسط المعركة التي بين الله وإبليس. رأى نفسه كأنه عصفور لا حول له ولا قوة. لا يقدر أن يفلت من فخ الصيادين، أي إبليس وملائكته، لكن القدير أعانه، فكسر له الفخ، وأطلقه حرًا. تَرَنَّم المرتل، قائلاً: "انفلتت أنفسنا مثل العصفور من فخ الصيَّادين، الفخ انكسر ونحن انفلتنا، عوننا باسم الرب الصانع السماوات والأرض" (مز 124: 7-8).  يقول القدِّيس جيروم: [ما هو الفخ الذي انكسر؟ يقول الرسول: "(الرب) سيسحق الشيطان تحت أرجلكم سريعًا" (رو 16: 20)، "فتستفيقوا من فخ إبليس" (2 تي 2: 26). ها أنتم ترون الشيطان هو الصيَّاد، يشتاق أن يصطاد نفوسنا للهلاك. الشيطان هو سيِّد فخاخ كثيرة، وخداعات من كل نوعٍ... متى كنَّا في حالة النعمة تكون نفوسنا في أمان. لكن ما أن نلهو بالخطيَّة، حتى تضطرب نفوسنا وتصير كسفينة تلطمها الأمواج[69].]

11. من هو قائد معركتنا ضد إبليس؟

يوصي الرسول بولس تلميذه تيموثاوس كابن روحي له أن يتقوَّى في الجهاد لا بالغيرة البشريّة والحماس الذاتي، وإنما بالنعمة التي تُوهَب له في المسيح يسوع ربنا. كتب له: "اشترك أنت في احتمال المشقات كجندي صالح ليسوع المسيح" (2 تي 2: 3). فالمسيحي في جهاده الروحي يحارب ضد إبليس والخطية، تحت قيادة رب المجد نفسه الذي جنده، بكونه "رئيس (أو قائد) خلاصنا" (عب ٢: ١٠). إنه القائد الذي غلب إبليس على الصليب، ولا يزال يغلبه خلالنا (رؤ ٨: ٣٧). يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يصوب الشيطان سهامًا ضدي، لكن أنا معي سيف. هو معه قوس، أما أنا فجندي أحمل سلاحًا ثقيلاً... إنه لا يجسر أن يقترب إليّ، إذ يلقى بسهامه من بعيد[70].]

12. ماذا يعني القول: "هكذا أضارب كأني لا أضرب الهواء" (1 كو 26:9)؟

من عادة الملاكمين أن يدخلوا الحلبة وقبل بدء الصراع يمارسون الملاكمة في الهواء لتمرين أياديهم أو كنوعٍ من الاستعراض أمام الجماهير. كان هذا يدعي skiamachia أو "Sciamachia" أي معركة زائفة أو معركة في الهواء. أما وقد دخل السيد المسيح في معركة ضد عدو حقيقي، فإنه لم يضرب في الهواء، بل حقَّق الهدف تمامًا باسمنا ولحسابنا. وقَدَّم لنا روحه القدوس كي نحارب في يقين، ونضرب بكل قوة العدو الذي تَحَطَّم بضربات المُخَلِّص القاضية. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: ["هكذا أضارب كأني لا أضرب الهواء" (1 كو 26:9). يقول هذا مرة أخرى مشيرًا أنه كان يعمل ليس اعتباطًا ولا باطلاً. فإنه يوجد من أضربه وهو الشيطان. وأما أنتم فلا تضربونه بل ببساطة تبددون قوتكم باطلاً[71].]

13. أيهما أقوى المؤمن أم الشيطان؟

عانى القديس مقاريوس من حربه مع الشيطان وقواته في مواجهة معارك معه، فإنه يُقَدِّم لنا خبرته العملية. لقد أدرك أن النفس المسنودة بعريسها السماوي، والمُقادَة بروحه القدوس، إنما تستطيع بقوة أن تُحَطِّم إبليس وتهدم حصونه، وتفسد كل خططه. يُقَدِّم لنا في عظاته عبارات تكشف عن ذلك، مؤكدًا أنه لو كان الشيطان أقوى من النفس البشرية، فكيف يديننا الله العادل إن انهزمنا! يقول القديس مقاريوس الكبير: [إن قلت إن القوة المضادة قوية جدًا، وإن للشرّ سيادة كاملة على الإنسان، فإنك بهذا تنسب لله الظلم حينما يدين البشر بسبب خضوعهم للشيطان... بهذا تجعل الشيطان أعظم وأقوى من النفس، ثم تقول لي لا تخضع للشيطان. هذا مثل معركة بين شاب وطفل صغير، فإذ ينهزم الطفل يُدَان على هزيمته. هذا ظلم عظيم![72]]

14. ماذا يعني القول: "أَتَلْعَبُ مَعَهُ كَالْعُصْفُورِ، أَوْ تَرْبِطُهُ لأَجْلِ فَتَيَاتِكَ؟" (أي 41: 5)

تارة يصف الكتاب المقدس الشيطان كتنينٍ رهيبٍ أو أسدٍ يزمجر أو تمساحٍ يفترس الخ، وأخرى كثعلب صغير لا قوة له. فإن واجه الإنسان عدو الخير بقدراته الذاتية يرتعب أمام هذا العدو العنيف، وإن اختفى في نعمة الله يراه حقيرًا، عاجزًا عن الإضرار به. الطير الذي يُرَوَّض يمكن اللعب به لأجل التسلية والترفيه، لكن الأمر ليس هكذا بالنسبة للوياثان. لأجل التسلية تُصطَاد الطيور، وتوضع في أقفاص، لتقف حولها الفتيات الصغيرات يتمتعن برؤيتها. في بعض البلاد غير المتقدمة يقوم الآباء بربط الطيور بخيط لكي ما يلهو به أطفالهم كنوعٍ من التسلية. يقول القدِّيس غريغوريوس النيسي: [يقول سفر أيوب عن (الشيطان) إنه مخيف ومرعب (أي 40: 18؛ 41: 7). جنباه نحاس، وظهره حديد مسبوك، أحشاؤه من حجارة ... هذا وأكثر منه يقول عنه الكتاب المقدس. هذا هو قائد الفرق الشيطانية العظيم والقدير. ولكن ماذا يدعوه صاحب القوة، الحق والفريد؟ إنه "ثعلب صغير" (نش 2: 15). كل الذين مع الشيطان، قواتهم بكاملها هي موضع سخرية. يدعوهم الله بذات الاسم: "الثعالب الصغيرة"، ويحث الصيادين ضدهم[73].]

15. كيف حطَّم السيد المسيح الشيطان؟

أ. بالتجسد حطَّم عرش إبليس. يقول القديس أمبروسيوس: [تنبأ أيوب القديس عن مجيء الرب، الذي قال عنه بالحق أنه يهزم لوياثان العظيم (أي 41: 8)، وقد حدث! فقد ضرب لوياثان المُرعِب، الشيطان، وطرحه إلى أسفل وأذله في آخر الأزمنة بآلام جسده المكرٌمة[74].]

 ب. بالتجسد حطَّم رؤوس التنين. يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [لما كان من الضروري تحطيم رؤوس التنين نزل السيد في المياه وربط القوي (مت 29:12)، لكي يولينا سلطانًا ندوس به على الحيات والعقارب (لو 19:10). إنه ليس وحشًا صغيرًا، فمنظره كاف لإثارة الرعب، ولا يستطيع أي قارب صيد أن يقاوم ضربة واحدة من ذيله، وأمامه يعدو الهول، وهو يسحق كل الذين يقتربون منه (أي 13:41). لقد أقبلت الحياة لتكمم الموت، حتى نستطيع نحن المخلصين جميعًا أن نقول: "أين شوكتك يا موت؟ وأين ظفرك يا جحيم؟" (1 كو 15:15)، فبالعماد سحق شوكة الموت[75].]

ج. بالتجسد حررنا من العبودية لإبليس. يقول القديس دوروثيؤس من غزة: [عندما تجسد الرب يسوع المسيح من أجلنا، حَرَّر الإنسان من استبداد عدو الخير له، ونزع كل قوة العدو وكسر قوته، ونزعنا من يديه وحررنا من العبودية له. لم يعد للشيطان سلطان علينا ما لم نخضع له بإرادتنا ونطيعه بفعل الخطيئة، لأن الرب يسوع المسيح أعطانا السلطان والقوة أن ندوس الحيات والعقارب وكل قوة العدو. "ها أنا أعطيكم سلطانًا لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو، ولا يضـركم شيء" (لو 19:10)[76].]

د. بالتجسد غلب السيد المسيح الشيطان وأدان الخطية في الجسد. طمع إبليس فيه إذ رآه إنسانًا، لكنه عوض أن يصطاده بشباك الخطية، وجده حاملاً بحُبِّه خطايا كل البشرية، ففزع وارتعب! يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [قديمًا بعذراء أهلك الشيطان آدم، أما فيما بعد فبعذراء غلب السيد المسيح الشيطان.]

ه. المسيح واهب النصرة. يرى القديس جيروم في رؤيا زكريا النبي السيد المسيح وقد ارتدى ثيابًا قذرة، ووقف عن يمينه الشيطان، هكذا في محبته، احتل موقع آدم وبنيه، حتى إذ رُفِعَت الخطايا، وارتدى عمامة طاهرة على رأسه (زك 3: 4-5)، يعلن عن حالنا الجديد في المسيح يسوع مخلصنا[77].

مركز السلاح أو جوهره هو تجلَّى السيد المسيح نفسه في داخلنا، هو الذي غلب عدو الخير، ويبقى غالبًا له خلالنا. السيد المسيح نفسه هو سلاحنا وغلبتنا ونصرتنا على إبليس وجنوده. تحدث العلامة أوريجينوس عن ذلك، وشبَّه مار أفرآم السرياني الشيطان بالذئب الذي انقض على يسوع الحمل ليفترسه، وإذ ابتلعه الموت لم تحتمل معدته ذلك ففجَّرها، وأخرج الذين سبق فأسرهم الموت في داخله. وشبَّه القديس غريغوريوس النيسي الشيطان بسمكة شرهة انقضت على الطُعم، فأمسكت الصنارة بها[78]، ويشبهه غريغوريوس (الكبير) بالطائر الذي اجتذبته الحنطة، فسقط في الشبكة[79].

و. بالرب تستقبلنا الملائكة أيضًا كمنتصرين. في الحديث عن التجربة قيل: "ثم تركه إبليس، وإذا ملائكة قد جاءت فصارت تخدمه" (مت 4: 11). يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [بعد انتصاراتك النابعة من انتصاراته، تستقبلك الملائكة أيضا وتُمَجِّدك وتخدمك كحراس لك في كل شيءٍ[80].]

ز. بالرب تحوَّلت الصور من عبادة الشيطان إلى تكريم المتجسد. كانت الصور تلعب دورًا خطيرًا في العبادة الوثنية، حيث سحبت قلوب الكثيرين إلى عبادة الشيطان والمخلوقات. والآن صار الكلمة جسدًا، وحلّ وسطنا، وقدَّس الكثيرين كأعضاء في جسده، فصارت الأيقونات تذكارًا له، ولعمل نعمته في حياة قديسيه المجاهدين بروح الحب الحقيقي.

ح. احتراق الشياطين بنار الروح. بعد صعود السيد المسيح وُهِب للكنيسة روح الله القدوس الذي حلّ في يوم الخمسين على شكل ألسنة نارية. قَدَّم الروح الناري للكنيسة ما للمسيح لكي تتمتَّع بالنصرة على إبليس، ويهب العاملين فيها أن يكونوا خدامًا، لهم الروح الناري القادر أن يسحب البشر في مملكة المغتصب إبليس إلى مملكة الله القدوس. يقول القدّيس جيروم: [إن كان الله نارًا، فهو نار لكي يسحبنا من برود الشيطان... ليت الله يهبنا ألا يزحف البرد إلى قلوبنا، فإنّنا لا نرتكب الخطيّة إلا بعد أن تصير المحبّة باردة[81].] ويقول القديس مقاريوس الكبير: [كما أن القضبان التي تُلقَى في النار لا تستطيع أن تقاوم قوة النار، بل تحترق سريعًا، هكذا فإن الشياطين التي تسعى أن تحارب إنسانًا نال قوة الروح تحترق وتتلاشى بقوة النار الإلهية، إن كان الإنسان ملتصقًا بالرب كل حين، واضعًا ثقته ورجاءه فيه. حتى إن كانت الشياطين أشداء كالجبال الراسخة، فإنها تحترق بالصلاة كما يذوب الشمع في النار[82].] ويقول القديس أنطونيوس الكبير: [إني أرى أن نعمة الروح القدس على أتم استعداد أن تملأ أولئك الذين يعزمون منذ البداية أن يكونوا ثابتين في محاربتهم ضد العدو (الشيطان)، غير مستسلمين في أي أمر من الأمور، حتى يغلبوه[83].]

ط. الغلبة على الشيطان بالإيمان. [يدخل المؤمن في معركة خفية مع عدو خفي لا يهدأ. بإيماننا بالساكن في السماء، محب البشر، مُخَلِّص العالم بدمه الثمين، نواجه العدو بمخافة الرب الواهب القوة الإلهية مع فرح مجيدٍ. في تحدٍ للشيطان بروح القوة يقول الرسول يوحنا: "لأن كل من وُلِد من الله يغلب العالم. وهذه هي الغلبة التي تغلب العالم: إيماننا." (1 يو 5: 4). قد يسأل أحد: من يقدر أن يغلب محبة العالم الذي يبذل الشيطان كل الجهد ليُقِيم منه مملكة وجيشًا ضد الكنيسة، مستخدمًا كل مغرياته وضيقاته؟ خلال إيماننا بربنا يسوع الذي غلب الشيطان والذي لا يزال يغلب بعمله فينا وسيغلب. فإذ نختفي فيه يصير الطريق سهلاً، والحمل الثقيل هينًا، وإغراء العالم كلا شيء، وضيقات العالم موضوع سرورنا. يقول أنبا بيمين: [يستحيل على مَنْ يؤمن بحق ويجاهد بمخافة الرب أن يسقط في نجاسة الأوجاع وفي الأخطاء التي من الشياطين.]

ي. الغلبة على الشيطان بالصلاة والتسبيح. ليس من أمورٍ تسندنا في مقاومتنا للشيطان وملائكته مثل الصلاة والتسبيح والشكر لله بكونه واهب النصرة في الحرب الروحية. يليق بنا ألا نكف عن الصلاة من أجل نصرتنا، ومن أجل نصرة إخوتنا، فبالصلاة والحب يقدم الله لهم معونته ونعمته. قيل إنه لما كان القديس تادرس البرامي (الشيهيتي) في الإسقيط أراد شيطان أن يقتحم قلايته، فإذا به يصلي فصار الشيطان مربوطًا في الخارج، وجاء آخر فحصل له مثل الأول، وإذ جاء ثالث ووجد رفيقيه مربوطين بالخارج سألهم عن سبب ذلك. أجاباه: "بداخل القلاية من هو واقف ليمنعنا من الدخول". غضب الشيطان الثالث وأراد اقتحام القلاية بالعنف، لكن القديس ربطه بصلاته. أخيرًا صاروا يطلبون أن يطلق سراحهم، فقال لهم: "امضوا واخزوا"[84]. يقول مار اسحق السرياني: [خدمة المزامير، والصلاة الربانية لأبينا السماوي، وصلاة التلاوة التي يرتجلها الإنسان ويطلب بها الرحمة والعون والخلاص، هذه الثلاثة مثل ثلاثة سهام بها تطعن الشياطين وتقتلهم[85].]

يقول القديس أنبا أرسانيوس: [لا تكفّ عن الصلاة حتى لا تجد الشياطين موضعًا تزرع فيه الزوان في حقلك (مت 13: 25). لا تشفق على جسدك وتجعله ينام، بل بالحري انهض لتُسَبِّح.

إن كنتَ لا تعرف أن تُسَبِّح، فاشكر الله وقُل: "المجد لك يا رب"، وقُل هذه الكلمة مرات عديدة، وإذا استطعت فقُل ألف مرة: "المجد لك يا الله"، وسيرسل لك الرب ملاكه ليعينك على طرد الشياطين. ولا تَخَفْ منهم (إش 8: 12)، لأنه قد أُعطي لك ملاك حارس كما قال الكتاب: "ملاك الرب حالٌّ حول خائفيه وينجِّيهم" (مز 34: 7)، وقال أيضًا في موضعٍ آخر: "يوصـي ملائكته بك لكي يحفظوك في كل طرقك" (مز 91: 11). ولا تجعل رجاءك في الملائكة وحدهم، وتقول: “إنهم يحرسونني”، بل لا تكفّ عن الصلاة، لأنهم مُكَلَّفون بك حتى يُسَجِّلوا برّك ويُقَدِّموه إلى الله. اِحفظ نفسك من الكسل، لأنه يثقِّل الجسد حتى لا يدعه يصلِّي. ليكن جهادك في الصلاة والصوم، لأنه لا شيء يجعل الشياطين تهرب مثل الصلاة (مر 9: 29). فإذا كانوا يعوِّقونك عن النوم في الليل ويعذبونك ويقلقونك، فانهض وصلِّ لكي تطردهم مثل الهباء (مز 37: 20)، وأنت تجد راحة. لا تقُل إنّ ساعة الصلاة لم تأتِ بعد، بل لا تكفّ عنها في كل وقتٍ، لأن الصلاة سهم يطرد الشياطين. وإذا ظهر لك الشيطان مثل كوكب الصبح أمام عينيك، فاعلم أن الذي ظهر لك هو الشيطان وليس هو الرب، وذلك لكي يُلقي نفسك في العُجب.] [إذا صلَّيتَ فلا تُسرع، تأمل أمام مَنْ أنت قائم. اُسلك بهدوءٍ وصلِّ أكثر، لأنّ الصلاة تصير سهمًا يطرد الشياطين الذين يولُّون هاربين. وإن كنتَ تريد أن تذهب إلى أحدٍ، فصلِّ لله وقُل: "لأجل هذه الغاية يا رب أنا أخرج من القلاية".]

16. ماذا قَدَّم لنا مسيحنا عوض الخسارة التي حلَّت بنا؟

كثيرًا ما وجَّه آباؤنا أنظارنا إلى عظم البركات التي تمتَّعنا بها خلال معركتنا مع إبليس وملائكته.

أولاً: التمتُّع بالسماء المفتوحة لنا. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لقد فقدتم الفردوس، لكن الله وهبكم السماء، حتى يؤكد حنوه، وأنه يلدغ إبليس، مظهرًا أنه حتى إن سبك عشرات الألوف من الخطط ضد الجنس البشري، فإنها لن تفيده، حيث يقودنا الله دائمًا إلى كرامة أعظم. أنتم فقدتم الفردوس (جنة عدن)، والله فتح السماء لكم. لقد سقطتم تحت الدينونة بالتعب إلى حين، وقد كرمتم بالحياة أبديًا. أمر الله الأرض أن تنبت شوكًا وحسكًا، أما تربة الروح فتنبت لكم ثمرًا. ألا ترون أن الربح أعظم من الخسارة؟[86]]

ثانيًا: فضح غباوة إبليس في محاولاته ضدنا. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [خطط إبليس لا أن يسحبنا من البركات التي لدينا، إنما يحاول أن يسحبنا إلى جرف صخري أكثر اندفاعًا. لكن الله في محبته لم يفشل في الاهتمام بالبشرية. لقد أظهر لإبليس كيف أنه غبي في محاولاته. لقد أظهر للإنسان عظم العناية التي يظهرها الله له، فإنه بالموت وهب الإنسان الحياة الأبدية. لقد سحب إبليس الإنسان من الفردوس، وقاده الله إلى السماء. فإن النفع أكثر بكثير من الخسارة[87].]

ثالثًا: كشف لنا الله عن أعماق محبته لنا. وكما يقول القديس غريغوريوس الثيؤلوغوس: [حوَّلتَ لي العقوبة خلاصًا. كراعٍ صالحٍ سعيت في طلب الضال. كأبٍ حقيقيٍ تعبت معي أنا الذي سقط. ربطتني بكل الأدوية المؤدية إلى الحياة.] لقد مات يسوع وقام ليقيمنا معه، ويجعل موت الجسد شهوة للانطلاق إلى الفردوس.

رابعًا: جعل الربح أعظم من الخسارة. في معركتنا مع إبليس أحضر مسيحنا المصلوب طبيعتنا إلى العرش الإلهي. لذلك يصرخ القديس بولس الرسول قائلاً: "أقامنا معه، وأجلسنا معه في السماويات في المسيح يسوع. ليظهر في آخر الدهور الآتية غنى نعمته الفائق باللطف علينا" (أف 2: 6-7).

17. لماذا لم ينزع الله الشيطان عن العالم؟

يتساءل البعض قائلين: إن كان الشيطان لا يتغلَّب علينا جبرًا بل بالمكر والخداع، أما كان من الأفضل أن يهلك ويُستقصى بعيدًا عن العالم؟ فإن كان أيوب قد هزم قوة إبليس إلا أن آدم خُدِع وطُرِد خارجًا. فلو أن إبليس قد طُرِح خارجًا، لما سقط آدم وطُرد؟!

يجيب القديس يوحنا الذهبي الفم قائلاّ:

أولاً: نقول إن الذين غلبوا إبليس لهم كرامة أفضل بكثير من المغلوبين، حتى ولو كان المغلوبون كثيرين والأولون قليلين، إذ يقول: "(ولد) واحد يتقي الرب خير من ألف منافقين" (سي 16: 3).

ثانيًا: لو استبعد الشيطان من العالم، تُجرح كرامة المنتصرين. لكن لو تُرِك الشيطان، فإن الكسالى وذوي البطر لا يتأذون على حساب المتيقظين، إنما بسبب بطرهم وكسلهم. فنجاح إبليس في محاولته مع آدم، وتصديق آدم لتضليله ينبغي ألا يُفهَم أن انتصار إبليس وقوته يعودان إلى طبيعته، بل إلى كسل الإنسان وإهماله.

ثالثًا: هل نلوم الخليقة الجميلة، لأن البعض يتعثر فيها وهي علامة حب الله وحكمته وقوته. وهل نستبعد أعضاءنا أيضًا إذ نجدها سببًا في هلاكنا، إذا لم نأخذ حذرنا. وهذا ليس عن طبيعة الأعضاء، بل بسبب تراخينا أيضًا. لقد وهبنا عيونًا نعاين بها الخليقة، فنمجد السيد الرب. ولكن متى أسأنا استخدامها، تصير خادمة للزنا. وأُعطينا اللسان لنُعَلِّم حسنًا، ونُسَبِّح الخالق، فإذا لم نحترز لأنفسنا، يصير علة تجديف. وأخذنا الأيدي لنرفعها في الصلوات، ولكننا إذًا لم ننتبه، نجدهما تعمل في الطمع والجشع. ووهبنا الأقدام لتسير في الصلاح، وبإهمالنا تتسبب في أعمال شريرة.

رابعًا: حتى الصليب عند الهالكين جهالة. بالتأكيد لا يوجد شيء يؤدِّي بنا إلى الخلاص أكثر من الصليب. لكن هذا الصليب صار جهالة للهالكين: "لأن كلمة الصليب عند الهالكين جهالة، أما عندنا نحن المُخَلَّصين فهي قوة الله" (1 كو 1: 18). ويقول أيضًا: "ولكننا نحن نكرز بالمسيح مصلوبًا لليهود عثرة ولليونانيين جهالة" (1 كو 1: 23).

خامسًا: وفي المسيح عثر كثيرون. مجيء المبارك نفسه صار علة دينونة لكثيرين. "فقال يسوع: لدينونة أتيت أنا إلى هذا العالم، حتى يبصر الذين لا يبصرون، ويعمى الذين يبصرون" (يو 9: 39). إننا نرى الضعيف (المُصِرّ على شره) يؤذيه كل شيءٍ، أما القوي فينتفع من كل أمرٍ.

سادسًا: أعطى الرب حدودًا لإبليس لا يتعدَّاها، حتى لا يبتلع الإنسان بغير حياء. لذلك لا نخاف الشيطان بالرغم من كونه روحًا بغير جسد. فليس شيء أضعف من ذاك الذي جاء بهذه الكيفية أنه غير جسدي، ولا شيء أقوى من الشجاع ولو كان يحمل جسدًا قابلاً للموت!

سابعًا: لا أُبَرّئ الشيطان من الذنب، لكن لكي أُحَذِّركم من الكسل. فإن رغبة الشيطان أن نلقي باللوم عليه في أخطائنا. وبهذا نغرق في كل صنوف الشر، ونزيد على أنفسنا العقوبة ولا ننال العفو، إذ ننسب العلة إليه (بغير توبة منا).


 

المحتويات

1. خلقة العالم الروحي                                                                      5

1. ما هو العالم الروحي؟

2. من هم الملائكة؟

3. لماذا دُعوا ملائكة؟

4. هل من ضرورة للتعرُّف على السمائيين الصالحين والساقطين؟

5. لماذا يتحدث الكتاب المقدس عن السمائيين؟

6. هل يُوهب الإنسان ملاكًا حارسًا؟

7. هل كل طوائف اليهود تعتقد بوجود ملائكة؟

8. ما هو عدد الملائكة؟

9. هل كل الملائكة صالحون؟

10. متى خُلقت الملائكة، وكيف خُلقت؟

11. لماذا خُتم الكتاب المقدس بسفر الرؤيا الذي كثيرًا ما أشار إلى السمائيين؟

12. هل طبيعة الملائكة روحية بلا جسد وخالدة؟

13. هل للملائكة إرادة حرة؟

2. صُحبتنا مع الطغمات السمائية                                                           12

1. هل يتوقف السمائيون عن التسبيح ليصَّلوا عنّا ويشفعوا فينا؟

2. لماذا نحتفل بأعياد السمائيين؟

3. ما هي سمات الكائنات السماوية؟

4. هل للملاك شكل؟

5. هل هي كائنات عاقلة لها كيانها المستقل بها وإن كان ليس لها جسد مادي؟

6. لماذا خلق الله الملائكة؟

7. لماذا خُلِقَت الملائكة قبل البشر؟

8. هل يستطيع الإنسان أن يرى الملائكة؟

9. ما هو غذاء الملائكة؟

10. هل تخضع الملائكة للدينونة؟

11. هل للملائكة دورهم في العمل الكنسي؟

12. لماذا يُسر الملائكة باجتماع المؤمنين معًا؟

3. نظام الطغمات السمائية                                                                 20

1. هل توجد سمات مشتركة بين الطغمات السمائية؟

2. هل يمكننا التمييز بين الطغمات السماوية؟

3. ماذا قدم لنا كتاب الرُتب (الهيراركي) السماوية Celestial Hierarchies؟

4. ماذا قيل عن الرتبة الأولى التي تضم السيرافيم والكروبيم والكراسي؟

5. ماذا قيل عن السيرافيم؟

6. ماذا قيل عن الكروبيم؟

7. ماذا يقول القديس مار يعقوب السروجي عن الكروبيم كمركبة الله؟

8. لماذا أقام الله كاروبًا لحراسة طريق الفردوس؟

9. لماذا وُضع كاروبان من الذهب على تابوت العهد؟

10. لماذا وهب الله حزقيال النبي رؤية المركبة الإلهية؟

11. كيف صار الجالس على الكروبيم في المذود في حضن القديسة مريم؟

12. ماذا قيل عن "الكراسي" أو "العروش"؟

13. ماذا قيل عن تحرك مركبة المخلوقات الحية الأربعة؟

14. لماذا تحدث الكتاب المقدس بعهديه عن الأربعة مخلوقات الحية؟

15. ما هي سمات المخلوقات الحية الأربعة؟

16. ماذا قيل عن الأربعة وعشرين قسيسًا (رؤ 4:4)؟

17. ماذا قيل عن الرتبة الثانية التي تضم السلاطين والأرباب والقوات؟

18. ماذا قيل عن الرتبة الثالثة التي تضم الرئاسات ورؤساء الملائكة؟

19. ماذا قيل عن رئيس الملائكة ميخائيل؟

20. ماذا قيل عن مقاومة رئيس الملائكة ميخائيل لإبليس؟

21. هل من جولات أخرى لرئيس الملائكة ميخائيل مع الشيطان ومملكته؟

22. متى نحتفل بعيد رئيس الملائكة ميخائيل؟

23. لماذا يدعو البعض الملاك ميخائيل ملاك قيامة السيد المسيح؟

24. لماذا يدعو البعض الملاك ميخائيل ملاك القيامة العامة؟

25. ماذا قيل عن رئيس الملائكة جبرائيل؟

26. ما هو دور الملاك جبرائيل كما جاء في سفر دانيال النبي؟

27. ما هو دور رئيس الملائكة جبرائيل في البشارة بالتجسد الإلهي؟

28. ماذا قيل عن رئيس الملائكة رافائيل؟

29. ماذا قيل عن رئيس الملائكة سوريـال؟

30. من هم بقية السبعة رؤساء الملائكة؟

4. ليس للشيطان سلطان علينا؟                                                            48

1. من هم الملائكة الأشرار؟

2. ما هو حال إبليس قبل سقوطه؟

3. هل الشيطان شخصية حقيقية؟

4. هل الأرض مملوءة بالملائكة والشياطين؟

5. ما هي خطية الملائكة؟

6. أين موضع الملائكة الأشرار؟

7. هل الملائكة الأشرار خُلقوا من طبيعة تختلف عن طبيعة الملائكة الصالحين؟

8. لماذا دُعي الملائكة الأشرار شياطين، أي مفترون أو مخادعون؟

9. هل أشار السيد المسيح إلى الشيطان وملائكته؟

10. كيف نفلت من فخ إبليس؟

11. من هو قائد معركتنا ضد إبليس؟

12. ماذا يعني القول: "هكذا أضارب كأني لا أضرب الهواء" (1 كو 26:9)؟

13. أيهما أقوى المؤمن أم الشيطان؟

14. ماذا يعني القول: "أَتَلْعَبُ مَعَهُ كَالْعُصْفُورِ، أَوْ تَرْبِطُهُ لأَجْلِ فَتَيَاتِكَ؟" (أي 41: 5)

15. كيف حطَّم السيد المسيح الشيطان؟

16. ماذا قدم لنا مسيحنا عوض الخسارة التي حلَّت بنا؟

17. لماذا لم ينزع الله الشيطان عن العالم؟

المحتويات                                                                                                            58



[1] The Jewish Encyclopedia, Angelology.

[2] Pseudo-Barn., 18, 1.

[3] Hermas: The Shepherd, Commandment 6:2:1,5,6.

[4] De Princ., 2, 10, 7.

[5] Comm. in Matt., 13, 28.

[6] Comm. in Matt., 13,5.

[7] Comm. on the Songs of Songs, book 2:3 (ACW).

[8] De Principiis 3:2:4; Boniface Ramsey: Beginning to Read the Fathers, Paulist Press, 1985, p. 12.

[9] In Lev. hom. 8:14 (G.W. Barkley - Frs. of the Church).

[10] Hom. in Num., 5, 3.

[11] In Ex. hom. 1:7.

[12] Cant. R 7:1; Gen. R. 74, end.

[13] The Jewish Encyclopedia, Angelology.

[14]  St. Gregory of Nyssa: Catechasis, 6. P.G. 45: 28; Gregory of Nazianus, homily 38: 9 P.G. 36: 320.

[15] ابن العبري: ركن 5، باب 3، فصل 1، مقصد 1.

[16] Shepherd of Hermas: Vision 3: 4: 1-2.

[17]  cf. Exposition about– Knowledge and destination, II: 34. P.G. 94: 869.

[18]  Fr. John Damascus: Exposition about Angels 2: 17 PG 94: 868.

[19] To John, book 2, Ch. 1: 3 PG 73: 224

[20] لم تشترك فيه كنيسة الإسكندرية.

[21] Fr. John Damascus: Exposition about Angels 2: 17 PG 94: 868.

[22] To John, Book 2: 1, PG 73: 2244.

[23] عظة 7:7.

[24] ابن العبري ركن 5، باب 3، فصل 1، مقصد 2.

[25] Homilies on Genesis, homily 46: 15.

[26] In Num. hom. 17:3.

[27] Prov. 16:15; Pesik 6:57a.

[28] Targ. Yer. Gen. 18:8, and in the Midrash.

[29] In Jos. hom. 9:4.

[30] Comm. on Matt. 13:28 (ANF).

[31] Ibid. 5, 4. See also Hom. in Num., 11,5; Hom’. in Lev., 9,8. Hilary has this testimony to give: “There is positive grounds to the teaching (auctoritas absoluta) that the angels preside over the prayers of the faithful. They offer to God every day the prayers of those who have been saved” (Comm. in Matt., 18,5). See also Tract. Ps. 129.

[32] On Prayer 31:4.

[33] الفيلوكاليا: القديس أنبا أنطونيوس 170 نصًا عن حياة القداسة، 62.

[34] الرسالة السادسة.

[35] ديونيسيوس الأريوباغي: غالبًا هو كاتب من القرن الخامس/ السادس في سوريا، كتب باليونانية، ونسب كتاباته إلى ديونيسيوس الأريوباغي (أع 34:17) حتى يعطي كتاباته صبغة رسولية وتقليدية. وهو كاتب مسيحي لاهوتي، تأثر بالأفلاطونية الحديثة، ويميل إلى الباطنية (السرية mystical). نجح في نشر كتاباته التي كان لها أثرها الواضح على كثير من اللاهوتيين والمتصوفين والشعراء في الشرق والغرب، مثل مكسيموس المعترف، والبابا غريغوريوس (الكبير) وأندرو من كريت ويوحنا سكوتس أريجينا وبونافينتير والبرت الكبير وواضع كتاب "سحابة غير المعروف" ودانتي وايخارت ويوحنا تيلور ويوحنا ميلتون.

[36] Dionysius the Areopagie: The Celestial Hierarchies, ch. 4.

[37] ركن 5، الباب 2، فصل 1، مقصد 1،2.

[38] See The Euchologium of Bishop Serapion.

[39] Against Heresies, Book 2. PG 7: 18.

[40] راجع تفسير إش ٦ (سلسلة من تفسير وتأملات الآباء الأولين).

[41] cf. The Celestial Hierarchy, Ch. 8.

[42] In Isai. Hom. 2:2.

[43] راجع للمؤلف: القديس يوحنا الذهبي الفم، 1988، ص 299.

[44] المرجع السابق، ص 32.

[45] The author: Church, House of God, 1982, p. 333.

[46] On Ps., hom 10.

[47] الميمر 177 على الكاروب واللص (راجع نص بول بيجان ترجمة الدكتور بهنام سوني).

[48] كلمة "بيل" ترادف "بعل" في العبرية. وهو الإله القومي، والرئيسي في بابل، يسمى "مردوخ" إله الشمس والربيع.

[49] في الترجمة البيروتية "حيوانات" وكلمة حيوان "تعني كائن حي" لكن خشية أن يظن البعض أنها حيوانات عجماوات استحسنت ترجمتها "مخلوقات حية" خاصة أن جميع الآباء مثل إيريانوس وأثناسيوس وفيكتوريانوس... وفي كثير من الترجمات جاءت هكذا: "Living Creatures".

[50] ذكصولوجية الأربعة مخلوقات الحية (الحيوانات غير المتجسدين).

[51] القداس الاغريغورى.

[52] العناية الإلهية ف 3 ترجمة عايدة حنا بسطا.

[54] Of the Christian Faith, 5:73.

[55] للاستزادة راجع سلسلة من تفسير وتأملات الآباء الأولين: رؤيا 5.

[56] Dionysius the Areopagie: The Celestial Hierarchies, ch. 9.

[57]  راجع موقع الأنبا تكلاهيمانوت بالإسكندرية.

[58] On Renunciation of the World, (Frs. Of the Church, volume 9, p. 31).

[59] راجع الأب الياس كويتر المخلصي: القديس باسيليوس الكبير، منشورات المكتبة البولسية، بيروت، 1989، ص 272. ترجمة الأب سلبمان أبوزيد.

[60] PL 25:680 A.

[61] PL 25:697 G.

[62] PL 25:697 G.

[63] شجرة معرفة الخير والشر وشجرة الحياة أو شجرة الصليب.

[64] ترجمة ناهد فؤاد.

 

[65] راجع دياكون أ. د. نبيل إيليا فانوس، ابيذياكون أ. د. جمال چورچ أنطون: الملائكة القديسون، طبعة ٢٠١٤، موقع الأنبا تكلا هيمانوت، الإبراهيمية، الإسكندرية: رئيس الملائكة سوريال.

اللجنة المجمعية للطقوس: السنكسار، الجزء الأول، 27 طوبة.

الأبصلمودية السنوية.

 

[66]  راجع للكاتب: الشيطان ونصرتنا عليه، 2005؛ هل للشيطان سلطان عليك؟، 1969 (العنوان الأصلي للمقال: "رد على القائلين بأن الشياطين تحكم شئون البشر".)

[67] In Job. Tome 2. C 7.

[68] Commentary on Job 1.

[69] On Ps. hom. 20.

[70] Baptismal Instructions, 3:11.

[71] In 1 Cor. Hom. 23:2.

[72] عظة 6:3.

[73] Commentary on Song of Songs, homily 5.

[74] Of the Christian Faith, 5:2:30

[75] Myst. 3: 11.

[76] نبذ العالم (تعريب القمص إشعياء ميخائيل).

[77] Cf. Homilies on Psalms, 36.

[78] J. Tixeront: History of Dogmas, vol.2, P.155.

[79] Moral 33:31.

[80] In Matt. hom 13:5.

[81] On Ps. hom 57.

[82] عظة 3:43.

[83] Letter, 1.

[84] المؤلف: قاموس آباء الكنيسة وقديسيها مع بعض الشخصيات الكنسية.

[85] جزء 1، ميمر 5

[86] Sermon in Gen. 7, PG 5: 614 C –D.

[87] Baptismal Instructions, 2:7.

Previous
Previous

كاتيكزم الكنيسة القبطية - الجزء السادس

Next
Next

كاتيكزم الكنيسة القبطية - الجزء الرابع