كاتيكزم الكنيسة القبطية - الجزء الرابع

العبادة المسيحية انطلاقة نحو السماء

كاتيكيزم

الكنيسة القبطية الأرثوذكسية

Catechism of the Coptic Orthodox Church

الجزء الرابع

العبادة المسيحية انطلاقة نحو السماء

إعداد

القمص تادرس يعقوب ملطي

الشماس بيشوي بشرى فايز

كنيسة الملكة القديسة مريم والأمير تادرس

 ساوث برانزويك – نيو جيرسي

كنيسة الشهيد مارجرجس

سبورتنج - الإسكندرية


 

باسم الآب والابن والروح القدس

الله الواحد، آمين

ملاحظة:

تعريب العنوان عن الإنجليزية "كاتيكيزم" وعن الفرنسية "كاتيشيزم"


 

المحتويات

1. العبادة الكنسية 17

1. كيف نمارس العبادة أمام ملك الملوك السماوي؟ 17

2. من هم الساجدون الحقيقيون؟ 17

3. ما هي العبادة المرضية لله؟ 19

4. ما هي الخطوات العملية لممارسة العبادة المرضية لله؟ 19

5. كيف يشترك الجسد مع النفس في العبادة المقدسة 23

6. هل يُفضل أن يصلي الإنسان لله بصراخٍ أم بصوتٍ مسموع، أم بصوت هادئ في همس أم يصلي وهو صامت؟ 23

7. كيف يسند الجسد النفس في العبادة بقرع الصدر؟ 24

8. ما هي بركات اللسان المقدس وما هي خطورة اللسان الفاسد؟ 25

9. لماذا قال السيد المسيح: "اذهب يا شيطان لأنه مكتوب للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد" (مت 4: 10؛ لو 4: 8؛ انظر تث 6: 13)؟ 26

10. لماذا يؤكد الكتاب المقدس أنه يلزمنا أن نعبد الله ونسجد له، لأنه إله غيور؟ 27

11. هل أوضح الكتاب المقدس أنه لا يجوز السجود للعبادة إلا لله وحده؟ 28

12. ما هو السجود المقبول لدى الرب؟ 28

13. هل يُمَيِّز الطقس القبطي بين أنواع السجود لله الثلاثة؟ 29

14. ما هو ارتباط السجود بعمل المسيح الخلاصي؟ 29

15. ما هو ارتباط السجود بالصلاة؟ 29

16. هل يذكر الكتاب المقدس السجود لأهداف أخرى غير العبادة لله؟ 30

17. كيف يسعى الشياطين لخداع المؤمنين لكي يسجدوا لهم؟ 31

18. ما موقفنا أمام العجز في العبادة بسبب المرض؟ 31

2. حياة الصلاة 33

1. ما هي الصلاة؟ 33

2. كيف نتمتَّع بحرية الحوار مع الله؟ 33

3. كيف نُقَدِّم صلاة مقبولة لدى الله؟ 33

4. ما هو موقفك حين يستجيب الله صلاتك لأجل أخيك؟ 34

5. لماذا يسمح الله أحيانا بتأجيل استجابة الصلاة أو عدم الاستجابة لطلباتنا؟ 34

6. ما هي فاعلية الصلاة؟ 36

7. ما هي الخطوات العملية لممارسة الصلاة؟ 38

8. هل يجوز لنا أن نطلب التعرُّض لضيقات جسدية؟ 43

9. لماذا نصلِّي؟ هل يجهل الله ما نحتاج إليه؟ 43

10. هل من ضرورة للصلاة الجماعية؟ 43

11. هل الإطالة في وقت الصلاة مفيد؟ 43

12. ماذا يقصد السيد المسيح بقوله: اسألوا، اطلبوا، اقرعوا (لو 11: 9)؟ 44

13. ماذا يعني السيد المسيح بأن يسأل الابن خبزًا أو سمكةً أو بيضةً؟ 44

14. ما هي أنواع الصلاة؟ 45

15. كيف يطلب الشهداء الانتقام ممن اضطهدوهم؟ 45

16. لماذا يطلب منا ألا نُكَرِّر الكلام باطلاً حينما نصلي (مت 6: 7)؟ 45

17. ما هي أفضل طلبة نسألها من الله؟ 46

18. هل نطلب الانتقام من الهراطقة؟ 46

19. لماذا صلى السيد المسيح؟ 46

20. كيف ننال الحكمة والفهم لتدبير حياتنا؟ 47

21. هل من حاجة للجهاد؟ 48

22. هل نكتفي بالصلاة ولا نهتم بالدراسة؟ 48

23. ما هو ارتباط الصلاة بالقلب النقي؟ 48

24. ما هي الغاية النهائية للصلاة؟ 49

3. صلوات السواعي "الإجبية" 51

1. لماذا أصلي بالمزامير التي صلَّى بها المرتل في ظروف حياته الخاصة والتي قد تختلف عن ظروفي؟ 51

2. تقدم الإجبية الصلوات حسب ساعات اليوم، فهل يجب أن يلتزم المسيحي بوقت مُعَيَّن للصلاة؟ 51

3. هل استخدم التقليد اليهودي صلوات السواعي؟ 52

4. هل نلتزم كمسيحيين بالتقليد اليهودي؟ 53

5. لماذا لم تصدر وصيَّة صريحة في العهد الجديد بصلوات السواعي؟ 53

6. هل التزم المؤمنون بصلوات السواعي في العصر الرسولي؟ 54

7. هل يمكن أن نُتَمِّم واجبات الصلاة وسط العمل؟ 55

8. ما هي المناسبة التي وراء كل ساعة من ساعات الصلوات؟ 55

9. ما هي خبرة آباء الكنيسة في الصلاة بالمزامير (صلوات السواعي "الأجبية")؟ 57

10. ما هو دور المزامير في حياة الرهبان؟ 61

11. هل يمارس الرهبان السواح صلوات السواعي؟ 63

4. الصلاة النموذجية 64

1. ما هي أهميَّة الصلاة الربانيَّة؟ 64

2. لماذا يدعونا السيد المسيح أن نصلي الصلاة الربانية بصيغة الجمع؟ 64

3. لماذا ندعو الله "أبانا الذي في السماوات"؟ 65

4. لماذا أول طلبة نسألها من الرب: "ليتقدس اسمك"؟ 67

5. لماذا تسألونه "ليتقدَّس اسمك" وهو قدُّوس أصلاً؟ 67

6. أليس هو ملك الملوك فلماذا نطلب "ليأت ملكوتك"؟ 68

7. لماذا نقول: لتكن مشيئتك كما في السماء، كذلك على الأرض! هل لا ينفذ الله مشيئته ما لم نطلب نحن منه ذلك؟! 70

8. ماذا يقصد بكلمتيّ "السماء، الأرض" في هذه العبارة (مت 6: 10)؟ 71

9. ماذا يعني بالخبز في قوله: خبزنا كفافنا (اليومي أو الجوهري أو الذي للغد) أعطنا اليوم (مت 6: 11)؟ 73

10. لماذا لا يغفر لنا الله ذنوبنا ما لم نغفر نحن أيضًا لإخوتنا ذنوبهم؟ 75

11. ماذا يعني القول: لا تدخلنا في تجربة، لكن نجّنا من الشرّير؟ 76

12. لماذا نختم الصلاة الربانية بمجدلة الله، قائلين: "لأن لك المُلك والقوّة والمجد إلى الأبد"؟ 78

13. لماذا يؤكد: فإنه إن غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أيضًا أبوكم السماوي، وإن لم تغفروا للناس زلاتهم لا يغفر لكم أبوكم أيضًا زلاّتكم" [14-15]. 78

14. لماذا وُضِع ترتيب الطلبات بهذه الصورة؟ 79

5. الصلاة العقلية والتأمل. 80

1. لماذا اهتم القديس أفراهاط الحكيم الفارسي بالحديث عن الصلاة العقلية الخفية؟ 80

2. ما هي فاعلية الصلاة العقلية؟ 80

3. ما هي الصلاة الخفية (السرية) التي دعانا إليها السيد المسيح؟ 83

4. هل يكفي أن نصلي لله بقلوبنا أو أذهاننا في الداخل، دون أن ننطق بكلمات من أفواهنا أو نرفع أيادينا أو نسجد لله؟ 84

5. ما هي علامات نقاوة القلب؟ 84

6. لماذا يُشَدِّد القديس باسيليوس الكبير على الصلاة العقليَّة خاصة مع الرهبان؟ 86

7. ما هي الصلاة العقليَّة؟ 87

8. ما هي صلاة المخدع في قول السيد المسيح: "وأما أنت فمتى صليت فأدخل إلى مخدعك واغلق بابك وصلِ إلى أبيك الذي في الخفاء فأبوك الذي يرى في الخفاء يجازيك علانية (مت 6: 6)؟ 87

9. ما هي الصلاة الدائمة التي بلا انقطاع؟ 88

10. ما هو ارتباط الصلاة الدائمة بالحياة الفاضلة؟ 91

11. لماذا يدعونا الرسول إلى الصلاة بلا انقطاعٍ؟ 91

12. هل الصلاة بلا انقطاع تُبَرِّر إهمالنا في العمل؟ 92

13. كيف نعالج تشتيت الفكر أثناء الصلاة؟ 92

14. ماذا تعني أذن القلب؟ 93

15. ما هي خبرة الآباء الرهبان في الصلوات في الصلاة الخفية؟ 93

6. صلاة يسوع أو الصلاة السهمية 95

1. ماذا تعني صلاة يسوع؟ 95

2. هل من أمثلة لصلوات قصيرة أخرى تُعتبَر صلوات سهمية؟ 95

3. هل كان مار أفرآم السرياني يستخدم صلوات سهمية؟ 96

4. هل أشار فردوس الآباء إلى صلاة يسوع؟ 96

5. ما هي قصة السائح الروسي الذي اشتاق إلى التمتُّع بممارسة تدريب صلاة يسوع؟ 98

٦. كيف يُمكن لمن عليه التزامات أسرية أن يختبر ما تدرَّب عليه هذا السائح؟ 102

7. ماذا يقول الكتاب المقدس والآباء عن قوة اسم ربّنا يسوع؟ 102

8. كيف اختبر القديس يوحنا سابا (الشيخ الروحاني) الصلاة التي بلا انقطاع في صمته؟ 104

9. كيف اختبر القديس مار اسحق السرياني الصلاة بلا انقطاع؟ 104

10. كيف اختبر العلامة أوريجينوس قوة المناداة باسم يسوع المسيح؟ 104

11. كيف اختبر القديس أغسطينوس الصلاة الدائمة باسم يسوع؟ 104

12. ماذا يقول القديس أنبا أنطونيوس عن تدريب صلاة يسوع؟ 104

13. ماذا يقول القديس مقاريوس الكبير عن تدريب صلاة يسوع؟ 104

14. هل مارس داود النبي ما يماثل صلاة يسوع؟ 105

15. هل تدعونا الليتورجيات الكنسية لممارسة صلاة يسوع؟ 105

16. كيف نُجاهِد في ممارسة صلاة يسوع؟ 106

17. ما هي التوجيهات العملية للتدريب على ممارسة صلاة يسوع؟ 106

18. ما هي خبرة الرسل في قوة اسم يسوع؟ 107

19. ما هو دور اسم يسوع في معرفة الأسرار الإلهية؟ 108

7. الميطانيات والسجود 109

1. ماذا يُقصَد بالميطانية؟ 109

2. ما هو معنى ميطانية؟ 109

3. ما هو ارتباط الميطانية بالتوبة؟ 109

4. ما هو ارتباط الميطانيات بالصلاة؟ 111

5. ما هي مشاعر المؤمن وهو يمارس الميطانيات؟ 111

6. كيف تطفئ الميطانيات لهيب الغضب؟ 112

7. ما هي قيمة الميطانية إن خَلت منها المحبة والتواضع؟ 113

8. هل في ممارسة الميطانية سقوط في مذلّة؟ 113

8. العبادة المقدسة وحياة الملء 114

1. ماذا يعني الكتاب المقدس بالملء وأيضًا بالفراغ؟ 114

2. ماذا يعني الرسول بحياة الملء؟ 114

3. لماذا لم يختر السيد المسيح شاول الطرسوسي من بين تلاميذه؟ 115

4. ما هو الملء أو حياة الكمال عند الرسول؟ 116

5. كيف نتمتع ككنيسة بالملء أو الكمال؟ 117

6. كيف يتمتع المؤمن بالملء أو الكمال؟ 118

7. ما الذي يحرم الشخص من حياة الملء؟ 120

8. ما هو دور الذين يتمتَّعون بحياة الملء في تعاملهم مع الضعفاء؟ 120

9. ما هي عظمة خدمة العهد الجديد ومجدها التي يتمتع بها المؤمنون؟ 125

10. كيف يُحَوِّل الله كل الأمور لمجد المؤمنين الحقيقيين؟ 125

11. ماذا يقصد الرسول بقوله: "لبستم الجديد الذي يتجدَّد للمعرفة حسب صورة خالقه" (كو 3: 10)؟ 126

9. العبادة ومخافة الرب. 128

1. ما هي أنواع الخوف؟ 128

2. هل مخافة الرب تُحَطِّم الشعور بالثقة في النفس؟ 128

3. ما هي فاعلية مخافة الرب في حياتنا؟ 129

4. هل مخافة الرب تتجاهل حنوه؟ 131

5. يقول يوحنا: "المحبة الكاملة تطرح الخوف إلى خارج" (يو 18:4)، فلماذا يقول النبي الطوباوي داود: "اتقوا (خافوا) الرب يا قديسيه" (مز 9:34)؟ 132

6. ما هو مركز "مخافة الرب" في سلّم الحياة الإيمانيّة العمليّة؟ 132

7. ما هي مصادر مخافة الرب؟ 133

8. هل مخافة الرب من طبيعة النفس؟ 135

9. كيف تحقق مخافة الرب النمو الروحي؟ 136

10. هل مخافة الله تحمينا من التفكير في الشرّ؟ 137

11. من يحكم على مخافتي للربّ؟ 138

12. ما هي أبعاد مخافة الرب؟ 138

13. هل الخوف هو بدء الدرجات نحو السماء؟ 138

14. كيف نقاوم الخوف؟ 139

15. من يقدر أن ينزع الخوف عنا؟ 139

16. ما هو الفرق بين الخوف الذي تطرحه المحبة إلى خارج، والخوف النقي الثابت إلى الأبد؟ 142

17. كيف لا نخاف من الشيطان؟ 143

10. الصوم المقدس.. 145

1. ما هي حاجة المؤمن للصوم؟ 145

2. ماذا يقول آباء الكنيسة عن الصوم؟ 145

3. ماذا فعلت شهوة الطعام في شعب الله؟ 146

4. لماذا اختار ربنا يسوع موسى وإيليا للتمتع برؤيته والحديث معه في تجلّيه؟ 146

5. ما هو ارتباط الصوم ببني العرس؟ 147

6. لماذا يدعونا الخالق لممارسة الطقس الملائكي؟ 147

7. كيف نتهيَّأ بالصوم للدخول في المعركة الروحية؟ 148

8. هل يطلب الله بالصوم إهلاك الجسد؟ 149

9. ماذا يقصد النبي بقوله: "قَدِّسوا صومًا، نادوا باعتكاف" (يؤ 1: 14؛ 2: 15)؟ 149

10. كيف يُقَدِّم المؤمن صومه كذبيحة حب؟ 150

11. كيف نمارس الصوم ونتوجَّه بالحب؟ 150

12. كيف نمارس الصوم كسبتٍ الرب وراحة فيه؟ 151

13. كيف نُمارِس الصوم كعبادة بالروح؟ 151

14. ما هي نظرة الطب الحديث للصوم؟ 152

15. ما هو غاية الصوم؟ 154

16. لماذا وضعت الكنيسة أغلب أصوامها تنتهي بالاحتفال بعيدٍ ما؟ 155

17. كيف يتجلَّى مسيحنا في الأصوام الكنسية؟ 156

18. ما هو الخط الكنسي لمفهوم الصوم الكبير. 157

11. العبادة الكنسية والإماتة 159

1. لماذا اهتم الرسول بولس وكثير من الآباء بالحديث عن الإماتة؟ 159

2. إن كانت العبادة دعوة للتمتُّع بالفرح، فما هو ارتباط الإماتة بها؟ 159

3. ماذا يعني الرسول بالصلب مع السيد المسيح والموت معه؟ 160

4. هل كان يمكن أن يمرض ليشفي أمراضنا؟ 165

5. 165

6. ما هي أنواع الميتات التي حلَّت على الرسول بولس؟ 166

7. ماذا يقصد الرسول بقوله "حاملين في الجسد كل حين إماتة الرب يسوع" (2 كو 4: 10)؟ 170

8. ما هو مفهوم الإماتة في الحياة النسكية؟ 172

9. ما هو مفهوم الإماتة في الكرازة والخدمة؟ 173

12. العبادة الكنسية والدموع. 175

١. عن ماذا تُعَبِّر دموع المؤمن؟ 175

2. ما هي المناسبات التي وردت في الكتاب المقدس بخصوص الدموع التي سكبها السيد المسيح؟ 175

٣. ما هي غاية البكاء والدموع عند أناس الله الباكين؟ 178

٤. ماذا قَدَّم داود النبي عن فاعلية الدموع المقبولة لدى الله؟ 179

5. ماذا يعني المرتل بقوله: "قد أطعمتهم خبز الدموع وسقيتهم الدموع بالكيل" (مز 80: 5)؟ 181

6. هل تغني دموع الشوق لله عن دموع الحزن بسبب الضيق أو العكس؟ 182

7. ماذا يعني المرتل بقوله: "إني قد أكلت الرماد مثل الخبز، ومزجت شرابي بدموع (مز 102: 9)؟ 183

8. ماذا يعني المرتل بقوله: "الذين يزرعون بالدموع يحصدون بالابتهاج، الذَّاهِبُ ذهابًا بِالْبُكَاءِ، حَامِلاً مِبْذَرَ الزَّرْعِ، مَجِيئًا يَجِيءُ بِالتَّرَنُّمِ، حَامِلاً حُزَمَهُ" (مز 126: 5-6)؟ 184

9. ماذا يقول الآباء عن الدموع المقدسة ودموع المتألمين؟ 188

10. هل لدموع الحزانى على ميت حدود معينة؟ 193

11. هل يليق بالمؤمن أن يسكب الدموع عن أسرة أو جماعة أو مدينة تنسى الله؟ 194

12. ما هي الأماكن المستترة التي كان إرميا يسكب الدموع فيها من أجل قطيع الرب الساقط؟ 195

13. التسبيح والفكر السماوي. 196

1. ما هي بركات التسبيح لله؟ 196

2. لماذا اهتم الآباء بالحديث عن التسبيح؟ 196

3. كيف نُقَدِّم تسبحة شكر ونحن في ظروف قاسية؟ 198

4. هل يوجد وقت مُعَيَّن لممارسة التسبيح؟ 199

5. من يُعَلِّمني أن أُسَبِّح الرب؟ 199

6. ما هي نظرة الآباء للتسبيح؟ 200

7. ما هي نظرة كنيسة العهد الجديد لعبادة التسبيح في الهيكل؟ 202

8. من هم الآباء الذين اهتموا بالتسابيح والأغاني الكنسيّة عبر العصور؟ 202

9. ما هو دور القديسة مريم كمُسَبِّحة للربّ؟ 203

10. لماذا دُعِي داود النبي مرنم إسرائيل الحلو (2 صم 23: 1)؟ 204

11. لماذا يدعو داود السماويين وغير الناطقين إلى التسبيح؟ 205

12. هل محتاج الرب إلى تسبيح البشر؟ 206

14. الألحان والفكر السماوي. 208

1. ما الفارق بين التسبيح والألحان؟ 208

2. ماهي الجوانب المشتركة بين التسابيح والألحان؟ 208

3. لماذا نعتزّ بالألحان القبطية؟ وهل يجوز ترجمتها بلغة مفهومة للشعب؟ 208

4. هل الطقوس والألحان ضرورية في الكنيسة؟ وهل تلمس خلاصنا وأبديتنا؟ 209

5. ما هي النغمات التي تستخدمها الكنيسة القبطية في عبادتها؟ 211

6. لماذا تُرنم الألحان بالطريقة القصيرة أو المختصرة وأحيانًا الطويلة؟ 211

7. هل الألحان الكنسية مُجَرَّد تراث نحتفظ به؟ 212

15. التقويم الكنسي القبطي. 214

1. ما هو الهدف من التقويم الكنسي؟ 214

2. ما هو العامل المشترك في كل التقويم الكنسي؟ 214

3. ما هي الفائدة من التقويم الكنسي السنوي؟ 216

4. ما هي دورات التقويم الكنسي القبطي Coptic Church Calendar Cycle؟ 216

5. ما هي الدورة الكنسية اليومية؟ 216

6. ما هي الدورة الكنسية الأسبوعية؟ 217

7. ما هي الدورة الكنسية الشهرية؟ 217

8. ما هي الدورة الكنسية السنوية؟ 218

9. ما هي الأعياد السيدية الكبرى؟ 218

10. ما هي الأعياد السيدية الكبرى الصغرى؟ 220

11. ما هي أعياد الثيؤطوكوس؟ 225

12. ما هي أعياد القديسين؟ 226

13. ما هي أعياد تكريس الكنائس؟ 227

14. ما هي الأصوام الكنسية؟ 228

15. ما هي علاقة التقويم القبطي بالتقويم الفرعوني؟ 229

16. ما الفرق بين التقويم الفرعوني والتقويم اليولياني؟ 229

17. ما هو ارتباط حساب الأبقطي بعيد الفصح المسيحي؟ 230

18. ما هو ارتباط التقويم القبطي بالتقويم الفرعوني؟ 231

19. ما هي أسماء الشهور القبطية؟ 231

20. كيف نحتفل بالعام الجديد؟ 232

21. كيف نُحَوِّل احتفالاتنا إلى لقاء عمل؟ 233

22. ما هي أهم الأعياد الثابتة المرتبطة بالتقويم القبطي؟ 233

23. ما هي أهم المناسبات في شهر توت؟ 233

24. ما هي أهم المناسبات في شهر بابة؟ 234

25. ما هي أهم المناسبات في شهر هاتور؟ 234

26. ما هي أهم المناسبات في شهر كيهك (شهر السهر والتسبيح)؟ 234

27. ما هي أهم المناسبات في شهر طوبة؟ 234

28. ما هي أهم المناسبات في شهر أمشير؟ 235

29. ما هي أهم المناسبات في شهر برمهات؟ 235

30. ما هي أهم المناسبات في شهر برمودة؟ 235

31. ما هي أهم المناسبات في شهر بشنس؟ 235

32. ما هي أهم المناسبات في شهر بؤونة؟ 235

33. ما هي أهم المناسبات في شهر أبيب؟ 235

34. ما هي أهم المناسبات في شهر مسرى؟ 235

35. ما هي أهم المناسبات في الشهر الصغير؟ 236

36. ما هي المناسبات المتغيرة التي ترتبط بعيد القيامة (الفصح المسيحي)؟ 236

37. ما هو ارتباط التقويم الكنسي بالعروس مُفَرِّحة القلوب؟ 236

 

 


 

1. العبادة الكنسية

1. كيف نمارس العبادة أمام ملك الملوك السماوي؟

يليق بالمؤمن وهو يمارس العبادة سواء في وسط الجماعة المقدسة (الكنيسة) أو في حجرته الخاصة، أن يدرك من هو هذا الذي تُقدَّم له العبادة، ومن هو المؤمن الذي يمارس العبادة. ففي سفر الرؤيا يعلن عن الربّ أنه ربّ الأرباب وملك الملوك (رؤ ١٧: ١٤)، وفي نفس الوقت أقامنا ملوكًا وكهنة لله أبيه (رؤ ١: ٦). فنقف كملوك أمام ملك الملوك. نلتزم بإبراز علامات ملوكيتنا، كأبناء لله الآب، وأعضاء في جسد المسيح، وإدراك أننا هيكل الله وروح الله يسكن فينا. معرفتنا هذه تبعث فينا الرجاء بكونه القدير، ونطلب بدالة لأنه محب البشر. أذكر أحد الخدام بكنيسة العذراء مريم بمحرم بك بالإسكندرية نيَّح الله نفسه كان يكرر هذه الطلبة: "لن أقبل منك أقل من أن أكون أيقونة لك".

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لا يستطيع حاكم أن يظهر أمام الملك دون أن يحمل علامات وظيفته. مثل هذا الشخص لن يجسر أن يقترب من العرش الملوكي بدون المنطقة العسكرية والثوب العسكري، هكذا بنفس الطريقة الإنسان الذي يقترب من عرش اللَّه يلزمه أن يرتدي علامات وظيفته[1].]

2. من هم الساجدون الحقيقيون؟

كان اليهود يترقَّبون مجيء المسيَّا في أورشليم حيث يوجد هيكل سليمان، وفيه تُقَام العبادة الحقيقية منذ مجيئه، أما السامريون فكانوا يعتقدون أن المسيَّا يأتي على جبل جرزيم، لهذا قالت المرأة السامرية للسيد المسيح: "آباؤنا سجدوا في هذا الجبل، وأنتم تقولون إن في أورشليم الموضع الذي ينبغي أن يُسجَد فيه" (يو ٤: ٢٠). فأجابها السيد: "يا امرأة، صدقيني أنه تأتي ساعة، لا في هذا الجبل، ولا في أورشليم تسجدون للآب. أنتم تسجدون لما لستم تعلمون، أما نحن فنسجد لما نعلم. لأن الخلاص هو من اليهود. ولكن تأتي ساعة، وهي الآن، حين الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب بالروح والحق، لأن الآب طالب مثل هؤلاء الساجدين له. الله روح. والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا" (يو 4: 21-24).

ما يشغل كل اليهود والسامريين هو ممارسة العبادة، هل هي في أورشليم أم على جبل جرزيم. أما المؤمنون بالله الذي لا يُحدّ لاهوته بموضع مُعَيَّن، فيرفعون قلوبهم بروح العبادة أينما وُجِدوا. لهذا مع تنازل الله لأجل محبته للبشر فيُقِيم بيتًا له في وسط شعبه، غير أن المؤمن إذ يقف بخشوعٍ ويبسط يديه ويرفع قلبه نحو السماء، تنطلق أعماقه كما إلى العرش السماوي. ويحسب نفسه مع إخوته الذين يصلّون معه وقد انطلقوا للشركة مع الطغمات السماوية ومع المؤمنين الذين رحلوا من العالم. هذا ما لمسه يوحنا الحبيب في رؤياه، إذ قال: "رأيت تحت المذبح نفوس الذين قُتِلوا من أجل كلمة الله" (رؤ ٦: ٩). "وسمعت عدد المختومين مئة وأربعة وأربعين ألفًا مختومين من كل سبط من بني إسرائيل" (رؤ ٧: ٤).

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إن سألت: ومن هم الساجدون الحقيقيون؟ أجبتك: الذين لا يربطون عبادتهم بمكانٍ مُحَدَّدٍ، وهم ينجذبون بالروح. وكما يقول بولس الرسول: "الذي أعبده بروحي في إنجيل ابنه" (رو ١: ٩). وفي موضع آخر يقول: "أطلب إليكم أيها الإخوة برأفة الله أن تُقَدِّموا أجسادكم ذبيحة حية مقدسة مرضية عند الله عبادتكم العقلية" (رو ١٢: ١). قول المسيح للمرأة السامرية: "الله روح" لا يدل على معنى آخر إلا على أنه خالٍ من جسم، لذلك ينبغي أن تكون العبادة للخالي من جسم خالية من جسم أيضًا، وأن نقدمها بما هو فينا خالٍ من جسم، أي أن تكون بروحنا وبنقاوة عقلنا، لذلك قال المسيح: "والذين يسجدون له، فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا"... كان كل من اليهود والسامريين شديدي الاهتمام بالجسد، يطهرونه بمختلف الطرق. لذلك يقول إنه ليس بطهارة البدن، بل بطهارة ذلك الجزء غير الجسدي من كياننا، أي العقل. به نعبد الله اللاجسدي، كما لا يكون القربان بذبح العجول والخراف، بل بتكريس الإنسان نفسه لله. اهلك ذاتك، فتقدم ذبيحة حية... إنه لم يفضل مكانًا آخر، إنما أعطى الأفضلية للنية[2].

ويقول القديس جيروم: [لست أتجاسر فأَحدّ قدرة اللَّه الكلية أو أُقيّدها بشريحة ضيّقة من الأرض، هذا الذي الأرض والسماء لا تسعانه. كل مؤمن يُدَان ليس حسب مسكنه هنا أو هناك، وإنما حسب براري إيمانه. العابدون الحقيقيون يعبدون الآب، لا في أورشليم، ولا على جبل جرزيم[3].]

يقول العلامة أوريجينوس: [الإنسان الكامل والمقَّدس يتعدَّى حتى هذا، إذ يعبد الرب بطريقة تأملية وإلهية بالأكثر. فكما أن الملائكة (كما يتفق حتى اليهود) لا يعبدون الآب في أورشليم، لأنهم يعبدونه بطريقة أفضل عمن يعبدون في أورشليم، هكذا الذين يستطيعون أن يكونوا مثل الملائكة (لو ٢٠: ٣٦) في ميولهم لا يعبدون الآب في أورشليم، بل بطريقة أفضل[4].]

يقول القديس أغسطينوس: [لو أن اللَّه جسد، لكان يحق أن يُسجَد له على جبلٍ، لأن الجبل مادي، وكان يحق أن يُعبَد في هيكل... إنه لأمر عجيب! يسكن في الأعالي وهو قريب من المتواضعين. إنه "يرى المتواضع، أما المتكبر فيعرفه من بعيد" (مز 138: 6)... إذن هل تطلب جبلاً؟ انزل لكي تقترب إليه. هل تصعد؟ اصعد، ولكن لا تطلب جبلاً. قيل: "الصاعدون في قلبه، في وادي البكاء" (مز 84: 6). الوادي هو التواضع. لتفعل هذا كله في داخلك. حتى إن أردت أن تطلب مكانًا مرتفعًا، موضعًا مقدسًا، اجعل لك هيكلاً في داخلك. "لأن هيكل اللَّه مقدس، الذي أنتم هو" (1 كو 3: 17). أتريد أن تصلي في هيكلٍ؟ الجبل في داخلك، إن كنت أنت أولاً هيكل اللَّه، لأنه في هيكله يسمع من يصلي[5].]

3. ما هي العبادة المرضية لله؟

العبادة المرضية لله لا تقف عند ممارسات مُعَيَّنة، وإنما تتطلب أن يلتصق الإنسان بالمُخَلِّص في حياته العملية، ولا يقف عند حرفية الناموس، بل يدخل في شركة مع الله، وينمو في معرفة المسيح. هذا ما كشف عنه السيد المسيح حين سُئل: "ماذا نفعل حتى نعمل أعمال الله؟ أجاب يسوع وقال لهم: هذا هو عمل الله: أن تؤمنوا بالذي هو أرسله" (يو 6: 28-29). يقول القديس كيرلس الكبير: [كان من الضروري أن يريهم أنهم كانوا لا يزالون بعيدين جدًا عن العبادة المرضية لله، وأنهم لا يعرفون شيئًا عن الأمور الصالحة الحقيقية. فإذ يلتصقون بحرف الناموس صار ذهنهم مملوء بالرموز والأشكال المُجَرَّدة... إن العمل الذي تمارسه النفس النقية هو الإيمان المُتَّجِه نحو المسيح. والأسمى من ذلك بكثير هي الغيرة في أن يصير الإنسان حكيمًا في معرفة المسيح أكثر من الالتصاق بالظلال الرمزية.]

4. ما هي الخطوات العملية لممارسة العبادة المرضية لله؟

أولاً: رفع القلب للسماء، حيث تلتقي النفس بالسماوي، فيزداد شوقها للحياة السماوية. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: "حين ترفع ستر الهيكل، فثق أن السماء قد انفتحت أبوابها."

بالنسبة للعبادة الخاصة بتقديس يوم الربّ (الأحد) يسند القديس إكليمنضس السكندري العمل الليتورجي خلال السلوك الروحي الحي والتأمّل المستمرّ في السماويات من أجل التمتُّع بأمجاد قيامة الرب. يقول: [يُحفَظ يوم الرب بتنفيذ الوصيّة حسب الإنجيل بترك الإنسان الشرّ... ممجدًا قيامة الرب في نفسه. بالأحرى عندما يتمتّع بإدراك التأمّلات الحقيقيّة، فيبدو كمن رأى الرب، مُوَجِّهًا أنظاره نحو غير المنظورات[6].] كما يقول: [(الإنسان الروحي) يحفظ يوم الرب... ممجدًا قيامة الرب في نفسه... يكون طاهرًا على الدوام مستعدًا للصلاة. يُصَلّي مع جوقة الملائكة، لأنه قد صار في الرتبة الملائكيّة، محفوظًا على الدوام بعنايتهم المقدّسة. حينما يُصَلِّي وحده يقف مع صفوف القدّيسين... صلاته هي شكر من أجل الماضي والحاضر والمستقبل، لأنه يرى المستقبل بالإيمان حاضرًا أمامه... يُقَدِّم الشكر للّه على الدوام، على مثال ما قاله إشعياء بخصوص تسبيح المخلوقات الحيّة[7].]

يقول القديس باسيليوس الكبير: ["اسجدوا للرب في هيكل قدسه"... كثيرون يقفون للصلاة، ولكنهم ليسوا في الهيكل، فأفكارهم تجوب في الأمور الباطلة خارجًا... وللهيكل مفهوم أسمى، إذ يشير إلى الحياة في السماء، من أجل المغروسين في بيت الله، كنيسة الله الحي (1 تي 3: 15)، يزهرون في بيت الله إن كانوا ضمن جماعة المؤمنين[8].]

كما يقول: ["صوت الرب بقوةٍ، صوت الرب بجلال عظيم"... الجلال فضيلة عظيمة جدًا، فالجلال صفة ذاك الذي يكرس كل نشاطه للأعمال العظيمة، والنفس التي لا تُستعبَد للأفكار الجسدية، بل تحيا في العظمة والكرامة التي لها من الله، فتسمع "صوت الله"، أيضًا الذين ارتفعت أفكارهم نحو الله، ويتأملون في سمو أهداف الخليقة ليستخلصوا منها - ولو بالقدر البسيط - عظم مجد عناية الله. وهم أيضًا الذين لا يعيشون في رغد العيش، بل يسرعون للتخفيف من آلام الفقراء. أولئك جميعًا ينطبق عليهم صفة الجلال وصوت الرب يسكن فيهم. والإنسان الذي يتصف بالجلال، لا يهتم كثيرًا بالأمور المادية، ويعتبرها نفاية بالنسبة للخيرات غير المرئية. مثل هذا الإنسان لا يستسلم للألم لأي سبب. فلا تؤثر فيه التعييرات أو الاحتقار أو الكراهية التي تصدر عن الأقزام. هو أيضًا لا يتأثر بشهوات الجسد التي تحط من شأن الإنسان، لأنها لا تعنيه، إذ أن أفكاره قد سمت إلى الأعالي إلى فوق[9].]

ثانيًا: أن يعرف المؤمن نفسه. فيعرف أنه قد نال البنوة لله بالمعمودية، وأنه عضو في جسد الابن الوحيد الجنس، وأنه هيكل الله يسكن فيه روح الله القدوس، فيتحدث مع الثالوث القدوس، ويسلك في عبادته بما يليق به، واثقًا في الشركة مع الله. يقول القديس أنبا أنطونيوس الكبير: "من عرف نفسه عرف الله، ومن عرف الله يستحق أن يعبده بالحق[10]." ويقول لاكتانتيوس: "التقوى ليست سوى التعرُّف على الله أنه أب."

ثالثًا: أن يعرف المؤمن رسالته. يقول لاكتانتيوس: "إن سأل أحد إنسانا حكيمًا لماذا ولد، فإنه يجيب بغير خوفٍ ولا تردد أنه وُلد لكي يعبد الله."

رابعّا: أن يُدرِك المؤمن أنه ابن النور، لن يستريح في الظلمة أو الجهالة. يتحدّث القديس إكليمنضس السكندري عن الاتّجاه للشرق أثناء الصلاة، حيث يؤكّد لنا ميلادنا الجديد في المسيح يسوع شمس البرّ المُشرِق علينا. [يصلّون في اتّجاه الشرق، لأن الشروق هو رمز لميلادنا، إذ منه يخرج النور مُشرِقًا على الظلمة. هكذا يشرق يوم المعرفة مثل الشمس على المدفونين في الجهالة (الظلمة) [11].]

خامسٌا: الاهتمام بالنقاوة الداخلية والخارجية. يقول القديس إكليمنضس السكندري [يليق بالنساء والرجال أن يذهبوا إلى الكنيسة في هدوء ونظام وسكون، وتكون فيهم محبة صادقة، يكونون أطهارًا حسب الجسد والقلب، مؤهَّلين للصلاة أمام اللّه. وعلى النساء - بوجه الخصوص - أن يهتممن بالأكثر بهذا الأمر، وتكون المرأة مغطاة بالكامل وإلا تبقى في بيتها، فإن ملبسها له خطورته، إذ يقيها من نظرات الآخرين. إن وضعت التواضع نصب عينيها لا تسقط أبدًا... هكذا يليق بمن كرَّس نفسه للسيّد المسيح أن يسلك في حياته كلها بذات السلوك الذي يراعيه داخل الكنيسة. قيل إنه يلزمنا أن نتقدَّم إلى الذبيحة والصلوات ونحن مغتسلون، أنقياء وفي بهاء، إنّنا نمارس هذه الزينة الخارجيّة والتطهيرات الخارجيّة كعلامة. فإن النقاوة هي أن تكون أفكارنا مقدّسة... والتقديس - كما أدركه - هو نقاوة الكاملة للذهن والأعمال والأفكار والكلمات، وتصل إلى كمال درجتها حين لا نخطئ في الأحلام. النقاوة الكافية للإنسان هي - كما أحسب - التوبة الصادقة الأكيدة[12].

سادسًا: الالتزام بحياة الشكر والتسبيح، فتتمتع النفس بالفرح الحقيقي. يقول القديس أنطونيوس الكبير: [عندما تنام على سريرك، تذكَّر بركات اللّه، وعنايته بك، واشكره على هذا، فإذ تمتلئ بهذه الأفكار تفرح في الروح. وعندئذ يكون في نوم الجسد سموًا لنفسك، وإغلاق عينيك بمثابة معرفة حقيقة للّه، وصمتك وأنت مشحون بمشاعر صالحة هو تمجيد للّه القدير من كل القلب وكل القوة، مقدما للّه تسبيحًا يرتفع إلى الأعالي. لأنه عندما لا يوجد شر في الإنسان، فإن الشكر وحده يرضي اللّه أكثر من تقدمات ثمينة، هذا الذي له المجد إلى دهر الدهور. آمين.] كما يقول: [اعلم أن الأمراض الجسدية هي أمر طبيعي بالنسبة للجسد، إذ هو مادي وقابل للفساد. لذلك إن حلَّ به المرض، فإنه يجب على النفس المُتعلِّمة (الصلاح) أن تتشجَّع وتصبر بشكر دون أن تتذمَّر على اللّه الذي خلق لها الجسد.]

يقول القديس إكليمنضس السكندري [وكل ما عملتم بقولٍ أو فعلٍ فاعملوا الكل باسم الرب يسوع شاكرين اللّه والآب به" (كو 3: 17). هذا هو احتفالنا المملوء شكرًا. إن أردت الترنُّم واللعب على عود أو قيثارة فليس من لوم عليك[13].] ويقول: [فإنك بهذا تمتثل بالملك العبراني في تقديمه الشكر للّه، إذ تقول النبوّة: "اهتفوا أيها الصدّيقون بالرب. بالمستقيمين يليق التسبيح. احمدوا الرب بالعود، بقيثارة ذات عشرة أوتار رنموّا له. وغنّوا له أغنية جديدة" (مز 33: 1-3). ما هذه القيثارة ذات العشرة أوتار إلا كلمة "يسوع" التي أعلنت خلال حرف عشرة (وهو حرف اليوتا الذي يُمَثِّل رقم 10 في اليونانية وأول حروف كلمة يسوع أو إيسوس[14].]

كما يقول: [في الخدمة الإلهيّة يترنم الروح...

"سبّحوه بصوت البوق"، لأنه بصوت البوق يقيم الأموات.

"سبّحوه بالمزمار"، فإن اللسان هو مزمار الرب.

"سبّحوه بالقيثارة"، هنا يقصد الفم الذي يُحَرِّكه الروح كالوتر.

"سبّحوه بطبول ورقص"، مشيرًا إلى الكنيسة التي تتأمّل القيامة من الأموات خلال وقع الضرب على الجلود (إشارة إلى الأموات).

"سبّحوه بالأوتار والأرغن"، يدعو جسدنا أرغنًا، وأعصابه هي الأوتار التي يضرب عليها الروح فتعطي أصواتًا بشريّة منسجمة.

"سبّحوه بصنوج حسنة الصوت": يدعو اللسان صنجًا إذ يعطي الصوت خلال الشفتين.

لذلك يصرخ إلى البشريّة قائلاً: "كل نسمة فلتسبح اسم الرب"، لأنه يعتني بكل مخلوق يتنفّس. حقًا إن الإنسان هو آلة السلام[15].]

يقول القدِّيس باسيليوس الكبير: [يلزم أن تُقَدِّم تشكُّرات لله المهوب الممجد القدوس. ولا يُمارَس شيء بروح الجدال والمجد الباطل (في 2: 3)، وإنما من أجل مجد الله ومسرته. "فإن الله يبدد عظام الذين يسرون البشر" (مز 53: 5)[16].]

سابعًا: الصلاة عمل يتم في ضمير الإنسان. يقول القدِّيس باسيليوس الكبير: [لا يحتاج الله إلى خُطب رنَّانة، ولا إلى كلمات فصيحة، إذ يعرف ما هو مفيد لنا. وهكذا يمكننا أن نحدِّد الصلاة بأنها عمل يتم في ضمير الإنسان وفي داخله، وهي عمل يمتد إلى كل الأعمال التي تنسج حياة الإنسان[17].]

5. كيف يشترك الجسد مع النفس في العبادة المقدسة

ما دمنا نعيش في هذا العالم، يليق بنا أن نعبد الخالق ونمجده بالجسد كما بنفوسنا. حقًا إن قورن الجسد بالنفس، يُحسَب الجسد مادي والنفس روحية، لكن لا يستطيع أحدهما أن يمجد الله بدون الثاني. فالجسد يتعبَّد بأعضائه الجسدية وتتفاعل النفس مع الجسد لأنه لا يوجد ثنائية في كيان الإنسان.

إن تجاهل الجسد دور النفس، تتحوَّل العبادة إلى حرفية لا حياة فيها، وإن حاولت النفس أن تعبد الله متجاهلة الجسد، حتى وإن كان مرهقًا أو مريضًا فعبادتها تكون مبتورة. كل منهما مدين للآخر في ممارسة عبادة صادقة روحية مرضية لله خالق الجسد والنفس.

6. هل يُفضل أن يصلي الإنسان لله بصراخٍ أم بصوتٍ مسموع، أم بصوت هادئ في همس أم يصلي وهو صامت؟

يقول الحكيم: "للسكوت وقت، وللتكلم وقت" (جا 3: 7)، ليس في تعاملنا مع الناس فحسب، بل وفي عبادتنا أيضًا. فللسكوت وقت حين نجلس مع الكتاب المقدس، أو نقف أمام هيكل، فلا ننطق بكلمة مسموعة لكي نسمع صوت إلهنا في داخلنا. وأيضًا للكلام بصوت هادئ حين نسبح بالمزامير، فيلتهب قلبنا بالفرح السماوي والحب الإلهي. وللكلام بصوت واضح مسموع حين نشترك مع خورُس الشمامسة ومع الشعب في التسبيح، ونشعر باشتياقنا للانطلاق إلى الفردوس، فننضم إلى خورُس السمائيين ومعهم المؤمنون المنتصرون الذين رحلوا. هكذا يسند الفم النفس في عبادتها سواء بصمته أو همساته أو التكلم والترنُّم بصوت مسموع، بل وأحيانا بالصراخ، كما يقول المرتل: "في ضيقي دعوت الرب، وإلى إلهي صرخت، فسمع من هيكله صوتي وصراخي قدامه دخل أذنيه" (مز 18: 6).

يقول القديس أغسطينوس: "في شدتي دعوت الرب، وإلى إلهي صرخت". يُعلِن القديس بولس عن هذه الصرخة الموجهة إلى الآب، قائلاً: "الذي في أيام جسده، إذ قدَّم بصراخ شديد ودموع طلبات وتضرعات للقادر أن يخلص من الموت، وسُمِع له من أجل تقواه" (عب 5: 7). سُمِعَت صرخته بإقامته من الأموات ونواله المجد والملكوت.] كما يقول: ["فسمع صوتي من هيكله المقدس". سمع صوتي من مسكنه داخل قلبي! "وصراخي قدامه يدخل في أذنيه"، هذا الصراخ الخاص بي لا تسمعه أذن إنسان، فإنني إذ أنطق به في داخلي في حضرته، يبلغ إلى أذنيه!]

وما نقوله عن الفم واللسان نقوله على كل بقية أعضاء الجسم التي تساهم في العبادة المقدسة للرب مشتركة مع النفس والقلب والفكر.

7. كيف يسند الجسد النفس في العبادة بقرع الصدر؟

جاء في مثل الفريسي المتكبّر والعشار المتواضع، أن الأخير "وقف من بعيد، لا يشاء أن يرفع عينيه نحو السماء، بل قرع على صدره، قائلاً: اللّهم ارحمني أنا الخاطي" (لو 18: 13).

لقد كشفت حركات الجسم عن نفسه المتواضعة، خلال وقوفه من بعيد، وانحناء عينيه في خجلٍ من السماء، وقرعه على صدره. بهذه الحركات اعترف أنه ليس أهلاً أن يقترب نحو الهيكل، وبانحناء رأسه اعترف أنه في خجل مما ارتكبه، وقرعه على صدره أنه عِوض التمتع بملكوت الله في داخله فتح باب قلبه لعدو الخير وللخطايا. وكأن الجسد والنفس قد تفاعلاً معًا، وبروح التواضع اعترف أنه محتاج إلى مراحم الله للتمتعُّ بمغفرة خطاياه.

جاء في فردوس الروح قال شيخ: [لنصم ونصلِّ ونسجد ونقرع صدورنا أمام صليب ربنا، وبدموعٍ وبألم قلبٍ نطلب منه عونًا وخلاصًا، لأنه قريب إلينا كل حينٍ، بل هو ساكن فينا كما هو مكتوب: "قريب هو الرب من المنكسري القلوب" (مز 34: 18)، وكقول ربنا: "ها ملكوت الله داخلكم" (لو 17: 21).

يقول الأب هيبريشيوس الكاهن: "الراهب الذي يقرع صدره ويسكب الدموع يجتذب إليه الرحمة السمائية".] (فردوس الآباء).

ويقول القديس مار أفرآم السرياني: [ليس لي دالة أمامك يا من تفحص قلبي وأعماقي الداخلية، ليس فيّ أفكار طاهرة، ولا دموع عند الصلاة، وإن كنت أتنهد وانطرح على وجهي المملوءة خزيًا، وأقرع صدري الذي هو مسكن الأهواء ومعمل الأفكار الشريرة.]

يقول القديس جيروم: [صلوات العشار غلبت الله الذي لا يُغلب!] [الكبرياء ضد التواضع، خلاله فقد الشيطان سموه كرئيس ملائكة... فكر أيها الأخ أية خطية هذه التي يقاومها الله؟![18]]

ويقول القديس كيرلس الكبير: [ولكن ماذا عن العشار؟ يقول إنه وقف بعيدًا، لم يجسر حتى أن ينطق أو يرفع عينيه إلى فوق. ها أنت تراه خاليًا من كل نطق جسور، كمن ليس له حق في ذلك، بل كان مضروبًا بتوبيخات ضميره، يخشى حتى من أن ينظره الله، بكونه إنسانًا أهمل في شرائعه، حياته منحلة غير طاهرة. ها أنت تراه يتهم نفسه بطريقة منظورة... لقد كان خائفًا من الديان، يقرع صدره، ويعترف بخطاياه، ويكشف مرضه كما إلى الطبيب، ويسأل نوال الرحمة. ماذا كانت النتيجة؟ اسمع ما يقوله الديان: "نزل (هذا الإنسان) إلى بيته مبررًا دون ذاك" (لو 18: 14) [19].]

8. ما هي بركات اللسان المقدس وما هي خطورة اللسان الفاسد؟

كثيرًا ما حذَّرنا الكتاب المقدس من عدم ضبط اللسان، فيقول مُعَلِّمنا يعقوب الرسول: ""إن كان أحد لا يَعْثُر في الكلام، فذاك رجل كامل، قادر أن يُلْجِم كل الجسد أيضًا. هوذا الخيل تضع اللُّجُم في أفواهها لكي تطاوعنا فندير جسمها كله. هوذا السفن أيضًا وهي عظيمة بهذا المقدار وتسوقها رياح عاصفة تديرها دفة صغيرة جدًا إلى حيثما شاء قصد المدير. هكذا اللسان أيضًا هو عضو صغير ويفتخر متعظمًا. هوذا نار قليلة، أي وقود تحرق. فاللسان نار عَالَمُ الإثم. هكذا جعل في أعضائنا اللسان الذي يدنس الجسم كله ويُضْرِم دائرة الكون ويُضْرَم من جهنم" (يع 3: 2-6). بكلمات قليلة يفقد الإنسان خلاصه، وبكلمات قليلة يتأهَّل المؤمن أن ينضم إلى خورُس السمائيين بنعمة الله، كما حدث مع اللص اليمين.

يقول القديس أغسطينوس: [يستطيع الإنسان ترويض الوحوش المفترسة، أما لسانه فلا يقدر أن يُلجِمه!... يستطيع الإنسان تهذيب كل شيءٍ ما عدا ذاته، فما يقدر عليها! يقدر على تهذيب كل ما يخاف منه، أو يجدر به أن يخافه، أما ذاته التي لا يخافها فلا يقدر عليها! إذن لنلجأ إلى الله الذي يستطيع أن يُلجِمه. أنتم لا تقدرون على إقناع ألسنتكم لأنكم بشر... فلنطلب من الله لكي يُرَوّضنا قائلين له: "يا رب ملجأ كنت لنا". هل يستطيع (الإنسان) صورة الله أن يُرَوِّض الأسد، ويعجز الله عن ترويض صورته؟ إن رجاءنا يكمن في هذا المُرَوِّض لنخضع له ملتمسين رحمته... لنحتمله حتى يُرَوِّضنا، فنصير كاملين، لأنه كثيرًا ما يسمح لنا بتأديبات. فإن كنتم تستخدمون أسواطًا في ترويض الحيوانات المفترسة، أمَا يستخدم الله ذلك ليحوِّلنا نحن وحوشه إلى أولاد له[20]؟]

ويُقَدِّم لنا القديس مار يعقوب السروجي نظرته الإيجابية للسان المقدس بالرب، وإدراكه لما للسان من سلطان وإمكانيات فائقة. لقد تفاعلت شخصيته في الرب مع نظرته للسان، كل منهما يسند الآخر ويسمو به. هكذا يحدثنا عن عطية اللسان المقدس، موضحًا الآتي:

1. باللسان المقدس يشارك المؤمن السمائيين تسابيحهم.

2. صاحب اللسان المقدس هو ملك وصاحب سلطان، ليس لإبليس وقواته سلطان عليه.

3. اللسان المقدس ينطق باسم الملكوت الداخلي، فيتمتع المؤمن بكل كيانه بعربون السماء وهو بعد في هذا العالم.

4. اللسان المقدس كنارة الروح القدس، فبه تترنم نفسه مع جسده.

5. اللسان المقدس سرَّه حكمة الله الذي يُقَدِّم للإنسان أن ينطلق من مجدٍ إلى مجدٍ بعمل الثالوث القدوس في جسده كما في قلبه وعقله ونفسه.

6. اللسان المقدس أمّ ولود، به فلا تعرف النفس العقم والحرمان من الفضائل الروحية.

7. اللسان المقدس بالرب ينعم بالكنز الإلهي، إذ يصير المؤمن سفيرًا للرب.

8. يعتز الله بكلمات اللسان المقدس، لأنه ينطق بالحق الإلهي.

9. باللسان المقدس نختبر الحياة المقامة، إذ يتحدَّى الموت كل سلطانه، بشركته مع مخلصه القائم من الأموات.

10. بالتسبيح الدائم يتصوَّر المسيح فينا، فتصير النفس عروس المسيح القدوس.

11. بتقديس اللسان يتقدَّس الصوم، فلا يُستعبَد المؤمن لشهوات البطن والنهم.

يقول القديس مار يعقوب السروجي: [كان آدم مُمَجَّدًا أكثر من التاج بجماله العظيم، ولم يوجد في الخلائق جمال آخر ندّه... أتقن المخ بيت العقل ليكون هناك، ويسكن في الطابق العلوي مثل الإله. وصنع له حَنَكا ليفحص الأطعمة، ووضع فيه طعمًا ليُمَيِّزَ الحلو عن المر... في صدره القلب المجتمعة فيه كل الأفكار، ليُوَزِّع كل الكنوز كما من خزينةٍ عظمى. في فمه الكلمة، وفي شفتيه تمييز الأصوات...[21]]

9. لماذا قال السيد المسيح: "اذهب يا شيطان لأنه مكتوب للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد" (مت 4: 10؛ لو 4: 8؛ انظر تث 6: 13)؟

يقول القدِّيس كيرلس الكبير: [حقًا لقد أصابت هذه الآية مقتلاً من إبليس لأنه كان قبل نزول المسيح ومجيئه يخدع كل الذين تظلِّلهم القبَّة الزرقاء، فتجثو له كل ركبة، أما وقد جاء المسيح، فقد شاءت رحمته أن يرجع الناس عن غلوائهم ويقدِّموا له السجود والعبادة والإكرام.]

لقد نهى الله عن السجود لغيره بتاتًا (خر 20: 3-5، تث 5: 6-9). وعندما أقام نبوخذنصر تمثاله الذهبي وأمر جميع رعاياه أن يخروا ويسجدوا للتمثال، رفض الثلاثة فتية الأتقياء أن يسجدوا لغير الله بأية صورة، ومهما كلفهم ذلك، حتى أُلقوا في أتون النار المتقدة. ولكن الرب حفظهم فلم "تكن للنار قوة على أجسامهم، وشعرة من رؤوسهم لم تحترق، وسراويلهم لم تتغيَّر، ورائحة النار لم تأتِ عليهم" (دا 3: 27)، لأنهم أطاعوا الله أكثر من الناس.

الله ليس بمحتاج أن يسجد له البشر أو حتى السماويين، إنما خليقته العاقلة في السماء وعلى الأرض إذ تسجد له بروح الحب والطاعة تتمتع بانعكاس بهائه عليهم.

10. لماذا يؤكد الكتاب المقدس أنه يلزمنا أن نعبد الله ونسجد له، لأنه إله غيور؟

الله يُريدنا أن نُحِبَّه ليملك على القلب تمامًا، ليس لأنه يُريد أن يستعبدنا أو يذلنا، وإنما لأنه "إله غيور"، لذلك أصر أن يصف نفسه هكذا "أنا الرب إلهك إله غيور" (تث 5: 9). وقد علق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة قائلاً: [قال الله هذا لكي نتعلَّم عظمة حبه. فلنحبه كما يُحبنا هو، إذ قدم ذخيرة حب كهذه. فإننا إن تركناه يبقى يدعونا إليه، وإن لم نتغير يؤدبنا بغضبه، ليس من أجل التأديب في ذاته. انظر، ماذا قال في حزقيال عن المدينة محبوبته التي احتقرته: "هأنذا أجمع جميع محبيك...، وأسلمك ليدهم فيرجمونك بالحجارة ويقطعونك بسيوفهم...، فتنصرف غيرتي عنك، فأسكن ولا أغضب بعد" (راجع حز 16: 37-42). ماذا يمكن أن يقال أكثر من هذا بواسطة محب متقد احتقرته محبوبته، ومع هذا يعود ويحبها مرة أخرى بحرارة؟! لقد فعل الله كل شيءٍ لكي نحبه، حتى أنه لم يشفق على ابنه من أجل أن نحبه، ومع هذا فنحن متراخون وشرسون[22].]

ويُعَلِّق العلامة أوريجينوس على نفس العبارة قائلاً: [انظروا محبة الله، فإنه يحتمل ضعفات البشر لكي يُعَلِّمنا ويدخل بنا إلى الكمال... كل امرأة مرتبطة برجلها تخضع له وإلاَّ صارت زانية، تبحث عن الحرية لكي تخطئ. ومن يذهب إلى زانية يعرف أنه يدخل إلى امرأة زانية تُسلم نفسها لكل من يَقْدم إليها، لذا فهو لا يغضب إن رأى آخرين عندها. أما المتزوج شرعيًا فلا يحتمل أن يرى زوجته تُخطئ، وإنما يعمل دائبًا على ضبط طهارة زواجه، ليتأكد أنه الأب الشرعي (للطفل ثمرة زواجه). إن فهمت هذا المثل تستطيع أن تقول إن النفس تتنجس مع الشياطين والأحباء الآخرين الكثيرين، فعادة يدخل عندها روح الزنا، وعند خروجه يدخل روح البخل ثم روح الكبرياء ثم روح الغضب ومحبة الزينة والمجد الباطل، ويدخل آخرون كثيرون يزنون مع النفس الخائنة دون أن يَغير أحدهم من الآخر... ولا يطرد الواحد الآخر، بل بالعكس كل منهم يقدم الآخر... وكما رأينا الروح الشرير الذي يقول عنه الإنجيل: "إن خرج من إنسان يرجع ومعه سبعة أرواح أَشرّ منه" (يو 11: 26)، ويسكن هذه النفس. هكذا لا يغير الواحد الآخر في النفس التي تبيع ذاتها للزنا مع الشياطين.

أما إن اتحدت النفس مع زوج شرعي، العريس الذي يخطبه بولس للنفوس، قائلاً: "إني خطبتكم لرجل واحد لأُقَدِّم عذراء عفيفة للمسيح" (2 كو 11: 2)، هذا الزواج تكلم عنه الإنجيل قائلاً: "إن ملكًا صنع عرسًا لابنه" (مت 22: 2)، تهب النفس ذاتها له وترتبط به شرعيًا، حتى وإن كانت في ماضيها خاطئة وسلكت كزانية، لكنها متى ارتبطت به تتعهَّد ألاَّ تخطئ مرة أخرى. النفس التي اختارته عريسًا لها لا يحتمل أن تلهو مع الزناة. وهو أيضًا يُغّير عليها، ويدافع عن طهارة حياته الزوجية.

يُدعَى الله "إلهًا غيورًا"، لأنه لا يحتمل أن ترتبط النفس التي وهبت ذاتها له بالشياطين.]

11. هل أوضح الكتاب المقدس أنه لا يجوز السجود للعبادة إلا لله وحده؟

كثيرًا ما أوضح الكتاب المقدس بعهديه هذا المبدأ صراحة، وأيضًا قَدَّم أمثلة للملائكة والبشر انهم يرفضون السجود للعبادة لغير الله. ففي العهد القديم رفض الثلاثة فتية القديسين السجود لتمثال الملك الذهبي (دا 3: 12). ورفض مردخاي أن يسجد أمام مردخاي للعبادة له في أيام الملك أحشويروش فتعرض كل اليهود للقتل، لكن الرب أنقذهم (أس 3: 5-6).

وفي العهد الجديد منع الملاك المرافق للقديس يوحنا الرائي من أن يسجد للعبادة له قائلاً: "انظر لا تفعل، لأني عبد معك ومع إخوتك الأنبياء والذين يحفظون أقوال هذا الكتاب. اسجد لله" (رؤ 22: 9). وفعل القديس بطرس الرسول نفس الشيء مع كرنيليوس قائد المئة، قائلاً: "قم أنا أيضاً إنسان" (أع 10: 25-26).

أوصانا السيد المسيح نفسه: "الله طالب مثل هؤلاء الساجدين له... بالروح والحق" (يو 4: 23-24)، كما يقول الرسول: "لكي تجثو باسم يسوع كل ركبةٍ ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض" (في 2: 10).

12. ما هو السجود المقبول لدى الرب؟

السجود بأنواعه الثلاثة: انحناء الرأس، وانحناء الركب، وانطراح الوجه ليلامس الأرض عند الجبهة يكون مرضيًا لدى الرب متى كان الهدف الداخلي هو تحقيق الأمور التالية أو بعضها:

أولاً: الشعور بالحضرة الإلهية مع إدراك محبة الله للبشرية كما للسمائيين، فيشرق الرب ببهاءٍ عليهم، ويصيروا في عينيه مملوئين بهاءً.

ثانيًا: تفاعل نفس المؤمن مع عمل الله الخلاصي، مقدمًا توبة صادقة عن خطاياه مع ثقته في غافر الخطايا واهب البرّ.

ثالثًا: تنسحق نفس المؤمن، فتطلب من أجل كل البشرية ليذوقوا خلاص الله العجيب.

رابعًا: التحرر من الأنانية، فنطلب في سجودنا من أجل الذين سألونا أن نذكرهم في صلواتنا والذين لم يسألونا.

13. هل يُمَيِّز الطقس القبطي بين أنواع السجود لله الثلاثة[23]؟

أ. عند صلاة التحليل في القداس الإلهي ينادي الشماس: "احنوا رؤوسكم للرب"، حيث يسأل الأسقف أو الكاهن من السيد الرب أن يهب الحلّ للحاضرين وهم واقفون أو جالسون بانحناء الرأس.

ب. وفي أيام الصوم الكبير وصوم يونان ينادي الكاهن أو الأسقف: "احنوا ركبكم"، ومع كل طلبة يقول: "وأيضًا احنوا رؤوسكم".

ج. أما في وقت حلول الروح القدس على القرابين المقدسة، فيصرخ الشماس، "اسجدوا لله بخوف ورعدة"، حيث يتم السجود أمام جسد الرب ودمه.

هذه الأنواع الثلاثة تحمل نفس الروح ونفس الهدف وإن كان لكل نوعٍ ما يُمَيِّزه عن النوعين الآخرين. كثيرًا ما يمارس المؤمن في عبادته الشخصية أكثر من نوع. ويكشف آباء الكنيسة الأولى عن خبراتهم الروحية في ممارستهم للسجود لله، أذكر على سبيل المثال:

أولاً: السجود كعلامة لتسليم الإنسان حياته لله. يقول القديس ديوناسيوس الأريوباغي: [يلتزم كل أصحاب الدرجات الكهنوتية، أو المرشحين لها بالتقدُّم أولاً نحو المذبح الإلهي ثم السجود لكي يعلنوا خضوعهم وتسليم حياتهم لله الذي منه سينالون تكريسهم.]

ثانيًا: انحناء الركبتين لكي يتدخَّل الله في حياة البشر. يروي يوسابيوس القيصري عن الملك قسطنطين أثناء مرضه الأخير: [كان يدخل مخدعه الخاص في القصر في ساعات مُعيَّنة من النهار، ويغلق على نفسه ليناجي الله ويظل ساقطًا على ركبتيه متضرعًا من أجل شئون مملكته[24].]

14. ما هو ارتباط السجود بعمل المسيح الخلاصي؟

يقول القديس باسيليوس الكبير: [كل مرة نسجد فيها إلى الأرض تشير إلى كيف أحدرتنا الخطية إلى الأرض، وحينما نقوم منتصبين نعترف بنعمة الله ورحمته التي رفعتنا من الأرض، وجعلت لنا نصيبًا في السماء.]

15. ما هو ارتباط السجود بالصلاة؟

يقول القديس مار اسحق السرياني: [اسجد في بدء صلاتك واسأل الله بانسحاق، وتذلل أن يعطيك الصبر في الصلاة وضبط الفكر.] [أغصب نفسك على السجود أمام الله (ضرب المطانيات) لأنه هو مُحَرِّك روح الصلاة.] [[أعطِ نفسك للصلاة وأنت تحصل على لذة المطانيات وتداوم فيها بسرور.]

16. هل يذكر الكتاب المقدس السجود لأهداف أخرى غير العبادة لله؟

قيل عن إبراهيم إنه "سجد لشعب الأرض، لبني حث" للتعبير عن الشكر (تك 23: 7، 12؛ 27: 29) بروح التواضع النابع عن شعوره بالتغرُّب، فبينما يتطلع إليه بنو حث كسيد ورئيس (أمير) من الله بينهم، إذ به يدعو نفسه غريبًا ونزيلاً عندهم، لا يحتمل حُبَّهم وكَرَمهم، فسجد أمامهم علامة الشعور بالجميل. حقًا إن أولاد الله ظاهرون لا بحب السلطة والاعتداد بالذات إنما بروح الحب والوداعة والتواضع. بهذا يتحقَّق القول: "لا يمكن أن تخفي مدينة قائمة على جبل" (مت 5: 14)، لا جبل التشامخ بل جبل الله، القائمة والمؤسسة على السيد المسيح نفسه واهب التواضع!

وسجد يعقوب ونساؤه وأولاده لأخيه عيسو لاسترضائه وصرف روح الغضب (تك 33: 3-6). قاد يعقوب الموكب لا بروح التشامخ والعنف بل بروح الاتضاع، إذ كان يسجد لأخيه سبع مرات علامة كمال الخضوع. أما السيد المسيح عريس الكنيسة السماوي ورأسها فقاد موكب النصرة باتضاعه، إذ أخلى ذاتي وأخذ شكل العبد وأطاع حتى الموت موت الصليب (في ٢: ٦– ٨)، وهو ابن الله الوحيد الجنس تعلَّم الطاعة مما تألم به (عب ٥: ٥). وإذ هو واحد مع أبيه صام وصلى وركع مُقَدِّمًا الخضوع له باسمنا ولحسابنا فتُقبَل عبادتنا فيه.

وسجد إخوة يوسف له، للاعتذار عما فعلوه معه (تك 37: 10، 42: 6، 43: 26)،

وسجد موسى احترامًا لحميه يثرون (خر 18: 7). إن كان يثرون قد جاء بقلبه يُمَجِّد الله على أعماله الخلاصية، فإن موسى أيضًا العظيم في الأنبياء، الذي وهبه كل هذه العجائب لاقى حماه بكل تواضع... "خرج موسى لاستقبال حميه وسجد وقبله" [7]. النبوة لم تُعَلِّمه التشامخ على الآخرين بل الاتضاع أمام حميه الكاهن الوثني. ولعلَّه باتضاع كسبه أيضًا للتعرُّف على أعمال الله.

وسجد يشوع لرئيس جند الرب للمهابة والجلال (يش 5: 14).

وسقطت راعوث على وجهها وسجدت إلى الأرض وقالت له: كيف وجدت نعمة في عينيك حتى تنظر إليّ وأنا غريبة (را 2: 10). في اتضاع اعترفت راعوث أنها غريبة ولا تستحق هذا الكرم فتزداد في عيني بوعز جمالاً، ويذكر لها أعمالها الفاضلة ليُمَجِّدها، قائلاً: "إنني قد أُخبرت بكل ما فعلتِ بحماتك بعد موت رجلك حتى تركت أباكِ وأمكِ وأرض مولدك وسرت إِلى شعب لم تعرفيه من قبل" (را 2: 11). إِذ تواضعت أمامه، يذكر لها كيف تركت أباها الأول أي إِبليس والأم الأولى أي الحياة الشريرة التي نشأت فيها، تركت أرض مولدها أي محبتها للعالم، وتعلَّقت بنعمى أي الناموس روحيًا وسارت إِلى شعب لم تعرفه من قبل أي إِلى شركة السمائيين الذين كانوا قبلاً غرباء عنها، والآن دخلت معهم في عضويتهم إِذ حملت الطبيعة السماوية.

كثيرون سجدوا للملوك والأمراء والحكام وغيرهم تعبيرًا عن الاحترام والمهابة والتوقير، أو الاستعطاف (1 أخ 29: 20).  فسجد داود أمام شاول الملك بروح التواضع (1 صم 24: 8). وسجد يوآب ثم أبشالوم أمام الملك داود (2 صم 14: 22-33). وسجدت أبيجايل أمامه (1 صم 25: 23، 41). وسجد أخيمعص أمامه (2 صم 18: 28) كما سجدت بثشبع أمامه (1 مل 2: 19). وسجد أدونيا أمام سليمان ليعفو عنه (1 مل 1: 53). كما سجد سليمان أمام أمه بثشبع توقيرًا احترامًا (1 مل 2: 19). كما سجد لوط للملاكين (تك 19: 1).

17. كيف يسعى الشياطين لخداع المؤمنين لكي يسجدوا لهم؟

جاء في بستان الفردوس: [قال أنبا أور: "أبصرتُ إنسانًا في البرية خيَّلت له الشياطين طغمات من الملائكة ومركبات حافلة وملكًا في وسطهم. وقال له الشيطان: لقد أتقنتَ كل شيءٍ، إذًا فخُرّ لي ساجدًا وأنا أرفعك كما رفعتُ إيليا. فقال الراهب في نفسه: إنني أسجد كل يومٍ لملكي المسيح، فلو كان هو هذا لما التمس مني السجود الآن. ولما خطر عليه هذا الفكر قال له: ملكي أنا هو المسيح، وأنا دائمًا أسجد له، وأما أنت فلستَ بملكي. ولما قال هذا تلاشى ذلك الخيال في الحال“... هذا ما قاله الأب أور كأنه عن غيره، أما الآباء الذين كانوا معه فقالوا: "إنه هو نفسه الذي حدث له ذلك".]

18. ما موقفنا أمام العجز في العبادة بسبب المرض؟

أوضحت القديسة سنكليتيكا تلميذة القديس أثناسيوس الرسولي Amma Syncletica of Alexandria النقاط التالية:

1. يليق بنا ألاَّ نحزن متى كُنَّا عاجزين عن الصلاة والتسبيح بسبب المرض، فإننا نُمارِسها ليس كعملٍ روتيني أو فرائض نلتزم بها، وإنما لكي تسندنا في إزالة الشهوات الشريرة، فإن كان المرض يزيل هذه الشهوات والملذَّات، فنحن نتعبَّد قدر ما نستطيع، خاصة بتقديم ذبيحة شكر لله. ممارستنا للنسك غايتها ضبط الشهوات، والمرض يقوم بنفس المهمة كعلاجٍ طبيٍ قويٍ وفعالٍ، فبه يُصَاب الجسم بالضعف، أما الروح فنشيط قادر على تقديم ذبيحة الشكر والتسبيح لله القدير مُحِبّ البشر.

2. قد يُصَاب الإنسان في عينيه، فنحسب ذلك بسماحٍ من الله لتتمتَّع بصيرتنا الداخلية بمجد الربِّ "كما في مرآة" (٢ كو ٣: ١٨).

3. قد يُصَاب المؤمن في يديه، فليشكر الله الذي يهبه يدين داخليتين مستعدتين لمهاجمة عدو الخير.

4. قد يشعر بأن كل جسمه هزيل، فليُقَدِّم ذبيحة شكر لله الذي يحفظ صحة إنسانه الداخلي، ويهبه قوة أعظم. إنها تقول: [ليتنا لا نحزن إن كنا غير قادرين أن نقف للصلاة أو نرتل المزامير بصوتٍ بسبب ضعف أجسادنا وأوجاعها، فإنّ جميع هذه العلل تأتي علينا لأجل إبادة شهواتنا.

لقد وُصِفَ لنا الصوم والنوم على الأرض بسبب الملذَّات المشينة. فإذا جعلت هذه الأمراض تلك الملذات مُتبلِّدة يكون التقشُّف شيئًا زائدًا عن الحاجة. ولكن لماذا أقول إنه زائد عن الحاجة؟

لأنّ المرض يكبح جماح الزلات المُهلِكة الكامنة كما بعلاجٍ طبيٍ قويٍ وفعَّالٍ. هذا هو النسك العظيم: أن يظل المرء قويًا في المرض، ويواصل التسابيح والشكر للقدير.

هل حُرِمنا من عيوننا؟ ليتنا لا نستاء من ذلك، فقد فقدنا الوسائل المُؤدِّية إلى الشهوة النهمة (أي التي لا تشبع)، ومع ذلك فإننا نتأمل بعيوننا الداخلية في مجد الرب "كما في مرآة" (2 كو 3: 18).

هل أصابنا الصمم؟ فلنشكر الله، لأننا فقدنا بالكلية الضوضاء غير النافعة.

هل أُصيبَت أيادينا بالضرر؟ ومع ذلك فلازال لنا أيادينا الداخلية المجهَّزة جيدًا للحرب ضد العدو.

هل يتحكَّم المرض في الجسد كله؟ فلا زالت صحة إنساننا الداخلي تزداد أكثر جدًّا[25].]

كما تقول: [إذا ثقل علينا المرض فلا نحزن، لأننا بسبب المرض وانطراح أجسادنا لا يمكننا أن نُسَبِّح، لأنّ كل ذلك هو لخيرنا لأجل تطهيرنا من شهواتنا. حقًا إنّ الصوم والنوم على الأرض قد جُعِلا لنا بسبب ميولنا الشهوانية. فإذا أضعف المرض من هذه الميول تصير هذه الممارسات لا داعي لها، لأنّ هذا هو النسك العظيم: أن يضبط الإنسان نفسه في المرض وأن يُرَتِّل تسابيح الشكر لله[26].]


 

2. حياة الصلاة

1. ما هي الصلاة؟

يقول القديس إكليمنضس السكندري: [الصلاة حديث مع الله.]

ويقول القديس يوحنا كليماكوس: [الصلاة في جوهرها هي عشرة الإنسان مع الله والاتحاد معه، أما فعلها فهي دعم الكون ومصالحة مع الله.] [الصلاة غذاء للنفس واستنارة للعقل... وفأس يقطع اليأس... وعلامة الرجاء وتلاشى للغم.] [الصلاة عمل الملائكة... وقت جميع غير المتجسدين... والفرح المنتظر.] [لتكن طلبتك بسيطة كل البساطة، خالية من التكلف والتزويق، لأن العشار والابن الشاطر صالحا الله بكلمة واحدة.] [نستدل على منفعة الصلاة من اتفاق الشياطين على إثارة العوائق لنا في أوقات الصلاة النظامية.]

ويقول القدِّيس باسيليوس الكبير: [الصلاة ليست شيئًا نستحدثه أو نخلقه خلقًا، وإنَّما يمكن وفي جميع لحظات الحياة ومواقفها، فتصبح الحياة صلاة واحدة بلا انقطاع ولا اضطراب[27].]

جاء في الرسالة إلى ديوجنيتس: [يسير المسيحيون على الأرض بينما أحاديثهم في السماء.]

2. كيف نتمتَّع بحرية الحوار مع الله؟

يقول القديس مار إسحق السرياني: [اجلس في حضرة الله في كل لحظة من لحظات حياتك، وفكر فيه واذكره في قلبك. إن لم تفعل ذلك، فبعد فترة من الزمن، عندما تراه، لن تتحاور معه بحرية بسبب الخجل. إن حرية الحوار مع الله تتولَّد من الشركة الدائمة معه.]

3. كيف نُقَدِّم صلاة مقبولة لدى الله؟

غاية الصلاة أن تبقى العلاقة بين الله والإنسان حيَّة وفعاَّلة. لذا يجب مراعاة الآتي في صلواتنا:

‌أ.      الثقة في الله الكلي الحب للبشرية والقدرة والحكمة والمعرفة (كو 2: 2؛ جا 8: 17).

‌ب.   طلب إرادة الله في كل أمرٍ بكونه ضابط الكل "لتكن إرادتك" (مت ٦: ١٠).

‌ج.    تقديم الصلاة بقلب نقي طاهر.

‌د.     يليق أن نبدأ كل صلاة بالشكر على ما وهبه الله لنا، فإنه ليست عطية بلا زيادة إلاَّ التي بلا شكر كقول القديس مار إسحق السرياني.

‌ه.    الثقة في العبارة: "إن لم يبن الربّ البيت فباطلاً يتعب البناؤون، وإن لم يحرس الربّ المدينة، فباطلاً يتعب الحراس" (مز 127: ١).

‌و.     إدراك أن عناية الله تعمل في تفاعل مع جهاد الإنسان. فالربّ أنقذ موسى الطفل، وكافأ الله القابلتين على تجاهلهما قرار فرعون الشرير (خر 1: 20).

يقول القدِّيس باسيليوس الكبير: [للصلاة شروط كي تُستجاب، منها أن يكون طلبنا وفقًا لإرادة الله (مت 26: 39)، وأن نلتزم بالثبات واللجاجة (لو 11: 8)، وأن ندرك أن إرادة الله أن نصلح سيرتنا قبل الاستجابة (إش 1: 15)، وعدم استحقاقنا لما نطلب (1 أي 17: 4)، أو عدم استحقاق من نطلب من أجله (إر 14: 11)، وأحيانًا عدم الاستجابة تكون أفضل لنا من الاستجابة (2 كو 12:7)... أما إذا تحقَّقت كل الشروط فلا شك أن الله يستجيب صلاتنا[28].]

يقول أحد آباء البرية: [إن أراد إنسان أن يسمع الله صلاته بسرعة، فقبل أن يصلي من أجل أي شيء آخر، حتى من أجل نفسه عندما يقف ويبسط يديه نحو الله، يلزمه أن يصلي بكل قلبه من أجل أعدائه. بهذا العمل يسمع الله له في كل ما يطلبه.] [ليس من حاجة إلى أحاديث طويلة نهائيًا، إنما يكفي أن يبسط الإنسان يديه ويقول: "يا رب كما تريد، وكما تعرف ارحمني". وإذ صارت المقاومة أعنف يقول: "يا رب المعونة!" فهو يعرف ما نحتاج إليه ويظهر رحمته لنا.]

يقول الأب إسحق: [تُستجَاب صلاة الإنسان عندما يؤمن أن الله مهتم به وقادر أن يعطيه سؤاله، إذ لا يخيب قول الرب: "كل ما تطلبونه حينما تصلون فآمنوا أن تنالوه فيكون لكم" (مر ١١: ٢٤)[29].]

ويقول القديس يوحنا كاسيان: [قد تأكد تمامًا أن صلاته لن تُستجاب! من هو هذا البائس؟ الذي يصلي ولا يؤمن أنه سيحصل على جواب[30]!]

4. ما هو موقفك حين يستجيب الله صلاتك لأجل أخيك؟

يقول القديس يوحنا كليماكوس: [متى صليت لآخر، وسُمِعَت صلاتك فلا تتكبر، فان إيمان ذاك هو الذي فعل وأَيَّد.]

5. لماذا يسمح الله أحيانا بتأجيل استجابة الصلاة أو عدم الاستجابة لطلباتنا؟

يقول القدِّيس باسيليوس الكبير: [ربَّما يؤخِّر الطلبة عن عمدٍ لكي تتضاعف غيرتك ومجيئك إليه، ولكي تعرف ما هي عطيَّة الله، وتحرص عليها بشغفٍ عندما تنالها. ما يناله الإنسان بتعبٍ شديدٍ يجاهد على حفظه لئلاَّ بفقده يفقد تعبه أيضًا[31].]

ويقول القدّيس أغسطينوس: [إن كان الذي لا يرغب في العطاء (قاضي الظلم لو 18: 2)، قد أعطى بسبب اللجاجة، فكم بالأكثر يعطي ذاك الصالح وحده الذي يحثّنا على الطلب منه، والذي لا يُسَرّ عندما لا نطلب منه؟! قد يبطئ الله في العطاء لكي نُقَدِّر قيمة الأشياء الصالحة، وليس لعدم رغبته في العطاء. ما نشتاق إلى نواله بجهادٍ نفرح جدًا بنواله، أمّا ما نناله سريعًا فنحسبه شيئًا زهيدًا[32].] كما يقول: [حقًا تكون لنا طلبات لأمورٍ مُعَيَّنة عندما نكون في المسيح، وتكون لنا طلبات أخرى لأننا لا نزال في هذا العالم... لذلك إذ نثبت فيه، عندما تثبت كلمته فينا، نطلب ما نريد فيكون لنا. لكن إن كنا نسأل ولم يتحقق سؤالنا، فإن ما نسأله لا يتعلق بثبوتنا فيه، بل برغبات الجسد الملحة وضعفاته، التي ليست في المسيح، والتي لا تثبت كلمات المسيح فيها. فبخصوص كلماته، في كل الأحوال، هي تنتمي إلى تلك الصلاة التي علمنا إياها حيث نقول: "أبانا الذي في السماوات" (مت ٦: ٩). ليتنا لا نسقط من كلمات هذه الصلاة ومعانيها في طلباتنا، فكل ما نسأله يكون لنا... أما إن كانت كلماته تسكن فقط في الذاكرة، وليس لها موضع في الحياة، فلا يُحسَب الغصن ثابتًا في الكرمة، إذ لا يستمد حياته من الأصل[33].]

ويقول الأب إسحق تلميذ القديس أنبا أنطونيوس: [أحيانًا نسأل أمورًا تضاد خلاصنا، وبواسطة عنايته الإلهية يرفض طلباتنا، لأنه يرى ما هو لصالحنا بحق أعظم مما نستطيع نحن. وهذا ما حدث مع معلم الأمم عندما صلَّى أن ينزع منه ملاك الشيطان الذي سمح به الرب لأجل نفعه. "من جهة هذا تضرعت إلى الرب ثلاث مرات أن يفارقني، فقال لي: تكفيك نعمتي لأن قوتي في الضعف تُكْمَل" (2 كو 12: 8-9) [34].]

يقول البابا غريغوريوس (الكبير): [لماذا سأل بولس الرب ثلاث مرات ولم يتأهَّل أن يُسمَع له (2 كو 12: 8)؟ يطلب المسيح من المبشر العظيم أن يسأل باسم الابن؟

 لماذا لم ينل ما سأله؟ اسم الابن هو يسوع الذي يعني "الخلاص". من يسأل باسم المُخَلِّص يطلب ما يخص خلاصه الواقعي. فإن كان ما يسأله ليس لصالحه فإنه لا يطلب من الآب باسم يسوع. لهذا يقول الرب لرسله عندما كانوا لا يزالوا ضعفاء: "إلى الآن لم تطلبوا شيئًا بإسمي" (يو 16: 24). هذا هو السبب الذي لأجله لم يُسمَع لبولس. لو أنه تحرَّر من التجربة لما كان يوجد ما يعينه على خلاصه... لاحظوا طلباتكم. هل تسألون من أجل مباهج الخلاص؟ "اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرّه، وهذه كلها تزاد لكم" (مت 6: 33)[35].]

6. ما هي فاعلية الصلاة؟

أولاً: تُلهب النفس بحب الله. يقول القدِّيس باسيليوس الكبير: [الصلاة أيضًا بعد القراءة تنعش النفس وتثيرها بهمَّةٍ نحو حب الله. الصلاة صالحة، إذ تطبع فكرة واضحة عن الله في النفس، وبتذكُّر سكنى الله يقيم الله فيها. بهذا نصير هيكل الله بتذكُّرنا الدائم الذي لا تفسده الاهتمامات الأرضيَّة[36].]

يقول العلامة ترتليان: [الصلاة وحدها هي التي تغلب الله. لكن أكد السيِّد المسيح أنها لا تعمل لحساب الشر، وقد أعطاها كل فاعليتها عندما تُستخدَم للخير. فهي لا تعرف إلاَّ أن تُحَوِّل الضعفاء إلى أقوياء، وتشفي المرضى، وتحل المُقيَّدين بالأرواح الشريرة، وتفتح قضبان السجون، وتفك قيود الأبرار. كما أنها تَغسل العيوب وتُثبط التجارب، وتُطفئ نيران الاضطهاد، وتُعزي النفوس الخائرة، وتُشجِّع المطروحين، وتُرشِد المسافرين، تُهدئ الأمواج، وتُرهب اللصوص، وتُنعِش المساكين، وتَضبط الأغنياء. الصلاة تُقيم الهابطين، وتُخَلِّص الساقطين، وتُثَبِّت الواقفين.

الصلاة هي سور الإيمان. فهي تُسلحنا وتطلق سهامًا تجاه العدو المُتربِّص لنا من كل ناحية. فلن نكون عزَّل. في النهار نكون واعين بواجبنا، وفى الليل بسهرنا. وإذ نحمل سلاح الصلاة نحرس لواء قائدنا. وننتظر مصلين لبوق رئيس الملائكة. فما حاجتنا بعد إلاَّ إلى الصلاة؟ فالرب يسوع نفسه كان يصلي له المجد والكرامة من دور فدور[37].]

يقول الأب هيسيخيوس الأورشليمي: ["ليت طلباتي تأتي أمام الرب". فإن بلغت صلاتي العلا، يهلك أعدائي؛ الصديق يثبت (حك 5: 1)، الشبكة تنكسر، والعصفور إذ يتحرر يطير في حرية (مز 124: 7)؛ والمضطهدون يحنون رؤوسهم، والمضطَهَدين يفرحون (مت 5: 10-12).]

ثانيًا: تبث روح الفرح الداخلي. يقول القديس كيرلس الكبير: [إنني أؤكد أنه من واجب من يُكَرِّسون حياتهم للخدمة ألا يتراخوا في صلواتهم، ولا يحسبونها واجبًا ثقيلاً ومرهقًا، بل بالحري يفرحون من أجل الحرية التي يهبها الله لهم، فإنه يريدنا أن نتحدث معه كأبناء مع أبيهم.

ألا يُعتبَر هذا فضلاً يستحق منا كل تقدير؟ لو بلغ إلينا إنسان عظيم ذو سلطان أرضي وسمح لنا أن نتحدث معه بكامل الحرية، أما نحسب هذا سببًا لائقًا للفرح العظيم؟! فلماذا نشك إن كان الله يسمح لكل واحدٍ منا أن يوجه حديثه له كيفما شاء، مُقَدِّمًا للذين يخافونه كرامة عظيمة كهذه، يتأهَّلون لنوالها؟!

لنبطل كل كسل هذا الذي يجعل الناس يمارسون الصمت الضار عن الصلاة، ولنقترب بالحري إليه بالمديح والفرح إذ نلنا وصية أن نتحدث مع رب الكل وإله الجميع، ولنا المسيح شفيعًا يهبنا مع الآب تحقيق طلباتنا. يكتب بولس الطوباوي: "نعمة لكم وسلام من الله أبينا والرب (وربنا) يسوع المسيح" (2 كو 1: 2). بل والمسيح نفسه يقول لرسله القديسين: "إلى الآن لم تطلبوا شيئًا باسمي، اطلبوا تأخذوا" (يو 16: 24). إنه شفيعنا، إنه كفارة عنا، إنه معزينا، واهبنا كل سؤالاتنا[38].]

ويقول الأب نيلس: [الصلاة هي دواء الغم وانقباض النفس[39].] [لا تضطرب وتحزن إذا لم تحصل على طلباتك من الله... الله يريد أن يفيدك أكثر بأن يُعَلِّمك الإلحاح في الصلاة مع الصبر في الوقوف أمامه، لأنه أي شيء أسْمَى من الوقوف أمام الله في حديث معه والدخول في شركته؟[40]]

ويقول الأب هيسيخيوس الأورشليمي: [إن قدَّمت صلاتك بقلبٍ طاهر بلا لوم من جهة أي عمل غير لائق فإنك إذ تُقَدِّم تنهدات على نفسك أمام الله تصير في لقاء معه. عوض الحزن يكون لك الفرح، وعوض المصائب تنال بركات، وتكون ملامح وجهك مشرقة كماءٍ نقيٍ... ولا تعود تخاف من علل أخرى، لأن الله ينزع العلل عنك. تنال عفوًا من متاعبك، وشكرًا على الهدوء الذي يخيم عليك، ولا تخاف التجارب، فتكون كمن وجد راحة في ميناء آمن، لا تخاف الأمواج حيث لا يقدر البحر أن يُسَبِّب ضررًا.]

ثالثًا: بالصلاة تُتَمِّم الوصايا الإلهية. يقول القديس يوحنا سابا: [مفاتيح الخزائن موضوعة في أيديكم لكي تأخذوا وتعطوا، حتى تحيوا آخرين وأيضًا[41].] كما يقول: [قدّس فراشك بالصلاة ورفرفة الروح القدس عليك، فتفوح رائحة أعضائك مثل الطيب[42].] ويقول: [بالصلاة يختلط العقل بالله، بها يفتح كنوز الله ويقسم ذخائره. بها يستحق نظر مجد الله، ويكون في غمام نور عظمته داخل بلدة الروحانيين. بها يكون الإنسان مسكنًا لله. بها تتحد النفس بالمسيح، وبها تنظر إشراق مجد عظمته. بها تتقد في النفس نار محبة المسيح ويحترق القلب بالشهوة في الله، تلك الشهوة التي تحرق جميع شهوات الأعضاء. بها تبتهج النفس بالحب وتخرج من رتبتها، وينقلع العالم من قلبها[43].]

رابعًا: طرد التصوُّرات الحمقاء من الفكر. جاء في سيرة القديسة الأم سنكليتيكا الإسكندرانية Amma Syncletica of Alexandria تلميذة القديس أثناسيوس: [يجب علينا أن نُبخِّر مساكننا ببخور الصلاة المقدس. لأنه كما أنّ الأبخرة القوية تطرد المخلوقات السامة؛ هكذا أيضًا تطرد الصلاة مع الصوم التصوُّرات الحمقاء من الفكر[44].]

7. ما هي الخطوات العملية لممارسة الصلاة؟

أولاً: ركِّز أنظارك الداخلية على الله أبيك السماوي. يقول القدِّيس باسيليوس الكبير: [حين تبدأ الصلاة فلتنسَ كل خليقة منظورة وغير منظورة، وابدأ الصلاة بمدح الله خالق الكل، لذلك قيل: "فقال لهم متى صلَّيتم، فقولوا أبانا (لو 11: 2)[45]".]

ويقول القدِّيس أمبروسيوس: [لا يتسلَّق الجبال كل مُصلِّ، إذ توجد صلاة تُحسَب خطيّة (مز 104: 8). من تعلَّم الصلاة يسمو فوق الغِنَى الأرضي إلى السماوي، ويظل متسلِّقًا حتى يبلغ قمَّة الخلوَة العُليا، أما الذي يهتم بغِنَى العالم فلا يتسلَّق الجبال إنما يشتهي ما لقريبه (من السُفليَّات). من يتطلَّع إلى رفقة الله يطلب الله فيصعد، هكذا النفوس القويّة تتسلَّق الجبال. لم ينصح النبي أي شخص أن يتسلَّق الجبال إنما يقول: "على جبلٍ عالِ اصعدي يا مُبشِّرة صهيُّون، ارفعي صوتك بقوّة يا مُبشِّرة أورشليم" (إش 40: 9). تسلُّق الجبال لا يكون بالأقدام إنما بسِموّ الأعمال، فإنَّك إذ تتبَّع المسيح تصير أنت نفسك أحد الجبال التي تحيط بك (مز 125: 2)[46].] يقول القديس أوغريس: [عندما لا يتصور الذهن شيئًا من الأرضيات أثناء الصلاة، فهذا يعنى أنه قد صار قويًا.]

ثانيًا: نظم احتياجات جسمك بما يتوافق مع ساعات الصلاة.  بمعنى آخر لتكن للصلاة الأولوية عن احتياجات الجسد. يقول القدِّيس باسيليوس الكبير: [عندما تجلس لتتناول الطعام لتقوت جسمك، لا تترك المائدة قبل أن تشبع احتياجاتك إلا نادرًا، لسبب طارئ مستعجل، ولا تكن مستعدًا لفعل هذا. كم بالأكثر يلزمك أن تبقى تتمتَّع بالقوت الروحي وتقوي نفسك بالصلاة، لأن النفس أسمى من الجسم، والسماء أعلى من الأرض، والسماوات فوق الأرضيات. النفس هي أيقونة السماء، لأن الرب يسكن فيها، وأما الجسم فهو صورة الأرض، التي يعيش عليها الناس القابلين للموت والحيوانات غير العاقلة. نظِّم احتياجات جسمك بما يتوافق مع ساعات الصلاة، ولتكن مستعدًا أن توقف المجادلات التي تسحبك بعيدًا عن حفظ قانونك. فإن هذا هو الطريق الذي به تجعلنا الشياطين نتغيب في وقت الصلاة بحجة أنه يوجد سبب لائق لغيابنا، وبهذا تسحبنا بما يبدو معقولاً بعيدًا عن الصلاة المُنقذة. لا تُقَدِّم أعذارًا، قائلاً: "آه، رأسي! آه، معدتي!"، مدعيًا بوجود أسباب غير منظورة لألم لا وجود له... من أجل نوال راحة. بالحري ثابر على الصلاة السرية فإن الله يراها في الخفاء، ويجازيك عنها علانية (مت 6: 18)[47].]

ثالثًا: لتنطق في الكنيسة بما يمجد الله ولا تكون ثرثارًا مع إخوتك. يقول القديس باسيليوس الكبير: ["السماوات تحدث بمجد الرب" (مز 19: 1). يقتصر عمل الملكة (النفس البشرية) على تمجيد الله، ويقتصر عمل الجنود السمائيون أن يعطوا مجدًا للخالق. كل الخليقة الناطقة أو غير الناطقة، الأرضية أو السماوية، تُمَجِّد خالقها.

أولئك الذين يتركون منازلهم للاجتماع في الهيكل (بحياة غير مقدسة) يستحقون الشفقة، لأنهم لا يستمعون لكلام حق، ولا يقيمون نفوسهم على ضوئها. لقد سبتهم الخطية دون أن يتأثروا، لا يتألمون بسبب خطاياهم التي يتذكرونها، ولا يخشون الدينونة، لكنهم يتصافحون مع بعضهم، ويجعلون من بيت الصلاة مكانًا للثرثرة، محتقرين قول المزمور "في هيكله الكل قائل مجد" (مز 29: 9).

أما أنت، فلم تكتفِ بعدم إعطاء المجد لله في هيكله، بل زدت على ذلك مضايقة الآخرين. تريد أن تجذب اهتمام الآخرين نحوك، وبالضوضاء الذي يصدر عنك تمنعهم من الاستماع لتعليم الروح.

انتبه إذن لئلا تكون نهايتك مثل نهاية الذين يُجَدِّفون على اسم الله!... ما هي الطريقة التي بها تمجد الله؟... ليت لسانك يترنَّم، وليت فكرك يفحص الكلمات التي تقولها حتى تترنم بالروح والذهن (1 كو 14: 14). فالله لا ينقصه المجد، لكنه يريدك أنت! يريدك أن تكون أهلاً أن تُمَجِّده! فالذي يزرعه الإنسان إياه يحصد أيضًا (غل 6: 7). ليتك تزرع لمجد الله فتحصد الأكاليل والكرامة والتسبيح في ملكوت السماوات.

في هيكله الكل قائل مجد" (مز 29: 9). لم تأت هذه الكلمات من فراغ، لأن في هيكل الرب يوجد الذين يثرثرون بلا توقُّفٍ. وجودهم في الهيكل باطل. ليس باطلاً فقط بل وسبب في دينونتهم[48].]

رابعًا: كن جادًا في الصلاة بإيمان واهرب من تشتيت الفكر. يقول القدِّيس باسيليوس: [يليق بنا أن نسأل العون الإلهي لا بكسلٍ ولا بفكر مشتَّت هنا وهناك، فإن إنسانًا كهذا ليس فقط لا ينال ما يسأله، بل بالحري يُغضِب الله، لو أن إنسانًا يقف أمام رئيس تكون عيناه ثابتتين في الداخل والخارج حتى لا يتعرَّض للعقوبة، فكم بالحري يليق بنا أن نقف أمام الله بحرص ورعدة؟ لكنك إن كنت تُثار بخطيَّة ما، فلا تقدر أن تُصلِّي بثبات بكل قوِّتك. راجع نفسك حتى متى وقفت أمام الله تُركِّز فكرك فيه، والله يغفر لك، لأنك ليس عن إهمال بل عن ضعف لم تستطع أن تظهر أمامه كما ينبغي. إن ألزمت نفسك بهذا فإنك لا تتركه حتى تنال. فإن لم تنل ما تسأله يكون ذلك لأن سؤالك غير لائق أو بغير إيمان، أو لأنك قدَّمته باستهانة، أو تسأل أمورًا ليست بصالحك، أو لأنك تركت الصلاة. كثيرًا ما يسأل البعض لماذا نصلِّي؟ هل يجهل الله ما نحتاج إليه؟ أنه بلا شكٍ يعرف ويعطينا بفيض كل الزمنيَّات حتى قبل أن نسألها، لكن يجب علينا أولاً أن نطلب الصالحات وملكوت السماوات، عندئذ ننال ما نرغب لنسأل بإيمان وصبر، نسأل ما هو صالح لنا، ولا نعوق الصلاة بعصيان ضميرنا[49].]

يقول القديس كيرلس الكبير: [من واجبنا أن نُصَلِّي بلا انقطاعٍ ككلمات الطوباوي بولس (1 تس 5: 7)، وكما هو معروف لنا حسنًا ومؤكد لنا ان ذاك الذي نقدم له سؤلاتنا قادر أن يحقق لنا كل شيء. لقد قيل: "ليطلب بإيمان غير مرتاب البتة، لأن المرتاب يشبه موجًا من البحر تخبطه الريح وتدفعه، فلا يظن ذلك الإنسان أنه ينال شيئًا من عند الرب" (يع 1: 6-7). فمن هو مرتاب يرتكب بالحق سخرية، فإن كنت لا تؤمن أنه يقترب إليك ويبهجك ويتمم طلبتك لا تقترب إليه بالكلية، لئلا تُوجد متهمًا القدير بكونك في غباوة مرتابًا. إذن لنتجنَّب هذا المرض الدنيء (الارتياب).

الله ينصت للذين يقدمون له صلواتهم لا بتراخٍ أو إهمالٍ بل بجديةٍ واستمرارية، هذا ما يؤكد لنا المثل الماثل بيننا. فإن كان مجيء الأرملة المظلومة قد غلب القاضي الظالم الذي لا يخاف الله ولا يهاب إنسانًا، حتى وهبها طلبتها بغير إرادته (لو 18: 1-8)، أفليس ذاك الذي يحب الرحمة ويكره الظلم، الذي يمد يده على الدوام لمحبيه، يقبل الذين يقتربون إليه ليل نهار، وينتقم لهم بكونهم مختاريه؟[50]]

خامسًا: سَلِّم الأمر في يدّ الله. يرى القديس أغسطينوس أن سرّ استجابة الله لصلوات داود وإعطاء أذنيه لكلام فمه هو تسليم الأمر بين يدي الله، تاركًا القرار بين يديه، إذ يقول: [أنت مريض، فلا تملي على الطبيب الأدوية التي يختارها لك. إن كان مُعَلِّم الأمم، بولس الرسول، يقول: "لأننا لسنا نعلم ما نصلي لأجله كما ينبغي" (رو 26:8)، فكم بالأكثر يكون حالنا نحن؟!] كما يقول: [ليت المريض لا ينسحب من بين يدي الطبيب، ليته لا يُقَدِّم مشورة للطبيب. ليكن الأمر هكذا في كل الأمور الزمنية.]

سادسًا: لنطلب بالإيمان لا بالجدال. يقول القديس أغسطينوس: [الأثر الكامل للإيمان هو هذا: يجعلنا نسأل فنأخذ، نطلب فنجد، نقرع فيُفتَح لنا. بينما الإنسان الذي يجادل، يغلق باب رحمة الله أمام نفسه[51].]

سابعًا: لنطلب أن نقتني الله نفسه لا الزمنيات. الصلاة، في ذهن القديس أغسطينوس، هي لغة شوق النفس نحو الله. هي ترجمة لاشتياق القلب. إنه يقول: [الصلاة هي بلوغ العقل المملوء حبًا إلى الله، إنها تشغل الذهن والقلب، الفكر والرغبة، المعرفة والحب. الحياة الكاملة للمسيحي الصالح هي رغبة مقدسة[52].] [وآسفاه. إنه من السهل أن تطلب أشياء من الله ولا تطلب الله نفسه، كأن العطية أفضل من العاطي[53].] كما يقول: [أيها الإنسان الطمَّاع، ماذا تطلب؟ إن كنت تطلب شيئًا آخر، ماذا يشبعك إن كان الله نفسه لا يشبعك[54]؟] كما يقول: [عندما تسألون أمورًا زمنية لا تسألون شيئًا. "من يشرب من هذا الماء يعطش أيضًا" (يو ٤: ١٣)... اسألوا ما يشبعكم! تحدَّثوا بلغة فيلبس: "يا رب أرنا الآب وكفانا" (يو ١٤: ٨). قال له الرب: أنا معكم كل هذا الزمان ولم تعرفني؟ من رآني يا فيلبس، فقد رأى الآب أيضًا" (يو ١٤: 9 Vulgate). قدم تشكرات للمسيح الذي صار ضعيفًا لأجلكم لأنكم ضعفاء، ولتكن رغباتكم معدة لإدراك لاهوت المسيح لكي تشبع به[55].]

وأيضًا يقول: [قوله: "كل ما طلبتم (من الآب باسمي يعطيكم يو 16: 23)" يجب ألا يُفهَم أنه أي طلب كان، بل أي شيء يكون بالحقيقة له علاقة بالحياة المطوَّبة. وما جاء بعد ذلك: "إلى الآن لم تطلبوا شيئًا باسمي" يُفهَم بطريقتين: إما أنكم لم تطلبوا باسمي، إذ لم تعرفوا اسمي بعد كما يجب، أو أنكم لم تطلبوا شيئًا، إن قورن بما يجب أن تطلبوه، فما تطلبونه يُحسَب كلا شيء[56].]

[الله لا يمنع محبة هذه الأشياء بل أن نجد سعادتنا في حُبِّنا لها. يليق بنا أن نجعل حب خالقنا هو غاية تقديرنا لهذه الأشياء... فالمهر يُقَدَّم للمخطوبة لكي في مهره لها تحبه هو. هكذا يعطيك الله كل شيء، فلتحب ذاك الذي صنعها[57].] [لا تطلب شيئًا من الله، بل عطية ذاته لك[58].]

[أن تترجَّى الله من الله، هذا هو أن تحب الله صاحب النعمة[59].] [ليس بعدل يُحب ما يأتي من الله إن كان الله نفسه يُنسى بسببه[60].] [لا تجد شيئًا يقدمه لك أفضل من ذاته، لكن إن كنت تجد ما هو أفضل منه اطلبه بكل وسيلة[61].] [هل لا يوجد لدى الله مكافأة؟ لا توجد إلا عطية ذاته![62]]

[ليتنا لا نكون مجاهدين في الحوار وكسالى في صلواتنا (عنهم). لنصلِ أيها الأعزاء المحبوبين، لنصلِّ لكي يعطينا الله النعمة، حتى لأعدائنا وبالأخص عن إخوتنا والمحبوبين[63].] ["عينا الرب نحو الصديقين وأذناه إلى صراخهم" (مز 34: 15)... ربما تقول: لقد صرخت إليه، ولكني لازلت في محنة. فقط تمسَّك بطرقه، وعندما تكون في محنة يسمع لك. هو طبيب، ويُقَدِّم لك نوعًا من التطهير. إنك تصرخ، لكنه يبقى يقطع ولا يرفع يده حتى يقطع حسب مسرته. فإن الطبيب الذي يسمع للشخص ويتوقَّف عن أن يجرح ويطهر إنما هو قاسي. الأمهات تواصلن في استحمام أطفالهن من أجل صحتهم. أما يصرخ الأطفال بين أياديهن؟ هل هؤلاء قاسيات لأنهن لا يتوقفن ولا يبالين بدموع أطفالهن. ألسن مملوءات حنانًا؟... هكذا فان الله أيضًا مملوء حبًا، لكنه يبدو كمن لا يسمع. إذ لا يتوقَّف حتى يشفينا أبديًا. ربما يقول الشرير، إنني أفعل الشرّ وأنا في أمان، لأن عيني الرب ليست نحوي، إنما الرب يصغي للأبرار، وليس لي، أفعل ما أريد وأنا في أمان. إذ يرى الرب أفكار البشر قيل: "وجه الرب ضد عاملي الشر، ليقطع من الأرض ذكرهم" (مز 34: 16؛ 1 بط 3: 12)[64].

[خلقتنا لك يا رب، ولن تستقر قلوبنا حتى تستريح فيك[65].]

["تقول للرب: ملجأي وحصني، إلهي فأتكل عليه" (مز 2:91). من الذي يقول هكذا للربّ؟ "الساكن في ستر العلي"، وليس في ستره هو. من هو هذا الذي يسكن في ستر العلي؟ ذاك الذي لا يتكبر مثل هذين اللذين أكلاً (من شجرة معرفة الخير والشر) ليصيرا إلهين، ففقدا خلودهما الذي خُلِقا عليه. لقد اختارا أن يسكنا في سترهما، لا في ستر العلي. هكذا أنصتا إلى مشورة الحية (تك 5:3)، واستخفَّا بوصية الله، وأخيرًا اكتشفا أن ما هدَّد به الله تحقَّق فيهما وليس وعد الشيطان لهما. لذلك لتقل أنت أيضًا: "عليه أتكل، فهو ينجيني، ولست أنا أنجي نفسي[66].]

ثامنًا: صلِ من أجل الأخرين. يقول القدِّيس أغناطيوس الثيوفورُس: [بالصلاة من أجل الآخرين: [صلّوا بلا انقطاع من أجل الآخرين فإنّه يُرجى فيهم التوبة ليبلغوا إلى الله[67].]

8. هل يجوز لنا أن نطلب التعرُّض لضيقات جسدية؟

يقول القدِّيس باسيليوس الكبير: [لا يليق بنا أن نطلب الضيقات الجسديَّة في صلواتنا، إذ يأمر المسيح البشر بوجه عام أن يصلُّوا كي لا يدخلوا في تجربة، لكن إن دخل أحد فعلاً، فيلزمه أن يطلب من الرب قوَّة احتمال لتتحقَّق فينا الكلمات: "الذي يصبر إلى المنتهي فهذا يخلُص" (مت 10: 22)[68].]

9. لماذا نصلِّي؟ هل يجهل الله ما نحتاج إليه؟

يقول القدِّيس باسيليوس الكبير: [إنه بلا شك يعرف (ما نحتاج إليه) ويعطينا بفيض كل الزمنيَّات حتى قبل أن نسألها، لكن يجب علينا أولاً أن نطلب الصالحات وملكوت السماوات، عندئذ ننال ما نرغب فيه. لنسأل بإيمانٍ وصبرٍ، نسأل ما هو صالح لنا، ولا نعوق الصلاة بعصيان ضميرنا[69].]

10. هل من ضرورة للصلاة الجماعية؟

يشعر المؤمن أنه يشترك مع إخوته في الصلاة، حتى وهو في حجرته الخاصة، فيصلي من كل البشرية، كما يطلب صلواتهم عنه. يكتب القدِّيس باسيليوس لإحدى الأرامل: [تذكري الله. احفظي مخافته في قلبكِ، وجنَّدي كل بشرٍ ليرتبطوا بكِ في صلواتك، إذ عظيمة هي معونتهم وقادرة أن تُحَرِّك الله بلجاجتهم[70].]

يقول القديس أمبروسيوس: [إن كان الرب يقول إنه إذا اتّفق اثنان معًا على الأرض في أي شيء يطلبانه يُعطَى لهما (مت 18: 19)... فكم بالأكثر إن اجتمعت كل الجماعة معًا باسم الرب؟![71]] كما يقول: [آمن أن الرب يسوع حاضر عند اِستدعاء الكاهن، إذ يقول: "حينما اجتمع اثنان أو ثلاثة أكون في وسطهم" (مت 18: 20)، فكم بالأكثر إن اجتمعت الكنيسة وأُقِيمَت الأسرار يهبْنا حضوره؟![72]]

11. هل الإطالة في وقت الصلاة مفيد؟

يقول القديس أغسطينوس: [إنه ليس خطأ ولا بالأمر غير نافع أن نقضي وقتًا طويلاً في الصلاة، إن كان الوقت فيه عدم التزام بعمل، وليس فيه إعاقة عن الأعمال الصالحة والضرورية نلتزم بها.]

12. ماذا يقصد السيد المسيح بقوله: اسألوا، اطلبوا، اقرعوا (لو 11: 9)؟

يقول القدّيس أغسطينوس: [لكي تفهم ما يقصد بالسؤال والطلب والقرْع، نفترض وجود رجل أعرج، فمثل هذا يُعطَى له أولاً الشفاء، أي القدرة على المشي، وهذا ما قصده الرب بالسؤال. ولكن ماذا ينتفع بالمشي أو حتى بالجري إن استخدمه في طريق منحرف؟ لذلك فالخطوة التالية هي أن يجد الطريق المؤدّي إلى الموضع المطلوب... وهذا ما قَصده بالطلب. لكن ما المنفعة إن صار قادرًا على المشي وعرف الطريق، بينما كان الباب مغلقًا... لهذا يقول: "اقرعوا"[73].]

ويقول الأب دوروثيؤس [إن طلبنا نجد، وإن سألنا نأخذ، فقد جاء في الإنجيل: "اسألوا تعطوا، اطلبوا تجدوا، اقرعوا يفتح لكم" (مت 7:7). لقد قيل: "اسألوا"، أي نطلب من اللّه بالصلاة حتى يعيننا. "اطلبوا" تعنى أنه بتعلمنا عن مصدر الفضيلة وكيفية نوالها نجاهد طالبين إياها. أما "اقرعوا" فتعنى ممارسة الوصايا. لأن من يقرع يستخدم يديه. واليدان يعينان العمل. هكذا يلزمنا لا أن نسأل فقط بل ونطلب ونعمل مجاهدين، كقول الرسول: "تزدادون في كل عمل صالح" (2 كو 8:9؛ راجع 2 تى 17:3)، بمعنى أن نكون مستعدين بالكامل لتنفيذ إرادة اللّه كما يريد هو وكما يُسرّ.]

يقول القدِّيس ساويرس الأنطاكي: [ربَّما يعني بكلمة "اِقرعوا" اُطلبوا بطريقة فعّالة، فإن الإنسان يقرع باليد، واليد هي علامة العمل الصالح. وربَّما التمايز بين الثلاثة يكون بطريقة أخرى، ففي بداية الفضيلة نسأل معرفة الحق، أما الخطوة الثانية فهي أن نطلب كيف نسلك هذا الطريق. والخطوة الثالثة عندما يبلغ الإنسان الفضيلة يقرع الباب ليدخل حقل المعرفة المُتَّسعة. هذه الأمور الثلاثة كلها يطلبها الإنسان بالصلاة. وربَّما "يسأل" تعني "يصلِّي"، و"يطلب" تعني "يُصلِّي بواسطة الأعمال الصالحة التي نمارسها بطريقة تتناسب مع صلواتنا"، و "نقرع" تعني الاستمرار في الصلاة بلا انقطاعٍ.]

13. ماذا يعني السيد المسيح بأن يسأل الابن خبزًا أو سمكةً أو بيضةً؟

يقول السيد: "فمن منكم وهو أب يسأله ابنه خبزًا، أفيعطيه حجرًا؟ أو سمكة، أفيعطيه حيَّة بدل السمكة؟ أو إذا سأله بيضة، أفيعطيه عقربًا؟ فإن كنتم وأنتم أشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيِّدة، فكم بالحري الآب الذي من السماء يعطي الروح القدس للذين يسألونه؟" (لو 11: 11-13)

يرى القدِّيس أغسطينوس أن الخبز هو المحبَّة، والسمكة هي الإيمان، والبيضة هي الرجاء، فإننا نطلب من أبينا السماوي أن نحب ونؤمن ونترجَّى. إنه يقول: [يعني بالخبز المحبَّة، إذ هي أعظم ما نرغبه، وهي ضروريَّة، بدونها يُحسَب كل شيء آخَر كلا شيء، كمائدة بلا خبزٍ. أما عكس المحبَّة فهي قسوة القلب تُقارَن بالحجر. أما بالنسبة للسمكة فهي تشير إلى الإيمان بالأمور غير المنظورة، هذه التي ننالها خلال مياه المعموديَّة دون أن تراها عين. ومن جانب آخر فإن الإيمان كالسمكة، يُهاجَم بأمواج العالم ولا يهلك، أما ضدَّها فهي الحيَّة بسبب سُم الخداع حيث بإغرائها الشرِّير ألقت بذارها في الإنسان الأول. أما البيضة فيُفهَم بها الرجاء، لأن البيضة وهي الأصغر لم يتشكَّل فيها (الطائر) بعد لكننا نترجَّى ذلك. ضد البيضة العقرب التي بلدغتها السامة ترد الإنسان إلى خلف مرتعبًا، عكس الرجاء الذي يطلقنا إلى قدَّام فوق الأمور التي أمامنا[74].]

14. ما هي أنواع الصلاة؟

يقول القديس أفراهاط: [الآن أعرض لكم ظروف الصلاة المختلفة: الطلبة والشكر والتسبيح.

في الطلبة تسأل الرحمة لأجل الخطايا، وفي الشكر تقدِّم الشكر لأبيك السماوي. وفي صلاة التسبيح تُسَبِّح الله لأجل أعماله. عندما تكون في الضيق قَدِّم طلبة لله. وعندما يعطيك الله عطايا صالحة فلتشكر العاطي. وعندما يتهلَّل ذهنك قَدِّم لله التسبيح.

لذلك قَدِّم هذه الصلوات بتمييز إلى الله. اُنظر إلى داود عندما كان يقول دائمًا: "في منتصف الليل أقوم لأحمدك على أحكام برّك" (مز 119: 62). وفي مزمور آخر يقول داود: "هلِّلويا سبِّحوا الرب من السماوات سبِّحوه في الأعالي" (مز 148: 1). وفي مزمور آخر: "أبارك الرب في كل حين. دائمًا تسبحته في فمي" (مزمور 34: 1)، لذلك لا تستعمل نوعًا واحدًا من الصلاة، ولكن استخدم كل الأنواع في أوقات متفرِّقة[75].]

15. كيف يطلب الشهداء الانتقام ممن اضطهدوهم؟

يقول القديس أغسطينوس: إننا نجد أيضًا الشهداء في رؤيا يوحنا (6: 10) يطلبون الانتقام مع أنه طُلِب منا صراحةً أن نُصَلِّي لأجل أعدائنا ومُضطهدينا... لنفهم أن الشرير يهلك بطريقين: إما بتحوُّلِه إلى البرّ (فيهلك شرّه) أو بمعاقبته إن فقد فرصة التوبة. فإنه حتى لو تحوَّل كل البشر إلى الله فسيبقى الشيطان مُدانًا حتى النهاية. إذن فالأبرار يطلبون الحياة العتيدة، وليس باطلاً يسألون النقمة[76].]

16. لماذا يطلب منا ألا نُكَرِّر الكلام باطلاً حينما نصلي (مت 6: 7)؟

يقول القدِّيس أغسطينوس: [لقد نهانا ربُّنا عن كثرة الكلام، حتى لا تقدَّم له كلمات كثيرة كما لو كنَّا نُعَلِّمه بكلامنا. لذلك لا تحتاجون في الصلاة إلى الكلام، بل إلى التقوى. "لأن أباكم يَعْلَم ما تحتاجون إليه قبل أن تسألوه" (مت ٦: ٨)، ولئلا يشك أحد فيقول: إن كان الله يَعْلَم ما نحتاج إليه فما الداعي إلى الصلاة سواء كانت بكلمات كثيرة أو قليلة؟! نعم إنه يعلم كل ما نحتاج إليه، ولكنَّه يريدكم أن تصلُّوا حتى يهبكم حسب اشتياقكم، فلا تستخفُّوا بعطاياه، ناظرين إلى أنه قد وضع فينا هذه الصلاة لتكون أساسًا ونموذجًا لاشتياقاتنا، فلا نطلب شيئًا غير ما ورد فيها.]

17. ما هي أفضل طلبة نسألها من الله؟

يقول القدّيس أمبروسيوس: [لم يجد الرسول شيئًا أفضل يتمنَّاه لنا أكثر من هذا، إذ يقول: "لم نزل مصلين وطالبين لأجلكم أن تمتلئوا من معرفة مشيئته في كل حكمة وفهم روحي، لتسلكوا كما يحق للرب". لقد عَلَّمنا أن هذه هي مشيئة الله إنه بسلوكنا في أعمال وكلمات ومشاعر صالحة نمتلئ بمشيئة الله الذي يضع روحه القدوس في قلوبنا[77].]

18. هل نطلب الانتقام من الهراطقة؟

يقول القديس كيرلس الكبير: [ربما يقول قائل: هوذا المسيح يقول لرسله القديسين: "أحبوا أعدائكم، صلوا لأجل الذين يسيئون إليكم" (مت 5: 44؛ لو 6: 27)، فكيف نصرخ ضدهم (نطلب النقمة) دون أن نحتقر الوصية الإلهية؟... عندما تُرتكَب معاصي ضدنا شخصيًا، فلنحسب ذلك مجدًا لنا أن نغفر لهم، فنمتلئ حبًا مشتركًا، ونقتدي بالآباء القديسين، حتى وإن ضربونا أو سخروا بنا. نعم حتى وإن مارسوا كل أنواع العنف ضدنا، إذ يليق بنا أن نتحرَّر من كل عيب، ونسمو فوق الغضب والحقد. مثل هذا المجد يليق بالقديسين ويفرح الله. ولكن إن كانت خطية مُوَجَّهة ضد مجد الله (كالبدع والهرطقات ومقاومة الكرازة بالحق)، فلنقترب من الله ونسأله معونته ونصرخ ضد مقاومي مجده، كما فعل العظيم موسى، إذ قال: "قم يا رب، فلتتبدد أعداؤك، ويهرب مبغضوك من أمامك" (عد 10: 35). كذلك الصلاة التي نطق بها الرسل القديسون... "انظر إلى تهديداتهم"، بمعنى أبطل مقاومتهم وهب لعبيدك الحرية أن ينطقوا بكلمتك[78].]

19. لماذا صلى السيد المسيح؟

يقول القديس كيرلس الكبير: [إن كان السيِّد له كل الصلاح بفيضٍ، فلماذا يصلِّي مادام كاملاً ولا يحتاج إلى شيء؟ نُجِيب: يليق به حسب تدبير تجسُّدِه أن يمارس العمل البشري في الوقت المناسب. فإن كان قد أكل وشرب فبحق اعتاد أن يصلِّي، مُعَلِّمًا إيَّانا ألا نكون متهاونين في هذا الواجب، بل بالأحرى مجتهدين وملتهبين في صلواتنا[79].]

كما يقول: [كل ما عمله المسيح لبنياننا ولفائدة المؤمنين باسمه. فلم يقم المسيح بشيء ما، إلا ليُقَدِّم نموذجًا ساميًا للحياة الروحيّة حتى نعبده عبادة حقيقيّة. والآن فلندرس المثال الحيّ الذي قَدَّمه المسيح لنا عند التماس أمر من الإله العلي. يجب أن نُصَلِّي في الخفاء، فلا يرانا أحد. "فمتى صلَّيت فادخل إلى مخدعك" (مت 6: 6). ليس الغرض من الصلاة طلب المجد والظهور، بل يجب عندما نقف "رافعين أيادي طاهرة" (1 تي 2: 8) أن نصعد إلى السماء إلى مسكن الله مُتَّخِذين مكانًا هادئًا لنكون في معزل عن ضوضاء العالم وهمومه ومتاعبه، ولنعمل كل هذا بنشاطٍ وسرورٍ، لا بقلقٍ وتعبٍ. لنقم بذلك بشوقٍ وغيرةٍ وصبرٍ جديرٍ بالثناء والإعجاب لأنكم تقرأون أن المسيح لم يُصَلِّ فحسب بل مضى الليل كله في الصلاة... مع أنه مولود من الله الآب وتواضع إلى حدِ إخلاء نفسه من أمور عدة، حتى يكون أخًا وشبيهًا بنا في كل شيء ما عدا الخطيّة. شاركنا المسيح في الطبيعة البشريّة ولطَف بنا، فهو لا يزدرى بنا وبطبيعتنا، بل أخذ شبهنا لنقتفي خطواته وننسج على منواله[80].]

ويقول القدّيس كبريانوس: [إن كان الذي بلا خطيّة صلَّى، فكم بالأكثر – يليق بالخطاة أن يصلوا؟! وإن كان السيِّد يُصَلِّي على الدوام ساهرًا الليل كله بطلبات غير منقطعة، فكم بالحري يليق بنا أن نسهر نحن كل ليل في صلاة مستمرَّة متكررة؟! لا يُصَلِّي الرب أو يطلب عن نفسه، إذ ماذا يطلب ذاك الذي بلا خطيّة؟! إنه يطلب عن خطايانا كما أعلن عندما قال لبطرس: "... طلبت من أجلك لكي لا يفنى إيمانك" (لو 22: 31)[81].] كما يقول: [إن كان قد تعب وسهر وصلَّى من أجلنا ومن أجل خطايانا، فكم بالحري يلزمنا نحن أن نصلي على الدوام، نصلي ونتوسَّل إلى الرب نفسه وخلاله لنرضي الآب. لنا الرب يسوع المسيح إلهنا محامٍ وشفيع من أجل خطايانا، إن كنا نتوب عن خطايانا الماضيّة ونعترف مُدرِكين خطايانا التي بها عصينا الرب، وننشغل بالسلوك في طرقه ومخافة وصإيَّاه[82].]

20. كيف ننال الحكمة والفهم لتدبير حياتنا؟

يقول القديس يوستين الشهيد: [صلِّ قبل كل شيءٍ أن تُفتَح لك أبواب النور، فإن هذه الأمور لا يمكن أن تُدرَك أو تفهم بواسطة الكلٍ، وإنما للإنسان الذي يمنحه الله ومسيحه الحكمة.]

يقول القديس ديونسيوس الأريوباغي: [يلزم قبل أي عمل، خاصة إن كان الأمر إلهيًا، أن نبدأ بالصلاة.]

21. هل من حاجة للجهاد؟

يقول القديس أوغريس: [إن كنت لم تنل موهبة الصلاة أو التسبيح كن لجوجًا فتنلْ... لا تمِل من الانتظار، ولا تيأس من عدم نوالك، لأنك ستنال فيما بعد[83].] [اِعلم أن الملائكة القدّيسين يدفعوننا إلى الصلاة، ويقفون إذ ذاك إلى جانبنا فرحين مصلِّين من أجلنا، فإذا تكاسلنا مُتقبِّلين أفكارًا غريبة نغيظهم كثيرًا، لأننا بينما هم يحاربون عنَّا بهذه القوّة، لا نريد نحن حتى التضرع إلى الله من أجل أنفسنا، بل نعرض عن خدماتهم، ونبتعد عن الرب إلههم لنذهب إلى الشيَّاطين الأدناس[84].] [بالصلاة الحقيقية يصير الراهب ملاكًا آخر، إذ يتوق لرؤية وجه الآب في السماوات في غيرة متقدة[85].]

22. هل نكتفي بالصلاة ولا نهتم بالدراسة؟

يقول الأب دوروثيؤس: [إن كنت تريد أن تكون للأفكار المقدسة بالإيمان عمل هادئ وقت الضرورة لمقاومة الحركات والأفكار والمشاعر الشريرة، ادرسها جيدًا فغالبًا ما تتغلَّب عليها في عقلك، وأنا لي إيمان في اللّه أنك ستجد سلامًا.] [كذلك أدمج صلاتك بالدارسة. حاول أن تتقدَّم في هذا حتى تقدر أن تحتمل لحظة الألم الجسدي أو الروحي بدون حزن ولا ضيق بل بصبر.]

23. ما هو ارتباط الصلاة بالقلب النقي؟

عُرِف البابا غريغوريوس (الكبير) بحُبِّه لكتابات آباء الشرق مثل القديسين أثناسيوس وكيرلس الكبير، وقد شكَّل مجموعة لديه للترجمة من اليونانية إلى اللاتينية. إنه يقول: [الآن إذ نمسح بالكامل هاتين الاثنتين (إثم اليد والظلم الذي في الخيمة)، نرفع وجوهنا بلا لومٍ لله. لأن النفس هي وجه الإنسان الداخلي، به نعرف خالقنا بالحب وبه ننظره. الآن رفع هذا الوجه عينه هو رفع النفس لله بممارسة الصلاة. أما الوصمة التي تفسد رفع الوجه فهي نية العمل... فإنها (النفس) في الحال تتحطَّم، وتفقد كل ثقة في الرجاء. وحينما تنشغل بالصلاة تلتصق بتذكر الخطية التي خضعت لها. تفقد الثقة في نوال ما تشتاق إليه، فتحمل في الذهن الرفض المستمر لممارسة ما تسمعه من الله. لذلك يقول يوحنا: "أيها الأحباء إن لم تلمنا قلوبنا، فلنا ثقة من نحو الله، ومهما سألنا ننال منه" (1 يو 3: 21-22). ويقول سليمان: "من يُحَوِّل أذنه عن سماع الشريعة فصلاته أيضا مكرهة" (أم 28: 9). فإن قلبنا يلومنا في تقديم صلواتنا عندما نتذكَّر أنها تقف ضد وصاياه.]

[بالنسبة للذين يحسبون وصايا الرب كلا شيء، يُقَدِّمون صلوات ولا يسمع الرب لهم قط. لذلك مكتوب: "من يصم أذنه عن سماع الناموس، فصلاته تكون رجسة" (أم 28: 9). مادام أليفاز يعتقد أن الطوباوي أيوب لم يُسمَع له، فإنه يصمم أنه قد مارس خطأ ما.]

[الله في عدله يرفض المعصية، ولا يَقْبَل الإثم (أي 17:14)، لكنه إذ يُدَبِّر الخلاص، يشتاق إلى الإنسان عمل يديه. في وسط الشدة يصرخ أيوب إلى الله، وكأن الله لا يسمع له، أما إذ يحين وقت القيامة، فالله يدعوه أن يقوم فيستجيب أيوب، يلتقي مع الله الذي يشتهي إلى عمل يديه، حيث يحمل أيوب انعكاس بهاء مجد الله عليه.]

["تسألني، فأُجيبك"... مادمنا نخضع للفساد لا نجيب خالقنا بأية وسيلة، متطلعين إلى أن الفساد بعيد عن عدم الفساد، وليس من تشابه يليق بإجابتنا. أما عن هذا التغير فقد كُتِب: "عندما يظهر نصير مثله، لأننا سنراه كما هو" (١ يو ٣: ٢). بالحقيقة سنجيب الله، الذي يدعو، لدى الأمر "بعدم الفساد الأسمى"، نقوم في عدم فسادٍ. ولأن المخلوق لا يقدر أن يتأهَّل لذلك بنفسه، إنما يتحقَّق هذا بعطية الله القدير وحده، وهو أن يتغيَّر إلى مجد عدم الفساد الفائق، لذلك بحق أضاف: "ستبسط يمينك لعمل يديك". وكأنه يقول بكلماتٍ واضحة: لهذا السبب مخلوقك القابل للفساد قادر أن يُمسك في عدم الفساد (1 كو 15: 53)، لأنه يرتفع بأيدي سلطانك، ويُحفظ بنعمة اهتمامك. فإن المخلوق البشري، بهذا وحده، بكونه مخلوقًا، يرث في ذاته الانهيار إلى أسفل مما هو عليه، لكن الإنسان ينال من خالقه أن يلتزم بأن يرتفع إلى ما هو أعلى منه وذلك بالتأمل، ويمسك في نفسه عدم الفساد. إنه يرتفع إلى الرسوخ في عدم التغير وذلك بيمين خالقه.

من يقدر أن يُقَدِّر سخاء الرحمة الإلهية، أن يحضر الإنسان بعد الخطية إلى علو مجدٍ كهذا؟ الله يضع في اعتباره الأمور الشريرة التي نفعلها، ولكن برأفته يغفرها في رحمة. وهكذا أضيف: "الآن تحصي خطواتي، وتصفح عن خطاياي" (أي 14: 1).]

24. ما هي الغاية النهائية للصلاة؟

أولاً: الغاية النهائية للصلاة هي الشركة الكاملة مع العريس السماوي، وكما يقول القديس مقاريوس الكبير: [إن العذراء المخطوبة لرجل تقبل منه هدايا كثيرة قبل الزواج: جواهر وملابس وأواني ثمينة، ولكنها لا تقتنع ولا ترضى بكل هذه الهدايا إلى أن يأتي يوم العُرْسِ الذي فيه تصير واحدًا معه، كذلك أيضًا، النفس المخطوبة كعروس للعريس السماوي فإنها تنال منه كعربون من الروح مواهب شفاء أو معرفة أو إعلانات. ولكنها لا تقنع بهذه العطايا بل تترجَّى الوصول إلى الشركة الكاملة معه والاتحاد به، أي إلى المحبة التي لا تتغيَّر ولا تسقط أبدًا بل تحرر طالبيها من الشهوات والقلق والتشويش.

والطفل الصغير الذي يزينونه بجواهر وملابس ثمينة، فإنه حينما يجوع لا يفكر في شيءٍ مما يلبسه، بل يتجاهل كل هذه الزينة ويهتم فقط بالوصول إلى ثدي مرضعته ليحصل منها على اللبن. وعلى هذا المثال يمكنك أن تقيس مواهب الله الروحانيّة، الذي له المجد إلى الأبد آمين[86].]

كما يقول: [وهناك أمر واحد لازم للجميع، وهو أن يحصل الإنسان في داخل نفسه على كنز، وعلى الحياة في عقله، هذه الحياة التي هي الرب نفسه - حتى أنه سواء كان يشتغل أو يصلي أو يقرأ فلا يزال حاصلاً على ذلك النصيب الذي لا يزول، الذي هو الروح القدس[87].]

ثانيًا: التمتُّع بالحضور الإلهي. يقول القديس غريغوريوس النيسي: [أينما توجد يأتي إليك الله إن وجد حجرات في نفسك بطريقة يمكنه أن يسكن فيها.] ويقول المدعو ديونيسيوس الأريوباغي: [الثالوث القدوس قريب من كل الأشياء، لكن ليس كل الأشياء قريبة منه.] ويقول القديس ميليتو أسقف ساردس: [ليكن الله الحي حاضرًا على الدوام في ذهنك. فإن ذهنك ذاته هو على مثاله، هو أيضًا غير منظور ولا مدرك، ولا يُمثل بأي شكل، ومع هذا بإرادته يتحرك كل الجسم.]


 

3. صلوات السواعي "الإجبية"[88]

1. لماذا أصلي بالمزامير التي صلَّى بها المرتل في ظروف حياته الخاصة والتي قد تختلف عن ظروفي؟

أوضح القديس أثناسيوس ألرسولي في رسالته إلى مارسيلينوس، أن المؤمن الحقيقي يتَّفِق مع المُسَبِّحين في سفر المزامير لأن ظروفه هو أيضًا تتفق مع ظروفهم، إذ جاء في هذه الرسالة: 

[العجيب في المزامير إنها باستثناء ما تحويه من نبوات عن الفادي والبعض عن الأمم، فإن من يقرأها يشعر عند نطقه كلماتها على شفتيه كأنها كلماته كُتِبَت لمنفعته هو ليأخذها ويلهج فيها، لا كأنها كلمات أو مشاعر شخص آخر بل كأنها كلماته يتحدث فيها عن نفسه، فيُقَدِّمها لله كما لو كانت مشاعر قلبه الداخلية تمامًا كما لو كان هو الذي نظم تلك العبارات...

من الممكن أن نجد في المزامير ليس فقط انعكاس لأحوال نفوسنا مع الإرشاد وأمثلة لكل المواقف الممكنة، ولكن أيضًا الكلمات المناسبة التي نُرضي بها الله في مختلف مواقف حياتنا؛ كلمات التوبة والشكر حتى لا نسقط في الخطية. لأننا سنعطي حسابًا أمام الله العادل ليس فقط عن أفعالنا بل أيضًا عن كل كلمة بطالة...

لذلك يا بني ليت أيًا من يقرأ سفر المزامير أن يأخذ الأشياء التي فيه ببساطة تامة لأنه موحى به من الله. ففي كل حال ستجد الكلمات التي تريدها مكتوبة من أجلك بالسفر، ويمكنك أن تقولها وكأنها كلماتك أنت شخصيًا[89].]

2. تقدم الإجبية الصلوات حسب ساعات اليوم، فهل يجب أن يلتزم المسيحي بوقت مُعَيَّن للصلاة؟

تجسد كلمة الله خالق الزمن ومشاركته لنا في حياتنا الزمنيَّة، أعطانا الإمكانيَّة أن نتَّحِد معه لنُحَلِّق في السماويَّات (أف ٢: ٦)، وفي نفس الوقت قَدَّس حياتنا الأرضيَّة والزمن! هكذا لا يجد المؤمن ثنائيَّة بين الحياة السماويَّة ووجوده على الأرض خاضعًا للزمن. فباتِّحاده بالسيِّد المسيح صار له حق الدخول في السماويَّات دون أن يحتقر الزمن.

خلال الكرازة بالروحانيَّة يهاجم البعض كل نظامٍ تعبُّديٍ وتدبيرٍ كنسيٍ، ويحسبون أن الإنسان كأنَّه قد خلع الجسد تمامًا، أو ترك الأرض مطلقًا، فلا يخضع المؤمن لزمنٍ ولا لنظامٍ. وهكذا تتحوَّل الحريَّة إلى مجال من الفوضى تحت ستار الروحانيَّة. أمَّا أرثوذوكسيتنا فتُصالِح السمة السماويَّة مع السمة الزمنيَّة في شخص السماوي الذي حمل طبيعتنا وعاش على أرضنا. لهذا ونحن ننادي بالصلاة الدائمة بلا انقطاع على المستوى الملائكي السماوي، لا نتجاهل واقعيتنا على الأرض، فنتبع ما حدَّدته لنا الكنيسة من صلوات في ساعات مُحَدّدة تسندنا وتحفظنا في المسيح يسوع ربنا خلال حياتنا اليوميَّة.

في هذا يقول القدِّيس چيروم[90] [بالرغم من أن الرسول يأمرنا أن نُصَلِّي بلا انقطاعٍ (١ تس ٥: ١٧)، وبالرغم من أن نوم القدِّيسين نفسه تضرُّع، إلاَّ أنَّه يجب أن نُعَيِّن أوقاتًا مُحدّدة للصلاة، حتى إذا ما انهمكنا في عملٍ ما، فإن الوقت (ميعاد الصلاة) يُذَكِّرنا بواجبنا. يعرف كل واحدٍ أن الصلوات تُمارَس في الساعات الثالثة والسادسة والتاسعة وفي الفجر وعند الغروب الخ.] إذن تؤمن الكنيسة بأن صلوات السواعي ضروريَّة، تسند الإنسان وتُعِينه لكي تكون له الصلاة الدائمة بغير انقطاعٍ.

إن كان الله أراد من شعبه في العهد القديم أن تكون العبادة بترتيبٍ ونظامٍ، فإن دخولنا في عهد الحريَّة لا يعني أن نحيا بلا ترتيبٍ أو نظامٍ:

يقول القدِّيس إكليمنضس الروماني (٣٠-١٠٠م): [من الواضح أنَّه يليق بنا أن نعمل حسب الوضع الذي أوجدنا الله فيه، فقد أمر بذبائح وخدمات تُقَدَّم بغير إهمال، إنَّما في أوقات مُعيَّنة بنظام وتحت شروط مُحدِّدة. لقد حدَّد بإرادته الإلهيَّة أين تُقَدَّم؟ ومن الذي يُقَدِّمها؟ حتى يتحقَّق كل شيء بطريقة مقدَّسة حسب إرادة الله[91].]

في الفصل الخامس والعشرين من مقاله "عن الصلاة" يقول العلامة ترتليان (القرن الثاني): [بخصوص الزمن، حفظ ساعات مُعيَّنة ظاهرة لا تكون بغير فائدة، أقصد الساعات العامة التي تفصل اليوم (إلى أجزاء) الثالثة والسادسة والتاسعة، والتي وردت في الكتاب المقدَّس، والتي لها قُدْسيتها.]

3. هل استخدم التقليد اليهودي صلوات السواعي؟

صلوات السواعي بما تحمله من فكرة تقديس ساعات النهار والليل هي جزء من التقليد اليهودي. ففي مخطوطات وادي قمران التي اكتُشِفَت عام ١٩٤٧م بجوار البحر الميت وُجِدَ في كتاب دليل النظام Manual of Discipline الذي يرجع إلى ما قبل مجيء السيِّد المسيح، أنَّه ينبغي الصلاة "عند انبثاق النور، وعندما يبلغ أقصى درجاته، وعندما يعود النور فيغرب، وعند بدء الليل، وعند بلوغ قمَّته، وعندما يتقهقر الليل قبل الشروق".

يستند هذا التقليد إلى فكرٍ كتابيٍ، وذلك على نمط تحديد يوم مُخصَّص للعبادة أي السبت ليكون سرّ تقديس الأسبوع كله، وكحدٍ أدنى للتكريس. هكذا حدَّد اليهود ساعات تُقَدَّس للرب عبر اليوم، تسند الإنسان روحيًا بقيَّة الساعات. يعتبر داود النبي مثلاً حيًا للصلاة الدائمة فيقول عن نفسه إنَه صلاة، كما يُرَدِّد: "تقدَّمتُ فرأيت الرب أمامي في كل حين، لأنَّه عن يميني لكي لا أتزعزع" (مز 16: 8). وفي نفس الوقت قدّم لنا نفسه مثلاً حيًا لممارسة صلوات السواعي، إذ يقول: "سبع مرَّات في النهار سبَّحتك" (مز ١١٩: 164). كما أعلن أنَّه كان يصلِّي باكر وعشيَّة ووقت الظهر (مز ٥٥: 17). يتحدَّث عن صلاة باكر: "باكرًا يا رب تسمع صوتي"، وعن الغروب: "ليكن رفع يدي كذبيحة مسائيَّة" (مز ١٤1)، وعن صلاة النوم: "لا أعطي لعينيَّ نومًا... إلى أن أجد موضعًا للرب" (مز 132: 4-5)، وصلاة نصف الليل: "من منتصف الليل نهضت لأشكرك على أحكام عدلك" (مز ١١٩: 62).

4. هل نلتزم كمسيحيين بالتقليد اليهودي؟

لا يستطيع أحد أن ينكر أن المسيحيَّة نقلت الكثير عن التراث اليهودي، بعد أن خلعت عنه الحرفيَّة القاتلة، وأعطته مسحة إنجيليَّة حقَّة، ونقَّته من كل ما يضاد روح الكتاب المقدس. بهذا انطلقت به من الطفولة الروحيَّة إلى النضوج. وقد سبق لنا الحديث عن موقف السيِّد المسيح من التقليد اليهودي[92]. تبقى الكنيسة تُقَدِّس ساعات مُعَيَّنة كعلامة تقديس اليوم كله للربّ.

على أيّ الأحوال لم يحجم السيِّد المسيح عن العبادة اليهوديَّة، لكنَّه كان يمارسها مع الشعب اليهودي (لو ٤: ١٦؛ مت ٤: ٢٢) ليدخل بهم إلى كمال العبادة المسيحيَّة. ولئلا يظن أحد أن بعد حلول الروح القدس على التلاميذ انفصلت الكنيسة عن التراث اليهودي والعبادة اليهوديَّة، يذكر لنا مُعلِّمنا لوقا البشير: "كانوا كل يوم يواظبون في الهيكل بنفسٍ واحدة" (أع ٢: ٤٦). وكأنَّهم أَصرُّوا على الشركة معهم في العبادة اليوميَّة بالترنُّم بالمزامير والطلبات والقراءات الكتابيَّة، لكنَّهم لا يقفون عند هذا الحد، بل يجتمعون في الكنيسة – البيت – يُقَدِّمون سرّ الإفخارستيا (أع ٢: ٤٧).

ما كان للتلاميذ أن يتركوا المجامع اليهوديَّة لو لم يُصرّ اليهود على طردهم، وفي نفس الوقت لم يقفوا في عبادتهم عند المفاهيم الحرفيَّة اليهوديَّة القاتلة.

5. لماذا لم تصدر وصيَّة صريحة في العهد الجديد بصلوات السواعي؟

الكتاب المقدَّس ليس كتابًا تنظيميًا وإلاَّ لتحدَّث في كيفيَّة سيامة الأسقف والقس والشماس، وكيفيَّة إقامة سرّ الزواج. أمور كثيرة سُلِّمت شفاهًا (٢ يو ١٢). ولو صدرت وصيَّة هكذا فإن أي مؤمن، لظرفٍ ما، لم يستطع ممارسة إحدى هذه الصلوات يشعر أنه كاسر وصيَّة إلهيَّة.

وبعد أن أورد العلامة ترتليان الأمثلة الواردة في سفر الأعمال (٢: ١، ٥؛ ١٠: ٩؛ ٣: ١)، لاحظ عدم وجود وصايا صريحة تأمر بذلك، لكن هذه الصلوات صارت قواعد مستقرَّة في حياة الكنيسة منذ بدء انطلاقها، فقال: [بالرغم من ملاحظتنا عدم وجود وصايا خاصة بهذه الممارسات لكنَّه يُحسَب أمرًا صالحًا أن تستقر كقواعد محددة نلتزم بها وتُذَكِّرنا بالصلاة. وإذ تُعتبَر إلزاميَّة في أوقات مُحدَّدة تسحبنا من أعمالنا لممارسة واجبٍ كهذا.] وفي نفس الفصل يؤكِّد ضرورة الصلاة باكر وعشية بجانب الصلوات السابقة، إذ يقول: [بالطبع بجانب الصلوات النظاميَّة الواجبة علينا، يلزم على الإنسان أن يُصَلِّي دون مُذَكِّر في بدء النهار وبدء الليل.]

كما تحدَّث عن صلاة نصف الليل بطريقة غير مباشرة حينما تساءل عن موقف المرأة التي تتزوَّج غير مؤمن كيف تقوم من فراشها في نصف الليل لتلقي بهذه اللآلئ أمامه.

6. هل التزم المؤمنون بصلوات السواعي في العصر الرسولي؟

جاء في الديداكيَّة "تعليم الرب للأمم بواسطة الاثني عشر تلميذًا: [لا تُصَلُّوا كالمرائين، بل كما أمر الرب في إنجيله. صَلُّوا هكذا ثلاث مرات في اليوم[93].]

هذه الوثيقة التي ترجع إلى ما بين عام ٧٠ و١٥٠م تكشف لنا عن ممارسة المؤمن لثلاث صلوات يوميَّة في عهد الرسل، وإن كانت لم تحدَّد مواعيدها، فذلك لأنَّها كانت أمرًا مستقرًا عليه، تسلَّمته الكنيسة عن التراث اليهودي وهي صلوات الساعات الثالثة والسادسة والتاسعة. ويرى[94] Jungmann أن هذه الصلوات قد أُخِذَت عن دانيال النبي (٦: ١٠) الذي كان يذهب إلى بيته وكُواه مفتوحة في عُلِّيَّته نحو أورشليم ويجثو على ركبتيه ثلاث مرَّات ويصلِّي.

لم تذكر الديداكيَّة شيئًا عن صلاة باكر والنوم، ذلك لأن المؤمنين كانوا يمارسونها معًا بطريقة جماعيَّة، فلا حاجة للشعب أن يوصى بها. يظهر ذلك ممَّا ورد في الدسقوليَّة كوصيَّة للأسقف[95]: [عَلِّم الشعب وأُمرهم أن يلازموا الكنيسة باكر وعشية كل يوم، لكي لا يتخلَّفوا عنها، بل يجتمعوا فيها كل حين، فلا تضعف الكنيسة بقيامهم خارجًا عنها.]

أشارت الديداكيَّة إلى الصلاة الربانيَّة، لأن المسيحيِّين كانوا يشتركون في المجامع في الترنُّم بالمزامير والطلبات ولا يقدرون أن يشتركوا معهم في الصلاة الربانيَّة.

كشف لنا سفر أعمال الرسل عن ممارسة الكنيسة الأولى لصلوات السواعي، لذا قيل عن الساعة الثالثة: "كان الجميع معًا بنفسٍ واحدة، لأنَّها الساعة الثالثة من النهار" (أع ٢: ١، ٥). وعن الساعة السادسة: "صعد بطرس على السطح ليُصلِّي نحو الساعة السادسة" (أع ١٠: ٩). وعن الساعة التاسعة: "صعد بطرس ويوحنا معًا إلى الهيكل في ساعة الصلاة التاسعة" (أع ٢: ١). وعن صلاة نصف الليل: "ونحو نصف الليل كان بولس وسيلا يصلِّيان ويُسَبِّحان الله" (أع ١٦: ٢٥).

يقول القديس باسيليوس الكبير: [يلزم أن يُغطِّي وقت الصلاة الحياة كلها، ولكن حيث توجد ضرورة مُلزمة أن يتخللها ركوع (مطانيات) وترنم بتسابيح. فقد عُينت ساعات للصلوات بواسطة القدِّيسين يلزمنا أن نحفظها. يقول القوي داود: "في نصف الليل أقوم أسبحك من أجل أحكام عدلك" (مز 119: 62). كما نجد بولس وسيلا اتبعًا مثاله، إذ سبحا الله في السجن في منتصف الليل (أع 16: 25). ويقول نفس النبي أيضًا: "عشية وباكر وفي الظهيرة" (مز 55: 18). علاوة على هذا فإن حلول الروح القدس تحقق في الساعة الثالثة كما يخبرنا سفر الأعمال. عندما سخر الفريسيون بالتلاميذ بسبب التكلم بألسنة متنوعة، قال بطرس إنهم ليسوا بسكارى لأنه كانت الساعة الثالثة (أع 2: 15). مرة أخري تذكرنا الساعة التاسعة بآلام الرب التي حدثت لكي نحيا (مت 27: 45؛ مر 15: 33-34). ولكن حيث أن داود يقول: "سبع مرات في اليوم أُسَبِّحك على أحكام عدلك" (مز 119: 164)، والأزمنة للصلاة التي أشير إليها لا تقيم السبعة أقسام لذا يلزم تقسيم صلاة نصف الليل. قسم قبل اختفاء القمر، والآخر بعد ذلك. بهذا يصير التسبيح السباعي اليومي لله نموذجًا لنا[96].]

7. هل يمكن أن نُتَمِّم واجبات الصلاة وسط العمل؟

يقول القديس باسيليوس الكبير: [بالنسبة للصلاة والتسبيح كل الأوقات مناسبة... يمكننا وسط العمل أن نُتَمِّم واجبات الصلاة[97].]

8. ما هي المناسبة التي وراء كل ساعة من ساعات الصلوات؟[98]

أولاً: صلاة باكر. يقول القديس باسيليوس الكبير: [تُقدِم كل ساعة صلاة ذكرى خاصة ببركات الله علينا. يلزمنا أن نُصَلِّي في الصباح الباكر لكي تكون بدء ميول النفس والعقل مكرسة لله، وأننا لن نلمس شيئًا ما لم نبتهج أولاً بالتأمل في الله كما يقول الكتاب: "تذكرت الرب فابتهجت" (مز 77: 3 LXX). ولن نبدأ أيّ عمل ما لم نُتَمِّم ما هو مكتوب: "إليك أصلي يا رب. بالغداة تسمع صوتي. في الصباح المبكر أوجه صلاتي إليك وأنتظر" (مز 5: 2-3).

ثانيًا: صلاة الساعة الثالثة. يقول القديس باسيليوس الكبير: [مرة أخرى في صلاة الساعة الثالثة حيث نمارسها والإخوة مجتمعون، بالرغم من أنهم تفرَّقوا إلى أعمالهم المختلفة. إذ نذكر عطية الروح القدس التي قُدِّمَت للرسل في وقت الساعة الثالثة، يلزمنا أن نتعبَّد معًا في اتفاقٍ واحدٍ، لكي نتأهَّل نحن أيضًا أن نَقْبَل تقديسه. يلزمنا أيضًا أن نسأل قيادته وتعليمه حسب احتياجاتنا كما يقول المرتل: "قلبًا نقيًا اخلق فيّ يا الله وروحًا مستقيمًا جدده في داخلي لا تطرحني من حضرتك وروحك القدوس لا تنزعه مني. امنحني راحة عونك أسندني بروحك المحرر" (مز 51: 10-13). دع روحك المحب يقودني في أرض الأبرار (مز 143: 10). عندئذ نعود إلى أعمالنا. ومع ذلك يكون بعض الإخوة غائبين بسبب العمل، أو لبُعد مسافة السكن، ومع ذلك يلزمنا أن نُتَمِّم التزامات الجماعة بدون تردُّدٍ. "لأنه حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم" (مت 18: 20).]

ثالثًا: صلاة الساعة السادسة. يقول القديس باسيليوس الكبير: [في الساعة السادسة أيضًا نقرر ضرورة الصلاة مقتدين بمثال القديسين، كما هو مكتوب: "في المساء وفي الصباح وفي الظهيرة أخبرك ... ولكي نتخلَّص من الضجر ومن شيطان الظهيرة (راجع مز 55: 17؛ مز 90 LXX).]

رابعًا: صلاة الساعة التاسعة. يقول القديس باسيليوس الكبير: [أيضًا الساعة التاسعة ساعة مناسبة للصلاة كما نتعلَّم من الرسل في سفر الأعمال، حيث يُقَال إن بطرس ويوحنا صعدا إلى الهيكل في ساعة الصلاة وكان وقت الساعة التاسعة (أع 3: 1).]

خامسًا: صلاة الغروب. يقول القديس باسيليوس الكبير: [علاوة على هذا إذ ينتهي اليوم، يلزم تقديم شكر من أجل البركات التي نلناها والأعمال الصالحة التي تمَّت خلال اليوم. وأيضًا اعتراف عن الخطايا. وسواء كان الخطأ بإرادة أو بغير إرادة، خفية ومنسية سواء بكلمة أو بفعل أو بأفكار القلب، يلزمنا أن نجعل الله يهدأ من ناحيتنا بصلواتنا. فإن فحص أفعالنا الماضية الشريرة تعين جدًا في منعنا من السقوط مرة أخرى في ذات الأخطاء. وذلك قيل "ما تقولوه في قلوبكم اندموا عليه في مضاجعكم" (مز 4: 4 LXX).]

سادسًا: صلاة نصف الليل. يقول القديس باسيليوس الكبير: [يلزم أن يغطي وقت الصلاة الحياة كلها، ولكن حيث توجد ضرورة مُلزمة أن يتخللها ركوع (مطانيات) وترنم بتسابيح، فقد عُيِّنَت ساعات للصلوات بواسطة القديسين يلزمنا أن نحفظها. يقول القوي داود: "في نصف الليل أقوم أسبحك من أجل أحكام عدلك" (مز 119: 62). كما نجد بولس وسيلا اتبعًا مثاله، إذ سبَّحا الله في السجن في منتصف الليل (أع 16: 25).]

ويقول القديس جيروم: [نقرأ أيضًا في الإنجيل كيف كان الربّ يقضى الليالي كلها في الصلاة وكيف أن الرسل حينما سُجِنوا كانوا يمضون الليل كله في ترنيم المزامير، حتى تزلزلت الأرض وآمن حارس السجن وامتلآ الحراس والمساجين بفزعٍ كبيرٍ. ويقول بولس "واظبوا على الصلاة منتبهين". ويتحدَّث عن نفسه في موضعٍ آخر أنه كان "يواظب منتبهًا دائمًا". قد ينام السهران إذا أراد، وقد يكف عن نومه. يعبر مهلك مصر والمصريين لكن فليقل (الساهر) مع داود: "هوذا لا ينعس ولا ينام حافظ إسرائيل" هكذا يأتي إلينا القدوس والحافظ، وإن هو نام بسبب خطايانا، فلنقل له "استيقظ، لماذا تنام يا رب؟" وإذا سفينتنا تلاطمها الأمواج فلنوقظه، ونقول: "يا سيد، أنقذنا إننا نهلك"[99].]

9. ما هي خبرة آباء الكنيسة في الصلاة بالمزامير (صلوات السواعي "الأجبية")؟

أولاً: الأب هيبوليتس الروماني (القرن الثاني)

يقول: [إن كنت داخل المنزل فَصَلِّ وقت الساعة الثالثة وسَبِّح الله، وإن كنت في أيّ موضع وجاء وقت هذه الساعة صلِّ في قلبك لله[100].] ولنا على هذا النص ملحوظتان:

v  صلوات الساعات ليست عملاً مظهريًا، إنَّما يمكن للإنسان أن يُصَلِّيها في بيته أو في قلبه أثناء العمل دون أن يشعر به أحد.

v  قوله "سَبِّح الله" يشير إلى فهم الصلاة كعمل تسبيحي خاصة بالمزامير والتسابيح الكنسيَّة، إنه عمل مُفرِح للقلب وليس فرضًا نُمارِسه بدون روح الفرح.

تحدَّث أيضًا الأب هيبوليتس الروماني عن الأفكار التي ينشغل بها المرء أثناء صلوات السواعي، فيرى أنَّه في وقت الساعة الثالثة ينشغل بآلام المسيح الخلاصيَّة حيث بدأ دور الصليب عمليًا، كما أشار إلى خبز الوجوه الذي كان يقدَّم في وقت الساعة الثالثة وتقديم الحمل في ذلك الوقت[101]. وفي وقت الساعة السادسة عُلِّق السيِّد على الخشبة، وانشقَّ نور النهار وصارت ظلمة (مت 27: 45)، هكذا نصلِّي بروح النصرة والغلبة على قوَّات الظلمة[102]. وفي الساعة التاسعة طُعِن السيِّد في جنبه فأفاض دم وماء (يو 16: 34)، وتبدَّدت الظلمة، وصار نور حتى المساء. وكأنَّه جاءنا بفجر يومٍ جديدٍ، إذ بنومه على الصليب دخل بنا إلى قيامته[103]. أما عن صلاة نصف الليل فيقول: [قم اغسل يديك بماء وصلِّ. إن كان لك زوجة فصلِّيا معًا[104].] كما قدَّم لها تفسيرين:

v  التفسير الطبيعي[105]: في هذا الوقت إذ تكون الخليقة ساكنة تقف الكواكب والنباتات والمياه لتُسَبِّح الله. وفي هذا الوقت يكون السمائيُّون ساهرين يُسَبِّحون الله. هكذا يستيقظ المسيحي ليُسَبِّح الله مع الخليقة الأرضيَّة والسمائيِّة ومع الراقدين أيضًا.

v  التفسير الأخروي[106]: في نصف الليل تسمع العذارى الحكيمات صوتًا: هوذا العريس قادم (مت 25: 10). فيُقَدِّم المؤمن صلاة الحب مشتاقًا إلى العريس الأبدي.

ثانيًا: الشهيد كبريانوس (القرن الثاني)

قدَّم لنا صورة حيَّة لما ينبغي على المؤمن أن ينشغل به أثناء الصلاة[107]. ففي وقت الساعة الثالثة يتذكَّر حلول الروح القدس (أع 2: 15)، وفي الساعة السادسة يرفع قلبه نحو السماء مع بطرس الرسول الذي صعد على السطح ليصلي فتعلم من الرؤيا أن الله محب للبشر جميعًا، ليس بينهم من هو نجس أو دنس (أع 10: 9). وفي الساعة التاسعة يتذكَّر كيف غسل الرب خطايانا بدمه على الصليب، وإعلان كمال نصرته بآلامه. وفي الغروب نذكر شوقنا إلى وجود المسيح – شمسنا – في داخلنا وعدم غروبه عنا. وفي صلاة باكر نتذكَّر قوَّة قيامته.

ثالثًا: القدِّيس أثناسيوس الرسولي (القرن الرابع)

في المقال De Virginitate المنسوب للقدِّيس أثناسيوس الرسولي، يُعطي الكاتب تعليلاً للالتزام بهذه الصلوات. نُصلِّي وقت الساعة الثالثة لأنَّه في هذه الساعة جاءوا إليه بالخشبة ليحملها، وفي السادسة رُفِع على الصليب من أجلنا، وفي التاسعة سَلَّم الروح.

كما قدَّم تعليلاً لصلاة النوم، حيث نذكر أن الرب نزل إلى عالم الراقدين فنسبِّح معهم مُبتهِجين بخلاصه. وفي نصف الليل نذكر قيامته من الأموات[108].

رابعًا: القدِّيس باسيليوس الكبير

أَكَّد أهميَّة هذه الصلوات لنموِّنا الروحي قائلاً: [ينبغي على الذين اختاروا أن يعيشوا حياتهم ساهرين لمجد الله ومسيحه ألاَّ يسقطوا أو يُهمِلوا إحدى هذه الصلوات[109].] وتعرَّض لأهميَّتها هكذا:

v  صلاة باكر (أو الفجر): باكر هو بدء نشاط النفس والعقل، فنُصلِّي حتى يكون كل ما في داخلنا مُكرَّسًا للرب. يقول المُرتِّل: "باكرًا تسمع صوتي، بالغداة أقف أمامك وتراني" (مز ٥: 3).

v  الساعة الثالثة: نذكر عطيَّة الروح القدس للكنيسة، فنسأله أن يعمل في حياتنا: "قلبًا نقيًا اخلق فيَّ يا الله، وروحًا مستقيمًا جدّده في أحشائي" (مز ٥٠ LXX).

v  الساعة السادسة: إذ يحارب الإنسان شيطان الظهيرة (حيث الخمول والضجر) نُصلِّي كي ننجو منه (مز ٩٠).

v  الساعة التاسعة: هذه الصلاة هي تسليم رسولي، حيث صعد الرسولان بطرس ويوحنا إلى الهيكل ليُصلِّيا في وقت الساعة التاسعة (أع 3: 1).

v  الغروب: نشكر الله من أجل عطاياه وما صنعه فينا من صلاح طوال النهار مع اعترافنا بعجزنا.

v  النوم (بدء الليل): نُصلِّي لكي تكون لنا راحة بغير انزعاج أو خيالات.

v  نصف الليل: تسلَّمناها كضرورة بواسطة القدِّيسين بولس وسيلا وهما في السجن (أع ١٦: ٥). يقول المرتِّل: "في نصف الليل نهضت لأشكرك على أحكام عدلك" (مز 119: 62).

يضيف القدِّيس باسيليوس صلاة "ما قبل الفجر" إذ يقول المرتل: "سبقت عيناي وقت السحر لأتلو في أقوالك" (مز 119: 62).

يرى القديس باسيليوس الكبير وغيره من آباء الكنيسة دور المزامير في حياتنا الروحية التي تعمل فينا هكذا:

أولاً: تقدم المزامير عذوبة في طريق الفضيلة الوعر، إذ يقول القديس باسيليوس الكبير: [يرى الروح القدس بوضوحٍ وعورة الطريق إلى ممارسة الفضيلة. يرى كيف يميل الجنس البشري المزامير هي غناء منظوم فيها الحق، لصغار السن وصغار النفوس، وإن كان الإنسان ينسى سريعًا كلمات الوعظ والنبوة، إلا أنه لا ينسى المزامير التي يُرَدِّدها كثيرًا، في البيت، وفي الخارج. وترتيل المزامير يطرد الغضب الذي يجعل من الإنسان حيوانًا مفترسًا، ويسرق منه سلامه، ويملأه ثورة. التسبيح بمزمورٍ يجلب هدوءً للروح، فنستقر في سلامٍ، كما يهدئ عواصف أفكارنا العنيفة. فهو يسيطر على الشهوة، ويطفئ النار التي في صدورنا قبل أن تلتهب. أتريدون أن ترتبطوا بصداقةٍ وتصالحوا المتخاصمين ويغفر الأعداء لبعضهم البعض؟ رنموا مزمورًا (مز 96: 1). كيف يمكن لأحد أن يحتضن عداوة لآخر يلتصق به وهو يُسَبِّح الله بصوت واحدٍ؟ الحب هو أعظم صلاحٍ من الكل، والتسبيح بالمزامير يجلب الحب، لأنه يُقَدِّم نوعًا من رباط الوحدة، إذ يجمع الشعب معًا في خورُسٍ واحدٍ متناغمٍ... إنه نقطة البداية للمبتدئين، وعون للذين هم بالفعل في الطريق، ومصدر القوة للبالغين. إن كان التسبيح بمزمورٍ يجلب حزنًا، فهو حزن إلهي، لأن المزمور يقدر أن يهب دموعًا للقلب الحجري!]

ثانيًا: تهب المزامير النفس سلامًا داخليًا، إذ يقول القديس باسيليوس الكبير: [المزامير تهب النفس الطمأنينة وتعطيها السلام وتهدئ فيها بلبلة الأفكار وتراكم الشهوات. هذا الكتاب هو كتاب المحبة... هو سلاح ضد الشيطان... هو سبب راحة بعد تعب النهار... هو تعزية الشيوخ هو باعث أفراحنا وأحزاننا المقدسة... هو نشيد رائع، هو صوت الكنيسة، هو بخور زكي الرائحة[110].]

ثالثًا: تقدم المزامير لكل شخصٍ ما يناسبه من دواءٍ للنفس. يقول القديس باسيليوس الكبير: ["كل الكتاب موحى به من الله، ونافع" (2 تي 3: 16). كُتِب بواسطة الروح القدس، لكي تجد نفوسنا كل نوعٍ من الدواء لشفائها، مهما كان عددنا، ومنه تختار الدواء المناسب لحالتها. لأن العلاج يسكن خطايا عظيمة (جا 10: 4). يُقَدِّم الأنبياء نوعًا واحدًا من التعليم، وتقدم الكتب التاريخية نوعًا آخر، والناموس آخر، ويوجد نوع آخر في حكمة الأمثال، أما سفر المزامير ففيه خلاصة كل الفوائد التي جاءت فيها جميعًا. فهو يتنبأ عن المستقبل، ويشير للتاريخ، ويُحَدِّد قوانين لتجديد الحياة، ويوصي بما ينبغي عمله. باختصار هذا السفر هو نوع من الدليل للتعاليم الصالحة في كل شيءٍ والنافعة لكل أحدٍ. يضمد الجرح الحديث، فيشعر المريض بالتحسُّن، وهو يعطي شفاءً للمريض، ويحفظ القائمين. وخلاصة الأمر يرفع حرب الشهوات التي تُدَنِّس النفس بطرق كثيرة، ويجذبها بالفرح والتسبيح، لتنمو في الحكمة.]

كما يقول: [المزامير تطرد الشياطين، وتجلب لنا معونة الملائكة. هي سلاح في فزع الليل، راحة من عناء اليوم. هي الأمان للأطفال، وزينة للكبار، عزاء الشيوخ، وزينة النساء. هي حكمة الساكنين في البراري، مُعَلِّمة التجار، نمو النامين، سند الكاملين.

إنها صوت الكنيسة، فهي تضفي الفرح على الأعياد، وتبكت الضمير. المزمور يجعل النفوس الحجرية تبكي، والمزمور هو عمل الملائكة، وهو حياة السمائيين، وهو البخور الروحاني.

جاءت بترتيب حكمة إلهية، ليجعلنا نرتل وتُعَلِّمنا كل ما هو مفيد. تستقر المزامير في الفهم، فما تتعلمه بالتغصب سرعان ما يتلاشى، بينما تستقر في داخلك جاذبية التلذذ بالمزامير.

لماذا لا تحفظ المزامير؟ فتجد فيها الشجاعة والعدل وكمال الحكمة، والطريق إلى التوبة، وكمال الصبر. فيها كل ما هو مفيد، فيها كمال علم اللاهوت، ونبوات عن مجيء المسيح في الجسد، ورجاء القيامة، والخوف من العقوبة، والوعد بالمجد، والكشف عن الأسرار، نجد كل هذا المخزون في المزامير، كما في مخزنٍ يفتح أبوابه أمام الجميع.]

رابعًا: المزامير هي إحدى السهام التي تُطعَن بها الشياطين وتقتلهم. يقول القدِّيس مار اسحق السرياني: [خدمة المزامير، والصلاة الربانية لأبينا السماوي، وصلاة التلاوة التي يرتجلها الإنسان ويطلب بها الرحمة والعون والخلاص، هذه الثلاثة مثل ثلاثة سهام بها تطعن الشياطين وتقتلهم[111].]

خامسًا: تسند المؤمن في عدم تشتيت الفكر. بقول القديس أوغريس: [عظيم هو أن تصلي بدون تشتيت الفكر، وأعظم أن تُسَبِّح بالمزامير بلا تشتيت.]

10. ما هو دور المزامير في حياة الرهبان؟

حدَّثنا القدِّيس يوحنا كاسيان عن دور "صلوات السواعي" بما فيها من مزامير وتسبيح على الحركة الرهبانيَّة في مصر. فقد كانت المائدة الشهيَّة التي يجتمع حولها الرهبان معًا في نظام الشركة، ويمارسها المتوحِّد في مغارته في شركة تسبيح وشكر مع الملائكة.

جاء في عمله "المؤسسات (الدساتير) لنظام الشركة De institutis caenoborum الذي وَجَّهه القديس كاسيان إلى الأسقف كاستور (419-426)، الجزء الأول، الكتاب الثاني حديث عن صلوات السواعي (الأجبية) والسهر، جاء فيها:

[إذ يتمنطق جندي المسيح بهذه المنطقة المزدوجة... يليق به أن يتعلَّم صلوات السواعي ونظام المزامير الذي رتَّبه الآباء القديسون في الشرق. أما عن سماتها وطريقة الصلاة، فكما يُوَجِّهنا الرسول: "صلوا بلا انقطاع" (ا تس 5: 17)، سنُعالِجها كما يعطينا الرب في المكان المناسب، عندما نبتدئ نسرد المناظرات مع شيوخ إسقيط مصر[112].]

[أعتقد أنه من الأفضل أن أتبع أَقْدَم نظام للآباء هذا الذي لا يزال يحتفظ به خدام الله في مصر كلها، حتى يتعلَّم ديركم الجديد، الذي لا زال في طفولته في المسيح والذي بلا خبرة، أَقْدَم الأنظمة للآباء الأوائل[113].]

في الفصل الرابع يوضح عادة تحديد المزامير باثني عشر مزمورًا في صلوات الغروب والخدمة الليلية، وختم الصلاة بفصل من العهد القديم وآخر من العهد الجديد. وأن هذا النظام قديم جدًا، ظل معمولاً به دون أن يُكسَر، ويُقَال إنه نزل إلى الآباء من السماء بخدمة ملاك.

وفي الفصل الخامس أوضح كاسيان أن كنيسة الإسكندرية ابتدأت بالإنجيلي الطوباوي مرقس كأسقف عليها، وأن جماهير المؤمنين كانوا يبيعون كل شيء ويقدمونه للكنيسة، وينسحبون إلى خارج المدن ليُمارِسوا حياة الوحدة في زهدٍ وتقوى. وقد نَظَّموا العبادة تَجَنُّبًا للشقاق. وإذ اختلفوا في عدد المزامير التي تُصلَّى، حدث إذ اجتمعوا لممارسة صلاة الغروب أن قام واحد في الوسط (ملاك) وابتدأ يُسَبِّح بالمزامير وهم جلوس ينصتون إلى المرتل الذي يتلو اثني عشر مزمورًا، ثم أنهى الأخير بالليلويا، ثم اختفي فجأة، بهذا وضع حدًا للمناقشة في هذا الأمر. هكذا يرى القديس يوحنا كاسيان أن الصلاة بالمزامير وتحديد عددهم 12 مزمورًا يرجع إلى القرن الأول الميلادي.

في الفصل السابع تحدث عن ممارسة المطانيات أثناء المزامير. يقول بأن المصري لا يتسرَّع بالسجود قبل نهاية المزمور كما يحدث في أديرة جنوب فرنسا كمن يريد أن ينهي صلاته سريعًا[114]. إذ يحني المصري ركبتيه يمضي بعض الوقت في الصلاة، لكنه سرعان ما يقوم منتصبًا ويبسط يديه حتى لا تتشتَّت أفكاره بالسجود لفترة طويلة[115]. لا يجرؤ أحد أن يحني ركبتيه قبل أن ينحني الرئيس، ولا يتمادى أحد في سجوده بعد أن يقوم الرئيس، وإلا يكون قد فصل نفسه عن الجماعة.

في الفصل الثامن أوضح توزيع المزامير حيث يُرَنِّم المزمور الشخص الذي يقف في المنتصف. ولا تُقَال المجدلة "المجد للآب والابن والروح القدس" إلا في نهاية التسبحة. وأوضح أن المزامير لم تكن تُتلَى بل تُرَنَّم كتسبحة أو أغنية للرب.

في الفصل التاسع أوضح أن المصريين لا يهتمون بإنهاء المزامير التي يُسَبِّحونها بتلاوتها مرة واحدة دون توقُّف، لكنهم يُقَسِّمونها إلى قسمين أو ثلاثة حسب عدد الآيات... انهم لا يهتمون بالعدد بل بانتباه الذهن والفهم، حاسبين أنه من الأفضل أن يُصَلِّي الشخص عشرة أبيات بتسبيح مفهوم وفكر يقظ عن أن يتلو المزمور كله بفكر طائش. هذا غالبًا ما يحدث حينما يهتم المرتل بالأعداد، ولا يضع في حسبانه توضيح الألفاظ والمعاني، انه كمن يُسرِع لينهي الخدمة.

بسبب عدم الدراية يطيل الراهب المبتدئ في التسبيح أكثر من المعتاد، بينما يهتم المُتقدِّم صاحب الخبرة ألا يسبب مللاً للحاضرين أثناء التسبيح بسبب التطويل.

وفي الفصل العاشر يوضح كيف يمتاز المصريون في صلواتهم بالسكون، فمع كثرة عدد الحاضرين يترنَّم واحد بمزمور ولا تسمع صوتًا كأنه لا يوجد أحد غير المرتل وحده الذي يقف في المنتصف. ليس من يبصق ولا من يتثاءب أو يفتح فاه ولا من يتنهَّد... حتى لا يُشَتِّت فكر غيره.

كما تتَّسِم الصلوات بأنها مختصرة حتى لا يتخللها تشويش يقطع الصلاة فجأة في أوج حرارتها حتى لا يخطف الشيطان الفكر ويطيش به بعيدًا ولكي لا تفتر الصلاة أو تبرد.

[يعتقد (الآباء) أنه من الأفضل أن تكون الصلوات قصيرة وتُقَدَّم بطريقة متكررة على الدوام، حتى من جانب نستطيع أن نلتصق بالله باستمرار، ومن الجانب الآخر باختصارها نتجنَّب السهام التي يريد العدو أن يجرحنا بها خاصة أثناء ممارسة صلواتنا.] جاء في الرسالة 130: 20 للقديس أغسطينوس: [جاء عن الإخوة في مصر أنهم يمارسون صلوات متنوعة جدًا وقصيرة للغاية. إنها تنطلق فجأة وبسرعة حتى لا يتشتت الذهن اليقظ والمتنبه، والذي يُعتبَر أثمن ما في الصلاة.]

وفي الفصل الحادي عشر ذكر أن المصريين لم يكونوا يهتمون بكمية الآيات التي تُرَنَّم في الصلاة بل بضبط الفكر هادفين نحو: "أُرَنِّم بالروح، وأُرَنِّم بالفهم" (1 كو 14: 15)، كما أَكَّد اهتمام المرتل أن يكون النطق واضحًا ومفهومًا.

11. هل يمارس الرهبان السواح صلوات السواعي؟

يروي لنا التاريخ أنَّه حتى السواح – أعلى درجات الرهبنة – إذا ما التقوا معًا ليس لهم ما يتحدَّثون فيه سوى أن يترنَّموا ويسبِّحوا الله بالمزامير والتسابيح الكنسيَّة.


 

4. الصلاة النموذجية

"أبانا الذي في السماوات" (مت 6: 9-15؛ لو 11: 2-4)

1. ما هي أهميَّة الصلاة الربانيَّة؟

يقول القدِّيس أغسطينوس: [لقد علَّم ابن الله ذاته تلاميذه ومؤمنيه هذه الصلاة، لذلك لنا رجاء عظيم في الفوز في القضيَّة مادام لنا مثل هذا الشفيع الذي يُلَقِّننا ما نطلبه. إنَّه الديان الجالس عن يمين الآب كما تعرفون، هو شفيعنا وفي نفس الوقت هو الذي سيديننا. هذه الصلاة تُعَلِّمنا ممَّن نطلب وماذا نطلب[116].] ويقول القدّيس كبريانوس: [لنُصَلِّ أيها الإخوة الأحياء بما علَّمنا إيّاه الله مُعَلِّمنا، فإنها صلاة جميلة ولطيفة، إذ نسأل الله بذات كلماته، ونرفع إلى أذنيه صلاة المسيح نفسه. ليعرف الآب كلمات ابنه عندما نرفع الصلاة، وليسكن في صوتنا ذاك الذي يسكن في صدرنا. لقد قبلناه شفيعًا لدى الآب بسبب خطايانا، لذا نتوسَّل نحن الخطاة بذات كلمات الشفيع. إنه يقول: "إن كل ما طلبتم من الآب باسمي يعطيكم" (يو 16: 23)، فكم بالأكثر إن سألناه باسم المسيح وبذات صلاته[117]؟]

2. لماذا يدعونا السيد المسيح أن نصلي الصلاة الربانية بصيغة الجمع؟

يدعونا الله إلى محبة القريب، فنطلب لإخوتنا المؤمنين كما لغير المؤمنين، فتتناغم إرادتنا مع إرادة الله، الذي يريد أن كل الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يُقبِلون (1 تي 2: 4). فيجب على المؤمن حتى في مخدعه أن يُصَلِّي باسم الكنيسة كلها بكونه عضوًا فيها. إنه يقول: [يُعَلِّمنا تقديم صلواتنا بصفة عامة لحساب إخوتنا أيضًا، فلا يقول: "أبي الذي في السماوات"، بل "أبانا"، مُقَدِّمًا الطلبة لحساب الجسد في عموميّته، طالب في أي موضع لا ما هو لنفسه بل ما هو لصالح إخوته[118].] ويقول القدّيس أغسطينوس: [لقد بدأتم تُنسبون إلى عائلة عظيمة (أي عند نوالكم المعموديّة)، ففي هذا النسب يجتمع السيّد والعبد، القائد والجندي، الغني والفقير الخ. يصير الكل إخوة، جميعهم يدعون لهم أبًا واحدًا في السماوات... جميعهم يقولون: "أبانا الذي في السماوات"، فهل فهموا أنهم إخوة، ناظرين أن لهم أبًا واحدًا، فلا يستنكف السيّد من أن يعتبر عبده أخاه، ناظرًا أن الرب يسوع قد وهبه أن يكون أخًا له[119].] بذات الفكر يقول القدّيس كبريانوس في شرحه للصلاة الربّانيّة: [قبل كل شيء، مُعَلِّم السلام وسيّد الوحدة لا يريد الصلاة منفردة، فيُصَلِّي الإنسان عن نفسه وحده، إذ لا يقول "أبي الذي في السماوات"، ولا "خبزي اليومي أعطني اليوم"، ولا يطلب أحد من أجل ما عليه وحده ليُغفَر له، ولا يسأل عن نفسه وحده ألا يدخل في تجربة وأن يُخَلَّص من الشرّير. صلاتنا كلها جماعيّة ومشتركة، عندما نُصَلِّي لا يطلب الإنسان عن نفسه بل من أجل الشعب كله، لأننا جميعًا واحد. إله السلام ومُعَلِّم الاتّفاق الذي يُعَلِّمنا الوحدة أرادنا أن نُصَلِّي عن الكل كما يحملنا هو واحدًا فيه. وقد راعى الثلاثة فتية قانون الصلاة هذا عندما أُلقوا في أتون النار، إذ نطقوا معًا بقلب واحد في اتِّفاق الروح، وتكلّموا كما بفم واحد، مع أن المسيح لم يكن قد علَّمهم كيف يُصَلُّون... هكذا نجد الرسل أيضًا مع التلاميذ صلّوا بعد صعود الرب، وكما يقول الكتاب المقدّس: "كانوا يواظبون بنفس واحدة على الصلاة والطلبة مع النساء ومريم أم يسوع ومع إخوته[120]" (أع 1: 14).]

3. لماذا ندعو الله "أبانا الذي في السماوات"؟

في صلواتنا كأبناء الله، يليق بنا أن ترتفع قلوبنا إلى السماء فنطلب من هو سماوي أبدي وإلهي. يقول القدِّيس أغسطينوس: [عندما ينجب الآباء ابنًا أو اثنين أو ثلاثة يخشون من أن ينجبوا بعد ذلك، من العوز. وأمَّا ميراثنا نحن فكبير، لن يتأثَّر نصيب كل منَّا مهما ازداد عدد الوارثين. لهذا دعا الرب كل الشعوب ليكونوا إخوة له بلا عددٍ. هؤلاء يقولون: "أبانا الذي في السماوات". انظروا كم أخ صار للابن الوحيد بواسطة نعمته، يشاركون من مات لأجلهم في الميراث؟!... لنتأمَّل أيها الأحبَّاء أبناء من قد صرنا. لنسلك بما يليق بأبٍ كهذا، انظروا كيف تنازل خالقنا ليكون أبًا لنا؟! لقد وجدنا لنا أبًا في السماوات، لذلك وجب علينا الاهتمام بسلوكنا ونحن على الأرض، لأن من ينتسب لأبٍ كهذا ينبغي عليه السلوك بطريقة يستحق بها أن ينال ميراثه...

إن كان أبونا في السماء، فهناك أيضًا يُعِدّ لنا الميراث. إنَّه يعطينا إمكانيَّة امتلاك ما قد وهبنا معه. فقد وهبنا ميراثًا لا نرثه بعد موته (كما هو في قوانين العالم)، فأبونا حيّ لا يموت، وسيبقى إلى الأبد هناك حيث نذهب عنده[121].] كما يقول: [تذكَّروا أن لكم أبًا في السماوات، تذكَّروا أنكم وُلِدتم من أبيكم آدم للموت، وأنكم تولدون مرّة أخرى من الله الآب للحياة، فما تُصَلُّون به قولوه بقلوبكم[122].]

ويقول الأب إسحق: [عندما ننطق بأفواهنا أن الله ربّ كل المسكونة هو أبونا، نعترف أننا قد دُعِينا من العبوديّة إلى التبنّي كأبناء. وإذ نردف قائلين: "الذي في السماوات" نتحاشى بكل مخافة إطالة البقاء في هذه الحياة الحاضرة، عابرين هذه الأرض كمن هم في رحلة، فنسرع مشتاقين إلى المدينة التي نعترف بأن أبانا يقطنها، ولا نسمح لأي شيء أن يفقدنا الاستحقاق لهذه المهنة ولشرف التبنّي، ناظرين إليه كعار يحرمنا من ميراث أبينا وبه يحلّ بنا غضب عدله وصرامته[123].]

يقول العلاّمة أوريجينوس: [كل من يقول "أبانا الذي في السماوات" ينبغي ألا يكون له روح العبوديّة للخوف، بل روح التبنّي للأبناء (رو 8: 15)، فمن يردّدها وليس له روح التبنّي يكذب[124].] كما يقول: [ن كنّا نفهم ما سبق أن قلناه عن الصلاة بلا انقطاعٍ، أن حياتنا كلها هي صلاة بلا انقطاع تردّد القول "أبانا الذي في السماوات"، فإن مواطنتنا لا تعود بعد على الأرض، إنّما في السماء (في 3: 20) التي هي عرش الله، فإن ملكوت السماوات يتربَّع في الذين يحملون صورة السماوي (1 كو 15: 49) وبذلك يكونون هم أنفسهم سمائيّين[125].

ويقول القدّيس أثناسيوس الرسولي: [إن كان يريدنا أن ندعو أباه أبًا لنا، فيليق بنا على هذا الأساس ألا نقيس أنفسنا بالابن حسب الطبيعة، فإنه بسبب الابن ندعو الآب هكذا. إذ حمل الكلمة جسدنا، وصار فينا، لذلك يُدعَى الله أبانا بسبب الكلمة الذي فينا، فإن روح الكلمة الذي فينا يدعو أباه خلالنا كأب لنا، الأمر الذي عناه الرسول بقوله: "أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخًا: يا أبّا الآب" (غل 4: 6)[126].] ويقول القدّيس كبريانوس: [يا لعظم لطف الرب! يا لعظم تنازله وكرم صلاحه نحونا، إذ يريدنا أن نُصَلِّي بطريقة ندعو بها الله أبًا، ونُحسَب نحن أبناء الله، كما أن المسيح نفسه هو ابن الله. لقب ما كان أحد يجسر أن ينطق به في الصلاة لو لم يسمح لنا بنفسه أن ننطق به. لهذا يليق بنا أيها الإخوة الأحبّاء أن نتذكَّر هذا وندرك أننا إذ ندعو الله أبًا فلنعمل بما يليق كأبناء لله. وكما تجدون لذَّة في دعوة الله أبًا، فهو أيضًا يجد لذَّة فينا![127]]

يقول القدِّيس كيرلس الأورشليمي: [يا لعظمة حبّ الله للبشر! فقد منح الذين ابتعدوا عنه وسقطوا في هاوية الرذائل غفران الخطايا، ونصيبًا وافرًا من نعمة، حتى أنهم يدعونه أبًا: "أبانا الذي في السماوات". السماوات هي أيضًا هؤلاء الذين يحملون صورة العالم السماوي، والذي يسكن الله فيهم ويقيم[128].]

يقول العلامة ترتليان: [مطوَّبون هم الذين يعرفون أباهم! وقد وجَّه هذا التوبيخ ضد إسرائيل إذ يُشْهد الروح السماء والأرض، قائلاً: "ربَّيْتُ بنين ولم يعرفونني" (إش 1: 2)... عندما نذكر الآب نستدعي أيضًا الابن، إذ يقول: "أنا والآب واحد" (يو 10: 30)، وأيضًا لا نتجاهل الكنيسة أُمِّنا، إذ تُعرف الأم خلال الآب والابن، وخلالها يظهر اسم كل من الآب والابن. بتعبير واحد عام، أو بكلمة، نحن نكرم الآب مع ابنه... ونذكر الوصيَّة، ونضع علامة للذين نسوا أبيهم[129].]

4. لماذا أول طلبة نسألها من الرب: "ليتقدس اسمك"؟

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يليق بمن يدعو الله أباه ألا يطلب شيئًا ما قبل أن يطلب مجد أبيه، حاسبًا كل شيء ثانويًا بجانب عمل مدحه، لأن كلمة "ليتقدَّس" إنّما تعني "ليتمجَّد"[130].]

يقول القدِّيس كيرلس الأورشليمي: [اسم الله مُقدَّس بطبيعته، إن قلنا أو لم نقل، لكن بما أن اسم الله يُهينه الخطاة كما هو مكتوب: "اسمي يُجدَّف عليه بسببكم بين الأمم" (رو 2: 24؛ إش 52: 5)، فنحن نطلب أن يتقدَّس اسم الله فينا، لا بمعنى أن يصبح مقدَّسًا، كأنه لم يكن مقدَّسا فينا نحن الذين نسعى إلى تقديس أنفسنا وممارسة الأعمال اللائقة بتقديسنا[131].]

5. لماذا تسألونه "ليتقدَّس اسمك" وهو قدُّوس أصلاً؟

يقول القدِّيس أغسطينوس: [إنَّكم إذ تسألونه ذلك هل تطلبون لأجل الله وليس لأجل صالحكم؟! لا، افهموا هذا جيِّدًا، وهو إنَّكم تسألون هذا لأجل أنفسكم. إنَّكم تسألون من هو قدُّوس في ذاته دائمًا أن يكون مقدَّسًا فيكم. ماذا تعني كلمة "ليتقدَّس"؟ إنَّها تعني أن يتقدَّس اسم الله فيكم ولا يُحتقَر فيكم. لذلك فإن ما تطلبونه هو لخيركم، لأنَّكم إن احتقرتم اسم الله تصيرون (وليس الله) أشرارًا. يتقدَّس اسم الله فيكم بنوالكم سرّ المعموديَّة، ولكنَّكم لماذا تطلبون هذه الطلبة بعد العماد، إلاَّ لكي يبقى فيكم ما استلمتموه بالعماد إلى الأبد[132].] [إن كان اسم الله يجدّف عليه من الأمم بسبب الأشرار، فعلى العكس يُقَدَّس ويُكَرَّم بسبب الأمناء، أي المؤمنين[133].]

ويقول الأب إسحق: [حينما نقول "ليتقدَّس اسمك" يليق بنا جدًا أن نفهمه بهذا المعنى: "تقديس الله هو كمالنا"؛ أيضًا اجعلنا أيها الآب قادرين أن نفهم. نسلك بما فيه تقديس اسمك، أو على أي الأحوال يراك الآخرون قدوسًا بتغيّرنا الروحي، "إذ يرى الناس أعمالنا ويُمَجِّدون أبانا الذي في السماوات" (مت 5: 16) [134].

يقول القدّيس كبريانوس: [لسنا نرغب أن يتقدَّس الله بصلواتنا وإنما نسأله أن يتقدَّس اسمه فينا... إننا نحن الذين تقدَّسنا في المعموديّة نسأله ونتوسَّل إليه أن نستمر فيما بدأنا فيه. هذا ما نُصَلِّي لأجله كل يومٍ، إذ نحن في حاجة إلى تقديس يومي، إذ نسقط كل يوم ونحتاج إلى غسل من خطايانا بالتقديس المستمر... يقول الرسول إننا نتقدَّس باسم ربّنا يسوع المسيح وبروح إلهنا. ونحن نُصَلِّي لكي يتم هذا التقديس فينا؛ فقد حذَّر ربّنا ودَيَّاننا ذاك الذي طلب من الذي شفاه ألا يخطئ مرّة أخرى، لئلا يصير إلى حال أشرّ، وها نحن نُقَدِّم هذه الطلبة في صلواتنا باستمرار، سائلين إيّاه ليلاً ونهارًا أن يحفظ بحمايته التقديس الذي نلناه من نعمته[135].]

6. أليس هو ملك الملوك فلماذا نطلب "ليأت ملكوتك"؟

يقول القدِّيس أغسطينوس: [إن مجيئه آتٍ لا محالة، سواء سألناه ذلك أو لم نسأله. حقًا إن ملكوته أبدي، لأنَّه في أي وقت لم يكن لله ملكوت؟! متى بدأ يملك؟! إن ملكوته بلا بداية ولا نهاية.

ينبغي علينا أن نعلم أنَّنا نصلِّي بهذه الطلبة لأجل أنفسنا وليس لأجل الله، لأنَّنا لا نقول "ليأتِ ملكوتك"، كما لو كنَّا نسأل من أجل أن يملك الله، بل لكي نكون نحن من ملكوته، وذلك إن آمنّا به وتقدَّمنا في إيماننا هذا. كل المؤمنين الذين يخلصون بدم ابنه الوحيد سيكونون ملكوته[136]. وهذا الملكوت آتٍ بعد القيامة، حيث يأتي الابن بنفسه ويقيم الأموات. ويقول للذين عن يمينه: "تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت" (مت ٢٥: ٣٤). هذا هو الملكوت الذي نرغبه ونطلبه بقولنا: "ليأت ملكوتك". إنَّنا نطلب أن يأتي بالنسبة لنا، لأنَّه وإن لم يأتِ بالنسبة لنا فسيأتي ولكنَّ للآخرين. أمَّا إذا اِنتمينا إلى أعضاء ابنه المولود الوحيد، فسيأتي ملكوته بالنسبة لنا ولا يتأخَّر.

هل لازالت سنوات كثيرة على مجيئه كتلك التي عبرت؟! يقول الرسول يوحنا: "أيَّها الأولاد إنَّها الساعة الأخيرة". أنَّها ساعة طويلة بالنسبة لذلك اليوم الطويل. انظروا كم من السنوات دامت هذه الساعة الأخيرة! إذن فلنسهر حتى ننام بالموت لنقوم في النهاية ونملك إلى الأبد. ماذا يقصد بـ "ليأت ملكوتك"؟ يجدنا صالحين، فنحن نطلب منه أن يجعلنا صالحين حتى يأتي ملكوته بالنسبة لنا.

لتعطنا نصيبًا في ملكوتك، ليأتِ بالنسبة لنا ذاك الذي سيأتي لقدِّيسيك ولأبرارك.]

كما يقول: [لا نقول: "ليأتِ ملكوتك" كما لو كنّا نسأل أن يملك الله، إنّما لكي نصير نحن ملكوته، ذلك بإيماننا به وتقدّمنا في الإيمان به[137].]

يقول العلاّمة أوريجينوس: [إن كان ملكوت الله كقول ربّنا ومخلّصنا لا يأتي بمراقبة، ولا يقولون هوذا ههنا أو هوذا هناك، إنّما ملكوت الله داخلكم (لو 17: 20-21)، لأن الكلمة قريبة جدًا في فمنا وفي قلبنا (تث 30 : 14؛ رو 10: 8)، فمن الواضح أن من يصلّي لكي يأتي ملكوت الله، إنّما يصلّي بحق لكي يظهر فيه ملكوت الله، ويأتي الآن أيضًا ليت فسادنا يلبس التقديس في القداسة وكل طهارة وعدم الفساد (1 كو 15: 53)، ويلتحف المائت بعدم موت الآب عندما يبطل الموت (1 كو 15: 26)، عندئذ يملك الله علينا ويمكننا أن ننعم بشركة الخيرات الخاصة بالتجديد والقيامة[138].]

يقول القدّيس كبريانوس: [لا يليق بنا ونحن نطلب ملكوت الله أن يأتي سريعًا، إننا أنفسنا نهتم أن يطول بقاؤنا في هذا العالم[139].] كما يقول: [نسأله أن يُقَام ملكوت الله بالنسبة لنا وذلك كما نسأله أن يتقدَّس اسمه فينا... فنحن نُصَلِّي لكي يأتي ملكوتنا الذي وعدنا الله به، والذي تحقَّق خلال دم المسيح وآلامه، حتى أننا نحن الذين صرنا خاضعين له في العالم نملك مع المسيح، إذ وعد قائلاً: "تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المُعَدّ لكم منذ تأسيس العالم" (مت 25: 34). على أي الأحوال، المسيح نفسه أيها الإخوة الأعزّاء، هو ملكوت الله الذي نرغب في مجيئه من يوم إلى يوم، فنطلب سرعة مجيئه. مادام المسيح هو القيامة، ففيه نقوم، هكذا هو ملكوت الله وفيه نملك... إننا نصنع حسنًا إذ نطلب ملكوت الله، أي الملكوت السماوي، حيث يوجد ملكوت أرضي. فمن يزهد العالم تكون كرامته وملكوته أعظم. من يُكَرِّس نفسه لله والمسيح لا يطلب الملكوت الأرضي بل السماوي. توجد حاجة للصلاة الدائمة والطلبة كي لا نسقط عن الملكوت كقول الرب: "إن كثيرين سيأتون من المشارق والمغارب ويتّكئون مع إبراهيم واسحق ويعقوب في ملكوت السماوات، وأما بنو الملكوت فيطرحون إلى الظلمة الخارجيّة، هناك يكون البكاء وصرير الأسنان" (مت 8: 11-12). كان اليهود أبناء الملكوت إذ كانوا أبناء لله، ولكن إذ توقَّفت معرفتهم لاسم الآب توقَّف عنهم الملكوت، وهكذا نحن المسيحيّين إذ نبدأ صلواتنا بدعوة الله أبانا نصلّي أيضًا أن يأتي ملكوته بالنسبة لنا[140].]

يقول القدِّيس كيرلس الأورشليمي: [يليق بالنفس الطاهرة أن تقول بثقة "ليأت ملكوتك"، لأن الذي يسمع بولس يقول: "لا تملُكن الخطيَّة في جسدكم المائت" (رو 6: 12)، يعمل على تطهير نفسه بالفعل والفكر والقول، ويستطيع القول: "ليأت ملكوتك[141]".]

يقول القدِّيس غريغوريوس أسقف نيصص: [نسأل أيضًا الرب إن يُخلِّصنا من الفساد لينزع الموت أو كما قيل "ليأت ملكوتك"، أي ليحل الروح القدس علينا ويطهرنا.]

يقول العلامة ترتليان: [رغبتنا هي أن يُسرِع ملكنا بالمجيء فلا تمتد عبوديَّتنا (في هذا العالم[142]).]

7. لماذا نقول: لتكن مشيئتك كما في السماء، كذلك على الأرض! هل لا ينفذ الله مشيئته ما لم نطلب نحن منه ذلك؟!

إننا نسأل الله أن كل ما نفكر فيه وننطق به ونمارسه يكون حسب مشيئته الإلهية وحسب مسرته. يقول الرسول: "القادر أن يفعل فوق كل شيء أكثر جدًا مما نطلب أو نفتكر بحسب القوة التي تعمل فينا" (أف ٣: ٢٠).

يقول القدّيس كبريانوس: [إذ يعوقنا (العدو) عن طاعة مشيئة الله بأفكارنا وأعمالنا في كل شيء، لهذا نُصَلِّي ونطلب أن تتم مشيئة الله فينا، ولكي يتحقّق ذلك نحن في حاجة إلى إرادته الصالحة أي معونته وحمايته، إذ ليس لأحد القدرة من ذاته على ذلك[143].]

يقول القدِّيس أغسطينوس: [إنَّه يقصد بها أن تعمل مشيئته فيّ ولا أُقاومها. وبذلك تطلبون من أجل أنفسكم لا من أجل الله لأن مشيئة الله عاملة فيكم ولو لم تكن بواسطتكم[144]. فمشيئة الله عاملة فيمن سيقول لهم "تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المُعدّ لكم منذ تأسيس العالم" (مت ٢٥: ٣٤). كما تعمل فيمن سيقول لهم: "اذهبوا عنِّي... إلى النار الأبديَّة المُعدَّة لإبليس وملائكته" (مت ٢٥: ٤١). تعمل مشيئته في الأوَّلين بأن يأخذ الأبرار والقدِّيسون ملكوت السماوات، كما تعمل في الآخرين بمعاقبة الأشرار بالنار الأبديَّة. أمَّا كون مشيئته تعمل بواسطتنا فهذا أمر آخر. فأنتم لا تصلُّون لكي تعمل مشيئته بلا فائدة بل لصالحكم. لأنَّه سواء أكانت لصالحكم أو لغير صالحكم فهي نافذة، ولكنَّها ستعمل فيكم وليس بواسطتكم.]

يقول القدِّيس كيرلس الأورشليمي: [ملائكة الله الطوباويون الإلهيون يصنعون مشيئة الله كما يُرَنِّم داود قائلاً: "باركوا الرب يا ملائكته المقتدرين قوَّة، الفاعلين كلمته" (مز 103: 20) فعندما تُصلِّي بقوَّة تود القول: كما تتم مشيئتك في ملائكتك، فلتتم هكذا فينا نحن علي الأرض يا رب[145].]

ويقول القدِّيس يوحنا الذهبي الفم: [كأنه يقول: اجعلنا يا رب قادرين أن نتبع الحياة السماويَّة، فنريد نحن ما تريده أنت.]

8. ماذا يقصد بكلمتيّ "السماء، الأرض" في هذه العبارة (مت 6: 10)؟

يحمل السماء والأرض مفاهيم رمزيّة، نذكر منها الآتي:

أولاً: الملائكة والبشر.

يقول القدِّيس أغسطينوس: [تُتَمِّم الملائكة مشيئة الله، فهل نُتَمِّم نحن مشيئته؟! كما أن ملائكتك لا تُعارِضك، هكذا ليتنا نحن لا نعارضك أيضًا. كما أن ملائكتك تخدمك في السماء، هكذا لنخدمك نحن على الأرض. ملائكته القدِّيسون يطيعونه، إنَّهم لا يخطئون إليه، بل ينفِّذون وصايَّاه لمحبَّتهم له. ونحن نصلِّي لكي نُنفِّذ أيضًا وصاياه في حب[146].]

ويقول الأب إسحق: [لا يمكن أن توجد صلاة أعظم من الاشتياق أن تكون الأمور الأرضيّة سماويّة، لأنه ماذا يعني القول "لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض" سوى السؤال من أجل البشر ليكونوا مثل الملائكة؟ فكما تتم مشيئة الله بواسطتهم في السماء هكذا ليت الذين على الأرض لا يفعلون مشيئتهم الذاتيّة بل مشيئة الله[147].] وأيضًا القدّيس جيروم: [كما تطيعك الملائكة في السماء وتخدمك الخليقة السماويّة، هكذا ليخدمك البشر أيضًا[148].]

ويقول العلاّمة أوريجينوس: [ليتنا نحن الذين لا نزال على الأرض ونُدرِك أن إرادة الله تتم في السماء بواسطة سكان السماء، نُصَلّي كي تتم إرادته بواسطتنا نحن أيضًا على الأرض في كل الأشياء...] [عندما تتحقَّق إرادة الله بواسطتنا نحن الذين على الأرض كما تتحقَّق في الذين في السماء نتشبَّه بالسمائيّين إذ نحمل مثلهم صورة السماوي (1 كو 15: 49) ونرث ملكوت السماوات (مت 25: 34). ويأتي الذين بعدنا وهم على الأرض يصلّون لكي يتشبّهوا بنا، إذ نكون نحن في السماء (الفردوس)[149].]

ثانيًا: الروح (أو العقل) والجسد.

يقول القدّيس أغسطينوس: [حين يتَّفِق الجسد مع العقل، ويُبتلَع الموت إلى غلبة (1 كو 15: 54) حتى لا تبقى بعد شهوات جسديّة يصارع معها العقل، ينتهي الصراع الأرضي وتعبر الحرب القلبيّة المكتوب عنها: "لأن الجسد يشتهي ضدّ الروح، والروح ضدّ الجسد. وهذان يقاوم أحدهما الآخر حتى تفعلون ما لا تريدون" (غل 5: 17). أقول، عندما ينتهي هذا الصراع وتتحوَّل كل الشهوات إلى محبّة، ولا يبقى في الجسد ما يضاد الروح، ولا يبقى فيه شيئًا ليُقمَع أو يُلجَم أو يُطَأ تحت الأقدام، بل يصير الكل في وفاق مُتَّجِهًا نحو البرّ... حينئذ تكون مشيئة الله في السماء كذلك على الأرض... إننا إذ نُصَلِّي بهذه الطلبة إنّما نشتهي الكمال... كما تبتهج عقولنا بوصاياك ليت أجسادنا أيضًا ترضى بها، وبهذا ينتهي الصراع الذي وصفه الرسول... ويتحوَّل الصراع إلى نصرة مستقبلة![150]]

ويقول القدّيس كبريانوس: [إذ لنا الجسد من الأرض والروح من السماء، فنحن أنفسنا أرض وسماء، وفي كليهما - أي في الجسد والروح - نصلّي لكي تتم مشيئة الله. يوجد صراع بين الجسد والروح، نزاع يومي، كما لو كان الواحد لا يتَّفِق مع الآخر، حتى أننا لا نقدر أن نفعل ما نريده (غل 5: 17-22). تطلب الروح الأمور السماويّة الإلهيّة بينما يشتهي الجسد الأمور الأرضيّة الزمنيّة، لذا نطلب معونة الله ومساعدته حتى يتم التوافق بين الطبيعتين، فتتم مشيئة الله في الروح وفي الجسد، وتحفظ النفس المولودة ثانية بواسطته[151].]

ثالثًا: الإنسان الروحاني والإنسان الجسداني.

يقول القدّيس أغسطينوس: [الإنسان الروحاني في الكنيسة هو السماء، أمّا الجسداني فهو الأرض. هكذا لتكن مشيئة الله كما في السماء كذلك على الأرض، وكأنه كما يخدمك الروحاني فليخدمك الجسداني بإصلاحه... كل الآباء القدّيسين والأنبياء والرسل والروحانيّين إنّما هم كالسماء... ونحن بالنسبة لهم الأرض، هكذا لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض[152].]

ويقول العلاّمة أوريجينوس: [إذا ما صارت إرادة الله على الأرض كما في السماء، فسنصير نحن سماءً، لأن الجسد الذي لا ينفع (يو 6: 63) والدم المرتبط به، لا يقدران أن يرثا ملكوت الله (1 كو 15: 50) إنّما يقال إنهما يرثانه عندما يتحوَّلان من جسد وأرض وتراب ودم إلى أمور سماويّة[153].]

رابعًا: المؤمنون وغير المؤمنين.

يقول القدّيس أغسطينوس: [الكنيسة هي السماء وأعداؤها هم الأرض. ماذا تعني: "لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض"؟ أن يؤمن بك الأعداء كما نحن. إنهم الأرض لهذا هم ضدّنا، فإن صاروا سماءً يصيرون معنا![154]]  

ويقول القدّيس كبريانوس: [يلزمنا أن نسأل من أجل الذين لا يزالون أرضًا ولم يبدأوا بعد ليكونوا سماءً لكي تتم مشيئة الله حتى في هؤلاء... كما تتم مشيئة الله في السماء - أي فينا نحن إذ صرنا سماءً بإيماننا - هل تتم على الأرض، أي في الذين لم يؤمنوا بعد، هؤلاء الذين لا يزالوا أرضًا بسبب ميلادهم الأول منها، فيولدون من الماء والروح ويبدأون أن يكونوا سماءً[155].]

9. ماذا يعني بالخبز في قوله: خبزنا كفافنا (اليومي أو الجوهري أو الذي للغد) أعطنا اليوم (مت 6: 11)؟

في اختصار يُشير هذا الخبز إلى: القوت اليومي، أو الإفخارستيا، أو كلمة الله (الكتاب المقدس) أو السيد المسيح نفسه.

أولاً: القوت اليومي

يليق بالمؤمن أن يحافظ على صحة جسده وأيضًا نفسه. يقول القدّيس أغسطينوس: [هب لنا الأمور الأبديّة (الطلبات السابقة)، وأعطنا الأمور الزمنيّة. لقد وعدت بالملكوت فلا تحجم عنّا وسيلة الحياة. ستعطينا مجدًا أبديًا إذ تهبنا ذاتك فيما بعد، أعطنا على الأرض المئونة الزمنيّة... بلا شك هذه الطلبة تُفهَم عن الخبز اليومي من ناحيتين: القوت الضروري للجسد والمئونة الروحيّة الضروريّة. توجد مئونة لازمة للجسد لحفظ حياتنا اليوميّة، بدونها لا نقدر أن نعيش وهي الطعام والملبس، لكن بذكر الجزء (الخبز) نقصد الكل[156].]

ثانيًا: سرّ الإفخارستيا

يقول القدّيس أغسطينوس (في حديثه مع طالبي العماد) [إن كنتم تفهمون هذا الخبز أنه ما يناله المؤمنون، وما تنالونه أنتم بعد العماد، فإنه من المهم أن نسأل ونطلب "خبزنا اليومي أعطنا اليوم" لكي نسلك بحياة مُعَيَّنة فلا نُحرَم من الهيكل المُقَدَّس... أعطنا جسدك، طعامنا اليومي... دعنا نعيش صالحين حتى لا نُحرَم من مذبحك[157].]

ويقول القدّيس أغسطينوس: [هذا الذي يقول عنه الرب في الإنجيل: "ليس حسنًا أن يُؤخذ خبز البنين ويُطرَح للكلاب" (مت 15: 26)؟ بالتأكيد يوجد خبز آخر، فما هو هذا الخبز؟ ولماذا دُعِي بالخبز اليومي؟ لأنه ضروري كالخبز الآخر، بدونه لا نستطيع أن نحيا... ذلك هو كلمة الله التي تُوَزَّع يوميًا. خبزنا يومي، تحيا به أرواحنا لا أجسادنا، إنه لازم لنا نحن الذين لا نزال نعمل في الكرم. إنه الغذاء وليس الأجرة. فمن يستأجر عاملاً يلتزم بتقديم الغذاء له حتى لا يخور، أمّا الأجرة فتُقَدَّم له ليُسرّْ بها. غذاؤنا اليومي في هذه الحياة هو كلمة الله، التي تُوَزَّع على الدوام في الكنائس، أمّا أجرتنا التي نأخذها بعد العمل فهي التي تُدعَى بالحياة الأبديّة... ما عالجته أمامكم الآن هو خبز يومي، كذلك فصول الكتاب المقدّس التي تسمعونها يوميًا في الكنيسة هي خبز يومي. التسابيح التي تترنمون بها هي أيضًا خبز يومي. لأن هذه جميعها ضروريّة لنا أثناء رحلتنا[158].]

كما يقول: [عندما تنتهي هذه الحياة لا نطلب الخبز الذي نجوع إليه، ولا نأخذ من الأسرار المقدّسة من على المذبح، إذ نكون هناك مع المسيح الذي نأخذ جسده هنا، ولا تحتاجون إلى من يحدّثكم عما أنطق به معكم الآن، ولا نقرأ الكتاب المقدّس إذ نُعاين كلمة الله نفسه، الذي به كان كل شيء وبه يتغذَّى الملائكة ويستنيرون ويصيرون حكماء، دون حاجة إلى المناقشات المستمرّة... إنهم يشربون من الكلمة الوحيد، مملوئين من ذلك الذي به ينفجرون في التسبيح بلا انقطاعٍ، إذ يقول المزمور: "طوبى للساكنين في بيتك أبدًا يُسَبِّحونك" (مز 84: 4)[159].]

ويقول القدّيس كبريانوس: [المسيح هو خبز الحياة بالنسبة لنا ولا يخصّ كل البشر. وكما نقول "أبانا" إذ هو أب لكل من يفهم ويؤمن، هكذا ندعو المسيح خبزنا، لأنه خبز لكل الذين يتَّحِدون بجسده. ونحن نطلب أن يعطينا هذا الخبز كل يوم، فنحن الذين في المسيح ونتناول يوميًا الإفخارستيا كطعام خلاصنا، لا نودّ أبدًا أن نُمنَع من الشركة بسبب قهر زلّة عرضيّة تحرمنا من خبز السماء، وتفصلنا عن جسد المسيح، لقد سبق فنادى وحذَّر: "أنا هو الخبز الحيّ الذي نزل من السماء، إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد، والخبز الذي أنا أعطي هو جسدي الذي أبذله من أجل حياة العالم" (يو 6: 51)... لذلك نطلب أن خبزنا - أي المسيح - يعطى لنا كل يوم، حتى أننا نحن الذين نسكن في المسيح ونحيا فيه لا نُحرَم منه[160].

يقول العلامة ترتليان: [المسيح هو خبزنا، لأنه هو الحياة، والخبز هو الحياة. يقول السيِّد: "أنا هو خبز الحياة" (يو 6: 35)، يسبق ذلك قوله: "خبز الله هو (كلمة الله الحيّ) النازل من السماء" (يو 6: 33). جسده أيضًا يُحسَب خبزًا[161].]

ويرى القدِّيس أغسطينوس إن هذا الخبز اليومي هو التمتُّع بقيامة السيِّد المسيح، لكي نختبر كل يوم قوَّة قيامته عاملة فينا.

ويقول العلاّمة أوريجينوس[162]: [الخبز الحقيقي هو الذي يقوت الإنسان الحقيقي الذي خُلِق على صورة الله (تك 1: 26-27)، ومن يقتات به يصير أيضًا على مثال الخالق. ولكن أي شيء يُنعش النفس إلا "الكلمة"، وأي شيء أثمن لذهنه من حكمة الله؟... وأي شيء يخص النفس العاقلة أكثر من "الحق"؟] كما يقول: [لكي لا تمرض نفوسنا بسبب عدم وجود قوت لها، ولكي لا تموت بسبب وجود مجاعة في كلمة الرب، فلنسأل الآب الخبز الحيّ كخبز يومي، مطيعين مُخَلِّصنا كمُعَلِّمٍ، وواضعين إيماننا فيه، سالكين بأكثر حكمة.]

ويذكر العلاّمة أوريجينوس في شرحه الصلاة الربّانيّة أن كلمة (epiouios) مأخوذة عن "ousia" أي "جوهر[163]". بينما يرى البعض أنها مشتقّة عن   "epienai"[164] والتي تعني "الغد". وبنفس الفكر يذكر جيمس سترونج في كتابه: "القاموس اليوناني للعهد الجديد" بأن الكلمة مشتقّة إمّا عن "epiousa" أو "epi" أو "eimi"، وأنها معناها: أساسي، جوهري، ضروري، يومي، الغد[165]

هذا ويقول القدّيس جيروم: إن [الإنجيل العبري حسب متّى يُقرأ هكذا: "خبزنا الذي للغد أعطنا اليوم" بمعنى آخر، أن الخبز الذي ستهبه لنا في ملكوتك اِمنحه إيّانا اليوم[166].]

10. لماذا لا يغفر لنا الله ذنوبنا ما لم نغفر نحن أيضًا لإخوتنا ذنوبهم؟

لأننا نشهد عمليًا أننا أشرار لا نصفح لإخوتنا عما ارتكبوه ضدنا، وأننا غرباء عن صلاح الله. يليق بنا أن نتقدَّم للصلاة بروح الحب بدون تذكُّر أية ضغينة أو كراهية لأحد أيًا كان موقفه منا أو من الكنيسة. نعلن غفراننا له في قلوبنا التي ينظرها الله نفسه، ونتمم الوصية الرسولية: "إن كان ممكنًا فحسب طاقتكم سالموا جميع الناس" (رو ١٢: ١٨).

يقول الأب اسحق: [من لا يغفر من قلبه لأخيه الذي أساء إليه لا يجلب لنفسه بهذه الصلاة غفرانًا بل دينونة[167].]

ويقول القدّيس أغسطينوس: ["واغفر لنا ما علينا our debts"... إننا مدينون بالخطايا لا بالمال. لكن ربّما تقولون: وهل أنتم أيضًا مدينون بالخطايا؟ أجيب بالإيجاب. هل أنتم أيها الأساقفة مدينون؟ نعم نحن أيضًا مدينون! ما هذا يا ربي؟! أبعدوا هذا عنكم (أي إدانة الأساقفة) ولا تخطئوا فإنّني لا أصنع خطأ، ومع ذلك فإنّني أقول الحق أني مدين. "إن قلنا أنه ليس لنا خطيّة نُضلّ أنفسنا وليس الحق فينا" (1 يو 1: 8). إننا نلنا سرّ المعموديّة، ومع ذلك فنحن مدينون، ليس لأن المعموديّة لم تغفر خطيّة مُعيَّنة بل لأننا نفعل في حياتنا ما نحتاج إلى مغفرته كل يوم... أي إنسان يعيش هنا ولا يحتاج إلى هذه الصلاة؟! إنه متكبّر لا يستطيع أن يتبرّر. خير له أن يتمثَّل بالعشّار ولا يتكبَّر كالفرّيسي الذي صعد إلى الهيكل متباهيًا باستحقاقه، خافيًا جراحاته، أمّا الذي قال: "اللهم ارحمني أنا الخاطي" (لو 18: 13) فقد عرف أين يصعد. انظروا أيها الإخوة... فقد علَّم الرب يسوع تلاميذه الذين هم رسله الأوّلين العظماء، قادة قطيعنا، أن يصلّوا بهذه الطلبة. فإن كان القادة يصلّون من أجل غفران خطاياهم، كم بالأكثر ينبغي علينا نحن الحملان!...

الصلاة مع الإحسان يرفعان الخطايا، بشرط ألا نرتكب تلك الخطايا التي بسببها نُحرَم من الخبز اليومي (سّر الإفخارستيا). لنتجنّب كل الآثام التي تستحق تأديبات قاسية.] ‍

كما يقول: إنه عهد وميثاق بيننا وبين الله! الرب إلهنا يقول: اغفروا يغفر لكم، فإن لم نغفر نبقى في خطايانا ضدّ أنفسنا وليس ضدّه... اغفروا من قلوبكم التي يراها الله، إذ أحيانًا يغفر الإنسان بفمه لكنّه يحتفظ بها في قلبه. يغفرها بفمه من أجل البشر، ويحتفظ بها في قلبه إذ لا يخاف من عينيّ الله[168].]

يقول القدّيس كبريانوس: [بعد طلب الطعام نسأل الصفح عن الخطيّة، لأن من يقوته الله يلزم أن يحيا في الله، فلا يكون رجاؤه بالحياة الحاضرة الزمنيّة فحسب وإنما بالأبديّة أيضًا، التي نأتي إليها متى غُفِرَت الخطيّة، هذه التي دعاها السيّد "ديونًا"، حسب قوله في إنجيله: "كل ذلك الدين تركته لك لأنك طلبت إليّ" (مت 18: 32). إنه من الضروري واللائق والنافع لنا أن يذكرنا الرب بأنّنا خطاة، إذ يلزمنا سؤال الصفح عن خطايانا، فبالتماسنا الصفح عنها من الله نتذكّر حالة الخطيّة التي عليها ضمائرنا، ولئلا يتعجرف أحد ويظن في نفسه أنه بار فيهلك بكبريائه إلى النهاية، لذلك نتعلَّم من هذه الطلبة أننا نخطئ كل يوم. هكذا يُحَذِّرنا الرسول يوحنا في رسالته: "إن قلنا أنه ليس لنا خطيّة نُضلّ أنفسنا، وليس الحق فينا، إن اعترفنا بخطايانا (فالرب) أمين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا" (1 يو 1: 8-9)[169].]

11. ماذا يعني القول: لا تدخلنا في تجربة، لكن نجّنا من الشرّير؟

يقول الأب إسحق: [أيوب جُرِّب، لكنّه لم يدخل في تجربة، إذ لم ينطق ضدّ الله بأي تجديف، ولا استسلم لفمٍ شريرٍ كرغبة الشرّير نفسه. إبراهيم جُرِّب، ويوسف جُرِّب، لكن لم يدخل أحدهما في تجربة، لأنهما لم يستسلما ليُرضيا المُجَرِّب[170].]

ويقول القدّيس أغسطينوس: [من يُغلَب من التجربة يرتكب الخطيّة، لهذا يقول يعقوب الرسول: "لا يقل أحد إذا جُرِّب إني أُجَرَّب من قبل الله، لأن الله غير مُجرَّب بالشرور وهو لا يُجَرِّب أحدًا. ولكن كل واحد يُجَرَّب إذا انجذب وانخدع من شهوته. ثم الشهوة إذا حبلت تلد خطيّة، والخطيّة إذا كملت تنتج موتًا" (يع 1: 13-15). فإذ لا تنجذبون إلى شهوتكم لا تقبلونها... الله لا يُجرِّب أحدًا بالتجارب التي تخدعنا وتضلّنا، ولكن بدون شك في أعماق عدله يتخلَّى عن البعض، فيجد المُجَرِّب فرصته، لأنه لا يجد فيها مقاومة. وإذ يتخلَّى الله عنهم يتقدَّم المُجرِّب نفسه كمالك لهم. لهذا نقول "لا تدخلنا في تجربة" لكي لا يتخلَّى الله عنّا... ماذا يُعَلِّمنا الرسول يعقوب! إنه يُعَلِّمنا أن نُحارِب شهواتنا...

لا يخيفكم أي عدوّ خارجي! انتصروا على أنفسكم، فتغلبوا العالم كله! لأنه ما هو سلطان المجرِّب الخارجي عليكم، سواء أكان الشيطان أم خادمه؟ إن وُضِع أمامكم الأمل بالربح بقصد إغرائكم للخطيّة لا يجد فيكم الطمع، فلا يقدر أن يفعل بكم شيئًا... أمّا إن وُجد فيكم الطمع، فإنكم تحترقون عند إغرائكم بالمكسب وتُصطادون بطعم فاسد... وإن وضع أمامكم نساء فائقات الجمال، فإن وُجد فيكم العفّة داخلكم تَغلبون الظلمة الخارجية. حاربوا شهواتكم الداخليّة فلا يقتنصكم بطُعم امرأة غريبة. إنكم لا تدركون عدوّكم، لكنكم تُدركون شهواتكم... فلتسيطروا على ما تلمسونه داخلكم[171].]

يقول القدّيس كبريانوس: [في هذه الكلمات يظهر عجز الخصم عن فعل أي شيء ضدّنا ما لم يسمح له الله بذلك، لهذا يتحوَّل خوفنا وتقوانا وطاعتنا إلى الله، إذ في تجاربنا لا يصيبنا شيء لو لم يُعطَ سلطانًا من الله. هذا ما يُؤكِّده الكتاب الإلهي إذ يقول: "جاء نبوخذنصر ملك بابل على أورشليم وسباها والرب سلّمها ليده" (راجع 2 مل 24: 11).

يُعطى السلطان للشرّير بسبب خطايانا، كما قيل: "من دفع يعقوب إلى السلب وإسرائيل إلى الناهبين؟! أليس الرب الذي أخطأنا إليه، ولم يشاءوا أن يسلكوا في طرقه، ولم يسمعوا لشريعته؟، فسكب عليه حموّ غضبه!" (إش 42: 24). وعندما أخطأ سليمان وترك وصايا الرب وطريقه قيل: "وأقام الرب خصمًا لسليمان" (1 مل 11: 14). يعطي السلطان ضدّنا بأسلوبين: إمّا للعقوبة عندما نخطئ، أو للمجد عندما نتزكّى، كما نرى ذلك في أمر أيوب إذ يقول الرب: "هوذا كل ما له في يديك، وإنما إليه لا تمد يدك" (أي 1: 12). ويقول الرب في إنجيله أثناء آلامه: "لم يكن لك عليّ سلطان البتة لو لم تكن قد أُعطيت من فوق" (يو 19: 11).

ونحن إذ نسأل ألا ندخل في تجربة إنّما نتذكَّر ضعفنا، الذي لأجله نسأل لئلا يتَّصِف أحد بمهانة وفي كبرياء وعجرفة يظن في نفسه أنه شيء، ناسبًا لنفسه مجد الاعتراف (وسط الضيقة) والقدرة على الاحتمال، مع أن الرب يُعَلِّمنا التواضع، قائلاً: "اسهروا وصلّوا لئلا تدخلوا في تجربة، أمّا الروح فنشيط، وأما الجسد فضعيف" (مر 14: 38)[172].] كما يقول: [عندما نقول: "نجّنا من الشرّير" لا يبقى بعد شيء نطلبه. إذ نطلب من الله حمايتنا من الشرّير فيُعطِينا، فنقف في أمان وسلام ضدّ كل ما يصنعه الشيطان أو العالم ضدّنا. فإنه أي شيء يُرهب، في هذه الحياة - من كان الله هو حارسه؟[173]]

12. لماذا نختم الصلاة الربانية بمجدلة الله، قائلين: "لأن لك المُلك والقوّة والمجد إلى الأبد"؟

يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: "إن كان ضعفك مُتعدِّد، لكن ثق أنه يملك عليك من له القوّة ليُتَمِّم فيك كل شيء بسهولة... إنه ليس فقط يُحَرِّرك من المخاطر التي تقترب إليك، وإنما يقدر أن يجعلك مُمَجَّدًا وشهيرًا[174]."] [الله يرغب أن تُغلق أبواب الذهن أفضل من غلق الأبواب[175].] [الله نفسه غير منظور، لذا يودّ أن تكون صلاتك أيضًا غير منظورة[176].]

13. لماذا يؤكد: فإنه إن غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أيضًا أبوكم السماوي، وإن لم تغفروا للناس زلاتهم لا يغفر لكم أبوكم أيضًا زلاّتكم" [14-15].

يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [إننا نبقى كأولاد الله ليس فقط خلال النعمة وحدها، وإنما أيضًا بأعمالنا (مغفرة الخطايا للآخرين). ليس شيء يجعلنا شبه الله مثل استعدادنا للصفح عن الأشرار وصانعي الإثم، وذلك كما سبق فعلَّمنا عندما تحدّث عن نفسه أنه يشرق شمسه على الأشرار والصالحين (مت 5: 45)[177].] [كما إذ تطلَّع إنسان إلى جمال السماوات يقول: المجد لك يا رب، هكذا من ينظر أعمال إنسانٍ فاضلٍ يرى فضيلته تمجِّد الله أكثر من السماوات[178].] [كأنه يقول: اجعلنا يا رب قادرين أن نتبع الحياة السماويَّة، فنريد نحن ما تريده أنت.]

ويقول القدّيس أغسطينوس: [لنأخذ في اعتبارنا اهتمام السيّد المسيح بالطلبة الخاصة بمغفرة خطايا الآخرين فوق كل الطلبات الأخرى، فهو يريد منّا أن نكون رحماء، حتى نهرب من الشقاء بغفران خطايانا. فبهذه الطلبة وحدها ندخل في ميثاق مع الله[179].]

ويقول القدّيس كبريانوس: [لقد ربطنا هذا القانون بشرط مُعَيَّن وتعهّد أننا نسأل التنازل عن الدّين الذي علينا إن كنّا نتنازل عن المدينين لنا... لذلك يقول في موضع آخر: "بالكيل الذي به تكيلون يُكال لكم" (مت 7: 2). العبد الذي صفح سيّده عن كل الدّين الذي عليه إذ لم يرِد أن يغفر للعبد زميله أُعِيد إلى السجن ثانية، ففقد الصفح الذي وهبه إيّاه سيّده... هكذا ليس لك عذر في يوم الدين عندما يُحكَم عليك. بنفس الحكم الذي تحكم به على الغير، فما تفعله أنت يرتدّ إليك[180].]

14. لماذا وُضِع ترتيب الطلبات بهذه الصورة؟

يرى القدّيس أغسطينوس[181] وجود تمييز واضح بين الطلبات الخاصة بالحياة الأبديّة التي نترجَّاها، والتي يبدأ تحقيقها من الآن وهي (ليتقدّس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض)، والطلبات التي تخصّ حياتنا الحاضرة، وهي (خبزنا اليومي، اغفر لنا ذنوبنا، لا تدخلنا في تجربة، نجّنا من الشرّير)، ففي الحياة الأبديّة لا نحتاج إلى خبزٍ يوميٍ، ولا نطلب غفرانًا، حيث لا نعود نخطئ هناك، ولا يوجد مُجرِّب يحاربنا، ولا نطلب نجاة من العدوّ الشرّير.


 

5. الصلاة العقلية والتأمل

1. لماذا اهتم القديس أفراهاط الحكيم الفارسي بالحديث عن الصلاة العقلية الخفية؟[182]

تُدعَى الصلاة العقلية أو القلبية أو الصامتة أو الخفية وأحيانًا تُدعَى التأملية.

يتميَّز المقال الرابع لأفراهاط بأنه من أقدَّم الرسائل المسيحيَّة الموجودة عن الصلاة. لا يدور هذا المقال حول الصلاة الربانيَّة كما في الأعمال المعروفة عن الصلاة لترتليان وأوريجينوس والقديسين غريغوريوس النيسي وكبريانوس وأغسطينوس وغيرهم. لكنه يتميَّز بأنه غني بالأمثلة الكتابية التي تؤكِّد ضرورة نقاوة القلب كشرطٍ لقبول الصلاة. يتطلع أفراهاط إلى الصلاة بكونها لقاءً داخليًا للقلب النقي مع الله القدوس، فالصلاة هي حديث القلب، الذي لن يكون موضوع سرور الله القدوس ما لم يكن طاهرًا ونقيًا.

يفتتح أفراهاط مقاله، قائلاً: [نقاوة القلب تبعث صلاة أقوى من كل الصلوات التي تُتلَى بصوتٍ عالٍ. فالصمت مع العقل الأصيل أفضل من الصوت العالي لمن يصرخ. أعطني يا عزيزي الآن قلبك (أم 23: 26) وفهمك، واسمع عن قوَّة الصلاة النقيَّة، وكيف أن آباءنا القدِّيسين اجتهدوا في صلاتهم أمام الله، وكيف قدَّموها كتقدمة طاهرة (مـل 1: 11). فبالصلاة قُبِلَت التقدمات[183].]

2. ما هي فاعلية الصلاة العقلية؟

أولاّ: الصلاة عند القديس إكليمنضس السكندري هي عنصر أساسي في حياة الغنوسي (المُحِب للمعرفة الحقيقية)، الذي وإن التزم بصلوات السواعي، لكنه يليق به أن يدرك أن صلاته لا يحدّها زمن ولا تختصر على موضع مُعَيَّن. إنّما تكون حياته كلها صلاة[184]. وهي فعَّالة وعاملة حتى وإن كانت صامتة، أمّا موضوعها فهو الشكر الدائم للّه والتشفُّع عن الآخرين مُتشبِّها بالمُخَلِّص.

ثانيًا: يعلن الله عن قبولها بإرسال ملاك على شكل نار تلتهم الذبيحة المُقدَّمة بصلوات عقلية وقلوب نقية من أناس الله الأبرار ولا تقترب من تقدمات الأشرار.

نذكر ما ورد في مقال القديس أفراهاط على سبيل المثال:

أ. تقدمتا هابيل وقايين: [أول كل شيء قبل الله تقدمة هابيل بسبب نقاوة قلبه، ورُفِضَت تقدمة قايين (تك 4: 4). كيف نعرف أن تقدمة هابيل قُبِلَت، بينما رُفِضَت تقدمة قايين؟... عندما قدَّم هابيل وقايين تقدماتهما معًا، نزلت النار الحيَّة التي تخدم أمام الله (مز 104: 4) والتهمت ذبيحة هابيل النقيَّة، بينما لم تمسّ ذبيحة قايين غير النقيَّة. وهكذا عرف هابيل قبول تقدمته، وقايين رفض تقدمته. لقد عُرِفَت ثمار قلب قايين بعد ذلك حين اُختبر ووجد أن قلبه مملوء غشًا، حين قتل شقيقة، وهكذا فما حبل به في فكره ولدته يداه. ولكن نقاوة قلب هابيل كانت أساس صلاته[185].]

ب. إبراهيم: [عندما أَكَّد الله له وعده بأنه سيُولَد له ابن، قال له الله: "خذ لي عجلة وعنزة وكبشًا عمر كل منها ثلاث سنوات ويمامة وحمامة" (راجع تك 15: 9). وعندما قدَّم الذبيحة قطعها إلى أجزاء، ورصَّها شق كل واحدٍ مقابل صاحبهٍ. وقع عليه سبات وظلام، ونزلت نار ومرَّت على الأجزاء والتهمت تقدمة إبراهيم (تك 15: 17).] (مقال 4: 3) [اسمع عن هذه الصلاة الطاهرة، وما تحمله من قوةٍ واضحة فيها. عندما صلَّى إبراهيم أعاد الذين أسرهم الملوك الخمسة (تك 14: 16). كذلك صلاته جعلت العاقر تلد (تك 21: 2). وأيضًا بقوَّة صلاته استحق الوعد بأن من نسله تتبارك كل الأمم (تك 22: 18). واسحق أيضًا أوضح قوَّة الصلاة عندما صلَّى لأجل رفقة فأنجبت أولادًا (تك 25: 21). وصلَّى من أجل أبيمالك، فأوقف الغضب الإلهي عنه (تك 25: 21).] (مقال 4: 4)

ج. منوح والد شمشون. [قدَّم تقدمة، فنزلت نارًا حيَّة والتهمت التقدمة، وكان داخل اللهب، الملاك الذي تكلم معه وهو صاعد إلى السماء (قض 13: 20).] (مقال 4: 3)

د. ناداب وأبيهو ابنا هارون. [عندما قدَّما التقدمة باحتقار، نزلت النار كالمعتاد... لكنها لم تلمس التقدمة، لأن التقدمة لم تُقدَّم بنقاوة. وعندما رأيا أن النار لم تلمس التقدمة أحضرا نارًا من الخارج كي تلتهم التقدمة، حتى لا يتعرَّضا للومٍ من موسى عندما يسألهم لماذا لم تلتهم النار تقدمتهما. النار التي أتيا بها من الخارج فعلاً التهمت التقدمة، لكن نارًا من السماء نزلت والتهمت ناداب وأبيهو. وبذلك حُفظت قداسة الرب من أولئك الذين احتقروا خدمته (لا 10: 2).] (مقال 4: 3)

ه. المائتان وخمسون الذين انشقوا على موسى. قدَّموا بخورًا بدون تصريح، أُمِرَت النار أن تنزل من حضرة الرب، والتهمت المنشقِّين فبادوا (عد 16: 31-33). (مقال 4: 3)

و. صلوات موسى بقلبٍ نقيٍ!

[بصلاته أُنقذ من أيدي فرعون.

وتراءى الله له في الشاكيناه[186] (المسكن خر 40: 34-38).

بصلاته أتت العشرة ضربات على فرعون (خر 7-11).

بصلاته انشقَّ البحر (خر 14: 21).

بصلاته صار الماء المُرّ ماءً عذبًا (خر 15: 25).

بصلاته نزل المن، وأعطيت السلوى (خر 16-17).

بصلاته انشقَّت الصخرة وخرج منها الماء (خر 17: 8-13)،

هزمت عماليق، وأعطت قوَّة ليشوع (عد 21: 21-35).

اقتلعت عوج وسيحون في الحرب (عد 16: 31).

أنزلت الأشرار إلى الهاويَّة (عد 16: 47-50).

رفعت غضب الله عن شعبه، وسحقت عجل الخطيَّة (خر 32: 20).

جلبت لوحي الحجر من الجبل، وجعلت وجه موسى يلمع (خر 34: 29).] (مقال 4: 7)

ز. يونان وقلبه النقي. [صلَّى يونان أمام إلهه من أعماق البحر، وسمعه الله (يون 2)، واستجاب صلاته، وأُنقِذ بدون أيَّة أذيَّة. اخترقت صلاته الأعماق، وهزمت الأمواج، وكانت أقوى من العاصفة. لقد اخترقت الغيوم، وطارت في الهواء (سيراخ 35: 17)، فتَحت السماوات وقربت من عرش العظمة بواسطة جبرائيل الذي يقدِّم الصلاة أمام الله. نتيجة لذلك قذفت الأعماق النبي، وأوصل الحوت يونان بأمان على البر.] (مقال 4: 8)

ح. حزقيا. [حزقيا أيضًا صلَّى وبصلاته تغلَّب على 185000 رجلاً حيث عمل الملاك كقائدٍ لجيشه (2 مل 19: 15، 35).] (مقال 4: 6)

ط. الثلاثة فتية أصحاب القلوب النقية. [في حالة حنانيا وعزاريا وميصائيل، هزمت صلواتهم اللهيب، وخمدت قوَّة النيران، وغيَّرت من طبيعتها الحارقة. لقد أطفأت حنق الملك، وأنقذت الرجال الأبرار (دا 3).] (مقال 4: 8)

ي. صلاة دانيال النقي القلب. [عندما صلَّى دانيال أيضًا سُدَّت أفواه الأسود (دا 6)، لقد انسدَّت الأفواه المفترسة أمام لحم وعظام إنسانٍ. لقد بسطت الأسود مخالبها، وتلقفت دانيال حتى لا يسقط على الأرض، احتضنته بين ذراعيها، وقبَّلت قدميه. وعندما وقف دانيال في الجب لكي يصلِّي رفع يديه إلى السماء وعلى مثال دانيال تبعته الأسود وقلَّدته. ذاك الذي تقبَّل صلاته. نزل وسدَّ أفواه الأسود. وذلك لأن دانيال قال لداريوس: "إلهي أرسل ملاكه، وسدَّ أفواه الأسود، فلم تضرُّني". (دا 6: 22). وبالرغم من أن الجب كان مغطَّى ومختوم إلاَّ أن النور أشرق داخله، وسُرَّت الأسود عندما رأت النور الذي ظهر لأجل دانيال. وعندما غلب النوم دانيال وأراد أن ينعس ركعت الأسود حتى يمكنه أن ينام فوقها وليس على الأرض. لقد كان الجب أكثر استنارة من عُليَّة ذات نوافذ كثيرة. وفي الجب قدَّم صلوات كثيرة أكثر من عليَّته، حيث كان يصلِّي فقط ثلاث مرَّات في اليوم (دا 6: 10)، وعندما انتصر وفرح دانيال. وأُلقي الذين اتَّهموه في الجب بدلاً منه، فانفتحت أفواه الأسود والتهمتهم وسحقت عظامهم. وبصلاة دانيال عاد المسبيِّون من بابل بعد سبعين سنة.] (مقال 4: 9)

ثالثًا: الصلاة النقية والسماء المفتوحة. [عندما صلَّى أبونا يعقوب أيضًا في بيت إيل رأى السماء قد انفتحت، وسُلَّم يصعد إلى أعلى (تك 28: 2). هذا الذي رآه يصعد هو رمز مخلِّصنا، وباب السماء هو المسيح. هذا يطابق قول السيِّد المسيح: "أنا هو الباب، إن دخل بي أحد فيَخلُص" (يو 10: 9). وقال داود أيضًا: "هذا هو باب الرب، والصدِّيقون يدخلون فيه" (مز 118: 20). السُلَّم الذي رآه يعقوب هو رمز مخلِّصنا، الذي بواسطته يصعد الصدِّيقون من المملكة السفلى إلى المملكة العُليا. والسُلَّم أيضًا رمز صليب مُخلِّصنا الذي رُفِع مثل السُلَّم، والرب يقف فوقه... والآن دعا يعقوب المكان بيت إيل (تك 28: 18)، وهناك أقام يعقوب عمودًا من الحجر كشهادةٍ وصبَّ عليه الزيت.] (مقال 4: 5)

رابعًا: الصلاة الصامتة بقلبٍ نقيٍ. [دعنا الآن نأتي إلى الصلاة الصامتة، صلاة حنَّة أم صموئيل. كيف صارت موضع سرور الله، وفَتحت رحمها العاقر، ونزعت عارها، وولدت نذيرًا أو كاهنًا (1 صم 1: 10-16).] (مقال 4: 8)

3. ما هي الصلاة الخفية (السرية) التي دعانا إليها السيد المسيح؟

يقول القديس إكليمنضس السكندري: [الصلاة هي أن تتكلم بعظم دالة، محاورًا الله. إن كنا بالهمس دون فتح الشفتين نتحدَّث في صمتٍ، فإننا نصرخ من الداخل. الله يسمع على الدوام كل حديث داخلي[187].]

يقول القديس أفراهاط: [علمنا مخلِّصنا هذا النوع من الصلاة. يجب أن تُصلِّي سرًا لذاك الذي هو في الخفاء وهو يرى الكل، هكذا قال السيِّد المسيح: "ادخل إلى مخدعك، وأغلق بابك، وصلِّ إلى أبيك الذي في الخفاء، فأبوك الذي يرى في الخفاء يجازيك علانية" (مت 6: 6). أحبَّائي، لماذا يُعَلِّمنا مخلِّصنا قائلاً: "صلِّ إلى أبيك في الخفاء، والباب مغلق"؟... تعرِّفنا كلمات سيِّدنا أن تُصَلِّي بقلبك في الخفاء، والباب مغلق، لكن ما هو الباب الذي يجب أن تغلقه؟ إن لم يكن هو فمك، لأنه هو الهيكل الذي يسكن فيه المسيح، كما قال الرسول: "أما تعلمون أنكم هيكل الله؟" (1 كو 3: 16)، فلكي يدخل الله إلى إنسانك الداخلي في هذا المسكن، يجب أن يُنظَّف من كل شيء غير طاهرٍ، بينما يكون الباب، أي فمك، مغلقًا.

إن لم يكن هكذا، فكيف نفهم هذه العبارة؟ اِفترض أنك كنت في الصحراء، حيث لا يوجد بيت ولا باب، كيف لا تستطيع أن تُصَلِّي في الخفاء؟ وإذا حدث أنك كنت فوق قمَّة جبل كيف لا تقدر أن تُصَلِّي؟ أوضح مخلِّصنا كذلك كيف أن الله يعرف إرادة القلب والفكر، كما قال الرب: "أبوكم يعلم ما تحتاجون إليه قبل أن تسألوه" (مت 6: 8).

وكما كُتِب أيضًا في إشعياء النبي: "ويكون أني قبلما يدعون أنا أجيب، وفيما هم يتكلَّمون أنا أسمع" (إش 65: 24). مرَّة أخرى يقول إشعياء بخصوص الأشرار: "فحين تبسطون أيديكم، أستر عينيّ عنكم، وإن كثرتم الصلاة لا أسمع" (إش 1: 15). كما قال حزقيال النبي: "إن صرخوا في أذنيّ بصوت عال لا أسمعهم" (حز 8: 18). قال هذا عن الصلاة الغاشة غير المقبولة، اِسمع كل كلمة بتمييز، وتمسَّك بمعناها.] (مقال 4: 10)

ويقول الأب أنسيمُس الأورشليمي: [تشير الصلاة إلى حديث القلب السري مع الله أو الاتصال به، ولو بلغة الصمت، فكثيرًا ما يسمع الله ما نصرخ به في قلوبنا ولا نستطيع أن تُعَبِّر عنه كلماتنا.  ليس سلاح آخر أقوى من الصلاة. إذا كانت بنية صالحة يستمع إليها الله، وإذا ما قربها المصلي بأعمال صالحة فإنه يستجيب لها، وينصت إليها.]

4. هل يكفي أن نصلي لله بقلوبنا أو أذهاننا في الداخل، دون أن ننطق بكلمات من أفواهنا أو نرفع أيادينا أو نسجد لله؟

مع أهمية الصلاة الداخلية غير أن الله الذي خلق أجسادنا ونفوسنا يريدنا أن نتقدَّس في الداخل كما بأعضائنا الجسدية.

5. ما هي علامات نقاوة القلب؟

أولاً: المغفرة لمن أساء إلينا. يقول القديس أفراهاط: [يوجد بيننا أُناس يُكَرِّرون الصلاة ويطيلون التضرُّعات ويضاعفون في قامتهم، يرفعون أيديهم، ولكن عمل الصلاة الحقيقي بعيد عنهم، لأنهم يصلَّون الصلاة التي علَّمها لنا مخلِّصنا: "واغفر لنا ما علينا، كما نغفر نحن أيضًا لمن لنا عليهم"، ومع ذلك يفشلون في حفظ هذا الأمر وتنفيذه. اعلم أيها المُصَلِّي وتذكَّر أنه عندما تُصَلِّي، تقدِّم تقدمة للرب.

لا تدع الملاك جبرائيل الذي يرفع الصلوات يخجل من أن يرفع تقدمة بها عيب. عندما تصلِّي كي يغفر لك الله لابد أن تغفر أنت أيضًا أولاً في داخلك، هل حقًا أنت تغفر أم أنك فقط باللسان تصلِّي أنك تغفر؟... يجب ألا تكون مُخادِعًا للرب وتقول "أنا أغفر" وأنت عمليًا لا تغفر، لأن الله ليس مثلك بشر يمكن أن تخدعه. "إذا أخطأ إنسان إلى إنسان يدينه الله. فإن أخطأت إلى الرب، فمن يصلِّي من أجلك؟" (1 صم 2: 25) اِستمع مرَّة أخرى لما يقوله الرب: "إن قدَّمت قربانك إلى المذبح وهناك تذكرت أن لأخيك شيئًا عليك فاُترك هناك قربانك قدَّام المذبح، واِذهب اِصطلح مع أخيك، وحينئذ تعال وقَدِّم قربانك" (مت 5: 23-24).

عندما تبدأ صلاتك لا تعود تتذكَّر أي غضب أو حنق ضد أخيك. فإن وُجِد، تذكَّر أن صلاتك متروكة أمام المذبح وأن جبرائيل الذي يرفع الصلوات لا يريد أن يرفع الصلاة من الأرض، إذ فحص الصلاة ووجد عيب في تقدمتك. ولكن عندما تكون نقيَّة يرفعها أمام الله. إن وجد في صلاتك الكلمات: "اِغفر لي، وأنا أغفر للآخرين" عندئذ يقول جبرائيل رافع الصلوات: "أولاً أعفو عن المدينين لك، وأنا أرفع صلاتك إلى الذي أنت مدين له".

سامح المدينين لك بمائة وزنة" (مت 18: 23-25) في حالتك الفقيرة، فيعفو عنك دائنك بالمقابل بمقدار عشرة آلاف وزنة حسب غِنَى عظمته. فلا يسألك عن ردّ الدين أو الفوائد. وإذا رغبت في الغفران للآخرين، حينئذ يستقبل جبرائيل رافع الصلوات تقدَّمتك ويرفعها إلى أعلى. وإن لم تغفر حينئذ يقول لك: "إنني سوف لا أضع تقدمتك غير الطاهرة أمام المذبح المقدَّس". وبدلاً من ذلك خذ تقدمتك معك، وعندئذ يترك جبرائيل تقدَّمتك ويذهب. اِسمع ما يقوله النبي: "ملعون الماكر الذي يوجد في قطيعه ذكر وينذر ويذبح للسيد عائبًا" (مل 1: 14). لأنه يقول أيضًا: "قَرِّبه لواليك أفيرضى عليك أو يرفع وجهك؟" (مل 1: 8) لذلك يجب أن تعفو عن مدينيك قبل صلاتك، وبعد ذلك فقط صلِّ، وحين تُصلِّي ترتفع صلاتك أعلى أمام الله، ولا تبقى على الأرض.] (مقال 4: 13)

ثانيًا: أَرِح المُتعَبين، لأن راحة الله في إراحة المتعبين. يقول القديس أفراهاط: [الآن يقول بالنبي: "هذه هي راحتي، أعطوا راحة المتعبين" (إش 28: 12 LXX). هذه راحة الرب. آه أيها الإنسان سوف لا تحتاج إلى القول: "اِغفر لي"؛ أعطِ راحة للمتعبين، افتقد المرضى، وأعطِ الفقراء، فإن هذه الأعمال هي حقيقة صلاة. إنه في كل مرَّة تمارس راحة الرب هي صلاة. لأنه مكتوب أنه عندما زنا زمري مع المرأة المديانيَّة كزبي بنت صور، فلما رأى ذلك فينحاس بن ألعازار دخل وراء الرجل الإسرائيلي إلى القبَّة وطعن كليهما، الرجل الإسرائيلي والمرأة (عد 25: 6-8). هذا القتل اُعتبر كصلاة، لأن داود قال في المزمور: "فوقف فينحاس وصلى فامتنع الوباء، فحُسِب له برًا إلى دورٍ فدورٍ إلى الآن" (مز 106: 30-31)، لأنه قتلهما كان لأجل الرب اعتبر ذلك كصلاة له.

انتبهوا يا أحبَّائي لئلا عندما تحين لك الفرصة "لإعطاء راحة" حسب إرادة الله تقول: إن وقت الصلاة قد حلَّ، أقوم الآن بالصلاة ثم بعد ذلك أُمارِس الأعمال، وبينما أنت تقبل إلى إتمام صلاتك تكون الفرصة التي يمكنك فيها ممارسة "أعمال الراحة" قد وَلَّت منك، وسوف تعجز عن عمل الوصيَّة وعمل "راحة الرب". وسوف تكون من خلال صلاتك قد ارتكبت خطيَّة كان بالأحرى أن تعمل "راحة الرب" فتُحسَب صلاة.] (مقال 4: 14)

ثالثًا: الاشتياق للصلاة بجدية. يقول القديس أفراهاط: [يلزم أن تشتاقوا إلى الصلاة ولا تكلُّوا منها. كما قال ربنا وهو مكتوب: "إنه ينبغي أن يُصلَّى كل حين ولا يُمَل" (لو 18: 1)، يجب أن تتُوقوا إلى السهر، واِنزعوا عنكم الغفلة والنوم. يجب أن تكونوا مستيقظين في كل وقت بالنهار والليل ولا تفتروا.] (مقال 4: 16)

رابعًا: طهارة القلب لا طهارة اليدين. يقول العلامة ترتليان: [لا تعني الطهارة الغسل بالماء وإنما بالتوبة ليعمل الروح القدس فينا لنقاوة قلبنا أو إنساننا كله، الداخلي والخارجي. يقول العلامة ترتليان: [ما الداعي للذهاب للصلاة بأيدٍ مغتسلة حقًا بينما الروح مُتَّسِخة؟! يلزم رفع أيادي روحية طاهرة، نقية من الباطل والإجرام والقسوة والسموم وعبادة الأوثان وغير ذلك من الأمور المخجلة... هذه هي الطهارة الحقيقية[188].] كما يقول: [بعدما اغتسل الجسد كله، أي تطهر في المعمودية، صارت الحاجة إلى التطهير بالتوبة المستمرة عما يلحق بأيدينا من دنس[189].]

ويقول العلامة أوريجينوس: [عندما يرفع أحد عينيه يليق به أن يرفعهما نحو السماء بطريقة لائقة، ويرفع أيضًا يدين مقدستين، خاصة عندما يُقَدِّم الصلوات بلا غضبٍ ولا جدال (١ تي ٢: ٨). فإنه عندما ترتفع العينان خلال التفكير والتأمل، واليدان ترتفعان خلال الأعمال، ترتفع النفس وتتمجَّد. وذلك مثل موسى الذي رفع يديه (خر ١٧: ١١)، ويقول الشخص: "ليكن رفع يدي كذبيحة مسائية" (مز ١٤٠: ٢)، فينهزم عماليق، وكل الأعداء غير المنظورين، وتنتصر الأفكار الإسرائيلية التي فينا.[190]]

خامسًا: اقتناء مفاهيم الحق. يقول العلامة أوريجينوس: [النفوس التي بقيت مجدبة (عقيمة كحنة أم صموئيل) إلى زمان طويل، إذ تدرك عقم عقلها وجدب فكرها تحبل بالروح القدس، وتلد كلمات خلاصية مملوءة بمفاهيم الحق، وذلك بالمثابرة بالصلاة[191].]

6. لماذا يُشَدِّد القديس باسيليوس الكبير على الصلاة العقليَّة خاصة مع الرهبان؟

يُشَدِّد القديس باسيليوس الكبير بالأكثر على الصلاة العقليَّة. يريد أن يصل بالراهب إلى رؤية الله، وإلى الوحدة معه. حينئذ تصبح حياة الراهب رغم ما يتخللها من العمل والشغل مُظلَّلة بروح الله، يرف عليها في كل دقيقة وساعة، وحينئذ تصبح الصلاة هواء يستنشقه، وطعامًا يُغَذِّيه ويحييه.

يقول الأب ثيوفان الناسك: [اُذكر أن القدِّيس باسيليوس الكبير قد أجاب على السؤال: كيف استطاع الرسل أن يُصَلُّوا بلا انقطاعٍ؟ قائلاً إنهم في كل شيءٍ كانوا يفعلونه يُفَكِّرون في الله، عائشين في تكريسٍ دائم لله. بهذا الحال الروحي كانت صلاتهم التي بلا انقطاع[192].]

7. ما هي الصلاة العقليَّة؟

يقول القديس باسيليوس الكبير: [انفصال النفس عن الضوضاء الخارجية يُضفي على مذبح القلب هدوءًا خفيًا، فيهب ذاته لتأمل الحق. إذا استمعت لمن يقر بخطيئته تجده يقول: "ساخت من الغضب عيني" (مز 6: 7). وليس الغضب فقط بل والرغبات الشريرة والمجد الباطل والغيرة التي تظلم عين القلب، وبصفة عامة جميع الشهوات تظلم النفس... فالعين المتعبة لا تستطيع أن ترى بوضوح. كذلك القلب الهائج لا يمكن أن يتأمل في الحق. ينبغي إذن الابتعاد عن التركيز في أعمال العالم، فنغلق القلب أمام كل فكر غريب[193].]

يقول القديس مار يعقوب السروجي: [الصلاة الشفافة تجد طريقها لدى الله، فهي تتحدث إليه، تسمعه وتثق فيه.]

8. ما هي صلاة المخدع في قول السيد المسيح: "وأما أنت فمتى صليت فأدخل إلى مخدعك واغلق بابك وصلِ إلى أبيك الذي في الخفاء فأبوك الذي يرى في الخفاء يجازيك علانية (مت 6: 6)؟

فهم أفراهاط Aboot Aphrahat "المخدع" هنا مثل العلامة أوريجينوس[194]، وهو أن مكان الصلاة يجب أن يكون في الداخل، أي في قلب الإنسان. هذا المفهوم نقابله مرة أخرى مع مار أفرآم في "أناشيد عن الإيمان[195]".

يقول القديس أفراهاط: [تبعث نقاوة القلب صلاة أقوى من كل الصلوات التي تُتلَى بصوتٍ عالٍ. فالصمت مع العقل الأصيل أفضل من الصوت العالي لمن يصرخ. أعطني يا عزيزي الآن قلبك وفهمك واسمع عن قوَّة الصلاة النقيَّة، وكيف أن آباءنا القدِّيسين اجتهدوا في صلاتهم أمام الله وكيف قدَّموها كتقدمة طاهرة (مل 1: 11). فبالصلاة قُبِلَت التقدمات.

الصلاة هي التي نجَّت نوح من الطوفان. الصلاة تكسي عرينا. الصلاة تهزم الجيوش. الصلاة تعلن الأسرار. الصلاة تشقَّ البحر. الصلاة شقَّت طريقًا عبر الأردن. الصلاة أوقفت الشمس فلم تغرب. الصلاة جعلت القمر يقف. الصلاة حطَّمت الخطيَّة. الصلاة أطفأت النار. الصلاة أغلقت السماء. الصلاة رفعت من الحفرة وأنقذت من النار والبحر. قوَّة الصلاة عظيمة جدًا مثل قوَّة الصوم النقي. وكما شرحت وقلت لكم في المقال السابق عن الصوم لا أمل عن أن أتكلَّم معكم هنا عن الصلاة[196].

9. ما هي الصلاة الدائمة التي بلا انقطاع؟

تتحقَّق استمرارية الصلاة بالتدريب على الوجود في حضرة الله. يقول القديس باسيليوس إنه يمكن للراهب بصلواته وتأملاته الدائمة [أن يتمثَّل وهو على الأرض بطغمات الملائكة[197].] كما يقول: [إذ نكون متأكدين تمامًا أن الله هو أمام أعيننا. فإننا إن رأينا أميرًا أو حاكمًا وندخل في حوار معه نحفظ أعيننا ثابتة عليه، كم بالأكثر يكون ذاك الذي يُصَلِّي حافظًا ذهنه ثابتًا على الله فاحص القلوب والكلى. وبذلك يُحَقِّق الكتاب المقدس: "رافعين أيادي طاهرة بدون غضبٍ ولا جدالٍ" (1 تي 2: 8)[198].]

[أقول إنه يلزمنا ألا نظن أن صلاتنا تتكوَّن فقط من مقاطع (كلامية)، بل تكمن قوة الصلاة بالحري في غاية نفوسنا، وفي عمل الفضيلة التي لها تأثيرها على كل جزءٍ وفي كل لحظةٍ من لحظات حياتنا. يُقَال: "فإذا كنتم تأكلون أو تشربون أو تفعلون شيئاً، فافعلوا كل شيء لمجد الله" (1 كو 10: 31). إذ تأخذ مكانك على المائدة صلِّ، وإذ ترفع الخبز قَدِّم شكرًا للواهب. عندما تسند ضعف جسمك بخمرٍ، تذكَّر الذي يهبك هذه العطية، لكي يفرح قلبك ويهب راحة لضعفك. هل عبر عنك احتياجك إلى الطعام؟ لا تسمح للتفكير في الرحيم واهب الخيرات أن يعبر عنك أيضًا. إذ ترتدي ثوبك، اشكر ذاك الذي وهبك إياه. إذ تطوّق ثوبك حولك، لتشعر بحُبِّك العظيم لله، الذي يهبنا الملابس المناسبة لنا شتاءً وصيفًا، لكي تغطي ما هو غير لائق وتحفظ حياتنا.

هل عبر اليوم؟ اشكر ذاك الذي قَدَّم لنا الشمس لخدمة عملنا النهاري، ويهبنا نارًا (الاضاءة) لكي تنير الليل، وتخدم احتياجاتنا الأخرى في الحياة. ليت الليل أيضًا يوحي لنا بما يدفعنا للصلاة.

عندما تتطلَّع إلى السماء وترى جمال النجوم، صلِ إلى رب كل الأشياء المنظورة، خالق المسكونة الذي بحكمة صنع الكل (مز 24: 104).

وعندما ترى كل الطبيعة تغُط في النوم، مرة أخرى اسجد لذاك الذي حتى بغير إرادتنا يعتقنا من ضغط العمل المستمر، وبفترة راحة صغيرة يردّنا مرة أخرى إلى نشاط قوتنا.

لا تسمح لليل بأكمله أن يكون للنوِم، لا تسمح لنصف عمرك أن ينقضي بلا فائدة في نومٍ ببلادة وسباتٍ. بل قسم وقت الليل بين النوم والصلاة. وليكن نومك الخفيف ذاته تداريب للتقوى. فإن أحلامنا أثناء النوم غالبًا ما تكون انعكاسات لأفكارنا في النهار[199].

كما يكون عليه سلوكنا وسعينا هكذا تلتزم أحلامنا، بهذا تصلي بلا انقطاع، ليس بكلمات بل بكل سلوك حياتك، هكذا تتَّحِد بالله فتصير حياتك صلاة ممتدة لا تنقطع[200].]

كما يقول: [هل بقوله: صلوا بلا انقطاع (1 تس 5: 17) يعني أننا نحني ركبنا ونطرح أجسادنا أو نبسط أيدينا بلا انقطاعٍ؟ لو كانت الصلاة تعني هذا فإنني أظن أننا لا نقدر على الصلاة بلا انقطاع. وإنما يوجد نوع آخر داخلي للصلاة بلا انقطاع، وهي رغبة القلب إلى أمر يعمله... فإن كنت مشتاقًا إلى السبت (الراحة الأبدية) فأنت لا تكف عن الصلاة. إن أردت ألاَّ تمتنع عن الصلاة، فلا تكف عن الشوق إليها، فإن استمرار الاشتياق إنما هو استمرار للصلاة[201].]

يقول القديس أمبروسيوس: [الآن إذ يعبر نور النهار، ومعه كل نعمتك وحبك، نصلي إليك يا خالق العالم، كي تحرس سريرنا في الأعالي. لتهرب أحلامنا ولتطر تخيلاتنا، احفظنا من كل نتاج الليل، فتكون كمقادس تحت عينيك، طاهرة بالرغم من حقد عدونا.]

كما يقول: [صلاة القديس تخترق السحاب (سيراخ 35: 17)، أما الأرض فتفتح فاهًا، وتخفي صلاة الخاطي في دم الجسد، كما قال الله لقايين القاتل: "ملعون أنت من الأرض التي فتحت فاها لتقبل دم أخيك من يدك"، مادمت أنت أرضًا" (راجع تك 4: 11)[202].]

يقول القديس چيروم: ["صلوا بلا انقطاع" (1 تس 5: ١٧)... كان العبرانيون مُطالَبين أن يظهروا أمام الرب ثلاث مرات في السنة (خر ٢٣: ١٧)... إذ كان الكتاب المقدس يتحدث في سفر الخروج إلى أناس صغار (في القامة الروحية)، أما هنا فيحث النبي (الرسول) المؤمنين بالله أن يطلبوه على الدوام، إذ يأمرنا العهد الجديد بالصلاة بلا انقطاعٍ[203].]

يقول القديس جيروم: [عندما نترك السقف الذي يحمينا (أي بيتنا) لتكن الصلاة هي سلاحنا، وعندما نعود من الشارع يلزمنا أن نُصَلِّي قبل أن نجلس، ولا نعطي للجسد الواهن راحة حتى تقتات النفس.] كما يقول: [يلزم ألا نبدأ وجبة ما بدون صلاة، وقبل أن نترك المائدة نُقَدِّم التشكرات للخالق.]

ويقول القدِّيس كيرلس الكبير: [كتب بولس إلى أهل تسالونيكي: "صلوا بلا انقطاع" (1 تس 5: 17). وفي رسائل أخرى يوصي: "مصلين بكل صلاة وطلبة كل وقت في الروح" (أف 6: 18)، "واظبوا على الصلاة ساهرين فيها" (كو 4: 2)، "مواظبين على الصلاة" (رو 12: 12). وأيضًا يعلمنا المُخَلِّص عن الحاجة إلى الصلاة الدائمة بمثابرة خلال مثل المرأة التي بلجاجتها غلبت القاضي الظالم بسؤالها المستمر (لو 18: 1-8). من هذا كله يتضح أن الصلاة الدائمة ليست أمرًا عارضًا بل سمة أساسية للروح المسيحي. حياة المسيحي - بحسب الرسول - مختفية في الله بالمسيح (كو 3: 3)، لذا وجب على المسيحي أن يعيش في الله على الدوام بكل فكره ومشاعره؛ وإذ يفعل هذا إنما يصلي بلا انقطاعٍ! لقد تعلمنا أيضًا أن كل مسيحي هو "هيكل الله" فيه "يسكن روح الله" (1 كو 3: 16؛ رو 8: 9). هذا الروح دائما حال فيه، ويشفع فيه، مصليًا في داخله "بأنات لا يُنطَق بها" (رو 8: 26)، وهكذا يعلمه كيف يصلي بلا انقطاع.]

يحدثنا القديس أوغريس عن الصلاة بلا انقطاع، قائلاً: [لم نأخذ وصية أن نعمل ونسهر ونصوم بلا انقطاع، لكننا أُعطينا وصية أن نُصَلِّي بلا انقطاعٍ. لأن المجهودات الأولى التي تهدف إلى شفاء الجزء الشهواني من النفس تحتاج إلى الجسد لتنفيذها؛ والجسد لا يقدر أن يعمل باستمرار ولا أن يكون في حرمان (من النوم أو الأكل) على الدوام. أما الصلاة فتُنَقِّي العقل وتُقَوِّيه في الحرب، لأنه خُلِق ليصلي حتى بدون الجسد، ويحارب الشياطين لأجل حماية كل قوى النفس.]

[صلِّ بلا انقطاع وتذكَّر المسيح الذي ولدك ثانية!]

[إن كنت وأنت بعد في الجسد لك رغبة أن تخدم اللّه مثل الروحانيين (الملائكة)، فجاهد أن يكون لك في قلبك صلاة سرية بلا انقطاع، فإنك بهذا تقترب من أن تتشبَّه بالملائكة قبل أن تموت.]

[مع كل نفس تستنشقه اذكر اسم يسوع مبتهلاً، مع تذكُّر الموت وأنت متواضع. هذان التدريبان كفيلان بتقديم نفع عظيم للنفس.]

كما يقول: [كما أن جسدنا عندما تفارقه النفس يصير ميتًا ومملوء نتنًا، هكذا النفس التي بلا صلاة حارة تصير ميتة ومملوءة نتانة. حرمان النفس من الصلاة أَشَرّ من الموت. وقد أوضح ذلك دانيال النبي الذي كان مستعدًا أن يموت ولا يُحرَم من الصلاة في أي وقت. ينبغي على الإنسان أن يتذكَّر اللّه، أكثر مما يتنسم الهواء ويستنشقه.]

10. ما هو ارتباط الصلاة الدائمة بالحياة الفاضلة؟

يقول القديس يوحنا كاسيان: [يوجد نوع من الوحدة المشتركة غير المنفصلة بين الاثنين (أي الصلاة الدائمة والفضائل). فكمال الصلاة هو تاج بنيان كل الفضائل، فإذا لم تتحد كل فضيلة اتحادًا مُحكَمًا بالصلاة بكونها تاجها، لا يكون لها قوة وثباتًا. ودوام الهدوء في الصلاة وثباته لا يمكن أن يكون أكيدًا وكاملاً ما لم تسندها الفضائل، ولا يمكن اقتناء الفضائل التي تضع أساساتها اقتناًء كاملاً ما لم تثبت في الصلاة[204].]

ويقول الأب اسحق: [لا نقدر أن نُنَفِّذ هذه الوصية (الصلاة بلا انقطاع) ما لم يتنقَّ عقلنا من كل وصمات الخطية إلى الفضيلة حتى يكون صلاحه طبيعيًا، ويتغذَّى على التأمل المستمر في الإله القدير[205].]

وبَّخ الأب هيسيخيوس الأورشليمي بلدد صديق أيوب لأنه طلب من أيوب: "بكر في الصلاة إلى الرب القدير".  لقد قال الأب: [ألم يكن (أيوب) خلال كل حياته دائما يصلي؟... إنه ليس فقط لم يتوقَّف عن الصلاة مبكرًا للرب، بل كان يُقَدِّمها مبكرًا (1: 5) وخلال النهار وفي كل لحظة، يُسَبِّح الله سبع مرات في اليوم (مز 119: 37، 164) نهارًا وليلاً، فإن هذا بالنسبة له لم يكن غباوة. نهاية تجاربه تظهر هذا، نتيجة صراعاته (أبرزت أنه رجل صلاة).]

11. لماذا يدعونا الرسول إلى الصلاة بلا انقطاعٍ؟

يقول القديس مرقس الناسك: [صلِّ إلى اللّه حتى يفتح قلبك فتُعايِن مدى نفع الصلاة والقراءة وتفهم ذلك بالاختبار العملي لهما.]

[يرغب الطوباوي بولس ألا نهمل الصلاة بأي حال من الأحوال، لهذا يقول "صلوا بلا انقطاع" (1 تس 17:5). علاوة على هذا فإنه يشير إلى ضبط الفكر (في الصلاة) فيقول "لا تشاكلوا هذا الدهر. بل تغيَّروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم لتختبروا ما هي إرادة اللّه الصالحة المرضية الكاملة" (رو 2:12)... يُوَجِّهنا الرسول بولس إلى كمال إرادة اللّه، مشتاقًا أن نهرب إلى التمام من الدينونة، وإذ يعلم أن الصلاة هي المعين على تنفيذ كل الوصايا، لهذا لا يكف عن أن يوصى بها بكل الطرق قائلاً: "مصلين بكل صلاة وطلبة كل وقت في الروح وساهرين لهذا بعينه بكل مواظبة" (أف 6: 18).]

كما يقول: [ليتنا نبدأ بعمل الصلاة، فإننا شيئًا فشيئًا لا نجد فقط الرجاء باللّه بل وننال الإيمان الثابت والحب الخالص، كما نطرد الحقد، وننال محبة الإخوة وضبط النفس، والاحتمال، والمعرفة الداخلية، ونتخلَّص من التجارب، وننال عطايا النعمة والعمل الخالص للإيمان والدموع الحارة... كلها ينالها المؤمنون بالصلاة. وليس فقط هذه العطايا، بل (وينالون بالصلاة أيضًا) احتمال الآلام والحب الخالص للقريب، معرفة الشريعة الروحية... وكل ما وعد به اللّه للمؤمنين في هذه الحياة أو الحياة الأخرى. وباختصار، يستحيل على الإنسان أن يستعبد صورة اللّه بدون عمل النعمة الإلهية والإيمان، وهما يمنحان للإنسان الذي يبقى بتواضع عظيم في الصلاة بدون تشتيت (عقله).]

[من يفهم القول السري للطوباوي بولس: "فإن مصارعتنا... مع أجناد الشر الروحية" (أف 12:6)، يفهم أيضًا مثل الرب الذي انتهي بقوله: "ينبغي أن يُصلى كل حين ولا يُمل" (لو 1:18).]

12. هل الصلاة بلا انقطاع تُبَرِّر إهمالنا في العمل؟

يقول القديس مرقس الناسك: [من يرغب في البلوغ "إلى قياس قامة ملء المسيح" (أف 13:4)، يلزمه ألا يُفَضِّل شيئًا من الأعمال عن الصلاة، مع قيامه بالأعمال الأخرى دون أن يكون في عوز... فيلزمه ألا يمتنع عن القيام بالعمل الخاص بالضروريات والذي ألزمته الشريعة الإلهية، تحت ادِّعاء أنه يريد التفرُّغ للصلاة. فيجب عليه أن يُمَيِّز بين الصلاة والعمل، مطيعًا الشريعة الإلهية من غير تساءل (أي منفذًا الاثنين معًا).]

13. كيف نعالج تشتيت الفكر أثناء الصلاة؟

أولاً: الالتصاق بالرب. يقول القدِّيس مار اسحق السرياني: [اجلس في حضرة الرب كل لحظة من لحظات حياتك، حيث تفكر فيه، وتذكره في قلبك، وإلاَّ فإنك حين تراه بعد فترة من الزمن، تُحرَم من حرية الحوار معه بسبب الخجل، فإن الحرية العظيمة للحوار تتولَّد من الالتصاق به.

الالتصاق الدائم مع الكائنات المرافقة تشغل الجسد، أما مع الله فتشغل تأمل النفس وتقديم الصلوات... "قلب الذين يطلبون الرب يتهلل".

اطلبوا الرب أيها الخطاة، وتقوّوا في أفكاركم بالرجاء.

اطلبوا وجهه بالتوبة في كل الأزمنة، فتتقدَّسون بقداسة وجهه.

اجروا نحو الرب يا أيها الأشرار، فإنه يغفر الشر وينزع الخطايا[206].]

ثانيًا: الصلاة بروح الرجاء. يقول القدِّيس أغسطينوس: [تذكر أن الله لطيف ورقيق ويحتمل تشتيتنا (في الصلاة)، وينتظر أن يهبنا أن نصلي بطريقة كاملة. عندما يهبنا تلك الصلاة يقبلها منا، ولا يذكر كيف كنا نصلي قبلاً بطريقة خاطئة. إن كنت أمام قاضٍ وفي أثناء حديثك بدأت تهمس مع صديق، ماذا يحدث؟ مع ذلك فإن الله يرفعنا بالصلوات التي تقتحمها أفكار أخرى. عندما تقرأ يتحدث هو معك، وعندما تصلي تتحدث أنت معه. إن كان الأمر هكذا هل نيأس يا إخوة، ظانين أن العقوبة تنتظر من يجول فكره مشتتًا أثناء صلاته؟ لا، لنقل: "فرِّح نفس عبدك، فإني إليك أرفع نفسي!" (مز 86: 4) كيف أرفعها؟ قدر ما أستطيع حسب القوة التي تهبني إياها؛ قدر ما أضبط أفكاري المشتتة. لأنك لطيف ورقيق لا تطردني. قَوِّني فاثبت، ولتحتملني حتى أبلغ هذا[207].]

14. ماذا تعني أذن القلب؟

ماذا يقصد السيد المسيح بقوله: "من له أذنان للسمع فليسمع" (مت 11: 15)؟ يُعَلِّق القدّيس جيروم على هذه العبارة هكذا: [يقول إشعياء "أعطاني الرب أُذُنًا" (إش 50: 4). لتفهم ماذا يقول؟ لقد أعطاني الرب أُذُنًا، إذ تكون لي أُذُن القلب؛ وهبني الأذن التي تسمع رسالة الله، فما يسمعه النبي إنّما يسمعه في قلبه. وذلك كما نصرخ نحن أيضًا في قلوبنا قائلين: أيها الأب أبّا، وهي صرخة صامتة، لكن الرب يسمع الصمت هكذا بنفس الكيفية يُحَدِّث الرب قلوبنا التي تصرخ: "أيها الأب أبّا" (رو 8: 15).]

15. ما هي خبرة الآباء الرهبان في الصلوات في الصلاة الخفية؟

نذكر هنا أمثلة مما ورد في فردوس الآباء والكتابات الرهبانية:

[سأل أخٌ شيخًا: "ما هي فلاحة النفس حتى تُثمِر؟" فأجابه قائلاً: "فلاحة النفس هي السكوت وضبط الهوى وتعب الجسد والصلاة الدائمة والامتناع عن معاينة زلات الناس بل يتذكَّر عيوبه وهفواته هو وحده. فمتى ثبت الإنسان في هذه الفضائل لا تتأخَّر نفسه عن النجاح والنمو حتى تُثمر".]

[قال شيخ: "إن كان راهب حريصًا مُجاهِدًا بالحقيقة، فإن الله يشاء ألاّ يكون مرتبطًا قط بشيءْ من متاع هذه الدنيا حتى ولا إبرة صغيرة، لئلاّ يتشتت فكره عن ذكر ربنا يسوع المسيح وتشغله عن اللجاجة بالتوبة عن خطاياه".]

[قال شيخ: "اقتن السكوت بمعرفة. اهتم بالله ولا تهتم بشيء أرضي، وافحص أمورك في قيامك وفي جلوسك. استند على الله، ومن جهة المنافقين لا تفزع".

[قال أحد القديسين: "سَلَّم إلينا الآباء هذا الطريق: أن نعمل بأيدينا، ونلازم الصمت، ونبكي بسبب خطايانا".]

القديس يوحنا كاسيان الذي اهتم أن يُقَدِّم لنا صورة حية للرهبنة المصرية في عصره ربط بين قراءة الكتاب المقدس والصلاة النارية، كل منهما يسند الآخر بعمل الروح القدس. نلاحظ أن العملين: "المؤسسات" و"المناظرات" يضمان اقتباسات كثيرة من الكتاب المقدس. لقد أوضح أن ملكوت الله هو الغاية النهائية للحياة الروحية، فإن قراءة الكتاب المقدس والتأمل فيه يُحَقِّقان ذلك. لقد كَرَّس كاسيان المناظرتين 9، 10 والفصلين 2، 3 من "المؤسسات" للحديث عن الصلاة.

يقول إن صلوات السواعي إلزامية، وعمل الراهب هو أن يُحَوِّل تلاوة المزامير إلى صلوات شخصية تمسّ علاقته الخاصة بالله إلهه. وأيضًا في دراسة الكتاب المقدس لا يقف الراهب عند القراءة أو التلاوة، بل يُحَوِّل النصوص إلى تأمل صادر عن أعماقه، فتصير كلمات الكتاب المقدس كأنها صادرة منه كصلاة شخصية[208].


 

6. صلاة يسوع أو الصلاة السهمية

1. ماذا تعني صلاة يسوع؟

غاية العبادة المقدسة، خاصة الصلاة، التقرُّب بالحوار الدائم مع الله. لهذا يُقَدِّم لنا الكتاب المقدس والتقليد المقدس، صورًا متعددة للصلاة حتى يجد المؤمن إمكانية الصلاة الدائمة بلا انقطاعٍ. فيبدأ المؤمن بالصلاة في كل عمل يمارسه، حتى قبل نومه، ويشترك في الليتورجيات، ويُصَلِّي بالمزامير كما بصلوات شخصية. ولكي يحفظ الفكر من التشتت، يُقَدِّم صلوات لا تتعدَّى بضع كلمات أو سطور، تذكره دائمًا بوجود الله في حياته وتجعله في حالة اتصال مستمر به ويمكنه تلاوتها أو ترديدها في أي وقت حتى أثناء القيام بأي عمل. وإذ يثق المؤمن في قوة اسم يسوع يُرَدِّده كثيرًا، وتُسَمَّى صلاة يسوع.

كثيرًا ما يُرَدِّد آباء البرية هذه الصلاة أو غيرها من الصلوات القصيرة، وهي تُمَثِّل صرخة مقدمة للربّ.

كان القديس أغسطينوس يُرَدِّد العبارة التالية: "يا الله التفت إلى معونتي، يا رب أسرع وأعني". وكان يدعو المؤمنين أن يُرَدِّدوها في كل مناسبة. في البيت وفي العمل، وأثناء الأكل والشرب، في اليقظة وفي النوم، في الحزن وفي الفرح، أثناء الغيرة الروحية أو الفتور في العبادة؛ فإنها خير مُعِين لهم.

كان القديس أغسطينوس يُسَمِّي هذه الصلاة القصيرة بالصلاة السهمية، لأنها تضرب كالسهم في قلب الشيطان، حيث لا يقدر أثناءها أن يُشَتِّت أفكارنا.

ويحثنا القديس يوحنا الدرجي (كليماكوس) على ممارسة هذه الصلاة القصيرة، قائلاً: [اجعل صلاتك بسيطة بالتمام، لأن العشار والابن الضال تصالحا مع الله بجملة واحدة.]

2. هل من أمثلة لصلوات قصيرة أخرى تُعتبَر صلوات سهمية؟

يُقَدِّم لنا القديس يوحنا الذهبي الفم أمثلة لصلوات قصيرة:

- يا إلهي؛ لا تحرمني من بركاتك السمائية الدائمة.

- يا إلهي؛ اغفر لي ذنوبي التي عملتـها بالقول أو بالفكر أو بالتخيُّل.

- يا إلهي؛ خلِّصني من كل تجربة ولا تتركني للعدو.

- يا إلهي؛ أنر قلبي الذي امتلأ ظلمة بالشهوات الشريرة.

- يا إلهي؛ انظر إلى ضعف طبيعتي، وأرسل نعمتك لتساعدني، حتى يتمجَّد اسمك في داخلي.

- يا ربى وإلهي املأ قلبي بندى نعمتك.

- يا إلهي؛ اقبلني يا سيدي في ندمي ولا تنساني.

- يا إلهي؛ املأ عيني بالدموع، واجعلني أتذكَّر الموت، وأندم على خطاياي.

- يا إلهي؛ املأني تواضعٍا وطاعة وروِّض إرادتي.

- يا إلهي؛ أعطني قدرة على التحمُّل والمثابرة والوداعة.

- يا إلهي؛ لتكن مشيئتك وليست مشيئتي، بشفاعات وصلوات السيدة العذراء الطاهرة مريم وجميع قديسيك، لأنك مُمَجَّد في كل الدهور، آمين.

3. هل كان مار أفرآم السرياني يستخدم صلوات سهمية؟

تتَّسم تسابيح نصيبين لمار أفرآم السرياني Nisibene Hymns (Carmina Nisibena) بأنها تحتوي على مقاطع منتظمة متناغمة تناسب الاجتماعات الكنسية. وغالبًا ما يوجد بها قرار عام بعد كل مقطع، يُلَحَّن لكي يُرَدِّده الإنسان في عبادته الجماعية والشخصية تسنده في ممارسة العبادة بروح الرجاء والفرح، وبالشعور بالحضرة الإلهية، وهي تقترب من تدريب "الصلاة السهمية" أو "صلاة يسوع"، وهي تُمَثِّل صرخة مُقَدَّمة للربّ.

4. هل أشار فردوس الآباء إلى صلاة يسوع؟

ورد في فردوس الآباء تداريب عملية لممارسة صلاة يسوع، تحت عنوان "الدعاء باسم الرب يسوع"[209] نذكر منها الآتي:

[قال شيخ: "إن كان ملء اللاهوت حلَّ في المسيح جسديًّا كقول الرسول (كو 2: 9)، فلا نقبل زرع الشياطين الأنجاس إذا قالوا لنا: إنكم إن صِحتم باسم يسوع فلستم تدعون الآب والروح القدس، لأنهم يفعلون ذلك خبثًا منهم حين يمنعوننا من الدعاء بالاسم الحلو الذي لربنا يسوع، لعلمهم أنه بدون هذا الاسم لا يوجد خلاصٌ البتّة، كقول الرسول بطرس: "ليس اسمٌ آخر تحت السماء، قد أُعطيَ بين الناس، به ينبغي أن نَخْلُص" (أع 4: 12).

ونحن لا نشكّ البتّة في هذا الأمر، أننا إذا دعونا اسم ربنا يسوع إنما ندعو الآب والابن والروح القدس، لأننا لا نَقْبَل البتّة فرقًا ولا انقسامًا ما في اللاهوت، ونعلم أنّ ربنا يسوع هو الواسطة الذي به يحصل الناس على الدنو من الله والحديث معه، كقول الرسول: "كلّمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه" (عب 1: 2)".]

[قال شيخٌ مثلاً: "كان إنسانٌ في قريةٍ له أختٌ جميلةٌ، ولما كان يوم عيد في تلك القرية، سألته أن يرسلها إلى موضع الاحتفال بالعيد، وكان أخوها يخاف أن يرسلها وحدها لئلاّ يحصل لقومٍ عثرة بسبب شبابها، فأمسك بيدها واصطحبها إلى مكان الاحتفال. وكان يدخل ويخرج وهو ماسكٌ بيدها، لأنه قال: إن هي مالت إلى أيّة جهالةٍ فلا تستطيع لأنني ماسكٌ بيدها". ثم قال الشيخ: "هكذا النفس مادامت ذاكرةً اسم ربنا يسوع المسيح الذي صار لها أخًا بالتدبير، فإنه يكون كل وقتٍ ماسكًا بيدها حتى وإن هي تنازلَتْ مع الأفكار ومالت إلى ملذّات العالم فلا تصل إلى إتمام الخطايا لأنّ أخاها ماسكًا بيدها. وإن أراد الأعداء غير المنظورين أن يخدعوها، فلا يستطيعون أن يفعلوا بها شيئًا لأنّ أخاها ماسكًا بيدها إن هي تمسّكَت كل وقتٍ بالاسم المُخَلِّص الذي لربِّنا يسوع المسيح ولا ترخيه (نش 3: 4)."

"أرأيتَ أيها الحبيب أنّ التمسُّك بهذا الذكر الصالح الذي هو اسم ربنا يسوع المسيح إنما هو خلاصٌ عظيمٌ وحصنٌ لا ينحلّ وسلاحٌ لا يُغلَب وختم خلاصٍ للنفس؟ فلا تتوانَ أن تقتني لك هذا الكنز الذي لا يُسرَق، وهذه اللؤلؤة الكثيرة الثمن التي هي اسم ربنا يسوع المسيح الاسم المخلِّص (مت 13: 46)".

"فإن قلتَ: "وكيف أقتني لي هذا الكنز العظيم؟" قلتُ لك: "بالعزلة عن كل أحدٍ وعدم حمل همّ جميع الأشياء، وتعب الجسد بمقدار، والصوم بمداومةٍ. هذه الأمور تلد التواضع والدموع الحقيقية وتجعلك تشعر أنك تحت الخليقة كلها، وإذا تمّ لك ذلك تصير ابنًا لله وأنت على الأرض، وتنتقل من الأرض إلى السماء وأنت كائنٌ في الجسد." النعمة هي لك يا رب لأنك تصنع الرحمة مع ضعفنا حتى تنقلنا إلى ملكوتك".

[سأل أخٌ شيخًا: "يا أبي، ماذا أفعل بهذه الحروب الكائنة معي"؟ فقال له الشيخ: "مداومة اسم الرب يسوع تقطعها كلها".]

[سأل أخٌ شيخًا: "يا أبي، عرِّفني الجلوس في القلاية". فقال له الشيخ: "هذا هو عمل القلاية: أكل مرة في اليوم، وعمل اليدين، وإتمام الصلوات الفرضية، وأفضل من الجميع أن تكون مداومًا على اسم ربنا يسوع المسيح بغير فتور، وفي كل قليل ارفع عينيك إلى فوق وقُلْ: يا ربي يسوع المسيح أَعنِّي، يا ربي يسوع المسيح تحنَّن عليَّ، أنا أُسَبِّحك يا ربي يسوع المسيح".]

[سأل أخٌ شيخًا: "كيف أجد اسم ربِّي يسوع المسيح؟" قال له الشيخ: "إذا لم تحب الضيقة أولاً فلا يمكنك أن تجده".]

[سأل أخٌ شيخًا: "عَرِّفني، يا أبي، كيف أَتمسَّك باسم الرب يسوع بقلبي ولساني". أجابه الشيخ: "مكتوبٌ إنّ "القلب يُؤمَنُ به للبرّ، والفم يُعتَرَف به للخلاص" (رو 10: 10)، فإذا هدأ قلبك فليرتل باسم الرب يسوع دائمًا، وإذا ناله عدم هدوء وطياشة فيجب أن تتلو (اسم الرب) باللسان حتى يتعوَّد العقل، فإذا نظر الله إلى تعبك أرسل لك معونةً عندما يرى اشتياق قلبك، فيُبدِّد غلظ الأفكار المضادّة للنفس".]

[قيل: إن عدو الخير حارب (أنبا هيلاريون) بلا رحمة. ففي إحدى الليالي بدأ يسمع نحيب أطفال وثُغاء خراف وخُوار ثيران وعويل نساء وزئير أسود وضجَّة جيش وطنين صرخات مختلفة، فارتعب من هذه الأصوات قبل أن يرى شيئًا. ففهم أنها أرواح شريرة، فركع ورشم إشارة الصليب على جبهته فاطمأن، ولكنه تطلَّع لرؤيتها فرأى في ضوء القمر مركبةً بفرسان مندفعة فوقه، فدعا باسم يسوع فانفتحت الأرض فجأةً أمام عينيه وابتلعت المنظر كله. فقال هيلاريون: "الفرس وراكبه طرحهما في البحر" (خر 1:15)، وأيضًا: "هؤلاء بمركباتٍ وهؤلاء بخيلٍ، ونحن باسم الرب إلهنا نغلب" (مز 7:20).

[قيل: إن "أريستانيتي" زوجة "إلبيديوس" الوالي الروماني، عند عودتها من زيارة القديس أنطونيوس في مصر، تأخَّرت في غزة بسبب مرض أولادها الثلاثة، لأنهم أصيبوا جميعًا أثناء سفرهم بمرضٍ واحدٍ يُسمَّى: semi-tertian ague، وهو شبه ملاريا ثلثية (أي تظهر أو تشتدّ كل 48 ساعة)، وقد يئس الأطباء من شفائهم، وظلَّت أمّهم تنتحب. ثم سمعت بوجود راهب في البرية المجاورة، فنسيت شرف مكانتها ودفعتها أمومتها أن تسرع إليه راكبةً على جحشٍ ومعها وصيفاتها. وقالت للقديس: ”أتضرَّع إليك بالمسيح إلهنا، أتوسَّل إليك بصليبه ودمه أن تنقذ لي أولادي الثلاثة حتى يتمجَّد اسم ربنا ومخلِّصنا بين الوثنيين“. رفض القديس أولاً وقال إنه لم يترك قلايته قط، ولم يَعْتَدْ أن يدخل بيتًا ولا حتى المدينة. ولكن المرأة ألقت بنفسها على الأرض وصرخت عدَّة مرَّات: "يا خادم الله هيلاريون أرجع لي أولادي، لقد حفظهم القديس أنطونيوس في مصر سالمين، فأنقذهم أنت هنا في الشام". بكى كل الحاضرين، والقديس نفسه بكى بعدما رفض طلبها. ولم تتركه المرأة حتى وَعَدَ أنه سيدخل مدينة غزة بعد الغروب. ولمَّا وصل رشم علامة الصليب على السرير وعلى الأولاد المرضى ودعا باسم يسوع الاسم ذي الفعالية العجيبة، فامتلأت أجسامهم عرقًا في وقتٍ واحدٍ، ثم لما تعافوا تعرَّفوا على أمِّهم، وقبَّل الجميع يد القديس بحرارة.]

5. ما هي قصة السائح الروسي الذي اشتاق إلى التمتُّع بممارسة تدريب صلاة يسوع؟[210]

نُشرت قصة السائح الروسي الذي اشتاق إلى التمتُّع بصلاة يسوع لأول مرة في روسيا في عام 1865 وتُرجمت لعدة لغات، منها اللغة العربية، وقامت كنيسة مار جرجس باسبورتنج بالإسكندرية بنشره، كما وردت هذه القصة باختصار في كتاب حياة الصلاة الأرثوذكسية في الطبعة الأولى عام 1952. كما صدرت عدة كتب عنها بالعربية في لبنان ومصر. هذا الكتاب ليس مجرد قصة ولكنه اختبار روحي شيق لازم للإنسان المسيحي، مارسه كثير من الآباء في الكنيسة الأولى بصورة أو أخرى.

قيل عن هذا السائح الروسيّ أنه ذُهِل عندما دخل إلى الكنيسة وسمع في الرسالة إلى أهل تسالونيكي “صلّوا بلا انقطاع” (5: 17) وصار يُفَكِّر: هل يمكن للإنسان أن يعمل عملاً واحداً طيلة حياته؟

روى السائح الروسي أنه عاش لا منزل له، بل كان يجول من مكانٍ إلى آخر، لا يحمل إلا سلة على ظهره بها خبز يابس ومعه الكتاب المقدس. إذ ذهب إلى الكنيسة سمع من رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل تسالونيكي الآية: "صلوا بلا انقطاع" (5: 17؛ راجع أف 6: 18؛ 1 تي 2: 8). فتح الكتاب المقدس، وقرأ (1 تس 5: 17)، فصار يفكر كيف يُنَفِّذ هذه الوصية وهو مشغول بأمورٍ كثيرة، كيف يصلي في كل الأوقات وفي كل مكان.

قَرَّر أن يمضي من كنيسة إلى كنيسة يسأل أشهر الوعَّاظ والمرشدين الذين ذاع صيتهم يطلب منهم الإجابة العملية على سؤاله. تحدثوا معه عن أهمية الصلاة وثمارها، لكن لم يجد من يحدثه عن كيفية ممارستها كل حين.

سمع عن أحد النبلاء في إحدى القرى الروسية يقضي كل وقته في الصلاة وقراءة الأسفار المقدسة. ذهب إليه وسأله عن كيفية ممارسة هذه الوصية. صمت الشخص قليلاً، ثم قال له: "الصلاة الداخلية الدائمة هي رفع دائم للنفس البشرية أمام الله. وطلب منه أن يصلي كثيرًا ليختبر العذوبة التي يعلمنا الله بها كيف نصلي بلا انقطاعٍ. قال له: "صلِ كثيرًا، وصلِ بحرارة، فالصلاة نفسها هي التي ستعلن لك كيف تصلي بلا انقطاعٍ... لكن الأمر يحتاج إلى وقتٍ طويلٍ". ثم قدم له زادً ونقودًا لأجل سياحته.

اعترى السائح شعور باليأس، إذ لم يفسر له ما يريده. ثم عاد إلى القراءة والتأمل مُفَكِّرًا في كل ما قاله ذلك الأب، ولكن لم يصل إلى الحقيقة. ولم يعلم لماذا بدأ لا ينام بالليل.

مشى ما يقرب من 125 ميلاً حتى وصل إلى ديرٍ، به أب محب طيب القلب، فالتقى به. رحَّب به الأب، سأله: "أيها الأب القديس... أريد أن أعرف كيف يُحَقِّق الإنسان خلاصه؟ أجابه: "سرّ حسب أوامر الله، وأتلِ صلواتك فتخلص." قال السائح: "لكنني سمعت أنه ينبغي أن أصلي بلا انقطاع، وهذا هو ما لست أعرفه، ولم أستطع ممارسته. أرجوك أن تفسر لي هذا الأمر". أجابه بأن عنده كتابًا للقديس ديمترى أسقف روستوف (1651-1709) عن التعليم الروحي للإنسان الداخلي. فقرأ فيه أن كلمات الرسول بولس بخصوص الصلاة التي بلا انقطاع يجب أن تُفهَم كإشارة إلى الصلاة الفكرية، فالفكر في الواقع يمكنه أن يكون دائم الاستغراق في الله، فيعيش الإنسان بذلك في حياة الصلاة بلا انقطاع. سأله عن الطريق الذي به يتَّجِه الذهن إلى الله على الدوام دون أن يغفل، بل يصلي دون انقطاع، أجابه إن هذا الأمر صعب حتى على الذين وُهِبوا من الله تلك العطية.

ازداد اضطراب السائح، وقضى الليلة عنده ثم عاود السير في الطريق العام مدة خمسة أيام وهو مواظب على قراءة الكتاب المقدس.

في الطريق التقى بأحد الآباء الشيوخ الذي أخبره عن وجود أب مُختبر في دير بالقرب منهما. تحدث مع هذا الأب وهما سائران نحو الدير في موضوع الصلاة بلا انقطاع. فأبرز له هذا الأب الآتي:

1.    هذا السؤال يحتاج إلى فهم روحي وليس إلى تعليم المدارس.

2.    يستخدم البعض حكمة العالم غير المجدية في شرح الأمور الإلهية. فيظن البعض أن الأعمال الصالحة هي التي تجعلنا نصلي. وعلى العكس فإن الصلاة هي أم الفضائل والأعمال الصالحة.

3.    أن الرسول يدعونا أن نعطي الأولوية للصلاة لا الأعمال الصالحة، إذ يقول: "فأطلب أول كل شيء أن تُقَام طلبات وصلوات وابتهالات وتشّكّرات" (1 تي 2: 1). فبدون الصلاة لا يتم عمل صالح، وبدون الصلاة لا يعرف الإنسان كيف يلتقي مع الله ويدخل معه في حوارٍ.

إذ وصلا إلى الدير وهما يتحدثان معًا، قال له السائح أن يتفضَّل ويُخبِره عن كيفية الصلاة بلا انقطاع. قَبِلَ سؤاله بلطفٍ، وأدخله إلى قلايته، وأعطاه مجلدًا لأقوال الآباء يقرأ فيه. واستطرد يقول له: "الصلاة التي بلا انقطاع هي مناداة اسم الرب يسوع بالشفاه والفكر والقلب مع تكوين صورة عقلية لحضوره الدائم الثابت، وطلب رحمته خلال كل مشغولية، وفي كل وقتٍ، وفي كل مكانٍ، حتى أثناء النوم.

تُغرَس هذه العاطفة بترديد هذه الكلمات: "يا ربي يسوع المسيح ابن الله، ارحمني أنا الخاطي". فمن يُعَوِّد نفسه على ذلك يختبر أعمق الوسائل التي تزرع الرغبة في أن تدوم الصلاة، وسوف تستمر هذه الطلبة دافعة لنفسها في أعماق قلبه.

أما كيف تتعلَّم الصلاة، فسنراه في كتاب الفيلوكاليا Philokalia (يعني محبة الصلاح) وهو يحتوي على علم الصلاة الداخلية المستديمة، مفصلاً حسبما تناولها بالشرح خمسة وعشرون من آباء الكنيسة. يُعتبَر المُرشِد الأساسي إلى الحياة التأملية.

فتح كتاب الفيلوكاليا واختار فقرة للقديس سمعان اللاهوتي الجديد (917-1022 م) عن الصلاة بلا انقطاعٍ: [اجلس، وفي هدوءٍ وصمتٍ. احنِ رأسك وأغلق عينيك، وتصوَّر نفسك ناظرًا إلى داخل قلبك، وانقل أفكارك من عقلك إلى قلبك، وقُلْ مع كل نسمة تخرج منك: "يا سيدي يسوع المسيح ابن الله ارحمني أنا الخاطي". قلها بتحريك شفتيك ببساطة أو قلها فقط في عقلك، محاولاً أن تدع كل الأفكار الأخرى جانبًا، وكن هادئًا صبورًا، وكَرِّر هذه الطلبة في أحيانٍ كثيرة.] ثم طلب إليه أن يعود إليه ليُتابِع تقدُّمه، وأن يعترف إليه بكل صراحة، فإنه من العبث أن نُمارِس عملاً روحيًا دون مرشدٍ لتهذيبنا. شعر السائح بدافعٍ قوي لاختبار الصلاة الداخلية المستديمة.

علم السائح أنه توجد قرية بالقرب من الدير، فذهب إليها يبحث عن مسكنٍ. هناك تمكَّن من العمل بالأجرة، إذ استأجره أحد الفلاحين ليعتني بحديقته ويحرسها طول الصيف وأعطاه كوخًا في أقصى الحديقة، منفردًا يعيش فيه.

كان يُمارِس ما أرشده إليه الأب، تعب كثيرًا خلال هذا الأسبوع، لكن حورب بالشعور بالكسلٍ والضجرٍ والنعاس، وهاجمته بعض الأفكار، فبدأ يقرأ في أقوال الآباء، ويُجبِر نفسه على ترديد صلاة يسوع.

اعترف لدى الأب، فطلب منه أن يُكَرِّر الصلاة ثلاثة آلاف مرة في اليوم أثناء قيامه وجلوسه ورقاده ومشيه. قبل السائح هذا الأمر بسرورٍ وعاد إلى كوخه ووجد صعوبة في اليومين الأولين، وبعد ذلك صار الأمر سهلاً لدرجة أنه متى توقف يشعر بدافع على الاستمرار.

عاد إلى الأب الذي طلب منه أن يكون هادئًا وأن يزيد من العدد حتى يعينه الرب. رجع إلى كوخه وصار يردد هذه الصلاة أسبوعًا آخر دون أن يتضايق، وتعلَّم كيف لا يتشتت عقله. قال له الأب: "الآن أترك لك مطلق الحرية لتصلي كما تشاء، فقط حاول أن تكرس أوقات يقظتك للصلاة، واذكر اسم يسوع دون تعداد وأن تسلم نفسك باتضاع لإرادة الرب طالبًا منه المعونة. وأنا متأكد أنه لن يتركك بل سيقودك إلى الطريق المستقيم!"

قال السائح: "وبعد وقت ليس بطويلٍ شعرت كما لو أن كلمات الصلاة تخرج من شفتيَّ لتدخل إلى قلبي في توافق عجيب. أعني أن كل كلمة تُقَال تكون كما لو كان ينطق بها القلب مع دقاته. وحينئذ أبطلت تحريك شفتيَّ، لأن قلبي كان ينطق. وتمنيت أن أرى سيدي يسوع المسيح، فأطرح نفسي عند قدميه وأطَّوقهما وأقبِّلهما شاكرًا بالدموع، لأنه وهبني بمحبته أن أعيش باسمه في سلامٍ أنا المخلوق الخاطي غير المستحق.

عاودت طريق التجوال لكن لم أكن معوزًا كما كنت قبلاً. كان ذكر اسم يسوع يبعث فيَّ الفرح طوال الوقت، وكان الناس يحسنون معاملتي كما لو كانوا جميعًا يحبونني." بلا شك هذا الحب من الناس كان ثمرة انجذابهم إليه بسبب الفرح الداخلي المنعكس على وجهه وتصرفاته لتمتعه بصلاة يسوع دون انقطاعٍ.

٦. كيف يُمكن لمن عليه التزامات أسرية أن يختبر ما تدرَّب عليه هذا السائح؟

ما تدرَّب عليه هذا السائح تدرَّب عليه كثيرون من الرهبان والمتزوجين عبر الأجيال، كل شخصٍ يمارس التدريب بما يناسب ظروفه وإمكانياته. غير أن ما نتعلَّمه من هذا السائح فهو الآتي:

‌أ.    الإيمان بقوة اسم يسوع ومناداته.

‌ب. إدراك أن الصلاة هي أم الفضائل والأعمال الصالحة.

‌ج.  الاهتمام بالحديث مع السيد المسيح سواء في العبادة الجماعية أو الشخصية أو قبل ممارسة أي عملٍ حتى قبل الأكل والشرب والنوم الخ.

‌د.   طلب نعمة الله أن تعمل في حياة المؤمن، مع المثابرة والجهاد بروح التواضع.

‌ه.  ما يشغلنا في التدريب ليس ترديد الكلام، إنما تركيز أنظارنا على الصلاة الداخلية لكي تكون حيَّة ومثمرة.

‌و.   الاعتراف بضعفنا وخطايانا وحاجتنا إلى رحمة الله.

‌ز.  أن تكون لنا وقفات صمت لنصغي لصوت الله.

‌ح.  التركيز على نوال الخلاص ومغفرة الخطايا.

‌ط.  مع بساطة تدريب "صلاة يسوع" وقلة كلماته، يدعونا القديس يوحنا الذهبي الفم أن ندرك بأية مهابة ومخافة ينطق السيرافيم ذلك الاسم وهم يُمَجِّدونه ويُسَبِّحونه، فلا نُمارِس التدريب في رخاوة.

‌ي. الحاجة إلى إدراك قوة اسم ربنا يسوع.

7. ماذا يقول الكتاب المقدس والآباء عن قوة اسم ربّنا يسوع؟

لقد وهب السيد المسيح اسمه لتلاميذه، لا ليصنعوا عجائب ويشفوا مرضى ويخرجوا به الشياطين فحسب، وإنما أَكَّد لهم قوة اسمه بقوله لهم: "كل ما طلبتم من الآب باسمي يعطيكم" (يو ١٦: ٢٣)، أي به نعبر إلى الآب ونتمتَّع بالأمجاد الأبدية.

لقد أدرك السبعون رسولاً قوة اسم يسوع، إذ قالوا له عند عودتهم من الكرازة: "حتى الشياطين تخضع لنا باسمك!" (لو 10: 17)

عبَّر إشعياء النبي في حديثه عن أنشودة الحمد عن قوة اسم الله، إذ يقول: "إلى اسمك وإلى ذكرك شهوة النفس. بنفسي اشتهيتك في الليل، أيضًا بروحي في داخلي إليك أبتكر" (إش ٢٦: ٨-٩).

يقول القديس يوحنا كليماكوس (الدرجي): [اهزموا أعداءكم واجلدوهم باسم الربّ يسوع، لأنه لا يوجد سلاح أقوى منه، لا في السماء ولا على الأرض.]

ويقول القديس كيرلس الكبير: [من يزدري باسم الله من الذين لم يؤمنوا به بعد، يعترف بقوة قدوس القديسين عندما تشرق أشعة الحق عليه.]

ويقول القديس برصنوفيوس والقديس يوحنا: [إن تذكُّر اسم الله يهلك تمامًا كل ما هو شرّ وشرير.]

ويقول القديس كيرلس الأورشليمي: [من لا يُدرِك قوة المصلوب فليسأل الشياطين.]

يقول القديس مار افرآم السرياني: [اسم يسوع اسم عظيم، هو العبور من الموت إلى الحياة. لقد دخلت إليك عن طريق الحرف الأول من اسمك، الذي جعلني أُنتشل وأدخل إلى الحق الذي لك، من أجل حُبِّك اجعلني أعبر عن طريقك إلى الآب. وحينما أصل إليه سوف أقول: "مبارك ذاك الذي يرفع غضبه عنا من أجل ابنه"]

يُحَدِّثنا مار إسحق السرياني عن التدريب على صلاة يسوع، قائلاً: [ما نناله من المواهب بسهولة نفقده بسهولة، وكل ما نناله بمشقةٍ نحتفظ به بعناية. لذلك يجب عليكم أن تُثابِروا وتعطشوا إلى ربِّنا يسوع المسيح. اطلبوا وهو سوف يُسكركم بحُبِّه. اغلقوا عيونكم عن الأشياء الثمينة التي لهذا العالم حتى تستحقُّوا أن تأخذوا سلام الله الذي يملك على قلوبكم.]

ويقول القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات إنه على كافة المسيحيين أن يُرَدِّدوا اسم الربّ في الصلاة أكثر من مرات التنفس: [يجب علينا لا أن نصلي فقط بلا انقطاع باسم يسوع المسيح. لكننا نحن مُلزَمون أن نمارسها ونُعَلِّمها للآخرين، لكل إنسانٍ على وجه العموم، إذ هي لائقة ونافعة للجميع.]

يقول القديس يوحنا كاسيان: [إنها ليست نوعًا من التخيُّل أو الحديث أو الكلمات، لكنها تنبع مثل الشرارة الناتجة عن الفحم المشتعل الذي هو حركة القلب. ومن نشاط الروح الذي لا يخمد، حيث يحمل العقل ليجتاز فوق كل الأشياء المادية التي يُمكِن أن تُرَى أو تُحَس، ويصب صلواته بأناتٍ وأحزانٍ لا يُنطَق بها.]

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إني أحثكم ألاَّ تتركوا قط قانون الصلاة، بل حين تأكلون وتشربون أو تسافرون أو تفعلون أي أمر، اصرخوا بلا توقُّفٍ: "أيها الربّ يسوع المسيح ابن الله ارحمني".] كما يقول: [لا تجعل قلبك يتغرَّب عن الله، ولكن اسكن فيه، واحرس قلبك دائمًا بتذكار الربّ يسوع المسيح حتى يتغلغل اسم الربّ في القلب، وتكف عن التفكير في أي أمرٍ آخر. ليت المسيح يتمجَّد فيك.]

يقول الأنبا أغاثون: [إذا أراد الإنسان أن يُصَلِّي كل حين، تُحاوِل الشياطين أن تمنعه، لأنها تعلم أن لا شيء يُبطِل قوتها سوى الصلاة أمام الله، فمن كان يصلي يحتاج إلى جهادٍ حتى آخر نسمة.]

يقول القديس أثناسيوس: [لم يأمرنا المسيح أن نُقِيم صلاة من عشرة آلاف عبارة، لنأتي إليه لمُجَرَّد ترديدها ... فنحن لا نأتي لكي نُعَلِّمه وإنما لنصارع معه، ونلتصق به بالطلب المستمر "يا ربّي يسوع المسيح ابن الله ارحمني أنا الخاطي"، فهو حيّ وفعَّال يعمل يومًا فيومًا لخلاص الكل.]

8. كيف اختبر القديس يوحنا سابا (الشيخ الروحاني) الصلاة التي بلا انقطاع في صمته؟

يقول القديس يوحنا سابا: [طوبى للذي نسي حديث العالم بحديثه معك. لأن منك تكتمل كل حاجاته. أنت هو أكله وشربه، أنت هو بيته ومسكن راحته. إليك يدخل في كل وقتٍ ليستتر! أنت هو شمسه ونهاره. بنورك نرى الخفيات. أنت هو الآب والده. أنت أعطيته روح ابنك في قلبه.]

9. كيف اختبر القديس مار اسحق السرياني الصلاة بلا انقطاع؟

يُقَدِّم لنا مار اسحق السرياني خبرته، قائلاً: [حين يسكن الروح القدس داخل إنسان، لا يترك الإنسان الصلاة، لأن الروح القدس هو الذي يصلّي (يشفع فيه رو 8: 26) باستمرار، سواء كان نائمًا أو ساهرًا، فإن الصلاة لا تنقطع عن نفسه أبدًا، وسواء أكل أو شرب، أو حتى لو كان نائمًا نومًا عميقًا، فإن لهج الصلاة سيكون عفويًا كخفقات قلبه.]

10. كيف اختبر العلامة أوريجينوس قوة المناداة باسم يسوع المسيح؟

كثيرًا ما تحدَّث العلامة أوريجينوس عن قوة اسم يسوع بثقته في بلوغ الغلبة والنُصرة على الخطية والشيطان وكل قوات الظلمة. فمن أقواله: [باسمه كثيرًا ما تُطرَد الشياطين من البشر، خاصة إن صلينا بطريقة روحية سليمة وبكل ثقة، عظيم هو اسم يسوع الذي له فاعليته وبركاته، اسم يسوع يشفي المتألمين ذهنيًا، ويطرد أرواح الظلمة، ويهب شفاءً للمرضى.]

11. كيف اختبر القديس أغسطينوس الصلاة الدائمة باسم يسوع؟

إذ اختبر القديس أغسطينوس قوة اسم يسوع خلال توبته عن خطاياه نادى، قائلاً: [لا يستطيع أحد أن يصلي باسم المُخَلِّص إذا كان يصلي من أجل شيء آخر غير الخلاص.]

12. ماذا يقول القديس أنبا أنطونيوس عن تدريب صلاة يسوع؟

[إن جلست في قلايتك قم بعمل يديك، ورَدِّد اسم الربّ يسوع. امسكه في قلبك وبعقلك، ورتِّل به بلسانك، وقل: "يا ربي يسوع أعنّي"، وقل أيضًا: "أنا أُسَبِّحك يا ربي يسوع المسيح".]

13. ماذا يقول القديس مقاريوس الكبير عن تدريب صلاة يسوع؟

 [دوام ذكر الاسم القدوس، اسم ربنا يسوع المسيح، فهذه هي اللؤلؤة التي من أجلها باع التاجر الحكيم كل أهواء قلبه واشتراها، وأخذها إلى داخل بيته، فوجدها أحلى من العسل والشهد في فمه، فطوبى لذلك الإنسان الذي يحفظ هذه الجوهرة في قلبه، فإنها تعطيه مكافأة عظيمة في مجد ربنا يسوع المسيح.]

14. هل مارس داود النبي ما يماثل صلاة يسوع؟

إنه يترنم قائلاً: "محبوب هو اسمك يا ربّ، فهو طول النهار تلاوتي" (راجع مز ١١٩ LXX).

"يا رب بالغداة تسمع صوتي. بالغداة أوجه صلاتي نحوك وأنتظر" (مز 5: 3)، "يا اللّٰه إلهي أنت. إليك أُبَكِّر" (مز 63: 1)، "إذا ذكرتك على فراشي. في السهد ألهج بك" (مز 63: 6)، "مساءً وصباحًا وظهرًا أشكو وأنوح. فيسمع صوتي" (مز 55: 17).

15. هل تدعونا الليتورجيات الكنسية لممارسة صلاة يسوع؟

لا تتوقَّف التسابيح اليومية عن إبراز فاعلية اسم ربنا يسوع في حياتنا، فتدعونا صراحة لممارسة تدريب "صلاة يسوع" بطرقٍ مختلفة. ففي ثيؤطوكية الأحد نرنم صلاة يسوع، قائلين: "سبع مرات كل يوم من كل قلبي أبارك اسمك يا ربّ الكل، ذكرت اسمك فتعزيت"

وفي إبصالية الاثنين نُرَنِّم: [كل من يقول يا ربي يسوع كمن بيده سيف يصرع العدو.. اسمك القدوس في أفواههم كل حين. تجمعي فيّ يا كل حواسي لأُسَبِّح وأُمَجِّد ربي يسوع. يسوع هو ربي، يسوع هو إلهي، يسوع هو رجاء المسيحيين، فلنطهر قلوبنا باسم الربّ، فليكن اسم الربّ فينا، ليضيء علينا في إنساننا الداخلي ... عنبر كثير الثمن هو اسمك القدوس يا ربي يسوع، زينة نفوسنا وفرح قلوبنا هو اسمك القدوس، يا ربي يسوع.]

وفي إبصالية الثلاثاء، نتذكَّر أن اسم يسوع ينبوع ماء حياة حلو في الحناجر، أكثر من العسل فكل من يخبر باسم الربّ يفرح قلبه ويزهر جسده، وكل من ينطق به يستنير عقله، ويرتفع قلبه إلى العلا.

وفي إبصالية الأربعاء نقول: [فليفرح ويتهلل طالبو الربّ الملازمون كل حين في تلاوة اسمه القدوس ... لنا الجوهرة اللؤلؤة الكثيرة الثمن الاسم الحلو المملوء مجدًا الذي لربنا يسوع المسيح ... وخلاص نفوسنا بتلاوة اسمه القدوس.]

وفي إبصالية الجمعة نُرَنِّم، قائلين: [هذا هو اسم الخلاص الذي لربنا يسوع.]

وفي إبصالية السبت نقول: [اسمه حلو ومبارك ... اسم مملوء مجدًا، اسم مملوء بركة، بل وكمال كل بركة كائن في اسمه القدوس.]

16. كيف نُجاهِد في ممارسة صلاة يسوع؟

جهادنا في التدريب على صلاة يسوع ليس جهادًا من أجل عددٍ مُعَيَّن من ترديد عبارة مُعَيَّنة، إنما هو جهاد للالتقاء مع الربّ يسوع نفسه، وتسليم القلب له ليُقِيم ملكوته فيه. يقول العلامة أوريجينوس: [لنبحث عنه بتعبٍ كثير، وبعذاب الروح، عندئذ نستطيع أن نجد ذاك الذي نبحث عنه كثيرًا ... إنه داخلنا!]

17. ما هي التوجيهات العملية للتدريب على ممارسة صلاة يسوع؟

أولاً: لا تُفَكِّر في أنك تنادي اسم يسوع ولكن ركِّز كل تفكيرك في ربنا يسوع ذاته. اذكر اسم يسوع ببطءٍ ولطفٍ وهدوءٍ[211].

ثانيًا: ليكن ترديد الاسم مع التعمُّق الداخلي بدون صراخ أو عنف حتى ولو كان داخليًا. فعندما أُمِر إيليا أن يقف أمام الربّ ليلتقي به، قيل إنه "وقف على الجبل أمام الرب، وإذا بالرب عابر وريح عظيمة وشديدة قد شقَّت الجبال وكسرت الصخور أمام الرب ولم يكن الرب في الريح، وبعد الريح زلزلة ولم يكن الرب في الزلزلة. وبعد الزلزلة نار ولم يكن الرب في النار، وبعد النار صوت منخفض خفيف. فلما سمع إيليا، لف وجهه بردائه وخرج ووقف في باب المغارة، وإذا بصوت إليه يقول: ما لك ههنا يا إيليا" (١ مل ١٩: 11-١٣)[212].

ثالثًا: ليكن الترديد في هدوءٍ وبساطة وبمعنى أدق في لطفٍ، وكما أن الطائر متى بلغ إلى العلو الذي يهدف إليه ينساب في طيرانه ويخفق بجناحيه من وقتٍ إلى آخر حتى يبقى في الهواء، هكذا النفس إذا بلغت إلى الفكر في المسيح يسوع وتشبَّعت بذكره، يمكن أن تتوقَّف عن ترديد الاسم المقدس وتستريح في أفكارٍ أخرى، أي التفكير في يسوع. طبيعي أن يتخلَّل هذه الصلاة لحظات من الفتور، عندئذ تبدأ ثانية في أي وقت الترديد، ستجد أن اسم يسوع يُنطَق على شفتيك تلقائيًا وسيتردَّد على فكرك باستمرار بطريقة صامتة وباطنية. عندئذ تختبر القول: "أنا نائمة وقلبي مستيقظ" (نش ٥: ٢). هذه الصلاة لا تحتمل أي توانٍ. "لرائحة أدهانك الطيبة. اسمك دُهن مُهراق، لذلك أحبتك العذارى. اجذبني وراءك فنجري" (نش ١: ٣-٤)[213].

رابعًا: ينبغي أن نُسَاق نحو اسم يسوع بإرشاد الروح القدس، وبذلك تصير مناداة اسم يسوع في حياتنا ثمرة من ثمار الروح القدس ذاته[214].

خامسًا: أي إنسان يشعر بميلٍ نحو هذا الطريق عليه أن يكون حذرًا لئلا يحتقر أنواع الصلوات الأخرى. فلا ندع أنفسنا نقول: إن صلاة يسوع هي أفضل الصلوات[215].

سادسًا: يلزمنا أن ننسى نفوسنا ونميتها بينما يحيا اسم الله القدوس في أرواحنا. "ينبغي أن ذاك يزيد، وأني أنا أنقص (يو 3: 30)[216]".

سابعّا: تكرار صلاة يسوع لا يُقَلِّل من شأن اشتراكنا في القداس الإلهي والطقوس الكنسية كالتسبحة.

ثامنًا: أفضل نوع من الصلوات حتى التي يُحَرِّكنا الروح القدس على ممارستها[217].

تاسعًا: غاية صلاة يسوع لا أن نسأل شيئًا من الله، بل أن نُسَبِّحه، ونهتف مع توما الرسول: "رَبِّي وإلهي" (يو ٢٠: ٢٨). ما يشغلنا أن يوجد ربّ المجد يسوع في حياتنا[218].

عاشرًا: مناداة اسم يسوع الذي يهب لنا خلاصًا في كل ضرورات حياتنا[219].

حادي عشر: باسم يسوع ننال أكثر مما نطلب. "كل ما طلبتم من الآب باسمي يعطيكم. إلى الآن لم تطلبوا شيئًا باسمي. اطلبوا تأخذوا" (يو ١٦: ٢٣-٢٤). إنه هو الواهب وهو الهبة، يشبع كل احتياجاتنا. "صار لنا حكمة من الله وبرًّا وقداسةً وفداءً" (١ كو ١: ٣٠)[220].

18. ما هي خبرة الرسل في قوة اسم يسوع؟

أولا: كان الرسل يُبَشِّرون باسم يسوع ويصنعون عجائب باسمه، فكانوا يطلبون من الآب قائلين: "امنح عبيدك (بمد يدك للشفاء) ولتُجر آيات وعجائب باسم فتاك القدوس يسوع" (أع ٤: ٢٩-٣٠).

ثانيًا: كان اسم الربّ يسوع يتعظَّم بواسطة الرسل (أع ١٩: ١٧).

ثالثًا: أعلن ربنا يسوع لتلاميذه والمؤمنين أنهم ينالون قوة متى حلّ الروح القدس عليهم (أع ١: ٨)، موضحًا أنهم يُخرجون الشياطين باسمه ... (مر ١٦: ١٧-١٨).

رابعًا: كان اسم يسوع هو كنز الرسل، إذ قال بطرس الرسول: "ليس لي فضة ولا ذهب، ولكن الذي لي فإياه أعطيك باسم يسوع المسيح الناصري قم وامش!" (أع ٣: ٦)

19. ما هو دور اسم يسوع في معرفة الأسرار الإلهية؟

أولاً: بترديدنا اسم يسوع ينطلق إنساننا الداخلي إلى القديسة مريم لنسمع معها كلمات البشارة من فم رئيس الملائكة جبرائيل، أن المولود منها يُدعَى يسوع أي المُخَلِّص. ونتعرَّف مع القديس يوسف النجار أن الذي حُمِلَت به القديسة مريم يُسمَّى يسوع بكونه مُخَلِّص العالم (مت 1 :21).

ثانيًا: بترديد اسم يسوع ننطلق معه إلى جبل طابور ونتعرَّف على بهاء لاهوته (مت 17: 2).

ثالثًا: بترديد اسم يسوع يُقَدِّم لنا الآب ليس فقط ما نسأله بل ما لم نسأله (يو 16: 24).

رابعًا: نتمتَّع بسرّ الكنيسة وسرّ الإفخارستيا وقوة الروح القدس الخ.

خامسًا: نتفهَّم أسرار كلمة الله ووعوده.

سادسًا: نتأهَّل لنكون آنية مختارة تحمل اسمه (أع ٩: ١٥).


 

7. الميطانيات والسجود

Metanoias and Prostrations

1. ماذا يُقصَد بالميطانية؟

في حديثنا عن السجود في العبادة الكنسية في الطقس الكنسي، ميَّزنا بين ثلاث أنواع من السجود، وهي: انحناء الرأس، وانحناء الركبتين، وانطراح الوجه ليلامس الأرض عند الجبهة[221]. يُدعَى النوع الثالث ميطانية. ولها أهميتها الكبرى في العبادة الشخصية وفي التدبير الروحي، خاصة في حياة الرهبان[222].

2. ما هو معنى ميطانية؟

ميطانية، كلمة يونانية تعني التوبة، تُقَدَّم أمام الله بكونها عبادة له، كما تُقَدَّم أمام الإخوة وحتى للأنبياء لتحمل نوعًا من الاعتذار عن خطأ مُعَيَّن ارتكبه الشخص أو الجماعة وطلب الصفح بروح التواضع حيث يُكرِّم المؤمنون بعضهم البعض، وأيضًا تدل على الاحترام المتبادل.

يصاحب الميطانية دائمًا رسم علامة الصليب وصلاة قصيرة تتغير حسب الدافع من الميطانية.

يرى البعض أن كلمة ميطانية مُشتقّة من الكلمتين اليونانيتين "ميتا" أي "تغيير"، و"نوس" أي "العقل". غاية ممارسة الميطانية أن ينسحق الإنسان بروح التواضع والخضوع لكي ما ترفعه نعمة الله من الأرض وتسمو به منطلقًا نحو السماويات[223]. ينصح مار اسحق السرياني بممارسة الميطانيات على الدوام، ويحلو له الثبات فيها حتى وإن استمر فيها ثلاثة أيام جاثيًا على الأرض مصليًا، فلا يشعر بتعبٍ بسبب الحلاوة واللذة التي يشعر بها[224].

3. ما هو ارتباط الميطانية بالتوبة؟

إن كانت التوبة تبدأ برجوع الإنسان إلى نفسه كما فعل الابن الضال (لو 15: 17)، فإنها لا تقف عند هذا الوضع، بل ينطلق المؤمن نحو أبيه فيجد أباه السماوي يركض إليه ويسقط على عنقه، ويدخل به إلى بيته، ويقيم له وليمة فاخرة (لو 15: 22-23). فيذوب حزن الخاطي، وتتهلل نفسه بمحبة أبيه له.

هكذا لا تقف الميطانية عند انطراح وجه الإنسان ليلامس الأرض عند الجبهة، وإنما يقوم المؤمن ويقرع صدره (لو 18: 13) حيث يُقِيم مُخَلِّصه السماوي ملكوت الله فيه، أو يبسط يديه ويرفعهما إلى فوق، ويتطلَّع نحو السماء مُعلِنًا اشتياقه لرؤية أبيه السماوي والتمتُّع بشركة المجد الأبدي.

وما نقوله بخصوص التوبة وممارسة الميطانيات نختبره في كل أنواع العبادة لله، الأمر الذي يكشف عنه آباء الكنيسة، حيث تنطلق قلوبهم "من مجدٍ إلى مجدٍ" (2 كو 3: 18).

هذه الخبرة العملية قَدَّمَتها لنا المرأة الخاطئة التي غسلت قدميّ المُخَلِّص بدموعها ومسحتهما بشعر رأسها، وسرعان ما سمعته يمدحها، قائلاً للفريسي: "قد غُفِرَت خطاياها الكثيرة لأنها أَحَبَّت كثيرًا" (لو 7: 47).

هذا الفكر الإنجيلي اختبره كثير من آباء الكنيسة والأمهات، إذ كانوا يمارسون الميطانيات بكمية كبيرة بفرحٍ وبهجةٍ، ولا يشعرون بالتعب والملل. إنهم يترنمون سرّيًا مع الرسول بولس، قائلين: "فإن سيرتنا نحن هي في السماويات" (في 3: 20).

يقول القديس مار اسحق السرياني" كلما استنار الإنسان في الصلاة، شعر بضرورة عمل الميطانيات وأهميتها، ويحلو له الثبات فيها. فكلما رفع رأسه، ينجذب من فرط حرارة قلبه للسجود، لأنه يحس بمعونة قوية في ذلك ويزداد فرحه وتنعمه[225]".

وجاء في بستان الرهبان: [قال الأخ: "ماذا أفعل يا أبي، لأنني ضعيف والوجع غالبٌ عليَّ وليست لي قدرة على مقاومة الأفكار"؟ فقال له الشيخ: "إذا ألقوا بالأفكار فيك فلا تجاوبهم، ولكن اهرب إلى الله بالصلاة أو السجود، وقُل: يا الله ارحمني، واصرف عني هذه الأفكار بقوتك العظيمة، فإني ضعيف عن مقاومتها". فقال له الأخ: "إذا وقفتُ لأُصلِّي لا أشعر بخشوع لأنني لا أعرف قوة الكلام". فقال له الشيخ: "أنا سمعتُ أنبا موسى (أو أنبا بيمين في بعض المراجع) وجماعة من الآباء يقولون: إنّ الراقي لا يعرف قوة الكلام الذي يعزِّم به، لكن الحية تشعر بقوته فتخرج؛ هكذا نحن أيضًا إن كنا لا نعرف ما نقول ولكن الشياطين يعرفون قولنا فينصرفون عنا".

جاء في تعاليم الأب إشعياء للمبتدئين: [إذا أخطأتَ في أمرٍ فلا تَسْتَحِ ولا تكذب، لكن اصنع ميطانية وقرّ بذنبك واستغفر فيُغفَر لك.]

[إن قال لك إنسانٌ كلمةً عنيفة، فلا تنفر ويستكبر قلبك عليه، ولكن بادر باتضاع واصنع ميطانية ولا تلُمْه في قلبك وإلاّ يتحرك الغضب عليك. إن كذب عليك أحدٌ (أي افترى عليك) في شيءٍ لم تفعله، فلا تهتم ولا تجزع، لكن اتضع واصنع ميطانية. وإن كنتَ فعلتَ أو لم تفعل فقُلْ: "اِغفر لي، فإنني لن أعود إلى ذلك."]

4. ما هو ارتباط الميطانيات بالصلاة؟

إن كانت الصلاة هي تقدمة عبادة عقلية، فبالميطانيات يشترك الجسد مع العقل في التقدمة، كقول الرسول: "فأطلب إليكم أيها الإخوة برأفة الله أن تُقَدِّموا أجسادكم ذبيحة حيَّة مقدسة مرضية عند الله عبادتكم العقلية" (رو 12: 1).

قَدَّم لنا السيد المسيح الصلاة النموذجية مُفتتحًا إيّاها بالقول: "أبانا الذي في السماوات"، ومُقَدِّمًا للمؤمنين دالة البنوة حتى يتحدَّثوا مع الآب بدالة قوية. لكن يليق بهم أيضًا أن يتسلَّحوا بروح المخافة الإلهية. إذ يقول: "الابن يكرم أباه، والعبد يكرم سيده، فإن كنت أنا أبًا فأين كرامتي؟، وإن كنت سيدًا فأين هيبتي، قال لكم رب الجنود" (مل 1: 6). بعمل الميطانيات نُعلِن هيبة الله ومخافته فينا دون تجاهل أبوّته وحنانه ورحمته.

بناموس الطبيعة يُكرم الابن أباه، وبقوانين العالم يهاب العبد سيده ويطيع أوامره، ويحرص على خدمة مصالحه. الابن الذي لا يُكرم أباه يسقط تحت لعنة الناموس الطبيعي، والعبد الذي لا يسمع لسيده يسقط تحت عقوبة قوانين المجتمع. هذا هو موقف الابن والعبد. أما بالنسبة لنا فبقانون النعمة الإلهية يليق بنا أن نُكرِّم الله كأب لنا ولا نستهين بحبه وحنوًه. لهذا تمتزج ممارستنا للصلاة بالميطانيات، خاصة في الصلوات السهمية القصيرة.

يُقَدِّم لنا مار اسحق السرياني التدريب التالي، وهو إن هوجمنا بالملل في الصلاة لسببٍ أو آخر مثل هجوم فكر يُشَتِّت مشاعرنا، نُمارِس الميطانيات طالبين من الله أن يُسَمِّر مخافته في قلوبنا. إنه يقول: [أَحْبِب الميطانيات في الصلاة أكثر من المزامير (إن حورب الشخص بالسرحان أثناء الصلاة بالمزامير وعانى من تشتيت الفكر)، وعندما تعطيك الصلاة يدها تعوّضك عمّا فات من تدبيرك[226].]

يكشف الأب ماريوس فيكتورينوس عن أهمية الميطانيات، قائلاً: [بالركوع نُحَقِّق الشكل الكامل للصلاة والتضرُّع. لذا نحني ركبنا. يلزمنا أن نميل إلى الصلاة ليس فقط بأذهاننا وبأجسادنا. حسنًا نحني أجسامنا لئلاّ نخلق فينا نوعًا من التشامخ ونحمل صورة الكبرياء[227].]

5. ما هي مشاعر المؤمن وهو يمارس الميطانيات؟

تختلف المشاعر حسب الدافع لممارسة الميطانيات، غير أن المشاعر المشتركة في كل الميطانيات هي الشعور بالحضرة الإلهية، سواء كان الشخص يُقَدِّمها للعبادة كما يفعل السمائيون، أو من أجل التوبة والاعتراف بخطيته مع الاشتياق الحقيقي للرجوع إلى الله والتمتُّع بالأحضان الإلهية، أو كنوعٍ من الحب المتبادل بين المؤمنين (خاصة الرهبان) مع ممارستها بروح التواضع. أو إن مورست الميطانيات لصرف روح الغضب عن الأخ أو الإخوة، أو كنوع من الشكر لحسن تصرف الأخ أو الأخت. أو نوع من الاعتذار وطلب السماح عما أخطأ به سواء إلى شخصٍ ما أو إلى الله الخ. في كل المواقف ما يشغل فكرنا هو الحضور الإلهي وطلب رضاه وبركته.

في ممارستنا للميطانية، كعبادة الله، نُشارِك السمائيين مخافتهم للرب وتهليلهم بخالقهم.

وفي ممارستنا لها من أجل التوبة، فمع انسحاق نفوسنا بسبب خطايانا، نفرح بعمل المُخَلِّص غافر الخطايا، وبلقائنا به كأبناء وبنات يجدون أحضان المُخَلِّص مفتوحة لاستقبال الراجعين إليه. هكذا تختلط مشاعر الحزن مع الفرح الروحي.

وإن كنا نمارس الميطانيات من أجل متاعبنا، فإننا نُقَبِّل قدميّ المُخَلِّص القائل: "تعالوا إليَّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم" (مت 11: 28).

كما نتقدَّم إليه كأطفالٍ صغارٍ محبوبين إليه، مُتذكِّرين كلماته: "دعوا الأولاد يأتون إليَّ ولا تمنعوهم، لأن لمثل هؤلاء ملكوت السماوات" (مت 19: 14؛ مر 10: 14؛ لو 18: 16).

كما نتقدَّم إليه كمرضى محتاجين إلى الطبيب السماوي، مُتذكِّرين كلمات إشعياء النبي: "لكن أحزاننا حملها، وأوجاعنا تحملها" (إش 53: 4).

أيضًا نخضع بالميطانيات أمام الرب، كجنودٍ يلجأون إلى قائد المعركة، إذ وحده يُحَطِّم إبليس وكل خططه، ويُبَدِّد ظلمة قوات الشر، وننشغل بأن نخضع لمشيئة الله، ونتمتَّع بالسكون المقدس والبر الإلهي أثناء ممارستنا الميطانيات. أيضًا كثيرًا ما يلتهب قلب المؤمن بالشوق نحو السماويات فيرفع يديه ونظره نحو السماء بعد ممارسته للميطانية. يقول القديس مار اسحق السرياني عن ارتباط السجود بالفرح السماوي: [المداومة على السهر مع ضرب الميطانيات بين الحين والآخر لا تتأخَّر كثيرًا عن أن تكسب العابد المجتهد فرحة الصلاة... أَعطِ نفسك للصلاة وأنت تحصل على لذة الميطانيات وتداوم فيها بسرور.] يدعونا القديس مار اسحق السرياني أن نُمارِس الميطانيات أمام صليب السيد المسيح، إذ يقول: [لا شيء في الجهاد النسكي أعظم وأشد تعبًا من أن يلقي الإنسان بنفسه أمام صليب المسيح، الأمر الذي لا تحتمله الشياطين.]

6. كيف تطفئ الميطانيات لهيب الغضب؟

إذ سمع يعقوب أن أخاه عيسو خرج للِّقاء معه، سجد نحو الأرض سبع مرات أمام أخيه فاسترضى وجهه وزالت العداوة من قلب عيسو (تك 33: 3).

وإذ أدركت أبيجايل أن داود في ثورة غضب على رجلها نابال الذي أساء إليه، انطلقت للقائه، وسجدت أمامه، فهدأ داود وتجنَّب سفك الدماء والانتقام لنفسه (1 صم 25: 23). أُعجِب داود بحكمة أبيجايل وتراجع عن غضبه أمام تواضعها وانسحاقها.

وعندما سجدت أبيجايل أمام داود (1 صم 25: 23) لتصرف عنه روح الغضب، ماذا رأى فيها؟! لقد قال لها: "مبارك عقلك، ومباركة أنتِ" (1 صم 25: 33).

7. ما هي قيمة الميطانية إن خَلت منها المحبة والتواضع؟

من يمارس الميطانية بدون محنة وتواضع، تحسب نوعًا من السخرية. هكذا سجد الجنود الرومان أمام يسوع في دار الولاية في سخريةٍ واستخفافٍ بشخصه (مت 27: 29). لذلك يدعونا القديس مار اسحق السرياني أن نُمارِس الميطانية بروح التواضع والمحبة، إذ يقول: [تواضع أمام كل الناس فترتفع قوق رؤساء هذا الدهر (الشياطين). بادِرْ الجميع بالتحية والسجود تُكرَّم أكثر ممن يحملون هدايا من الذهب الخالص.]

8. هل في ممارسة الميطانية سقوط في مذلّة؟

للأسف يظن البعض أن ممارسة الميطانية خاصة أمام الناس فيه نوع من المذلّة. إن كان السمائيون بسجودهم في مخافةٍ ورعدةٍ يتمتَّعون بانعكاس بهاء الله عليهم، لذلك يشعر الإنسان بمهابتهم إن التقى بهم، هكذا يتمتَّع المؤمن بنوع من المهابة بممارسته للميطانيات بطريقة لائقة.


 

8. العبادة المقدسة وحياة الملء

1. ماذا يعني الكتاب المقدس بالملء وأيضًا بالفراغ؟

خلق الله الإنسان على صورته ومثاله (تك ١: ٢٧)، فكان آدم وحواء يجدان شبعهما في خالقهما، إذ كان صوت الربّ ماشيًا في الجنة (تك ٣: ٨). حقًا كانا عروسين في جنة عدن كما في القصر الملكي يتمتَّعان بالحضور الدائم للربّ وكان سرّ فرحهما وسعادتهما وشبعهما. كانا يتلامسان مع محبة الله في أعماقهما كما في كل ما هو حولهما، ولا يشعران بالفراغ قط، إذ كانت المخلوقات الأرضية خاضعة لهما، وتخدمهما بفرحٍ.

أما وقد أعطى آدم وحواء للربّ القفا لا الوجه بكسر الوصية الإلهية بإرادتهما الحرة، واقتحام الخطية قلبيهما لتملك عليهما، فقد فقدا صورة الله ولم يعودا على مثاله، عانا من الفراغ الداخلي، ولم يستطع العالم كله أن يشبعهما.

تجسد كلمة الله ليُخَلِّصهما هما ونسلهما، فأقام ملكوته في داخل قلوب المؤمنين (لو ١٧: ٢١). أقام من قلوب المؤمنين كنيسة مقدسة، إذ أرسل روحه القدوس ليسكن فيها (رو 8: 11). بهذا تتحقق حياة الملء خلال استرداد الصورة الإلهية والتمتُّع بعربون السماء (أف 1: 14)، وإعلان المجد الحقيقي الداخلي والنمو المستمر يومًا فيومًا حتى يراه المؤمنون وجهًا لوجه في الفردوس. هذا ما تمتَّع به اللص، إذ سمع الصوت الإلهي: "اليوم تكون معي في الفردوس (لو ٢٣: ٤٣). 

هذا النمو المستمر في الشركة مع الله يُحَقِّق الملء الدائم في حياتنا. هذا الملء هو عمل الثالوث القدوس الذي لا يتوقَّف، ففي كل يومٍ نختبر أبوة الآب وعضويتنا في جسد المسيح، وقيادة الروح العامل فينا. هذا الملء غير المنقطع هو نعمة إلهية مجانية، تهيئنا لحياة الشكر والتسبيح الخفي مع الطغمات السماوية.

2. ماذا يعني الرسول بحياة الملء؟

كثيرًا ما يتحدَّث الرسول عن حياة الملء، سواء بالنسبة للكنيسة الجامعة أو المؤمن كعضوٍ في كنيسة المسيح. إنه يرى الكنيسة المنطلقة نحو السماء حيث تنضم إلى صفوف الطغمات السماوية، كعروسٍ تحمل أيقونة عريسها السماوي، يُناجِيها قائلاً: "ها أنتِ جميلة يا حبيبتي، ها أنتِ جميلة، عيناكِ حمامتان" (نش 1: 15). وفي نفس الوقت يشعر كل مؤمنٍ أنه الابن (أو الابنة) الخاص الذي يُعِدْ له أبوّه السماوي مسكنًا في السماوات.

الملء في ذهن الرسول بولس هو أن يسترد الإنسان المؤمن صورة الله التي فقدها بسبب الخطية، وأن يتمتَّع ببرّ المسيح، فيصير موضع إعجاب السماويين وتكريمهم.

هذا ما دفع الرسول أن يُرَكِّز أنظارنا على الملء أو التمتُّع بالعطايا الإلهية التالية:

أولاً: عطية البنوة لله.

ثانيًا: إدراك المؤمن بانطلاقه نحو الكمال باتحاده مع مُخَلِّصه.

ثالثًا: الشعور بالشبع الداخلي والفرح الدائم خلال خبرته بعربون السماء.

رابعًا: التهاب قلب المؤمن بالاشتياق نحو خلاص كل بني البشر.

خامسًا: تمتُّعه بالتجديد المستمر حيث ينطلق كما من مجدٍ إلى مجدٍ!

سادسًا: مع شعوره بالغِنَى الداخلي، يشعر أنه غريب على الأرض، مُترنِّمًا: "آمين، تعال أيها الرب يسوع" (رؤ 22: 20).

سابعًا: يشعر أن الكتاب المقدس هو الفردوس الروحي، حيث يقطف من أشجاره ثمر الروح القدس: "محبة فرح سلام طول أناة لطف صلاح إيمان، وداعة تعفُّف" (غلا 5: 22-23).

ثامنًا: لن يتوقَّف قلبه عن الشكر والتسبيح لله حتى وهو نائم!

3. لماذا لم يختر السيد المسيح شاول الطرسوسي من بين تلاميذه؟

السيد المسيح العالم بكل شيء (يو 16: 30،) حتى أفكار البشر حتمًا كان يعلم قلب شاول وفكره، إذ كان جادًا في دراسة الناموس وفي جهاده لينعم ببرّ الناموس، إذ قال عن نفسه: "من جهة البرّ الذي في الناموس بلا لومٍ" (في 3: 6). وبسبب غيرته على الناموس، بجهالةٍ جدف على المسيح واضطهد تلاميذه وافترى على المؤمنين، إذ يقول: أنا الذي كنت قبلاً مجدفًا ومضطهدًا ومفتريًا ولكنني رُحِمت، لأني فعلت بجهل في عدم إيمان" (1 تي 1: 13).

لقد اختار السيد غالبية تلاميذه من صيادي السمك البسطاء، وكما يقول الرسول: "اختار الله جهّال العالم ليخزي الحكماء، واختار الله ضعفاء العالم ليخزي الأقوياء (1 كو 1: 27). ولم يختر شاول الطرسوسي لكي شاول يختبر بنفسه هو شخصيًا عمل الناموس وهدفه وإمكانياته. إذ يقول الرسول بولس: "أيها الرجال الإخوة أنا فريسي ابن فريسي (أع 33: 6). ويقول: "من جهة الختان مختون في اليوم الثامن، من جنس إسرائيل من سبط بنيامين، عبراني من العبرانيين، من جهة الناموس فريسي" (في 3: 5-6). لهذا حين آمن بالسيد المسيح أدرك الفارق ما بين عمل الناموس وعمل المسيح فيه، إذ يقول: "لأنه بأعمال الناموس كل ذي جسد لا يتبرر أمامه، لأن بالناموس معرفة الخطية" (رو 3: 20). "فماذا نقول: هل الناموس خطية؟ حاشا... لم أعرف الشهوة لو لم يقل الناموس لا تشته" (رو 7:7). لقد أدرك أن دور الناموس هو أن يكتشف المؤمن حاجته إلى المُخَلِّص الإلهي كي يدخل به إلى الكمال أو إلى الملء. "لأن غاية الناموس هل المسيح للبرّ لكل من يؤمن" (رو 10: 4).

يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم[228] أن الإنسان لا يمكن أن يحيا ولا أن يتبرَّر ما لم يُتَمِّم كل الفرائض وأحكام الناموس، الأمر الذي يعتبر مستحيلاً! لهذا فإذ أراد اليهود أن يتبرّروا بالناموس فالناموس عينه يُعلن عن العجز التام لكل إنسان أن يُحقّق البرّ والحياة... بهذا يدفعنا إلى الإيمان بربنا يسوع المسيح الذي وحده غير كاسرٍ للناموس، بل وقادر على تبرير مؤمنيه. بهذا لم يترك الرسول بولس لليهود عذرًا يلتمسونه، فإن الناموس نفسه يُعلِن عن المسيح بكونه وحده يتركَّز فيه البرّ؛ من ينعم بالبرّ الذي قصده الناموس، ومن يرفضه إنما يرفض البرّ حتى وإن ظنّ في نفسه أنه بالناموس يتبرّر.

ويقول القدّيس إكليمنضس السكندري: [المسيح هو غاية الناموس للبرّ، الذي أنبأنا عنه بالناموس لكل من يؤمن[229].]

إذ دعا السيد المسيح شاول الطرسوسي الفريسي، شعر الرسول أن رسالته هي التمتُّع بحياة الملء بالمسيح يسوع. هذا الملء تحدث عنه السيد المسيح في صلاته الوداعية: "أيها الآب القدوس احفظهم في اسمك الذين أعطيتني ليكونوا واحدًا كما نحن" (يو 17: 11).

"ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا" (يو 17: 21).

"ليكون فيهم الحب الذي أحببتني به، وأكون أنا فيهم (يو 17: 26).

4. ما هو الملء أو حياة الكمال عند الرسول؟

كثيرًا ما أشار الرسول إلى الملء بأسلوب أو آخر، فمن كلماته":

"من التصق بالرب فهو روح واحد" (1 كو 6: 17).

"إذًا إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة، الأشياء العتيقة قد مضت، هوذا الكل قد صار جديدًا" (2 كو 5: 17).

"ومنه أنتم بالمسيح يسوع الذي صار لنا حكمة من الله وبرًا وقداسة وفداء" (1 كو 1: 30).

"مملوئين من ثمر البرّ الذي بيسوع المسيح لمجد الله وحمده" (في 1: 11).

"لكي تصيروا بها شركاء الطبيعة الإلهية، هاربين من الفساد الذي في العالم بالشهوة" (2 بط 1: 4).

"وأما الذين قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله، أي المؤمنون باسمه. الذين وُلدوا ليس من دمٍ ولا من مشيئة جسد، ولا من مشيئة رجل، بل من الله" (يو 1: 12-13).

5. كيف نتمتع ككنيسة بالملء أو الكمال؟

أولاً: الشركة مع المسيح. يقول القدّيس أغسطينوس: [الله الملء والإنسان فارغ، أن أراد أحد أن يمتلئ فليذهب إلى ذاك الذي هو الملء: "تعالوا إليّ واستنيروا" (راجع مز 34: 5)، فإن كان الإنسان كاذبًا، فهو بهذا فارغ يطلب أن يمتلئ، فيجري بسرعة وغيرة نحو الينبوع ليمتلئ[230].] كما يقول: [يحل (المسيح) في تلك القلوب المُخْلِصَة (الأمينة)، في المتأصلين في محبته، الذين يبقون ثابتين غير متزعزعين، لكي تنالوا القوة (الكاملة)، فالأمر يتطلب قوة عظيمة: " لِكَيْ تَمْتَلِئُوا إلى كُلِّ مِلْءِ اللهِ"، ماذا يعني الرسول بهذا التعبير؟ مع أن محبة المسيح ترتفع فوق كل معرفة بشرية، لكنكم ستعرفونها إن كان لكم المسيح ساكنًا فيكم، نعم ليس فقط تعرفون ذلك منه، بل أيضًا وتمتلئون إلى كل ملء الله[231].]

ويُعَلِّق القديس مار أفرآم السرياني على العبارة التالية: "فإنه فيه يحلّ كل ملء اللاهوت جسديًا، وأنتم مملوؤون فيه الذي هو رأس كل رياسة وسلطان" (كو 2: 10)، قائلاً: [لقد سند المحتاجين وأعطى حياة للمائتين، حتى ندرك أنه من الجسد الذي فيه حلّ ملء اللاهوت، الجسـد الذي سكنت فيه الحياة، قد أعان عوز المعـتازين (كو 2: 9)[232].]

ثانيًا: قبول عمل الروح فينا. لا يعني الامتلاء بالروح حلولاً خارجيًا نتقبَّله وإنما هو قبول عمل الروح فينا والتمتُّع بقوته العاملة داخل النفس، لقد عبَّر القديس باسيليوس في كتابه عن الروح القدس عن هذا الامتلاء بقوله إن الروح يُعطي للإنسان قدر استعداد الإنسان، وكأن الروح لا يكف عن أن يعطي ما دام الإنسان يفتح قلبه لعمله فيه ويتجاوب معه.

ثالثًا: وحدانية الإيمان ومعرفة ابن الله. يقول الرسول: "إلى أن ننتهي جميعنا إلى وحدانية الإيمان ومعرفة ابن الله إلى إنسانٍ كاملٍ إلى قياس قامة ملء المسيح (أف 4: 13). بعد أن تحدث الرسول عن تنوُّع المواهب، يؤكد الالتزام بهدفٍ واحدٍ، بغية الوصول "إِلَى وَحْدَانِيَّةِ الإِيمَانِ". كأن الرسول خشي الخلط بين المواهب والإيمان، فالمواهب متنوعة وأما الإيمان فواحد. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [بمعنى إلى أن نُظهر أن لنا جميعنا الإيمان الواحد، حينما نكون كلنا واحدًا، ونكون كلنا متشابهين في معرفة الرباط المشترك. هكذا يليق بك أن تتعب عاملاً بهذا الهدف. فإن قبلت الموهبة بهذا الهدف أي بنيان الغير، فإنك لن تتوقَّف عن العمل إن حسدك الآخرون. لقد كرمك الله، وسامك لكي تبني غيرك. نعم بهذا الهدف كان الرسول منشغلاً، وبذات الهدف كان النبي يتنبأ ويعمل، والإنجيلي يكرز بالإنجيل، والراعي والمعلم يعملان، الكل يتعهَّدون عملاً مشتركًا واحدًا. الآن إذ نؤمن كلنا إيمانًا متشابهًا توجد وحدانية، ويتحقَّق "الإِنْسَانٍ الكَامِلٍ"[233].]

هكذا يتناغم تنوُّع المواهب في الكنيسة – جسد المسيح الواحد – مع وحدانية الإيمان، إذ يعمل الكل معًا، كل في موهبته، خلال عضويته الصادقة في جسد المسيح لبنيان الجماعة المقدسة، بهذا يدخل الكل إلى "مَعْرِفَةِ ابْنِ اللهِ"، "إِلَى إِنْسَانٍ كَامِلٍ". بمعنى أن الوحدة الكنسية القائمة على تنوع المواهب مع وحدة الهدف ووحدانية الإيمان تنطلق بالمؤمنين من حالة الطفولة الروحية إلى النضوج الروحي، إذ ينطلق الكل معًا من معرفة روحية اختبارية حية إلى معرفة أعمق فأعمق، لعلهم يبلغون "قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ".

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يقصد هنا بالملء المعرفة الكاملة، فكما يقف الرجل (الإنسان الكامل) بثباتٍ بينما يتعرض الطفل للفكر المتردد، هكذا أيضًا بالنسبة للمؤمنين[234].]

نحن الآن كمن هم في حالة طفولة نامية للبلوغ إلى النضوج الكامل، لذا يدعونا الرسول في موضع آخر "أطفالاً" (١ كو ١٣: ١١)، وحينما يقارن بين ما نلناه من معرفة روحية وما نكون عليه من معرفة مُقْبِلَة يحسبنا هكذا، قائلاً: "لأننا نعلم بعض العلم، ونتنبأ بعض التنبؤ، ولكن متى جاء الكامل، فحينئذ يبطل ما هو بعض، لما كنت طفلاً كطفلٍ كنت أتكلم، وكطفلٍ كنت أفطن، وكطفلٍ كنت أفكر، ولكن لما صرت رجلاً أبطلت ما للطفل، فإننا ننظر الآن في مرآة في لغزٍ لكن حينئذ وجهًا لوجه، الآن أعرف بعض المعرفة لكن حينئذ سأعرف كما عرفت" (١ كو ١٣: ٩–١٢).

هكذا ما دمنا في جهادنا، نعمل معًا بهدف واحد في وحدانية الإيمان، ننطلق دائمًا من حالة الطفولة إلى النضوج لنبلغ "قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ".

6. كيف يتمتع المؤمن بالملء أو الكمال؟

لا يمكن فصل العضو عن الجماعة، ولا الجماعة عن العضو، كل نموٍ في حياة الجماعة هو لبنيان الأعضاء، وكل نموٍ حقيقيٍ في حياة الأعضاء هو لبنيان الجماعة. لذلك إذ نسمع تعبير "قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ" لا نحسبه خاص بالكنيسة كجماعة فحسب، ولا كأعضاء منعزلين، إنما هو حث للجماعة ككل ولكل عضو لعله يبلغ هذا المرتفع الشاهق.

هنا المرتفع شاهق جدًا، لأن الرسول يريدنا بإرادتنا الحرة أن نجاهد بقوة النعمة بلا انقطاع سالكين في هذا الطريق بلا توقُّفٍ. ليتنا إذ نسمع هذا لا نيأس، مُتذكِّرين كلمات الأب سيرينيوس: [يليق بنا ألاَّ ننسحب من جهادنا في السهر بسبب اليأس الخطير، لأن "ملكوت السماوات يُغصَب والغاصبون يختطفونه" (مت ١١: ١٢). فلا يمكن نوال فضيلة بدون جهاد[235].] ويحدثنا الأب ثيوناس[236] عن الجهاد مُعلِنًا أن الله لا يُلزِمنا على صعود مرتفعات الصلاح العالية والسامية لكنه يحثّنا بنصائحه وشوقنا لبلوغ الكمال بإرادتنا الحرة.

الآن بعد أن شوَّقنا الرسول للارتفاع على الجبال السماوية الشاهقة لنبلغ "قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ"، حذَّرنا من المعوقات، مُطالِبًا إيانا بالجهاد بلا انقطاع، كأطفالٍ صغارٍ يحتاجون إلى النمو بغير توقفٍ بالرغم من الصعاب التي تواجهنا، إذ يقول: "كَيْ لاَ نَكُونَ فِي مَا بَعْدُ أَطْفَالاً مُضْطَرِبِينَ وَمَحْمُولِينَ بِكُلِّ رِيحِ تَعْلِيمٍ، بِحِيلَةِ النَّاسِ، بِمَكْرٍ إِلَى مَكِيدَةِ الضَّلاَلِ. بلْ صَادِقِينَ فِي الْمَحَبَّةِ، نَنْمُو فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَى ذَاكَ الَّذِي هُوَ الرَّأْسُ: الْمَسِيحُ" (أف 4: 14–15).

كأن السيد المسيح يعمل في أناس هم أطفال غير ناضجين، يسندهم ويُنَمِّيهم ليُقِيمَهم رجالاً ناضجين روحيًا، وعوض الضعف يهبهم قوة. بمعنى آخر، يعيش كل عضو داخل الكنيسة في حركة مستمرة بلا انقطاع نحو الملء والكمال، ناميًا في المحبة، أي في المسيح الذي لم يُرضِ نفسه (رو ١٥: ٣)، بل أَحبّ الكل، باذلاً حياته ليقيم الكنيسة.

يقارن الرسول بولس الكنيسة بالسفينة وسط مياه هذا العالم، فإن لم يعمل كل البحارة معًا بروح واحد يصيرون كأطفال يتعرَّضون لمتاعبٍ كثيرةٍ، ولا يقدرون على مقاومة الرياح والأمواج فيهلكون.

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول هنا يتحدث عن الكنيسة كبناءٍ واحدٍ، إن لم يعمل الكل معًا فيه يتعرَّض للهدم ويفقد الكل حياته، إذ يعلق على هذا النص، قائلاً:

[بقوله: "لاَ نَكُونَ فِي مَا بَعْدُ" يظهر أنهم كانوا هكذا في القديم، حاسبًا نفسه أيضًا موضوع تصحيح معهم. يود أن يقول بأنه يوجد عاملون كثيرون كي لا يهتز البناء، فتكون الحجارة مثبتة لا محمولة (إلى هنا وهناك). هذه هي سمة الأطفال أن يُحمَلوا إلى هنا وهناك فيضطربون ويهتزون... لقد قَدَّم هذا التشبيه ليشير إلى الخطر العظيم الذي تتعرَّض له النفوس[237].]

إذ كشف الرسول عن خطورة الحياة بغير وحدانية الإيمان والهدف، مشبهًا العاملين كأطفال يلهون، كل في واديه، يُحمَلون بريح التعاليم الباطلة، ويسقطون تحت خداع الناس، وينحرفون إلى الضلال، أوضح الالتزام بالسلوك في طريق "الوحدانية" بارتباط الكل بالحب معًا تحت قيادة "الرأس المسيح" الواحد، مُشَبِّهًا الكنيسة بالجسد فتنمو الأعضاء معًا خلال اتحادها فيه، وتنال بنيانها خلال عمله فيها (كو ١: 18).

الجسد كله ينمو معًا، دون أن يفقد العضو كيانه بل يتمتَّع قدر قياسه، قدر ما يتَّسِع ينال من الرأس نموه. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [تعتمد نفوس البشر عليه كأعضاء، فينعم كل عضو منفرد بعنايته الإلهية وعطية المواهب الروحية قدر ما يناسب قياسه، هذا يؤدي إلى نموهم... يليق بكل عضو ليس فقط أن يكون متحدًا بالجسد، وإنما يكون أيضًا في مكانه اللائق به، وإلاَّ فقد اتحاده بالجسد وحُرِم من تقبُّل الروح[238].]

خلال وحدانية الهدف ننعم بالمحبة التي تربطنا معًا بالرأس، فيعمل هو فينا، كلٌ في موقعه بما يناسبه لبنيان الجسد كله، فلا نكون مجرد جماعة عاملة معًا، وإنما أعضاء لبعضنا البعض، يعمل الرأس فينا بالحب، كل حسب موهبته التي يهبها إياه بروحه القدوس.

7. ما الذي يحرم الشخص من حياة الملء؟

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:

[إن رغبنا في نوال نفع الروح (القدس) الذي من الرأس، فلنلتصق كل بالآخر.

يوجد نوعان من الانفصال عن جسد الكنيسة: الأول حين تبرد المحبة والآخر حين نجسر ونرتكب أمورًا لا تليق بانتمائنا لهذا الجسد. فإننا بإحدى الطريقتين نقطع أنفسنا عن "ملء المسيح"...

ليس شيء يُسَبِّب انقسامًا في الكنيسة مثل حب السلطة!

ليس شيء يثير غضب الله مثل انقسام الكنيسة! نعم وإن مارسنا ربوات الأعمال المجيدة، فإننا إن مزَّقنا ملء الكنيسة نسقط تحت عقوبة لا تقل عن تلك التي يسقط تحتها من أفسدوا جسده[239].]

8. ما هو دور الذين يتمتَّعون بحياة الملء في تعاملهم مع الضعفاء؟

يقول الرسول: "وأنا نفسي أيضًا متيقن من جهتكم يا إخوتي أنكم أنتم مشحونون صلاحًا ومملوؤون كل علمٍ، قادرون أن ينذر بعضكم بعضًا" (رو 15: 14). إذ تحدَّث عن التزامهم كأقوياء أن يحتملوا ضعفات الضعفاء، وكيهود متنصّرين أن يقبلوا الأمم في الإيمان بفرحٍ وسرورٍ، أراد أن يُلَطِّف الحديث معهم، فلا يجعل من وصيته أمرًا ثقيلاً على نفوسهم، لهذا بادر يمدحهم مُظهِرًا أن ما يطلبه منهم ليس بالكثير بالنسبة لقامتهم الروحيّة وإدراكهم. ويلاحظ هنا رقته في الحديث من جهة الآتي:

أولاً: لم يقل إنه سمع عن صلاحهم، وإنما هو بنفسه مُتيقِّن من صلاحهم. ليس محتاجًا إلى آخرين يشهدون لهم أمامه. وكأنه يقول إن كنت أوصيكم أو أقسو عليكم بالانتهار، لكنني مُتيقِّن من جهتكم إنكم مشحونون صلاحًا!

ثانيًا: يُعَلِّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على تعبيره: "أنكم أنتم مشحونون صلاحًا"، بالقول: [كأنه يقول: ليس لأنكم قساة أو مبغِضون لإخوتكم لذلك أنصحكم أن تقبلوا عمل الله فلا تهملوه أو تُحَطِّموه، فإني أعرف أنكم مشحونون صلاحًا؛ وإنما يبدو لي هنا أن أدعوكم لكمال فضيلتكم[240].]

ثالثًا: في رقّة يحثّهم كما في اتساع القلب أكثر فأكثر بحُبّ الآخرين حيث لا ينقصهم ملء الصلاح والمعرفة والقدرة. من جهة القلب هم صالحون لطفاء مُحِبُّون؛ من جهة الفكر لهم ملء العلم والمعرفة، ومن جهة الإمكانية قادرون. هذا كله أعطاه الجسارة ليطالبهم أكثر فأكثر! يتحدث معهم غاية في الحكمة والتشجيع!

رابعًا: يكتب القدّيس بولس إليهم بروح الأخوة المتواضعة، الأخوة التي أعطته دالة ليتجاسر فيكتب إليهم لا كمن يوصيهم بأمرٍ غريبٍ عن حياتهم، وإنما يُذَكِّرهم لينموا بالأكثر فيما يمارسونه فعلاً، إذ يقول: "ولكن بأكثر جسارة كتبت إليكم جزئيّا أيها الإخوة، كمُذَكِّرٍ لكم بسبب النعمة التي وُهِبَت لي" (رو 15: 14). يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لاحظوا تواضع فكر بولس، لاحظوا حكمته... إنه ينزل من كرسي السيادة هنا وهناك ليتحدَّث إليهم كإخوة وأصدقاء في نفس الدرجة[241].]

خامسًا: يُعلِن الرسول أنه مُلتزِم بالكتابة لهم، لأنه يمارس خدمته الرسولية التي أُفرِز لها كرسول للأمم، فإن كانت روما عاصمة العالم الأممي في ذلك الحين فهو يشعر أنها يجب أن تكون مركز عمله. هذه هي النعمة التي وُهِبَت له من الله، خدمة الأمم، التي لا يتوقَّف عن التمتُّع بها قط.

سادسًا: يقول: "(تكونوا) مملوئين من ثمر البرّ الذي بيسوع المسيح لمجد الله وحمده" (في 1: 11). البرّ هو السيد المسيح. فالإنسان المسيحي لابد أن يثمر، ويُثمِر في هدوء وسلام، أما ثمر البرّ فهو الأعمال الصالحة. إذ نُغرَس في المسيح يسوع، ونُطعم فيه، لا نعود نكون بعد أغصان برية، بل أغصان الكرمة الإلهية الحاملة ثمر الروح. هذه الثمار الفائقة والمشبعة موضع اعتزازنا، لكن ليست علة كبرياء وتشامخ، إذ هي هبة إلهية لمجد الله والتسبيح له. كما يُقصَد بكلمة "البرّ" هنا كل أعمال الروح القدس الذي يهبنا برّ المسيح، والشركة في الطبيعة الإلهية. يقول "ثمرة البرّ"، وليس "ثمار البرّ". جاءت الكلمة اليونانية في المخطوطات القديمة بصيغة الفرد لا الجمع. وجاءت نفس الكلمة في المفرد في (غل 22:5؛ أف 9:5؛ يع 18:3؛ عب 11:12؛ رو 22:6)، لأن ثمر الروح مع تنوعه من حب وفرح وسلام وصلاح الخ. في تناغم معًا، كأنه ثمرة واحدة.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: "(تكونوا) مملوئين من ثمر البرٌ"، إذ بالحق يوجد برٌ ليس حسب المسيح، على مستوى الحياة الأخلاقية. "الذي بيسوع المسيح لمجد الله وحمده". انظروا فإنني لست أتكلم عن مجدي، بل عن برّ الله... يقول: "لا تجعلوا محبتكم تضركم بطريقة غير مباشرة، بأن تعوقكم عن إدراك الأمور النافعة. احذروا لئلا تسقطوا خلال محبتكم لأي أحد. فبالحق أود أن تزداد محبتكم لكن دون أن يصيبكم ضرر منها[242].]

يقول الرسول: "وأنتم مملوؤون فيه الذي هو رأس كل رياسة وسلطان" (كو 2: 10). إذ تحقق التجسد باتحاد اللاهوت مع الناسوت صار لنا حق التمتُّع بغِنَى المسيح خلال اتحادنا معه، إذ نصير مملوئين فيه. خلال هذا الملء صار لنا إمكانية القيامة معه، والجلوس معه في السماويات (أف 2: 6)، وأن نملك أيضًا معه (2 تي 2: 12)، لا يعوزنا شيء (رو 8: 32)، إذ يصير كل شيء هو لنا (1 كو 3: 21).

يُعَلِّق القديس أغسطينوس على العبارة: "ومن ملئه نحن جميعًا أخذنا، ونعمة فوق نعمة" (يو 1: 16) قائلاً بأن الرب وهبنا نعمة مجانية مقابل استحقاقنا للعقوبة. بهذه النعمة وهبنا الإيمان الذي به ننال مجازاة عظيمة. يقودنا هذا الإيمان إلى معرفة الحق. بالإيمان يهبنا التبرير من خطايانا ويُقَدِّم لنا نعمة الخلود. هذا كله بشرط الاحتفاظ بهذه النعم. يقول القديس هيلاري أسقف بواتييه: [بعد إعلانه أنه في المسيح يحلّ كلُ ملء اللاهوت جسديًا، يكشف فورًا عن سرّ صعودنا في الكلمات "أنتم مملوؤون فيه" (كو 2: 10)... قد صرنا مملوئين فيه (نلنا من ملئه)... لأن كل من هم الآن أو من سيكونون فيما بعد، المخلوقين من جديد برجاء الإيمان بالحياة الأبدية، يمكثون حتى الآن في جسد المسيح... في الزمان الذي يقول عنه الرسول: "الذي سيُغَيِّر شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده (في 21:3). لهذا فقد صرنا مملوئين فيه، أي بصعود جسده، لأن فيه يحل ملء اللاهوت جسديًا فهل رجاؤنا أعلى من السلطان الذي فيه؟[243]]

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كلمة "ملء" تعني "الكل المتكامل The whole... فهو "الرأس" وأنتم مملوؤون فيه معناها أن مالكم هو منه وليس بأقل مما له[244].]

يقول الرسول: "ونحن جميعا ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف كما في مرآة نتغيَّر إلى تلك الصورة عينها من مجد إلى مجد كما من الرب الروح" (2 كو 3: 18). إذ ننعم بالنور الإلهي والحرية الحقيقية تتجدد طبيعتنا وتنمو كل يومٍ لكي نتشكَّل ونصير أيقونة المسيح خالقنا. نرتفع كما من مجدٍ إلى مجدٍ. هكذا يتذوَّق المؤمن خبرة يومية ومعرفة عملية خلال قوة الكلمة المجددة على الدوام.

كان اليهود عاجزين عن التطلُّع إلى وجه موسى وسيط العهد القديم، فكان لزامًا أن يضع على وجهه برقعًا. أما نحن فصار لنا الوجه المكشوف لنرى كما في مرآة كيف تتشكَّل طبيعتنا كل يوم حسب الوعود المجيدة التي لإنجيل المسيح وذلك بفعل الروح القدس "الرب الروح".

يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [يظهر أنه ليس ممكنًا للنفس أن تتَّحِد باللَّه غير الفاسد بأية وسيلة ما لم تصرْ تقريبًا طاهرة خلال عدم الفساد، حتى تنعم الشبه بالشبه، وتقيم نفسها كمرآة تتطلع نحو نقاوة اللَّه، فيتشكَّل جمال النفس بالشركة في الجمال الأصلي والتمتُّع بانعكاسه عليها[245].]

كما يقول: [ما دمنا قابلين للتغيير، فالأفضل أن نتغيَّر إلى ما هو أفضل: "من مجدٍ إلى مجدٍ". وهذا يجعلنا نتقدَّم دائمًا نحو الكمال بالنمو اليومي، مع عدم الاكتفاء بحدودٍ مُعَيَّنة نحو الكمال. يعني عدم التوقُّف نحو ما هو أفضل، وعدم وضع أيّة حدود نقف عندها في نمونا[246].]

ويقول: [نحن نرى الآن العروس يقودها الكلمة إلى أعلى درجات الفضيلة، إلى علو الكمال. في البداية، يرسل لها الكلمة شعاعًا من نورٍ من خلال شبابيك الأنبياء وكوى الوصايا. ثم يُشَجِّعها على أن تقترب من النور، وتصير جميلة بواسطة تحوّلها إلى صورة الحمامة في النور. وفي هذه المرحلة تأخذ العروس من الخير قدر ما تستطيع. ثم يرفعها الكلمة لكي تشارك في جمال أعلى لم تتذوقه من قبل. وبينما هي تتقدم تنمو رغبتها في كل خطوة، لأن الخير غير محدود أمامها. وتشعر باستمرار مع حلول العريس معها أنها قد ابتدأت صعودها للتوّ فقط. لذلك يقول الكلمة للعروس التي أقامها من النوم: "انهضي". وإذ جاءت إليه يقول لها: "تعالي" (نش 2: 10)، لأن الشخص الذي دعاها للنهوض بهذه الطريقة في استطاعته أن يقودها إلى الارتفاع والنهوض بها إلى مستوى أعلى. الشخص الذي يجري نحو اللَّه ستكون أمامه مسافات طويلة. لذلك يجب علينا أن نستمر في النهوض، ولا نتوقَّف أبدًا عن التقرُّب من اللَّه. لأنه كلما قال العريس: "انهضي" و"تعالي" فإنه يعطي القوة للارتفاع لما هو أفضل. لذلك لابد أن تفهم ما يأتي بعد في النص. عندما يحفز العريس العروس الجميلة لكي تكون جميلة فهو يُذَكِّرنا حقًا بكلمات الرسول الذي يطلب منا أن نسلك سلوكًا فاضلاً لكي نتغيَّر من مجدٍ إلى مجدٍ (2 كو 18:3). وهو يعني بكلمة "مجد" ما فهمناه وحصلنا عليه من بركة في وقت من الأوقات، ولا يهم مقدار ما حصلنا عليه من مجدٍ وبركةٍ وارتفاعٍ، لأنه يُعتقَد أننا حصلنا على أقل مما نأمل في الحصول إليه. ولو أنها وصلت إلى جمال الحمامة بما قد حققه إلا أن العريس يأمرها بأن تكون حمامة مرة أخرى بواسطة تحوّلها إلى شيءٍ أفضل. فإذا حدث ذلك فإن النص سوف يُظهر لنا شيئًا أفضل من هذا الاسم "حمامة"[247].]

ويقول: [لست أظن أن هذا أمر مخيف (أقصد بذلك أن طبيعتنا متغيرة). ليكن التغيُّر إلى الأفضل، فيكون لنا نوع من الجناح لنطير إلى الأمور الأعظم. لهذا ليته لا يحزن أحد إن رأى في طبيعته ميلاً للتغيُّر. لتتغيَّر في كل شيء إلى ما هو أفضل. ليتغيَّر الشخص من مجدٍ إلى مجدٍ، فيصير أعظم خلال النمو اليومي، والكمال المستمر دون بلوغ حد الكمال بسرعة هكذا. فإن هذا هو الكمال الحقيقي، ألاّ تقف في النمو نحو ما هو أفضل وألا تضع حدًا للكمال[248].]

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لا يشير هذا إلى الأمور الباقية... الروح هو اللَّه، ونحن نرتفع إلى مستوى الرسل، لأننا جميعًا سنراه معًا بوجوه مكشوفة. إذ نعتمد تتلألأ النفس أكثر بهاءً" من الشمس. إذ تتطهّر بالروح، ليس فقط نعاين مجد اللَّه، بل ونقبل منه نوعًا من الإشراق[249].]

يقول القديس غريغوريوس النزينزي: [أظن أنه هكذا جاء الروح تدريجيًا ليسكن في تلاميذه، ويملأهم حسب إمكانية قبولهم له: في بدء الإنجيل، وبعد الآلام، وبعد الصعود، وعندئذ جعل قوتهم كاملة، إذ حلّ عليهم وظهر في ألسنة نارية. حقًا قد أعلن يسوع عنه قليلاً كما ستتعلَّمون بأنفسكم متى قرأتم بأكثر انتباه[250].]

يقول القديس أمبروسيوس: [لم يدعُ الروح الرب فحسب، وإنما أضاف: "حيث روح الرب هناك حرية" (2 كو 3: 17). هكذا نحن جميعًا بوجه مكشوف، بانعكاس مجد الرب نتشكَّل من جديد إلى تلك الصورة عينها من مجدٍ إلى مجدٍ كما من الرب الروح، بمعنى نحن الذين قد رجعنا إلى الرب، كما بفهمٍ روحيٍ لكي نرى مجد الرب، كما في مرآة الكتب المقدسة، الآن نتغيَّر من ذاك المجد الذي يردنا إلى الرب، إلى المجد السماوي[251].]

يقول القديس أغسطينوس: تعبير الرسول "وجها لوجه" (1 كو 13: 12) لا يلزمنا أن نعتقد أننا سنرى اللَّه بوجه جسدي فيه عينا الجسد، إذ سنراه بدون توقُّفٍ في الروح. لو لم يشر الرسول إلى الوجه في الإنسان الداخل ما كان يقول: "ونحن جميعًا ناظرين مجد الرب بوجهٍ مكشوفٍ كما في مرآةٍ، نتغيَّر إلى تلك الصورة عينها من مجدٍ إلى مجدٍ كما في الرب". فإنه بالإيمان نقترب إلى اللَّه، والإيمان هو عمل الروح لا الجسد[252].

9. ما هي عظمة خدمة العهد الجديد ومجدها التي يتمتع بها المؤمنون؟

أولاً: خدمة العهد القديم مجيدة كما حدث عند استلام موسى النبي للشريعة على جبل موسى، لكن الشعب خشي الموت، وطلبوا ألا يتحدث اللَّه معهم حتى لا يموتوا (خر ١٩:٢٠؛ تث ١٦:١٨) فنالوا روح العبودية للخوف (رو ١٥:٨). أما نحن فنلنا روح القوة والحب (٢ تي ٧:١)، روح التبني للَّه الآب (٢ كو ١٢: ١٨-٢٤).

ثانيًا: موسى خادم الناموس أضاء وجهه، أما الرسل فهم خدام العهد الجديد أو إنجيل المسيح المنقوش بالروح القدس في قلوب المؤمنين اللحمية لا الحجرية.

ثالثًا: قدم موسى الحرف الذي يقتل، أما الرسل فقدموا الإنجيل بالروح الذي يحيي.

رابعًا: نال موسي مجدًا، وأشرق وجهه لكن إلى حين، أما المجد الذي نناله من المسيح فهو دائم النمو، به نرتفع من مجدٍ إلى مجدٍ حتى نبلغ الأمجاد الأبدية.

خامسًا: كان الناموس مُعلَنًا خلال رموز وظلال غامضة، أما إنجيلنا فجاء واضحًا وبسيطًا.

سادسًا: رأى اليهود مجد موسى الزائل، أما المسيحيون فيرون شخص المسيح ساكنًا فيهم. هم رأوه في وجه موسى، أما نحن فنراه في داخلنا كما في مرآة تعكس بهاء مجد السماوي.

10. كيف يُحَوِّل الله كل الأمور لمجد المؤمنين الحقيقيين؟

أبرز الرسول بولس حاجة المؤمن لإدراك خطة الله الخلاصية في حياته، إذ يقول: "ونحن نعلم أن كل الأشياء تعمل معًا للخير للذين يُحِبّون الله، الذين هم مدعوون حسب قصده" (رو 8: 28).

خطة الله بالنسبة لنا فائقة، فهو لا يغير مجرى الأحداث والظروف حسب أهوائنا الشخصية، إنما يُحَوِّل كل الأمور بلا استثناء لبنيان نفس المؤمن الحقيقي، فتعمل حتى الظروف المضادة لمجده. يُعَلِّق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة، قائلاً بأنه يليق بالمؤمنين ألا يختاروا لأنفسهم الحياة حسب فكرهم، حاسبين أن هذا نافع لهم، إنما يقبلون ما يقترحه الروح القدس، لأن أمورًا كثيرة تبدو للإنسان نافعة تُسَبِّب له مضارًا كثيرة. كمثال قد يظن الإنسان أن الحياة الهادئة التي بلا مخاطر ولا متاعب نافعة له، لذلك طلب الرسول ثلاث مرات أن يرفع الله عنه التجربة، فجاءته الإجابة: "تكفيك نعمتي لأن قوتي في الضعف تُكْمَل" (2 كو 12: 8-9). بمعنى آخر لنترك كل الأمور في يديّ الروح ليُحَوِّلها لبنيان نفوسنا.

مرة أخرى يؤكد القديس يوحنا الذهبي الفم إن كل الأمور التي تبدو مؤلمة تعمل لخير الذين يحبون الله، أما الذين لا يحبونه فحتى الأمور التي تبدو صالحة ومقدسة تعمل ضدهم إن لم يرجعوا إليه بالحب. ضرب أمثلة منها لم ينتفع اليهود بالناموس الصالح بل وتعثّروا حتى في السيد المسيح.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [حتى الضيقات أو الفقر أو السجن أو المجاعات أو الميتات أو أي شيء آخر يحلّ بنا يستطيع الله أن يحول كل الأمور إلى نقيضها (2 كو 11: 23-33).] [كما أن الأمور تبدو ضارة تكون نافعة للذين يحبون الله، فإنه حتى الأمور النافعة تصير ضارة للذين لا يحبونه (رو 8: 28)[253].]

يقول الأب تادرس: [بالنسبة للكاملين والحكماء يُقَال: "كل الأشياء تعمل للخير للذين يحبون الله"، أما بالنسبة للضعفاء الأغبياء فقد قيل "غباوة الجهال غش" (راجع أم 14: 7)، فلا ينتفع من النجاح ولا ينصلح شأنه من المصائب إذ ينهزم الإنسان بأكثر سهولة بالنجاح أكثر من الفشل، لأن الفشل يجعل الإنسان أحيانًا يقف ضد إرادته، وينال تواضعًا، خلال حزنه المفيد يقلل من خطيته وينصلح شأنه، أما النجاح فقد يدفع بالإنسان إلي الكبرياء العقلي والعظمة الكاذبة[254].]

يُقَدِّم لنا القديس جيروم[255] أيوب مثلاً حيًا لمن تتحول الأضرار بالنسبة له إلى خيره، فلم يترك العدو شيئا في أيوب غير مضروبٍ سوى لسانه لعله يجدف به على الله (أي 2: 9)، لكن هذه كلها آلت إلى خيره، فقد جاء إليه الله وتحدث معه على مستوى الصديق مع صديقه.

11. ماذا يقصد الرسول بقوله: "لبستم الجديد الذي يتجدَّد للمعرفة حسب صورة خالقه" (كو 3: 10)؟

التمتُّع بالإنسان الجديد للمعرفة علامة الحياة، فإنه ليس من حياة في المسيح دون نمو، وليس نمو دون استنارة بقوة الروح القدس، حتى يتشكَّل الإنسان الداخلي على صورة خالقه، فيصير أيقونة حية للسيد المسيح العريس السماوي.

يقول القديس غريغوريوس النيسي: [هذه هي كلمة السرّ حيث بالميلاد الجديد الذي من فوق تتبدَّل طبيعتنا من الفاسد إلى غير الفاسد، إذ قد تجددت من "الإنسان العتيق" (2 كو 5: 17) إلى صورة ذاك الذي خلقه في البدء على مثال اللاهوت[256].

ويقول القديس كيرلس السكندري: [هذا المخلوق العاقل على الأرض، أعني الإنسان، قد خُلِق من البدء على صورة خالقه (كو 10:3) وبحسب الكتاب المقدس، للصورة معانٍ عديدة، فقد تكون الصورة لا بحسب نوع مُعَيَّن بل بحسب أنواع كثيرة، بالإضافة إلى عنصر المثال أو الشبه بالله الذي خلق الإنسان، وهو أكثر العناصر كلها وضوحًا واستعلانًا، وهو (عنصر) عدم الفساد وعدم الموت[257] (1 كو 15: 54).]


 

9. العبادة ومخافة الرب

1. ما هي أنواع الخوف؟[258]

يُمَيِّز القديس فيلوكسينوس بين أنواع مختلفة للخوف: خوف العبيد، وخوف الأجراء، وخوف الأصدقاء، وخوف البنين. يقول القديس مار فيلوكسينوس: [يوجد من يخشى أن يُضرَب وهذه مخافة العبيد؛ ويوجد من يخشى أن يفقد أجرته، وهذه هي مخافة الأجراء؛ ويوجد من يخشى أن يُحرَم من الميراث، وهذه مخافة الأبناء؛ فبالرغم من أن المخافة ليس لها سوى اسم واحد إلا أن الفروق بينها عديدة. كان الأنبياء القديسون يخافون اللَّه، وكان الشعب اليهودي أيضًا من حين إلى آخر يخافون اللَّه؛ ولكن شتّان ما بين المخافتين! فالأنبياء كانوا يخافون أن يُحزِنوا اللَّه كأصدقاء، لأنهم كانوا يحبّونه؛ بينما كان اليهود يخافون تأديبه وعقابه كعبيدٍ[259].]

يود مسيحنا أن يرفعنا بنعمته حتى نبلغ خوف البنين. فلا نخاف اللَّه كعبيد يهابون سيّدهم، ينفذون الوصيّة، خشية العقوبة. ولا نخافه كأجراء نُتَمِّم الوصيّة لأجل الأجرة أو خشية الحرمان منها... بهذا يكون اللَّه وسيلة لا غاية، نخضع له لننال بركاته لا لنقتنيه وننعم بالشركة معه. ونخافه كأصدقاء يطلبون إرضاء صديقهم. وإنما نخافه كأبناء نُتَمِّم الوصيّة لكي تتشكَّل صورة أبينا في أعماقنا، فنتهيّأ لشركة أمجاده... نقتنيه ويقتنينا، نعيش معه أبديًا في أحضانه!

2. هل مخافة الرب تُحَطِّم الشعور بالثقة في النفس؟

يُمَيِّز الكتاب المقدس والتقليد الكنسي بين نوعين من المخافة. المخافة التي تحمل معنى التوقير والتكريم، والمخافة التي تحمل روح القلق والضجر والعجز.

مخافة الرب هي من النوع الأول هذه التي يتصف بها السمائيون في علاقتهم بخالقهم. يقول القديس مار يعقوب السروجي: [الكروبيم يباركون بألحان الخوف وهم مرتعبون، ويُقَدِّس السيرافيم بالتسبيح وهم مرتجفون... لا يريد الكروب أن يتشامخ، لأنه لا يقدر أن يعرفك (يا رب في جوهرك)... السروف يُغَطِّي وجهه بجناحيه عندما يقدس، لأن النار الحية تخيفه ولا ينظر إليها. من هو كفؤ لك (يا رب)؟ ومن يفهمك عندما يسبح؟[260]]

وفي موضع آخر يقول: [يخرج المجد والبهاء المخوف من المركبة ليجمع السمائيين للمجد العظيم... يفرح الكروبيم كمن هم حاملون له، ويقدس السيرافيم وهم يتفرسون في بلدة القدوس... يهتف الجميع لأنهم تأهلوا لنظر مكانه العالي... ببهاء نوره يتمتعون جميعهم ببركاته.] ما نادى به مار يعقوب يتناغم مع ما ورد في مقالات القديس يوحنا الذهبي الفم عن عدم إدراك طبيعة الله "Incomprehensibility of the nature of God". فمخافة الرب عند السمائيين تسكب عليهم بهاءً سماويًا، وتلهب حُبَّهم له، ويزدادون في الكرامة عند السمائيين. هذا الأمر أرجو العودة إليه عند حديثنا عن الخليقة السماوية.

ما نقوله عن الطغمات السماوية إنما هو درس لنا، حيث ندرك أن مخافة الرب تعطينا ثقة في عمل الله فينا، فنعتزّ بالتصاقنا به، ونشتهي اللقاء معه وجهًا لوجه، بل وينزع عنا كل شعور بالضعف والقلق والضجر، فنصير كمن يعيشون مع الله في السماء. بهذا نترنم مع المرتل قائلين: "مخوف عند جميع الذين حوله" (مز 89: 7). "خوف الرب نقي ثابت إلى الأبد" (مز 19:9). بهذا يبقى خوف الرب موضوع تسبيحنا في الأبدية، واعتزازنا به مع السمائيين!

3. ما هي فاعلية مخافة الرب في حياتنا؟

يُقَدِّم لنا آباء الكنيسة خبراتهم في فاعلية مخافة الرب في حياتهم:

أولاً: مخافة الرب تدفعنا للعمل الروحي بجدية. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كان مثل هذا الخوف لدى بولس، إذ يقول: أخاف "حتى بعدما كرزت للآخرين، لا أصير أنا نفسي مرفوضًا" (1 كو 27:9). فإن كان بدون معونة الخوف لنا لن تتحقَّق الأمور الزمنية، كم بالأكثر الأمور الروحية. فإني أود أن أعرف من تَعَلَّم الحروف (التي ينطق بها) بدون خوف؟ من صار بارعًا في أي فن بدون خوف؟... من أين ينتج الخوف؟ إن كنا نحسب الله حاضرًا في كل مكان، يسمع كل الأشياء، ويرى كل شيء، ليس فقط ما يُمارس بالعمل وما يُقَال، بل أيضًا وما في القلب وفي أعماق النفس، إذ هو يُمَيِّز أفكار القلب ونياته (عب 12:4). فإن كنا ندرك ذلك، لن نفعل شيئًا أو ننطق به أو نتخيله إن كان شريرًا. أخبرني، إن كان يلزمك أن تقف دومًا بجوار شخص الحاكم أما تقف بخشية؟ فكيف تقف في حضرة الله وأنت تضحك أو تلقي بظهرك إلى خلف ولا تخف وترتعد؟ لا تستهن بطول أناته، فإنها لكي تجلبك للتوبة، إذ هو طويل الأناة[261].]

ثانيًا: مخافة الرب تُقَدِّم لنا مصادر الفرح والسعادة الدائمة. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [مخافة الرب تحوي كل تلك المتطلبات (للفرح المستمر). لأن الإنسان الذي يخاف الرب كما يليق، ويثق فيه، يجمع كل مصادر السعادة، ويقتني الينبوع الكامل للبهجة. كما أن نقطة ماء تسقط في محيط متسع سرعان ما تختفي، هكذا مهما حلّ بمن يخاف الرب يتبدد ويزول في محيط الفرح الهائل. حقًا إنه لأمر عجيب للغاية، فإنه مع وجود ما يُسَبِّب الحزن تجد الإنسان متهللاً. فإنه إذ لا يوجد شيء ما يجلب حزنًا، فإن هذا الأمر يكون بلا قيمة عنده مقابل تمتعه بالفرح الدائم[262].]

ثالثًا: خلال مخافة الرب ندرك أن الله هو العامل فينا. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لا تخافوا حين أقول: "بخوفٍ ورعدةٍ" (في 2: 12). فإنني لست أقول بهذا المعنى أن تتوقفوا عن العمل في يأس، وأن تظنوا أن الفضيلة أمر يصعب بلوغه، وإنما أن تقتفوا أثرها، ولا تضيعوا أوقاتكم في مساعٍ باطلةٍ. فإن كان حالكم هكذا، فإن الله يعمل كل شيء. ألا ترون: "الله هو العامل فيكم" (في 2: 13). فإن كان هو العامل، فمن جانبنا ليكن لنا فكر حازم متمسك غير متهاون[263].]

رابعًا: مخافة الرب تسندنا في التمتع بصلاح الله وحنوه علينا. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كثيرًا ما أُحَدِّثكم عن صلاح الله، لا لتستهينوا به وتفعلون ما هو على هواكم، وإلا صار صلاحه هذا مؤذٍ لخلاصنا، وإنما لكي لا نيأس من خطايانا بل نتوب. صلاح الله يقودك للتوبة لا لصنع شر أعظم، فإن فسدت بسبب صلاحه تهين الله أمام الناس.]

خامسًا: خلال مخافة الرب نلجأ إليه كصخرة ثابتة. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ليتنا نتمثَّل بهم يا أحبائي، لنكن شجعان في كل مخاطرنا. لا يوجد ما يرهب ذاك الذي يخاف الله، وإنما تحل كل المخاوف على الآخرين. فعندما يتخلص إنسان من أهوائه، ويحسب كل الأمور الحاضرة كظلٍ، أي شيء يكون مخيفًا بالنسبة له؟ ممن يخاف؟ إلى من يحتاج أن يتوسل؟ لنهرب إلي هذه الصخرة (المسيح) التي لا يمكن أن تهتز... والأمر الأكثر عجبًا أن الأمور التي يُظن أنها تسبب قلقًا تصير مصدر كل فرحٍ وبهجةٍ... فإنه مستحيل، يستحيل على الكلمات أن تعبر عن أية مسرة عظيمة تصير نصيب من يتألمون لأجل المسيح. فإنهم يفرحون في آلامهم أكثر من فرحهم في خيراتهم[264].]

سادسًا: خلال مخافة الرب نستنير بالله ونتعلَّم منه الفضائل. يقول أحد آباء البرية: [كما أن مصباحًا يضيء حجرة مظلمة هكذا مخافة الرب إذ تخترق قلب إنسان تنيره، مُعلِّمة إياه كل الفضائل ووصايا الله.] يقول القديس مار أوغريس: [خوف الرب هو الحارس لممارسة الوصايا، وهو ثمرة الإيمان السليم. الاعتقاد (الإيمان النظري العقلي البحت) هو صلاح النفس الداخلي، وهو غالبًا ما يوجد حتى عند الذين لا يؤمنون باللّه (إيمانًا عمليًا)[265].]

سابعًا: مخافة الرب هي عجلة القيادة للنفس، يهبها روح الله القدوس لنا، القادر وحده أن يدخل بنا من مجدٍ إلى مجدٍ، ويهبنا نعمة فوق نعمة، خلال شركتنا مع رب المجد يسوع القدوس. تدخل بنا مخافة الرب إلى الطريق الملوكي، فلا ننحرف نحو الخطية، ولا إلى البرّ الذاتي. تحفظنا من الضربات الشمالية واليمينية، حتى ندخل إلى حضن الآب السماوي القدوس.

ثامنًا: مخافة الرب تقود النفس إلى مسكنٍ آمنٍ. يقول الأب دوروثيؤس: [خوف الرب يحث النفس على حفظ الوصايا، وعن طريق حفظ الوصايا يُشيد منزل النفس.] كما يقول: [ليتنا نخاف الرب ونُشَيّد منازل لأنفسنا، حتى نجد مأوى في الشتاء حيث المطر والرعد، لأن من لا منزل له يعاني من مخاطر عظيمة في وقت الشتاء.]

تاسعًا: بمخافة الرب نقتني حب الله. يقول القديس الأنبا أنطونيوس الكبير: [إن أراد أحد أن ينال حب الله، فليكن فيه مخافة الرب، لأن الخوف يُوَلِّد بكاء، والبكاء يُوَلِّد قوة. وإذا ما كملت هذه كلها في النفس، تبدأ النفس تثمر في كل شيء. وإذ يرى الله في النفس هذه الثمار الحسنة، فإنه يشتمها رائحة بخور طيبة، ويفرح بها هو وملائكته، ويشبعها بالفرح، ويحفظها في كل طرقها حتى تصل إلى موضع راحتها دون أن يصيبها ضرر. إذ يرى الشيطان الحارس العلوي العظيم يحيط بالنفس، يخاف أن يقترب منها أو يهاجمها بسبب هذه القوة العظيمة. إذًا، اقتنوا هذه القوة حتى ترتعب الشياطين أمامكم، وتصير أعمالكم سهلة، وتتلذذوا بالعمل الإلهي، لأن حلاوة حب الله أشهي من العسل. حقًا أن كثيرين من الرهبان والعذارى في المجامع، لم يتذوقوا هذه الحلاوة الإلهية، ولم يقتنوا القوة الإلهية، ظانين أنهم قد نالوها، بالرغم من عدم جهادهم. أما من يجاهد لأجلها فينالها حتمًا خلال المراحم الإلهية، لأن الله لا يحابى الوجوه. فمن يريد أن يكون له نور الله وقوته، يلزمه أن يستهين بكرامات هذا العالم ودنسه، ويبغض كل أمور العالم ولذة الجسد، وينقى قلبه من كل الأفكار الرديئة. ويقدم لله أصوامًا ودموعًا ليلاً ونهارًا بلا توقُّفٍ كصلوات نقية، عندئذ يفيض الله عليه بتلك القوة. اجتهدوا أن تنالوا هذه القوة، فتصنعوا كل أعمالكم بسهولة وُيسر، وتصير لكم دالة عظيمة قدام الله، ويهبكم كل ما تطلبونه[266].]

عاشرًا: مخافة الرب تصعد بنا إلى طريق الكمال. هذا هو سلم الكمال: مخافة الرب وتقواه تهبنا الثقة فيه، وهذه تهبنا قوة وسط المحن، هذه القوة تقدم لنا صبرًا في احتمال الغير بضعفاتهم، وبهذا الصبر نبلغ طرق الكمال.

4. هل مخافة الرب تتجاهل حنوه؟

قَدَّم الكتبة والفريسيون للسيد المسيح امرأة أُمسِكَت في زنا، ولما أقاموها في الوسط، قالوا له: يا معلم هذه المرأة أُمسِكَت (وهي تزني) في ذات الفعل. وموسى في الناموس أوصانا أن مثل هذه تُرجَم، فماذا تقول أنت؟ (يو 8: 3-5) وجاءت إجابته لا تتجاهل العدالة كما فتحت لها طريق الحنو. لهذا مخافة الرب تكشف عنه أنه حلو وحق في نفس الوقت. يقول القدِّيس أغسطينوس: [سمعنا صوت العدالة: "من كان منكم بلا خطية فليرمها أولاً بحجر" (يو 8: 7)، لنسمع أيضًا صوت الرحمة... ذاك الذي طرد خصومها بلسان العدل رفع عينيّ الرحمة إليها، قائلاً لها: "ولا أنا أدينك؛ اذهبي، ولا تخطئي أيضًا". ليحذر الذين يحبون في الرب لطفه، وليخشوا حقه! فإن الرب حلو وحق (مز 35: 8). أنتَ تحبه بكونه حلوًا، لتخشه بكونه الحق... الرب رقيق، طويل الأناة، حنَّان، لكنه أيضًا عادل وحق. إنه يفسح لك المجال للإصلاح، لكنك تحب تأجيل الدينونة أكثر من إصلاح طرقك! هل كنت بالأمس شريرًا؟ لتكن اليوم صالحًا. هل أنت مستمر اليوم في شرِّك؟ لتتغيَّر غدًا... لكن كيف تعرف أن غدًا يأتي؟... الله وعد بالغفران لمن يُصلح من شأنه، لكنه لم يعدني بأن يطيل حياتي (للغد)!]

5. يقول يوحنا: "المحبة الكاملة تطرح الخوف إلى خارج" (يو 18:4)، فلماذا يقول النبي الطوباوي داود: "اتقوا (خافوا) الرب يا قديسيه" (مز 9:34)؟

يجيب القديس دوروثيؤس [هذا يكشف عن نوعين من الخوف: النوع الأول أولي، والنوع الثاني خوف كامل. الأول يخص المبتدئين، والثاني يخص القديسين الكاملين الذين بلغوا إلى قامة الحب الكامل. فمن يطيع إرادة اللّه بسبب خوفه من العذاب يكون خوفه مبتدئًا. وأما الذي يُنَفِّذ إرادة اللّه بسبب حُبِّه للّه لكي يرضيه، وقد بلغ بهذا الحب إلى الخوف الكامل. وبواسطة هذا الخوف (الكامل) يخاف لئلا يفقد تلك البهجة التي يتمتَّع بها بوجوده مع اللّه ويخشى لئلا يخسرها. هذا هو الخوف الكامل، المولود من الحب، الذي يطرد الخوف البدائي إلى الخارج[267].]

ويحدثنا القديس مار فيلوكسينوس عن مخافة الرب طوعًا ومخافة الرب كرهًا، قائلاً: [لأن قايين لم يخف اللَّه طوعًا، ملكت المخافة عليه كرهًا، وأصبح مرتعبًا، هائمًا على وجه الأرض، وتحت عذاب الخوف كان يرجو اللَّه أن يجعل أي إنسان يقتله، لكي يتخلَّص من هذه الحياة المملوءة خوفًا ورعبًا!]

6. ما هو مركز "مخافة الرب" في سلّم الحياة الإيمانيّة العمليّة؟

يُقَدِّم لنا مار فيلوكسينوس سلّم الحياة الإيمانيّة العمليّة، فيبدأ بدرجاته الثلاث: الإيمان والبساطة وخوف الرب. ليست هناك شركة مع اللَّه بدون إيمان، ولا يمكن أن يقوم الإيمان إلا من خلال البساطة التي وهبها اللَّه للنفس كي تلتقي معه كطفل بسيط يؤمن بأبيه ويتعلَّق به. هذه البساطة التي تلد الإيمان هي التي تحفظه لتستمر النفس بنعمة اللَّه ثابتة في إيمانها. خلال هذا الإيمان تتمتَّع النفس بمخافة الرب. تؤمن به وتدرك عظمته، فتخافه، وتكرمه، وتحفظ وصاياه. فالإيمان إذن يلد "مخافة الرب"؛ فيحفظ الإنسان المؤمن الوصيّة ويطيعها خوفًا من العقاب. وإذ ينمو بالنعمة، يطيع الوصيّة كابن يخشى أن يجرح مشاعر أبيه. يقول مار فيلوكسينوس: [تولد مخافة الرب الحقيقيّة من الإيمان الحقيقي، فمن يؤمن حقيقة، حقًا يخاف ذاك الذي يؤمن به... يولد الإيمان من البساطة الطبيعيّة، كما يحفظ ويثبت أيضًا بتلك البساطة... تحافظ البساطة على الإيمان، وتحافظ مخافة الرب على وصايا اللَّه. (عظة 6: 162) كما يقول: [لنتحدَّث عن مخافة الرب بفكر يخاف الرب.] (عظة 6: 159)

إنه لا يريد "مخافة" الجدل والكلام، وإنما مخافة خبرة الروح الحية! فالفكر البشري هو هبة يُقَدِّمها اللَّه للإنسان، تحتاج أن تدخل في دائرة مخافة الرب، تقوده كطفل صغير في رعاية أبيه أو أمه، يسير معها ليتعرَّف على أسرار الحياة ويتدرَّب وينمو وينضج!

7. ما هي مصادر مخافة الرب؟

عالج القديس مار فيلوكسينوس بطريقة إيجابيّة رائعة التمييز بين "الخوف" الذي يُحَطِّم النفس، وليد الفكر البشري البحت، والخوف البناء الذي هو عطيّة اللَّه. كثيرون يحاولون الدخول إلى "المخافة" بذراعهم أو فكرهم البشري البحت، فيرون اللَّه جبارًا مخوفًا، يترقَّب الأخطاء ليدين كل بشر، يسكن معتزلاً في سماواته، ولا يشعر بضعف الإنسان. أما المؤمنون الحقيقيّون فينالون "مخافة الرب" كعطيّة إلهيّة تبعث فيهم حياة التوبة بدموع صادقة، يصاحبها سلام اللَّه الفائق وثقة كاملة في اللَّه المُخَلِّص، ورجاء حقيقي في التمتُّع بعجائبه وعربون أمجاده.

المخافة الأولى مرض خطير يدفع النفس إلى التقوقع والانغلاق على ذاتها، يلزم استئصاله إن دفعت إلى الندامة غالبًا ما يصاحبها اليأس مع الضيق والتبرّم. أما مخافة الرب كعطيّة إلهيّة فإنها تهب مع حزن التوبة سلام اللَّه الفائق، تكشف عن محبة اللَّه فتهب رجاء. يخشى المؤمن اللَّه كديّان، فيهرب لا إلى آخر بل إلى الديّان ذاته كمخلصٍ وفادٍ. ويبقى المؤمن تحت رعاية "خوف اللَّه" الذي يسمو به، ويدخل به إلى أسرار اللَّه الفائقة، حتى ينطلق مع التلاميذ الثلاثة بطرس ويعقوب ويوحنا على جبل تابور (مت 17: 1). هناك يتجلَّى الرب في قلبه، فيسقط معهم كما على الأرض... لكنه ليس سقوط الخزي واليأس؛ إنما سجود المخافة الممتزجة بإشراقات بهاء اللَّه (مت 17: 6-7). يشتاق ألا ينزل عن الجبل، بل يبقى محصورًا بهذه المخافة العجيبة التي تعكس على النفس بهاء، تشرق عليه بالنور الإلهي، فلا يطيق مفارقة الحضرة الإلهيّة. لعل هذا هو الدافع وراء تأكيد مصادر "مخافة الرب" وهي:

أولاً: الإيمان. يقول مار فيلوكسينوس: [علّمونا أن مخافة الرب الحقيقيّة تولد من الإيمان الحقيقي.] شتّان ما بين من يدفع نفسه بنفسه إلى الخوف، ومن يطلب بإيمان فيهبه الرب مخافته كعطيّة ونعمة مجانيّة. الأول يقول بلسانه إنه يخاف اللَّه، دون أن تتحرك أعماق قلبه... هذا الخوف الكلامي دون الحياة يدفع إلى الفريسيّة، فيعيش الإنسان مرائيا، ينطق بغير ما يبطن؛ الأمر الذي يدفع به إما إلى الاستهتار أو إلى الملل والنفور من الحياة الروحيّة. أما من يفتح بالإيمان أعماقه ليتقبَّل مجاهدًا عطيّة اللَّه، تملك مخافة الرب على نفسه، وتحرّك كل طاقتها، ليعيش الإنسان بكل كيانه في خوف اللَّه المفرح. يخاف اللَّه بلسانه كما بقلبه، بجسده كما بنفسه. يقول مار فيلوكسينوس: [مخافة الرب ليست أن نقول: إنني أخاف الرب، كما يفعل كثيرون؛ بل هي مخافة تتحرك طبيعيًا في داخل النفس، تجعلها ترتجف وترتعب في داخلها، فتؤثر على جميع أعضاء الجسد، وليس على النفس وحدها.] (عظة 6: 162)

ثانيًا: التأمّل في اللَّه وتذكُّره. يقول مار فيلوكسينوس: [طالما أن الأفكار غير ممتصّة في تأمّل اللَّه وتذكّره، فإنها تهيم خارج نفسها، وتنشغل في أمورٍ أخرى بعيدة عن الرب. وحينما تتأمّل في الخير تسكن في نور تذكُّر اللَّه. حينما تشرد في أمور فارغة وباطلة، تكون في الجحيم، ومن يكون في ظلام الجحيم لا يرى ولا يُرَى، لا يميز ولا يُميز، لا يعرف ولا يُعرف، بل يكون محرومًا من جمال رؤية الخليقة، وغير مميّز لطريقه، وغير عارف بخط سيره] (عظة 6: 160) [كما أن النور يتلألأ في الحدقة عندما تنفتح العين، هكذا أيضًا تتلألأ مخافة الرب في الفكر بتذكُّر اللَّه.] (عظة 6: 174)

المخافة التي تنبع عن التمتُّع بالحضرة الإلهيّة وتذكُّر اللَّه الدائم، تنقل المؤمن من الظلام كما إلى النور الإلهي، وتهبه نوعًا من الاستنارة: يرى ويعرف ويتمتَّع. يرى اللَّه حاضرا في كل حياته، ويرى كل ما صنعه جميلا وممتعا؛ ويُمَيِّز مشيئة اللَّه عن كل مشيئة مخالفة؛ ويعرف أسرار اللَّه، ويتمتَّع بأعمال اللَّه العجيبة. هكذا بالتذكّر الدائم للَّه، والتمتّع بحضرته، ينال المؤمن رؤية صادقة وتميزا ومعرفة وعربون مجد!

بتذكُّر اللَّه أيضًا ينعم المؤمن بمخافة الرب فيصير مرئيا ومميّزًا ومعروفًا! ماذا يعنى هذا؟ من يذكر اللَّه يذكره اللَّه، ومن يخاف اللَّه يهبه اللَّه مخافة وكرامة وتقديرًا في أعين السمائيّين والأرضيّين، بل وفي نظر كل الخليقة. مخافة الرب لا تُحَطِّم المؤمن أو تذلّه بل تهبه تقديرًا خاصًا ونعمة! خف اللَّه كما يليق، فتصير مخوفًا!

لقد أورد كاتب الاكلمنضيّات ذلك فقال متحدّثا عن عدو الخير إبليس وكل جنوده: "إن أصغر إنسان مسيحي (يخاف اللَّه) هو أقوى من أعظم شيطان!"

ثالثًا: اللَّهج في كلمة اللَّه. يقدّم لنا القديس فيلوكسينوس كلمة اللَّه كمصدر حيّ للمخافة الإلهيّة، موصيًا إيّانا ألا نردّدها بلساننا فقط، وإنما نعيشها في قلوبنا، فتُفَجِّر في داخلنا ينابيع إلهيّة تروي النفس، وتحوّل قفرها إلى فردوس مثمر. يقول مار فيلوكسينوس: [لننشغل دائمًا بكلمة اللَّه، ليس فقط بترديدها بألسنتنا، وإنما أيضًا بتأمّلنا فيها في داخل قلوبنا، لكي يتكلم اللسان من فضلة القلب... من يرتوي باستمرار من التعليم الإلهي، يعطي كل حين ثمارا إلهيّة. تعلن أسرار القلب الخفية، وتظهر من خلال سلوك الحواس الأخرى وتصرفاتها. (عظة 6: 160)

إذ تنعم النفس بمخافة الرب كهبة إلهيّة تتمتّع بها خلال الإيمان الحيّ العامل بالمحبة (غل 5: 6) وتأمّلها الدائم في اللَّه مخلصها، ولهجها المستمر في كلمة اللَّه الفعّالة. تصير مخافة الرب قانون النفس أو ناموسها الروحي الطبيعي، وهي غير مخافة الجسد. يقول مار فيلوكسينوس: [يخشى الجسد الأشياء التي تؤذيه، وتخشى النفس ذاك الذي يستطيع أن يهلكها. يخشى الجسد هجمات الحيوانات المفترسة الخارجيّة، ويخاف من النار، ومن السيوف، ومن الغرق، ومن السقوط من المواضع المرتفعة، ويخشى اللصوص، والقضاة، والقيود، والسجون. هكذا تخاف أيضًا النفس بطبيعتها من القاضي والديّان الذي يستطيع أن يعذبها هي والجسد بالعذابات الروحيّة التي تناسب طبيعتها. وكما يخاف الجسد بطبيعته من جميع تلك الأشياء التي ذكرناها، هكذا أيضًا تخاف النفس بطبيعتها من دينونة اللَّه... بالرغم من أن طبيعة النفس لا تتأثر بما يصيب الجسد. لكن لأنها متحدة به تخاف معه. وبالرغم من أن عينيّ الجسد لا تستطيع أن تنظرا العذابات الآتية، فمع ذلك، لأن النفس ترى تلك الآلام في الخفاء وترعب منها، فإنها تجعل الجسد بجميع أعضائه يخاف ويرتعب (عظة 6: 163)

8. هل مخافة الرب من طبيعة النفس؟

النفس التي تحمل صورة خالقها بطبيعتها التي خلقها بها اللَّه لا تخاف آخر غيره، فالعالم بكل متاعبه وتهديداته وأحداثه لا يقدر أن يدخل إليها، ولا يهزّ كيانها، إلا إذا سمحت له بالدخول، وانحنت بإرادتها للخنوع له، واستعبدت نفسها له، عندئذ يكون خوفها خارجًا عن طبيعتها. يقول مار فيلوكسينوس: [لا تخاف النفس من رؤية أخطار الجسد، حتى إذا ظهرت خائفة، بسبب اتّحادها مع الجسد. حينما تخاف النفس من هذه الأخطار الجسدية، خوفها هذا يكون خارجًا عن طبيعتها، أي أن بخار خوف الجسد يصعد إليها ويظلم بصيرتها وحكمتها، وبالتالي تخاف مع الجسد من أمور لا تقدر أن تؤذيها] (عظة 6: 168)

واضح أن القديس فيلوكسينوس يُمَيِّز الجسد عن النفس في الإنسان، لكنه لا يعتنق الثنائيّة، بل يعترف بوحدة الكيان الإنساني أو الطبيعة البشريّة. للجسد سماته الخاصة به وهو خوفه من الماديّات والزمنيّات، وللنفس سماتها الخاصة بها وهي الخوف من الرب القادر وحده أن يدخل إليها ويسكن فيها. إن أعطى الإنسان لجسده حق القيادة، أخضع النفس لشهوات الجسد وضعفاته كالخوف من الأمور الزمنية، الأمر الذي هو خارج طبيعة النفس. أما إن خضعت نفسه لروح الرب، وصارت قائدة للجسد، يتقدس الجسد فلا يرتعب حتى من الموت، الأمر الخارج عن طبيعته.

بمعنى آخر إما أن يحيا الإنسان جسدانيًا يستعبد نفسه لضعفات جسده، فيصير بكليّته في ضعف كأنه كله جسد ضعيف! وأما أن يحيا إنسانًا روحيًا بروح اللَّه فيصير بكليّته في قوة الروح كأنه كلّه روح قوي في الرب!

9. كيف تحقق مخافة الرب النمو الروحي؟

إن كانت النفس التي تلتصق باللَّه وتتعرَّف عليه تتمتَّع بمخافته كثمر طبيعي أو قانونها الطبيعي التي تعيش به، فإن تعرُّفها على اللَّه وتلامسها معه يتحقَّق حسب مستواها الروحي. يقول مار فيلوكسينوس: [يرتبط موقف كل واحد تجاه تذكُّر اللَّه بموقف الإنسان تجاه نفسه: فإذا كان في مستوى الخطاة يرى اللَّه كقاض وديّان. وإذا صعد إلى المستوى الأعلى، مستوى التائبين، يرى اللَّه إلهًا متسامحًا غافرًا للخطيّة. وإذا كان في مستوى الرحماء، يكتشف غِنَى رحمة اللَّه. وإذا كان متحليًا بالوداعة واللطف، يرى رقة اللَّه ولطفه. وإذا كان حكيمًا، يتأمّل غِنَى حكمة اللَّه الفائقة. وإذا كان بعيدًا عن الغضب وخاليًا من الهموم، وإذا كان السلام والهدوء يملكان على حياته في كل حين، يرتفع إلى مستوى الرؤية النقيّة التي تعاين اللَّه. وإذا كان نور الإيمان يشعّ باستمرار في داخل نفسه، يرى في كل حين أعمال اللَّه العجيبة التي لا يُدرِكها عقل. أما إذا كان قد وصل إلى أعلى مستوى، مستوى الحب، فيرى اللَّه كلّه حب. هذا هو العجب، أن اللَّه الواحد البسيط في طبيعته... يتراءى للجميع في صور متعدّدة. من يبحث عنه يراه من جميع الجوانب التي يريدها... لا تتخيَّل إنك تراه صالحًا وأنت تفعل الشرّ... إنك تراه كما هو إذا صرت مثله ونفذّت كل وصاياه. (عظة 6: 170-172)

المخافة هي بداية الطريق، تسند الإنسان حتى يبلغ بالنضوج إلى الحب الكامل. يقول مار فيلوكسينوس: [كما أن الخوف يصاحب طفولة هذا العالم ويدفعها لتعليم القراءة والكتابة، هكذا أيضًا تناسب مخافة الرب طفولة النفس، وتدفعها إلى تنفيذ الوصايا وعدم الاستهتار بكلام اللَّه. (عظة 7: 194)

مخافة الرب الحقيقيّة هي معين المؤمنين في بداية طريقهم كأطفال روحيّين، وهي أيضًا مُعَلِّم الشعب القديم بكونهم أطفالا، وكما يقول مار فيلوكسينوس: [إذ كان يصعب جدًا على إسرائيل أن يحبّوا اللَّه، دفعهم موسى إلى الخوف منه. وصيّة الحب: "تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن نفسك ومن كل قوتك" (تث 5: 6) تخص الأبرار من بينهم. أما الذين كانوا مثل العبيد يخطئون باستمرار فكان يوصيهم أن يخافوا الرب. الخوف يمنع الشرّ، والحب يفعل الخير. فالوصيتان: خف اللَّه وحب الرب إلهك قد وضعتا في الناموس، حتى أن الذي يرتفع من خلال المخافة، يجد أمامه طريق الوصيّة الأكثر كمالاّ، أي وصيّة الحب. ولكي يوضح الرسول الفرق بيننا وبينهم قال عن تلاميذ المسيح وأولاده: "إذ لم تأخذوا روح العبوديّة أيضًا للخوف" (رو 8: 15)؛ أي أن الرب لم يدعوكم لكي تصيروا عبيدًا، ولا لكي تخافونه مثل العبيد، "بل أخذتم روح التبنّي" الذي يفعل كل شيءٍ باختياره.] (عظة 7: 198-199)

المخافة تسند المؤمن في جهاده ضد الشرّ، خاصة في مقاومته للأفكار الداخليّة. يقول مار فيلوكسينوس: [مخافة الرب هي اللجام الذي يوقف انطلاق الإنسان نحو ارتكاب الشرّ، ويجذبه للخلف حينما يستعبد للجري وراء شهواته الكريهة، ليس فقط في حياته الخارجيّة، بل وعلى وجه الخصوص في حياته الداخلية الخفية] (عظة 6: 181)

[الإنسان الذي يعيش في تذكُّر اللَّه كل حين يمتلئ بالمخافة، حتى عند مقاومته فكر شهوة يمر على نفسه، فيصير مرتعبا بسبب هذا الفكر. لكن يهرب الفكر في الحال أمام مخافة النفس، كالعصفور الذي يهرب من أمام الإنسان الذي يقلق راحته. الخوف واحترام قوانين الناس يحافظان على الجسد ضد الشهوات. والمخافة وخجل الإنسان أمام اللَّه يحافظان على النفس ضد أفكار الشرّ. لأنه إذ يعرف أن اللَّه يراه في كل حين، يراقب نفسه باستمرار لكي لا يخطئ (عظة 6: 175-176)

10. هل مخافة الله تحمينا من التفكير في الشرّ؟

مادام تذكُّر اللَّه الدائم هو مصدر مخافة الرب، فإن من يتأمّل في اللَّه يتحصَّن من التفكير في الشرّ، لأنه "أيّة شركة للنور مع الظلمة؟!" (2 كو 6: 14) يقول مار فيلوكسينوس: [أقم حول نفسك سور مخافة الرب أيها الحكيم، وعندئذ لن يجسر الشرّ أن يدخل في مدينة نفسك. خف اللَّه في الخفاء، فتظل نفسك في نقاوتها. حرِّك في داخلها مخافة الرب في كل وقت، بهذا تمتنع عن أن تخطئ بالفكر. وليكن تذكُّر اللَّه ساكنا فيك باستمرار، بهذا لن يقدر تذكُّر الشرّ أن يسكن معه. لأنه طالما أنت تتذكَّر اللَّه، لا يمكن أن تتذكَّر الشرّ، لأن النور والظلمة لا يجتمعان أبدًا في وقت واحد. وتذكُّر اللَّه وتذكُّر الشرّ لا يجتمعان معًا في النفس... تذكُّر الشرّ هو الخطيّة، وتذكُّر اللَّه هو المعرفة الحقيقيّة؛ والخطيّة هي الجحيم، والمعرفة هي النور] (عظة 6: 176)

11. من يحكم على مخافتي للربّ؟

الذي يحكم هي أعماقي، فلا يعرف نفسي الداخليّة إلا أعماقي. يقول القديس مار فيلوكسينوس: [اختبار مخافة الرب موجود في داخل النفس؛ والإنسان وحده هو الذي يستطع أن يعرف ما إن كان يخاف اللَّه أم لا... هل تذكّرت اللَّه فارتعبت؟ هل فكرت فيه فامتلأت خوفًا؟ هل ارتجفت أفكارك مع أعضائك، ونفسك مع جسدك؟ هل أحنى عقلك رأسك وأصابك الخجل أمام اللَّه؟ إن كانت هذه الأشياء تحدث لك فاعلم أن مخافة الرب موجودة فيك، وتذكُّر اللَّه حاضر بالفعل عندك... (عظة 6: 177-178)

أما المقياس الآخر الذي يُقَدِّمه لنا مار فيلوكسينوس لمعرفة أنفسنا إن كنا نخاف الرب ونتذكّره على الدوام، فهو ممارستنا للرياء أو عدمها... وقد ضرب أمثلة كثيرة لذلك مثل ارتداء ثوب الطهارة في الخارج مع ثوب الشهوة والزنا في الداخل؛ أو الصوم الظاهر مع اشتهاء ملذات الأطعمة في الداخل، أو ممارسة الحلم والوداعة في الظاهر مع حدة الطبع في الداخل، أو حضور اجتماعات الصلاة الجماعية دون الصلاة الخفيّة (عظة 6: 178-179)

12. ما هي أبعاد مخافة الرب؟

كثيرا ما يُرَكِّز القديس مار فيلوكسينوس على البعد الداخلي لمخافتنا للرب، إذ يقول: [الخادم الروحي لا يخاف الرب مثلما يخاف العبيد أسيادهم، فإن خوف هؤلاء العبيد يظهر على سلوكهم الخارجي، ويرى على أعضاء أجسادهم، فإنهم حتى إن كانوا يكرهون هؤلاء السادة سرًا، ويحتقرونهم في أفكارهم، لكنهم يظهرون لهم من الخارج مظاهر الخوف والاحترام. يا ليت مخافتك للرب لا تكون هكذا، بل اظهر له أنك تخافه أيضًا في أعماق نفسك، حيث أنه يرى كل حركات نفسك ويعرفها. خف اللَّه بكل كيانك، في حياتك الخفية والظاهرة. إنه ديَّان أعمالك الخفيّة والظاهرة، لتخجل نفسك من أن تخطئ أمامه. ولتخز أفكارك من أن تنحرف في حضرته... تذكَّر في كل حين أن اللَّه ينظر إليك، انظر أنت أيضًا إليه سرًا مثلما ينظر هو إليك سرًا، عندئذ لن تبقى الخطيّة موجودة في أفكارك... حينما تصير وحدك، وحينما تُخبئك حوائط بيتك وأسقفه، يكون درع مخافة الرب ضروريًا لك؛ فالخطيّة ترتكب بسهولة في الظلام. لذا يجب أن تنتبه وتصحو لتذكّر اللَّه... (عظة 6: 181-183)

13. هل الخوف هو بدء الدرجات نحو السماء؟

يرى القديس مار فيلوكسينوس أن آباءنا الأوّلين الذين سلكوا طريق تعاليم المسيح قد حدَّدوا لنا معالم الطريق حتى لا ننحرف عنه يمينا أو يسارا؛ إنه طريق ملوكي هو طريق الوصيّة الإلهيّة (عظة 7: 191). هذا الطريق هو السلّم الذي رآه يعقوب ممتدًا من الأرض إلى السماء، والملائكة يصعدون وينزلون عليه (تك 28: 12). إنه السلّم الذي يلتقي فيه البشر الذين يصعدون عليه مع الملائكة النازلين إلينا يصعد عليه المؤمنون كجنودٍ سمائيّين، يُغَيِّرون أسماءهم من "بشر" إلى "ملائكة"، كما كان الجند قديمًا يُغَيِّرون أسماءهم عند التحاقهم بالجيش، نحن أيضًا نلتحق بجيش الروحيّين. على هذا السلّم يلتقي المؤمنون بالملائكة في دائرة الحب، كما يلتقي الروحيّون مع الجسديّين حيث يلزم للفريقين أن يُجاهِدا بنعمة اللَّه في حفظ الوصيّة الإلهيّة.

على هذا السلّم تتحقَّق مشيئة اللَّه، فبالوصيّة الإلهيّة يصعد البشر بنعمة اللَّه كما على درجات السلّم ليعيشوا بروح الحب مع السمائيّين، وبالوصيّة الإلهيّة ينزل الملائكة إلى البشر لخدمتهم (عب 1: 14). وكما يقول مار فيلوكسينوس: [الذين من أسفل هم الجسديّون (البشر) بطبيعتهم، تجعلهم الوصايا الإلهيّة مرتفعين وروحيّين، والمرتفعون الروحيّون بطبيعتهم، تدفعهم وصيّة الخالق للنزول نحو المواضع السفليّة والبقاء دائمًا مع الجسديّين. هكذا فإننا نجد كائنات من أنواع مختلفة مجتمعة معًا في جماعة واحدة، وفي رابطة حب تنفذ مشيئة اللَّه في تسبحة متناغمة، وتتحرك كلها بحركة واحدة روحيّة، مثلما يتحرك الجسد كله بحياة النفس.] (عظة 7: 193)

14. كيف نقاوم الخوف؟

إذ نتحدّث عن سلّم يعقوب الذي به تمتَّع يعقوب بالسماء المفتوحة، والشرّكة مع السمائيّين، فإننا نذكر أن يعقوب قد عانى من الخوف... لقد كان في عزلة تامة، ليس من أب أو أم أو أخ أو صديق يرافقه ويسنده. كان في طريقه هاربًا من عنف أخيه يعاني من مخاطر جمّة ومن مستقبل مجهول. اتكأ يعقوب على الحجر رمز السيّد المسيح لينام فينعم بالرؤيا السماويّة، ويتلامس مع مخافة الرب، إذ قال: "ما أرهب هذا المكان؟! ما هذا إلا بيت اللَّه؟!" (تك 28: 17) حينما نعاني من خوف الجسد أو خوف العالم المُحَطِّم للنفس نتكّئ على مسيحنا حجر الزاوية، فيُستبدَل الخوف المُهلِك بالخوف المقدّس. عوض خوفنا من العالم بكل ظروفه القاسية نرى مجد اللَّه وقداسته وحبّه فنحمل مقدّسًا، وندرك أننا نقطن في بيت اللَّه، بل صرنا "أهل بيت اللَّه" (أف 2: 19). كما نقاوم العاطفة الشرّيرة بالعاطفة المقدّسة، هكذا نقاوم الخوف القاتل بالخوف المقدّس!

15. من يقدر أن ينزع الخوف عنا؟

يقول القديس أغسطينوس: [لماذا تخافون أيها المسيحيون؟ المسيح يقول: "أنا هو لا تخافوا" (مت 14: 27). لماذا تنزعجون لهذه الأمور؟ لقد سبق فأخبرتكم بهذه الأمور أنها ستحدث حتمًا... "أنا هو لا تخافوا. فرضوا أن يقبلوه في السفينة". إذ عرفوه وفرحوا تحرروا من مخاوفهم. "وللوقت صارت السفينة إلى الأرض التي كانوا ذاهبين إليها". وُجدت نهاية عند الأرض، من المنطقة المائية إلى المنطقة الصلدة، من الاضطراب إلى الثبات، من الطريق إلى الهدف[268].]

كما يقول: إنه يُدخل اسم "أحباء" بطريقة يسحب بها اسم "عبيد"، وليس كمن يضم كليهما في تعبيرٍ واحدٍ، وإنما الواحد يحتل الموضع الذي يتخلَّى عنه الآخر. ماذا يعني هذا؟... إنه يوجد نوعان من الخوف، يُنتجان نوعين من الخائفين، هكذا يوجد نوعان من الخدمة، يُنتجان نوعين من الخدم. يوجد خوف يطرده الحب الكامل (١ يو ٤: ٢٨) ويوجد خوف آخر طاهر يبقى إلى الأبد (مز ١٩: ٩). الخوف الذي ليس فيه حب، يشير إليه الرسول عندما يقول: "إذ لم تأخذوا روح العبودية أيضًا للخوف" (رو ٨: ١٥). لكنه أشار إلى الخوف الطاهر عندما قال: "لا تستكبر بل خف!" (رو ١١: ٢٠). في ذلك الخوف الذي يطرده الحب خارجًا توجد أيضًا الخدمة المرتبطة به، فإن الرسول يربط الاثنين معًا، أي الخدمة والخوف، إذ يقول: "إذ لم تأخذوا روح العبودية (الخدمة) للخوف". مثل هذا الخادم يرتبط بهذا النوع من الخدمة هذا الذي كان أمام عيني الرب عندما قال: "لا أعود أسميكم عبيدًا، لأن العبد لا يعلم ما يعمله سيده". بالتأكيد ليس العبد المتسم بالخوف الطاهر، الذي يُقال عنه: "أيها العبد الصالح، أدخل إلى فرح سيدك" (مت 25: 23)، وإنما العبد الذي يتسم بالخوف الذي يطرده الحب خارجًا، والذي قيل عنه في موضع آخر: "العبد لا يبقى في البيت إلى الأبد، أما الابن فيبقى إلى الأبد" (يو ٨: ٣٥). إذن حيث أعطانا سلطانًا أن نكون أبناء الله (يو ١: ١٢)، ليتنا لا نكون عبيدًا بل أبناء. فبطريقٍ حقيقيٍ عجيبٍ لا يوصف يكون لنا نحن العبيد السلطان ألا نكون عبيدًا[269].

ويقول القديس كيرلس الكبير: [المسيح هو نجاتنا من كل خطر، وهو يحقق الإنجازات بما يفوق توقع الذين يقبلونه. تلاميذه وحدهم وبأنفسهم كنموذج للمعلمين الكنسيين بالتتابع عبر الأزمان كلها، يسبحون خلال أمواج هذه الحياة الحاضرة كنموذج للبحر، يواجهون تجارب عديدة وشديدة، ويتحملون مخاطر لا يُستهان بها عند التعليم، وذلك على أيدي أولئك الذين يعارضون الإيمان ويحاربون الكرازة بالإنجيل. لكنهم سيتحررون من خوفهم ومن كل خطرٍ، وسوف يستريحون من أتعابهم وبؤسهم حينما يظهر المسيح لهم بعد موته أيضًا بقدرته الإلهية، إذ قد وضع العالم كله تحت قدميه. هذا ما يشير إليه سيره على البحر، مادام البحر غالبًا ما يُعتبر رمزًا للعالم في الكتب المقدسة... فحينما يأتي المسيح في مجد أبيه كما هو مكتوب (مت ١٦: ٢٧) حينئذ سفينة الرسل القديسين، أي الكنيسة، والذين يبحرون فيها، أي الذين بالإيمان والمحبة نحو الله يرتفعون فوق أمور العالم، دون تأخير وبدون أي تعبٍ، يربحون الأرض التي كانوا ذاهبين إليها، إذ غايتهم هي بلوغ ملكوت السماوات، كما إلى مرفأ هادئ.]

كما يقول: [إننا كأحبَّاء له يلزمنا ألا نخاف الموت بل بالحري نتمثَّل بالآباء القدِّيسين. فعندما جُرِّب الأب إبراهيم قدَّم ابنه الوحيد اسحق، حاسبًا أن الله قادر أن يقيمه من الأموات (عب 11: 19). أي رعب من الخوف يمكن أن يهاجمنا وقد أبطل "الحياة (المسيح)" الموت، لأن المسيح هو القيامة والحياة (يو 11: 25). ولنضع أيضًا في ذهننا أن الأكاليل تُقتنَى بالجهاد. فإن المصارعين الأقوياء في الحلقات ينالون الكمال بالجهاد العنيف مع الخبرة. الشجاعة والذهن الشهم هما اللذان يخدمان أصحاب المهارة في المعارك. أما من يلقي عنه دِرعه يحتقره العدو، وإن عاش الهارب من المعركة، يحيا كذليلٍ. أما الذي ثبُت في المعركة، ووقف ببسالة وشهامة بكل قوَّته ضد العدو، فيُكرم بنواله النصرة، وإن سقط (جريحًا) فيكون موضع إعجابٍ[270].]

[لقد ظن الفرِّيسيُّون أن سلطان هيرودس يرعبه فتذله المخاوف، لكنه هو رب القوات الذي يُوَلِّد فينا الشجاعة الروحيَّة بكلماته: "لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد، ولكن النفس لا يقدرون أن يقتلوها" (مت 10: 28). إنه لم يعطِ اهتمامًا للعنف البشري، بل يقول: "بل ينبغي أن أسير اليوم وغدًا وما يليه" (لو 13: 33). بقوله "ينبغي" لا يعني الإلزام قسرًا، وإنما التزام به بكمال حريته، فبدون خطر يذهب أينما شاء ويتنقل في اليهوديَّة دون أن يقاومه أحد أو يخطط ضده حتى يتقبل الألم بإرادته خلال الصليب الثمين... بإرادته قبل الألم لكي يموت جسده يبطل الموت ويقوم. واذ قام من الأموات يقيم معه الطبيعة البشريَّة كلها، ويجددها واهبًا لها الحياة التي بلا فساد[271].]

ويقول القدِّيس أمبروسيوس: [يلزمنا أن نخاف عذاب النفس لا قتل الجسد، فالموت يمثل نهاية طبيعيَّة للعذاب الجسدي لكن ليس نهاية للعقاب. فهو يضع نهاية لآلام الجسد (الزمنيَّة)، أما عقاب النفس فأبدي. يلزمنا أن نخاف الله وحده![272]]

إنه يسمح بالتجربة، مطالبًا إيّانا ألا نقلق ولا نهتم كيف نتصرّف ولا بماذا ننطق، إنّما روحه القدّوس هو الذي يعمل في المتضايقين معلنًا مجد المسيح، شاهدًا ببهائه فينا ككرازة وشهادة أمام الآخرين. يقول القدّيس أغسطينوس: [إنه يحرّركم من الخوف ويهبكم الحب الذي يشعل غيرتكم بالكرازة بي فتنبعث فيكم رائحة مجدي في العالم وتمتدحونه[273].] ويتحدّث القدّيس جيروم عن عمل الله في هذه اللحظات الصعبة، قائلاً: [ها أنتم ترون أنه ليس لدينا مخازن نخزن فيها، لكننا ننال فيضًا في اللحظة المطلوبة[274].]

يقول القديس يوحنا سابا: [إن كنت غريبًا عن كل اضطراب خارجي تسمع داخلك الروح ينطق بالممجدات[275].]، [إن نفسك هي أورشليم المفرحة للمسيح فلماذا لا تزال تتردد في أسواق البابليون (المتبلبلين)؟[276]]

16. ما هو الفرق بين الخوف الذي تطرحه المحبة إلى خارج، والخوف النقي الثابت إلى الأبد؟

يقول القديس أغسطينوس: [يمكننا إدراك الفرق بين الخوف الذي تطرحه المحبة إلى خارج، والخوف النقي الثابت إلى الأبد إذا ما قارناهما بنوعين من النساء:

1. سيدة تشتهي ارتكاب الزنا وتتلذذ بالشر، لكنها تخاف نقمة زوجها. تخافه لكنها لا تزال تحب الإثم، ووجود زوجها يُسَبِّب لها ضيقًا وحزنًا. وإن حدث أن سلكت في الشر تخشى مجيئه... هكذا يخشى البعض مجيء الرب.

2. والثانية تحب زوجها وتشعر أنها مدينة له بقبلاتها الطاهرة، فتحفظ نفسها من الزنا مشتهية مجيئه والجلوس معه.

هكذا كل من الاثنتين تخاف رجلها... الأولى تخشى مجيئه، والثانية تخشى لئلا يرحل عنها. الأولى تخاف عقابه، والثانية تخاف تركه لها. فالنفس التي لها الخوف النقي تئن متألمة "رحمة وحكمة أُغَنِّي لك يا رب أرنم. أتعقل في طريق كامل متى تأتي إليّ" (مز 101: 1). في طريق كامل تتعقل فلا تخاف، لأن المحبة تطرح الخوف إلى خارج، وعندما يأتي العريس إلى ذراعيها تخاف لكن كمن هي في أمان... تخاف لا من أن تطرح في جهنم، وإنما لئلا يكون فيها إثم أو خطية فيتركها عريسها[277].]

يقول القديس مقاريوس الكبير: [الرسل أنفسهم مع أنه كان فيهم المعزي إلاَ أنهم لم يكونوا خالين من الخوف مُطلَقًا (١ كو 9: 27)، لأنه مع الفرح والبهجة كان فيهم أيضًا الخوف والرعدة (في 2: 12-13) الناشئين عن النعمة ذاتها، وليس عن الطبيعة الفاسدة. ولكن تلك النعمة عينها كانت حارسة لهم لئلا يزيغوا ولو قليلاً.] ويقول القديس مرقس الناسك: [الخوف من جهنم يشجع المبتدئين حتى يتركوا شرهم. أما المتقدمون فإن رغبتهم في المكافأة تُحَفِّزهم على تنفيذ الصلاح. وأما سرّ الحب فهو أنه يسمو بالعقل ليرتفع فوق كل المخلوقات خافيًا عن عينيه كل شيء غير الله[278].]

سأل أخٌ شيخًا: كيف تقتني النفس مخافة الله"؟ فأجابه: "إذا لم تنظر النفس الله لا تخافه". فقال له: "وبماذا يظهر الله للنفس"؟ أجابه: "بالعزلة والضيقة وصراخها كل حين بشوقٍ لا يفتر قائلةً: "يا ربي يسوع المسيح". فإذا كان ذكره دائمًا في قلبك كل حين، فهو يجيء ويسكن فيك ويعلِّمك كل الأعمال الصالحة"[279].

17. كيف لا نخاف من الشيطان؟

يقول هرماس: [اخش الرب واحفظ وصاياه التي تقوّيك في كل أمورك، فلا يكون مثيل لأعمالك... لا تخف الشيطان إذا خشيت الرب، فإن خشيتك لله تعطيك سلطانًا على الشيطان[280].]

لا يخاف المؤمنون خائفو الرب من الشيطان، بل تخاف الشياطين من رجال الله[281].

آمن القديس يوحنا الذهبي الفم بالدوافع أيا كانت كعطايا صالحة وهبت لنا من قبل الله. فالغضب عطية عظيمة أعطيت لنا، بدونها لا نقدر أن نمارس التوبة، ولا نحارب الشيطان ونقاتل ضد الخطية. إنه يقول: [لقد زرع فينا الغضب كنوع من المنخاس لكي نصر على أسناننا ضد الشيطان، مملوئين عنفًا ضده، وليس ضد بعضنا البعض. أسلحتنا هي لمحاربة العدو وليس لمحاربة بعضنا البعض. هل أنت غضوب؟ كن هكذا ضد خطاياك. أَدِّب نفسك، واجلد ضميرك، وكن قاضيًا قاسيًا، واحكم بلا رحمة على خطاياك.] [إني أؤكد لكم، وأكرر بأعلى صوتي، مخبرًا إياكم عن ملجأ شاهق العلو: أن المسيحي لا يخشى أحدًا من سكان الأرض... بل ولا من الشيطان، إبليس الطاغية... ما لم يضر الإنسان نفسه أولاً.] ويقول القديس ديديموس الضرير: [إن كانت القوات والقوى ورؤساء عالم الظلمة والأرواح الشريرة تجربنا، فلا يفترض فينا أن ندخل معهم في حوارٍ أو نقيم معهم مصالحة، إنما يلزم محاربتهم. وعندما نخضعهم وننال سلطانًا أن ندوس على الحيات والعقارب (لو 10: 19)، عندئذ يكون وقت للسلام. هكذا يلزم أولاً سحق الشيطان تحت أقدام القديسين. عندما يكون وقت للحرب يليق بالإنسان أن يطأ على قوة العدو. وعندما نهزمهم يمكننا أن نعيش في سلامٍ ثابت، ويتحرر تفكيرنا من الارتباك ويكون لنا وقت سلام[282].] ويقول القديس أوغريس: [عمل الغضب الطبيعي (كدافعٍ مقدس) هو شن الحرب ضد الشياطين والصراع ضد كل نوعٍ من أنواع اللذة الشريرة[283].]

يقول القديس أغسطينوس: [الشيطان وملائكته هم الأعداء الذين نُصَلِّي ضدهم. إنهم يحسدوننا على ملكوت السماوات، يريدوننا ألا نصعد إلى الموضع الذي طُرِدوا منه. لنصلّ ضد هؤلاء لكي تخلص نفوسنا[284].] ويقول الشيخ الروحَاني (يوحنا الدّلياتي): [كما يخاف الذئب من اللقاء مع فارسٍ شجاعٍ، هكذا تخاف الشياطين ممن ينظر الخفايا، ويُدَبِّرون الحيل للساقطين في أيديهم كي لا يذهبوا إلي ناظر الخفايا، فإنهم يلقون على المطيعين لهم خوفًا من اللقاء مع رجل الله. أحيانًا يلقون فيهم حياءً منه واحتشامًا؛ مستخدمين كل وسيلة ليبعدوهم عنه، لئلا يجدوا عنده دالة، ويخلصهم من أيديهم[285].] وأشار مار أفرآم إلى نقل عظام توما الرسول في تسابيحه، قائلاً: [يولول (الشيطان) الشرير: أين يمكنني الهروب من البار؟[286]]


 

10. الصوم المقدس

1. ما هي حاجة المؤمن للصوم؟

الله الذي خلق كل شيءٍ من أجل الإنسان ليقيم منه ملكًا يتمتع بالحياة، قدم له وصية واحدة، ألا يأكل من شجرة معرفة الخير والشر. وهو في هذا لا يطلب أن يحرمه من شيءٍ، إنما أراد له أن تمتد يده ليأكل من شجرة الحياة فيحيا خلال الطاعة في أبدية سعيدة مثل الملائكة القديسين. وكان يمكن لآدم وحواء أن يتحديا إبليس وكل جنوده بطاعتهما للوصية الإلهية، فيعلنا بصومهما أن حبهما لله يسمو فوق كل شيء. لقد غرس الرب لهما جنة عدن (تك 2: 8) ليقيم من قلبيهما فردوسًا فائقًا.

يقول القديس باسيليوس الكبير: [بدأ الصوم في الفردوس عندما قال الرب لآدم: "لا تأكل من شجرة الخير والشر". وقد طُرد أبوانا الأولان من الفردوس بسبب عدم الصوم. فالصوم إذن هو الذي به ندخل إلى الملكوت. لا ترتجف ولا تخف من الصوم. ألا يحتاج جسدك إلى دواء؟ كذلك نفسك هي بحاجة أحيانًا كثيرة إلى دواء. فالصوم هو دواء النفس للتخلص من الخطيئة[287].]

وفي العهد القديم قدمت يهوديت نصيحة للقادة كما للشعب: "اعلموا أن الرب يستجيب لصلواتكم، إن واظبتم على الصوم والصلوات أمام الرب" (يهوديت 4: 12).

2. ماذا يقول آباء الكنيسة عن الصوم؟

يقول القديس باسيليوس الكبير: [الصوم حارس للنفس، ورفيق أمين للجسد، الصوم سلاح الشجعان، ومدرب النُساك، الصوم يصَّد التجارب، ويُمهد الطريق للتقوى. إنه رفيق الهدوء وصانع العفة. الصوم يعمل أعمالاً باهرة في الحروب، ويُعلَّم السكينة في وقت السلام. الصوم يُقدِّس النذير ويجعل الكاهن كاملاً. الصوم يجعل العاقر تلد أولادًا، ويصنع الأقوياء، ويجعل المشرّعين حكماء لأنه كيف للكاهن أن يصلي بدون صوم؟ لقد كانت ممارسة الصوم أمرًا ضروريًا ليس فقط في عبادة العهد الجديد السرائرية ولكن أيضًا بالنسبة للعبادة الناموسية[288].]

[الصوم هو تشبه بالملائكة، رفيق الأبرار، حياة العفة. الصوم هو الذي جعل موسى مشرِّعًا. وصموئيل أيضًا هو ثمرة صوم حنة النبيه التي صلّت إلى الله بعدما صامت قائلة: "يا رب الجنود إن نظرت نظرًا إلى مذلة أمتك، وذكرتني ولم تنسَ أمتك بل أعطيت أمتك زرع بشر فإني أعطيه للرب كل أيام حياته" (1 صم 1: 11). "وخمرًا ومسكرًا لا يشرب حتى يوم الموت" (انظر قض 13: 14). الصوم هو الذي أسس ونمّى شمشون العظيم. وحتى ذلك الحين الذي وقف معه آخرين ضد آلاف القتلة من الأعداء، هدم أبواب المدينة وحده والأسوار لم تتحمله بسبب قوة يديه (قض 16: 29-30). لكن عندما وقع أسيرًا للسكر والزنا، وقع في أيدي الأعداء بعدما فقد بصره وصار ألعوبة في أيدي عبيد أمم غريبة (قض 6: 21). وبصوم إيليا توقفت السماء عن أن تُعطي مطرًا ثلاث سنين وستة أشهر (1 مل 17: 1). فقد دعته الضرورة أن يدعو المستمعين إليه إلى صوم انقطاعي عن الأكل بعدما رأى أنه بسبب شهوة الأكل ازداد الظلم والإهانة بين الشعب. بهذا الإجراء توقف خطيتهم، لأن الصوم قد قطع الطريق نحو تفاقم الشر، كما لو أنه قد قُطع بمقطع حاد[289].]

دانيال الرجل الذي لم يأكل خبزًا لمدة ثلاثة أسابيع ولم يشرب خمرًا (دا 10: 2-3) علّم الأسود أن تصوم عندما نزل جُب الأسود (انظر دا 6: 16-22). والأسود لم تستطع أن تلتهمه بأسنانها وكأن جسده مصنوع من الحجر الصلد أو النحاس أو من أي معدن آخر صلب. هكذا يُقوَّي الصوم الجسد ليصير مثل الحديد مما جعل الأسود لا تقوى عليه. لأنهم لم يستطيعوا أن يفتحوا أفواههم أمام القديس. الصوم "أطفأ قوة النار وسد أفواه الأسود"[290].

3. ماذا فعلت شهوة الطعام في شعب الله؟

يقول القديس باسيليوس الكبير: [من هم الذين سقطوا في الصحراء أثناء ترحال شعب الله إلى أرض الموعد؟ (عب 3: 17) أليس هؤلاء الذين طلبوا أكل اللحم؟ (عد 11: 33). هؤلاء البشر لم يكتفوا بالمنِّ ولا بالماء الذي خرج من الصخرة، وكانوا بالأمس قد انتصروا على المصريين وعبروا البحر الأحمر. لكن بسبب أنهم اشتهوا اللحم المطبوخ في الأواني (انظر خر 16: 3)، تقهقروا إلى الخلف، ولم يرَ أحد منهم أرض الموعد[291].]

4. لماذا اختار ربنا يسوع موسى وإيليا للتمتع برؤيته والحديث معه في تجلّيه؟

كانت شهوة قلب موسى النبي الذي صام أربعين يومًا وأربعين ليلة أن يرى مجد الله (خر 18:33) ويتحدث معه. كما تجلى ربنا يسوع أمام موسى وإيليا اللذين صاما أربعين يومًا. وكأن الرب يدعونا أن نشترك معهما في صومهما، وأن تتقدس أصوامنا بصومه الإلهي فيتجلى رب المجد كما على جبل طابور داخل القلب، ويقيم الرب ملكوته في داخلنا كوعده الإلهي: "ملكوت الله داخلكم" (لو 21:17).

ونحن نصوم للانشغال برؤية الله والحديث معه؛ قائلين: "ها نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك" (لو 26:18). على جبل تابور طلب القديس بطرس: "جيد يا رب أن نكون ههنا" (مت 4:17). حقًا مسكين من يصوم ولا ينشغل برؤية الرب والحديث معه، فإنه يعاني من جوع الجسد والنفس!

يقول القديس باسيليوس الكبير: [الصوم هو الذي جعل إيليا النبي يشاهد رؤى إلهية. إذ صام مدة أربعين يومًا وتنقت نفسه واستحق أن يرى الرب على جبل حوريب (1 مل 19: 8-13)، الأمر الذي هو صعب الحدوث لأي إنسان. بالصوم أعاد إيليا الحياة إلى ابن الأرملة، فأقامه وسلّمه إليها (1 مل 17: 21)، إذ بواسطة الصوم برهن أنه أقوي من الموت[292].]

5. ما هو ارتباط الصوم ببني العرس؟

لماذا يقول السيد المسيح: "هل يستطيع بنو العرس أن ينوحوا مادام العريس معهم؟ ولكن ستأتي أيام حين يرفع العريس عنهم فحينئذ يصومون" (مت 9: 15). كأن الصوم ليس مجرّد واجب يلتزم به المؤمنون، إنّما هو عمل خاص ببني العرس الذين يصومون كمعين لهم في حياة الندامة (النوح) والتوبة، أي ليس كغاية في ذاته، وإنما من أجل الدخول إلى العريس والتمتّع بالعرس خلال التوبة. فإن كان العريس نفسه حاضرًا في وسطهم فما الحاجة إلى الصوم؟ إنه سيرتفع عنهم جسديًا فتمارس، الكنيسة صومها لتتهيّأ لمجيئه الأخير فتلتقي معه في العرس الأبدي. مادام العريس مرفوعًا لا نراه حسب الجسد، وجهًا لوجه، فيلزمنا أن نصوم لا عن الطعام فحسب، وإنما عن كل لذّة وترف من أجل طعام أفضل سماوي ولذّة روحيّة أبديّة وأمجاد علويّة هي في جوهرها تمتّع بالعريس نفسه. يرى القديس باسيليوس الكبير أن الصوم يرفع النفس إلى السماء كأنما على أجنحة، وهو جمال الشيوخ ومربى الشباب ورفيق المسافر[293].

لو أن أخًا زار أخاه بعد غيبة طالت نحو عشرات السنوات، جاءه فجأة، وكان إخوة يأكل، ماذا نتوقع من الأخ الذي يأكل سوى أن يترك طعامه – مهما كان جائعًا – ويحتضن أخاه. ينسى أكله وشربه، فمنذ عشرات السنوات لم يرَ أخاه. إنها مفاجأة مفرحة! هكذا بالصوم نترك موائدنا، لا كنوعٍ من التنسك، وإنما بالأكثر لانشغالنا بالسماوي؛ نلتقي معه، وندخل معه في حوارٍ عذب، نعبر عن شوقنا إليه، وعدم انشغالنا حتى بالاحتياجات الجسدية.

6. لماذا يدعونا الخالق لممارسة الطقس الملائكي؟

باستعباد الإنسان نفسه لبطنه فقد جنة عدن، لكن يبقى الله يشتهي دعوة بني أدم لا إلى جنة أرضية بل إلى الفردوس السماوي، لا يحتاج الإنسان إلى طعام أو شراب. فالصوم هو علامة قبول المؤمن لهذه الحياة وشوقه إليها بكل فرح. يقول القدّيس غريغوريوس النيسي: [كما أن القيامة تقدّم لنا حياة تتساوى مع الملائكة، ومع الملائكة لا يوجد طعام، فإن هذا يكفي للاعتقاد بأن الإنسان الذي سيحيا على الطقس الملائكي يتبرّر من هذا العمل (من العبوديّة للطعام والشراب)[294].] ويقول القديس باسيليوس الكبير: [لقد نُفينا من الفردوس الأول الأرضي، لأننا لم نصم، فيلزمنا أن نصوم لكي نرجع إلى الفردوس السماوي... لأن الصوم يرد لنا الخسائر المتسببة عن عدم صوم آدم، ويصالحنا مع الله.] ويقول القدّيس جيروم: [صام موسى لمدة أربعين يومًا وأربعين ليلة على جبل سيناء (تث 9: 9)، وأظهر أن الإنسان لا يحيا بالخبز وحده، بل بكلمة لله... تسلم موسى بمعدة فارغة الشريعة المكتوبة بإصبع الله. أما الشعب الذي أكل وشرب قام للعب وصبوا عجلاً ذهبيًا، وفضلوا العجل المصري عن جلال الله... كسر موسى اللوحين، إذ عرف أن السكارى لا يستطيعون أن يسمعوا كلمة الله[295].]

يقول القدِّيس مار فيلوكسينوس: [لماذا تغلبك البطن كأنك طفل؟ ولماذا تجعل شهوة الطفولة تسخر بك؟... إن الثمرة التي أكلتها حواء ليست هي التي أدخلت الموت إلى العالم، بل الشهوة. فلو أن حواء أطاعت الوصية ولم تأكل آنذاك بشهوة، لأكلت بعد ذلك مرات عديدة دون أن يلومها أحد، ولاقتربت من الشجرة ببساطة كما تقترب من أية شجرة أخرى وسط الجنة[296].]

7. كيف نتهيَّأ بالصوم للدخول في المعركة الروحية؟

في التجربة على الجبل وسط البرية كان مسيحنا قائد المعركة صائمًا (مت 4: 1-2)، حتى نتشبَّه نحن به كجنودٍ صالحين له. إنه النموذج الرائع كقائدٍ لنا، يُدَرِّبنا أثناء أصوامنا أن نُرَكِّز أنظارنا على قائدنا الصائم مُحَطِّم إبليس ومملكته. عرف الآباء أن فترات الصوم الكنسية هي أكثر فترات الحروب الشيطانية. وبفكرهم الروحي الصادق يُعَلِّلون ذلك كعلامة رعبٍ الشياطين من الصائمين الحقيقيين.

يقول القدّيس أغسطينوس: [عندما يوجد صراع متزايد من المُجرّب يلزمنا أن نصوم، حتى يقوم الجسد بالواجب المسيحي في حربه ضدّ (شهوات) العالم بالتوبة وحث النفس على النصرة في تواضع!] ويقول القديس يوحنا سابا: [لا تملأ بطنك كثيرًا لئلا يعذبك الزنا، ولا تُضعف جسدك لئلا يفرح مبغضوك. تمّسك بطقس الاعتدال، فتسلك في الطريق الملوكي، ويكون مسيرك بغير خوفٍ[297].]

ويقول القدِّيس كيرلس الكبير: [صام المسيح "وجاع" لأنه قَبِلَ أن يكون مثلنا، فكان لابد أن يتحمَّل ما يجب أن يتحمَّله إنسان بشري.]

ويقول مار اسحق السرياني: [كل جهاد ضد الخطية وشهواتها يجب أن يبدأ بالصوم... خصوصًا، إذا كان الجهاد بسبب خطية داخلية.] كما يقول: [بدأ مُخَلِّصنا عمل خلاصنا بالصوم، وهكذا يليق بكل الذين يريدون أن يقتفوا أثر خطواته أن يبدأوا جهادهم على هذا الأساس. الصوم هو السلاح الذي أسسه الله، فكيف لا يُلام من يحتقره؟! إن كان مُعطِي الناموس قد صام بنفسه، فكيف لا يصوم من وجب عليهم طاعة الناموس؟] ويقول القديس يوحنا التبايسي: [صوم الجسد هو البعد عن المأكولات، أما الصوم الروحي فهو جوع الإنسان وعطشه إلى البرّ.]

ويقول القدِّيس جيروم: [بعد أن أعطيتم اهتمامًا عظيمًا لأفكاركم يليق بكم أن تلبسوا سلاح الصوم، وتتغنوا مع داود: "أَدّبت بصومٍ نفسي" (مز 69: 10)، "أكلت الرماد مثل الخبز" (مز 102: 9)، "أما أنا ففي مضايقتهم لي كان لباسي مُسحًا (مز 35: 13). استُبعِدَت حواء من الفردوس لأنها أكلت الثمرة الممنوعة. ومن جانب آخر حُمِل إيليا في مركبة نارية إلى السماء بعد أربعين يومًا من الصوم... وفي أيوب كتب عن بهيموث: "قوته في متنيه، وشدته في عضل بطنه" (أي 40: 16)[298].]

من العادات القديمة أن يكف الإنسان في حزنه عن الطعام، خاصة في حالة وفاة أحد أقربائه أو أصدقائه، ويلبس مسوحًا. هنا يُعَبِّر المرتل عن أقسى حالات الحزن، فلا يكف عن الطعام والشراب فحسب، إنما يكون كمن يأكل رمادًا (مز 102: 9) يُحَطِّم جسمه، ويزيده عطشًا، وتنسكب دموعه بغزارة، وتتسلل إلى فمه كأنها شراب له.

8. هل يطلب الله بالصوم إهلاك الجسد؟

الصوم هو انحناء الإنسان بكليته أمام روح الله القدوس لكي يُقَدِّسه. فالله لا يطلب إهلاك الجسد بل تقديسه. فمع الصوم الجسدي يمارس المؤمن صومًا روحيًا مقدسًا، فيه تتحرَّر النفس من المفاسد لتنطلق في حرية نحو السماويات. يقول القديس يوحنا كاسيان: [عندما يصوم الإنسان الخارجي يلزم أن يمتنع الإنسان الداخلي عن الطعام الرديء بالنسبة له، إذ يحثّنا الرسول الطوباوي أن يظهر الإنسان الداخلي نقيًا أمام الله، فيوجد مستحقًا لقبول المسيح ضيفًا في داخله[299].]

9. ماذا يقصد النبي بقوله: "قَدِّسوا صومًا، نادوا باعتكاف" (يؤ 1: 14؛ 2: 15)؟

تقديس الصوم هو لقاء مع الله القدوس، والاعتكاف هو تفرُّغ المؤمن بكليته لرؤية الرب والحديث معه حتى يشاركه الطبيعة الإلهية (2 بط 1: 4)، ويحمل سمات الرب يسوع فيه (غل 6: 17). في أصوامنا نطلب الاتحاد مع مسيحنا بعمل روحه القدوس، لنصير أيقونة روحية له. نستعذب الوصية الإلهية، بل ونطالب بالوعد الإلهي: "تكونون قديسين لأني أنا قدوس" (لا 11: 44). نرفض الشر ليس خوفًا من العقوبة الأبدية، لكن رغبة في التمتُّع بأن نكون أيقونة للقدوس. يقول القديس أفراهاط: [لا يليق بالإنسان أن يمزج العسل بالعلقم. فإن صام الإنسان عن الخبز والماء لا يمزج صومه بالتجاديف واللعنات. واحد هو باب بيتك الذي هو هيكل الله، فلا يليق أن يخرج منه الزبل والوحل في باب يدخل منه الملك. حين يصوم الإنسان عن القبائح ويتناول جسد المسيح ودمه فلينتبه إلى ابن الملك الذي دخل في فمه، فلا يجوز لك أن تخرج من فمك كلمات نجسة[300].] ويقول القديس باسيليوس الكبير: [الصوم الحقيقي هو في الابتعاد عن الشرّ وفي عفة الكلمة والبُعْد عن الغضب والانفصال عن الشهوة والتجديف والكذب وحلف الزور. البُعْد عن كل هذه الأمور، هو الصوم الحقيقي[301].]

يقول القديس أوغريس: [من يُقمِع جسده بحكمة يصير بلا شهوة (بلا هوى)، لكنه عندما يطعم جسده (بإسراف) يُعانِي من الشهوة.] كما يقول الأب دوروثيؤس: [يلزم على الإنسان أن يُصَوِّم عينيه، فلا تنظران إلى الأمور الباطلة ولا تجولان كيفما شاءا، ولا تتطلعان إلى الغير بعدم حياء وبدون مخافة، كذلك يلزم أن يحفظ اليدين والرجلين من كل عمل شرير.]

ويقول القديس باسيليوس الكبير: [لا تتملَّق وتظهر بوجه عابس، لتقتنص مجدًا ليس لك... لأن أمور النفاق والتملُّق التي تمارسها بطريقة ظاهرة لا تثمر ثمارًا للحياة الأبدية[302].]

10. كيف يُقَدِّم المؤمن صومه كذبيحة حب؟

قَدَّم السيد المسيح جسده ذبيحة حب إذ بذله عن البشرية، وبالصوم نُعلِن عن شهوة قلبنا أن نُشارِكه الحب الباذل، الذي يهبنا إياه. فعندما يشعر المؤمن بالجوع أو العطش يُقَدِّم ذبيحة شكر لله الذي يسمح له أن يُشارِكه صليبه أو حبه الباذل، وفي نفس الوقت يتنسمها الله رائحة سرور ورضا. يقول القديس يوحنا كاسيان: [واجب الصوم يصير مقبولاً لدى الله عندما يتكامل بثمار المحبة.] ويقول القديس أوغريس: [عندما تشتهي النفس أطعمة متنوعة، يلزمها أن تكتفي بالخبز والماء، فتصير شاكرة حتى من أجل الخبز. فالشَرِه يشتهي أطعمة متنوعة، أما الجائع فيهنأ حتى عندما يقتات بالخبز.]

11. كيف نمارس الصوم ونتوجَّه بالحب؟

يحزن آباء الكنيسة على الذين يمارسون الصوم بمجرد استبدال أنواع الطعام، لكنهم يحملون شهوة الطعام، ويمارسون النهم. بالصوم نحتجز تكلفة الطعام الدسم لكي نستخدم فرق الثمن لحساب إخوتنا المحتاجين، إخوة السيد المسيح الأصاغر حسب تعبيره. بالصوم ينفتح قلب المؤمن أو بصيرته، لرؤية رب المجد في كل أحد، خاصة المحتاجين والمتألمين. لهذا يقول القديس أغسطينوس إن من لا يقتنص جزءًا من المال خلال الصوم ليهبه للفقراء والمحتاجين يفقد طعم الصوم. كما يقول: [أتريد أن تصعد صلاتك إلى السماء؟... امنحها جناحين هما الصوم والصدقة.]

12. كيف نمارس الصوم كسبتٍ الرب وراحة فيه؟

يرى القديس باسيليوس الكبير أنه يليق بالمؤمن أن يحسب الصوم احتفالاً بالراحة والسبت، فيستريح هو وخدمه وكل العاملين في البيت، بجانب الراحة الروحية، وتكريس وقت الطبخ لممارسة العبادة الروحية. إذ يقول: [لتكتفي بأطعمة خفيفة بسيطة، كما أُعطى السبت لليهودي، إذ يقول الكتاب: "لا تصنع عملاً ما أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك وبهيمتك ونزيلك الذي داخل أبوابك" (خر 20: 10). ليكن الصوم فرصة راحة للخدم الذي يعملون طوال العام. أعط راحة لطباخك واسمح لخادمك بإجازة، لا تقبل دعوة من أحد لمائدة احتفالية. ليت صانع الحلوى يتوقَّف عن صنعها. ليت البيت يهدأ وتختفي الضوضاء والجلبة الكثيرة، ليت الدخان ورائحة الشواء يختفيا من البيت، ليت الخدم يستريحون، هؤلاء النازلون والصاعدون على السلالم ليخدموا البطون الشرهة. وكما أن مُحَصِّلي الضرائب يعطون المديونين مهلة لترتيب أوضاعهم، هكذا فلُتعطِ الفم مهلة لتستريح البطن، مهلة لخمسة أيام، تلك (أي البطن) التي لا تتوقَّف مطالبها[303].]

13. كيف نُمارِس الصوم كعبادة بالروح؟

يربط آباء الكنيسة الصوم بالعبادة بالروح والحق، أي بالصلاة والتأمل في كلمة الله والمطانيات والعطاء مع التناول من الأسرار المقدسة (جسد الرب ودمه المبذولان من أجلنا). يقول القديس باسيليوس الكبير: [نترجى ألا يأتي إلينا الصوم الذي هدَّد به الله اليهود "هوذا أيام تأتي، يقول السيد الرب، أرسل جوعًا في الأرض، لا جوعًا للخبز ولا عطشا للماء، بل لاستماع كلمات الرب" (عا 8: 11). وقد أثار هذا الجوع، الديان العادل، لأنه رأى أن الإيمان الحقيقي في أذهان هؤلاء يتلوث بأمور هزيلة، وأن إنسان الخارج يزداد وزنه بصورة ملفتة للنظر، ويصير كله جسدًا ضخمًا. إذًا كل الأيام القادمة سيُقدِّم لنا الروح القدس وجبة روحية مُفرِحة في الصباح والمساء. لذلك لا ينبغي أن يتغيَّب أحد بإرادته عن هذه البركة الروحية. فلنتناول جميعًا من الكأس الروحي النقي والذي قدمته لنا الحكمة، بعدما فرحنا معًا، لكي ينهل منه كل أحدٍ على قدر ما يستطيع. لأن الحكمة "ذبحت ذبحها، مزجت خمرها" (أم 9: 2). أي أنه هذا هو طعام الكاملين الذين "بسبب التمرُّن قد صارت لهم الحواس مُدَرَّبة على التمييز بين الخير والشر" (عب 5: 14). يتحقَّق الغني بهذا، طالما نحن شبعنا به، ويا ليتنا نكون مستحقين لشركة الفرح ونُحسَب ضمن قائمة العُرْسِ في شركة يسوع المسيح ربّنا الذي له المجد والقوة إلى الأبد أمين[304].] يقول العلامة ترتليان: [يجدر بالآتين إلى المعمودية أن ينشغلوا على الدوام بالصلوات والأصوام والمطانيات والسهر، كل هذا مع الاعتراف بالخطايا السابقة[305].]

ويقول القدِّيس أمبروسيوس: [طوبى للذي يعرف كيف يشبع في المسيح، ليس جسديًا، بل روحيًا، الشبع الذي تُقَدِّمه المعرفة[306].] ويربط القديس مار اسحق السرياني الصوم بالصلاة فيحسب الصوم جمرًا متقدًا إن لم يُوضَع عليه بخور الصلاة يُصدر دخانًا خانقًا عوض رائحة البخور الذكية. ويقول العلامة ترتليان: [لتغذي الصلاة بالصوم.] ويربط القديس أغسطينوس الصوم بالحب الأخوي، فيقول: [سواء نصوم أو لا نصوم في اليوم السابع (السبت)، فإنه ليس شيء أكثر أمانًا ويقود إلى السلام مثل قانون الرسول: "لا يزدرِ من يأكل بمن لا يأكل، ولا يـدن مَنْ لا يأكل مَنْ يأكل" (رو 3:14). "إن أكلنا لا نزيد وإن لم نأكل لا ننقص" (1 كو 8: 8). لتبقَ شركتننا مع الذين نعيش معهم والذين نحيا معهم في الله محفوظة بلا اضطراب بسبب هذه الأمور[307].]

14. ما هي نظرة الطب الحديث للصوم؟

تُقَدِّم الكنيسة الصوم كدواء للنفس، وجاء الطب الحديث يدعو إلى فوائد الطعام النباتي والالتجاء إلى ترك المعدة خاوية من الطعام إلى حين من أجل سلامة الجسد، وكأنه يكشف عن حكمة الكنيسة التي تربط الجسد مع النفس.

يؤمن القديس إكليمنضس السكندري عميد مدرسة الإسكندرية في القرن الثاني أن الحياة المعتدلة في يسوع المسيح هي الطريق الملكي الذي يأخذنا إلى السماوات. لهذا فهو يُحَذِّرنا ألا نحيا في رفاهية، أو ننغمس في التبذير. وفي نفس الوقت، فإن كل من الطعام والملبس والأثاث يجب أن يكون في اعتدالٍ بما يناسب الشخص وعمره وعمله وصحته. وأفضل ثروة هي فقر الشهوات. الطريق الأوسط هو المعتدل في كل شيءٍ، والإفراط خطر.

بالنسبة للطعام، يتحدَّث القديس إكليمنضس عن "الطعام والشراب" في كتابه عن المُرَبِّي Paidagogus، فيقول إننا نأكل لنحيا، وليس نحيا لنأكل. يجب أن يكون نظامنا الغذائي بسيطًا، ومُوَجَّه للنمو والصحة وتنشيط الطاقة مع السيطرة عليها. ويجب تجنب الإفراط، والإسهاب.

يجب ألا ننسى أن الحب (أغابي) يُمارَس، هو أخذ وجبة للجماعة معًا، كما كان أيوب يفعل مع أولاده (أي 1: 4-5). وكان ذلك مُتبعًا في الكنيسة الأولى حتى القرن الثالث. وبالنسبة للشراب، قيل إن قليلاً من الخمر يصلح المعدة السقيمة (1 تي 5: 23). إذ إنها جرعة صغيرة لأسباب طبية. والا فالماء يكون هو الأفضل...

لن يمكنكم أن تصبحوا أذكياء "إذا انغمستم في مثل هذا التبذير، لتدفنوا عقولكم في بطونكم، وتشبهون الذين يقول عنهم أرسطوطاليس إن قلوبهم في بطونهم، والتي كان الشاعر الكوميدي ابيكارمس يتحدث عنهم بأنهم أصحاب "البطن الضخم". "الذين نهايتهم الهلاك، الذين إلههم بطنهم ومجدهم في خزيهم، الذين يفتكرون في الأرضيات" (في 3: 19).

أعطانا الرب الطعام والشراب من أجل مخلوقه، أعني هنا الإنسان، ليس لدماره، بل لمصلحته. وأن القانون الطبيعي هو أن الجسد لا يستفيد بالطعام الزائد، بل على العكس، فإن الذين يحيون بأبسط أنواع الطعام هم الأقوى والأصح وأكثر يقظة، وذلك يظهر في الخدم بمقارنتهم مع أسيادهم، أو في الفلاحين بمقارنتهم مع أصحاب الأرض.

ونحن خُلِقنا، ليس لنأكل أو نشرب، بل لنعرف الرب. وأما الآخرون، فحقًا يحيون كي يأكلون مثل الوحوش، وبالنسبة لهم فإن حياتهم هي بطونهم (في 3: 19). وأعطانا مُعَلِّمنا الوصية أن نأكل لنحيا فقط. فالطعام ليس هو الشغل الشاغل، أو المتعة أو الطموح الأساسي. يُمنَح الطعام لنا لأجل بقائنا في هذا العالم الذي فيه يشكلنا الكلمة للأبدية، بواسطة تعاليمه. ويجب أن يكون طعامنا بسيطًا وغير مُزخرف، ومناسب للأطفال الذين هم بسطاء، وليس للإفراط في النفس.

يقول القديس إكليمنضس السكندري: [يوجد نوعان من الطعام، واحد يخدم الخلاص والثاني يناسب الهالكين... يليق بنا ألا نسيء استخدام عطايا الآب، ونقوم بدور المبذرين كما فعل الابن الغبي في الإنجيل (لو 15: 11-14). بالأحرى ليتنا نستخدمه بنوعٍ من ضبط النفس. حتمًا لقد أوصينا أن نكون سادة على الطعام لا عبيدًا له[308].]

يقول القديس باسيليوس الكبير: [الصوم بالحقيقة هو دواء للنفس ودواء للجسد أيضًا. فقد يُسَبِّب تناول الأطعمة الفاخرة تعبًا للمعدة وبعض الأمراض الصعبة للجسم. بينما الصوم مفيد للصحة، إذ يجعل الإنسان الصائم ذا لون وردي، وعيون هادئة، ومشية متزن، وحركاته رصينة. هذا الإنسان تراه لا يقهقه بل يبتسم، ولا يصيح بل يتكلم بهدوء واتزان، وترى كلامه يفيض من قلب نقي وطاهر[309].]

كما يقول: [المطلوب في الصوم ليس الامتناع بواسطة الفم بل بواسطة العيون والآذان والأيدي وكل الجسم. نصوم بالأيدي بالطهارة والابتعاد عن السرقة، والأرجل بالابتعاد عن المشاهد المحرمة؛ والعيون بالامتناع عن النظر إلى أي شيء يغري... يا ترى، ما معنى أن ننقطع عن أكل اللحم، ونحن لا ننقطع عن أكل لحم قريبنا بالنميمة والغيبة؟ وما معنى أن نصوم عن الأكل ونحن لا ننقطع عن الأفكار الرديئة والزنا والحقد والبغض؟... الصوم هو جناح الصلاة لترتفع إلى السماء وتخترق إلى عرش الله... هو عماد البيوت، حاضن الصحة، مُعَلِّم الشباب، زينة الشيوخ، وصديق الأرواح...

لستُ أعني بالصوم ترك الطعام الضروري، لأن هذا يؤدِّي إلى الموت. ولكن أعني ترك المأكل الذي يجلب لنا اللذة ويُسَبِّب تمرُّد الجسد. الصائم الحقيقي هو الذي يتغرَّب عن كل الآلام الجسدية حتى الطبيعية[310].]

[كما أنه ليس من الحكمة في شيء أن تكون البطن مملوءة وثقيلة، ليس لأن هذا غير مفيد في حالة السير فقط، بل ولا في حالة النوم أيضًا، لأن المعدة وهي متخمة لا يمكنها أن تهدأ، لكنك تضطر أن تنقلب مرة إلى هذه الناحية ومرة إلى الناحية الأخرى[311]. ]

15. ما هو غاية الصوم؟

أولاّ: التمتع بالفضائل. يقول القديس جيروم: [الصوم ليس فضيلة مُطْلَقَة، إنما هو أساس الفضائل.]

ثانيًا: يحثنا على الشكر. يرى القديس أوغريس أن الصائم يلمس نعمة الله العاملة فيه، إذ يقول: [الذين يطعمون أجسادهم بإسراف، ويهيئونه لتتميم شهواتهم (رو 14:13) ... متى صاروا غير شهوانيين، وهم بعد في هذا الجسد عينه، وصاروا نشيطين في التأمل في الله الواحد الكائن حقًا، (وذلك بمعاونة صحة جسدهم) قدر المستطاع، هؤلاء يعترفون بفضل الخالق عليهم (إذ وهبهم هذا الجسد).]

ثالثًا: الشعور ببركة الطعام. يرى القديس باسيليوس الكبير في الصوم فرصة للامتناع عن الأطعمة، فمتى انتهت فترة الصوم نشعر ببهجة في الطعام، لا بالانغماس فيه والمبالغة، وإنما بالشعور ببركة الطعام. [إذا أردت أن تستمتع بالطعام عليك أن تمارس الصوم. عليك أن ترى الشيء ونقيضه حتى تشعر بنعمة الشيء الذي تحصل عليه. هكذا الخالق قصد أن توجد أمور متنوعة في الحياة لكي نشعر ونُقَدِّر الأشياء التي أُعطيت لنا. ألم ترى كيف تبدو الشمس أكثر لمعانًا بعد الليل المُظلِم؟ ألا تشعر بأن اليقظة حلوة بعد النوم الطويل، وأن قيمة الصحة عظيمة بعد اجتياز أزمات صحية؟ وهكذا تصير المائدة أكثر بهجة بعد الصوم[312]. ]

رابعًا: تحرر المؤمن من العبودية لبطنه. منذ انحنى آدم وحواء لبطنيهما واستعبدا نفسيهما لهذا الإله القاسي، صار الإنسان عبدًا لبطنه، لا سيدًا عليها. الصوم فرصة رائعة لقبول نعمة الله الفائقة لتحرر النفس من هذه العبودية، والتمتع بحرية مجد أولاد الله. يقول الأب ثيوناس: [لا نقرأ قط أن أحدًا يُلام من أجل تناوله الطعام، إنّما يُدَان من أجل ارتباطه به أو الاستعباد له[313].] ويقول القدّيس يوحنا كليماكوس: [كن سيدًا على معدتك قبل أن تسود هي عليك، الذي يرعى شرّهه ويأمل في التغلب على روح الفجور يشبه من يحاول أن يخمد النار بزيت[314].]

16. لماذا وضعت الكنيسة أغلب أصوامها تنتهي بالاحتفال بعيدٍ ما؟

غاية الصوم هو التأهُّل للتمتُّع بالعيد السماوي، أو نوال خبرة الفرح السماوي. فحين نُمارِس الصوم لفترات طويلة وينتهي بعيد الميلاد المجيد أو عيد الفصح المسيحي. فإن ما يشغل ذهن المؤمن في صومه ليس الامتناع عن الطعام في فترة الانقطاع أو عن أطعمة معينة في بقية اليوم. إنما يشغلنا أن تتهلل نفوسنا برب المجد يسوع الذي وُلِد لكي يُقَدِّم لنا حياته خبزًا سماويًا يُشبِع نفوسنا. كما ننشغل بعمله الخلاصي حيث وهبنا قيامة نفوسنا التي حلّ بها الموت، وقد فسدت تمامًا بالخطية المُدَمِّرة.

كثيرًا ما يرتبط الصوم بالأعياد في العهد القديم، إذ هو طريق التقاء الإنسان مع الله بكونه عيده الدائم ومصدر فرحه الداخلي. فالمؤمن الحقيقي في صومه لا يعرف العبوسة بل البشاشة كانعكاس لفرحه الداخلي. وكثيرا ما ركَّز آباء الكنيسة الأولى على الجانب الإيجابي للصوم، ألا هو فتح الطريق للنفس البشرية لتنطلق بعمل النعمة الإلهية نحو السماء، ترى بالإيمان ربنا وتتهلل به. هكذا حياة الصوم هي حياة عودة متهللة نحو مصدر فرحها، لتشهد له وسط وادي الدموع.

ولعل ما شدّ انتباه الآباء دعوة السيد المسيح للصائم أن يدهن رأسه ويغسل وجهه (مت 6: 17-18). يبدو الأمران غريبان، فدهن الرأس، خاصة في القرن الأول الميلادي لم يكن بالأمر الذي يُمارِسه الرجال والشباب والأطفال، فما هو ضرورته بالنسبة للصائمين منهم؟ وغسل الوجه أمر لازم سواء كان الإنسان صائمًا أو غير صائمٍ، فلماذا الوصية به بالنسبة للصائم؟ واضح إنها دعوة رمزية للحياة المتهللة، فدهن الرأس يشير إلى التمتُّع بالطيب النازل من على الرأس، طيب الروح القدس النازل من السيد المسيح رأسنا. فيتنسم العالم فينا رائحة المسيح، ويتلمسون ثمر الروح من حبٍ وفرحٍ! وغسل الوجه يشير إلى إزالة التراب عنه لنبصر الرب دون عائق، ونشهد له ببشاشة الوجه الداخلي.

يقول القدّيس ساويرس الأنطاكي: [كان إشعياء النبي وهو يُقِيمهم من هذه الهُوّة (التعلُّق بالجسديّات) يرفعهم ويجذب عقولهم إلى فوق بإعلان عظمة الصوم، فيدفعهم إلى التهليل الروحاني، ويطرد من أرواحهم الحزن والكآبة، وهو يصيح فيهم قائلاً: "أَمِثْل هذا يكون صوم أختاره؟ يومًا يذلّل الإنسان فيه نفسه، يحني كالأسلة (كالقصبة) رأسه، ويفرش تحته مسحًا ورمادًا..." (إش 58: 5). لذلك بينما كان ربّنا يُعلِن بهاء الصوم وسروره، كان يأمر أيضًا بصوت واضح قائلاً: "وأمّا أنت فمتى صمت، فادهن رأسك واغسل وجهك" (مت 6: 17(. فكان يشير إلى بريق الروح وطهارتها عن طريق الأعضاء الرئيسيّة في الجسم... يأمرنا ربّنا نفسه أن نغتسل ونتطهّر بامتناعنا عن الشرّ، ومن جهة أخرى أن نتزيَّن ونضيء بممارستنا الخير الذي تنيره النعمة الروحيّة![315]]

ويقول القديس أغسطينوس: [لنفهم الوصيّة على أنها غسل لوجهنا ودهن لرأسنا الخاص بالإنسان الداخلي... فدهن الرأس يشير إلى الفرح، وغسل الوجه يشير إلى النقاوة. فعلى الإنسان أن يبتهج داخليًا في عقله بدهن رأسه الفائقة السموّ في الروح، والتي تحكم وتُدَبِّر كل أجزاء الجسم، وهذا يتحقَّق للإنسان الذي لا يطلب فرحًا خارجيًا نابعًا عن مديح الناس[316].]

17. كيف يتجلَّى مسيحنا في الأصوام الكنسية؟

غاية العبادة الكنسية أن يتجلَّى مُخَلِّص العالم في حياة المؤمنين، وأن يطلب المؤمنون من المُخَلِّص أن يعمل بروحه القدوس في حياة كل بني البشر، أذكر على سبيل المثال أهم الأصوام:

أولاً: الصوم الأسبوعي:

صوم يومي الأربعاء والجمعة، في يوم الأربعاء دُبِّرَت المؤامرة لصلب المسيح، لهذا يصوم المؤمن ليشكر الله الذي يُحَوِّل حقد الأشرار لخدمة الخلاص. وفي يوم الجمعة يرى المؤمن مع القديس مار يعقوب السروجي جبل الجلجثة قد تحوَّل إلى جبل العُرْسِ حيث قَدَّم السيد المسيح مهرًا لعروسه الكنيسة الممتدة من آدم إلى آخر الدهور. فصوم يومي الأربعاء والجمعة ينطلق بنا إلى يوم الرب القائم من الأموات في فجر الأحد. هكذا في صومنا أسبوعيًا، تتهلل قلوبنا وتصرخ إلى المُخَلِّص الذي بذل ذاته لكي يهبنا الحياة المُقامة ويهيئنا للدخول إلى الفردوس.

ثانيًا: الأصوام السنوية:

في صوم الميلاد: لا يكف المؤمن عن الصلاة من أجل كل البشر، كي يسكن طفل المذود (لو 2: 7) في قلوبهم وأذهانهم وعواطفهم.

وفي الصوم الكبير الأربعيني: يتهلل المؤمن وهو يشارك المسيح صومه، كي يحتفل بعيد الفصح (العبور) المسيحي، ففي كل يومٍ يدعو الرب أن يعبر بأفكاره كما بقلبه وعواطفه إلى الحياة السماوية.

وفي صوم الرسل: يلتهب قلب المؤمن شوقًا أن يشارك الرسل والتلاميذ جهادهم في الكرازة والشهادة لإنجيل المسيح.

وفي صوم يونان: نطلب من أجل غير المؤمنين ليعمل روح الرب فيهم كما سبق فوهب ملك نينوى وكل القيادات والشعب روح التوبة. وكما يقول مار يعقوب السروجي بدموعهم حوَّلوا أرض نينوى الفاسدة إلى فردوسٍ مقدس.

وفي صوم القديسة مريم: نطلب أن تعمل نعمة الله فينا ويسكن مسيح الرب في قلوبنا كما تجسد كلمة الله في أحشائها بالروح القدس.

18. ما هو الخط الكنسي لمفهوم الصوم الكبير

تكشف لنا أناجيل آحاد الصوم الكبير عن الخط الكنسي لمفهوم الصوم، وما تدعونا إليه الكنيسة للتفكير فيه خلال رحلة الصوم.

1. أحد الرفاع: ليس ما يشغل فكرنا أو قلبنا أثناء الإعداد للصوم، مثل التقائنا بالله بكونه أبانا السماوي. بالصوم ندخل إلى أعماق جديدة في علاقتنا بالله. إذ يلزمنا في أحد الرفاع أو أحد الاستعداد للصوم، أن نرفع عنا كل عبودية لشهوة الطعام والشراب، تُقَدِّم لنا الكنيسة الجانب الإيجابي المُفرِح ألا وهو اللقاء الخفي مع أبينا السماوي. تتلو علينا الكنيسة الفصل الخاص بأركان العبادة المسيحية كما قَدَّمها لنا السيد المسيح في الموعظة على الجبل (مت 6: 1-18). حيث نرى في الصدقة والصلاة والصوم ذبيحة حب، نُقَدِّمها للآب السماوي كما في الخفاء، والأبواب مغلقة، كي نتذوَّق الحب المتبادل. أبونا السماوي يبادرنا بالحب، ونرد له هذا الحب وبالحب.

أما عند انتهاء فترة الصوم، فتُقَدِّم لنا الكنيسة في أحد الشعانين الفصول الخاصة بدخول السيد المسيح إلى أورشليم. فإن كنا نبدأ الصوم بإعلان ارتباطنا العميق والسري بالله أبينا، فإننا إذ نختم الصوم نرى مسيحنا داخلاً في قلوبنا ليُقِيم من أعماقنا، أورشليمه المحبوبة لديه وملكوته الإلهي. فالصوم في حقيقته لا يهدف إلى حرمان من أطعمة وإنما شبع بالله، وشركة في الوليمة الملائكية.

2. أحد الكنوز: مع بداية الصوم تُقَدِّم لنا الكنيسة فصلاً خاصًا بالكنز السماوي (مت 6: 19-33). وكأن الصوم هو اقتناء للكنز السماوي "المسيح" نفسه كنزنا الإلهي (2 كو 4: 7).

3. أحد التجربة: تمتُّعنا بأعماق جديدة في التعرُّف على مسيحنا، يثير عدو الخير ضدنا، فيدخل معنا في معارك روحية وتجارب. لكننا إذ نختفي في المسيح الصائم في البرية الذي جاءت ملائكة لتخدمه بعد تجربته (مت 4: 11)، ننعم بخدمتهم. وكأن الصوم دعوة للتمتُّع بهذه البركة.

4. أحد الابن الراجع إلى أبيه (لو 15). بالصوم نتهيَّأ لخدمة الملائكة، وفي نفس الوقت نُقَدِّم توبة لله، فنجد أبانا السماوي يركض إلينا، ويقع على أعناقنا ويُقَبِّلنا فنتمتع بالحضن الإلهي.

5. أحد العُرْس السماوي - السامرية (يو 4). بتوبتنا نرجع إلى حضن الآب، وننعم بالعُرْس السماوي. فالسامرية التي لم تشبع قط بأزواجها الخمسة، ولا بمن هو معها في البيت، وجدت شبعها الروحي الحقيقي في المسيح، فتركت جرتها، وانطلقت تدعو كل أهل مدينتها لينعموا معها بهذا الشبع الداخلي.

6. أحد مريض بيت حسدا (يو 5) إذ نُخطب للسيد المسيح كقول الرسول بولس: "خطبتكم لرجلٍ واحد لأقدم عذراء عفيفة للمسيح" (2 كو 11: 2)، نتَّحِد بطبيب النفوس والأجساد، الذي يشفينا كما شفى مريض بيت حسدا (يو 5).

7. أحد تفتيح عيني المولود أعمى (يو 9). من يتمتَّع بعمل الطبيب السماوي، ينعم ببصيرة مفتوحة ترى وتتلامس مع الأسرار الإلهية. إنها عطية العريس السماوي الذي يُقَدِّم أسراره لعروسه!

8. أحد الشعانين أخيرًا، إذ نمارس الصوم الكبير، نبدأ أسبوع الآلام (البصخة)، فتقدم الكنيسة الأناجيل الخاصة بدخول السيد المسيح أورشليم، أي في أحد الشعانين، حيث ينطلق مسيحنا إلى قلوبنا، أورشليمه المحبوبة لديه، ويغرس صليبه فيها، ويهبها قوة قيامته، فنمارس العيد السماوي الأبدي.


 

11. العبادة الكنسية والإماتة

1. لماذا اهتم الرسول بولس وكثير من الآباء بالحديث عن الإماتة؟

يقول الرسول بولس "مع المسيح صُلِبت، فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيّ" (غل 2: 20). لقد أدرك أن من يتألم ويُصلَب ويموت ويُدفَن مع المسيح، يتمتَّع برائحة المسيح الذكية. من يلتصق بالسيد المسيح المصلوب ويتَّحِد معه، لا يطلب أطايب العالم، بل يستعذب الصلب، وتتحوَّل مرارة العالم إلى عذوبة، ويشتاق إلى الدفن مع المُخَلِّص، وأن يأخذ المُرّ الذي كان على جسد المسيح في القبر لكي يُحنّط به أعضاء جسده، فيحمل رائحة المسيح الذكية (2 كو 2: 15). يقول القديس غريغوريوس النيسي: [الذي يرغب في تكريس حياته لعبادة اللَّه لا يمكن أن يُعطّر بمجموعة الأعشاب العطرة المقدسة إلا إذا تحوَّل هو نفسه إلى مُرّ، أي إلا إذا أمات أعضاءه على الأرض (كو 3: 5)، بأن يُدفَن مع الذي ذاق الموت لأجلنا، وأن يأخذ المُرّ الذي كان على جسد المسيح في القبر لكي يُحنّط به أعضاء جسده. ومتى تم إنجاز ذلك، فكل العطور التي تنتج من ممارسة الفضيلة أثناء الحياة، تُطحن لكي تعطي "المسحوق العطر"، وكل من يستنشقه يصبح معطرًا ويمتلئ بروح العطر[317].]

2. إن كانت العبادة دعوة للتمتُّع بالفرح، فما هو ارتباط الإماتة بها؟

في العهد القديم لم يكن يستطيع المؤمن أن يربط بين الإماتة والعبادة، لأن نظرة المؤمنين للموت في ذلك الوقت، أنه ثمرة عصيان الإنسان لله واعتزاله الله مصدر الحياة. غير أن قلة من أناس لم يخشوا الموت من أجل رجائهم في اللقاء مع الله، ورغبتهم في الجهاد سواء في العبادة أو في السلوك حتى الموت. لهذا يقول المرتل: "لأنه من أجلك نُمات اليوم كله" (مز 44: 22). أما في العهد الجديد إذ صُلِب السيد المسيح من أجل محبته لخلاص البشر، فصار الصلب مع المسيح والموت معه والدفن معه جزءًا لا يتجزَّأ من حياة المؤمن وشركته مع الرب وعبادته. فيترنَّم المؤمن مع الرسول بولس، قائلاً: "مع المسيح صُلْبت، فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيَّ، فما أحياه الآن في الجسد، فإنما أحياه في الإيمان، إيمان ابن الله الذي أحبَّني وأسلم نفسه لأجلي" (غل 2: 20).

لا يتطلع الرسول بولس إلى السيد المسيح كنموذج يقتدي به تمامًا، لأنه لا يقدر أحد أن يفدي البشرية غيره، إنما صار مثالاً لنا، فنشتهي أن نبذل حياتنا وما لدينا من أجل خلاص الإنسان بدم المسيح. هذا من جانب ومن جانب آخر صار الصلب والموت والدفن من أجل محبة النفوس وخلاصها، يبعث في النفس فرحًا وتهليلاً بالمسيح يسوع مخلصنا.

3. ماذا يعني الرسول بالصلب مع السيد المسيح والموت معه؟

أولاً: الثبات في المسيح السماوي. لا يفترض القديس بولس مطلقًا أن الحياة المسيحية تستوجب الموت هنا خلال الانسحاب من العالم، إنما بالإيمان يشترك المؤمن وهو في العالم في صلب السيد المسيح وقيامته، فيموت عن الإنسان العتيق ليحيا لله في المسيح.

يقول البابا أثناسيوس الرسولي: ["مع المسيح صُلِبْت، فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فيّ"، حياتنا يا إخوتي ما هي إلا جحد للجسديات، والاستمرار بثبات فيما يخص مخلصنا وحده.] كما يقول: [لأن هذه هي الحياة الحقيقية التي يعيشها الإنسان في المسيح، فبالرغم من أن (المؤمنين) أموات عن العالم لكنهم يعيشون كمن هم في السماء، مهتمين بالأمور العلوية. من يحب مثل هذه السُكْنَى يقول: "إن كنا نسير على الأرض لكننا نقطن في السماء"[318].] إنه يقتني المسيح فيه ويحيا به. يقول العلامة أوريجينوس: [أن السيد المسيح يحيا فينا، لهذا عند صلبه قال لأمه بخصوص القديس يوحنا: "يا إمرأة هوذا ابنك" (يو 19: 26)، وهكذا كل من يصير كاملاً لا يحيا لذاته بل يحيا المسيح فيه.]

ثانيًا: جحد الأنا أو محبة الذات. يقول العلامة أوريجينوس: [التعبير"أحيا لا أنا" يصدر عن صوت من يجحد نفسه؛ يلبس المسيح ويلقي ذاته جانبًا، وذلك لكي يسكن المسيح فيه بكونه البرّ والحكمة والقداسة وسلامنا (1 كو 30:1؛ أف 14:2)، وقوة الله، الذي يعمل كل شيء فيه[319].] ويقول القديس أغسطينوس: [إن كان الإنسان بحُبِّه لذاته يصير مفقودًا، فبالتأكيد بإنكاره ذاته يوجد!... لينسحب الإنسان من ذاته لا لأمور زمنية وإنما لكي يلتصق بالله[320].]

ثالثًا: تعبير عن المشاركة في الحُبّ الإلهي. إذ يتحدث الرسول بولس عن حب الكنيسة لمسيحها يقول: "كما هو مكتوب: إننا من أجلك نُمَات كل النهار؛ قد حُسِبنا مثل غنم للذبح" (رو 8: 36). هذا هو صوت الكنيسة الجامعة منذ آدم إلى آخر الدهور التي تقبل الدخول في الطريق الشهادة لله حتى الموت، تقبل شركة آلام المسيح بسرور، فنشتهي أن نُحسَب كالغنم المُقَدَّم لأجله للذبح كما سيق هو كشاة للذبح (إش 53: 7)... تمارس الموت الاختياري كل يومٍ، إن لم يكن بسفك الدم فبالجهاد الروحي والبذل والعطاء لكل أحد حتى لغير المؤمنين لأجل الله محب البشر!

يقول القديس أغناطيوس الأنطاكي: [أنا كاهن سيدي يسوع المسيح، وله أُقَدِّم الذبيحة كل يوم، وأرغب أن أُقَدِّم حياتي ذبيحة كما قَدَّم حياته ذبيحة حبًا فيّ[321].] وأيضًا: [لتأتِ عليّ كل هذه: النار والصليب، ومجابهة الحيوانات المفترسة، التمزيق والكسر... لتنصبَّ عليّ كل عذابات الشيطان، على أنني أبلغ يسوع المسيح[322].] [لماذا أُسَلِّم نفسي إلى الموت؟! إلى النار، إلى السيف، إلى الوحوش الضارية؟!... القريب من السيف هو قريب من الله، والذي مع الوحوش هو مع الله، على أن يتم ذلك كله باسم يسوع المسيح، وأنني أحتمل كل شيء لأشترك في آلامه[323].] يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [هو يجعلهم ذبيحة وتقدمة (يومية) دون موت[324].] وأيضًا: [من الممكن أن نُمَات عدة مرات في يومٍ واحدٍ؛ لأنه من كان مستعدًا على الدوام أن يموت يحفظ مكافأته ليستلمها كاملة.]

كما يقول الأب دوروثيؤس من غزة: [القديسون الذين يُقَدِّمون أنفسهم (ذبيحة) لله إنما يُقَدِّمون أنفسهم أحياء كل يوم. لنُقَدِّم أنفسنا (ذبائح)، ولنمت عن ذواتنا لأجل المسيح إلهنا. كيف وضعوا أنفسهم للموت؟ بأن كفَّوا عن محبة العالم وما فيه (1 يو 2: 15)... عن هذا يقول الرسول: "الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات" (غل 5: 24). هكذا وضع القديسون أنفسهم للموت[325].] ويقول: [يليق بنا أن نُقَدِّم له التقدمة التي يفرح ويسر بها في يوم قيامته مادام لم يعد يسر بالذبائح الحيوانية. يعطينا القديس غريغوريوس الإجابة عن السبب الذي لأجله لم يعد يُسَرّ بالذبائح الحيوانية، وهو قول الرسول بولس: "قَدِّموا أجسادكم ذبيحة حية مقدسة مرضية عند الله، عبادتكم العقلية" (رو 12: 1). لكن كيف نُقَدِّم أجسادنا ذبيحة حية لله؟ حين لا نتبع شهواتنا الشريرة وأفكارنا الذاتية، بل نسير في الروح، ولا نكمل شهوة الجسد (غل 5: 16)... وذلك بأن نقمع شهوات أعضائنا الجسدية[326].]

رابعًا: الدخول إلى موكب النصرة. لم تعد الآلام والضيقات تُحَطِّم النفس، بل علّة الدخول إلى موكب الغلبة والنصرة تحت قيادة المسيح يسوع المتألم والمصلوب.

خامسًا: إماتة الشهوات الرديئة. يقول القديس جيروم: [لهذا وأنتم راقدون على فراشكم، ردِّدوا المرة تلو المرة: "في الليل طلبتَ من تُحِبّه نفسي" (نش 3: 1). ويقول الرسول: "أميتوا أعضاءكم التي على الأرض" (كو 3: 5)، لأنه هو نفسه فعل ذلك، لهذا استطاع أن يقول في ثقة: "أحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فيّ" (غل 2: 20) فالذي يميت أعضاءه ويشعر أنه يسير في عرض المبنى، لا يخشى أن يقول: "صرتُ كزقٍ في العاصف" (راجع مز 119: 83). مهما كان في داخلي من رطوبة الشهوة فقد جف فيَّ"، وأيضًا: "ركبتاي ارتعشتا من الصوم، نسيتُ أن آكل خبزي، وبسبب صوت تأوهي التصقت عظامي بجلدي" (راجع مز 109: 24)[327].]

كما يقول القديس إيرينيؤس: [هذا نفسه إذن ما جاء المسيحُ ليُحييه، فكما في آدم نموت جميعًا، كما من الطبيعة الحيوانية، هكذا نحن في المسيح نحيا جميعًا، كروحيين، فلا نتخلَّى عن صنعة يدي الله بل نترك شهوات الجسد ونقبل الروح القدس. كما يقول الرسول في الرسالة إلى كولوسي: "أميتوا أعضاءكم التي على الأرض،" والتي كما يشرحها هو نفسه "الزنى والنجاسة والهوى والشهوة الرديئة والطمع الذي هو عبادة الأصنام". ترك هذه الأمور هو ما يكرز به الرسول ويقول إن الذين يمارسونها إنما هم جسدانيون كما من لحم ودم فقط، ولا يمكنهم أن يرثوا ملكوت السماوات. إذ يمثل نفوسهم إلى ما هو أسوأ بانحدارها إلى الشهوات الترابية ومن ثم فهم يوصفون بأنهم أيضًا ترابيون، تلك الأمور الرديئة التي عندما يحثنا الرسول أن نتركها – يقول في ذات الرسالة "تخلعون الإنسان العتيق مع كل أعماله" (كو 3: 9)، لكنه حينما قال ذلك لم يُزل بالشكل القديم للإنسان، وإلا صار من غير اللائق أن نتخلَّص من حياتنا بالانتحار![328]]

يقول القديس أمبروسيوس: [ما هو الموت في الحقيقة إلا دفن الرذائل وإحياء الفضائل؟ لهذا كُتِب: "فلتمت (ترحل) نفسي موت الأبرار، "أي" فلتُدَفن معهم (عد 10:23؛ كو 12:2)، لتُدفنَ خطاياها وتلبس نعمة الأبرار الذين "يحملون في أجسادهم سمات موت المسيح" (2 كو 10:4) وأيضا يحملون تلك السمات في نفوسهم[329].] [النفس التي أوشكت أن تَقْبَل الكلمة اللوغوس، يجدر بها أن تموت عن العالم (غل 14:6) وتُدفَن في المسيح (رو 4:6، كو 12:2)، فلا تجد إلا المسيحَ، فهذا هو الاستقبال اللائق الذي يطلبه منها لنفسه[330].]

ويقول القدّيس غريغوريوس أسقف نيصص: [كيف تقدرون أن تُطيعوا بولس الذي يحثّكم على تقديم أعضائكم ذبيحة حيّة مقدّسة مرضيّة إن كنتم تمتثلون بهذا العالم ولا تتشكّلون بتجديد أذهانكم، عندما لا تسلكون في جدة الحياة بل تبقون سالكين في روتين الإنسان العتيق[331]؟]

كما يقول القديس جيروم: [ليتنا ننصت إلى التصريح الذي يعلنه حزقيال المدعو "ابن آدم" (حز 2: 1) وذلك بخصوص فضيلة ذاك الذي بحق هو ابن الإنسان، أي الإنسان المسيحي؛ إذ يقول: "وآخذكم من بين الأمم وأرش عليكم ماءً طاهرًا فتطهرون من كل نجاستكم وأعطيكم قلبًا جديدًا وأجعل روحًا جديدًا في داخلكم" (حز 36: 24-26) لذلك فإن النشيد الذي ننشده هو تسبحة جديدة (رؤ 14: 3)؛ ننزع الإنسان القديم (أف 4: 22)، ولا نسلك بعتق الحرف لكن في جدة الروح (رو 7: 6). هذا هو الحجر الجديد الذي كُتِب عليه اسم جديد "لا يعرفه أحد غير الذي يأخذه" (رؤ 2: 17)[332].]

سادسًا: التمتُّع بفيض من الأكاليل. يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الله من أجل فيض حُبِّه علينا، يسمح للمؤمن بميتات كثيرة لكي ينال أكاليل كثيرة. الأكاليل التي ننالها ليس حسب طول عمر الإنسان المجاهد، وإنما حسب قبوله الفيض من الميتات كل يومٍ. هذه الأكاليل ننالها لأن الميتات التي نقبلها تُحسَب ذبيحة مقبولة. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: ["من أجلك نمات اليوم كله" (رو 8: 36)... من الواضح أننا سنرحل ومعنا أكاليل كثيرة إذ نعيش أيامًا كثيرة، أو بالحري ننال أكاليل أكثر من الأيام بكثير، إذ يمكن أن نموت في يوم واحد لا مرة ولا مرتين بل مرات كثيرة. لأنه من كان مستعدًا لهذا يبقى ينال مكافأة كاملة على الدوام.] وأيضًا يقول: [لقد أظهر (الرسول) أيضًا أن أجسادنا قد صارت ذبيحة، فيليق بنا ألا نرتبك ولا نضطرب عندما يأمر الله بتقديمها.]

سابعًا: نصير أكثر من غالبين. ماذا يعني أننا أكثر من غالبين؟

ا. أن المكائد التي توضع لتحطيمنا تهبنا حياة النصرة.

ب. نقبل الإماتة دون تعب ومشقّة.

ج. نتحدَّى المُقاوِمين لنا، لا بمقاومتنا لهم، وإنما بأن نصير في عينيّ الله أعظم من الذين يسيئون إلينا بالضرب أو الطرد أو الاضطهاد. فإنهم حتى إن قتلونا يُحسَب عملهم هذا مُوَجَّه ضد الله القدير، فيعيشون في صراع ومرارة.

في هذا يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لأنه بالحقيقة لأمر عجيب، ليس فقط أننا غالبون وإنما غالبون بذات الأمور التي وُضِعَت كمكائد لنا. نحن لسنا غالبين فحسب وإنما "أكثر من غالبين"، إذ نمارس الغلبة بسهولة بلا تعب ولا مشقة، لأن الله يصارع بجوارنا، فلا تشك، فإننا وإن ضُرِبنا نُحسَب أفضل من الضاربين، وإن طردنا نغلب الذين يضطهدوننا، وإن متنا يبقى الأحياء (الذين يقتلوننا) في صراع... أنهم لا يحاربون البشر بل يقاومون القدير الذي لا يُغلَب![333]] ويقول القدّيس هيبوليتس: [العبارة "ذبحت ذبحها" (أم 9: 2) تعبر عن الشهداء في كل مدينة حيث يذبحون يوميًا من أجل الحق بواسطة غير المؤمنين، صارخين بصوت عالٍ: "إننا من أجلك نُمَات كل النهار، قد حُسِبنا مثل غنم للذبح"[334].] ويقول الشهيد كبريانوس: [ليس شيء من هذه الأمور يقدر أن يفصل المؤمنين أو ينزع الملتصقين بجسده ودمه... الاضطهاد هو اختبار للقلب وفحص له. الله يسمح به لنا لكي نُمَحَّص ونتزكَّى، إذ يودّ أن يزكي شعبه على الدوام، لكن معونته لا تقصر عن مساعدة المؤمنين في كل وقت وسط التجارب[335].]

ويقول القدّيس إيرينيؤس: [هنا تعبير "كل النهار" يعني كل الزمان الذي فيه تحتمل اضطهادات ونُذبَح فيه كغنم. هذا النهار لا يعني نهارًا يحتوي على اثنتي عشر ساعة إنما كل الزمان الذي فيه يتألم المؤمنون في المسيح يموتون لأجله[336].]

ثامنًا: الاتحاد العائلي مع الرسل. يكشف الرسول بولس عن بركة "الإماتة"، مُوَضِّحًا أن المؤمنين يمارسون حياة البذل والإماتة مع بقية الرسل. فممارسة المؤمن لحياة "الإماتة" تؤهِّله للدخول في علاقة أُسرية مع الرسل، إذ يقول الرسول: "إنكم في قلوبنا لنموت معكم ونعيش معكم" (2 كو 7: 3)

في استطراد يتحدث الرسول بولس مع شعبه ليكشف لهم عن مفهوم الحب الأبوي الصادق، فهو مستعد أن يموت معهم ويعيش معهم. هذا الحب لا يقوم على عواطف بشرية مُجَرَّدة، وإنما على شهوة الالتقاء معًا كأسرة واحدة في حضن اللَّه. ما يفرح قلب الرسول بولس هو توبتهم وخلاصهم وتمتعهم بالمجد الأبدي. تعزى الرسول بتوبة شعبه عندما سمع من تيطس عن توبتهم وتعزيات اللَّه لهم. لقد فرح تيطس نفسه إذ استراحت نفسه بهم (2 كو 13:7) وفرح معه وبه الرسول بولس. راحة الخادم في تعزيات شعبه الإلهية بالتوبة الصادقة.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إنه يظهر حنوًا عظيمًا حتى حين يُعامَل باستخفاف. إنه يختار أن يموت وأن يحيا معهم... إن حلَ الخطر، فمن أجلكم مستعد أن أحتمل كل شيءٍ. ليس الموت ولا الحياة ذات قيمة في ذاتهما عندي، فمن أجلكم أُفَضِّل الموت عن الحياة والحياة عن الموت[337].]

ويقول القديس أمبروسيوس: [الإنسان الذي له روح الكهنوت وفكره هو ذاك الذي بكونه راعيًا صالحًا يتقدم للموت من أجل قطيع الرب بروح ورعة. بهذا يكون (كموسى) في كسر شوكة الموت... الحب هو العضد الذي يزكيه، مقدمًا نفسه للموت من أجل مقاوميه[338].]

تاسعًا: التمتُّع ببرّ المسيح: مات السيد المسيح على الصليب، كي نموت معه فنحيا الرب ببرِّه. يقول الرسول بطرس: "الذي حمل هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة لكي نموت عن الخطايا فنحيا للبرّ الذي بجلدته شفيتم" (1 بط 2: 24).

يكشف لنا الرسول مفهوم آلام الصليب إنها ليست مُجَرَّد شجاعة وقدرة على الاحتمال، بل أساسها حب وبذل، إذ أراد بجلدته أي جراحاته أن يشفي جراحاتنا، فأحنى ظهره باختياره، ليحمل بطريقة سرية خطايانا في جسده، إذ "قَدَّم مرة لكي يحمل خطايا كثيرين" (عب ٩: ٢٨). "إنه سكب للموت نفسه وأُحصي مع آثمة، وهو حَمل خطية كثيرين، وشفع في المذنبين" (إش ٥٣: ١٢). غاية هذا العمل الخلاصي هو اتحادنا معه، وتمتُّعنا ببرِّه.

4. هل كان يمكن أن يمرض ليشفي أمراضنا؟

مات السيد المسيح ليس لخطية ارتكبها، وإنما لكي يُقِيمَنا من موتنا الذي حلّ بنا بسبب خطايانا. لكن لم يكن لائقًا به أن يمرض ليشفي أمراضنا. أبرز الآباء لنا لماذا اختار السيد المسيح أن يموت بالصلب. بآلام الحب أوضح لنا رعايته لنا إذ هو "راعي نفوسنا وأسقفها" (1 بط 2: 25)، يبحث عن كل نفس مريضة فاتحًا ذراعيه لكل ضال!

اختار الموت "على خشبة"، وهذا لم يكن جُزافًا، بل كما يقول أبونا البابا أثناسيوس الرسولي: [لم يكن لائقًا بالرب أن يمرض وهو الذي يشفي الآخرين... لقد جاء كمُخَلِّصٍ لا لينقذ موتًا خاصًا به، بل يموت نيابة عن الآخرين... لذلك قَبِل الموت الذي جاءه من البشر لكي ينزع بالكمال الموت. لو أن الموت حدث بصورة سرية، لما كان موته يشهد للقيامة... جاء بنفسه ليحمل اللعنة التي علينا (غل ٣: ١٣) وهذا هو الصليب. كيف يدعونا (نحن الأمم) ما لم يُصلب باسطًا يديه لدعوتنا؟ من أجل أن الصليب كان أفظع وجوه الموت وأقصى غاية المعاقبين، لذلك احتمل السيد المسيح الصلب طوعًا بكيان ناسوته المحتمل ذلك فداءً لبني آدم من أقصى غاية العقوبات للموت[339].]

يقول القديس أغسطينوس: [اختار الصليب ليذوق أَمَرّ العذابات، إذ يموت موتًا بطيئًا، إذ أطاع حتى الموت موت الصليب (في ٢: ٨).] يقول العلامة ترتليان[340]: [اختار الصليب إتمامًا للنبوات والرموز الواردة في العهد القديم.]

5. كيف نقتدي بالمسيح المصلوب؟

يقول الرسول "لكي نموت عن الخطايا فنحيا للبرّ" (1 بط 2: 24). يقول القديس أمبروسيوس: [لذلك هل صُلِبَت الخطية لكي نحيا لله؟ فمن يموت عن الخطية يعيش لله! هل تعيش لذاك الذي بذل ابنه حتى يَصْلِب شهواتنا في جسده؟ فإن المسيح مات عنا حتى نعيش في جسده المحيي لذلك فإنه لم تَمُتْ حياتنا بل مات عصياننا فيه... إذن خشب الصليب هو سفينة خلاصنا لعبورنا[341].]

ويقدم لنا القديس أمبروسيوس درسًا آخر إذ يقول: [من لا يتعلَّم أن يغفر لمضايقيه عندما يتطلَّع إلى المسيح وهو على الصليب يطلب من أجل مضطهديه؟ أما ترى أن هذه الصفات التي للمسيح – كما يحلو لك أن تقول – إنها قوتك[342].]

6. ما هي أنواع الميتات التي حلَّت على الرسول بولس؟

يُقَدِّم لنا الكتاب المقدس مثالاً رائعًا للاقتداء بالسيد المسيح ألا وهو الرسول بولس الذي اضطر أن يتحدث عن نفسه، ليؤكد لأهل كورنثوس صدق رسوليته، ولكي يقتدوا هم أيضًا بالمسيح يسوع المصلوب، قائلاً: "أهُم خدام المسيح، أقول كمختل العقل فأنا أفضل، في الأتعاب أكثر، في الضربات أوفر، في السجون أكثر، في الميتات مرارا كثيرة" (2 كو 11: 23).

إنه يعتزّ بنعمة اللَّه التي قادته وسندته لكي يحتمل أتعاب في الرسولية أكثر منهم. كرسولٍ للأمم أبغضه اليهود جدًا، وكالوا له متاعب واضطهادات أكثر مما فعلوه مع غيره من الرسل. كلما حانت الفرصة لمقاومته بذلوا كل الجهد لتعذيبه ومحاولة قتله.

أولاً: من جهة الأتعاب كان كثير الترحال من بلدٍ إلى بلدٍ، من مقاطعةٍ إلى أخرى. وكثيرًا ما كان يضطر إلى الانطلاق للكرازة في بلاد أخرى تحت ضغط المقاومين له والمصممين على قتله. كان يلمس يد اللَّه التي تحول المتاعب لانتشار الكرازة وإقامة مملكة النور عوض الظلمة في مواضع كثيرة.

ثانيًا: من جهة الضربات فهي أوفر، فقد تعرض لضربات الوثنيين الذين لا يحكمهم قانون معيَّن في وضع العقوبات، فضربوه بلا رحمةٍ بجلدات كثيرة (أع ١٦: ٢٣).

ثالثَا: "في السجون أكثر": تاريخ الرسول بولس كله مملوء بالسجون (أع ١١:٢١)، سُجِن على الأقل لمدة عامين في روما (أع ٢٨)، لكن لم يسمعوا عن رسول كاذب قد سُجِن.

رابعًا: "في الميتات مرارًا كثيرة" (أع 14: 19). كان يترقَّب الموت كل يوم بسبب كثرة ما تعرَّض له من متاعب واضطهادات. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ليس من أحد آخر وُهِب له مثل هذا الحُبّ للرب مثل هذه الروح الطوباوية. أقصد كأنه قد تحرَّر من الجسد وارتفع في الأعالي، قل أحسبه كمن وطأ الأرض وخلص نفسه من كل هذه العلامات. أنتم ترون أن شوقه للَّه وحُبَّه الملتهب رفع فكره من الأمور المادية إلى الروحية، من الحاضر إلى المستقبل، من المنظورات إلى غير المنظورات. هذا ما يجلبه الإيمان، الحب للَّه فوق كل شيء. لكي تبرهن هذا الاتجاه السليم تطلعوا إلى هذا الرجل بحُبِّه العظيم للرب، ورغبته المتقدة نحوه. كان مُطارَدًا ومُضطهَدًا وتحت العقوبة، وتحت آلام لا حصر لها... وإذ كان يعاني من كل هذه الأمور فرح وابتهج. ها أنتم ترون كيف كان مقتنعًا تمامًا بأن أتعاب الحياة الحاضرة هي فرصة لينال مكافأة عظيمة. وأن الأخطار هي مصدر الإكليل. أضف إلى هذا إن كان بدافع الحب لراحيل، حسب يعقوب فترة السبع سنين كأيامٍ قليلةٍ، كم بالأكثر هذا الطوباوي حسب كل هذه الأمور كلا شيء بسبب التهابه بحب اللَّه واستعداده لاحتمال كل شيء من أجل محبته للمسيح. أسألكم أيضًا اهتموا بمحبة المسيح. فالمسيح لا يطلب منكم شيئًا، سوى أن تحبوه من كل قلوبكم وتقبلوا وصاياه كما يقول الكتاب المقدس[343].]

[تقول: نجد في الكتاب إعجابًا بيعقوب بن اسحق وذلك لقوته (تك 32: 24). لكن أية نفس مهما بلغت صلابتها تعادل قوة احتمال بولس؟! لقد احتمل العبودية ليس فقط لمدة أربعة عشر عامًا (تك 29: 18، 27) بل كل أيام حياته من أجل عروس المسيح. احتمل ليس حر النهار وبرد الليل فحسب، بل عواصف من التجارب لا تُحصى، من جلدٍ ورجمٍ ومصارعة وحوشٍ مفترسة وأخطارٍ في البحر وأصوامٍ متواصلة نهارًا وليلاً وعُرىٍ وأخطارٍ في كل موضع (2 كو 23:11 الخ) حتى يتفادى الشباك ويخطف الحملان من بين أنياب الشيطان[344].]

[إنه يعرف حسنًا أن يُصَحِّح تلاميذه في الوقت المناسب، بطريقة جادة ولطيفة. بالتأكيد لديه مصادر أخرى كأن يوضح بها الحق الخاص بكرازته بآيات وعجائب، مع مخاطرٍ وسجونٍ، وميتاتٍ يومية، وجوعٍ وعطشٍ، وعريٍ وما أشبه ذلك. الآن لا يتحدث عن الرسل الكذبة بل عن الرسل الحقيقيين الذين اشتركوا في ذات المخاطر، مستخدمًا وسيلة أخرى. فإنه عندما أشار إلى الرسل وضع مقارنة معهم مظهرًا احتماله للخطر، قائلاً: "أهم خدام المسيح؟ ... فأنا أفضل أكثر، في الضربات أوفر، في الميتات مرارًا كثيرة"[345].]

خامسًا: الجلدات. يقول الرسول: "من اليهود خمس مرات قبلت أربعين جلدة إلا واحدة" (2 كو 11: 24). جُلِد خمس مرات من اليهود هؤلاء الذين لا تسمح لهم الشريعة بالجلد سوى أربعين جلدة (تث ٣:٢٥). فمن أجل تنفيذ الناموس جلدوه ٣٩ جلدة حتى لا يخطئوا في العدد فيكسروا الناموس.

حسب ما ورد في المشناة الإنسان الذي لا يحتمل الأربعين جلدة، يُجلَد ١٨ جلدة، ويُحسَب أنه قد وفى كل العقوبة[346]. وكان المحكوم عليه بالجلد تُربَط يداه في عمود، ويقوم خادم المجمع بنزع ثيابه أو تمزيقها حتى يصير ظهره وصدره عريانين. يوضع حجر خلفه يجلس عليه الخادم منفذ الحكم ويمسك بالسوط الذي من الجلد غالبًا به ثلاثة فروع. ثلث الجلدات على صدر المجرم، والثلث على كتفه الأيمن والثلث الباقي على كتفه الأيسر. يضرب الخادم بكل قوته، أما المجرم فينحني، لا يكون جالسًا أو واقفًا. ولم يكن يُسمَح بالجلد أكثر من مرة إلا بالنسبة للمجرمين العتاة جدًا.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [انظروا كيف لا يفتخر في أي موضع بصنعه الآيات بل باضطهاداته وتجاربه!... في كل موضع نجده في اضطراب وفي ثورة مما يحل عليه من ذويه ومن الغرباء. هذه شخصية رسولية؛ بهذه الأمور يُنسج الإنجيل[347].]

سادسًا: يُعَدِّد كثرة من المتاعب الخطيرة. يقول "ثلاث مرات ضُربت بالعصي، مرة رجمت، ثلاث مرات انكسرت بي السفينة، ليلاً ونهارًا قضيت في العمق" (2 كو 11: 25). ضُرِب بالعصي وذلك حسب القانون الروماني، وقد حدث ذلك في فيلبي (أع ٢٢:١٦)، أو تكرر ذلك مرتين أخريتين في مناطق أخرى، ورُجِم في لسترة (أع ١٩:١٤)، وانكسرت به السفينة، وقضى في العمق، ربما يقصد أنه وُضع في زنزانة في السجن الداخلي كسجين نهارًا وليلاً. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يعجب الناس من اسحق في أمور كثيرة، خاصة صبره. فقد حفر آبارًا (تك 18:26)، وحين نُزِعَت عنه أملاكه لم يتشاجر بل سمح بردم آباره، وكان دائم الترحال من مكانٍ إلى آخر. لم يحشد قواته ضد العدو، بل كان يرحل تاركًا وراءه ممتلكاته حتى يُشبِع عدوه رغبته في الظلم. أما بولس فحين رأى ليس آباره تُردَم بالتراب بل جسده يُرجَم بالحجارة لم يرحل من مكانه كما فعل هذا الرجل (اسحق)، بل جرى وراء راجميه وجاهد، حتى يقودهم إلى السماء. كلما سُدَّت الآبار كلما فجَّر بالأكثر فيه أنهار الاحتمال[348].]

كما يقول الرسول: "بأسفار مرارًا كثيرة، بأخطار سيول، بأخطار لصوص، بأخطار من جنسي، بأخطار من الأمم، بأخطار في المدينة، بأخطار في البرية، بأخطار في البحر، بأخطار من إخوة كذبة" (2 كو 11: 25). يتحدث هنا عن أسفاره من أجل الكرازة والاهتمام بالكنائس. بقوله "بأخطار سيول"، يفهم من الكلمة اليونانية potamoon أنها أنهار. وكما يقول أمبروسياستر كان الرسول في خطر من الأنهار في الشتاء حيث كان المطر ينهمر، دائمًا والأنهار تفيض على شواطئها. وبقوله "بأخطار لصوص" غالبًا ما هوجم من لصوص وقطاع طرق، ولكنه كشخص فقير لا يملك شيئًا لم يصبه ضرر في شيء، لكنه كان في خطر عظيم. وبقوله "بأخطار من جنسي": تطلع إليه اليهود كأخطر مرتدٍ عن الإيمان وكمقاومٍ للناموس الموسوي، حتى دبروا مؤامرة لقتله (أع ١٢:٢٣). وبقوله "بأخطار من الأمم" التي انطلق ليكرز بينهم. وبقوله "بأخطار في المدينة": فقد وضعت فتن مختلفة ضده خاصة في أورشليم وأفسس ودمشق.  وبقوله "بأخطار في البرية" التزم أن يعبر بها أثناء رحيله من مدينة إلى أخرى، وكان يتعرض إلى قطاع الطرق والوحوش المفترسة كما إلى البرد القارص ليلاً والحر الشديد في الظهيرة، وربما إلى جوعٍ وعطشٍ. وبقوله "بأخطار في البحر" حيث يتعرض لقراصنة البحار أو الزوابع الشديدة. يشير هنا إلى خطر انكسار السفينة حين أراد الجند أن يقتلوا المسجونين الذين على السفينة لئلا يهربوا إن تركوهم يسبحون، لكنه وهو الأسير، كان القائد الذي ينفذ الكل ما يقوله (أع 27: 42-44). وبقوله "بأخطار من إخوة كذبة": هِؤلاء الذين تظاهروا بالإيمان بالمسيح وانضموا إلى الكنيسة، لا لبنيانها بل لهدمها، ولكي يجدوا علة على الرسول بولس، فيثيروا الكنيسة في كورنثوس ضده. كما عانى أيضًا من المرتدين.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [تقول: يُعجَب كل بشرٍ بأيوب، وهو بحق يستحق ذلك، فإنه حارب في معركة عظمى، ويمكن أن يقف في مقارنة مع بولس في صبره، وفي طهارة حياته، وشهادته للَّه، وصراعه الشجاع مع الشيطان، ونصرته التي أنهى بها صراعه. لكن صراع بولس استمر ليس بضعة أشهر فحسب بل سنوات طويلة. كان دائمًا يندفع في فم الأسد، ويصارع في مواجهة تجاربٍ بلا عدد، مثبتًا أنه أكثر قوة من أية صخرة. لم يلعنه ثلاثة من الأصدقاء أو أربعة بل كل الإخوة الكذبة الخائنين، اُفتري عليه، تُفل عليه وُشتم[349].] [بالحقيقة إن غيرته الزائدة لم ُتشعِرُه بالآلام المصاحبة لحياته في الفضيلة. ولم يكن ذلك الأمر هو الوحيد العظيم في حياته، وإنما أيضًا لم يكن له دافع خفيٌ وراء سعيه نحو الفضيلة. إننا نتخاذل في تَحمٌل الآلام من أجل الفضيلة حتى لو عُرضت علينا المكافأة مُقدٌمًا، لكن بولس احتضن الآلام بمحبة بلا مُقابل، وتحْمَل بكل فرح ما اعترضه من صعوبات وعوائق في طريق الفضيلة. فلم يتضايق من ضعف الجسد أو ضغوط المسئولية أو بطش العادات ولا من أي شيء آخر. عِلاوة على ذلك فاقت مسئولياته كل مهام القادة والملوك، لكنه كان يزداد في الفضيلة يوميًا. وصار ازدياد المخاطر سببًا في التهاب غيرته بالأكثر، فقال "أنسى ما هو وراء وأمتد إلى ما هو قدام" (في 13:3)[350].]

ويقول القديس أغسطينوس: [يقتني البعض وظيفة الرعاة المكرمة لكي يرعوا قطيع المسيح، وآخرون يحتلون هذا لمركز لكي يتمتعوا بكرامات زمنية ومكاسب عالمية ترتبط بهذه الوظيفة. بالضرورة يوجد هذان النوعان من الرعاة، بعض منهم يموت والآخرون يخلفونهم، وهم مستمرون في الكنيسة الجامعة وحتى نهاية الزمن ويوم الرب للدينونة. إن كان في عصر الرسل وُجد أناس هكذا عانى الرسول من سلوكهم وأحصاهم ضمن التجارب التي حلت به: "بأخطارٍ من اخوة كذبة"، ومع هذا لم يطردهم بغطرسة بل بطول أناة احتملهم، فكم بالأكثر يقومون في أيامنا حيث يقول المسيح بكل وضوح عن عصرنا الذي قارب إلى النهاية: "بسبب الشر تبرد محبة الكثيرين" (مت ٢٤: ١٢-١٣). ما جاء بعد ذلك يعزينا ويرشدنا: "من يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص"[351].] [يا لعظم الشكاوى التي أثارها الرسول بولس ضد الأخوة الكذبة. ومع هذا فإنه لم يتدنس بصحبتهم الجسدية، بل اعتزلهم خلال نقاوة قلبه التي تميزه[352].]

 يرى القديس أغسطينوس أن الرسول بولس هنا في دحضه للرسل الكذبة استخدم الحكمة مع البلاغة مع أنه يقول بأنه يتكلم "كأنه في غباوة". "الحكمة هي قائدة له، والبلاغة هي رفيقة له، تبع الأولى والثانية هي التي تبعته، ومع ذلك لم يستخف بها عندما تبعته"[353].

سابعًا: أتعابه التي اختارها بإرادته. "في تعبٍ وكدٍّ، في أسهارٍ مرارًا كثيرة، في جوعٍ وعطشٍ، في أصوامٍ مرارًا كثيرة، في بردٍ وعريٍ" (2 كو 11: 27). كانت المتاعب رفيقة له أينما حلّ. قضى الرسول بولس ليالٍ كثيرة في أسهارٍ، تارة بإرادته مصليًا من أجل الخدمة أو كارزًا مبشرًا، وتارة بغير إرادته أثناء اضطهاده. عانى الرسول أيضًا من البرد عندما انكسرت السفينة عند جزيرة مالطة وجاء الشعب لينقذه (أع 28: 1-10). يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [تقول: أكل يوحنا المعمدان جرادًا وعسلاً بريًا (مت 4:3)، أما بولس فمع أنه عاش في العالم ولم يسكن البرية ولم يأكل جرادًا ولا عسلاً بريًا لكنه كان مكتفيًا بمائدة أكثر بساطة ونسكًا، متجاهلاً حتى الضرورات من أجل غيرته للكرازة[354].]

7. ماذا يقصد الرسول بقوله "حاملين في الجسد كل حين إماتة الرب يسوع" (2 كو 4: 10)؟

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم عليها قائلاً: [إلى الآن لم تحتملوا الموت، إنما امتدت خسارتكم عند المال والكرامة والطرد من موضع إلى آخر. على أي الأحوال، لقد بذل المسيح دمه من أجلنا، أما أنتم فلم تفعلوا هذا لأجل أنفسكم. لقد صارع من أجل الحق حتى الموت من أجلكم، أما أنتم فلم تدخلوا بعد في المخاطر التي تهدد بالموت[355].] [يسألنا بولس أن نكون أمواتًا للعالم، فإن هذا الموت نافع لنا، بكونه بدء حياة جديدة. هكذا أيضًا يأمرنا أن نكون جهلاء للعالم، لكي بهذا ندخل إلى الحكمة الحقيقية. تصيرون جهلاء لهذا العالم عندما تحتقرون الحكمة الأرضية، وتثقون أنها لا تساهم في إدراكنا للإيمان[356].]

كما يقول: [من جهة الراحة، ماذا نجد في العالم سوى حربًا دائمة مع الشيطان، وصراعًا في معركة دائمة ضد سهامه وسيوفه؟! حربنا قائمة ضد محبة المال والكبرياء والغضب وحب الظهور، وصراعنا دائم ضد الشهوات الجسدية وإغراءات العالم. ففكر الإنسان يحاصره العدو من كل جانب، وتحدق به هجمات الشيطان من كل ناحية. وبالجهد يقدر للفكر أن يدافع، وبالكاد يستطيع أن يُقاوم في كل بقعة. فإن استهان بحب المال، ثارت فيه الشهوات. وإن غلب الشهوات انبثق حب الظهور. وإن انتصر علي حب الظهور اشتعل فيه الغضب والكبرياء، وأغراه السُكر بالخمر، ومزّق الحسد وفاقه مع الآخرين، وأفسدت الغيرة صداقاته. هكذا تعاني الروح كل يوم من اضطهاداتٍ كثيرةٍ كهذه ومن مخاطرٍ عظيمةٍ كهذه تضايق القلب، ومع هذا لا يزال القلب يبتهج ببقائه كثيرًا هنا بين حروب الشيطان! مع أنه كان الأجدر بنا أن تنصب اشتياقاتنا ورغباتنا في الإسراع بالذهاب عند المسيح، عن طريق الموت المعجل. إذ علمنا الرب نفسه قائلاً:لاً "الحق الحق أقول لكم أنكم ستبكون وتنوحون والعالم يفرح؛ أنتم ستحزنون، ولكن حزنكم يتحول إلي فرح" (يو 20:16)... لقد أعلن الرب نفسه أيضًا عن وقت تحويل حزننا إلي فرح بقوله: "ولكن سأراكم أيضًا فتفرح قلوبكم ولا ينزع أحد فرحكم منكم" (يو 20:16). مادام فرحنا يكمن في رؤية المسيح... فأي عمى يُصيب فكرنا، وأيسخافة تنتابنا متى أحببنا أحزان العالم وضيقاته ودموعه أكثر من الإسراع نحو الفرح الذي لا ينزع عنا؟![357]]

ويقول القديس أمبروسيوس: [ما هو الموت في الحقيقة إلا دفن الرذائل وإحياء الفضائل؟ لهذا كُتب: "فلتمت (ترحل) نفسي موت الأبرار، "أي" فلتُدَفن معهم (عد 10:23، كو 12:2)، لتُدفنَ خطاياها وتلبس نعمة الأبرار الذين "يحملون في أجسادهم سمات موت المسيح" (2 كو 10:4) وأيضا يحملون تلك السمات في نفوسهم[358].]

يقول العلامة أوريجينوس: [نزل هو إلى موتنا حتى إذ يموت للخطية نحمل في جسدنا موت يسوع فنتقبل حياته الأبدية. فإن هؤلاء الذين دومًا يحملون في جسدهم موت يسوع سينالون حياة يسوع أيضًا مُعلنة في أجسادهم[359].] [إن كان أحد وهو إنسان يميت الشهوات الإنسانية، فيميت بالروح أعمال الجسد، ويحمل دومًا في الجسد موت يسوع حتى يبلغ إلى مرحلة الطفل الصغير الذي لا يذوق الملذات الحسية ولا يكون له إدراك بالدوافع الخاصة بالبشرا[360].]

يقول القديس أغسطينوس: [الذي يُخضع جسده لخدمة اللَّه يضع السراج على المنارة، فيكون التبشير بالحق في مرتبة أعلى وخدمة الجسد في مرتبة أدنى. ومع هذا فإن التعاليم تزداد وضوحًا بصورة محسوسة باستخدام الحواس الجسدية، أي عندما تُسخر الحواس المختلفة في التعليم، لذلك يضع الرسول سراجه على المنارة عندما يقول هكذا: "أُضارِب كأني لا أضرب الهواءَ. بل أقمع جسدي وأستعبدهُ حتى بعدما كرزت للآخرين لا أصير أنا نفسي مرفوضًا" (1 كو 9: 26-27)[361].]

يقول القديس كيرلس السكندري: [الذين صاروا تابعين حقيقيّين للمسيح مخلصنا جميعًا يصلبون أجسادهم ويميتونها، وذلك بانشغالهم دائمًا في أتعاب وجهادات لأجل التقوى، وبإماتتهم شهوة الجسد الطبيعة[362].] [فيه كياننا جميعًا، إذ قد أعلن ذاته إنسانًا، لكي يميت الأعضاء التي على الأرض، (كو 5:3، رو 23:7) أي شهوات الجسد، ولكي يطفئ نار ناموس الخطية التي تضطرم في أعضائنا، وحتى يقدس طبيعتنا، فيكون لنا نموذجنا الأمثل ومرشدنا في طريق التقوى، ويكملً استعلان الحق بحسب المعرفة وبحسب طريق الحياة التي تفوق إمكانياتنا الخاصة، هذا كله قد أتمه المسيح حين صار إنسانا[363].] [قد أماتوا أعضاءهم التي على الأرض، واهتموا فقط بتلك الأمور التي لا تغضب الناموس الإلهي، وهو بالحري يستخدم الكلمة التي تحل محل كلمة مجد أو أن الذين يحكمون مع المسيح سيكونون محط حسد الآخرين مستحقين كل إعجاب[364].]

8. ما هو مفهوم الإماتة في الحياة النسكية؟

جاء في فردوس الآباء: [قال الأب أبرآم الذي من المنطقة الشرقية: "إذا ثابر الإنسان على إماتة الجسد فهو يفوز بالنصرة ويعاين قوة الرب وعجائبه".]

[ذهب إنسانٌ به شيطان مرةً إلى الإسقيط، ومكث هناك مدةً طويلةً ولم يُشفَ، ثم أشفق عليه أحد الشيوخ ورشمه بالصليب وشفاه. فاغتاظ الروح الشرير وقال للشيخ: "ها أنت قد طردتني فسآتي إليك". فأجابه الشيخ: "تعال، فهذا يسرّني". ثم ظلّ الشيخ اثنتي عشرة سنة في حراسة الروح الشرير وإماتة ذاته. ولم يكن يأكل كل يوم سوى اثنتي عشرة ثمرة بلح، وبعد ذلك هرب الشيطان وتركه، ورآه الشيخ وهو يرحل فقال له: "لماذا تهرب؟ أمكث أيضًا". فأجابه الروح الشرير: "إنّ الله يسيطر عليك، لأنه هو وحده الذي له القدرة عليك".]

[قال أنبا بيشوي: لا يمكن للإنسان أن يصلِّي للرب بمخافةٍ إذا لم يمارس إماتة الذات والزهد، ولا يمكن للإنسان أن يُنقِّي قلبه بدون زهدٍ وتقشُّف. ولكنه إذا ثابر على زهده، فالرب يعطيه المخافة ونقاوة القلب ويمتلئ من نعم الرب".]

[سأل أخ أنبا بيمين: "هل يحاربكم الزنا، يا أبي، أنتم الشيوخ أيضًا مثلنا نحن اليوم؟" فقال له أنبا بيمين: "نعم يا ابني، إلاّ أنّ الجوع والعطش لا يسمحان لنا أن نفكر في الزنا، فنحن نرقب الشمس حتى لحظة غروبها لكي نأكل خبزنا القليل ونشرب نصيبنا القليل من الماء. إننا في زماننا كنا لا نكفّ عن أن نأكل عسلاً بدلاً من الخبز وشهد العسل بدلاً من الماء، لأن إماتة الذات تغيِّر الخبز في أفواهنا إلى عسل والماء إلى الشهد. ومع أننا لم نكن نقتل الجسد إذ كنا نجبره إلى ما يكفينا، كما أننا ما كنا نُخضِع الجسد إلى درجةٍ زائدةٍ عن الحدّ بل إلى قياس الدرجة المضبوطة التي من الرب".]

9. ما هو مفهوم الإماتة في الكرازة والخدمة؟

يقول القديس أغسطينوس: [كضعيفٍ أنعش الضعفاء، كما تفعل الدجاجة بفراخها. إذ شبه نفسه بالدجاجة، يقول لأورشليم: "كم مرة أردت أن أجمع أولادكِ كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا" (مت 23: 37). وأنتم ترون يا إخوة كيف تصير الدجاجة ضعيفة مع فراخها... جناحاها يتدليان، وريشها يتساقط، وصوتها يصير أجش، وكل أعضائها تصير غائرة وهزيلة، وكما قلت حتى عندما تراها بدون فراخها تعرف أنها أم. هكذا يسوع ضعيف ومتعب في رحلته. رحلته هي الجسد الذي أخذه من أجلنا. إذ كيف يكون لذاك الحال في كل مكان رحلة، هذا الذي ليس بغائبٍ في أي موضع؟... كان يسوع ضعيفًا في الجسد، لكي لا تصير أنت ضعيفًا، بل في ضعفه تصير قويًا، لأن "ضعف اللَّه أقوى من الناس" (1 كو 1: 25)[365].] [إن كنت تحب، فلتكن مستعدًا أن تُفقد. إن أردت أن تقتني الحياة في المسيح، لا تخف من الموت من أجل المسيح[366].]

يقول القديس كيرلس الكبير: [كل واحد منا نحن الذين نؤمن بالمسيح ونحب اسمه إن ترك بيتًا يتقبل المواضع التي هي فوق. وإن ترك آبًا يقتني الآب السماوي. إن ترك إخوته يجد المسيح يضمه إليه في أخوة له. إن ترك زوجة يجد له بيت الحكمة النازل من فوق من عند الله، إذ كتب: "قل للحكمة أنتِ أختي، وأدع الفهم ذا قرابة" (أم 7: 4). فبالحكمة (كزوجة) تجلب ثمارًا روحية جميلة، بها تكون شريكًا في رجاء القديسين وتُضم إلى صحبة الملائكة. وإذ تترك أمك، تجد أمًا لا تقارن، أكثر سموًا، "أورشليم العليا التي هي أمنا (جميعًا) فهي حرة" (غل 4: 26)... فإن من يُحسب مستحقًا لنوال هذه الأمور يُحسب وهو في العالم سامٍ وموضع إعجاب، إذ يكون مزينًا بمجد من قبل الله والناس. هذه الأمور واهبها هو ربنا كلنا ومخلصنا، تحسب أضعاف مضاعفة بالنسبة للزمنيات والجسديات[367].]

يقول القديس أغسطينوس: [كتب الطوباوي بولس إلى أهل كورنثوس أنه دائمًا يحمل في جسده إماتة يسوع، ليس افتخارًا بأنه وحده كذلك، بل يحثهم ويحثنا لنتبعه في هذا يا إخوتي. وليكن هذا دأب افتخارنا جميعًا في كل وقتٍ. وفي هذا اشترك داود قائلاً في المزامير "لأجلك نًمات كل النهار، حُسبنا كغنمٍ للذبح" (رو 8: 36) وقد صار هذا الآن فينا، خاصة خلال أيام العيد، حينما نصنع ذكرى موت مخلصنا. لأن من صار مثله في موته، واجتهد في ممارسة الفضائل، أمات أعضاءَه التي على الأرض، وصلب الجسد مع الشهوات والأهواء ويحيا حياة الروح القدس (في الروح) متمثلاً به.]


 

12. العبادة الكنسية والدموع

١. عن ماذا تُعَبِّر دموع المؤمن؟

في حديثي عن سرّ التوبة في الجزء الثالث من هذا العمل (الكاتيكزم)، كنت أود أن أَتحدَّث عن الدموع التي تُعَبِّر عن انسحاق القلب ورفض المؤمن للملذّات والشهوات الباطلة وممارسة الخطايا، غير أنني فضلت الحديث عنها هنا إذ ترتبط الدموع بالعبادة الكنسية في ممارسة التوبة والتمتُّع بفرح الروح الذي لا يُنطَق به حيث تقف النفس في دهشة أمام حب الله العجيب ودعوته للمؤمن أن يتمتَّع بالشركة معه بعمل نعمته الإلهية فيه.

في صلاة نصف الليل، في الخدمة الثانية يطلب المؤمن بروح التوبة: "أعطني يا ربّ ينابيع دموع كثيرة كما أعطيت في القديم للمرأة الخاطئة، واجعلني مستحقًا أن أبلل قدميك اللتين أعتقتاني من طريق الضلالة ...". وفي سيرة القديس أرسانيوس معلم أولاد الملوك، إذ التهب قلبه حبًا للرب، وترك غنى العالم وكرامته كمعلم لأولاد الملوك، انطلق إلى البرية في مصر، وكانت دموعه لا تتوقَّف لتعبّر عن رفضه لمباهج العالم، وأيضًا عن فرحه بالارتماء في حضن مُخَلِّصه، لهذا مع فيض دموعه التي لم تتوقَّف حتى لحظات انطلاق نفسه إلى الفردوس كان دائم الابتسامة. [قال عنه تلميذه دانيال أنه "كان دائم البشاشة وسط دموعه." وكأن صمته ووحدته ونسكه لا يحمل كبتًا بل فرحًا، ولا يخفي فراغًا بل شبعًا... كان صاحب القلب الكبير المُتَّسِع حبًا لله والناس. هذا ما قد انعكس على وجهه وملامحه، فصارت صورته شهادة حق لعمل النعمة الخفية فيه أكثر من الكلام والعظات[368].]

2. ما هي المناسبات التي وردت في الكتاب المقدس بخصوص الدموع التي سكبها السيد المسيح؟

شاركنا كلمة الله بتجسده في كل شيءٍ ماعدا الخطية. إذ صار طفلاً قدَّس الأطفال، ودعاهم إليه، كما دعانا أن نقتدي بهم، قائلاً: "لأن مثل هؤلاء يدخلون ملكوت السماوات" (مت ١٩: ١٤). وصام لكي يُقَدِّس أصوامنا، وصلى وهو قابل الصلوات مع أبيه لكي يُقَدِّس صلواتنا. وتألم وصُلِب ومات وقام من الأموات لكي نترنَّم مع الرسول: "مع المسيح صُلبت فأحيا لا أنا، بل يحيا المسيح فيّ" (غل ٢: ٢٠). وصعد إلى السماوات لكي بحقٍ نقول: "أقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات" (أف ٢: ٦).

والآن، بالنسبة للبكاء والدموع، بكى لكي يُقَدِّس دموعنا التي نسكبها، مقتدين به.

أشار الكتاب المقدس إلى موقفين بكى فيهما السيد المسيح، هما:

أولاً: سَكَبَ الدموع على أورشليم المقاومة للحق الإلهي. يقول مُعَلِّمنا لوقا البشير: "وفيما هو يقترب نظر إلى المدينة وبكى عليها، قائلاً: إنك لو علمتِ أنت أيضًا، حتى في يومك هذا، ما هو لسلامك! ولكن الآن قد أُخفي عن عينيك. فإنه ستاتي أيام ويحيط بك أعداؤك بمترسة، ويحدقون بك ويحاصرونك من كل جهة. ويهدمونكِ وبنيكِ فيك ولا يتركون فيك حجرًا على حجرٍ، لأنكِ لم تعرفي زمان افتقادك" (لو 19: 41-44) إنه يطلب بدموعٍ توبة أهل أورشليم حتى العاملين في الهيكل. إنه يدعو كل مؤمنٍ أن يصلي باكيًا من أجل كل رافضي الحق الإلهي، والمتهاونين في التمتُّع بالخلاص، سواء من الشعب أو رجال الكهنوت. بهذا يستطيع المؤمن أن يُصَلِّي ويبكي، وهو في مخدعه كما وهو على سرير الموت، بروح الحب لا الإدانة من أجل كل الساقطين في العالم. إن كان ابن سيراخ دعانا ألاَّ نعرف الخمول حتى في شيخوختنا وفي أمراضنا، فقد علَّمنا السيد المسيح بدموعه أن نُمارِس الحب والصلاة عن كل البشرية، كما نطلب صلوات الآخرين حتى الذين رحلوا عن العالم لشعورنا بالحاجة إلى مساندة الآخرين لنا نحن الضعفاء.

ثانيًا: إذ كان السيد قادمًا للقاء مع أختي الميت لعازر، الذي له أربعة أيام في القبر، وأن يقيمه من الموت وهو مربوط بملابس الدفن، لم يحتمل أن يرى الأختين تبكيان، فبكى هو أيضًا (يو ١١: ٣٥) ليُعلِن مدى حُبِّه للبشرية. إنه يشاركنا مشاعرنا! وهو عجيب في حُبِّه لبني البشر، لا يحتمل دموعنا، بل يقول: "حوِّلي عني عينيكِ فإنهما قد غلبتانيِ" (نش 6: 5).

يقول القديس أغسطينوس أن إقامة لعازر من الأموات ليست موضوع دهشتنا بل موضوع فرحنا. فليس من المدهش أن ذاك الذي يخلق بقوته أناسًا يأتي بهم إلى العالم أن يقيم ميتًا، لكنه أمر مُفرِح أنه يهبنا القيامة ويمتعنا بالخلاص[369].

جاء الفعل "بكي" (يو ١١: ٣٥) هنا في اليونانية مختلفًا عما ورد عن بكاء مريم وجمهور المحيطين بها (يو 11: ٣٣)، إذ بكاؤه ليس فيه عويل مرتفع مثلهم، بل انسابت الدموع من عينيه. إنها مُجَرَّد شهادة عملية لمشاعره العميقة، ومشاركة للمتألمين أمام الجموع التي لم تدرك بعد كيف تواجه الموت. وقد وجدت الجموع في هذه الدموع شهادة حية عن محبته للعازر (يو 11: 36).

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن كل ما صنعه السيد المسيح كان بحكمته الإلهية لكي تنتفع الجموع بصنع المعجزة، فمن جانب لم يتحدث مع مريم أمام الجموع بما قاله لمرثا حين التقت به منفردة، إذ تحدث عن إقامته للعازر. فلو سمعت الجموع ذلك حيث يحمل كثيرون له عداوة، لتركوه ورجعوا إلى أورشليم، ولم يروا إقامة لعازر. من جانب آخر أكد ناسوته في تلك اللحظات، حتى لا تنفر الجموع، إن تحدث عما يخص لاهوته.

بكى في صمتٍ، واضطرب ثم تنهَّد، وسأل عن موضع القبر. كل هذا أثار تساؤلات في أذهان اليهود، ورغبة في معرفة ما سيفعله دون نفورٍ من جانبهم[370].

ويقول القديس أغسطينوس: [بكى الرب نفسه أيضًا من أجل لعازر الذي سيُقِيمه إلى الحياة، بلا شك لكي يسمح لنا بمثاله أن نبكي على موتانا، وإن كان لم يعطنا وصيته بذلك، هذا مع إيماننا بأنهم يقومون إلى الحياة الحقيقية[371].] ويقول القديس جيروم: [لكي يُظهِر المُخَلِّص نفسه أن لديه مشاعر بشرية حقيقية حزن من أجل ذاك الذي سيُقيمه من الأموات[372].]

يطلب القدِّيس أمبروسيوس منا أن نسأل السيد المسيح أن يبكي علينا، قائلاً:

[لتهب لي يا رب أن تأتي إلى قبري، فتسكب الدموع عليّ، حيث جفّت عيناي ولم تعودا قادرتين على سكب دموعٍ كهذه من أجل معاصي. إن بكيت يا رب عليّ (كما على لعازر) فسأُنقذ... أنت تدعوني من قبر جسدي هذا، قائلاً: "هلم خارجًا (يو 11: 43)"، حتى لا يعود تفكيري ينحصر في حدود جسدي هذا الضيق، بل يخرج نحو المسيح ويحيا في النور، فلا أعود أُفَكِّر في أعمال الظلمة بل في أعمال النور...

ناد يا رب خادمك، رغم ربطه بسلسلة الخطايا، وتقييد قدميه ويديه، فإنه الآن مدفون في قبر الأفكار والأعمال الميتة. لكن عندما تدعوني أقوم حرًا، وأصير أحد الجالسين في وليمتك وتفوح في بيتك رائحة طيب ذكية.

إن كنت قد وهبت لأحد أن يخلص، فإنك تحافظ عليه أيضًا، فيقال عني: "انظر! إنه لم يحضر وسط الكنيسة، ولا تأدَّب منذ طفولته، بل كان هاربًا من الحكم. فجُذِب من أباطيل العالم، ودخل في صفوف المرتلين، بدلاً من أن يكون بين المولولين، وقد ثابر في كهنوته لا بقوته الخاصة بل بنعمة المسيح، وصار جالسًا بين المدعوين في الوليمة السمائية".

احفظ أيها الرب عملك، واحرس عطاياك التي وهبتها حتى لذاك الذي هرب منها. فإنني أعلم إنني لم أكن مستحقًا أن أُدعَى أسقفًا، لأنني انشغلت بهذا العالم، لكن نعمتك جعلتني على ما أنا عليه. وفي الحقيقة إنني أصغر جميع الأساقفة، وأقلهم استحقاقًا. ومع ذلك فقد تعهَّدت ببعض الأعمال الخاصة بكنيستك المقدسة، وسهرت على هذه الثمرة، وإذ اخترتني للكهنوت وأنا مفقود، لا تسمح بعد أن أكون مفقودًا وأنا كاهن. إن أول عطية هي أن أعرف كيف أحزن حزنًا عميقًا مع أولئك الذين يخطئون، لأن هذه هي أعظم فضيلة.]

٣. ما هي غاية البكاء والدموع عند أناس الله الباكين؟

يحدثنا الله عن الدموع والبكاء من خلال المؤمنين الباكين الذين كشفوا عن غاية الدموع عمليًا:

أولا: كشفوا عن سمات الدموع المقبولة لدى الله، والتي يعتزّ بها، وأيضًا سمات الدموع المرفوضة منه.

ثانيًا: كشفوا عن سمات الدموع المرضية عند الربّ. يسأل داود الرب ألا أن ُيبَكِّته بغضبه (مز 6: 1). فإنه لم يُصِلّ: "يا رب لا تبكتني". وإنما قال: افعل هذا كأب يُسَرّ بابنه. يقول إرميا: "أَدِّبني يا رب ولكن بالحق لا بغضبك لئلا تفنيني" (إر 10: 24). ويسأل داود أن تكون أحزانه تأديبات ابن لا عقاب إنسان منبوذ. فإن غضب الرب يُفني، أما حُبّه الأبوي فُيصلح ويُجبر ويُخَلِّص. يسأل داود الله أن يُبَكِّته في رحمة وصلاح وليس بغضبه، لأن من يصب الله غضبه عليه يهلك، إذ لله قضيبان، واحد للرحمة والآخر للغضب المروّع. يتحدَّث القديس بولس عن الأخير قائلاً: "تذخر لنفسك غضبًا في يوم الغضب واستعلان دينونة الله العادلة" (رو 2: 5).

ثالثًا: كان داود نبيًا باكيًا مثل إرميا النبي. كان داود أعظم من أن يحزن بسبب ضيقٍة خارجية، لكن عندما ثقلت الخطية جدًا على كاهل ضميره رفض أن يتعزَّى[373]، منتظرًا مراحم الله، الطبيب الحقيقي. إذ يصرخ إليه، قائلاً: "يا رب لا تبكتني بغضبك، ولا تؤدبني بسخطك. ارحمني يا رب فإني ضعيف، أشفني يا رب لأن عظامي قد رجفت... أعوم في كل ليلة سريري" (مز 6: 1-2، 6). هذه الصرخة ليست إلا اعترافًا بضعفنا الكامل وعجزنا عن خلاص أنفسنا وما رجاؤنا في أي صلاح إلا في المراحم الإلهية!

رابعًا: أوضح الرب أن المؤمنين لا يخجلون من أن يُقَدِّموا دموعهم للربّ علانية حتى الملوك والأنبياء والنساء والزناة وأيضًا الشعوب مثل أهل نينوى وإسرائيل كعلامة على صدق توبتهم ومحبتهم للربّ ورغبتهم في الرجوع إلى الرب مع كراهيتهم للخطية والفساد.

خامسًا: أوضحوا كيف امتدّ عمل دموعهم إلى أبنائهم وأحفادهم بل وصارت دموعهم بركة ودرسًا لشعوب جاءت بعد انتقالهم من العالم.

سادسًا: لم يوجد بين أناس الله والخطاة والتائبين من يكشف عن كل جوانب حياة الدموع، إنما كشف كل واحدٍ منهم عن جانب أو عدة جوانب، لكي نتعلَّم ونطلب حياة الدموع بما يناسب حياتنا وسلوكنا وظروفنا.

سابعًا: لم يوجد من بين البشر حتى العظماء والقديسين من لا يحتاج إلى الندامة والبكاء من أجل تمتُّعهم بعمل النعمة الإلهية فيهم.

والآن أرجو أن أبرز جوانب حياة الدموع من خلال بعض الأشخاص والشعوب في العهدين القديم والجديد، ومن نوعيات متباينة.

٤. ماذا قَدَّم داود النبي عن فاعلية الدموع المقبولة لدى الله؟

كشفت حياة داود النبي والملك ومزاميره (وأيضًا مزامير المرتلين الأخرين) عن تقدير الله واهتمامه بدموع مؤمنيه، وكيف يُحَوِّل أحزان الباكين إلى أفراح، وكيف تمتد فاعلية الدموع المصحوبة بالحب والتواضع والصلاة في حياة أجيال مُقبِلة في المستقبل.

أولاً: لقد أدرك داود أن الله يحفظ دموع أولاده كما في زقٍ ثمين. كأن الدموع المقدسة الصادقة تسجل اسم المؤمن في سفر الحياة الأبدية. قيل إنه كانت هناك عادة قديمة أن يضع الإنسان زقًا أو وعاءً تحت عينيه، يجمع فيه دموعه في أوقات الحزن والضيق، ويقوم بختمها، وحفظها في بيته. وعند موته تدفن معه هذه الأوعية بكونها تحتوي أقدس ممتلكاته. كانت هذه الأوعية من زجاج رقيق، مختلفة الأحجام من 3 إلى 6 بوصات في الطول.

عندما كان داود يقول: "خطيتي أمامي في كل حين" (مز 51: 3) ربما كان يضع أوعية دموعه أمام ذهنه، هذه التي تحتوي على دموع توبته التي كان يعَّوم بها سريره كل ليلة[374]. إذ يقول "تعبت في تنهدي أعوم في كل ليلة سريري بدموعي أذوب فراشي" (مز 6: 6). كما يقول: ""تيهاني راقبت اجعل أنت دموعي في زقك، أما هي في سفرك؟!" (مز 56: 8)

أدرك داود أنه بينما يراقب الأشرار خطوات الصديق للتخطيط لأذيته، إذا بالله يراقب الصديق وهو في هروبه، ليجمع دموعه كرصيد مجدٍ يُعد له. يهتم الأشرار بالبار للخلاص منه، ويهتم الله به لخلاصه. "أليس هو ينظر طرقي، ويحصي جميع خطواتي: (أي 31: 4). "وأما أنتم فحتى شعور رؤوسكم جميعًا محصاه" (مت 10: 30). ويسجل الله متاعب مؤمنيه ودموعهم في كتابه، كأحداث تشغل قلبه، تعلن دموعهم عن إخلاصهم وحبهم، فيعتز بها ويكافئهم عليها. إنه يحفظ دموعهم كما في زقٍ. لقد تشبَّه الرسول بولس بسيده فكتب لتلميذه المحبوب لديه جدًا: "مشتاقًا أن أراك، ذاكرًا دموعك لكي أمتلئ فرحًا" (2 تي 1: 4).

ثانيًا: إن كان داود الملك والنبي التقي يشعر بحاجته للتوبة بدموع، يليق أن ندرك أن الكل محتاجون إلى دموع التوبة. عُرِف داود منذ صباه أنه الشخص النقي القلب، إذ قال الرب وجدتُ داود بن يسى رجلاً حسب قلبي الذي سيصنع كل مشيئتي (أع 13: 22)، تحدث الكتاب المقدس بكل وضوح عن سقطاته، حتى نتعلَّم أننا مادمنا في هذا الجسد لا نأتمنه مهما كان ماضينا نقيًا، ومهما بلغ عمرنا، ومهما كان مركزنا الكنسي أو الاجتماعي. لم يسقط داود في شبابه في خطية الزنا، وللأسف سقط وهو بالغ السن ومتزوج وكان ملكًا. يقول القدّيس أغسطينوس: [أطفئ لهيب الخطيئة بدموعك، وابْكِ أمام الرب! اِبكِ مطمئنًا أمام الله الذي صنعك، والذي لا يحتقر ما صنعته يداه.]

ثالثًا: داود رجل التسبيح الذي كان يفتتح يومه بالتسبيح بالمزامير حتى وهو هارب من وجه شاول الملك، ولا ينام بالليل ما لم يُسَبِّح أيضًا. فلا يظن إنسان مهما كانت صلواته وتسابيحه وخدمته أنه معصوم من الخطأ.

رابعًا: لم يخجل داود الملك من وضع مزامير كثيرة عن التوبة، كما يعلن أنه وهو ملك يُعَوِّم كل ليلة سريره بدموعه. يرى البعض أنه بدموعه الغزيرة أشار إلى فاعلية المعمودية، إذ كان يُعوِّم كل ليلة سريره بدموعه. يقول القديس غريغوريوس النزينزي: [توجد معمودية (خامسة) وهي عاملة بالأكثر، معمودية الدموع حيث كان داود يُعَوِّم كل ليلة سريره، ويغسل فراشه بدموعه[375].]

خامسًا: أن حياة الدموع ليست خاصة بالرهبان والنُساك وحدهم مثل القديس أرسانيوس مُعَلِّم أولاد الملوك، وإنما يليق بكل مؤمنٍ أن يطلبها. ليقل الكل: "أعطني يا ربّ ينابيع دموع كثيرة كما أعطيت المرأة الخاطئة" (طلبة نصف الليل الخدمة الثانية).

سادسًا: ما دفعه على الدموع شعوره أنه غريب على الأرض. إذ يصرخ، قائلاً: "استمع صلاتي يا رب، واصغ إلى صراخي. لا تسكت عن دموعي، لأني أنا غريب عندك، نزيل مثل جميع آبائي" (مز 39: 12). وكما يقول القديس أغسطينوس: [حَرِّرني من خطاياي قبل أن أرحل حتى لا أذهب بآثامي. إنه يشير إلى مجال البركة، إلى المدينة السعيدة، إلى البيت السعيد، حيث القديسون شركاء الحياة الأبدية، شركاء الحق الذي لا يتغيَّر.] يختتم المرتل المزمور (39) بتوسل إلى الله كي يستجيب صلاته، مُقَدِّمًا هذا التوسل مشفوعًا بدموعه التي لا تجف، وباعترافه بتغرُّبه واشتياقه إلى اجتياز العالم كأرض غربة مُتمتِّعًا بغفران خطاياه. "استمع صلاتي وتضرعي، وانصت إلى دموعي ولا تسكت عني" (مز 39: 12). بدأ الصلاة، وإذ اشتدَّت الضيقة امتلأ قلبه تنهُّدات فصرخات، وأخيرًا صارت دموعه تتحدث بلغة يعجز اللسان أن ينطق بها. يُعَلِّق القديس يوحنا الذهبي الفم، قائلاً: [كان القديسون غرباء ونزلاء في هذا العالم... عاش إبراهيم في كل أموره ينتمي للمدينة الباقية. لقد أظهر كرمًا ومحبة أخوية ورحمة وطول أناة، وزهدًا في الثروة وفي المجد الزمني وفي كل شيء.] [لنكن غرباء كي لا يخجل الله من أن يُدعَى إلهنا، لأنه من الخزي لإلهنا أن يُدعَى إله الأشرار! إنه يخجل من الأشرار، ويتمجَّد إذا ما دُعِي إله الأبرار والرحماء والنامين في الفضيلة[376].]

سابعًا: دموعه المقدسة تزداد بلا توقُّفٍ. لأنها تُعَبِّر عن شوقه لله المتزايد بلا توقُّفٍ، إذ يقول: "لأن دموعي صارت لي خبزًا النهار والليل، إذ قيل لي كل يوم: أين هو إلهك؟" (مز 42: 3).

يرى القديس أغسطينوس [لم يقل المرتل "لأن دموعي صارت لي شرابًا" بل "خبزًا"، لأن الظمآن إن أكل خبزًا يزداد ظمأ... فدموع الاشتياق نحو اللقاء مع الله لا تروينا بل تلهب بالأكثر عطشنا إليه. كما يقول: [لم تكن دموعي مرارة لي بل "خبزي". هذه الدموع عينها كانت حلوة بالنسبة لي، وذلك لعطشي إلى الينبوع. وبقدر عجزي عن الشرب منه، في لهفة جعلت دموعي طعامًا].

دموعه لم تجف نهارًا ولا ليلاً، إذ لا تستطيع الانشغالات اليومية مهما كانت أهميتها أن تشغله عن طلب إلهه بدموعه، ولا راحة الليل تهدئ من هذا الحنين. إنه لا يخجل من أن يبكي بدموع في النهار علانيةً، مُعلِنًا ارتباطه بإلهه كما يرتبط الرضيع بأمه، ولا يقدر على الاستغناء عنها، كما يلذ له أن يبكي في الليل خفيةً ليُعلِن أعماق محبته لله. يشير النهار أيضًا لحالة الفرج أو الفرح، والليل إلى حالة الضيق والألم؛ وكأن المرتل يُعلِن أن دموعه لا تجف وسط أفراحه أو أحزانه، إذ تحت كل الظروف ليس ما يشغله إلا حنينه نحو الله!

في كبرياء وتشامخ وبسخرية يقول له الأعداء: أين هو إلهك؟ حسبوا طول أناة الله ضعفًا! أرادوا أن يُحَطِّموا رجاءه في الله، كأنه قد تركه، ولم يدركوا إنه سيد التاريخ وضابطه، إنه يتمهَّل ويطيل الأناة منتظرًا توبتهم ورجوعهم، أو ينتظر حتى يمتلئ كأس شرّهم.

5. ماذا يعني المرتل بقوله: "قد أطعمتهم خبز الدموع وسقيتهم الدموع بالكيل" (مز 80: 5)؟

إننا نسمع المرتل أساف أيضًا يقول على لسان الرب: "قَدْ أَطْعَمْتَهُمْ خُبْزَ الدُّمُوعِ، وَسَقَيْتَهُمُ الدُّمُوعَ بِالْكَيْلِ (مز 80: 5). ويرى البعض أن كل المزامير المنسوبة لأساف هي لداود قام بتلحينها أساف. ما يشغلنا المقارنة ما بين ما ورد في المزمور 42: 3، وما ورد في المزمور 80: 5. المزمور الأول يتحدث عن جوع وعطش المرتل داود للشوق لله والمتزايد بلا انقطاعٍ، أما المزمور 80 فيُصَوِّر مرارة النفس المنكسرة حين تنهمر الدموع على الخبز بسبب شدة الحزن، فتصير الدموع طعامًا أو شرابًا لها.

يرى البعض أن المعنى هنا إما أن جيراننا يصارعون ضدنا، أو يصارعون فيما بينهم بسببنا. وفي كلا الحالتين نصاب بالكثير من الأذى.

يرى القديس أمبروسيوس أنه يلزم أن تكون الدموع بكيلٍ، أي في حدود معينة لا نتعدها، لئلا تصير هذه الدموع مهلكة للنفس. فقد خشي القديس بولس لئلا يهلك الزاني التائب من فرط الحزن (2 كو 2: 7). ويقول العلامة أوريجينوس: [سيعطينا الله "خبز الدموع" ويسقينا "الدموع بالكيل"، هذا الكيل يكون حسب أخطاء كل واحد[377].] كما يقول الأب أنسيمُس الأورشليمي: [حتى خبزنا نأكله بالبكاء، وكأسنا تمتلئ بالدموع، كأنها ملء كيل؛ بمعنى أن دموعنا مُكالة وتقَّدر بآثامنا.]

ويقول القديس أغسطينوس: [ما هو الكيل؟ اسمع الرسول: "الله أمين، الذي لا يدعكم تُجربون فوق ما تستطيعون" (1 كو 10: 13). الكيل هو حسب قدرتكم. الكيل هو أن تتدربوا لا أن تتحطموا[378].]

6. هل تغني دموع الشوق لله عن دموع الحزن بسبب الضيق أو العكس؟

يقول القديس ديديموس الضرير: [مادام البكاء له معانٍ مختلفة، فإن الضحك يلزم أن يُفهَم تبعًا لهذا. فالبكاء ليس له معنى واحد، ولا أيضًا الضحك. أحيانًا يُمدَح الضحك، وأخرى يُوبخ. هكذا أيضًا يلزمنا أن نفهم البكاء بنفس الطريقة، فالضحك الممتدح يتطابق مع الحزن الممتدح، وبنفس الطريقة بالنسبة للضحك المذموم والبكاء. غالبًا الحياة التي تنكب بالأكثر على الشهوة، أكثر من محبة الله هي ضحك بطريقةٍ يصير بها الضحك نفسه إلهًا. كما يحسب البعض بطونهم آلهة، وآخرون محبة المال، فإنه يوجد من يحب التسلية ويود أن يكون فكاهيًا. وبهذا يبني مذابح للضحك حاسبًا إياه إلهًا، مقدمًا ذبائح له... على أي الأحوال يوجد ضاحك يستحق المديح. يقول الله: "يملأ فاك ضحكًا" (أي 8: 21) (بلا شك) بواسطة ضاحك مستحق المديح. هذا يطابق ثمر الروح الذي هو الفرح، لأن "ثمر الروح هو محبة، فرح، سلام" (غل 5: 22). الضاحك الذي يطابق الضحك بالفرح ممتدح. أي حزن يضاد هذا النوع من الضحك، ويقاوم فرح الروح القدس مستحق للذم. مثل هذا الحزن لن يسند أورشليم (لو 19: 41؛ 23: 28)... ولماذا الأمر هكذا؟ لأنه لا يتوب في الوقت اللائق بالتوبة[379].

ويقول القدِّيس أمبروسيوس: [يعلمنا بولس الرسول ألا نهجر أولئك الذين ارتكبوا خطية للموت، إنما نلزمهم بخبز الدموع (التي للتوبة)، لكن ليكن حزنهم معتدلاً. وهذا هو ما تعنيه عبارة: "سقيتهم الدموع بالكيل" (مز 80: 5). فحزنهم يجب أن يكون بكيلٍ، لئلا يبتلع التائب من فرط الحزن (2 كو 2: 7). وذلك كما قال لأهل كورنثوس: "ماذا تريدون، أبعصا آتي إليكم، أم بالمحبة وروح الوداعة؟!" (1 كو 4: 21). إنه يستخدم العصا، لكن بغير قسوةٍ، إذ قيل: "تضربه أنت بعصا، فتنقذ نفسه من الهاوية" (1 مل 23: 14)[380].]

ويقول الأب غريغوريوس (الكبير): [ينبغي أن نعظ الذين يحزنون بسبب أفعالهم الشريرة بطريقةٍ، أما الذين يبكون على خطايا الفكر فبطريقة أخرى. على الذين يبكون الأفعال الشريرة أن يتطهروا بحزنٍ كاملٍ وحقيقيٍ، لئلا يتورطوا ويصيروا مدينين بالأكثر بفعل الشرور، وكذلك بسبب شح دموع الندم. يقول الكتاب: "وسقيتهم الدموع بالكيل" (مز 80: 5)[381]، بمعني أنه ينبغي على الروح أن تشرب في ندمها علي الشهوة دموعًا بنفس النسبة التي تحوَّلتْ بها عن الله، فأصابها الجفاف بسبب الخطيئة[382].]

7. ماذا يعني المرتل بقوله: "إني قد أكلت الرماد مثل الخبز، ومزجت شرابي بدموع (مز 102: 9)؟

في المزمور 42: 3 رأينا أن دموع داود المقدسة تعلن عن جوعه وعطشه لله بلا توقُّف، وفي المزمور 80: 5 قيل: "قَدْ أَطْعَمْتَهُمْ خُبْزَ الدُّمُوعِ، وَسَقَيْتَهُمُ الدُّمُوعَ بِالْكَيْلِ" يصور مرارة النفس المنكسرة حين تنهمر الدموع على الخبز بسبب شدة حزن النفس، فتصير طعامًا أو شرابًا لها. أما في المزمور 102: 9 فيبرز أن الحزانى يضعون رمادًا على رؤوسهم وثيابهم، فإن اضطروا حتى إلى الأكل بسبب شدة الجوع، يتلوث طعامهم بالرماد المتطاير من جسمهم وثيابهم. أما المرتل فيأكل الرماد نفسه!

من العادات القديمة أن يكف الإنسان في حزنه عن الطعام، خاصة في حالة وفاة أحد أقربائه أو أصدقائه، ويلبس مسوحًا. هنا يُعَبِّر المرتل عن أقسى حالات الحزن، فلا يكف عن الطعام والشراب فحسب، إنما يكون كمن يأكل رمادًا يُحَطِّم جسمه، ويزيده عطشًا، وتنسكب دموعه بغزارة، وتتسلل إلى فمه كأنها شراب له.

يرى الأب أنسيمُس الأورشليمي أن المصائب لتي وردت في هذا المزمور تشير إلى ما أصاب اليهود بعد صلبهم المسيح الإله. صارت معيشتهم كالرماد الذي يبقى عن الذبائح التي كانوا يحرقونها، وامتزج شراب سرورهم بدموعهم. وصارت أيامهم كالظل، لأنهم يخدمون الشريعة التي هي ظل ورسم للشريعة الإنجيلية. فيبسوا مثل القش، وصاروا مأكلاً للبهائم ووقودًا للنار.

صار المرتل في حالة هزال شديد بسبب القلق أو الأرق، مُنهَك القوة تمامًا. فَقَدَ كل عضلات جسمه فصارت عظامه مغطاة بالجلد وحده. يقول القديس أغسطينوس: [كثيرون يتنهَّدون، وأنا أيضًا أَتنهَّد، فإنني أَتنهَّد لأنهم يتنهَّدون بسبب خاطئ. هذا الإنسان فَقَدَ قطعة مال، إنه يتنهَّد... إنه يرتكب غشًا ويفرح... إننا نود إصلاحهم، وإذ لا نستطيع نتنهَّد، وعندما نتنهَّد لا ننفصل عنهم[383].]

8. ماذا يعني المرتل بقوله: "الذين يزرعون بالدموع يحصدون بالابتهاج، الذَّاهِبُ ذهابًا بِالْبُكَاءِ، حَامِلاً مِبْذَرَ الزَّرْعِ، مَجِيئًا يَجِيءُ بِالتَّرَنُّمِ، حَامِلاً حُزَمَهُ" (مز 126: 5-6)؟

يقف المؤمن في دهشة، يمتلئ قلبه بالفرح السماوي، فيشعر كأن السماء قد احتلت قلبه، أو ارتفع إلى السماء. وتنهار الدموع في أعماقه لا لتُحَطِّم الفرح أو تحجبه، بل لترويه وتغذيه. تُرَى هل تحوَّل القلب إلى سماء متهللة أم نهر دموع يسقي مدينة الله التي في داخله. إن ضحك العالم يتعارض مع الدموع، أما الضحك الروحي، فيتناغم مع الدموع الروحية، يعملان معًا كأختين شقيقتين!

مسيحنا مصدر الفرح الحقيقي يقودنا في طريق الدموع ليعبر بنا إلى فرحه السماوي. لقد بكى السيد المسيح على لعازر كما على أورشليم وأيضًا في بستان جثسيماني. لقد وعدنا: "ستحزنون، ولكن حزنكم سيتحوَّل إلى فرحٍ" (يو 16: 20). هذا هو حصاد الدموع المقدسة. يقول إرميا النبي: "يا ليت رأسي ماءً، وعينيَّ ينبوع دموع، فأبكي نهارًا وليلاً" (إر 9: 1).

يقول القديس غريغوريوس النزينزي: [هذه الدموع هي مجاري المياه التي تفرح مدينة الله (مز 46: 4).] كما يقول: [لنزرع بالدموع كي نحصد بالفرح. لنظهر أنفسنا شعب نينوى، لا شعب سدوم (تك 19: 17، 23). لنصلح شرنا حتى لا نهلك. لننصت إلى كرازة يونان لئلا تكتنفنا النار والكبريت[384].]

ويقول القديس باسيليوس الكبير: ["وعند المساء يبيت البكاء... وفي الصباح ترنم" (مز 30: 6). تذكر أوقات الآم الرب... لتفهم ما أقول... في المساء بكى تلاميذ الرب عندما رأوه معلقًا على الصليب... وفي الصباح تعالت أصوات الفرح بعد القيامة... ركضوا في فرح يبشرون بعضهم البعض بالبشارة المفرحة... لقد رأوا الرب. وإذ تكلمنا بصفة عامة... يشير المساء إلى الحياة في هذا العالم... فالذين يبكون... بالفرح يتعزون حينما يأتي الصباح "طوبى للحزانى، لأنهم يتعزون" (مت 5: 4) طوباكم أيها الباكون الآن، لأنكم ستضحكون" (لو 6: 21) والذين أمضوا حياتهم... التي اقتربت من نهايتها... واقترب غروب شمسها... يقاومون الخطية بدموعٍ... سيفرحون عندما يأتي الصباح الحقيقي... "الذين يزرعون بالدموع يحصدون بالابتهاج" (مز 126: 5) في المستقبل[385].]

ويقول القدِّيس أغسطينوس: [هذا المزمور الذي يتحدث إلى روح المصممين على الاستمرار في الرحلة الروحية إلى الله، يناسب تمامًا ليعيننا في أوقات الحزن والكآبة. هذا العالم هو دون شك وادي الدموع الذي فيه يزرع الإنسان وهو باكٍ. إنه يسندك لتستمر في إيمانك. على أي الأحوال، إن شرحت ما يعنيه هذا السفر بالبذور التي نزرعها الآن. هذه البذور هي الأعمال الصالحة التي خلقها الله لكل واحدٍ منا أن يفعلها (أف ٢: ١٠). وقد خطَّط لنا أن نقمها بقوة روحه في وسط أتعاب هذه الحياة المضطربة. من يتعلَّم أن يمارس عمل الله في هذا العالم – وادي الدموع والأتعاب هذا – يصير متهللاً مثل المزارع المُجِدْ الذي يزرع البذار حتى في موت الشتاء، فهل تقدر الرياح الباردة والجو القاسي أن يمنعه عن العمل؟ حتمًا لا! هكذا يليق بنا أن نتطلع إلى متاعب هذه الحياة. تُلقى الملاهي في طريقنا بواسطة الشرير، بقصد أن نَحِد عن الأعمال الصالحة التي خُلقنا لكي نعملها. تطلعوا ماذا يقول المرتل: "من يخرج باكيًا..." بالحق يجد علة للبكاء، يجد كل واحدٍ منا ذلك. ومع هذا يلزمنا أن نسير، ممارسين أعمال الله الصالحة في طريقنا. كم نكون بائسين إن كنا قد دُعِينا للعمل بجديةٍ لكي نبكي فقط دون التطلع إلى أية ثمرة لعملنا. يا لنا من بائسين إن كنا لا نجد أحدًا يمسح دموعنا. لكننا نعرف أن الروح القدس يعمل لكي نستمر في الغرس وسط دموعنا. لأن الروح يعدنا خلال المرتل أننا نعود مندهشين بالفرح! نحمل ثمر تعبنا كتقدمة له[386].] كما يقول: [إن هذه الدموع تسقي بذرة الإيمان التي في قلوبنا.] كما يقول: [في هذه الحياة المملوءة بالدموع، لنزرع. ماذا نزرع؟ الأعمال الصالحة. أعمال الرحمة هي بذورنا. عن أية بذور يتحدث الرسول؟ "فلا نفشل في عمل الخير لأننا سنحصد في وقته إن كنا لا نكل" (غل 6: 9)... ليس من حقلٍ متسعٍ أكثر من المسيح، يمكننا أن نزرع فيه، هذا الذي أراد منا أن نُغرس فيه. تُربتك هي الكنيسة، اغرس فيها قدر ما تستطيع. لكن ليس لديك القدرة الكافية لتحقيق ذلك. هل لك الإرادة الصالحة؟ فإن كل ما تفعله يُحسَب كلا شيء ما لم يكن لديك الإرادة الصالحة، لا تكتئب إن كان ليس لديك ما تود أن تفعله مادام لك الإرادة الصالحة. ما هو الذي تغرسه؟ الرحمة! وما الذي تحصده؟ السلام! هل قالت الملائكة: "وعلى الأرض السلام للأغنياء"؟ لا، بل قالت: "على الأرض السلام للناس الذين لهم إرادة صالحة" (راجع لو 2: 14). كان لزكا إرادة صالحة، وكانت له محبة عظيمة (لو 19: 8)[387].] يرى القديس أغسطينوس في مثل السامري الصالح الذي يرمز للسيد المسيح بكونه الحارس الصالح، صورة واقعية للمؤمن الذي كان نازلاً من أورشليم إلى أريحا فوقع بين لصوصٍ، عروه وجرحوه ومضوا وتركوه بين حيّ وميت (لو 10: 30 الخ). لقد تحنَّن عليه السامري الصالح وصعد به إلى الفندق (غالبًا في أورشليم) واعتنى به. يطالبنا القديس أغسطينوس ألا نرتبك بسبب نزولنا وسقوطنا بين أيدي اللصوص، فإن مسيحنا يود أن يحملنا ويصعد بنا إلى كنيسته المقدسة. في صعودنا معه ننسى جراحاتنا وتتهلل نفوسنا وتُسَبِّح وتشكر، وتتقدَّم روحيًا، وتستقر في الفندق السماوي! كما يقول [ليتنا لا نفشل في غرس بذورنا وسط المتاعب. فإننا وإن كنا نزرع بالدموعٍ فسنحصد بالفرح... إن كنا قد نزلنا وجُرِحنا، فلنصعد (مع السامري الصالح)، ولنغنِ، ونتقدَّم، حتى نصل إلى الموقع (أورشليم)[388].]

ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يلزمنا أولاً أن نتعب ونجاهد وعندئذ نطلب الراحة. إنكم تجدون هذا يحدث في كل موضعٍ حتى في أمور هذه الحياة. لذلك يركز المرتل على هذه الأمور: الغرس ثم الحصاد. فكما أن الغارس يحتاج أن يبذل جهدًا وعرقًا ودموعًا... هكذا من يمارس الفضيلة. ليس شيء غير لائقٍ مثل التهاون بالنسبة للإنسان. لذلك جعل الله هذا الطريق ضيقًا وكربًا، ليس فقط في ممارسة الفضيلة، بل وحتى في شئون هذه الحياة، فقد جعلها متعبة، بل في الواقع أكثر من هذا. أقصد أن الغارس والبناء والمسافر والنجَّار والفنان، كل شخص في ذهنه يود أن يقتني ربحًا، يلزمه أن يتعب ويقدم جهدًا. كما تحتاج البذور إلى مطرٍ، هكذا نحتاج نحن إلى دموعٍ، وكما أن الأرض تحتاج إلى حرثٍ وحفر هكذا تحتاج النفس إلى متاعب، عوض المجرفة التي تُعزق بها التربة، حتى لا يوجد بها أعشاب مؤذية، ويتحول جمود الأرض إلى اللين... التربة التي لا تُعامل بالتعب لا تقدم شيئًا صالحًا[389].] كما يقول: [هل ترون أيها الأعزاء المحبوبون عظمة المنفعة الصادرة عن التجارب التي تحل (بالبار)؟ ألا ترون عظمة مكافأة احتماله؟ ألا ترون الرجل وزوجته المتقدمين في العمر، فمع كونهما هكذا يشهدان عن إحساسهما الصالح، وشجاعتهما ومحبتهما الواحد للآخر. ما هو مثل هذا الرباط من الحب؟ لنتمثل نحن جميعًا بهذا ولن يحل بنا إثباط الهمة أو نحسب أن حلول الضيقات علامة على ترك الله لنا أو دليل على الاستخفاف بنا. بالحري ليتنا نتعامل معها كأوضح دليل على العناية الإلهية من نحونا[390].]

يقول القديس مار اسحق السرياني: [آلام الزمان الحاضر التي تحدث من أجل الحق، لا يمكن أن تُقاس بالمجد العتيد المهيأ للذين يجتهدون في الأعمال الصالحة (رو 8 :18). وكما إن حزم الفرح (أشبه بحزم القمح) هي من نصيب الذين يزرعون بالدموع، هكذا الفرح يتبع الذين يتألمون من أجل الله. كما أن الخبز الذي يُقتنَى بعرقٍ كثيرٍ يبدو حلوًا للزارع، هكذا عذبة هي الأعمال من أجل البرّ في قلوب الذين نالوا معرفة المسيح[391].]

ويقول القديس ديديموس الضرير: [حينما ترون نفسًا نُفلَّح حسنًا، فتزرع بالدموع وتستعد للحصاد بصرخات الفرح (مز 126: 5)، فإن هذا الحقل المُفلَّح له ملك، اللوغوس، الذي يقود ويحكم ويملك[392].]

يقول القديس أمبروسيوس: [حقًا أشرقت نعمة الله على يُوسفَ حتى في صباه. لأنه حَلَم حُلمًا: أنه بينما كان يحزم حُزمًا مع إخوته (في الحقل). قد رأى في الرؤيا أن حزمته قامت فانتصبت بينما انحنت حُزَمُ إخوته وسجدت لها (تك 5:37-8). وهكذا استعلنت له قيامةُ المسيح العتيدة، فعندما رأوه في أورشليم، انحنى له الأحدُ عشر تلميذا وكل القديسين، وحينما يقوموٍن، ينحنون حاملين ثمار أعمالهم الصالحة، كما هو مكتوب "مجيئا يجيئون بالفرح (الترنم) حاملين حُزمَهم" (مز 6:126). وبالرغم من أن إخوته ازدروا بالحلم، وأنكروا واقعيته، بدافعٍ من حسدهم، إلا أنهم عبَّروا عن تفسيره له بكلامهم حينما أجابوا: "ألعلك تملك علينا ملكا؟" (تك 8:37)؛ لأن تلك الرؤيا حدَّدت الملِكَ الآتي، وقداّمه يسجد كلُ ذي جسدٍ بشرىٍ بركبٍ منحنيةٍ (راجع في 10:2)[393].]

ويقول الأب قيصريوس أسقف آرل: [ليته لا يخدع أحد نفسه يا إخوة ليس من وقت للضحك في هذا العالم. أنا أعلم أن كل أحدٍ بالحقيقة يريد أن يفرح، لكن ليس الكل يطلب الفرح في الموضع الذي يليق به[394].] ويقول ["الذين يزرعون بالدموع يحصدون بالفرح". قد يقول قائل: من المجحف أن نبكي، ومن الصعب تحمل الحزن. إن قيل هذا في وسطكم، فإنكم تدركون بصبر القلب الجمال الباهر الناتج عن الحقول تمامًا. فإن تأملتم بما فيه الكفاية في هذا لبدا لكم أنه ينشئ قبحًا، لكنه يثمر فيما بعد ثمارًا كثيرة. لهذا يليق بنا أن نراعي باجتهاد ألا نذرف دموعنا على الخسائر الأرضية، بل في اشتياق إلى الحياة الأبدية[395].] كما يقول [إذ نفكر في حال ضعفنا وكثرة التجارب وزحف الخطايا ومقاومة الشهوة وقوة الشهوات المدمرة التي تثور دائمًا ضد الأفكار الصالحة، نحزن على الدوام ونتأوَّه. حينئذ نتأهَّل أن نتهلل إلى الأبد في زمن الفرح والراحة والسعادة والحياة الأبدية القادمة[396].]

9. ماذا يقول الآباء عن الدموع المقدسة ودموع المتألمين؟

أولاً: الدموع هبة إلهية لمحبي القداسة. يقول القديس أغسطينوس: [بالحقيقة كلما كان الإنسان مقدسًا ومملوءً بالرغبة المقدسة تزداد بالأكثر دموع طلبته. أليس هذا هو قول مواطن أورشليم السماوية: "صارت دموعي طعامًا نهارًا وليلاً" (مز 42: 3)، و"أعوم سريري، وأبلل مضطجعي"، و"تنهداتي لا تتوقَّف" (مز 6:6)[397].] ويقول القديس يوحنا التبايسي: [كثرة حزن الدموع هي موهبة من الله، تُعطِى باجتهاد طلبات السائل[398].]

ثانيًا: من يبكي بحكمة يقتني الفرح العظيم والمجد الأبدي. يقول القديس أمبروسيوس: [من يقتني فرحًا عظيمًا إلا ذاك الذي يبكي كثيرًا، وكأنه ينال نعمة المجد العتيد بثمن دموعه؟![399]] كما يقول: [من أجلي حوَّلت نوحي إلى فرحٍ لي، مزقت مسحي، ومنطقتني بالفرح" (مز 30: 11). فرح الله لا يستقر في كل النفوس، بل في تلك النفوس التي بكت على خطاياها بدموعٍ مستمرةٍ، كمن مات لها عزيز لديها. مثل تلك النفس يُحَوِّل الله نوحها إلى فرح، والحزن نافع هنا... يبكي الأنبياء علينا، ويدعوننا لنبكي حتى نكتشف أخطاءنا في ضوء كلماتهم النبوية، عندئذ نبكي على هلاكنا، ونقمع جسدنا بالجهاد والتأديب. الإنسان الذي يسلك مثل هذا الطريق، تُمَزَّق مسوحه، ويلبس لباس العُرْس المُزيَّنة حتى لا يخرج خارج العُرْسِ (مت 22: 11-13)[400].]

ثالثًا: الفرح المُطوّب عطية للباكين. يقول العلامة أوريجينوس: [البكاء وحده يقود للضحك المطوّب![401]] ويقول القدّيس يوحنا الدرجي: [الشخص الذي يطوي طريقه في حزن وأنين مستمر من أجل حب الله، هذا لا ينقطع عن السعادة والفرح كل يوم[402].]

رابعًا: الدموع المقدسة هي الخبز السماوي. يقول القديس مقاريوس الكبير: [الدموع التي تسكب حقًا من حزنٍ شديدٍ، وكآبة قلب، وبمعرفة للحق، واحتراق في الداخل، إنما هي طعام للنفس، يأتيها من الخبز السماوي الذي سبقت مريم وأخذت منه، عندما جلست عند قدميّ الرب، وسكبت بحسب ما شهد لها المخلص نفسه. إذ قال: "لقد اختارت مريم النصيب الصالح الذي لن يُنزع منها" (لو 10: 42). فما أثمن الدرر التي تتساقط مع انسكاب وفيض الدموع المغبوطة![403]]

خامسًا: الدموع تقودنا إلى مدينة السلام. يقول القديس مقاريوس الكبير: [اجتهد للسير في الطريق الضيق لتدخل مدينة السلام، أورشليم المهيَّأة كعروسٍ لعريسها! ولكن الطريق إليها تعوزه دموع تُذرف ليلاً ونهارًا.

- أعوًم كل ليلة سريري بدموعي أبل فراشي! (مز 6: 6)

- صارت لي دموعي خبزًا نهارًا وليلاً! (مز 42: 3)

- قد أكلت الرماد مثل الخبز، ومزجت شرابي بدموعٍ! (مز 102: 9)

- يا رب لا تسكت عن دموعي، لأني أنا غريب عندك! (مز 39: 12)

- يا رب اجعل دموعي في زق عندك، أما هي في سِفْرِك؟ (مز 56: 8).]

سادسًا: الدموع مصدر تعزيات. يقول الأب أنسيمُس الأورشليمي: [أنت ترى دموعي كأنها تجاه عينيك، يا من تَعْلَم الخفيات، وحققت ما قد وعدت به قائلاً: "طوبى للحزانى، لأنهم يتعزون" (مت 5: 4).] ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [[ما من شيءٍ أحلى من تلك الدموع. أنها أحلى من الضحك، إن الذين يعترضون عليه لا يعرفون مدى التعزية التي لها، لا تظنوا أننا نزعم أن هذا الأمر مستنكر، بل هو أمر يجب الصلاة لأجله كثيرًا، لا لكي يخطئ الآخرون، بل، لكي حينما يخطئون، نحزن بانكسار قلب لأجلهم.] كما يقول القدّيس أغسطينوس: [إن من يبكي ههنا يلقى تعزيته حيث يخشى أن يبكي من جديد!] أيضًا يقول: [لتكن الدموع نصيبي الآن حتى تتعرَّى نفسي من أوهامها ويلبس جسمي الصحّة الحقّة التي هي الخلود. ولا يقل لي أحد: أنت سعيد؛ لأن من يقول لي أنت سعيد يريد أن يغويني![404]] [سفر طويل بدون دموع لا يكشف عن الرغبة في رؤية الوطن. إن كنت ترغب فيما لست فيه فأسكب دموعك. وإني أسألك أن تقول لله: لقد وضعت دموعي أمام وجهك (راجع مز 56: 8). وقول له: أصبح دمعي خبزي ليلاً ونهارًا! أصبح دمعي خبزًا لي: تعزّيت به حين انتحبت، واغتذيت منه حين جُعتُ. وأي بار خلا من هذه الدموع؟ إن من لم تكن له هذه الدموع لا يكتئب على غربته.]

يقول القدِّيس أمبروسيوس: [أدرك إرميا أن الندامة علاج عظيم، فاستخدمها لأجل أورشليم في مراثيه، وتقدم بأورشليم كتائبةٍ: عندما قال: "تبكي في الليل بكاءً، ودموعها على خديها. ليس لها معزٍ من كل محبيها... طرق صهيون نائحة" (مرا 1: 2، 4). بل وأكثر من هذا قال: "على هذه أنا باكية، ليت عيني تسكب مياهًا، لأنه قد ابتعد عني المُعزي، رادُّ نفسي" (مرا 1: 16). فكر إرميا أن يضيف هذه العبارة المُرَّة، لأنه وجد أن من يُعَزِّي الحزانى قد أُبعد عنه. فكيف تستطيع أن تنال راحة برفضك للتوبة رجاء الغفران؟

لكن ليت هؤلاء الذين يتوبون، يعرفون كيف يُقَدِّمون التوبة، بأية غيرة، وبأية مشاعر، وكيف تبتلع كل تفكيره، وتهز أحشاءه الداخلية، وتخترق أعماق قلبه، إذ يقول إرميا النبي: "انظر يا رب فإني في ضيق. أحشائي غلت، ارتد قلبي في باطني" (مرا 1: 20)... ويقول: "شيوخ بنت صهيون يجلسون على الأرض ساكتين، يرفعون التراب على رؤوسهم، يتنطقون بالمسوح. تحني عذارى أورشليم رؤوسهن إلى الأرض. كلت من الدموع عيناي، غلت أحشائي، انسكبت على الأرض كبدي" (مرا 2: 10، 11).]

سابعًا: الينبوع الداخلي يفيض بالدموع المقدسة. يقول ابن سيراخ: "من ينخس عينه يسيل الدموع، ومن ينخس القلب يبرز مشاعره (سيراخ 22: 24). جاءت هذه العبارة في كتابات العلامة أوريجينوس أن العين والقلب هنا الحياة الداخلية. يليق بالمؤمن أن يشرب من ينابيعه الداخلية، أي من بصيرته وعواطفه. إن كان كلمة الله بتجسده حلّ في وسطنا، ليُقِيم ملكوته فينا (لو 17: 21)، فقد وجَّه أنظارنا إلى أعماقنا، لنراه عاملاً فينا. جاء لا مستخّفًّا بنا، بل مكرّمًا إيَّانا باتحادنا، وتمتُّعنا بأعماله الفائقة. ويدعونا أوريجينوس[405] أن نضرب العين والقلب بالصلاة بإيمان؛ نطلب عمل الله فينا، كما نطلب المزيد من عطاياه. وكما جاء في المزامير: "افتح فاك وأنا أملأه" (مز 81: 10).

في حديث العلامة أوريجينوس عن عمل الروح القدس في الإنسان، يسألنا أن نشرب المياه الحية من ينابيعنا وآبارنا الداخلية. إنه يقول: [دعونا نعمل حسب نصيحة الحكمة لنا القائلة: "اشرب مياهًا من جبَّك، ومياهًا جارية من بئرك. ولتكن لك..." (أم 5: 15، 17). تأكد أيها القارئ أن لك بئرك وينبوعك، حتى إذ تمسك الكتاب المقدس، تبدأ تعبِّر خلال تعليمك النص، وذلك بانسجام مع ما تعلَّمته من الكنيسة، وأيضًا تحاول أن تشرب من مصدرك الداخلي الروحي. في داخلك ينبوع مياه حيّة (تك 26: 19)، شرايين دائمة، وفيض غزير جارٍ، مع فهم عقلي مادام لا يصطدم بالأرض ومخلفات الصخور. لتستمر عاملاً لحفر أرضك وتنقيتها من الدنس، فتزيل الكسل عن نفسك، وتطرد الخمول من قلبك. اسمع ماذا يقول الكتاب المقدس: "اضرب العين فتسيل الدموع، واضرب القلب فينتج فهمًا" [19]. يلزمك أيضًا أن تُطَهِّر روحك، فتشرب من ينابيعك الحيّة. بالحقيقة إن قبلت كلمة الله في داخلك، يصير فيك ينبوع مياه يفيض حياة أبدية[406].]

ثامنًا: يتطلَّع الرب إلى دموع الفئات المظلومة وصراخهم. أبرز ابن سيراخ اهتمام الله برعاية الفئات المظلومة. أُذنا الرب تنصتان إلى تضرُّعات الأيتام والأرامل ودموعهم وصرخاتهم. "أليست دموع الأرملة تسيل على خديها، وتصرخ ضد من تسبَّب فيها؟ (سي 35: 18). يقول الأب فلجنتيوس: [هكنا نغلب الخصم، إن كنا نحارب بالدموع والصلوات والقلب المنكسر على الدوام. مكتوب: "صلاة المتواضع تخترق السحب... ولا يكف حتى يفتقده العليّ". لذلك بكاء المتواضع يساهم بقوة عظيمة في تدمير الشهوة الجسدانية. الدموع الصادرة من وخز القلب تهزم العدو وتقتني لحسابنا عطية السعادة الغالبة[407].]

تاسعًا: الدموع تُعد ملابس العُرْس. يقول القدّيس يوحنا الدرجي: [الإنسان المتسربل بثوب الأنين المقدّس الذي أنعم به الله عليه، يكون كمن ارتدى ملابس العُرْس ويعرف فرح النفس الروحي.]

عاشرًا: الدموع المقدسة لا تبعث الكبرياء فينا. يقول الأب نيلس السينائى: [عندما تسكب فيضًا من الدموع أثناء الصلاة لا تفتخر بذلك، ظانًا في فكرك أنك أفضل من آخرين، بل إن اعترافك بخطاياك وهبك دموعًا استجلبت حنان الله[408].]

حادي عشر: دموع الحكمة السماوية. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [حينما نعامل إنسانًا خاطئًا، يجب أن نبكي حزانى ومتنهدين، وإذا ما نصحنا أحدًا ولم يستجب، بل يمضي إلى الهلاك، يجب أن نبكي. فهذه هي دموع الحكمة السماوية، وحينما يكون إنسان في فقرٍ، أو في مرض جسماني، أو ميتًا، لا نبكي، لأن تلك أمور لا تستحق الدموع.]

ثاني عشر: تنسكب الدموع من العينين الجسديتين لكنها تُحسَب بنت النفس. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ما من شيء أحلى من الدموع، لأنها هي أشرف عضو تعرفه وأجمل الأعضاء وهي بنت النفس. لهذا ننحني لها، كأننا رأينا النفس ذاتها تنوح[409].]

ثالث عشر: حاجتنا أن يتطلع الرب إلينا فنتمتع بالدموع المقبولة. يقول القديس أمبروسيوس: [انظر إلينا يا ربنا يسوع لنعرف البكاء على خطايانا[410].] كما يقول: [حسنة هي الدموع التي تغسل الخطية! من يلتفت إليهم الرب وينظرهم يبكون، فإن بطرس أنكر أولاً ولم يبكِ، لأن الرب لم يلتفت ولا نظر إليه. أنكر للمرة الثانية ومع هذا لم يبكِ... وفي المرة الثالثة أنكر أيضًا، وإذ التفت إليه يسوع ونظره عندئذ بكى بمرارة... لا نستطيع القول بأنه (مجرد) التفت إليه بعينيه الجسديتين ونظر إليه في عتاب منظور واضح، إنما تحقق هذا داخليًا في الذهن والإرادة... تلامس معه الرب برحمته في صمت وسرية، فذكره بنعمته الداخلية، مفتقدًا بطرس وحاثًا إياه، مقدمًا له دموعًا ظاهرة تُعَبِّر عن مشاعر الإنسان الداخلي. أنظر بأية طريقة الله حاضر بمعونته ليسندنا في الإرادة والعمل، يعمل فينا أن نريد وأن نعمل[411].]

رابع عشر: حاجتنا إلى دموع الكنيسة. يقول القدِّيس أمبروسيوس: [نؤمن أن الأحشاء الإلهيّة تُحَرِّكها دموع أُم أرملة أضناها الألم لموت وحيدها وهي أرملة. مشاركة الجموع لها في آلامها لم يسد الفراغ الذي تركه موت ابنها وحرمانها من الأمومة... لكنها ببكائها نالت قيامة ابنها الشاب، الابن الوحيد[412].] يرى القدِّيس أمبروسيوس في هذا المنظر صورة حيّة للكنيسة الأم التي لا تتوقَّف عن البكاء من أجلنا متضرِّعة إلى مسيحها ليردّ لها وحيدها ينطق بكلمة الحياة، إذ قيل "فجلس الميِّت، وابتدأ يتكلَّم، فدفعه إلى أُمّه" (لو 7: 15).

يقول القدِّيس أمبروسيوس: [إن أخطأت خطيّة مُميتة لا تستطيع أن تغسلها بدموعك، فاجعل أُمَّك تبكي عليك، التي هي الكنيسة، فإنَّها تشفع في كل ابن لها كما كانت الأرملة تبكي من أجل ابنها الوحيد. إنها تشترك في الألم بالروح، وهذا أمر طبيعي بالنسبة لها حينما ترى أولادها يدفعهم الموت في الرذائل المُهلكة، فإنَّنا نحن أحشاء رأفتها. حقًا توجد أحشاء روحيّة كتلك التي لبولس القائل: "نعم أيها الأخ ليكن لي فرح بك في الرب، أرحْ أحشائي في الرب" (فل 20). نحن أحشاء الكنيسة، لأننا أعضاء جسدها من لحمها وعظامها. لتبكِ إذن هذه الأم الحنون ولتشاركها الجموع لا الجمع وحده، حينئذ تقوم أنت من الموت وتخرج من القبر. يتوقَّف حاملو الموت الذي فيك وتنطق بكلمات الحياة، عندئذ يخاف الجميع ويرجع الكل وهم يباركون الله الذي قدَّم لنا مثل هذا الدواء الذي يخلصنا من وطأة الموت[413].]

خامس عشر: الدموع والثمر الروحي. يقول القدّيس مقاريوس الكبير: [كما أنه إذا سقط المطر على الأرض أنبتت وأنتجت الثمار، وفي ذلك راحة وفرح للناس، كذلك الدموع إذا ما وقعت على قلب أثمرت ثمارًا روحيّة وراحة للنفس والجسد معًا[414].]

10. هل لدموع الحزانى على ميت حدود معينة؟

يقول الرسول بولس: "لا أريد أن تجهلوا أيها الإخوة من جهة الراقدين، لكي لا تحزنوا كالباقين الذين لا رجاء لهم" (1 تس 4: 13). يقول الأب أفراهاط: [الخاطي وهو حي ميت لله، أما البار فإنه وهو ميت حي لله. مثل هذا الموت يحسب رقادًا، وكما يقول داود: "أنا اضطجعت ونمت ثم استيقظت" (مز 3: 5). ويقول إشعياء: "استيقظوا يا سكان التراب" (إش ٢٦: ١٩). ويقول الرب عن ابنة رئيس المجمع: "الصبية لم تمت ولكنها نائمة" (مت ٩: ٢٤). وعن لعازر يقول لتلاميذه: "لعازر حبيبنا قد نام، لكني أذهب لأوقظه"(يو ١١: ١١)[415].] إنه يدعو الأموات بالراقدين، لأن نفوسهم قد تمتعت بالقيامة من الأموات خلال دفنهم مع السيد المسيح في المعمودية، فلا سلطان للموت عليها.

ما دام الموت رقادًا، يليق بنا ألا نحزن بلا رجاء من جهة الراقدين كمن هم بلا إيمان. لقد بكى السيد المسيح عندما خرت مريم عند قدميه قائلة: "يا سيد، لو كنت ههنا لم يمت أخي!" (يو ١١: 3٢)، حتى "قال اليهود: أنظروا كيف كان يحبه" (يو 11: 36).

يقول القديس أمبروسيوس: [ليس كل بكاء ينبع عن عدم إيمان أو ضعف. فالحزن الطبيعي شيء، وحزن عدم الثقة شيء آخر. هناك فارق كبير بين الاشتياق إلى ما فقدناه والنحيب (بيأس) على ما فقدناه. هذا ويلاحظ أنه ليس الحزن فقط يسبب دموعًا وإنما للفرح أيضًا دموعه[416].] وكتب القديس باسيليوس الكبير إلى كنيسة بارنوسيوس شمال كبادوكية مؤكدًا لهم أن الرسول لم ينزع عنا بكلماته هذه مشاعرنا نحو الراقدين، إنما يحذرنا من الاستسلام للحزن، إذ يقول: [لست أعني بهذا أننا نكون بلا إحساس نحو الخسارة التي لحقت بنا وإنما ألا نستسلم لحزننا[417].]

يقول ابن سيراخ: "ابكِ بمرارة، وارثِ بحرارة، وأقم المناحة بحسب منزلته يومًا أو يومين تجنبًا للافتراء، ثم تعزَّ عن حزنك. فإن الحزن يؤدِّي إلى الموت، وحزن القلب يُنهِك قوَّتك. أيضًا يمكث الحزن في المحنة، وحياة المسكين تُرهِق قلبه. لا تُسَلِّم قلبك إلى الحزن، بل اصرفه متذكِّرًا نهاية الحياة. لا تنسَ، أنه لا عودة (من هناك)، ولن تنفع الميت بالحزن، وإنما فقط تؤذي نفسك (سي 38: 17-21). البكاء المُرّ هنا يعني البكاء بمشاعر صادقة، وليس للمظهر الخارجي من أجل المشتركين في خدمة الجناز. هذا الإخلاص أفضل من الرثاء، إذ كثيرون يرثون الميّت ويمدحونه ليس من القلب. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [تحفظ من أن تحوط نفسك بطاغية الحزن. يمكنك أن تسيطر على نفسك، فإن العاصفة ليست أعظم من مهارتك.] [لا تكن قط مكتئبًا، فإنه لا يوجد سوى شيء واحد مخيف وهو الخطية.] [لا تتطلَّع إلى الجثمان الراقد بعينين مغلقتين وشفتين صامتتين، بل الإنسان القائم المُتمتِّع بالمجد غير المنطوق به والعجيب، وَجِّه أفكارك من الرؤية الحاضرة إلى الرجاء العتيد[418].] [هل حُرِمت من اللقاء معه فتبكي وتحزن؟ الآن أليس هذا ليس بالأمر غير المعقول إن سلَّمت ابنتك للزواج وأخذها زوجها إلى بلد بعيدة حيث تتمتع هناك بالثراء. فإنك لا تحسب هذا كارثة، لكن غناهما يعزياك عن الحزن المُتسبّب لغيابها. والآن هنا ليس إنسان بل الربّ نفسه يأخذ قريبك فهل تحزن وتنوح؟[419]] [قد تحزن وتبكي لكن لا تدع القنوط يحل بك، ولا تنهمك في الشكاوى. اشكر الله الذي أخذ صديقك لتجد فرصة لتكرم الراحل وفراقه عنك يصير مأتما. إن سقطت في حالة إحباط، فإنك تمنع عن الكرامة من الراحل، وتحزن الله الذي أخذه، وتضر نفسك. أما إذا كنت شاكرا فإنك تكرم الراحل وتمجد الله وتنتفع أنت. لتبكِ كما بكي سيدك على لعازر، ملاحظا الحدود اللائقة بالحزن، والتي يلزم ألا تتعدَّاها. هكذا يقول أيضا بولس: "أود ألا تجهلوا بخصوص الراقدين، ألا تحزنوا كالباقين الذين بلا رجاء (1 تس 4: 13). يقول: "لا تحزنوا مثل اليونانيين الذين بلا رجاء في القيامة، الذين ييأسون من جهة الحياة المُقبِلة[420].]

11. هل يليق بالمؤمن أن يسكب الدموع عن أسرة أو جماعة أو مدينة تنسى الله؟

يريد الله كل مؤمنٍ أن يأتي ويرثى صهيون ويبكي عليها. لعله يقول إن كانت عيوننا قد جفت وقلوبنا قد غلظت فلنلجأ إلى إخوتنا الروحيين ليسندونا، نتعلم منهم حياة التوبة ونطلب صلواتهم عنّا. إن أمكننا أن ندعو كل الخليقة لكي تسندنا بالصلاة إلى الله الذي يعيننا بفيض نعمته. يقول إرميا النبي: "يا ليت رأسي ماء وعيني ينبوع دموع، فأبكي نهارًا وليلاً قتلى بنت شعبي" (إر 9: 1). "يسرعن ويرفعن علينا مرثاة، فتذرف أعيننا دموعًا وتفيض أجفاننا ماءً" (إر 9: 18).

كان إرميا النبي يدخل في أماكن مستترة متضعة ليسكب الدموع من أجل قطيع الرب الساقط تحت سبى إبليس. إذ كان قلبهم قد أصيب بالعمى فلا يدركون أنهم ينحدرون إلى الظلمة، إذا بقلب إرميا يتمزق حزنًا عليهم، فيقول: "وإن لم تسمعوا ذلك، فان نفسي تبكي في أماكن مستترة من أجل الكبرياء وتبكي عيني بكاء وتذرف الدموع لأنه قد سبي قطيع الرب (ار 13: 17)

إذ رأى القديس باسيليوس كيف تسللت الهرطقات إلى قلوب البسطاء تفجرت ينابيع عينيه، قائلاً: [إني أبكي أيامًا كثيرة على الشعب الذي انسحب للهلاك خلال التعاليم الشريرة، فإن آذان البسطاء قد ضلت واعتادت أن تسمع الشرور الهرطوقية[421].] ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [أيتها التلال نوحي، أيتها الجبال اندبي! لندعو كل الخليقة لتشاركنا بالوجدان بسبب خطايانا... لنلجأ إلى الملك الذي هو من فوق. لندعوه فيعيننا. فإن كنا لا نطلب عونًا من السماء لا تكون لنا تعزية نهائيًا فيما نحن قد سقطنا فيه[422].]

12. ما هي الأماكن المستترة التي كان إرميا يسكب الدموع فيها من أجل قطيع الرب الساقط؟

ما هذه الأماكن المستترة إلا أحشاء السيد المسيح محب البشر، ففيه إذ تدخل النفس لا تكف عن ذرف الدموع من أجل خلاص كل العالم! لقد دخل الرسول بولس هذه الأماكن المستترة، إذ يقول: "لأني من حزن كثير وكآبة قلب كتبت إليكم بدموع كثيرة لا لكي تحزنوا، بل لكي تعرفوا المحبة التي عندي ولاسيما من نحوكم" (2 كو 2: 4).

يرى العلامة أوريجينوس[423] أن إرميا كان يبكي في أماكن مستترة، لآن الرؤساء والقيادات خبأوا النبوات التي تشهد للسيد المسيح، فصار الناس في الظلمة عوض النور. كما يقول: ["وإن لم تسمعوا بطريقة مستترة، ستبكي أنفسكم أمام الشدة". من بين الذين يسمعون، يوجد من يسمعون بطريقة مستترة ويوجد من لا يسمعون بطريقة مستترة. ما هو إذًا السمع بطريقة مستترة إلا ما تقوله الآية: "بل نتكلم بحكمة الله في سرٍّ: الحكمة المكتومة، التي سبق الله فعينها قبل الدهور لمجدنا" (1 كو 2: 7). عندما اسمع الناموس، إما اسمعه بطريقة مستترة أو لا أسمعه بطريقة مستترة. فاليهودي (الحؤفي) مثلاً لا يسمعه بطريقة مستترة؛ لهذا يُختتن بطريقة ظاهرية، غير عالمٍ أن اليهودي في الظاهر ليس هو يهوديًا ولا الختان الذي في الظاهر في اللحم ختانًا" (رو 2: 28)، أما الذي يسمع ويفهم الختان بطريقة مستترة فيكون مختتنًا في الخفاء[424].]


 

13. التسبيح والفكر السماوي

1. ما هي بركات التسبيح لله؟

يقول القديس باسيليوس الكبير: [المزامير تهب النفس الطمأنينة وتعطيها السلام، وتهدِّئ فيها بلبلة الأفكار وتراكم الشهوات... هذا الكتاب هو كتاب المحبَّة... هو سلاح ضد سلاح ضدّ الشيطان... هو سبب راحة بعد تعب النهار... هو تعزية الشيوخ... هو باعث أفراحنا وأحزاننا المقدَّسة... هو نشيد رائع، هو صوت الكنيسة، هو بخور زكي الرائحة[425].] كما يقول: [التسابيح الهادئة تدخل بالفكر إلى حالة من الفرح والهدوء.]

2. لماذا اهتم الآباء بالحديث عن التسبيح؟

احتل التسبيح مركزًا خاصًا في عظات وكتابات الكثير من الآباء، سواء الرعاة منهم أو قادة للرهبان بل وحتى المتوحدين، إذ يشتهون أن تصير كل البشرية خورُس لمؤمنين يتدرَّبون على الحياة السماوية. ولعل من أهم العوامل التي دفعتهم للحديث عنه الآتي:

أ. كان الآباء يشعرون أن رسالتهم الأولى هي الكرازة بالحياة السماوية، متطلعين إلى عمل السيد المسيح الأول أن يُقِيم من الأرض سماءً، ومن البشر ملائكة، فالتسبيح الداخلي هو العمل الأول والرئيسي سواء في حياة الكنيسة كجماعة أو حياة المؤمن كعضوٍ فيها.

ب. كانت المسارح في كثير من الدول تمارس أغانٍ بذيئة وتصرفات غير لائقة. وللأسف كان بعض المسيحيين يتركون الاجتماعات الكنسيّة ويذهبون إلى هذه المسارح التي تكتظ بالوثنيين والمسيحيين، خاصة الأغنياء منهم وأصحاب المراكز الكبيرة. لم يكن ممكنًا للقادة الكنسيين أن يصمتوا أمام هذا الموقف. فكانوا يقارنون بين الأغاني المقدمة للفساد والتسابيح المقدمة للتمتع ببرّ المسيح، مؤكدين أنه ليست شركة بين هذه وتلك. كمثال في وصف القديس يوحنا الذهبي الفم لحياة الرهبان قال: [يقومون قبل شروق الشمس، ويبدأون النهار بالترنم - تسبحةٍ أو حمدٍ - وصلاة خاصة تحت قيادة أب الدير... يقضون أربع ساعات في النهار مكرسة للصلاة والتسبيح.]

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [هل أنت عامل حِرَفي؟ إذ تجلس في عملك رنِّم بالمزامير. ألا تريد أن تسبح بفمك؟ افعل هذا في قلبك. المزمور رفيق عظيم. إنك لا تقوم بعملٍ شاق. إنك تجلس في عملك كما في ديرٍ.]

[كانت قدماه في المقطرة، ويداه في القيود، والسجن مُغلَق في منتصف الليل، بينما كانا (بولس وسيلا) يرنمان بالتسبيح (أع 16: 25). ألا ترون كيف تكمل قوته في الضعف؟ لو أن بولس كان في وَسَعٍ، وقد اهتز هذا المبنى لما كان هذا الأمر مدهشًا هكذا. إنه يقول: "بقيَ مقيدًا، والأسوار تهتز من كل جانب، والمسجونون منحلون من القيود حتى تظهر قوته بالأكثر.]

ج. يظن الكثيرون أن السعادة تكمن في ممارسة اللهو أو التمتُّع برؤيته، والاندماج في الأفراح العالمية، والإنصات إلى الأغاني المثيرة للعواطف والرقص بلا ضوابط. إنهم يحسبون في هذا متعة الحياة وهروب من التجارب المتلاحقة والآلام الحالة بهم. ويرى القديس يوحنا الذهبي الفم مع كثير من آباء الكنيسة مثل القديس مار يعقوب السروجي أن الإنسان كائن موسيقار، وأن الموسيقى لها دورها الحيّ في حياة الإنسان منذ طفولته إلى آخر نسمة من نسمات حياته، مهما بلغ عمره أو مركزه أو ثقافته. هنا يعلن القديس يوحنا الذهبي الفم ما لروح التمييز من دورٍ في حياة المؤمن الحقيقي، فيميز داخليًا ما لروح الله مما ما هو لإبليس. فانجذاب النفس لنوع الموسيقى يميزها "بهذا أولاد الله ظاهرون وأولاد إبليس" (1 يو 3: 10). يقول القديس يوحنا الذهبي الفم لتسبيح في ذاته صالح، والمزمور يقدم خيرات كثيرة: إنه يعزل العقل عن الأرض، ويعطي النفس أجنحة، ويجعل (الأجنحة) خفيفة قادرة على الطيران في الجو. لهذا يقول بولس: "مترنمين ومرتلين في قلوبكم للرب" (أف 5: 19)... توجد حاجة للتسبيح من أجل حياة المرتل وصلاته والتوفيق[426].]

د. يرى القديس يوحنا الذهبي الفم في التسبيح أعظم سلاح يستخدمه المؤمن في حربه ضد عدو الخير إبليس. فالمرتل الحقيقي تحت كل الظروف يتسلح بالتسبيح فينعم بنصرات لا تنقطع. التسبيح بروح الفرح السماوي مع تقديم الشكر لله يسندان المؤمن للتمتع ببرّ المسيح وقداسته وفدائه.

ه. ينصح الذهبي الفم الوالدين قائلاً: [عَلِّم (ابنك) أن يرنم هذه المزامير المملوءة بحب الحكمة، إذ تخص العفة. بالحري لا تجعله يصاحب الأشرار... وحينما سيعرف الترانيم أيضًا كشيءٍ مقدَّسٍ. لأن القوات العلوية تنشد الترانيم[427].]

و. يعتبر الآباء حياة الشكر في الإنسان الداخلي تسبحة مقبولة لدى الرب، ويرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الفقير الذي يشكر الله لأنه يعطي البعض عطايا كي يعطوا منها الفقراء مثلاً رائعًا للتسبيح، إذ يقول: [يمدح الرسول (الفقراء القديسين) لأنهم يشكرون من أجل ما قُدِّم للآخرين من عطايا بالرغم من فقرهم. ليس أحد حاسد مثل الفقير، ومع هذا فإن هؤلاء الناس متحررون من هذا الهوى حتى أنهم يفرحون من أجل البركات المقدمة للآخرين[428].]

كما يقول: [ليتنا لا نقدّم التشكُّرات من أجل البركات التي تحل بنا فقط، بل ومن أجل البركات التي تحل بالآخرين... هذا هو الأمر الذي يُحَرِّر الإنسان من الأرض، ويرفعنا إلى السماء، ويجعلنا ملائكة بدلاً من أن نكون بشرًا. فإن الملائكة يُشَكِّلون طغمة تُقَدِّم التشكّرات لله من أجل الصالحات الموهوبة لنا، قائلين: "المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة" (لو 2: 14)[429].]

ز. الاقتداء بالتلاميذ: يقول القديس كيرلس الكبير: [سبَّح التلاميذ مُخَلِّص الكل ودعوه الملك والرب وسلام السماء والأرض. ليتنا نحن أيضًا نسبحه كما بقيثارة المرتل، قائلين: ما أعظم أعمالك يا رب! بحكمة صُنعت! (مز 104: 24)[430].]

3. كيف نُقَدِّم تسبحة شكر ونحن في ظروف قاسية؟

ويقول البابا أثناسيوس الرسولي: [الروح المستقرة تنسى آلامها، وبترتيل الكلمات المقدسة تتطلَّع بفرح إلى المسيح وحده[431].]

ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لتشكر الله ولتُسَبِّح ذاك الذي يختبرك في الأتون. لتنطق بالتسبيح عوض التجديف هذا هو الطريق الذي به عبَّر ذاك الطوباوي عن نفسه[432].]

كما يقول: [هذا هو الطريق الذي به قَدَّم أيوب ذبيحة (تسبيح) بالرغم من الأحزان المُرعِبة التي فوق الطاقة البشرية قد حلَّت به[433].]

ويقول: [باحتمال الظروف بنبلٍ وعوض استخدام كلمات تجديف تقدم كلمات شكر للرب، بهذا تصير الشرور التي تُجلب عليكم بغير إرادتكم أعمالاً صالحة باختياركم[434].]

يقول القديس مار يعقوب السروجي:

[أيها الخفي العالي عن العلويين الحاملين لك، لتختارني فأُرتل لك بين الأرضيين المخلصين لك.

أيها الأزلي العارف بذاته وحده، كيف لا يخدمك لساني بالترنم بخيراتك؟

 أيها المخوف الذي تخجل منه الشمس أن تنظر إليه، فلينظر فيك العقل، ويتحرَّك بعظمة تمجيدك...

أيها المحمول من الكاروبيم، والذي لا يقدر الأرضيون أن يتكلموا عنه، تكلَّم فيَّ من أجل مراحمك التي فيك.

أيها العظيم فوق صفوف السمائيين، أرني دهشك غير المفحوص لأتكلم عنك...

الفم عاجز عن تمجيدك أيها الرب العلي؛ اصنع لي فمًا جديدًا يصلح للترتيل لك...

أنت قريب لمن يطلب أن يلتصق بك.]

4. هل يوجد وقت مُعَيَّن لممارسة التسبيح؟

الكنيسة كجماعة تسبيح وضعت نظامًا معينًا للتسبيح، خاصة في الليتورجيات، وفي كل المناسبات، حتى التي نحسبها مناسبة حزن كالجنازات. أذكر على سبيل المثال بينما كان الراهب شنودة السرياني (المتنيح الأنبا يؤأنس أسقف الغربية) في القاعة التي في خارج الكنيسة، وكان معه كهنة الإيبارشية، دخل موكب جنازة وكان الكل، الكاهن والشمامسة والشعب، يرنمون: "اذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك"، إذا به يقف فجأة ويُرَنِّم بذات اللحن وكل كيانه يهتز. دخل الموكب الكنيسة، عندئذ قال للكهنة: "سامحوني يا أبهات، فإنني إذ أسمع هذا اللحن، خاصة في موكب جنازة أشعر باب الفردوس مفتوح والملائكة يتهللون لاستقبال الراقد الذي تمتَّع مع اللص اليمين بوعد الرب له: "اليوم تكون معي في الفردوس. فأُشارِك الملائكة فرحهم."

تطلب الكنيسة من أبنائها تخصيص أوقات للتسبحة، من بينها تسابيح صلوات السواعي (الأجبية). وفي نفس الوقت تطلب منه أن يكون دائم التسبيح إن لم يستطع بفمه، لا يتوقَّف عن التسبيح بقلبه.

فقد كان الكل يجد في كل حدثٍ فرصة لتقديم تسبحة شكر وحمد للَّه مُخَلِّصنا. فالكنيسة مجتمع تسبيح، ليس في أوقات الفرج فقط، بل وحتى في وسط أشدّ الضيقات. الكنيسة كما يكشف لنا سفر الأعمال وُلِدَت في التسبحة، وتجد نموّها وكرازتها في التسبحة والتهليل باللَّه مُخَلِّص العالم.

إن عدنا إلى العهد القديم نجد في عبور إسرائيل وجد الشعب فرصته لتقديم تسبحة موسى (خر 15) التي تعتزّ بها الكنيسة وتتغنَّى بها في التسبحة اليوميّة، وفي وسط الأتون في أرض السبي وجد الثلاثة فتية القدّيسين فرصتهم لتقديم تسبحة نتغنَّى بها حتى اليوم.

يقول القديس ميثوديوس أسقف أولمبيوس: [يا لجمال أولئك الذين يترنمون بأسرار الله. ليتني أنا أيضا ارتبط بهذه الأغاني في صلاتي... لا تمنع تسبحة روحية ولا تستهن بالإصغاء إليها.]

5. من يُعَلِّمني أن أُسَبِّح الرب؟

سرّ تهليل نفس القديس مار يعقوب السروجي إيمانه بأن الله خلقه قيثارة له وهو يعزف عليها بنفسه، إذ يقول: [لا تقدر القيثارة أن ترتل من نفسها إن لم يضرب عليها الحامل لها، وإلا تبقى خرساء صامتة.

الذي يضرب على القيثارة يحرك إصبعه بمهارة، فيوقظ فيها صوتًا...

الوتر هو النفس، وهي صامتة عن تمجيدك،

اضرب عليها، فترتل بأصوات المجد بدهشٍ عظيمٍ.

إنك لست محتاجًا لتمجيد الأرضيين،

بل تعظيم الجنس البشري هو المحتاج إليك يا أيها الغني.]

6. ما هي نظرة الآباء للتسبيح؟

أولاً: يُسَبِّح المؤمن الله إلى الأبد. يقول القديس مار يعقوب السروجي: [يا رب لن أَتوقَّف عن تسبيحك، حتى بعد وفاتي. من يحيا لك وبك لا يموت؛ ولا يقوى صمت الموت على إسكاته. إذن، فليتكلم بفمي، ليُكرّر بعد موتي في المستقبل.] ويقول القديس أغسطينوس: [الإنسان العتيق تسبحته قديمة، والإنسان الجديد تسبحته جديدة. من يحب الأرض تسبحته عتيقة، ومن يحب السماويات يُسَبِّح ترنيمة جديدة. إن المحبة أبدية، إذ لا تشيخ فتبقى دومًا جديدة.]

يطلب مار يعقوب السروجي من الرب أن يساعده لكي يتحرك بكل كيانه لتسبيحه: الفم وكل الحواس والأفكار النقية والعقل والقلب حتى الرجلين اللتين تحملان الجسد كمركبة تُسَبِّح الله [يا ابن الله ليكن لك فمي كنارة الألحان، وليهتف لك التسبيح النقي بعجب عظيم، لتتحرك كنارتي لتتحدث عن تسبيحك، وأنا عارف بان كلمتك تفوق الناطقين،

[ربي أتكلم بفم مفتوح وأنا مندهش لأنك فتحتَه من موهبتك حتى يصفك،

ساعدني لأتعجب بحواس أسمى من العادة، وإذ يتعجب بك العقل، يصفك الفم الذي فتحته.

ليُسَبِّحك العقل لأجل عجائبك الخفية التي هي أسمى من أن يعرفها العقل.

ليُسَبِّحك القلب بالدقات السريعة، والأفكار النقية والقائمة مثل الملائكة للخدمة.

ربي، يُعطي لك التسبيح النقي الضمير أيضا لأنه نظر ويرى كم أنك مُسبَّح بأعمالك.

ربي، تُسَبِّحك كل الحواس النفسية والروحية والجسدية، لأنك مُسَبَّح.

لتسبّحك العين لأنك أعطيت لها كل جمال كل المخلوقات لتسعد به برؤيتها.

لتسبّحك الأذن التي فيها تنسكب كل حلاوة الأصوات وتقبلها بلذة.

ربي، لتسبّحك اليدان الاثنتان والأصابع العشرة التي تتحرك للعمل بدل كل الجسد.

لتسبّحك الرِجلان اللتان تحملان كل الجسد وتزفانه كمركبة في كل المواضع.

لتسبّح حاسة الشم التي هي مُلكها كل العطور والروائح، وبها تسعد كثيرًا.

ليشكر الحنك الذي يُمَيِّز الحلو من المرّ، ويعرف أن يفحص كل اختلافات الأطعمة.

ليسبّح الفم تسبيحه والتسبيح الذي ليس خاصته، لأنه يملك الكلمة ليشكر عن كل الجسم.

الفم ملزم بالتسبيح بدون جدال نيابة عن الأعضاء الموضوعة في الجسم التي هي بلا كلمةٍ.

اللسان أيضا والأسنان التي منها يرنّ الصوت لتسبّح كثيرًا بأصوات عمومية.

ربِّي. كل الجسم مُلزَم بتسبيحك. وهوذا الفم مفتوح ليُسَبِّح عوض الجسم كله.

ساعد الفم ليوفي كل هذه الأمور بدل كل الحواس الصامتة التي تحرك الفم حتى يشكر[435].]

ثانيًا: بالتسبيح لله نتشبَّه بالملائكة. يقول القديس باسيليوس: [إن التسبيح لله هو عمل خاص بالملائكة.]

يرى القديس غريغوريوس النيسي أننا بالتسابيح نصير متساوين مع الملائكة من جهة الكرامة. ويقول القديس أغسطينوس: [إن شئت تسبيح الله دائمًا فَغِر من سيرة الملائكة وتسبيحهم.]

ثالثًا: بالتسبيح نصير أغنياء. يكشف القديس أغسطينوس عن فقر الإنسان بقوله: "عريانًا خرجت من بطن أمي، وعريانًا أعود إلى هناك. الرب أعطى والرب أخذ، فليكن اسم الرب مباركًا" (أي 1: 21). ويحسب التسبيح جواهر ثمينة، إذ يقول: "من أين جاءت مثل هذه الجواهر التي لمديح الله؟ اُنظروا إنسانًا من الخارج كان فقيرًا (أيوب)، لكن من الداخل كان غنيًا. هل كان يمكن لمثل هذه الجواهر أن تصدر عن شفتيه لو لم يحمل كنزًا مخفيًا في قلبه؟[436]]

رابعًا: لنُسَبِّح باشتياق فينطق القلب حتى إن صمت اللسان. يقول القديس أغسطينوس: [من يصلي برغبة يُسَبِّح في قلبه، حتى إن كان لسانه صامتًا. أما إذا صلى (الإنسان) بغير شوق فهو أبكم أمام الله حتى إن بلغ صوته آذان البشر[437].]

خامسًا: نسبح الله بالحياة المقدسة. يقول القديس أغسطينوس: [الآن إذ نجتمع مع بعضنا البعض في الكنيسة نُسَبِّح الله، ولكن عندما يذهب كل واحدٍ إلى عمله يبدو كمن توقَّف عن تسبيح الله. لكن ليته لا يتوقف أحد عن الحياة المستقيمة، فيكون مُسبحًا لله على الدوام. إنك تتوقف عن التسبيح لله عندما تنحرف عن العدل وعن كل ما يسر الله. ولكن إن كنت لا توقف عن الحياة المستقيمة فإن حياتك بليغة، وتنفتح أذن الله لقلبك[438].]

كما يقول: [كل ما تفعله، افعله حسنًا، بهذا تُسَبِّح الله[439].]

[هناك نستريح، وهناك نرى. سنرى ونحب، سنحب ونسبح![440]]

ويعلق القديس چيروم على كلمات المرتل "لتصفق الأنهار بالأيادي" (مز 98: 8) قائلاً: [إن المؤمنين وقد صاروا أنهارًا تفيض عليها المياه من النهر الأصلي ربنا يسوع تصفق بالعمل الروحي المستمر كما بالأيدي، تسبح للثالوث القدوس بالسلوك الحيّ.]

سادسًا: لنسبح الله بالروح والحق: يقول القديس إيرينيؤس: [نقدم ذبيحة الحمد أي ثمر الشفاه، وتلك القرابين ليست بحسب الناموس الذي رفع الرب صكه من الوسط وألغاه، لكنها قرابين بحسب الروح القدس، لأننا ينبغي أن نعبد الله بالروح والحق، ومن ثم قربان الإفخارستيا ليس جسديًا بل روحاني ومن ثم فهو طاهر[441].]

سابعًا: الخليقة السماوية والأرضية تدعونا للتسبيح. يقول مار أفرآم: [هوذا كل الخليقة صارت أفواهًا تنطق عنه: المجوس بتقدماتهم، والعاقر بطفلها، والنجم المنير في الهواء! هوذا ابن الملك... السماوات له انفتحت، والمياه هدأت، والحمامة مجدته... الملائكة أعلنت عنه، والأطفال صرخوا إليه "أوصنا". هذه الأصوات جميعها من الأعالي ومن أسفل، الكل يصرخ شاهدًا له[442]!]

7. ما هي نظرة كنيسة العهد الجديد لعبادة التسبيح في الهيكل؟

ورثت كنيسة العهد الجديد عن الهيكل عبادة التسبيح إذ وُجِدَت فِرق التسبيح؛ قيل إن عدد القيثارات بلغ أكثر من 4000 قيثارة. تتشبَّه الكنيسة ابنة صهيون بداود الملك والنبي، مُرَنِّم إسرائيل الحلو (2 صم 23: 1)، فقد وجدت في المزامير أعماقًا مبهجة على ضوء عمل ابن داود على الصليب وقيامته وصعوده إلى السماء. عرّف الرسول بولس ملكوت اللَّه أنّه فرح في الرب (رو 14: 17).

8. من هم الآباء الذين اهتموا بالتسابيح والأغاني الكنسيّة عبر العصور؟[443]

في القرن الثاني إذ اهتزَّت نفس القديس إكليمنضس السكندري في حُبِّه للمُعَلِّم السماوي كلمة اللَّه، سجَّل تسبحة رائعة في كتابه المُعَلِّم Paedagogus. وأيضًا جمع البرادعي حوالي 150 تسبحة سريانيّة. وفي القرن الرابع أغنى القدّيس مار أفرآم السرياني، المدعو قيثارة الروح القدس، الكنيسة السريانيّة بتسابيحه الكتابيّة اللاهوتيّة العميقة. وفي نفس القرن تأثَّر القديس هيلاري أسقف بواتييه بالتسابيح عند زيارته آسيا الصغرى باليونانيّة، وعندما عاد إلى بلاد الغال بدأ يضع تسابيح اللاهوتيّة.

قيل عن الأسقف نيسيتا Niceta أنّه كسب كثير من الوثنيّين البرابرة للإيمان بإيبارشيّته بواسطة التسابيح. ووضع القديس أمبروسيوس تسابيح، علمها للشعب لكي يترنَّم بها، وقد تأثر بها القديس أغسطينوس. وفي نفس العصر وضع برودنتوس Prodentius الأسباني تسابيح اتَّسمت بأنّها أكثر التهابًا من تلك التي وضعها القديس أمبروسيوس، وذلك لاستخدامها خارج الليتورجيّات.

9. ما هو دور القديسة مريم كمُسَبِّحة للربّ؟

قدَّمت لنا القدّيسة مريم ابنة داود المرتّل نموذجًا رائعًا للتسبيح بوحي الروح القدس الذي حلّ عليها، خلال تجسّد الكلمة الإلهي في أحشائها (لو 1: 46-55):

‌أ.    نطقت القدّيسة تسبحتها بعد التجسّد، فهي ليست قطع أدبيّة رائعة فحسب، لكنّها هي تهليل أعماقها بمن حلّ فيها. هكذا يليق أن تحمل التسابيح هذا الروح، فتكشف عن سكنى السيّد المسيح في كنيسته، كما في نفس واضع التسبحة الكنسيّة؛ وفي نفس من يُرَتّل بها.

‌ب. نطقت بها بعد عبورها جبال يهوذا وبلوغها بيت زكريّا لخدمة نسيبتها العجوز! فالتسبحة ترتبط بروح الخدمة العمليّة. فإن كنّا بالتسبيح نشارك السمائيّين عملهم السماوي، فإنّهم ليسوا بالكائنات الخاملة، لكنّهم دائمو العمل حسبما يناسب طبيعتهم.

‌ج.  بدأت التسبيح بتمجيد اللَّه مُخَلِّصها، ففي كل تسابيحنا حتى في تطويب القدّيسة مريم والقدّيسين عيوننا لا تُفارِق الصليب لنُمَجِّد ذاك الذي أعلن عظمته بحُبِّه الإلهي الفائق العملي.

‌د.   حملت تسبحتها روح الرجاء والفرح، "جميع الأجيال تُطَوِّبني". فالتسبحة ذبيحة مُقَدَّمة للَّه خلال الرجاء في عمل نعمته التي تُحوِّل ترابنا إلى سماء، وترفعنا من الفساد إلى عدم الفساد. فلا يحمل المرتّل وجهين، إذ يتناغم لسانه المرنّم مع قلبه المتهلّل. يحوّل التسبيح النفس إلى سماء ثانية. فالقديس يوحنّا كاسيان تساءل إن كان الرهبان المرتّلون ملائكة نزلت إلى الأرض أم بشر صعدوا إلى السماء. تساءل ليس لأنّه سمع صوت التسبيح لا ينقطع من شمال مصر إلى جنوبها فحسب، لكنّه تلامس مع قلوبهم التي تحوَّلت إلى السماء، لأن ملكوت اللَّه داخلها.

‌ه.  تُعَبِّر تسبحتها عن رفعها فوق الآلام، إذ ترنَّمت: "صنع قوّة بذراعه، شتَّت المستكبرين" (لو 1: 51). فلا عجب أن نرى الرسولين بولس وسيلا لا ينشغلان بجراحاتهما وهما في السجن الداخلي، بل ترنَّما فاهتزَّت السماء وتحرّكت لتهزّ أساسات السجن، وتحل القيود وتفتح الأبواب، تبعث ملاكًا مندوبًا عنها. يا لقوّة التسبحة العجيبة التي تحرّك السماء والأرض لحساب المرتّل، لأنّه يُقَدِّم "ذبيحة التسبيح" موضع سرور اللَّه!

يقول الأب أوغريس: [صَلِّ في سلام ونقاء، رتل بفهم ولذة، بذلك تكون كنسرٍ صغيرٍ يُحَلِّق في أعلى السماء. ترتيل المزامير يُسَكِّن الشهوات ويكبح نبضات آلام الجسد، والصلاة تدفع العقل لأن يكون حكيمًا وسليمًا في أفعاله... ترتيل المزامير هو صورة لتَنَوُّع الحكمة الإلهية... إن لم تكن قد أخَذْتَ عطية الله أو ترتيل المزامير اطْلُب بحرارة وإلحاح فستأخذ[444].]

ويقول القديس جيروم: [كن كالجندي واجعل الليلة موسيقية... ترنم بالروح وترنم بالفهم أيضًا. اجعل ترنيمتك من وضع المرتل.]

10. لماذا دُعِي داود النبي مرنم إسرائيل الحلو (2 صم 23: 1)؟[445]

أولاً: قيل عنه إنه قائم في الأعالي، يختبر الحياة السماوية المتهللة، يعيش في شركة مع الطغمات السماوية المسبحة، يشاركهم طعامهم السماوي: "هذه هي كلمات داود الأخيرة... وحي الرجل القائم في العلا، مسيح إله يعقوب، ومرنم إسرائيل الحلو". (2 صم 23: 1) أكل الإنسان خبز الملائكة، أرسل عليهم زادا للشبع (مز 78: 25).

ثانيًا: مشغول بكلمة الله، مصدر الفرح الحقيقي الدافع للتسبيح: "روح الرب تكلم بي، وكلمته على لسـاني". (2 صم 23: 2) يغني لساني بأقوالك، لأن كل وصاياك عدل (مز 119: 172)

ثالثًا: مشغول بالمسيح المُخَلِّص. ترسي عند الله مخلص مستقيمي القلوب (مز 7: 10)

رابعًا: مهتم بالشهادة أمام الأمم. "لذلك أحمدك يا رب في الأمم، ولاسمك أرنم". (2 صم 22: 50)

خامسًا: يتهلل بإله المرذولين والمحتاجين. "الرب مجري العدل والقضاء لجميع المظلومين". (مز 103: 6)

سادسًا: يسبح سامع الصلاة. "يا سامع الصلاة، إليك يأتي كل بشر" (مز 65: 2)

سابعًا: رجاؤه في الرب. "لأنك أنت رجائي يا سيدي الرب، متكلي منذ صباي" (مز 71: 5)

ثامنًا: يدعو للهتاف. "كهنتها ألبس خلاصًا، واتقياها يهتفون هتافًا". (مز 132: 16)

تاسعٌا: يقدم أغنية جديدة. "رنموا للرب ترنيمة جديدة، رنمي للرب يا كل الأرض." (مز 96: 1) يقول مار يعقوب السروجي: [سبِّح هكذا مثلما علَّمك داود الملك كل تسبيحٍ جديدٍ كل يوم وبتمييزٍ.

قال: سبّحوا الرب تسبيحًا جديدًا: انتبه الآن وسبّح كل تسبيحٍ جديدٍ.

سبّحتَ البارحة وذهب البارحة ودخل في منزله. اليوم أعط تسبيحًا جديدًا. لماذا أنت بطال؟

لا تتكل على التسبيح الذي دخل البارحة. فاليوم يطلب منك أن تسبّح هكذا.

لأنك تطلب أيضًا من المخلوقات أن تجدد لك كل يوم مسيرة أشكالها.

الشمس التي مشت وخدمتك البارحة لا تتركها اليوم تتوقف كما لو كانت مسيرتها في الأمس كافية.

لكن كما قامت لتنيرك اليوم فقط تنظر إلى نور اليوم لتتنعم به.

هكذا يطلب ربُّك منك كل الأيام كل تسبيحٍ جديدٍ لتُقَرِّبَه له كل يوم.

لو سبَّحته البارحة وأول البارحة ربوات المرات، فأنت مدين له اليوم بتسبيحٍ جديدٍ[446].]

عاشرًا: من الذي يرنم؟ الشخص نفسه (بصيغة المفرد): "أُسَبِّح الرب في حياتي، وأُرَنِّم لإلهي ما دمت موجودًا". (مز 146: 2) كما يرنم شعب الله: "وأنت القدوس الجالس بين تسبيحات إسرائيل" (مز 22: 3). ويدعو العالم كله للتسبيح: "ويسجد له كل الملوك، كل الأمم تتعبَّد له". (مز 72: 11)

حادي عشر: يطلب أن تشترك النفس مع الجسد في التسبيح. "لذلك فرح قلبي، وابتهجت روحي. جسدي أيضًا يسكن مطمئنًا (مز 16: 9)

ثاني عشر: يطلب التبكير في التسبيح. "استيقظي أيتها الرباب والعود، أنا استيقظ سحرًا (مز 108: 2)

ثالث عشر: يتطلع إلى تقديم التسابيح كذبائح مقبولة لدى الله. "لك أذبح ذبيحة حمد". (مز 116: 17)

رابع عشر: يطلب التسبيح الكنسي الروحي. "من قبلك تسبيحي في الجماعة العظيمة". (مز 22: 25)

11. لماذا يدعو داود السماويين وغير الناطقين إلى التسبيح؟

يقول مار يعقوب السروجي: [داود الذي صار كنارة ألحان المزامير، يُنهض كل المخلوقات كل يوم للتسبيح. قام في الوسط بين الأرضيين والسماويين مثل من يقوم بين الخورُسين ليحثهما.

صرخ: سبِّحوا الرب من السماء. وهتف بمزموره: سبّحوا الرب من الأرض.

دعا اللجج والتنانين والملائكة وأفواج القوات للتسبيح.

بصوته العالي أيقظ الجبال والآكام وطالب التسبيح من الأشجار المثمرة والأرز.

وقف وسط الخورُسين مثل مُنَظّم بين العلويين والسفليين وأيقظهم.

كان قد تحرك بمحبة الرب التي كانت تضطرم كاللهيب ليحث السماويين على التسبيح.

لم تكن هذه الجموع محتاجة ليحثها، لأن القوات لا تنام ولا تنعس.

ولا تسكت ولا تبطل من التسبيح، ومع ذلك كان يريد داود أن تُسَبِّح لو أمكن.

قل يا داود يا بحر الجمال والإيحاءات، لماذا رفعت صوتك إلى السماء لتُسَبِّح؟

أيقظ للتسبيح بني جنسك وبني ترابك وبني عشيرتك وبني وطنك.

في السماء لا توجد بطالة ولا اضطراب ولا يوجد هدوء لمُسَبِّحي الله.

هناك لا توجد كلمة أخرى سوى التسبيح أو التهاليل أو التبريك أو الترتيل.

تصرخ القوات وتسبّحه بصوت وبعجب: قدوس قدوس مبارك مجده، مبارك من موضعه...

وفي مزاميره دعا الحيوانات والبهائم والطيور والدبيب والزحاف للتسبيح...

كل هذه الأمور التي قالها هي زائدة. وقد قالها لأجلك حتى تُسَبِّح بتمييز.

مثل الحكيم كان يوقظ المستيقظين على التسبيح ليوقظ البشر من سباتهم.

على الإنسان صورة الله الناطق أن يُسَبِّح الربّ...

وإذ صار سيدا لكلها فإنه ملزم أن يفي التسبيح بالأصالة عن نفسه ونيابة عنها.

هوذا كل المخلوقات تقوم مع جمالها ومع زينتها وتحركك على التسبيح.

ولأنها صارت لخدمتك بأشكالها. أنت مدين بأن تعطي التسبيح نيابة عن خدمتك[447].

12. هل محتاج الرب إلى تسبيح البشر؟

يقول مار يعقوب السروجي: [ربك يطلب منك التسبيج ليس لأنه محتاج، لكنه يود أن تقترب منك في كل الأحوال.

لا حد للمُسَبِّحين الموجودين في موضعه: جموع وصفوف وأجواق النار بلا عددٍ.

آلاف الألوف وربوات ربوات صفوف النار التي تحرك التسبيح بلا هدوء إلى ميعاد موضعه.

لم يكن محتاجًا حتى إلى هذه الصفوف الكثيرة المقدسة والسامية والبهية والمليئة عجبًا.

أنت من أنت سوى طين مجبول بالحنان؟ أو ما هو تسبيحك بين الملائكة؟

ها أنك خاضع للشهوة وللسبات وللطعام وللأهواء والأمراض والأوجاع والقلق.

وللجوع وللعطش ولأمور أخرى كثيرة. وللهمّ اليومي وللفكر بالأجل الخفي.

السبات ابتز منك نصف حياتك. وهذه (الحياة) التي فضلت وزعتها على البطالة...

لعمل العالم أنت نشيط وقوي وسريع الركض. ولتسبيح ربك أنت ضعيف وكسلان.

عندما تعمل في العالم الزائل أنت نشيط. ولما يصادفك تسبيح ربك أنت بطال...

بما أنك اليوم حي فسَبِّح اليوم مثل متميز. ماذا تملك لتكافئ الرب بدل الحياة؟

يوجد كثيرون جعلهم الليل أمواتًا ولا يُطالبون بإعطاء التسبيح في موضع الهاوية.

قبل أن تصير ميتًا مخيفًا وجامدًا في القبر، سبِّح الآن لأن فمك مفتوح للتسبيح...

كل العالم مدين ليُسَبِّح كل يوم. مبارك من أعطانا فما لنُسَبِّحه ونحيا معه. له التسبيح.]


 

14. الألحان والفكر السماوي

1. ما الفارق بين التسبيح والألحان؟

التسبيح في جوهره هو شركة المؤمنين مع الخليقة السماوية في تقديم الشكر لخالق الكل، والإيمان بأنه صانع الخيرات وضابط الكل. أما الألحان فهي لغة المؤمن بكونه موسيقارًا، يُدرِك أن الله محب البشر لا يستخفّ بالثقافات البشرية بل يُقَدِّس ما هو لائق فيها، كما يطلب من المؤمنين أن يُعَبِّروا عن حُبِّهم وشكرهم له، مقدسًا الألحان.

يصعب الفصل بين التسبيح والتلحين. فخلال الألحان نُقَدِّم تسابيح لله، وخلال التسبيح نستخدم لغة الألحان التي يُقَدِّسها الربّ. ونحسب كل لحنٍ مقدس هو تسبحة مقدسة مُقَدَّمة للرب.

2. ماهي الجوانب المشتركة بين التسابيح والألحان؟

أولاً: إن لم تصدر التسابيح والألحان من القلب، فلا تحسب عبادة مقبولة ومقدسة للرب، بل تتحوَّل إلى نوعٍ من الافتخار بروح الكبرياء، فيُرَكِّز الشخص على طريقة الأداء ويتمسك بحرفية اللحن بطريقة حرفية تُفقِده الشركة مع الله.

ثانيًا: إن كانت كل كنيسة لها ثقافتها، فيليق بكل الكنائس أن تتمتع بروح الوحدة خلال رفع القلب إلى السماء، وانطلاق الشعب مع الإكليروس من أساقفة وكهنة وشمامسة بروح التواضع والحب نحو الله ونحو بعضهم البعض والشركة مع السمائيين.

ثالثًا: يليق بالتسابيح والألحان أن تحمل فكرًا إنجيليًّا سماويًا. لذلك اعتادت الكنيسة الأرثوذكسية في كل ليتورجياتها أن تُلَحِّن قراءة الكتاب المقدس، مع الحرص الشديد على وضوح الكلمات وتكون مفهومة حتى ينتفع الكل بها.

رابعًا: إن كان كثير من الهراطقة مثل أريوس منكر لاهوت المسيح قد استخدم هو وأتباعه الترانيم لنشر بدعهم الخاطئة، فيليق بالكنيسة أن تُقَدِّم العقائد اللاهوتية مع توجيه المرتلين وكل الشعب نحو الإيمان السليم والحياة الصالحة المقدسة في الرب.

خامسًا: يليق بالمؤمنين أن يمارسوا التسبيح وترديد الألحان في وقارٍ حتى في منازلهم، مُتذكِّرين أن كل الطغمات السماوية يُسَبِّحون الله بخوفٍ ورعدةٍ في وقارٍ مع تهليل القلب وفرح الروح.

3. لماذا نعتزّ بالألحان القبطية؟ وهل يجوز ترجمتها بلغة مفهومة للشعب؟

أولاً: لا يعني اعتزازنا بالألحان القبطية تجاهل الألحان الأخرى كالسريانية والأرمنيّة والأثيوبية الخ. وفي نفس الوقت يلزمنا مراعاة المؤمنين المشتركين في العبادة، فيلزم الاهتمام بترجمة هذه الألحان، كما يحدث حاليًا في أرض المهجر.

ثانيًا: امتاز الفراعنة بإيمانهم بالحياة السماوية في العالم الآخر، وإن كان قد شابها بعض الانحرافات. لهذا انجذب الأقباط أبناء الفراعنة إلى الإيمان المسيحي، واستخدموا الألحان الفرعونية بعد أن أعطوها صبغة سماوية عميقة، وكما يقول البعض إنهم قاموا بتعميدها. كما أن بعض آباء الكنيسة قضوا على الهرطقات التي كانت تقاوم الكنيسة من خلال ترانيم وألحان يستخدمها الشعب مع استخدام ألفاظ تقدم الإيمان الصحيح.

بجانب هذا التهاب الأقباط بحُبِّهم للسماء والعبادة الهادئة مع وجود كثرة من الحروف الـعلة vowels في اللغة القبطية مما يعطيها نوعًا من العذوبة والمرونة في الألحان.

أذكر على سبيل المثال، كان أحد الشبان ضابطًا في الجيش يُقِيم مع ضابط غير مسيحي في خيمة بصحراء مرسى مطروح، وإذ قام بغسل وجهه في الصباح كان (يدندن) بأحد ألحان أسبوع الآلام بالنغمة دون الكلمات. سأله زميله: من أين هذه الأغنية الجميلة؟ سأله المسيحي: ما هي مشاعرك نحوها؟ فأجابه: إنها تحمل نغمة فيها روح الحزن، لكنها تقدم سلامًا لمن يسمعها. وطلب منه أن يغنيها بالكلمات، فشعر غير المسيحي بسلامٍ عجيبٍ. قال لي شخص في نيوجرسي له طفل صغير لم يتعلَّم بعد النطق بكلمات معينة، وكان يأخذه في صلوات البصخة، وبعد عدة أيام وجده "يدندن" بلحن "ثوك تيه تي جوم" الخاص بأسبوع الآلام، دون أن ينطق بكلمة من كلمات اللحن.

ثالثاً: لا ننكر أن الكنيسة الأولى إذ كانت تخدم في أثيوبيا لم تلزمهم باستخدام الآلات الموسيقية البسيطة التي يستخدمها الأقباط، لكن بعض الأثيوبيين أَحَبُّوا الألحان القبطية. ونحن أيضًا خلال المؤتمرات مع الأحباء من الطوائف الأخرى أحب بعض أساقفتنا وكهنتنا بعض الألحان منها السريانية، وكانوا يُرَدِّدونها في حياتهم الخاصة، بل وفي صلواتهم.

4. هل الطقوس والألحان ضرورية في الكنيسة؟ وهل تلمس خلاصنا وأبديتنا؟

سجّل القديس يوحنا الحبيب في رؤياه التي تكشف عن أسرار السماء وترتيبها ونظامها وألحان الطغمات السماوية. هذه الرؤيا تكشف عن الآتي:

أولاً: إلهنا إله نظام وترتيب وليس إله تشويش (1 كو 14: 33)، لهذا يليق بالكنيسة عروس المسيح أن تقتدي بعريسها السماوي، فلا تحسب العبادة الروحية تعني أنها بلا ترتيب أو بلا نظام.

ثانيًا: الطقس وما فيه من ألحان متنوعة تتباين حسب المناسبات، تمثل لغة يفهمها حتى الذين لا يعرفون اللغة التي ننطق بها. إنها تقوم بدور تعليمي في حياة الأطفال والشباب بل والفلاسفة ورجال العلم. نذكر على سبيل المثال، كثير من الأطفال بعد حضورهم في الكنيسة يعودون إلى منازلهم يحاولون استخدام أغطية الأواني المعدنية كأنها دفوف، والبعض يفرح إن قدَّم له والديه شورية صغيرة الخ. وأيضًا في المجموعات الخاصة بتعليم الألحان تجد طفلاً (أو أكثر) يقف صامتًا بجوار المجموعة وعندما يعود إلى منزله يُرَدِّد اللحن الذي سمعه.

في إحدى كنائسنا في لوس أنجلوس (ببسادينا)، قام أحد فصول مدارس أحد ابتدائي primary school بزيارة الكنيسة. سأل طفل من أصل صيني كاهن الكنيسة: "لماذا تضعون صور هؤلاء الأشخاص على "حامل الأيقونات؟" أجابه الكاهن: إننا نؤمن أن الذين انتقلوا من هذه الحياة هم أحياء وهم سعداء في الفردوس. ونحن نضع هذه الصور (الأيقونات) لنذكر دائمًا أننا سنعبر نحن أيضًا إلى الفردوس، ونشاركهم تسابيحهم وفرحهم بالله. بعد أيام تلقَّى الكاهن خطابًا من أحد الأطفال يقول فيه: "منذ رأيت حامل الأيقونات في كنيستك، لم أعد أخاف من الموت سواء لي أو لأحد أفراد أسرتي".

ثالثًا: كتب أحد الأحباء بإيست برانزوك: [الألحان والطقس في الكنيسة هي أدوات قوية وجميلة تجعلنا ملتصقين بالله، وتسمح لنا بنظرة خاطفة للحياة السماوية. استخدم الآباء أنغام موسيقية متنوعة، وطقوس متباينة خلال الفصول المختلفة من السنة، خلال الأصوام والأعياد تسمح لنا بالتلامس الروحي للصلوات والأسرار التي تقدمها عبادتنا.

هذا الأمر واضح على وجه الخصوص في سبت الفرح (ليلة أبوغلامسيس) حيث يجتمع المؤمنون معًا ويسهرون بالقرب من قبر المسيح طوال الليل، يشهدون لنصرة الصليب على ظلمة الهاوية. نرى في الصلاة الأولى التي يتغنَّى بها الكاهن على باب الهيكل الملكي كما أمام القبر، يترنم بالمزمور 151: "أنا الصغير بين إخوتي". وكأن الكنيسة تشرح لأبنائها الذين يمارسون طقس سبت الفرح، أنه وإن كان مظهر الصليب فيه ضعف المسيح بخضوعه للموت، إلا أنه هو الذي يُحَطِّم الموت. عندئذ يقف المؤمنون ويطوفون في موكب داخل الكنيسة، يمسكون الشموع ليُعلِنوا أن المسيح هو النور الذي يبدد الظلمة. كل لحظة من لحظات هذه الليلة هي درس حيّ يُلهب قلوب المؤمنين، ويقوّي إيمانهم. ننطلق من كل قصص الخلاص (سوسنّة، والثلاث فتية في أتون النار، ودانيال في جب الأسود...) إلى تسابيح رائعة تعلن قوة السيد المسيح ولاهوته، مثل لحن "أجيوس أثاناتوس ناي نان" أي "أيها الخالد ارحمنا"، حتى نبلغ إلى السماء بالقراءات والألحان التي في سفر الرؤيا. هكذا تنطلق الكنيسة بأبنائها من قبر الجمعة العظيمة إلى أورشليم السماوية، واحتفالات القيامة.]

هذا مثل لروعة طقس سبت النور بقراءاته وألحانه، وأرجو أن أُشير في حديثنا عن "تقويم الكنيسة القبطية" إلى الألحان الكنسية والطقوس بقراءاتها كيف تكشف عما وراء المناسبة ما يخص خلاصنا ونمونا الروحي والشهادات الحيّة لعمل الثالوث القدوس من أجل أبدينا[448].

5. ما هي النغمات التي تستخدمها الكنيسة القبطية في عبادتها؟

توجد خمس نعمات تستخدمها الكنيسة في عبادتها:

أ. النغمة السنوية annual: تُستخدَم في الأيام العادية خلال السنة.

ب. النغمة الشعانيني: تُستخدَم في أحد الشعانين، حيث استقبلت الجماهير السيد المسيح عند دخوله أورشليم، اشترك فيها الأطفال والرُضّع.

"أوصنًا" أو "هوشعنا" كلمة عبرية تعني "خلصنا". فقد دخل السيد المسيح إلى أورشليم بكونه حمل الله الذي يحمل خطية العالم، مقدمًا نفسه ذبيحة على الصليب. كما تُستخدَم في عيديّ الصليب.

ج. النغمة الصيامي (الحزايني): نستخدمها في الصوم الكبير، وهي تحمل نوعًا من الحزن الذي يهب النفس سلامًا. سرّ الحزن ليس التنسك في الأكل والشرب، وإنما الرغبة في التوبة عن الخطايا.

د. نغمة كيهك: تستخدم في شهر كيهك الذي فيه نتذكَّر القديسة مريم التي بشرها رئيس الملائكة جبرائيل أنها تحمل بعمل الروح القدس الذي يحل عليها ويُهَيّئها كي يتجسد كلمة الله في أحشائها، والذي يملك إلى الأبد، بكونه ملك الملوك. ونحن أيضًا في صوم الميلاد نعلن شوقنا أن نركز أنظارنا على ملكوته الذي في داخلنا (لو 17: 21)، مشتهين أن يتشكَّل كلمة الله في كل البشرية، لتصير عروسًا سماوية للعريس السماوي.

خلال هذا الشهر الكيهكي تُعلن الكنيسة تهليلها بميلاد ربنا يسوع المسيح: هذا الميلاد الذي أبهج السمائيين، إذ أعلن لهم سرّ الحكمة الإلهية لخلاص البشر المؤمنين.

ه. النغمة الفرايحي: تستخدم في الأعياد السيدية الكبرى والصغرى وأيضًا في الخماسين المقدسة، والفترة من عيد النيروز (رأس السنة القبطية) إلى عيد الصليب. وأيضًا من عيد الميلاد حتى عيد الختان. فإن كانت نفوسنا تتهلل بعمل السيد المسيح الخلاصي سواء بميلاده أو تجليه أو قيامته وصعوده إلى السماء... فإن هذا العمل يتجلّى بقوة في حياة الشهداء الذين نحتفل بهم يوم عيد النيروز حتى عيد الصليب المجيد[449].

6. لماذا تُرنم الألحان بالطريقة القصيرة أو المختصرة وأحيانًا الطويلة؟

في الكنيسة الأولى لم تكن توجد كنائس في بعض القرى، وكان كثيرون يحضرون من غروب يوم السبت حتى فجر أو صباح الأحد للاشتراك في القداس الإلهي، فكان المؤمنون يُسَبِّحون طوال الطريق من القرية إلى كنيسة المدينة، وأيضًا بعد العشية حتى بداية صلاة باكر حتى لا ينشغل الحاضرون بأمور زمنية. هكذا يليق بالكنيسة أن تُقَدِّم العبادة حسب ظروف الشعب.

7. هل الألحان الكنسية مُجَرَّد تراث نحتفظ به؟

غاية الألحان ليس السباق الذي يدَّعيه البعض ممن يظنون أنه يُحافِظ على تراث الكنيسة بطريقة حرفية جافة، غالبًا ما تكون بلا روح وبلا هدف، وهذا ما يُحزِننا عندما يشعر الشخص أنه حارس وفيّ للألحان، متجاهلاً الغاية الحقيقية وهي خلاص إن أمكن كل البشرية.

يليق بنا - خاصة في الليتورچيات - مراعاة تحقيق غاية الألحان والتسبيح:

أ. رأينا أن الله في حُبِّه للإنسان، خلقه موسيقارًا متهللاً، يُشارِك السمائيين فرحهم به، وتسابيحهم له. يمارس على الأرض الحياة السماوية التي تعرف الفرح الدائم. يُرَنِّم المرتل، قائلاً: "ابتهجوا أيها الصديقون بالرب، للمستقيمين ينبغي التسبيح. اعترفوا للرب بقيثارة، وبكينارة ذات عشرة أوتار رتلوا له. سبحوا له تسبيحًا جديدًا؛ ورتلوا له حسنًا بتهليلٍ" (مز 33: 1-3).

ب. لا تقف الألحان عند عذوبة الصوت أو حفظ الإيقاع الموسيقي، إنما بالأكثر صدور فيض روحي حقيقي جذَّاب نحو التمتُّع بالسماويات. لهذا يؤكد الرسول بولس أنه يلزمنا أن نُسَبِّح بالروح وبالذهن أيضًا (١ كو ١٤: ١٥)، فلا ننطق بكلماتٍ غير مفهومة! يقول القديس يوحنا كاسيان: [لم يهتم (الرهبان المصريون) بكمية الآيات (التي تُرنَّم في الصلاة) بل بضبط الفكر، هادفين نحو "أُرَنِّم بالروح، وأُرَنِّم بالفهم". هكذا يعتبرون أن التسبيح بعشرة آيات بفهمٍ وفكرٍ أفضل من سكب مزمور كامل بذهن مُشوَّش. هذا يحدث أحيانًا بسبب سرعة المتكلم حين يفكر في المزامير الباقية التي تُرَنَّم وعددها، ولا يهتم بأن يكون المعنى واضحًا لسامعيه، فيسرع لكي ينهي الخدمة[450].]

ج. لاحظ القديس يوحنا كاسيان أن في زيارته للأديرة المصرية الاهتمام بعدم الإطالة في الألحان في اللقاءات الكنسية حتى في الأديرة، وذلك من أجل الحديثين في الرهبنة.

د. التركيز في كل الألحان على عمل الله الخلاصي، حتى في تماجيد السمائيين والقديسين وكل التذكارات الخاصة بالكنيسة الجامعة، فتُبتلَع كل عواطفنا ومشاعرنا في الحب الإلهي الأبدي!

ه. تَشَبُّهًا بالسمائيين، يليق بالمؤمن ألاَّ ينفرد وحده أو مع قلة من الجماعة المقدسة بلحنٍ ما.

و. يجب فرز المدائح الروحية اللاهوتية (مثل الثيؤطوكيات) من المدائح الهزيلة (المواويل).

ز. التسبيح والصلاة بروح الحُبِّ الوقور والمُمتزِج بالمخافة الربانية.

ح. يلزم أن يكون الشمامسة خدام للكلمة للربط بين التسبيح وكلمة الله.

ط. أَكَّد مار يعقوب السروجي أنه يليق بالمؤمن أن يُسَبِّح الله بكل كيانه: بجسمه ونفسه وروحه وعقله، فيصير أشبه بقيثارة ذات أوتارٍ متنوعةٍ يعزف عليها روح الله القدوس سيمفونية حب سماوية فكل حياتنا حتى النفس الأخير! وكما يقول المرتل: "أغني للرب في حياتي، أرنم لإلهي ما دمت موجودًا." (مز 104: 33)

يقول مار يعقوب السروجي:

[يا رب لن أَتوقَّف عن تسبيحك، حتى بعد وفاتي.

من يحيا لك وبك لا يموت؛ ولا يقوَ صمت الموت على إسكاته.

البشر مخلوقون ليُسَبِّحوا كثيرًا، ولعلهم يذكرون التسبيح كل يوم بفيضٍ!...

فم الإنسان مُتقن، كأنما لتسبيح الرب، ومن يتوقَّف عن التسبيح يصير ناكرًا (للجميل).

ولهذا لك الفم لتُسَبِّح به وتشكر به وتهلل به وتبارك به[451].]

[يا ابن الله ليكن لك فمي مبخرة الألحان، وبدل البخور اقبل التسبيح من الضعيف...

لتكن ميامر إيمانك ذبيحة سلامية، فاقبلها في بيت المغفرة كالقربان (مز 51: 18-21).

ليكرمك لساني بالتراتيل بدل الذبائح، وليُذبح لك كل شكرٍ بكل الألحان[452].]

[أنت فاتح الأفواه المُغلَقة لتتكلم، مَن يقدر أن يفتح فمه بدونك؟ مرةً حتى الأتان تَكَلَّمت (عد 22: 22-30)، ليعرف كل أحدٍ بأنه يسهل عليك أن تعطي النطق حتى للبهيمة[453].]


 

15. التقويم الكنسي القبطي

والحياة اليومية المتهللة في الرب

1. ما هو الهدف من التقويم الكنسي؟

أولاً: إن كانت الحياة مملوءة بالضيقات والتجارب، فرسالة التقويم الكنسي أن يختبر المؤمن ما قاله إرميا النبي في وسط مراثيه: "لأن مراحمه لا تزول، هي جديدة في كل صباح... نصيبي هو الربُّ قالت نفسي." (مرا ٣: 22-٢٤) مع كل صباحٍ يشعر المؤمن أن روح الله القدوس قائدنا ومُعَلِّمنا (يو ١٤: ٢٦) يحملنا بجناحي الحُبِّ والحنو، ويدخل بنا إلى مسيحنا الطريق والحق والحياة (يو ١٤: ٦) لنختبر كل يومٍ الحياة المُتجدِّدة فيه (٢ كو ٤: ١٦). هذا هو ما يشغل الكنيسة في كل مناسبة كنسية أن تملأ أعماقنا بالفرح الداخلي، سواء كانت احتفالاً بعيدٍ سيديٍ خاص بعمل الله مع البشرية، أو عيد لكائنٍ سماويٍ أو لطغمةٍ سماويةٍ أو لقديسٍ ما أو لصومٍ مُعيَّنٍ. إنها تدعونا للتمتُّع بعمل الله القدوس لنتذوَّق الحياة السماوية، فنتغنَّى مع الرسول: "أجلسنا معه في السماويات" (أف ٢: ٦).

ثانيًا: كل المناسبات الكنسية في جوهرها لقاء مع الثالوث القدوس لنُمارِس بنوتنا للآب السماوي (رو 8: 15)، وحقوقنا كأعضاء في جسد المسيح (1 كو 6: 15)، وتقديسنا كهيكل لروح الله القدوس (1 كو 3: 16). يدعونا التقويم الكنسي مع بداية كل سنةٍ كنسيةٍ حتى نهايتها ألاَّ نتوقَّف عن التمتُّع بخبرة مُتجدِّدة للشركة مع الثالوث القدوس مُحِب كل البشر!

ثالثًا: في كل المناسبات يُرَكِّز القديس مار يعقوب السروجي وسط الآمه اليومية على جبل الجلجثة بكونه "عُرْس الجلجثة"، حيث يُصلَب مع العريس السماوي ويقوم معه كل يومٍ، ويختبر أن الربِّ ينبوع السلام الداخلي والفرح السماوي! هذا هو دور التقويم الكنسي.

هذا ما يدعونا أن نقف مع كل صباحٍ لننعم بما يُقَدِّمه لنا الربُّ نفسه من خيرات سماوية، وذلك من خلال الخبرة العملية التي عاشها آباء الكنيسة الأولى القديسون حتى الذين أُلقوا في أتون النار! ولا يزال يعيشها المؤمنون الحقيقيون وستعيشها الكنيسة إلى يوم مجيء الرب في اليوم الأخير.

2. ما هو العامل المشترك في كل التقويم الكنسي؟

أولاً: التسبيح. مع كل مناسبة توجد تسابيح وألحان متنوعة، ترفع القلب لنختبر إنجيل المسيح، فنتمتَّع بحياة الفرح السماوي، ونكتشف الفكر اللاهوتي الخاص بالمناسبة بما فيه بنيان النفس ونمو صورة الله في إنساننا الداخلي بالروح القدس.

ثانيًا: التمتع بالتجديد المستمر. تُدعَى الحياة في المسيح يسوع خليقة جديدة على صورة الخالق كقول الرسول: "لبستم الجديد الذي يتجدَّد للمعرفة حسب صورة خالقه" (كو 3: 10). كما يُقَال عن السماء: "هوذا الكل قد صار جديدًا" (2 كو 5: 17؛ راجع رؤ 21: 5). غاية التقويم الكنسي تجديد القلب اليومي بعمل الروح القدس الناري، يشعر المؤمن في كل يوم كما لأول مَرَّة يقف في السماء يُسَبِّح الله، ويتعرَّف على أسراره الإلهية!

ثالثًا: إدراك أن أيامنا هي أيام الرب[454]. في تعليق العلامة أوريجينوس على العبارة الكتابية: "وعَبَدَ (خدم) الشعب الرب كل أيام يشوع" (قض ٢: ٧) يدعونا أن نفحص أيامنا هل هي أيام يشوع أو أيام الربِّ يسوع، أم هي أيام إبليس أو أيام محبة العالم. إذ يتمتَّع المؤمن الحقيقي بعمل الثالوث القدوس تتحوَّل كل أيامه، بل كل نسمات حياته للرب في كل المناسبات هي أيام الرب، فكم بالأكثر يوم الأحد كيوم الربِّ وأيضًا أيام الأعياد؟! بهذا نختبر قول الرسول: "ولكن لا يخفِ عليكم هذا الشيء الواحد أيها الأحباء أن يومًا واحدًا عند الرب كألف سنة" (2 بط 3: 8). يقول العلامة أوريجينوس: [يجب إدراك أنه يليق بكل واحدٍ منا البرهنة هل هو في أيام الخير أم في أيام الشر؟ وهل يقتني "أيام يشوع" التي هي أيام البرِّ، أم يقتني أيام الشر. لأننا إن أدركنا: "النور الحقيقي الذي يُنير كل إنسانٍ آتيًا إلى العالم" (يو 1: 9)، وسلَّمنا أنفسنا إليه كي نستنير، وإذا أشرق "شمس البرّ" (ملا 4: 2) فينا، وأنار عالم أنفسنا، فسنقتني "أيام يشوع"، أي أيام يسوع المسيح، أيام الخلاص.]

أما سمات أيام الرب، خاصة في الاحتفال بالأعياد والمناسبات الكنسية، فهي:

أ. التمتَّع برؤية الجالس على العرش. تنفتح بصيرتنا على الدوام للتمتَّع برؤية السماوي، والشركة مع الطغمات السماوية في التسبيح. لتكن أيامنا أيام الرب، فتنطلق أعماقنا كما إلى السماء.

ب. تَتَّسِم أيامنا بكثرة السلام العظيم، وأما أيام الشر فتُحَطِّم السلام. الرب هو ملك السلام (عب 7: 2). متى صارت أيامنا أيام الرب، يملأ أعماقنا بسلامه حتى في وسط الضيقات. يقول العلامة أوريجينوس: [هل تريدون من النبي معرفة من يقتنون "كثرة السلام"؟ اسمعوا كيف يقول في المزامير: "فليكن سلام عظيم للذين يُحِبُّون اسمك، وليس لهم شك" (مز 118: 165 سبعينية).]

ج. تَتَّسِم أيامنا بالنور الدائم العظيم، أما أيام الشر فنورها مُخادِع. يُمَيِّز أوريجينوس بين النور الحقيقي والنور المُخادِع بالآتي:

1. يرفع النور الحقيقي القلب إلى السماوي، فيشتهي الحياة السماوية، أما النور المُخادِع، فيربط الإنسان بالأرضيات الزائلة من غِنَى ومجد وكرامة، ويحسب هذه الأمور أبدية.

2. ليس من شركة بين المسيح والشيطان، فيأخذ المؤمن قرارًا إما أيامه للرب أو لعدو الخير.

3. من كانت أيامه أيام الرب لا تكمن سعادته في الملذَّات الزمنية، فيحسبها نورًا ساطعًا.

4. من كانت أيامه أيام الرب، يتمتَّع بالنور الإلهي الحق، لا النور الذي يُقدم الباطل.

5. الصلاة أو الالتقاء مع ربِّ المجد يسوع هو الطريق للتمتُّع بالنور الحقيقي.

د. ترتبط أيام الرب بكلمته وحكمته أو الوصية الإلهية: ما يشغل قلب الرسل والمرشدين هو أن نختبر بالنعمة الإلهية عذوبة الوصية وفاعليتها، حيث نَقبَل النور الإلهي، فنستنير ونتذوَّق أيام الرب.

ه. أيام الرب تُطيل أيام الشيوخ: يتحدث أوريجينوس عن الجنين يوحنا المعمدان، الذي لم يكن قد وُلِد بعد حين قامت القديسة مريم بزيارة بيته، فقام بعمل كرازي فائق، وهو بعد جنين في الشهر السادس من الحبل به، فيُحسَب أكبر من رؤساء الكهنة والكهنة الذين لم يبالوا باللقاء مع الطفل يسوع! أيام الجنين يوحنا في عيني الله، أطول من السنوات التي عاشها هؤلاء القادة الذين لم يتمموا رسالتهم ككارزين بالحق الإلهي. أيام القديسين تُدعَى طويلة، لأنها أيام حب ثمينة، كل نسمة من نسمات حياتهم لا يمكن تقديرها. أما الأشرار الذين تبرد محبتهم، فأيامهم قصيرة وتافهة وزائلة! عن هؤلاء قيل: "أيها الاحباء إن يومًا واحدًا عند الرب كألف سنة، وألف سنة كيومٍ واحدٍ" (2 بط 3: 8).

و. من كانت أيامه أيام الرب يَعرف يوم الخلاص بالصليب. كل أعمال الله عظيمة وفائقة، لكن سرً عظمتها ارتباطها بيوم الفداء أو بالصليب!

3. ما هي الفائدة من التقويم الكنسي السنوي؟

يوجد خط يلزم ألا ننحرف عنه يمينًا أو يسارًا. لقد أعلن مُخَلِّص العالم بكل وضوحٍ: "أنا هو الطريق والحق والحياة" (يو 6:14)، وقد سبق فحذَّر شعبه في العهد القديم ألاَّ ينحرفوا عن الطريق يمينًا أو يسارًا (تث ٥: ٣٢). ففي كل احتفالٍ بمناسبة كنسية، إن لم يلتهب قلب المؤمن بالحُبِّ لله ولإخوته، والاشتياقإلى الحياة السماوية، لا يُحسَب احتفاله كنسيًا إنجيليًا روحيًا مقبولاً لدى الله!

4. ما هي دورات التقويم الكنسي القبطي Coptic Church Calendar Cycle؟

يحوي التقويم الكنسي دورات مُفرحة مختلفة: على المستوى اليومي والأسبوعي والشهري والسنوي.

5. ما هي الدورة الكنسية اليومية؟

أكَّد القدِّيس باسيليوس الكبير أهميَّة صلوات السواعي (الأجبية) لنمونا الروحي وتمتعنا بفرح الروح، وكشف عن أهميَّتها، قائلاً: [ينبغي على الذين اختاروا أن يعيشوا حياتهم ساهرين لمجد الله ومسيحه ألاَّ يسقطوا أو يهملوا إحدى هذه الصلوات.] يكشف لنا سفر أعمال الرسل عن ممارسة الكنيسة الأولى لصلوات السواعي: الساعة الثالثة (أع ٢: ١، ٥)، والساعة السادسة: (أع ١٠: ٩)، والساعة التاسعة (أع ٢: ١)، وصلاة نصف الليل (أع ١٦: ٢٥). صلوات الساعات يمكن أن يُصلِّيها الإنسان أينما وُجد العمل دون أن يشعر به أحد.

أ. صلاة باكر (الفجر): يتذكَّر المؤمن قيامة السيد المسيح، فيشعر ببهجتها مع كل صباحٍ، إذ يتمتَّع بالحياة الجديدة المُقامة، الغالبة للموت. فلا يرتبك بأي قلقٍ أو تخوُّف من أحداثٍ تبدو كأنها تتم مصادفة، إنما يدرك أن كل ما يمر به هو بإرادة الله أو بسماحٍ منه كضابط الكل، محب البشر!

ب. الساعة الثالثة: نذكر حلول روح الله القدوس على الكنيسة في يوم البنطقستي، فنسأله أن يعمل في حياتنا: "قلبًا نقيًا أخلق فيّ يا الله، وروحًا مستقيمًا جدده في أحشائي" (مز 51).

ج. الساعة السادسة: يذكر المؤمن صلب رب المجد لأجل خلاصه. وإذ يحاربنا شيطان الظهيرة (حيث الخمول والضجر) نصلِّي لكي ننجو منه (مز ٩٠).

د. الساعة التاسعة: نتذكَّر قبول اللص اليمين وموت السيد المسيح بالجسد. وهي تسليم رسولي، حيث صعد الرسولان بطرس ويوحنا إلى الهيكل يصلِّيان في وقت الساعة التاسعة (أع 3: 1).

ه. الساعة الحادية عشر (الغروب): نتذكَّر إنزال جسد المسيح؛ كما نشكر الله على انقضاء النهار في رعايته ومن أجل عطاياه وما صنعه معنا وفينا من صلاحٍ مع اعترافنا بعجزنا.

و. الساعة الثانية عشر (النوم أو بدء الليل): نتذكَّر دفن جسد المسيح؛ كما نذكر رقادنا ورحيلنا من العالم، ونُصَلِّي لكي تكون لنا راحة أثناء نومنا بغير انزعاج أو خيالات تثير الخوف.

ز. صلاة نصف الليل: تسلَّمناها من القدِّيسين بولس وسيلا (أع ١٦: ٥). يقول المرتِّل: "في نصف الليل نهضت لأشكرك على أحكام عدلك" (مز 119: 62). نذكر مجيء السيد المسيح العريس السماوي على السحاب. فكما نفتتح اليوم ببهجة القيامة، نختمه في نصف الليل ببهجة اللقاء مع العريس السماوي. هكذا يتحوَّل كل يومٍ إلى عيدٍ مُفرِحٍ، حاسبًا الرب هو عيده الدائم.

6. ما هي الدورة الكنسية الأسبوعية؟

في يوم الأحد يُمارِس المؤمن الحياة المقامة في المسيح يسوع، فيتقدَّس الأسبوع كله.

وتُكَرِّس الكنيسة يومي الأربعاء والجمعة للصوم تذكارًا لخيانة يهوذا وللصلب. وكأنها تدعو أبناءها إلى عدم التخوُّف من المقاومين والخونة، بل وحتى من الصالبين والمُضطهِدين لنا، بل بفرحٍ نحسب أننا نُصلَب مع ربِّ المجد يسوع مُخَلِّصنا. ويُحسب صوم يومي الأربعاء والجمعة إعدادًا للإحتفال بعيد القيامة الأسبوعي (في يوم الأحد).

7. ما هي الدورة الكنسية الشهرية؟

ننعم بتقديس كل الشهور باحتفالنا شهريًا بتذكار القديسة مريم والدة الإله الثيؤطوكوس كل ٢١ من الشهر القبطي فنشتهي دومًا أن فنتطلع إلى القديسة مريم كنموذج حي للمؤمنين، والعضو الأول في كنيسة السيد المسيح، ونسلك كحاملين السيد المسيح الذي يقيم ملكوته في أعماقنا.

وأيضًا في ٢٩ من الشهر القبطي نذكر البشارة والميلاد وقيامة السيد المسيح (ما عدا شهري طوبة وأمشير)! وكأن المؤمن يذوب حبًا خلال اتحاده بالمخلّص مع كل ساعةٍ وكل يومٍ وكل أسبوعٍ وكل شهرٍ!

كما نحتفل بتذكار رئيس جند الربِّ رئيس الملائكة ميخائيل، كل يوم ١٢ في الشهر القبطي، فيشعر المؤمن أنه جندي صالح لربنا يسوع (2 تي 2: 3) وقد انضم إلى صفوف القوات السمائية.

هذه هي سعادة المؤمن وفرحه الدائم عى المستوى اليومي والأسبوعي والشهري كما السنوي.

8. ما هي الدورة الكنسية السنوية؟

هذه الدورة في حقيقتها تكاد تضم كل أيام السنة، فنحتفل بالأعياد السيدية الكبرى والصغرى وأعياد الثيؤطوكوس وأعياد القديسين وأعياد تكريس الكنائس والأصوام، وفي هذا كله نُرَدِّد في أعماقنا ما سجَّله القديس أثناسيوس في إحدى رسائله الفصحية: المسيح فصحنا (1 كو 5: 7)، هو عيدنا.

9. ما هي الأعياد السيدية الكبرى؟

يمكن التمييز بين الأعياد السيدية حسب دورها في الخلاص الذي قدَّمه السيد المسيح. أما الأعياد السيدية الكبرى فهي:

أ. عيد البشارة (٢٩ برمهات). كرَّر الإنجيلي كلمة "عذراء" وكأنه أراد تأكيد عذراويَّتها ليعلن أن السيِّد المسيح ليس من زرع بشر. هذا ما أعلنه حزقيال النبي (حز 44: 2-3). سمعت القدّيسة مريم الملاك يقول لها: "الرب معكِ"، وكان لهذا التعبير مفهومه الخاص بالنسبة لها، فقد ذاقت معيّة الله على مستوى فريد، إذ حملت كلمة الله في أحشائها، وقدَّمت له من جسدها ودمها! يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [إن كان ابن الله قد صار ابنًا لداود، فلا تشك يا ابن آدم أنك تصير ابنًا لله. إن كان الله قد نزل أعماقًا كهذه، فإنَّه لم يفعل هذا باطلاً، إنما ليرفعنا للأعالي! وُلِد بالجسد، لكي تولد أنت ثانية حسب الروح. وُلد من امرأة، لكي تصير أنت ابنًا لله[455].]

ب. عيد الميلاد (٢٩ كيهك). كان مولود المذود مجهولاً من البشر لكنه يتحرَّك لخدمة البشرية:

1. أرسل ملاكًا على هيئة كوكبٍ إلى جماعةٍ من المجوس، يقول القدِّيس مار يعقوب السروجي: [صاروا كارزين له وهم سائرون في الطريق، يُبَشِّرون بأن ملكًا للعالم كلّه قد أشرق. انبسطت كرازتهم لأميال في الطريق، وكسروا قلوب الملوك الذين جازوا في تخومهم، حثَّهم الحق ليكونوا له كارزين.

2. فتح أبواب السماء وأرسل فرقة تسبيح تبشر رعاة لامعروفين.

3. ذهب إلى مصر يلتقي بمصريين لامعروفين ليقيم منهم شعبه المبارك.

4. بعث موكب أطفال بيت لحم اللامعروفين، ليبشروا الذين في الجحيم بقرب مجيئه إليهم، ليحررهم من ظلمته وقيوده.

ج. عيد الغطاس (11 طوبة). مع دخول السيد المسيح نهر الأردن يشعر كل مؤمن أنه يدخل إلى ذات الأردن حين يغطس في جرن المعمودية ثلاث مرات بسم الثالوث القدوس: الآب والابن والروح القدس. يتمتَّع بالتبني فيصير حقًا طفلاً جديدًا مولودًا بالروح وناميًا ليتمتَّع بكمال حقوقه كابن لله إلى النضوج ويصير له حق الشركة في المجد مع الابن الوحيد الجنس يسوع المسيح.

يرى المؤمن أبواب السماء مفتوحة، ويسمع صوت أبيه السماوي الذي يُعلِن إنه قد صار ابنًا محبوبًا موضوع سروره، لأنه صار عضوًا في جسد المسيح. يلتهب قلب المؤمن مشتاقًا أن يلقي بالعالم كله تحت قدميه، منشغلاً بحضن الآب.

د. أحد الشعانين. تطلَّع السيد المسيح إلى موكب أحد الشعانين أنه موكب المجد خلال الصليب، فقد أتت الساعة ليتمجَّد ابن الإنسان (يو 12: 23)، بتقديم نفسه حمل الفصح عن العالم كله، ليَعْبُرَ بالمؤمنين من عبودية إبليس إلى السماء. وتطلَّع إليه رجال العهد القديم وهم في الجحيم، ليروا تحقيق الرموز والنبوات، وقد حان الوقت ليأتي مَنْ يَخرُجُ بهم إلى الفردوس، حاملاً إياهم غنائم سماوية. وتطلَّع التلاميذ إلى الموكِب، ولم يفهموا شيئًا! دخلوا في حالة ارتباكٍ شديدٍ! وتطلَّع رؤساء الكهنة والفريسيون إلى الموكِب أنه دمار تام لمراكزهم ومصالحهم الشخصية. وتطلَّعت الجموع إلى الموكِب أنه دخول إلى عصرٍ جديد، حيث جاء مَنْ يُخَلِّصهم من الاستعمار، ويهبهم مجدًا زمنيًا! وتطلَّع السمائيون إلى الموكِب وهم يدهشون أمام تواضع كلمة الله المتجسد، وهو ملك السماء والأرض، يجلس على جحش، ويزفه بشر ضعفاء؛ ماذا وراء تواضعه هذا وحبّه للبشر؟!

ه. أحد القيامة. حَوَّلت قيامة السيد المسيح صلبه وموته من تاريخٍ مؤلمٍ إلى عيدٍ غيَّر تاريخ البشرية ومفاهيمها وتطلعاتها. ينتهي طقس الجمعة العظيمة الذي يسوده نغمة الحزن الباعث تعزيات إلهية ليبدأ طقس "سبت الفرح"، وهو امتداد طبيعي للجمعة العظيمة. فإننا إذ نذكر موت السيد المسيح ودفنه نراه ينزل إلى الجحيم ليلتقي مع كل الذين ماتوا على الرجاء. كم كانت فرحة آدم وحواء، وإبراهيم صاحب العهد وسارة، ويعقوب وبنيه، وداود النبي وغيره من الأنبياء. فقد انكشفت أمامهم بالأكثر نبواتهم، ورأوا ذاك الذي يدعى "مشتهى الأمم". يرونه قادمًا ليُحَطِّم بصليبه متاريس الهاوية، ويحملهم كغنائم مقدسة على كتفيه ويدخل بهم في الأبواب الدهرية المرتفعة!

حَطَّم السيد المسيح بقيامته سلطان الموت، وحَرَّرنا من عبودية الخوف منه. يقول القديس أثناسيوس الرسولي: [قد تحرَّر العالم بدم المُخَلِّص، وبالموت داس الموت، ممهدًا طريق الأمجاد السماوية بغير عقبات أو حواجز لهؤلاء الذين ينمون. [

و. عيد الصعود. أمام مشهد الصعود الذي لا يفارق عينيّ المؤمن الحقيقي، يليق بنا أن ندعو نفوسنا كي تسرع وتحمل قيثارة الروح، فتتحوَّل حياة المؤمن كلها، تحت كل الظروف، إلى ممارسة العزف الموسيقي الروحي بلا انقطاع. يعيش المؤمنون هنا كفتاة مخطوبة تتغنى بعظمة عريسها، فتشترك النفس مع الجسد وكل الطاقات لتمارس الفرح السماوي على انتظار يوم عُرْسِها الأبدي.

انطلق آدم الثاني "الرب من السماء" (1 كو 15: 47)، ليُقَدِّم الجوهرة المفقودة للآب. الآن لا نعود نسمع مع آدم الأول: "لأنك تراب وإلى تراب تعود" (تك 3: 19). إنما إذ نستتر في آدم الثاني نسمع كما يقول العلامة أوريجينوس: "أنت سماء وإلى سماءٍ تعود".

ز. أحد العنصرة. كثيرًا ما يقارن بعض الآباء والمفسرين بين بلبلة الألسن (تك 11: 1-9) التي حدثت بعد الطوفان في أيام نوح، وبين تمتع التلاميذ والرسل بعطية الألسن المتنوعة. اجتمع البابليون وخطَّطوا لبناء برج، وكان غايتهم التحدِّي ضد الله نفسه. وأما التلاميذ ومن معهم في علية صهيون، فكانوا في ضعفٍ يترقَّبون تحقيق الوعد الإلهي، لكي ينالوا قوة من الأعالي. فيكرزون ببشارة الخلاص، ويردّون البشرية من كل الأمم والشعوب والألسنة إلى الله في حبٍ وتواضعٍ وتسليمٍ لمشيئة الله المقدسة. يقول القديس مار يعقوب السروجي: [وزَّع الله اللغات بين البشر، وهذه اللغات نفسها هي التي وهبها للرسل تلاميذه. بدون تعليم ولا ممارسة، بالروح نطق التلاميذ بكل اللغات. أُرسِل هذا الغِنَى إلى التلاميذ ليتكلموا بألسنة جديدة دون أن يتعلموها.]

10. ما هي الأعياد السيدية الكبرى الصغرى؟

أ. عيد الختان (٦ طوبة). خضع الطفل يسوع للناموس، فاختتن وصلى وصام وتعبَّد. هكذا أعطى للطاعة كرامة إلهية إذ صارت سمة الخالق المتجسد. صار السباق في ميدان الطاعة مكافأته الشركة في احدى سمات السيد المسيح. لذلك يحثّ الرسول الأبناء أن يطيعوا الوالدين "في الربّ" (أف 6: 1). لم يكن السيد المسيح محتاجًا أن يختتن، لكنه حوَّل ختان الجسد إلى الختان الروحي، حيث في مياة المعمودية يصلب الروح القدس الإنسان القديم فينا ويخلع أعماله عنا، ويهبنا الإنسان الجديد المُقام لنشاركه الحياة المقامة المجيدة المتهللة. وهكذا مع نوالنا امكانية الطاعة في المسيح يسوع نحيا حياته الجديدة.

ب. عيد عرس قانا الجليل (1٣ طوبة).

يقول القديس مار يعقوب السروجي: [كان يليق أن يبدأ (السيد المسيح) بالمعجزات في العُرْسِ، وفي بيت الزواج يمدّ اليد للقداسة،

ركض ووقف على الباب الذي يُدخِل الجنسَ لكي ينشر التعليم لكل من يأتي إلى العالم،

أتى ليخطب عروس النور بصلبه، فتوجه أولاً حيث كانت توجد العروس الزمنية،

كان يستحسن أن يصنع النصرة في العرس، ليتتلمذ كل المتكأ بتلك الأعجوبة،

المسيح أيضا كان ختنا قديم الأجيال، وقد أتى ليخطب بيعة الشعوب بذبيحته،

وبما أن عرسه كان بعيدا بعض الوقت، فقد أخذ الهدية وذهب ليجلبها مثل القريب،

لقى التقليد على ذلك العريس الذي دعاه، بحيث عندما يصنع عرسَه يُقبلون إليه،

دعوه وذهب حتى عندما يدعوهم يذهبون معه، واتكأ عندهم ليُتكئهم على مائدته،

أبان هناك بأن طريق الزيجة طاهرة، والزواج مُتقن جيدًا من قبل الله.]

ج. عيد دخول المسيح الهيكل (8 أمشير). إذ دخلت القديسة مريم إلى الهيكل تحمل الطفل يسوع (لو 2: 21-36)، يبدو أن سمعان الشيخ انفتحت بصيرته الداخلية، فرأى ملاك الهيكل متهللاً ومسبحًا الرب، قائلاً: "بلاهوتك تملأ هذا الهيكل، والآن تدخله متجسدًا! إنني سعيد أن أستقبلك!" غالبًا ما اجتازت سمعان الشيخ ثلاث مشاعر هزّت كل أعماقه، فصار قلبه يصرخ:

1.  مرحبًا بك يا مالئ السماء والأرض في هيكلك، هوذا ملاك الهيكل مع صفوف السمائيين ومؤمنو العهد القديم يقيمون موكبًا للاحتفال بدخولك في هيكلك؟

2.  مرحبًا بك في قلبي، بيتك الجديد، الذي يقدسه لك روحك القدوس.

3.  متى انطلق إلى بيتك السماوي، فأجد الكل يرحب بي. لهذا "أخذه على ذراعيه، وبارك اللَّه، وقال: الآن تُطلق عبدك يا سيد حسب قولك بسلام، لأن عينيّ قد أبصرتا خلاصك الذي أعددته قدام وجه جميع الشعوب، نور إعلان للأمم ومجدًا لشعبك إسرائيل" (لو 2: 21-36).

د. خميس العهد. إذ يحلّ خميس العهد تمتلئ نفس المؤمن رهبة، ويشتهي أن يرافق المخلص في رحلة هذا اليوم الخطير. فهي رحلة تحمل مظهر المرارة مع عذوبة الحب الإلهي الفائق.

بينما كانت البشرية قد انشغلت تمامًا بالتخلُّص منه إذ هو في نظرهم سلب العالم كله من القيادات اليهودية وحوَّله إليه. ماذا قَدَّم لنا مُخَلِّصنا في هذا اليوم؟

أولاً: جاء إلينا يطلب منا أن نُقَدِّم له أقدامنا الدنسة ليغسلها ويطهرها! في خجل شديد نُقَدِّمها وقَدَّم قلوبنا إليه إذ هو غافر الخطايا، وغاسل النفوس! هب لنا يا مخلصنا أن نحمل مجد الشركة معك في عملك الفائق، فنتضع معك مشتاقين أن نغسل أقدام إخوتنا، فلا نعود ندين أحدًا، ولا نضطرب حتى لمقاومتهم لنا. لنشتهي أن نحمل ضعفاتهم، ونُصَلِّي لأجل خلاصهم ومجدهم.

ثانيًا: جاء إلينا ليُقَدِّم جسده ودمه المبذولين، فنثبت فيه وهو فينا! حب فائق لم ولن نسمع عنه قط! ليس من يموت ويُقَدِّم جسده ودمه لمحبوبه ليرتبطا معًا، ويصيرا واحدًا.

بينما أعلن المخلص حبه العملي لكل العالم، إذا به يكشف عن خيانة ضده تحدث من أحد تلاميذه. وكما يقول القديس مار يعقوب السروجي: [أعلن لرسله بأن واحدًا منكم يسلمني، فخاف الودعاء من الخبر الذي سمعوه من الصادق.

اضطربوا وانزعجوا وقلقوا ونظروا إلى بعضهم بعضًا، وارتجفوا وتحيروا مثل الأشقياء.

تصاعدت الكآبة كالدخان من قلوبهم، وتغير لون وجوههم المحبوب.

جاءت الكآبة ولفّتهم من كل الجهات، وأمضوا المساء المملوء قلقًا بالضيقات.

نعم بالحقيقة كانت تلك الوليمة مُرَّة، وتراكمت الضيقات الواحدة تلو الأخرى على التلاميذ.

سمعوا بأن مُعَلِّمهم يموت من قبل اليهود، فانزعجوا، وسمعوا بأن واحدًا يسلمه، فاضطربوا[456].]

ثالثًا: مع بداية ليلة الجمعة العظيمة تهتف الكنيسة في كل ساعة، قائلة: "قوتي وتسبحتي هو الرب، وقد صار لي خلاصًا مقدسًا" (إش 12: 2). ففي بستان جثسيماني ترى مُخَلِّصها كما في حزنٍ شديدٍ يهب المؤمنين ذاته قوة وتسبحة وخلاصًا! يُحَدِّثنا مسيحنا عن الروح القدس الباراقليط ويتحدث مع الآب في صلاته الوداعية؛ وكأنه يعلن عن شوقه أن يهبنا روحه المعزي لكي يدخل بنا إلى حضن الآب. يحملنا معه، لندخل معه في بستان جثسيماني، نعترف له، إننا كثيرًا ما نسقط كما في نومٍ عميقٍ مع تلاميذه، لأنه يصعب علينا جدًا أن ندرك سرّ الحب الذي أعلنه في حديثه مع الآب. ربما منذ أقل من ساعة انحنى أمام البشرية مشتاقًا أن يغسل أقدام قلوبهم. ها هو ينحني بالحب أمام الآب، قائلاً: "لتكن إرادتك لا إرادتي" (لو 22: 42). إرادته وإرادة أبيه واحدة، فإذ صار إنسانًا أعلن خضوعه وطاعته نيابة عنا جميعًا.

ما هي إرادة أبيه أو إرادته إلا أن ينحني ويحمل كل ثقل خطايا العالم كله! رآه إشعياء النبي وهو في البستان قبل دخوله فيه بأكثر من سبعة قرون فقال: "من ذا الآتي من أدوم، وثيابه حُمر من بصرة؟ هذا البهيّ بملابسه، المتعظم بعزة قوته... ما بال لباسك حمراء، وثيابك كدائس المعصرة؟! إني دست المعصرة وحدي، ومن الشعوب لم يكن معي أحد" (إش 1:63-3).

نعود في خجل ونقول: "إننا لم نقدر أن نسهر معه ساعة واحدة في وقت التجربة، ارحم نفوسنا الضعيفة وشددها لكي بروحك القدوس تشترك في آلامك والصلب معك، فتذوق بهجة قيامتك".

رابعًا: لتُيقظ نفوسنا المسكينة كما أيقظت تلاميذك في البستان. نود ألا نهرب حين تلقي الجماهير القبض عليك، بل نسير معك حتى إلى الصليب. هنا نقف مع القديسة مريم والدتك، والقديس يوحنا الحبيب. نستلم أمك أمًا لنا، ونُحسَب أعضًاء في الأسرة السماوية.

خامسًا: نراه وسط هياج الجماهير يهتم بأُذن عبد فيشفيها! هب لنا هذا الروح يا أيها المحب!

أخيرًا اسمح لينا أن نُرافِقك أثناء محاكمتك الغريبة. وأنت ديَّان الكل لا تريد أن تدين أحدًا، بل أن تخلص، إذا بالمدنيين والكنسيين (مجمع اليهود) يتجاسرون على تقديمك للمحاكمة كمجدفٍ وصانع شر! صمتَّ ولم تدافع عن نفسك (مت 26: 63)، حتى نصمت نحن أيضًا حتى إن وقف العالم كله ضدّنا! ليحكم العالم علينا، ففي هذا شرف عظيم لا نستحقه، أن نشاركه هذا الاحتمال!

لتصرخ كل الجماهير: "أصلبه! أصلبه!" (لو 23: 21)، فإننا نستحق الصلب، أما هو فبحبه سمح لهم بذلك. حقًا يليق بنا أن نعترف بأننا مستحقين للصلب. مع كل خطية نرتكبها تخرج هذه الصرخات المرة!

سادسًا: بروحه القدوس يحملنا إلى أحداث الجمعة العظيمة، لنراها خطة إلهية سبق فأَعَدّها ليحمل المخلص آثامنا، دافعًا دمه الثمين، ليهبنا برّه إلى الأبد. وهكذا تبقى أحداث الصليب التي رآها الأنبياء فتهللوا سرّ تسبحتنا ليس فقط أثناء جهادنا هنا بل ونحن في الأبدية.

الآن إذ تنطلق نفوسنا معه في الجمعة العظيمة نقف في حيرة أمام الأحداث. لكل ساعة بل ولكل دقيقة من دقائق هذا اليوم لها تقديرها الخاص، وتقدم حدثًا عجيبًا ومذهلاً.

نرى السمائيين في حيرة، ماذا يحدث لخالقهم المهوب بأيدٍ بشرية، وكانوا متأهّبين لإفناء البشرية في لحظات، لكنهم رأوه عجيبًا في قبوله الآلام بمسرةٍ! ووقفت الطبيعة تترقَّب ماذا يحدث، لقد أعلنت عن غضبها على قسوة قلوب البشرية تجاهك يا مخلصنا. أما إبليس وكل جنوده، فكانوا في حيرة. إن تركوك على الأرض تخدم، تجتذب النفوس إليك، وإن صلبوك صلبوا سلطانهم وقدرتهم، وحَطَّموا أنفسهم! حقًا، إنك عجيب في أعين السماء والأرض وما تحت الأرض!

ه. أحد توما (الأحد الجديد). لو أن توما الرسول كان بالحق قد تشكك لترك التلاميذ وعاد إلى عمله قبل تلمذته للسيد المسيح، ولم يعد بعد يقابلهم. في رأي القديس مار يعقوب السروجي أن توما لم يشك في أعماقه، بل حَسَبَ أن من حقه كتلميذٍ للسيد المسيح أن يرى الرب كبقية زملائه، لأنه سيكرز بين الأمم فيقول إنه رأى بنفسه الرب القائم من الأموات.

1.  هذا اللقاء دعوة لكل إنسان للتمتع بالحوار مع القائم من الأموات.

2.  لم يترك توما التلاميذ بل ارتبط معهم بروح الحب والوحدة.

3.  كان الرسول توما أول شاهد بين التلاميذ لربوبية الرب وأُلوهيته (يو 20: 28).

4.  لم يذكر الكتاب أنه لمس الجراحات، بل أعلن إيمانه عندما دُعِي للمسها.

5.  هذا اللقاء فريد في الإعلان عن الكشف عن جراحات الرب بعد قيامته. جراحات الرب جراحات مجد وليست ضعفًا، لذلك بقيت الجراحات في الجسد القائم من الأموات.

6.  جراحات الرب مجيدة، وجراحاتنا نحن من أجله مجيدة تسكب بهاءً علينا في الأبدية.

7.  جراحاته مملوءة بهاء، لندرك أننا في الخماسين وإن كنا لا نصوم ولا نمارس المطانيات، وفي كل صلواتنا حتى الجنازات نمارسها بلحن الفرح. هكذا يليق بنا بالنعمة نشارك الرب فنتألم مع المتألمين ومن أجل خلاص العالم بروح الرجاء.

8.  غاية الصوم الكبير أن نرى الرب، وفي فترة الخماسين يرى العالم مجد الرب مخلص العالم.

و. عيد دخول المسيح أرض مصر (٢٤ بشنس). انطلقت نفوس أطفال بيت لحم وقد حملتها الملائكة في موكبٍ مجيدٍ! إنهم أصدقاء هذا الطفل العجيب، "مُشتهَى كل الأمم" (حج 2: 7)، وقد أرسل أحد ملائكته يسأل يوسف النجار أن يأخذه مع أمه ويذهبوا إلى مصر (مت 2: 13)؛ لماذا؟

1.  هرب إلى مصر، لأنه لابد أن يموت علانية ليدعو كل البشرية للتمتُّع بقوة صليبه، فيسحقون رأس الحية تحت أقدامهم. جاء ليُقَدِّم نفسه ذبيحة عن العالم كله (يو 3: 16).

2.   اختار مصر المتشامخة التي أَذلَّت شعبه قديمًا، وذهب إليها محمولاً على ذراعي العذراء، بكونها سحابة بهية خفيفة، فترتجف أوثانها، ويذوب قلبها، ويُقِيم مذبحه في وسطها، فتعرفه وتسمع صوته: مبارك شعبي مصر (إش ١٩-25). تمتلئ كل الأمم بالرجاء وتتهلَّل قائلةً: إن كان مُخَلِّص العالم أَعلن حُبَّه لمصر بهذه الصورة، فيكف يُمكِن لإنسانٍ ما أن ييأس من خلاصه؟

3.  كانت مصر ملجأ لإبراهيم ويوسف البار وفيها نشأ شعب الله قديمًا.

4.  ما جاء لينتقم من هيرودس الملك الغادر، إنما هرب من الشرِّ حتى يقتدي به المؤمنون!

5.  بهروبه فتح قلوب الكثيرين بالحُبِّ له لكي يلجأ إليها المتألمون والمُضطهَدون ويستريحون فيه!

6.  لم يتجسد لإظهار عجائبه، إنما ليظهِر بالضعف ما هو أعظم من القوة!

ز. عيد التجلي (13 مسرى/19 أغسطس).

في العهد القديم دعا الربُّ موسى ليصعد على جبل سيناء، ويُقَدِّم له الشريعة. الآن في العهد الجديد دعا الربُّ ثلاثة من تلاميذه: بطرس (يُمَثِّل الإيمان)، ويعقوب البار (العمل) ويوحنا الحبيب (الحُبّ). وكأن الدعوة مُوَجَّهة لكل مؤمنٍ يعمل بالحب ليتعرَّف على العريس السماوي ومهره الثمين.

التقى موسى بالربِّ ونزل من الجبل، فطلب الشعب منه أن يضع على وجهه برقعًا لأن جلد وجهه كان يلمع (خر ٣٤: 33)، أما يسوع فصار وجهه كالشمس وثيابه بيضاء كالنور (مت ١٧: ٢)، فالتهبت قلوب التلاميذ شوقًا للوجود في حضرته أبديًا. كشف عن حقيقته قدر ما يحتملون.

لماذا ظهور موسى وإيليا؟

‌أ.    دعا موسى من القبر وإيليا من الهواء، ليشهدا نيابة عن الأرض والسماء على عَقْدِ العُرْسِ.

‌ب. بظهور موسى الذي لم يُسمَح له بدخول أرض الموعد، أعلن الربُّ أن بمجيئه تُفتَح أبواب الفردوس وتُزَال آثار الخطية ويَتمتَّع المؤمنون بشركة المجد الأبدي.

‌ج.  يُعلِن الرب أنه ختم الشريعة والنبوة ليتسلَّم التلاميذ الكرازة بالإنجيل. وفتح العريس كنوزه ليُقَدِّمها تلاميذه باسمه للبشرية.

سمع التلاميذ الحديث عن الصليب، الذي دار بين المُخَلِّص والنبيين، وطلب سمعان باسم الثلاثة أن يصنع ثلاث مظال، إذ طابت نفوسهم للوجود الدائم مع العريس السماوي. لكن الآب أرسل سحابة تُظَلِّلهم ليؤكد لهم أنها كنيسة واحدة تضم أناس الله في العهدين حَوْل السيد المسيح.

ليهبنا الرب أن نسلك بالإيمان العامل بالحُبِّ ونرتفع بروحه القدوس في حضرة المُخَلِّص والشركة مع القديسين، فيُعلِن الربُّ لنا ولكل البشرية بهاء مجده في قلوبنا، ليتحوَّل العالم إلى أيقونة السماء، قانونه الحُبّ والفرح والسلام!

11. ما هي أعياد الثيؤطوكوس؟

بالإضافة إلى التذكار الشهري للعذراء مريم في كل 21 من الشهر القبطي، نحتفل بالأعياد التالية.

أ. عيد البشارة بميلادها 7 مسرى. في هذا العيد نحتفل بخلقة القديسة مريم، تابوت العهد الحيّ، مسكن العليّ، والسماء الثانية.

ب. عيد ميلادها أول بشنس. عادة يحتفل الأقباط بأعياد القديسين ليذكروا نياحتهم أو استشهادهم أو رحيلهم للفردوس، لكنهم يصرّون على تكريم القديسة مريم في يوم ميلادها كيومٍ مفرحٍ.

ج. عيد دخولها الهيكل 3 كيهك. كُرست القديسة مريم لله كنذرٍ من والدتها، كما جاء في التقليد الكنسي، إذ نذرت أن تقدم البكر – ابنًا كان أو بنتًا – ليكون للرب يخدمه أو تخدمه كل أيام حياته أو حياتها.

د. عيد نياحتها 21 طوبه.

ه عيد إعلان صعود جسدها الطاهر (16 مسرى/22 أغسطس)، ويسبقه صوم العذراء 15 يومًا.

و. عيد تكريس أول كنيسة باِسمها في فيلبي 21 بؤونه ويُوافِق أيضًا عيد العذراء حالة الحديد.

ز. عيد ظهور السيدة العذراء في كنيستها بالزيتون 24 برمهات (2 إبريل). يُعتبَر هذا الظهور فريدًا في كل تاريخ الظهورات المريمية[457]. فقد بدأ في الثاني من شهر أبريل عام ألف وتسعمائة وثمانية وستون، وتكرر غالبًا كل يومٍ لمدة ساعات، وبقي هكذا لشهورٍ كثيرة. تمَّت هذه الظهورات على قباب كنيسة القديسة مريم، رآها عدة مئات الألوف من الشعب، من كل الأعمار والمراكز، مسيحيون ومسلمون. كان الشعب يزدحم كل ليلةٍ حول الكنيسة يصلي ويُسبِّح الله، منتظرًا أن يرى الطيف البهي للقديسة مريم يقف على إحدى القباب، تارة راكعًا أمام الصليب، وأخرى حاملاً الطفل يسوع. رافق هذه الظهورات ظهور طيور على شكل حمام.

وكان من ثمر هذه الظهورات توبة الكثيرين وحدوث معجزات بغير حصرٍ.

12. ما هي أعياد القديسين؟

أ. أعياد العذراء الثيؤطوكوس.

ب. أعياد الملائكة والأربعة مخلوقات غير المتجسدين والأربعة وعشرين قسيسًا.

ج. عيدا القديس يوحنا المعمدان.

د. أعياد القديس مار مرقس والآباء الرسل.

ه. أعياد الشهداء والشهيدات.

و. أعياد البطاركة وآباء وأمهات الرهبنة والذين دافعوا عن الإيمان.

13. ما هي أعياد تكريس الكنائس؟

تعتزّ الكنيسة كما الشعب بالاحتفال بأعياد تكريس الكنائس مثل تكريس كنيسة الشهيد مار جرجس باللد (7 هاتور). فما هي غاية الاحتفال؟ وأين وضع ربنا يسوع في الاحتفال؟

أولاً: إن كان الله يكرِّم شهداءه وقديسيه، إنما يطلب تكريم كل مؤمنٍ، قائلاً: "اكرم الذين يكرمونني، والذين يحتقرونني يصغرون" (1 صم 2: 30). ففي تكريس الكنيسة بيت الله باسم أحد الشهداء أو القديسين، يُحسَب نوعًا من التكريم من قبل الله للقديس. مع كل احتفال لتكريس كنيسة نمجد الله كمحبٍ للبشر، فينعم قديسوه بكرامة حسب مسرّته الإلهية، وليست حسب مجد العالم. لهذا احتفالنا بتكريس كنيسة ما يدعونا إلى تركيز بصيرتنا الداخلية إلى جحد الكرامات الزمنية وطلب الكرامة التي يقدمها الرب لمحبوبيه.

ثانيًا: مسرّة الله أن يسكن في وسط شعبه، بل وفي أعماق كل مؤمنٍ، فاحتفالنا بتكريس أيّة كنيسة يدفعنا بالأكثر إلى طلب سكناه الدائم فينا. فتتحوَّل قلوبنا إلى سماء ثانية، بل نشتهي أن تتحوَّل كل قلوب البشرية إلى هيكل للرب وروح الله يسكن فيها (1 كو 3: 16؛ 2 كو 6: 16).

لا يكف آباء الكنيسة عن الكشف عن الكنيسة كجماعة المؤمنين أو الإنسان الداخلي للمؤمن بكونها سماء مقدسة موضع سرور الله. يقول القديس أغسطينوس: [كنيسة الله هي السماء[458].]

 في حديث القديس يوحنا الذهبي الفم عن الذين يواظبون على اجتماعات الكنيسة يقول: [يليق بنا أن نخرج من هذا الموضع نحمل ما يليق به كموضعٍ مقدسٍ، كأناسٍ هابطين من السماء عينها!... عَلِّموا الذين في الخارج أنكم كنتم في صحبة السيرافيم، محصيين مع السمائيين، معدين مع صفوف الملائكة، تتحدَّثون مع الرب وتكونون في صحبة السيد المسيح[459].]

ثالثًا: في هذه الأعياد يليق بكل مؤمنٍ ألا يقف فارغًا أمام الرب، بل يأتي إلى بيت الرب ببعض التقدمات. فقد طلب الله من موسى أن يسأل الشعب كي يُقَدِّم كل إنسانٍ حسبما يسمح قلبه (خر 35: 5)، أي يُساهِم قدر ما تسمح محبته في التقدمة التي تستخدم في صنع "المَقْدِس" الذي يسكن فيه الرب وسط شعبه: "هذه هي التقدمة التي تأخذونها منهم: ذهب وفضة ونحاس وإسمانجوني وأرجوان وقرمز وبوص وشعر معزى وجلود كباش محمرة وجلود تخس وخشب سنط وزيت للمنارة وأطياب لدهن المسحة وللبخور العطر وحجارة جزع وحجارة ترصيع للرداء والصدرة" (خر 25: 3-7).

أ. الذهب: يرى العلامة أوريجينوس أن تقديم الذهب هو الإيمان الذي يجعل من القلب سماءً، لذا يُشِير الذهب إلى السماويات، كما يُشِير إلى القديسين بكونهم سماء يسكن الله في قلوبهم.

ب. الفضة: تقديم الفضة هو ممارسة كلمة الكرازة، لأن كلمة الله كالفضة مصفاة ممحوصة سبع مرات (مز 12: 6). إن كان الذهب يُشير إلى البتولية، فالآباء يرون في الفضة إشارة إلى عفة الزواج.

ج. النحاس: يُشير تقديمه إلى ممارسة الصبر بروح القوة التي تتحدَّى أشواك الخطية. فالسيد المسيح، ظهرت يداه حلقتان من ذهب (نش 5: 14)، لأن أعماله سماوية، أما رجلاه فشبه النحاس النقي كأنهما محميتان في أتون (رؤ 1: 15)، بهما ندُكّ كل أشواك هذه الحياة وضيقاتها بلا خوفٍ!

د. الخشب الذي لا يسوس: يشير إلى اهتمامنا الجاد بالعلم كما بالعفة التي لا تشيخ[460] ولا تفسد.

هـ. البوص (الكتان) المبروم: إذ يُشير البوص إلى الجسد، فكونه مبرومًا أي تحت الضبط والقمع[461]، كقول الرسول "أُقمِع جسدي وأستعبده" (1 كو 9: 27). فكل جهاد لضبط الجسد والتحكُّم فيه في المسيح يسوع هو تقدمة بوص (كتان) مبروم لبيت الرب.

و. القرمز: إن كان الحبل القرمزي الذي أنقذ حياة راحاب وكل بيتها (يش 2: 18) يُشير إلى دم السيد المسيح المخلص، فإن القرمز الذي نُقَدِّمه لبيت الرب هو شهادتنا له حتى الدم، "من أجلك نُمَات كل النهار" (رو 8: 36)؛ كان القرمز يُشير إلى الاستشهاد أو حياة الإماتة اليومية من أجل الرب.

ز. الأرجوان: يرى أوريجينوس أن الأرجوان يُشِير إلى ضياء المحبة[462]، وإلى النار[463]. فالمسيحي الحقيقي يحمل في قلبه نار الروح القدس الذي يُنِير الطريق، والذي يحرق الأشواك الخانقة للنفس.

ح. شعر المعزى: يُشِير إلى الموت عن الخطية (خر 35: 6، لا 4: 23). يقول العلامة أوريجينوس: [تقديمه يُشِير إلى تحطيم الخطية، وموتها فيه، فلا تملك بعد في أعضائه[464].]

ط. جلود الكباش: إن كانت المعزى تُشير إلى الخطية، فالكباش تُشير إلى الغضب، فمن يُقَدِّم جلودها، إنما يعلن أنه قد مات الغضب فيه، ولم يعد له سلطان عليه.

14. ما هي الأصوام الكنسية؟

كل الأصوام وإن حملت بعضها أسماء القديسين، مثل كل العبادة موجهة للسيد المسيح

كل صوم له هدف خاص يمسّ أحد جوانب خلاصنا ونمونا الروحي في المسيح يسوع.

أ. صوم يوميّ الأربعاء والجمعة (ماعدا في الخماسين المقدسة أو إذا جاء عيد الميلاد أو الغطاس فيهما).

ب. صوم البرامون أو الاستعداد (قبل عيد الميلاد وعيد الغطاس).

ج. صوم الميلاد 43 يومًا.

د. صوم يونان 3 أيام.

ه. الصوم الكبير 55 يومًا.

و. صوم الرسل، من اليوم الذي يلي عيد العنصرة حتى عشية عيد الرسل.

ز. صوم جسد العذراء الطاهر 15 يومًا.

15. ما هي علاقة التقويم القبطي بالتقويم الفرعوني؟

عرف الفراعنة التقويم منذ عام 4240 ق.م، ويذكر المؤرخ اليوناني الشهير هيرودوت أن المصريين سبقوا اليونانيين في تصحيح تقويمهم بإضافة خمسة أيام إلى الاثني عشر شهرًا[465].

ورث الأقباط عن أجدادهم الفراعنة الاهتمام بالتقويم الشمسي، ولا يزال الأقباط، حتى الأميين منهم، يتسلَّمون بالتقليد الشفهي التقويم، لإدراك مواسم الزراعة، والتعُّرف على الأحوال الجوية، ولأجل العبادة (السنة الليتورجية).

تنقسم السنة القبطية التي من أصل فرعوني إلى 12 شهرًا، يحوي كل شهر 30 يومًا، يُضاف إلى ذلك خمسة أيام تسمى "الشهر الصغير" أو أيام النسيْ epagomenai، كما يُضَاف في السنة الرابعة (الكبيسة) ستة أيام عِوض الخمسة. وتنقسم السنة إلى ثلاثة فصول، يضم كل فصل أربعة شهور، فصل يخص فيضان النيل، والثاني للزراعة، ثم للحصاد وجمع الثمار. ولازال هذا التقسيم معمول به في السنة الليتورجية القبطية في مصر كما في الخارج، حتى صدر قرار مجمعي بضم أواشي (صلوات) المياه والزرع وأهوية السماء معًا بالنسبة للخارج، إذ لا يرتبط الخارج بأحوال مصر الزراعية.

16. ما الفرق بين التقويم الفرعوني والتقويم اليولياني[466]؟

في عام 46 ق.م تبنَّى يوليوس قيصر Caesar Julius التقويم الفرعوني الشمسي، يعاونه في ذلك الفلكي السكندري Sosigenes. كان التقويم الروماني المُبكر قمري، وكانت السنة 355 يومًا. لقد أبقى الرومان الشهور مارس ومايو وQuintilis (يوليو[467]) وأكتوبر 31 يومًا كما هي، وفبراير أيضًا 28 يومًا كتقويمهم القديم، أما بقية الشهور فكان الشهر في نظرهم 29 يومًا. بالتقويم الجديد أضافوا يومًا واحدًا إلى إبريل وسبتمبر ونوفمبر، ويومين إلى شهور يناير وSixtilis (أغسطس[468]) وسبتمبر وديسمبر، بهذا صارت السنة اليوليانية 365 يومًا. في السنوات 36 الأولى من بداية التقويم اليولياني كان اليوم الزائد (السنة الكبيسة) يُضاف كل 3 سنوات بدلاً من كل 4 سنوات كما في التقويم الفرعوني.

استخدم التقويم اليولياني في العالم الغربي. وفي عام 325 م ظهر عدم دقته، إذ هو أطول من الواقع، لأن السنة الشمسية هي 242199،365 يومًا. فالخطأ هو 11 دقيقة و14 ثانية كل عام يكِّون يومًا ونصف كل قرنين، وسبعة أيام كل ألف عام.

وفي عام 1582م قام البابا غريغوريوس الثالث عشر الروماني بحذف عشرة أيام من تلك السنة لتُقابل الخطأ مع تغيير في التقويم، فاليوم الذي بعد 4 أكتوبر 1582م صار 15 أكتوبر، وأشار إلى أن السنة الكبيسة تحذف 3 مرات كل 400 سنة. وحلّ التقويم الغريغوري محل اليولياني في العالم الغربي ما بين 1582 و1924م. كمثال تبنت إنجلترا التقويم الغريغوري عام 1752. لازال التقويم اليولياني مستخدمًا في حسابات عيد القيامة والأعياد المتحركة في الكنائس الأرثوذكسية الخلقيدونية، فصارت السنة الكنسية (الليتورجية) تختلف عن الغربية بـ 13 يومًا.

17. ما هو ارتباط حساب الأبقطي بعيد الفصح المسيحي[469]؟

ترجع صعوبة تحديد عيد الفصح المسيحي إلى الالتزام بمراعاة أن يأتي بعد الفصح اليهودي. ولما كان الفصح اليهودي مرتبطًا بالحصاد عند اليهود (خر 23: 16؛ ). هذا والسنة اليهودية قمرية، لذلك يقع الفصح اليهودي دائمًا ما بين شهري إبريل ومايو. غير أن هذا الترتيب لا يتَّفِق وموسمنا في مصر، لأن موعد الحصاد في مصر مختلف عنه في فلسطين. لذلك رأى البابا السكندري ديمتريوس (القرن الثاني) أن يُؤلف دوْرَة هي مزيج من الدوْرة الشمسية والدوْرة القمرية، وبحسبها يقع عيد الفصح المسيحي ما بين شهري إبريل ومايو، فلا يكون قبل الأسبوع الأول من إبريل ولا يتأخر عن الأسبوع الأول من مايو.

هذه الدورة تتألف من تسع عشرة سنة شمسية - قمرية. ولما كانت السنة القمرية تنقص أحد عشر يومًا عن السنة الشمسية، كان عدد الأيام الناقصة في تسع عشرة سنة قمرية عن العدد المماثل لها من السنوات الشمسية هي مائتين وتسعة أيام، فوزع هذه الأيام على تسع عشر سنة بإضافة شهر كامل كل سنتين أو ثلاث. وقد أقرّ مجمع نيقية هذا الحساب، وسارت عليه الكنيسة في العالم كله حتى سنة 1582م.

حين انشق البروتستانت عن الكنيسة الرومانية في القرن السادس عشر، في ذات القرن الذي فيه طلب البابا الروماني غريغوريوس الثالث عشر عدم مراعاة فصح اليهود، وأنه يكفي مراعاة الاعتدال الربيعي، ظل البروتستانت يستخدمون التقويم الأبقطي حتى سنة 1775م، أي حوالي قرنين.

18. ما هو ارتباط التقويم القبطي بالتقويم الفرعوني؟

ورث الأقباط عن أجدادهم الفراعنة التقويم الفرعوني، وقاموا بتعديلات خفيفة فيه ليُمارِسوا حياتهم الكنسية وأيضًا أعمالهم، خاصة الزراعة.

يبدأ اليوم الليتورجي مع الغروب، مثل اليهود واليونان، كما استخدموا الأيام السبعة للأسبوع، حاسبين اليوم الأول هو يوم الرب (الأحد).

في القرن الرابع حيث استشهد الكثير من الأقباط، حسبوا عصر دقلديانوس العصر الذهبي، واعتبروا السنة التي اُختير فيها دقلديانوس إمبراطورا (نوفمبر 284 م) بداية لتقويمهم. ودعوه "تقويم الشهداء anno martyrum، يختصر بـ A.M.. قال أحد الآباء المعاصرين لدقلديانوس: "لو وضع كل شهداء العالم في كفة ميزان وشهداء مصر في الكفة الأخرى، لكانت كفة المصريين هي الرابحة".

19. ما هي أسماء الشهور القبطية؟

أشارت بعض أوراق البردي التي ترجع إلى القرن الخامس ق.م والتي وُجِدَت في جزيرة الفِيلة Elephentine أن المصريين كانوا يحتفلون بأعياد عظيمة لتكريم الآلهة التي تحمل الشهور أسماءها. وقد احتفظ الأقباط بأسماء الشهور الفرعونية بالرغم من أنها تحمل أسماء آلهة الفراعنة أو أعيادهم.

1. توت (11/12 سبتمبر): إله الحكمة والعلم ومخترع الكتابة، حامي الكتبة ومُصَمِّم المواسم والشهور. يسيطر توت على "بيت الحياة"، يضع كل النصوص اللازمة لحفظ الحياة وتجديدها.

2. بابة (10/11 أكتوبر): الاحتفال بعيد Opet. وكان أمون رع يسافر من الكرنك إلى الأقصر للاحتفال بهذا العيد الشهير.

3. هاتور (10/11 نوفمبر): الإلهة هاتور، بقرة السماء، التي ولدت الشمس وكل الكائنات: الآلهة والبشر. إلهة الذهب وبذر الغلال، خاصة القمح. لذلك قيل "هاتور، أبو الذهب منثور".

4. كيهك (10/11 ديسمبر): منشق هذا الاسم من طقس خاص بالبخور المستخدم في الاحتفال الجنائزي، عرف بالاتحاد مع الروح (كا). فيه يُحتفل بأعياد أوزيريس.

5. طوبة (9/10 يناير): كان يُدعَى Botti.

6. أمشير (8/9 فبراير): "العظيم" حيث "النار العظيمة".

7. برمهات (10/11 مارس). من شهور الحصاد عند قدماء المصريين (روح الغيط وهات).

8. برمودة (9 إبريل): مكرس لـ Ermothis إلهة الحصاد، لها رأس حيّة تُرضِع أحيانًا ابنها Kapri إله الغلال.

9. بشنس (9 مايو): مشتق من عيد قديم يُدعَى Khonsou، إله قمري، أُشير إليه قديمًا كابن آمون وموت Mut.

10. بؤونة (8 يونيو): كان يُحتفَل بعيد "الوادي الجميل" خلال هذا الشهر في وادي الملوك لمدة عشرة أيام. يُعتبَر أهم عيد في حياة الفراعنة، حيث تُقَدَّم الذبائح ويقومون بزيارة المقابر وتُقَدَّم موائد تكريمًا للراقدين يشترك فيها الأقرباء والراقصون والموسيقيون[470].

11. أبيب (8 يوليو): يكرس لإلهة الخصوبة "Ipy".

12. مسرى (7 أغسطس): آخر الشهور حيث يُحتفَل بميلاد الإله الشمس رع.

أخيرًا "النسي" أو الشهر الصغير؛ يُحتفَل بأوزوريس في أول هذه الأيام.

20. كيف نحتفل بالعام الجديد؟

اعتدنا مع بداية العام القبطي أو الميلادي وفي احتفال البعض بعيد ميلادهم أن يجلس الإنسان في خلوة لتقديم الشكر لله على معاملاته العجيبة معنا وإعادة تقييم حياته، ليبدأ عامًا جديدًا.

هذا وكان القديس يوحنا الذهبي الفم ينبذ الاحتفال بأعياد الميلاد، معتمدا على ما كان الملوك والأباطرة يفعلونه في أعياد ميلادهم، مثل هيرودس الملك (مت 14: 6-11) وبيلشاصر (دا 5)

في اليوم الأول من الشهر الصغير، إذ يقترب بدء السنة القبطية تُقَدِّم لنا الكنيسة نموذجًا رائعًا عن اللقاء الشخصي مع مُخَلِّص العالم في إنجيل القداس (يو 21: 16-21)، لكي نقتدي به:

1.  افتتح رب المجد اللقاء!

2.  بعد جلوس السيد مع التلاميذ، جلس مع سمعان بطرس (ربما على انفراد)، أو وجَّه الحديث له وسط جمع التلاميذ، حيث يدرك اشتياق بطرس للحديث معه (يو 21: 15).

3.  كان قلب سمعان بطرس منكسرًا بسبب جحوده للرب بالرغم من تحذير الرب له. على غير عادته صمت سمعان، لكن قلبه كان يصرخ، "لتفتح يا رب لي باب الحوار معك، فليس لي ما أقوله".

4.  ليتنا نطلب من الرب أن يقود بنفسه لقاءنا معه. فهو الذي بادر بالحديث مع زكا العشار (لو 19: 3)، وأيضًا مع السامرية (يو 4: 7)، وهنا مع سمعان بطرس (يو 21: 15).

5.  افتتح الرب الحديث معه، وبروح الحب سأله: "يا سمعان بن يونا أتحبني أكثر من هؤلاء؟" (يو 21: 15) تغيَّرت لهجة بطرس، إذ لم يندفع بالإجابة، بل بانسحاق وبصوت خافت: "أنت تعلم إني أحبك". لقد سبق "فقال بأكثر تشديد: ولو اضطررت أن أموت معك لا أنكرك" (مت 26 35). حقًا لقد أَعدّ الله البشرية عبر الأجيال أن يكتشف كل إنسانٍ بل وكل أمةٍ الخطايا التي سقطوا فيها. حينما ظهر الرب لآدم بعد السقوط، كان يليق بآدم أن يعترف بخطيته، لا أن يلقي باللوم على زوجته التي أعطاها الرب له. واكتشفت السامرية خطيتها (يو 4: 18). وقدَّم لنا السيد مثال الفريسي والعشّار لا ليفضح العشّار، إنما لكيلا نسقط في رياء الفريسي وتشامخه، بل نقتدي بالعشّار المعترف بخطيته، القائل: "اللهم ارحمني، أنا الخاطي" (لو 18: 13). ما يحثنا عليه محب البشر تركيز بصيرتنا عليه كغافر الخطايا، القادر أن يهبنا برّه برًّا لنا (1 كو 1: 30).

21. كيف نُحَوِّل احتفالاتنا إلى لقاء عمل؟

لقاؤنا مع المسيح رأس الكنيسة لا يقف عند النوح على خطايانا، بل التجاوب مع دعوة الرب للعمل بفرح. "فرح الرب هو قوّتكم" (نح 8: 10). لم يقل الرب لبطرس: "مغفورة لك خطاياك"، إنما طالبه بالعمل الإيجابي: "ارع غنمي" (يو 21: 17). فالتوبة ومراجعة النفس تجحد الشر، وتمارس الخير. "حِدْ عن الشر، واصنع الخير" (مز 34: 14). جلوسنا في حضرة الرب هو التصاق بغافر الخطايا والعامل فينا بروحه القدوس. ربنا يسوع يمنطقنا ويحملنا حيث يشاء.

22. ما هي أهم الأعياد الثابتة المرتبطة بالتقويم القبطي؟

يقوم التقويم الكنسي القبطي على الشهور القبطية، وسأذكر ما يقابلها في التقويم الميلادي، وإن تغيَّر يومًا أو يومين بسبب السنوات العادية والسنوات الكبيسة.

23. ما هي أهم المناسبات في شهر توت؟

1. عيد النيروز أو عيد الشهداء (1 توت/11 سبتمبر)، يُصلَّى فرايحي من 1 إلى 16 توت: الشهادة للثالوث القدوس مُفرِّح القلوب.

2. عيد استشهاد القديس يوحنا المعمدان (2 توت/12 سبتمبر) أعظم مواليد النساء، فمن جانبٍ تنبأ عن حمل الله حامل خطية العالم، ومن جانب آخر عاصره ورآه.

3. تذكار ظهور الصليب (17 توت/27 سبتمبر) (يُحتفَل به ٣ أيام وأيضًا في 10 برمهات). الصليب هو مَرْكَبة المسيح الذي انطلق بها إلى الجحيم لنسترد صورة الله فينا "اللؤلؤة الكثيرة الثمن. الصليب يشرق فينا وعلينا، فيُقِيم منَّا كواكب في جيلٍ ملتوٍ ومُظلِمٍ.

24. ما هي أهم المناسبات في شهر بابة؟

1. تكريس كنيسة مار مرقس وظهور رأسه (30 بابه/ 9 نوفمبر)، يدفعنا لانفتاح القلب على البشرية، والسؤال من أجل خلاص الكل.

25. ما هي أهم المناسبات في شهر هاتور؟

1. تذكار الأربعة مخلوقات الحية غير المتجسدين حاملي مركبة الله (8 هاتور/ 17 نوفمبر)، للتعرُّف على أصدقائنا السمائيين المحبوبين الذين يرحبون بنا.

2. عيد الملاك ميخائيل (12 هاتور/ 21 نوفمبر).

3. عيد الشهيد مار مينا العجائبي (15 هاتور/ 24 نوفمبر).

4. صوم الميلاد المجيد (16 هاتور/ 25 نوفمبر).

5. تذكار الأربعة والعشرين قسيسًا السمائيين (24 هاتور/ 3 ديسمبر).

26. ما هي أهم المناسبات في شهر كيهك (شهر السهر والتسبيح)؟

1. تذكار الملاك روفائيل (13 كيهك/ 22 ديسمبر).

2. تسبحة سبعة وأربعة وأحاد كيهك.

3. برامون عيد الميلاد هو اليوم السابق لعيد الميلاد قد يكون يومين أو ثلاثة أيام.

4. عيد الميلاد المجيد (29 كيهك/ 7 يناير): يُصلَّى فرايحي من عيد الميلاد 29 كيهك وحتى عيد الختان 6 طوبة. دعوة لرؤية الله والدخول في حوارٍ معه. وإدراك سلطاننا على إبليس والخطية والظلمة وتحدِّي للظُلْم والموت.

27. ما هي أهم المناسبات في شهر طوبة؟

1. عيد استشهاد أطفال بيت لحم البتوليين (3 طوبة/ 11 يناير): يبرز عظمة بتولية القلب وعفة النفس والجسد.

2. عيد الختان (٦ طوبة/ 14 يناير): اعتزازنا بختان الروح والحواس والعواطف!

3. برامون عيد الغطاس هو اليوم السابق لعيد الغطاس (قد يكون يومين أو ثلاثة).

4. عيد الغطاس (11 طوبة/ 19 يناير)، يصلَّى فيه اللقان مثل عيد الرسل وخميس العهد:

1. نتعرَّف على الأسرار الإلهية.   2. أعطانا الذي له: به تمتَّعنا بالبنوة للآب.

3. نسحق رأس التنّين.            4. ننعم بعطية الروح القدس.

5. عُرْس قانا الجليل (13 طوبة/21 يناير): بدأ السيد خدمته بحضوره في عرسٍ، وختمها بالصليب ليُقَدِّم لعروسه دمه مهرًا لها.

28. ما هي أهم المناسبات في شهر أمشير؟

1. عيد دخول المسيح الهيكل (٨ أمشير/ 15 فبراير). مُشَرِّع الناموس خضع له، لكي بصليبه يُقِيم هيكله فينا، يسكن فينا ويهبنا نعمته، فنستعذب ناموسه ووصاياه ونُمارِسه روحيًا.

29. ما هي أهم المناسبات في شهر برمهات؟

1. عيد الصليب (10 برمهات/ 19 مارس).

2. تذكار البشارة (29 برمهات/ 7 أبريل).

30. ما هي أهم المناسبات في شهر برمودة؟

1. عيد الشهيد مار جرجس (23 برمودة/ 1 مايو).

2. عيد مار مرقس (30 برمودة/ 8 مايو)، غالبا ما يقع فيه الصوم الكبير أو الخمسين المقدسة.

31. ما هي أهم المناسبات في شهر بشنس؟

1. عيد ميلاد العذراء (1 بشنس/ 9 مايو).

2. تذكار نياحة القديس أثناسيوس الرسولي (7 بشنس/ 15 مايو).

3. عيد دخول المسيح أرض مصر (24 بشنس/ 1 يونيو).

32. ما هي أهم المناسبات في شهر بؤونة؟

1. عيد الملاك ميخائيل 12 بؤونة/ 19 يونيو). غالبا ما يقع فيه صوم الرسل.

2. عيد ميلاد القديس يوحنا المعمدان 30 بؤونة/ 7 يوليو).

33. ما هي أهم المناسبات في شهر أبيب؟

1. عيد الرسل (5 أبيب/ 12 يوليو) يُصلَّى فيه اللقان مثل عيد الغطاس وخميس العهد.

2. عيد القديس يوسف النجار (26 أبيب/2 أغسطس).

34. ما هي أهم المناسبات في شهر مسرى؟

1. صوم العذراء (1-15 مسرى/7-21 أغسطس).

2. عيد البشارة بميلاد العذراء 7 مسرى.

3. عيد التجلي 13 مسرى.

4. عيد تذكار صعود جسد العذراء بعد نياحتها (16 مسرى/ 22 أغسطس).

5. تذكار الآباء إبراهيم وإسحق ويعقوب 28 مسرى.

35. ما هي أهم المناسبات في الشهر الصغير؟

1. تذكار الملاك روفائيل 3 نسئ.

2. الاستعداد للمجيء الثاني الأسبوعان الأخيران من العام.

36. ما هي المناسبات المتغيرة التي ترتبط بعيد القيامة (الفصح المسيحي)؟

1. صوم يونان: يبدأ 15 يومًا قبل بدء الصوم الكبير ويستمر ثلاثة أيام: الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ويُحتفل يوم الخميس بفصح يونان كنبوة عن قيامة السيد المسيح أو الفصح المسيحي.

2. الصوم الكبير (له طقس خاص بأيام الاثنين إلى الجمعة، وطقس للسبوت والآحاد، وصلاة المساء كل أحد، وطقس خاص بجمعة ختام الصوم).

3. أسبوع الآلام (أسبوع الفصح المسيحي).

أ. سبت لعازر.

ب. أحد الشعانين (موكب حمل الله) وصلاة الجناز العام وليلة اثنين البصخة.

ج. صلاة البصخة الاثنين (تطهير الهيكل، وغرس شجرة الحياة عوض شجرة التين العقيمة)، والثلاثاء (العريس يكشف عن أسراره)، والأربعاء (إعلان العريس عن صلاحه).

د. خميس العهد (تقديم المهر للعروس).

هـ. الجمعة الكبيرة أو الصلبوت (الاحتفال بالعُرْس).

و. سبت النور (تحرير المسبيّين)، وأبوغلمسيس (سفر الرؤيا – السماء تنتظرنا).

4. الخمسين يومًا المقدسة

أ. عيد القيامة وصلاة مساء أحد القيامة (دعوة للحياة المقامة).

ب. أحد توما (الأحد الجديد اليوم الثامن)، لقاءات سماوية في الأربعين المقدسة.

ج. عيد الصعود بعد أربعين يومًا من القيامة.

د. عيد العنصرة وصلاة السجدة في اليوم الخمسين من القيامة (إعداد للبشارة السماوية).

5. صوم الرسل وعيد الرسل (دعوة للعمل الكرازي).

37. ما هو ارتباط التقويم الكنسي بالعروس مُفَرِّحة القلوب؟

شهوة قلب الوالدين أن يشتركا بطريقة أو أخرى في الإعداد للاحتفال بزواج ابنهما أو ابنتهما، لتكوين أسرة سعيدة ومتهللة. عند زواج الشخص يتهيَّأ لهذا اليوم ويتوقَّع من أسرته وأصدقائه أن يُشارِكوه فرحه بإقامة هذه الأسرة الجديدة.

إذ أراد ربّ المجد أن يبعث في مؤمنيه روح الفرح مع الجدية، شبَّه ملكوت السماوات بخمس عذارى حكيمات (مت 25)، يترقبَّن مجيء العريس، شمس البرّ، وينطلقن معه على السحاب، ويدخلن معه إلى المجد الأبدي. مسيحنا أرسل روحه القدوس على الكنيسة لكي يُزَيِّن كل نفسٍ ويُجَدِّدها ويهيئها بروح الفرح للعُرْسِ الأبدي. وجاء التقويم القبطي الكنسي يستغل كل فرصة ممكنة لبث روح الفرح في حياة المؤمنين. نذكر على سبيل المثال:

1.  في تذكار القديسات والشهيدات غالبًا ما يُقَرأ فصل العذارى الحكيمات اللواتي يحملن مصابيح مُنِيرة تدخل مع شمس البرّ إلى الفرح السماوي الأبدي. فتتهلل كل الطغمات السماوية بالعروس المقدسة. لقد ترنمت ككواكب الصبح لأبناء العليّ عندما بدأ الربّ يخلق الأرض وما عليها من بركات من أجل الإنسان (أي ٣٨: ٧)، وأَعدّ لآدم وحواء جنة عدن كبيت زوجية ملوكي، كم بالأكثر تتهلل القوات السمائية وهي ترى الترابيين صاروا شركاء معهم في الخورُس السماوي، يُسَبِّحون الله ويمجدونه؟!

2.  في تذكار الشهداء تدعو الكنيسة أولادها في القداس الإلهي ألاَّ يخافوا ممن يقتلون الجسد (مت ١٠: ٢٨). وكأن استشهاد هؤلاء المؤمنين يدعو الجميع للتمتُّع بروح القوة والرجاء والفرح.

3.  متى احتوى أي شهر قبطي خمسة آحاد، يُقَرأ في الأحد الخامس الإنجيل الخاص بإشباع الجموع (فيما عدا أيام الصوم الكبير والخماسين). ويُسَمَّى الأحد الخامس أحد البركة. فإن كان ربّ المجد بارك الخبز والسمك وأشبع الجموع، فإننا نذكر أحد البركة الخاص بدخولنا إلى الأمجاد الأبدية في جوٍ من الفرح والشبع والتطويب!

4.  في تذكار نياحة البطاركة والأساقفة غالبًا ما يُقرَأ الفصل الخاص بالراعي الصالح (يو ١٠: ١-١٦) (يتكرَّر ٣٨ مرة في السنة). وفي تنصيب المتنيح البابا شنودة الثالث إذ قرأ هذا الفصل أضاف بعد القول: "أنا هو الراعي الصالح، والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف" الكلمات: "يقول ربّ المجد يسوع". أراد بإضافته هذه العبارة أن يؤكد أن المتحدث الحقيقي ليس البابا البطريرك، وإنما السيد المسيح الذي بالحقيقة هو مُفَرِّح القلوب وراعي النفوس ومُخَلِّص العالم.

لهذا لا نعجب من تكرار هذا الفصل في التذكارات لتأكيد أن قائد الكنيسة الحقيقي هو ربّ المجد يسوع. هذا من جانب، ومن جانبٍ آخر يليق بكل قائد سواء كان أسقفًا أو كاهنًا أو شماسًا أو خادمًا في التربية الكنسية أو أبًا أو أمًا أن يُدرِك ويثق أن رعاية النفوس هي من اختصاص المُخَلِّص القادر وحده أن يسكب فرحه فيها ويهبها برّه الإلهي إن تجاوبت معه بعمل روحه القدوس وتمتَّعت بالشركة معه. أما الإنجيل الثاني للقداس الإلهي في تذكارات الباباوات فهو (مت ١٦: ١٣-١٩)، يتكرَّر ١٦ مرة خلال السنة. حيث شهد له القديس بطرس الرسول: "أنت هو المسيح ابن الله الحيّ" (مت ١٦: ١٦)، وأعلن السيد المسيح أنه على هذا الإيمان الذي أعلنه الآب الذي في السماوات لبطرس يبني الربّ كنيسته وليس إنسان ما يبنيها (مت ١٦: ١٧)، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها (مت ١٦: ١٨). وكأن الكنيسة العروس المتهللة التي تحمل أيقونة عريسها مُفَرِّح القلوب، تؤكد للجميع أنه لا يستطيع أحد ما أن يتمتَّع بالفرح الداخلي السماوي أو يبعث هذا في حياة إخوته أو أولاده إلاَّ بعمل روح الله القدوس الذي يرسله الربّ على كنيسته.

5.  على مستوى الأيام والأسابيع تبث الكنيسة فينا روح الفرح، ففي كل صباحٍ في صلاة باكر ما يشغلنا هو قيامة ربّ المجد يسوع، ليعطينا دومًا يومًا جديدًا نسلك فيه بحياة مُقامة من الأموات، وفي منتصف الليل نذكر مجيء العريس لينطلق بنا إلى الأمجاد الأبدية.

وعلى مستوى الأسابيع، ففي كل أحدٍ نذكر قيامة المسيح، ونحسب قيامته عربون قيامتنا، نختبرها في هذا العالم، ونتمتَّع بالأكثر بها يوم لقائنا مع القائم من الأموات وجهًا لوجه.

6.  في دراستنا لسير القديسين عبر التاريخ نجد الخط العام هو الفرح بذاك الذي يبسط يديه على الدوام ليحتضن كل راجعٍ إليه. وفي مثل رجوع الابن الضال إلى أبيه، ركض أبوه إليه واحتضنه وأقام له وليمة لكي يفرح كل أهل البيت حتى العاملين والخدم (لو ١٥: ٢٢-٣٣). وعندما وجدت المرأة درهمها المفقود، دعت جيرانها لمشاركتها فرحها بوجود ما فُقد منها (لو ١٥: ٨-١٠).

في اختصار غاية التقويم الكنسي ممارسة الكنيسة رسالتها أن تصير أيقونة لعريسها السماوي. لذا يليق بنا في كل مناسبة يومية أو أسبوعية أو شهرية أو سنوية ألاَّ نكف عن الصلاة أن يعمل الثالوث القدوس فينا وفي كل النفوس لا أن نفرح فحسب، بل ونفرّح قلوب الآخرين!

7.   أسماء رؤساء الملائكة تدعونا أن نصير أيقونة لمُخَلِّصنا مُفَرِّح القلوب. فرئيس الملائكة ميخائيل (ويعني من مثل الله) يدعونا أن نتشبَّه بالله فنستنير، ونعكس نور والفرح السماوي على من هم حولنا. ورئيس الملائكة جبرائيل (الله قدير) يدعونا أن نتشبَّه بالقدير فلا نعرف مستحيلات ما دمنا في شركة معه. ورئيس الملائكة روفائيل (رأفات الله)، مُفَرِّح القلوب يدعونا أن نتمتع برأفات الله ونبث روح الفرح في كل قلبٍ. ورئيس الملائكة سوريال (معناه بوق) يدعونا أن نحمل البوق الإلهي وندعو إخوتنا إلى الاحتفال بالعريس السماوي ربنا يسوع كعيدٍ دائم، فتتهلل النفوس!



[1] In 1 Corinth. hom. 26:4.

[2] Hom. On John, 33

[3] Letter 58:3.

[4] Commentary on John, Book 13:98 – 99.

[5] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate 15:24-25.

[6] Paedagogus 3:11.

[7] Strom. 7:12.

[8] تفسير المزمور 28 (29).

[9] تفسير المزمور 28 (29).

[10] الرسالة الرابعة.

[11] Strom. 6:13.

[12] Strom. 4:22.

[13]Paed 2:4.

[14] Paed 2:2.

[15] Paedagogus 2:4.

[16] A Discourse on Ascetical Discipline, (Frs. Of the Church, volume 9, p. 35).

[17] عظة 5.

[18]Ep 16, 12.

[19] On Luke hom 120.

[20] عظات على فصول منتخبة من العهد الجديد.

[21] الميمر 8 على رجوع آدم، قبطي، الميمر 72 على خلقة آدم وحياة الموتى (راجع نص بول بيجان ترجمة الدكتور بهنام سوني).

[22] St. Chrys. In Rom, hom 23.

[23]  راجع حياة الصلاة الأرثوذكسية، 2012، ص 642-646.

[24] Vita Const. 4:22.

[25] The Life of Syncletica، 99.

[26] Apophthegmata Patrum، 8.

[27] عظة 292.

[28] Reg. Brev. 261.

[29] مناظرات يوحنا كاسيان، طبعة 1968، ص 238.

[30] دير السريان: حياة الصلاة الأرثوذكسيّة.

[31] Const. Mon. 1.

[32] Ser. on N. T. 11. 

[33] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate, 81: 4.

[34] Cassian: Conf. 9: 34.

[35] Hom. 27. Forty Gospel Homilies.

[36] Ep. 2: 4.

[37] On Prayer, 29. ترجمة الدكتورة نهى عزت

[38] On Luc hom 119.

[39] الفيلوكاليا عن الصلاة ص 10 (نسبت خطأ للأب نيلس في الفيلوكاليا وهي للأب أوغريس).

[40] الفيلوكاليا عن الصلاة ص 14.

[41] رسالة 11.

[42] رسالة 12.

[43] القمص بفنوتيوس السرياني 35، 36.

[44] The Life of Syncletica 80.

[45] Monast. Cap 1.

[46] In Luc 6:12-49   ترجمة مدام عايدة حنا.

[47] On Renunciation of the World, (Frs. Of the Church, volume 9, p. 28-29).

[48] تفسير المزمور 28 (29).

[49] Const. Mon. 1.

[50] On Luc hom 119.

[51] On Man’s Perfection in Righteousness 20:40.

[52] Tr. on 1 John 4:6.

[53] On Ps. 76:2.

[54] Ser. 105.

[55] Sermon on N.T. Lessons, 95:6.

[56] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate, 102:2.

[57] Tr. on 1 John 2:11.

[58] Sermon 331:4.

[59] Sermon 304:3.

[60] Confession 4:12:18.

[61] On Ps. 53:10.

[62] On Ps 72:32.

[63] Gift of Perseverance 66.

[64] On Ps. 34. (33).

[65] Confession 1:1:1.

[66] On P.s 91 (90).

[67] Ephes. 10:1.

[68] In Reg. Brev. Ad inter 221.

[69] Const. Mon. 1.

[70] Epistle 174, To a widow

[71] Ep. 63:3.

[72] On Myst 5 (27).

[73] Ser. on Mount 2:72. 

[74] De Quaest Evang. Lib 2 – Qu 22- (Ser. On N. T. 55).

[75] Demonstrations, 4:17 (On Prayer).  ترجمة الدكتور صفوت منير

[76] Quaest. Ev 2: 45.

[77] Of the Holy Spirit, 1:7:89.

[78] On Luc hom 119.

[79] Catena Aurea.

[80] عظة 23.

[81] On Lord`s Prayer 29,30.

[82] Ep.7: 6.

[83] On Prayer 87, 88.

[84]  منشورات النور: فصول في الصلاة والحياة الروحية: في الصلاة 81 (نُسبت للقدّيس نيلس السينائي).

[85] On Prayer 111-3, 54 (J. Bamberger: Evagrius Ponticus, The Praktikos, Chapters on Prayer, 1981, p. 74).

[86]  عظة 45: 7. (ترجمة بيت التكريس لخدمة الكرازة)

[87]  عظة 3: 3. (ترجمة بيت التكريس لخدمة الكرازة)

[88] الكاتب: الأجبيَّة أو "صلوات السواعي"، طبعة ثالثة 2012. (رقم الإيداع: 4795/80)

[89] Excerpts from the Letter to Marcellinus.(Saint Paul Brotherhood Press: Praying with the Church Fathers, 2nd edition, 2017, p. 12 etc.)

[90] Epist: 22 to Eustochium, 37 (cf. Epistles 107:9; 108:20; 130:15).

[91] Epistle 1:40.

[92] للمؤلِّف: التقليد والأرثوذكسيَّة، ١٩٧٩م.

[93] المؤلِّف: الديداكيَّة وقانون الإيمان الرسولي، ١٩٧٩م، ص ٢١ (الدبداكية 8: 2-3).

[94] Josef Jungmann: The Early Liturgy, translated by Francis Brunner, University of Notre Dame Press, 1959, p. 99.

[95] Didascalia Apostolorum: Chapter 10:50.

[96] An Ascetical Discourue, (Frs. Of the Church, volume 9, p. 212-213).

[97] Reg. Fus. 37:2.

[98] راجع الأب الياس كويتر المخلصي: القديس باسيليوس الكبير، منشورات المكتبة البولسية، بيروت، 1989، ص 292. عظة على المزامير.

[99] Letters, 109:3.

[100]Cf. Gregory Dix: The Treatise on the Apostolic Tradition, London, 1937, 62:2.

[101] Ibid 62: 3.

[102] Ibid 62: 4.

[103] Ibid 63: 5.

[104] Ibid 65: 8.

[105] Ibid 67: 12.

[106] Ibid 67: 13.

[107] De Orat. Dominica.

[108] Enchiridion Ascet 221.

[109] نسكيات ٣٨.

[110] راجع الأب الياس كويتر المخلصي: القديس باسيليوس الكبير، منشورات المكتبة البولسية، بيروت، 1989، ص 292. عظة على المزامير.

[111] جزء 1، ميمر 5

[112] فصل 1.

[113] فصل 2.

[114] فصل 7.

[115] فصل 7.

[116] القمص تادرس يعقوب ملطي: الصلاة الربانيَّة للمستعدِّين للعماد القدِّيس أغسطينوس، طبعة ثانية، 2004.

[117] On Lord’s Prayer 3. 

[118] In Matt. hom 19:6. 

[119] Ser. on N. T. 6-9.

[120] Lord’s Prayar 8. 

[121] القمص تادرس يعقوب ملطي: الصلاة الربانيَّة للمستعدِّين للعماد القدِّيس أغسطينوس، طبعة ثانية، 2004.

[122] Ser. on N. T. 6-9. 

[123] Cassian: Conf. 9:18. 

[124] PG 13:1599.

[125] On Prayer 22:3.

[126] De Decretics 7.

[127] Lord’s Prayer 10, 11. 

[128] Cat. Lac. 23:11.

[129] On Prayer 2.

[130] In Matt. hom 19:7.

[131] Cat. Lect. 23:12.

[132] القمص تادرس يعقوب ملطي: الصلاة الربانيَّة للمستعدِّين للعماد القدِّيس أغسطينوس، طبعة ثانية، 2004.

[133] In  Matt 6:9.

[134] Cassian: Conf. 9:18. 

[135] Lord’s Prayer 12. 

[136] لكن يوجد من يتمتَّعون بالدم ثم يعودون فينحرفون فلا يتمتَّعون بالملكوت، وذلك واضح من بقيَّة الحديث.

[137] Ser. On N. T. 6-9. 

[138] On Prayer 25:1. 

[139] Treat. 4:19. 

[140] Lord’s Prayer 13. 

[141] Cat. Lect. 23:13.

[142] On Prayer 5.

[143] Lord’s Prayer, 14. 

[144] يميِّز القدِّيس أغسطينوس بين "أن مشيئة اللَّه عاملة فينا" وبين "عاملة بواسطتنا"، فهي عاملة فينا إن أردنا أو لم نرد، أما كونها عاملة بواسطتنا، فيعني أنَّنا نريد أن نصنع مشيئته.

[145] Cat. Lect. 23:14.

[146] Ser. On. N. T. 6-9.

[147] Cassian: Conf. 9:20.

[148] On Ps. hom 58. 

[149] On Prayer 26:6. 

[150] Ser. on N. T. 6-9. 

[151] On Lord’s Prayer 16. 

[152] Ser. on N. T. 6-9. 

[153] On Prayer 26:6. 

[154] Ser. on N. T. 6-9. 

[155] On Lord’s Prayer 17.

[156] Ser. on N. T. 6-9.

[157] Ser. on N. T. 6-9.

[158] Ser. on N. T. 6-9.

[159] Ser. on N. T. 6-9. 

[160]Treat. 4:18. 

[161] On Prayer 6.

[162] On Prayer 27:2,6.

[163] On Prayer, 27:8.

[164] On Prayer, 27:13.

[165] James Strong: Greek Dict. of N. T. , article 1967, 1966, 1909, 1910,

[166] On Ps. hom 17.

[167] Cassian: Conf. 9:22. 

[168] Ser on N. T. 6-9. 

[169] On Lord’s Prayer 22.

[170] Cassian: Conf. 9:23.

[171] Ser. on N. T. 6-9.

[172] Lord’s Prayer, 25,26.

[173] Lord’s Prayer, 27. 

[174] In Matt. hom 19:10.

[175]  In Matt., hom., 19:3. 

[176] In Matt., hom., 19:4.

[177] On Matt. hom 19:11.

[178] Cat. Aurea.

[179] Ser. on Mount 2:39. 

[180] On Lord’s Prayer 23.  

[181] Ser. on Mount 2:36.

[182]  يمكن الرجوع إلى ترجمة المقال إلى العربية التي قام بها الدكتور صفوت منير عام 2003 في كتابنا "علم الباترولوجي: القديس أفراهاط الحكيم الفارسي، ص 36-38."

[183] Demonstration 4:1.

[184] Strom. 4:7.

[185] Demonstration 4:2.

[186] لم ترد هذه الكلمة في الكتاب المقدس، لكن يستخدمها اليهود كما المسيحيون عن سكنى الله بين الكاروبين على غطاء تابوت العهد.

[187] Stromata 7:7.

[188] On prayer 8.

[189] On prayer 8.

[190] Commentary on John, Book 28:36 – 37.

[191] On Prayer 13:3.

[192] Timothy Ware: The Art of Prayer, 1966, p 80-83.

[193] تفسير المزمور 34 (33).

[194] On Prayer, 20:2.

[195] Hymns on Faith, 20:6.

[196] Demonstrations, 4:1 (On Prayer). ترجمة الدكتور صفوت منير

[197] Epistle 2:2.

[198] Reg. Brev. 201.

[199] Cf. Reg. Brev. 32.

[200] Hom. in Martyrem Julittam 3-4

[201] On Ps. 38: 13.

[202] The Prayer of Job and David 1: 8: 27.

[203] On Ps. 31.

[204] للمؤلف: مناظرات يوحنا كاسيان، ص 210.

[205] مناظرات كاسيان 9: 3.

[206] A. J. Wensinck: Mystic Treatises by Isaac of Nineveh, 1923, p 50. -  Dana Miller: The Ascetical Homilies of St. Isaac the Syrian, 1984, p. 48.

[207] On Ps 85: 7.

[208] Conference 14:10.

[209] للاستزادة راجع دير القديس مقاريوس الكبير: فردوس الآباء (بستان الرهبان الموسع).

[210]  راجع: صلاة يسوع لراهب من الكنيسة الشرقية؛ أنطون فهمي جورج: قوة الاسم – صلاة يسوع والروحانية الأرثوذكسية؛ قصص روحية هادفة: سائح روسي في دروب الرب، يحتوي على أربعة عشر قصة.

[211] كنيسة مار جرجس، سبورتنج: صلاة يسوع لراهب من الكنيسة الشرقية، ١٩٧١، ص ١٢، بند ٩.

[212] راجع بند ١٠.

[213] راجع بند ١٤.

[214] راجع بند ١٦.

[215] راجع بند ١٨.

[216] راجع بند ٢٠.

[217] راجع بند ٢١.

[218] راجع بند ٢٤.

[219] بند ٢٧

[220] بند ٢٨.

[221] راجع بند 1 من العبادة الكنسية، سؤال رقم 14.

[222] راهب من دير البرموس (نيافة الأنبا مكاريوس): مدخل إلى الميطانيات في التدبير الروحي، الطبعة الرابعة: 2002م.

[223] راهب من دير البرموس (نيافة الأنبا مكاريوس): مدخل إلى الميطانيات في التدبير الروحي، الطبعة الرابعة: 2002، ص 8.

[224] راهب من دير البرموس (نيافة الأنبا مكاريوس): مدخل إلى الميطانيات في التدبير الروحي، الطبعة الرابعة: 2002، ص 42.

[225] راهب من دير البرموس (نيافة الأنبا مكاريوس): مدخل إلى الميطانيات في التدبير الروحي، الطبعة الرابعة: 2002، ص 10.

[226] راهب من دير البرموس (نيافة الأنبا مكاريوس: مدخل إلى الميطانيات في التدبير الروحي، الطبعة الرابعة: 2002، ص 11.

[227] Marius Victorianus, On .Ephes. 1:3:14

[228] In Rom. hom 17.

[229] Strom 2: 9.

[230] Sermon on N.T. Lessons 83: 6.

[231] In Eph. hom 7.

[232] On our Lord, 11.

[233] In Eph. hom 11.

[234] In Eph. hom 11.

[235] Cassian: Conf. 7: 6.

[236] Ibid. 21: 5.

[237] In Eph. hom 11.

[238] In Eph. hom 11.

[239] In Eph. hom 11.

[240] In Rom. hom 29.

[241] In Rom. hom 29.

[242] Homilies on Philippians, homily 2.

[243] On the Trinity, 9:8.

[244] Homilies on Colossians, homily 6.

[245] Concerning Virginity 11. PG 46:368 BC.

[246] من مجدٍ إلى مجدٍ، تعريب القمص إشعياء ميخائيل، 1984، فصل 2:1.

[247] Commentary on Song of Songs, Homily 5.

[248] On Perfection.

[249] In 2 Cor. Hom. 7:5.

[250] The Theological Orations. 4:26.

[251] Of the Holy Spirit.

[252] The City of God, 22:30.

[253] In Rom. hom 15.

[254] Cassian: Conf. 6: 8.

[255] On Ps. hom 6.

[256] Against Eunomius, 2:1.

[257] Sermons on John, 9:14.

[258] راجع للكاتب وجاكلين سمير كوستي: مخافة الرب عند القديس مار فيلوكسينوس، 1992.

[259] عظة 7: 195-196.

[260] الميمر 84 على قول ربنا: "لا تحلفوا البتة" (مت 5: 34).

[261] Homilies on Philippians, homily 8.

[262] Concerning the Statues, homily 18.

[263] Homilies on Philippians, homily 8.

[264] Homilies on Acts, hom. 13.

[265] الفيلوكاليا، 1993، ص 142.

[266] Epistle 6.

[267] الفيلوكاليا، 1993، ص 187.

[268] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate 25:7.

[269] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate, 85: 2.

[270] In Luc Ser 87.

[271] In Luc Ser 100.

[272] In Luc 12:1-7.

[273] In Matt hom. 33:6.

[274] On Ps. hom 54.

[275] مقال 2.

[276] رسالة 35.

[277] St. Augustine: 10 Homilies on 1st Epistle of St. John.

[278] الفيلوكاليا.

[279] راجع دير القديس مقاريوس الكبير: فردوس الآباء (بستان الرهبان الموسع).

[280] Hermas: The Shepherd, Commandment 7:1-2.

[281] راجع للكاتب: الشيطان ونصرتنا عليه، 2005، الباب الثالث.

[282] Commentary on Ecclesiastes, 81:21.

[283] القديس أوغريس: توجيهات إلى أنالوتيس عن الحياة العاملة، 15.

[284] On Ps. 30.

[285] ميمر على العطايا التي من الروح للمتمتعين بالهذيذ.

[286] Carmina Nisibena 42:1:1-2:2. Cf. C. Nis. 27:62; 49:9-40; Acta Thomae 1-2.

[287] راجع الأب الياس كويتر المخلصي: القديس باسيليوس الكبير، منشورات المكتبة البولسية، بيروت، 1989، ص 288.

[288] عظة 1 عن الصوم: 6؛ ص 17-18. ترجمة د. جورج عوض و د. سعيد حكيم. بالمركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2005.

[289] عظة 2 عن الصوم: 6، ص 36-37. ترجمة د. جورج عوض و د. سعيد حكيم.

[290] عظة 1 عن الصوم: 7؛ ص 20، ترجمة د. جورج عوض و د. سعيد حكيم.

[291] عظة 1 عن الصوم: 9؛ ص 25. ترجمة د. جورج عوض و د. سعيد حكيم. الناشر:

[292] عظة 1 عن الصوم: 6؛ ص 18. ترجمة د. جورج عوض و د. سعيد حكيم.

[293] الأب الياس كويتر المخلصي: القديس باسيليوس الكبير، منشورات المكتبة البولسية، بيروت، 1989، ص 75، عظة عن الصوم.

[294] On Making of Man 18:9.

[295] St. Jerome: Against Jovinianus, Book 2:15.

[296] Homily 11:425, 429, 440, 446.

[297] رسالة 18.

[298] St. Jerome: Letter 130:10.

[299] Institutes of Cassian 5: 21.

[300] Demonstrations, 3:2 (Of Fasting).

[301] عظة 2 عن الصوم: 7؛ ص 39. ترجمة د. جورج عوض و د. سعيد حكيم.

[302] عظة 1 عن الصوم: 2، ص 12-13. ترجمة د. جورج عوض و د. سعيد حكيم.

[303] عظة 1 عن الصوم: 7؛ ص 21. ترجمة د. جورج عوض و د. سعيد حكيم.

[304] عظة 2 عن الصوم: 8، ص 39-40. ترجمة د. جورج عوض و د. سعيد حكيم.

[305] De Baptismo 20.

[306] St. Ambrose: The Duties of the Clergy, Book X, 17 (92).

[307] Ep. 36:26.

[308] Pacdagogus, 2: 9.

[309] راجع الأب الياس كويتر المخلصي: القديس باسيليوس الكبير، منشورات المكتبة البولسية، بيروت، 1989، ص 289.

[310] راجع الأب الياس كويتر المخلصي: القديس باسيليوس الكبير، منشورات المكتبة البولسية، بيروت، 1989، ص 290.

[311] عظة 2 عن الصوم: 4، ص 43. ترجمة د. جورج عوض و د. سعيد حكيم.

[312] عظة 1 عن الصوم: 8؛ ص 21، 22. ترجمة د. جورج عوض و د. سعيد حكيم.

[313] Cassian: Conf. 21:13.

[314] Ladder, step 14.

[315] الشماس يوسف حبيب: الصوم، ص 16-17.

[316] Sermon on Mount 2:42.

[317] Homilies on Song of Songs, 6. ترجمة الدكتور جورج نوّار

[318] Festal Letters 5:4; 7:3.

[319] Comm. On Matt. Book 12:25.

[320] Ser. on N.T. 46: 1,2.

[321] His dialogue with Tarajan.

[322] Rom 5.

[323] Rom 6.

[324] In John. Hom 82: 1.

[325] Comm.. on an Easter Hymn.

[326] تأملات في مديحه للقديس غريغوريوس النزينزي (ترجمة القمص إشعياء ميخائيل).

[327] Letters, 22:17.

[328] Adv. Haer. 5:12;3.

[329] Death is Good, 4:15.

[330] Escape from the World, 9:55.

[331] On Virginity.

[332] Ep. 69:7.

[333] In Rom. hom 15.

[334] Fragments from Comm. on Prov 9: 1.

[335] Ep. 7: 5.

[336] Adv. Haer 2: 22: 2.

[337] In 2 Cor. hom 14. PG 61: 538.

[338] الحب الرعوي، ص 458.

[339] ملخص من مقال "هل من ضرورة لعار الصليب؟!" بكتاب الحب الإلهي، 1967.

[340] A. N. Fathers V. 3 p. 164 – 165.

[341] A. N. Fathers V. 3 p. 164 – 165.

[342] The Christian faith 2 : 11: 95.

[343] In Gen. Hom 55.

[344]  في مديح القديس بولس، عظة 1.

[345] In Galat., hom. 1.

[346] Mishna, Maccoth, Fol 20, 10.

[347] In 2 Cor. hom 25. PG 61: 614-615

[350]  في مديح القديس بولس، عظة 2.

[351] Letter 208 to Felicia.

[352] Letter 108 to Macrobius.

[353] On Christian Doctrine, 4:7(12).

[354]  في مديح القديس بولس، عظة 1.

[355] In Hebr. hom. 29: 1.

[356] Homilies on Epistles to the Corinthians, Homily 10:2.

[358] Death is Good, 4:15.

[359] Commentary on John, 1:35.

[360] Commentary on Matthew, 13:16.

[361] Sermon on the Amount 1:6:17.

[362] Comm. on Luke, Sermon 118.

[363] Sermons on John, 1:16.

[364] Sermons on John, 11:7, 17

[365] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate 15:7.

[366] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate, 51: 10.

[367] In Luc Ser. 124.

[368] دير القديس مقاريوس: فردوس الرهبان؛ الكاتب: قاموس سير القديسين، حرف أ.

[369] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate cf. 49:1.

[370] Cf. Homilies on St. John, 63:1.

[371] Letters, 263.

[372] Letter 60:7.

[373] Matthew Henry Comm. In one volume, p. 583.

[374] Boyld's Bible Handbook, p. 239.

[375] Oration, 39.

[376] In Hebr. 24: 4; 24: 7.

[377] In Lev. 8.

[378] On Ps 79 (80).

[379] Commentary on Ecclesiastes 71: 4.

[380] On Repentance, 1.

[381] بإخضاعهم وإذلالهم من قِبَلْ الأشوريين، أعطي الرب الشعبَ اليهودي فيضًا من الدموع، فصارت لهم خبزًا: "صارت لي دموعي خبزًا نهارًا وليلاً" (مز 42: 3).

[382] Pastoral Care, 3:29.

[383] On Ps 102 (101).

[384] On His Father's silence, Oration 16: 14.

[385] مز 30.

[386] Homilies on Ps. 2.

[387] On Psalm 126 (125).

[388] On Psalm 126 (125).

[389] On Ps. 126.

[390] Homilies on Genesis, 32: 24-25.

[391] Ascetic Homilies, 4.

[392] Commentary on Ecclesiastes 145: 2.

[393] Joseph 2:7.

[394] Sermon 215:2.

[395] Sermon 162:2.

[396] Sermon 162:5.

[397] City of God 20: 17.

[398] الآباء الحاذقون في العبادة ج 2، ص 186.

[399] Concerning Widows, 6.

[400] تفسير المزمور 30 (29).

[401] In Jeremiah, homily 3:49.

[402] Ladder 7:40, 36, 37.

[403] عظة 8: 25.

[404] خواطر فيلسوف في الحياة الروحيّة (الخوري يوحنا الحلو)، المطبعة الكاثوليكية بيروت، 1970، ص 279-281.

[405] Cf. Homilies on Exodus 4:5.

[406] Cf. Homilies on Genesis 12:5.

[407] Selected Works, FOTC, vol. 95, p.337-338.

[408] الفيلوكاليا عن الصلاة.

[409] Homilies on Col., Hom. 12.

[410] In Luc 22: 54-62.

[411] On the Grace of Christ 49.

[412] In Luc 7: 11– 17.

[413] In Luc 7: 11– 17.

[414] بستان الرهبان طبعة مطرانية بنيّ سويف 1968م، ص 280-281.

[415] Selected Demonstration 8 Of the Resurrection of the Dead, 18.

[416] On the Desease of Statyrus 1: 10.

[417] Ep 62.

[418] W. W. Wiersbe: Treasury of the World’s Great Sermons, 1993, p. 131.

[419] W. W. Wiersbe: Treasury of the World’s Great Sermons, 1993, p. 131.

[420] W. W. Wiersbe: Treasury of the World’s Great Sermons, 1993, p. 131-132,

[422] St. John Chrysostom: Concerning Statues, 2.

[423] In Num. hom. 12.

[424] In Jer. hom. 12:13.

[425] عظة على المزامير: الفصل الأول، الأب الياس كويتر المخلصي ص 63.

[426] On Ps. 147.

[427] Homilies on Col., Hom. 9.

[428] In 2 Cor. hom 20:2.

[429] In Matt. hom 25:3.

[430] Hom 130.

[431] Athanasius. to Marcel on Psalms.

[432] On Ps 128.

[433] On Ps. 50.

[434] The Epistle to the Romans, homily 9.

[435] الميمر 106 على المزمور: سبّحوا الرب تسبيحا جديدا (مزمور 96/1، 149/1) (راجع نص الأب بول بيجان؛ الأب الدكتور بهنام سوني).

[436] On Ps. 30, Discourse, 4, 12.

[437] On Ps. 102:8.

[438] On Ps 148:2.

[439] Letter 130:19.

[440] City of God 22:30.

[441] Fragments on his Lost Works, 37.

[442] ميامر الميلاد للقديس مارأفرآم ص 41.

[443] K.S. Latourette: A History of Christianity, 1953, p. 206 etc.

[444] الفيلوكاليا عن الصلاة ص 25-26.

[445] الاقتباسات من مزامير داود النبي وغيره من المسبحين الذين سلكوا بروحه.

[446] الميمر 106 على المزمور: سبّحوا الرب تسبيحا جديدا (مزمور 96/1، 149/1) راجع نص الأب بول بيجان؛ الدكتور بهنام سوني.

[447] الميمر 106 على المزمور: سبّحوا الرب تسبيحا جديدا (مزمور 96/1، 149/1) راجع نص الأب بول بيجان؛ الدكتور بهنام سوني.

[448]  راجع الشماس مينا عازر مقال عن الألحان بالإنجليزية.

[449] Cf. David Arida: Hymnology.

[450] Institutes, 11.

[451] ميمر 96 على قطع رأس يوحنا المعمدان (راجع الأب بول بيجان ترجمة دكتور سوني بهنام).

[452] الميمر 20 على سمعان الصفا عندما قال له ربنا: اذهب خلفي يا شيطان.

[453] الميمر 10 على الصلاة التي علَّمها ربنا لتلاميذه: أبانا الذي في السماء (راجع نص بول بيجان ترجمة الدكتور بهنام سوني).

[454] عظات العلامة أوريجينوس على سفر القضاة: العظة الأولى، 1. ترجمة الشماس بيشوي بشرى فايز.

[455] In Matt. hom 2: 2.

[456] الميمر 53 ب على الصلب، الفصل ب : لليل الثلاثاء (راجع نص بول بيجان والدكتور بهنام سوني)، الميمر 52، على آلام مخلصنا وصلبه ودفنه وقيامته، قبطي.

[457] Jerome Palmer: Our Lady Returns to Egypt, 1969, P. 1.

[458] Sermons on N. T. Lessons 7, 6.

[459] القمص تادرس يعقوب ملطي: القديس يوحنا ذهبي الفم: رسالتك في الحياة، أكتوبر 67 ص 21.

[460] Origen: In Exod, hom 9: 3.

[461] Origen: In Exod, hom 13: 5.

[462] Origen: In Exod, hom 9: 3.

[463] Origen: In Exod, hom 13: 4.

[464] Origen: In Exod, hom 13: 5.

[465] Herodotus 2:4.

[466] The Coptic Encyclopedia, vol. 2, p. 437. E. Achelis: Of Time and Calendar, NJ, 1955.

[467] دُعي يوليو تكريمًا ليوليوس قيصر.

[468] تكريمًا للإمبراطور أغسطوس Augustus الذي غيّر عدد أيامه من 30 إلى 31.

[469] ايريس المصري: قصة الكنيسة القبطية، ك 1، بند 26.

[470] Derchain: Chronologie d’Egypte, Cairo 1954.

Previous
Previous

كاتيكزم الكنيسة القبطية - الجزء الخامس

Next
Next

كاتيكزم الكنيسة القبطية - الجزء الثالث