كاتيكزم الكنيسة القبطية - الجزء الثالث
الكنيسة ملكوت الله على الأرض
كاتيكيزم
الكنيسة القبطية الأرثوذكسية
Catechism of the Coptic Orthodox Church
الجزء الثالث
الكنيسة ملكوت الله على الأرض
طبعة تمهيدية 2018
إعداد
القمص تادرس يعقوب ملطي
الشماس بيشوي بشرى فايز
كنيسة الملكة القديسة مريم والأمير تادرس
ساوث برانزويك – نيو جيرسي
كنيسة الشهيد مارجرجس
سبورتنج - الإسكندرية
باسم الآب والابن والروح القدس
الله الواحد، آمين
ملاحظة:
تعريب العنوان عن الإنجليزية "كاتيكيزم" وعن الفرنسية "كاتيشيزم"
محتويات الكتاب
1. الكنيسة ملكوت الله على الأرض
١. ماذا تعني عبارة: "الكنيسة ملكوت الله على الأرض"؟
٢. من الذي يبني الكنيسة ويحرسها؟
3. ما هي سمات هذه الملكة المرتبطة بعريسها ملك الملوك؟
4. ما هي مراحل عمل الله العجيب لمؤمنيه كأناس الله؟
5. لماذا يقدم لنا قانون الإيمان بند الكنيسة بعد الحديث عن وحدانية الله والثالوث القدوس؟
6. ما هو ثمر الوحدة مع المسيح رأسنا، ومع بعضنا البعض كأعضاءٍ في الجسد الواحد؟
8. هل دخلنا في المقادس ونحن لا نزال مقيمون في العالم؟
9. ما الفارق بين الكهنوت اللاوي وكهنوت السيد المسيح؟
10. ماذا رأى اسطفانوس في رئيس الكهنة: هل كان جالسًا أم قائمًا عن يمين الآب (أع ٧: ٥٦)؟
11. ما هو معنى الكنيسة أو اكليسيا Ecclesia؟
12. ما هي نظرة آباء الكنيسة في الكنيسة؟
13. هل سبق فأعلن العهد القديم عن الكنيسة؟
14. هل المدعوون قديسين يكَّونون الكنيسة؟
15. هل يمكن قطع الأعضاء الذين لا يمكن تقويمها من الكنيسة؟
16. لماذا يظن البعض أنه لا يوجد قديسون في الكنيسة المعاصرة؟
17. هل كل القديسين عبر كل الأجيال هم أعضاء الكنيسة؟
19. ماذا نعني بالقول "كنيسة واحدة"؟
20. هل من مثال عملي بخصوص الاهتمام بالوحدة الكنسية؟
21. ما هو الطريق العملي للتمتع بسرّ الوحدة؟
22. ماذا نقصد بالقول: كنيسة مقدسة؟
23. ماذا نعني بقولنا إن الكنيسة جامعة (كاثوليكية)؟
24. ماذا نعني بأن الكنيسة رسولية؟
25. ماذا نعني بأن الكنيسة معلمة وحافظة للحق وحارسة له؟
26. ما هو النظام الخاص بخدمة الكنيسة؟
27. ماذا قال المرتل عن الكنيسة؟
28. كيف نرى الكنيسة في فلك نوح؟
29. ما هو دور الروح الناري في الكنيسة؟
30. هل يمكن للمؤمن أن يعزل نفسه عن إخوته؟
31. هل تضم الكنيسة مؤمنين من درجات مختلفة؟
32. هل نضطرب لوجود فاسدين في الكنيسة؟
33. ما هو موقف الكنيسة من الفاسدين المستهترين؟
34. ماذا يعني الرسول بقوله إن الكنيسة تُعلن سرّ الخلاص للسمائيين (أف 3: 9-11)؟
35. هل الكنيسة مُحبة للجنس البشري بأجمعه؟
2. رئيس الكهنة السماوي والكنيسة
1. لماذا ملأ الحزن قلوب التلاميذ في حديث السيد المسيح الوداعي؟
2. لماذا تحول حزن التلاميذ إلى فرحٍ عظيمٍ بعد الصعود مباشرة؟
3. ما هي سمات كنيسة العهد الجديد بعد صعود السيد المسيح؟
4. هل توقف عمل المخلص بصعوده إلى السماء؟
5. ماذا يعني بقوله كمرساة للنفس مؤتمنه وثابتة تدخل إلى ما داخل الحجاب؟
6. ما هو دور مسيحنا في كهنوته السماوي الفريد؟
7. كيف يكون رئيس كهنة وفي نفس الوقت هو غافر الخطايا؟
8. ماذا يعني الرسول بقوله: "رسول اعترافنا" (عب 3: 2)؟
9. ماذا يعني الرسول بقوله: "ليظهر الآن أمام وجه الله من أجلنا" (عب 9: 24)؟
3. الكنيسة عُرس سماوي لا ينقطع
1. هل الكنيسة عروس سماوية أم مؤسسة اجتماعية؟
2. ما هو دورنا للاستعداد للعرس السماوي؟
3. هل نتحدث بلغة الكنيسة العروس السماوية؟
4. ما هو الغنى الكنسي السماوي؟
5. ما هو الغنى الذي تشتهيه العروس السماوية؟
6. كيف تهلل القديس يوحنا المعمدان بالكنيسة عروس المسيح؟
7. ما هي العلامات المميزة للعروس السماوية؟
8. كيف حمل زواج يعقوب رمزًا للكنيسة العروس؟
9. لماذا دُعيت الكنيسة الابنة المقدسة؟
10. ما هو خاتم الزواج الذي يقدمه العريس السماوي؟
11. كيف ينزع العريس السماوي نجاستها؟
13. أما يعطينا هنا شيئًا من المهر؟
2. . ما هو موقف الكنيسة من جهة القوات السماوية؟
3. ما هو دور الكنيسة من جهة قوات الظلمة؟
4. كيف يتطلع المؤمن للكنيسة كملجأ له؟
5. كيف تقيم الكنيسة من المؤمن بكرًا وتسجل اسمه في السماوات؟
6. كيف تقيم الكنيسة من المؤمن جبلاً عاليًا، ترفع نفسه فوق الزمنيّات وتحلِّق في السماويات؟
7. كيف يُمارس الإنسان دوره كعضوٍ حيّ في الكنيسة؟
8. ماذا يعني: الكنيسة هي أبواب صهيون؟
9. ماذا يعني: الكنيسة هي إسرائيل الجديد؟
10. ما هو دور الكنيسة كمفسر للكتاب المقدس؟
11. ما هي حدود الشهادة لإنجيل المسيح؟
1. ما هو غاية بناء بيت الرب في وسط شعبه؟
2. لماذا حذر إرميا النبي من تسبحة الشعب: هيكل الرب، هيكل الرب، هيكل الرب هو؟
3. ما هي علاقة الكنيسة بالمسيح المخلص؟
4. لماذا يقول القدِّيس أغناطيوس الثيؤفورس: "الكنيسة موضع الذبيحة Thysiasterion"؟
5. هل من واجبنا أن نطلب الخلاص لإخوتنا؟
6. ماذا يقول أوريجينوس عن الكنيسة بيت الخلاص؟
7. كيف يفسر أوريجينوس فلك نوح وأبعاده كرمز للكنيسة بيت الخلاص؟
8. هل للكنيسة سلطان لمغفرة الخطايا؟
9. ما هو دور الكنيسة كأم للمؤمنين؟
10. هل تحزن الكنيسة من أجل الخطاة؟
11. كيف نشرب الكأس الجديدة مع السيد المسيح في السماء (مت 26: 29)؟
12. هل يهتم كل المؤمنين بخلاص نفوسهم؟
13. هل من ضرورة للتفسير الحرفي وأيضًا التفسير الأخلاقي وتجاهل التفسير الروحي والرمزي؟
14. هل يليق بالراعي أن يداهن الشعب على حساب خلاص نفوسهم؟
1. ماذا يقول الآباء عن سمو الكنيسة؟
2. كيف تكون الكنيسة أمًا وعذراء في نفس الوقت؟
4. بماذا يدعوها العريس السماوي؟
5. لماذا يدعو القدِّيس أغناطيوس الثيؤفورس الكنيسة جماعة حب؟
6. لماذا يدعو القدِّيس أغناطيوس الثيؤفورس الكنيسة جماعة شكر وتسبيح؟
7. ما هو عمل السيد المسيح في أعضاء كنيسته؟
8. ما هي فاعلية الكنيسة في قلب المؤمن؟
9. أين يتعرف المؤمن على مشيئة الله؟
10. كيف تحث الكنيسة المؤمن على العمل؟
11. لماذا دُعي المؤمنون المختارون أو الكنيسة المقدسة "القطيع الصغير" (لو 12: 32)؟
12. لماذا ِ شُبهت الكنيسة بالمرأة المنحنية التي نالت الشفاء؟
13. لماذا تٌدعى الكنيسة الفندق المفتوح لكل البشر؟
14. هل يُمكن لإنسانٍ أن ينجو وهو يعتزل عن الكنيسة؟
15. ما هو مفهوم الاعتزال عن الكنيسة؟
16. ما هو مفهوم العودة إلى الكنيسة؟
1. كيف تنطلق الكنيسة باستمرار من مجدٍ إلى مجدٍ؟
2. هل من نصرات مستمرة لا تنقطع؟
3. هل نعتز بالكنيسة لأنها ممتدة من القدم أم لأنها جديدة؟
1. كيف تمارس الكنيسة أمومتها مع الالتزام بالخط الروحي الاجتماعي؟
2. ما هي نظرة العهد القديم للخط الاجتماعي؟
3. ما هي نظرة العهد الجديد للخط الاجتماعي؟
5. ما هي أسس العمل الاجتماعي في الكنيسة الأولى؟
6. ما هو دور الكنيسة الأولى في العمل الاجتماعي؟
7. ما هو موقف الإيمان المسيحي من الثقافات البشرية
8. ما هي نظرة الإيمان المسيحي للعقل البشري؟
10. كيف فتحت المسيحية الباب للتقدم العلمي؟
11. ما هي علاقة الإيمان المسيحي بالمعاملات الاجتماعية والأسرية؟
12. ما هو موقف المؤمن من الصحبة والصداقة!
13. ما هي نظرة المسيحية للأخلاقيات؟
14. ما هي نظرة المسيحية في حق الدفاع عن النفس والأسرة والوطن؟
15. كيف أعدت الشريعة الموسوية البشرية للعبور إلى الكمال بالسيح يسوع؟
16. ما هي حدود التأديب في العهد الجديد؟
دور المرأة في المجتمع والكنيسة
17. ما هو دور المرأة كقائدة في المجتمع والكنيسة الأولى؟
18. ماذا قال القديس إكليمنضس الروماني عن إمكانية النساء المؤمنات؟
19. ما هو دور الشماسة أولمبياس Olympias؟
20. كيف بلغت الأم سارة أن تكون مرشدة روحية؟
21. لماذا حسب البابا أثناسيوس الرسولي القديسة سينكليتيكي أشبه بملاك؟
22. ما هو دور المرأة عند آباء الشرق في الكنيسة الأولى؟
23. ما هو رأي مدرسة الإسكندرية في الإجهاض؟
3. ما هي الوحدة الكنسيّة عند القدّيس إكليمنضس؟
5. لماذا دُعيت الكنيسة جماعة المختارين؟
6. لماذا دُعيت الكنيسة العالم الجديد؟
7. ما هي علاقة الكنيسة المنظورة بالكنيسة السماويّة؟
8. هل يُمكن أن تُجد كنيسة كاملة في طهارتها؟
1. هل من حاجة إلى بناء بيت الرب؟
2. ما هو مفهومنا للمبنى الكنسي؟
3. ما هو أهمية المبنى الكنسي في حياة الكنيسة
4. هل يقوم المبنى على أُسس معمارية فنية مجردة؟
5. ماذا نعني بالحياة الليتورجيا أو بالشكل الليتورجي للكنيسة؟
6. كيف يرتبط المبنى الكنسي بالحياة السماوية؟
7. كيف يعبِّر المبنى الكنسي عن الحياة الداخلية للمؤمن؟
8. لماذا استخدمت السراديب للعبادة خاصة في الغرب؟
9. ما هو دور المعمار الكنسي في مصر؟
10. ما هو أول مبنى كنسي في مصر؟
11. ما هو طراز الكنائس التي شيدت فيما بعد في مصر؟
12. لماذا اهتمت الكنيسة الأولى بالاتجاه نحو الشرق في عبادتنا؟
13. ما هو مدلول الاتجاه للشرق في عبادتنا وبناء كنائسنا؟
14. ما هو الشكل الخارجي للمبنى الكنسي؟
16. ما هو الدرج وما هي الشرقية؟
18. ما هو ارتباط المذبح الذي في الهيكل بالمذبح الداخلي في نفوسنا؟
19. إذ أُبطلت الذبائح الحيوانية بذبيحة المسيح على الصليب فما حاجتنا بعد إلى وجود مذبح؟
20. ما هي ملامح المذبح القبطي؟
22. لماذا نستخدم أغطية للمذبح؟
11. حامل الأيقونات "الأيقونستاسز"
1. ما هي أسماء حامل الأيقونات؟
5. ما هو ترتيب الأيقونات على الأيقونستاسز؟
6. ماذا يتدلى من الأيقونستاسز؟
10. ما هي أهمية تكريس الكنيسة والأيقونات؟
11. لماذا نكرّم الأيقونات المقدسة؟
12. متى بدأ استخدام أيقونات السيد المسيح؟
13. لماذا تحفظت الكنيسة الأولى في تصوير المسيح؟
15. لماذا اهتمت الكنيسة بأيقونات القديسين؟
16. هل من ضرورة لأيقونات القديسين؟
17. أين توضع أيقونات الإنجيليين الأربعة وأيقونات التلاميذ؟
18. ما هي أشكال هالة المجد في الأيقونات القبطية؟
19. لماذا نهتم بأيقونات الخليقة السماوية؟
20. كيف تطورت الأيقونات عبر العصور؟
21. إلى أي مدى ارتبط الأقباط بالفن خاصة في الأيقونات؟
22. ما هي أهم ملامح الأيقونات القبطية؟
23. ما هو أثر الفن القبطي على العالم؟
1. ما هو موقف الكنيسة القبطية من الرموز؟
3. كيف ارتبط الصليب بالمبنى الكنسي واللاهوت والفن
4. ما هو مركز الصليب في المبنى الكنسي؟
6. هل من أمثلة للصلبان القبطية التي وجدت في الآثار القبطية؟
1. كيف تتقدس الأواني المقدسة لخدمة الرب؟
5. ما هي الملعقة أو "المستير"؟
3. لماذا تُستخدم القباب في المباني الكنسية؟
4. لماذا تُستخدم الأعمدة في المباني الكنسية؟
5. لماذا كان الإمبل "المنبر" يُستخدم في المباني الكنسية؟
7. ما هو دور خورس الموعوظين والتائبين؟
8. هل مارس المسيحيون الأوائل سرّ العماد في الهواء الطلق؟
9. هل مارس المسيحيون الأوائل سرّ العماد داخل جدران مبنى الكنيسة؟
10. لماذا تُقام المعمودية في غرب صحن الكنيسة؟
11. ما هي أشكال المعمودية من الجانب الهندسي؟
12. بماذا تتسم حجرة المعمودية؟
1. ما هو تاريخ استخدام الأجراس؟
2. هل نستخدم أجراس اليد في كنائسنا؟
3. ما هي استخدامات الجرس والبوق؟
4. ما هو ترتيب دق أجراس الكنيسة؟
5. ما هي آداب الحضور في بيت الرب؟
1. ما هو معنى كلمة "السرّ" في العهد الجديد؟
2. لماذا تُستخدم المادة في التمتع بالأسرار الكنسية؟
3. ما هي غاية الأسرار الكنسية؟
4. ما هو ارتباط الأسرار ببعضها البعض؟
5. لماذا لم يُشر قانون الإيمان إلى بقية الأسرار مكتفيًا بسرّ المعمودية؟
6. كيف استعاد الإنسان بنوته لله؟
8. كيف أعدّ العهد القديم للمعمودية المسيحية؟
11. ماذا يُطلب من طالبي العماد؟
14. لماذا كانت تُسجل أسماء طالبي العماد؟ وكيف؟
15. ما هي مدة تعليم الموعوظين؟
17. ما هي مادة التعليم للموعوظين؟
18. ما هو الإعداد الروحي لنوال سرَ العماد؟
19. ما هي طقوس ومراسيم العماد المقدس؟
20. ما هي استعدادات خادم السرّ للقيام بالتعميد؟
21. من يقوم بفرز طالبي العماد؟
22. ماذا غاية تقبل علامة الصليب؟
23. ما هو هدف التِلاوات لطرد الأرواح الشريرة؟
25. لماذا يُدهن طالبي العماد بالزيت؟
26. ما هو سرّ اهتمام الكثير من الآباء وليتورجيات العماد بجحد الشيطان؟
28. كيف يعلن طالب العماد اعترافه بالإيمان؟
29. ما هي بنود الاعتراف بالإيمان للمعمودية؟
31. ما هي الصلوات التي تُقال عند سكب الميرون في المياه؟
33. هل نمارس عادة غسل القدمين أثناء العماد؟
34. هل يُدهن المُعمد حديثًا بزيت الميرون المقدس؟
35. لماذا يرتدي المُعمدون حديثًا الثياب البيضاء؟
36. ما هو طقس لبس الأكاليل والزنار؟
38. ماذا يعني إقامة موكب يزف المعَمدين حديثًا وهم يحملون شموعًا منيرة؟
39. ماذا عن عادة أكل المعمدين حديثًا خليطًا من اللبن والعسل؟
42. ما هو موقف الإنسان الذي يسقط في الخطايا باستهتار بعد عماده؟
1. ما هو عمل المسحة المقدّسة في حياة المؤمن؟
3. ما هو دور كل من سرّ العماد وسرّ المسحة؟
4. هل يتم العماد بدون عمل الروح القدس؟
5. ماذا يعني وضع الأيادي والمسحة؟
6. لماذا دُعيت المسحة ختم الله على النفس؟
7. ما هو ارتباط يد القدير باليد البشريَّة؟
8. كيف يتمتع المؤمن بالنمو الروحي الدائم والنضوج؟
9. لماذا دُعي ها السرّ بالمسحة المقدسة؟
10. لماذا دُعيت المسحة المقدسة سرّ التثبيت؟
11. ما الفرق بين مسحة السيد المسيح ومسحة الميرون للمعمدين؟
12. ما الفرق بين مسحة العهد القديم ومسحة العهد الجديد؟
13. ما دور كل من مسحة الكهنوت في العهد القديم ومسحة الميرون في العهد الجديد؟
14. ما هو عمل مسحة الميرون في المتمتع بسرّ العماد؟
15. ماذا يعني "لا تُحْزِنُوا رُوحَ اللهِ الْقُدُّوسَ الَّذِي بِهِ خُتِمْتُمْ لِيَوْمِ الْفِدَاءِ؟
1. لماذا دُعي ربنا يسوع محب الخطاة والعشارين؟
2. ما هي الوصية التي قدمها السيد المسيح لتلاميذه عندما ظهر لهم بعد قيامته؟
3. ما هي أهم التزامات المؤمن التائب؟
5. من يشفي نفسي سواك أيها الطبيب فتخدمك؟
7. لقد قتلني الإثم، ودفنني في القبر، وأنتنت، فهل يقبل الله توبتي؟
8. ما هي فاعلية دموع التوبة في حياتنا؟
9. ما هي دالة دموع التوبة لدى الله؟
10. ما هي اللغة التي ينصت إليها الطبيب السماوي سوى دموع التوبة؟
11. لماذا تُدعى دموع التوبة معمودية ثانية؟
12. هل دموع التوبة هي تقدمة من لله؟
13. لماذا تخاف من مُحب الخطاة؟
14. هوذا الأيام تُسرع لتطردنا من العالم، فلماذا نؤجل التوبة؟
15. كيف تعيننا الضيقات على ممارسة حياة التوبة؟
16. هل من ضرورة للاعتراف أمام الله في مخادعنا، وأيضًا في حضور أب الاعتراف؟
17. لماذا يستخدم الله المحب للبشر التأديب؟
18. كيف نقاوم الخطية بالعمل الإيجابي للتوبة؟
19. هل من خطوات عملية تسندنا في التمتع بحياة التوبة؟
20. كيف يكون التعامُل مع الذين يتجنَّبون الخطايا الكبرى، ويتهاونون في الخطايا الأقل؟
21. كيف يمكن للشخص أن يبلغ إلى كراهية الخطية (مز 119: 163)؟
22. كيف تقتنع النفس تمامًا أن الله يغفر لها خطاياها؟
23. كيف تتأكد النفس تماًما أنها تتطهَّر من الخطية؟
24. ما هو موقف من يسقط في خطايا بعد عماده؟
25. ما هي الثمار التي تُختبَر للتوبة الحقيقية؟
27. ما هو موقفنا ممن يخفي خطاياه؟
28. ماذا إن قال (الشخص): "إن ضميري لا يدينني"؟
29. ماذا يلزم أن يفعل من يتوب عن خطية، ويعود فيسقط في ِنفس الخطية؟
30. ما هو السلوك اللائق بالمؤمن التائب؟
31. هل يتعارض سكب دموع التوبة مع الشخصية المتسمة بالبشاشة؟
32. ما الفرق بين "الحزن بحسب مشيئة الله" و"حزن العالم"؟ (2 كو 7: 10)؟
33. ما هو الحزن الذي يجب أن نتحمَّله لكي نستحق التطويب (مت 5: 4)؟!
36. هل من مثال لصلاة من أجل التوبة؟
1. ما هو سرّ الشركة في الإفخارستيا؟
3. لماذا يُعتبر سرّ الإفخارستيا عصب العبادة المسيحية؟
5. هل يجوز للشخص أن يتناول جسد الرب ودمه كل يوم؟
6. لماذا نؤمن بالذبيحة الواحدة التي تقدم على مذابح متعددة؟
7. لماذا تُخلط الأباركة بماء في الكأس؟
8. كيف نستعد للتناول من جسد الربّ ودمه؟
9. ما هي فاعلية التناول من جسد الربّ ودمه؟
10. ما هي مشاعرنا ونحن نشترك في القداس الإلهي؟
11. هل تبقى الكنيسة تمارس القداس الإلهي حتى يوم مجيئه؟
12. ما هو ارتباط مائدة الإفخارستيا بمائدة التعليم؟
13. ما هو دور هذه الوليمة في حياة من يتناول منها؟
14. ماذا يقدم العريس السماوي لمؤمنيه على مائدته؟
15. هل هو جسد حقيقي ودم حقيقي؟
17. من يحوِّل القرابين إلى جسد الرب ودمه؟
18. لماذا يقول: "لأنني تسلَّمتُ من الرَّب" (1 كو 11: 23) مع أنه لم يحضر العشاء الرباني؟
19. ماذا يقصد الرسول بقوله "كأس البركة" (1 كو 10: 16)؟
20. لماذا قال السيد المسيح: "اصنعوا هذا لذكري Do this in my anamnesis"؟
21. كيف يمكن للمائدة التي هي علة بركات كثيرة أن تصير علة دينونة (1 كو 11: 29)؟
22. هل يمكن التناول بدون توبة صادقة؟
23. كيف نستعد للتناول من جسد الرب ودمه؟
24. هل يُمكن تقديم (الإفخارستيا) في بيت عادي؟
25. كيف يخدم الكاهن في المذبح؟
26. كيف نحرص على قدسية الثياب الكهنوتية؟
حول الخطوط الرئيسية لليتورچيا القبطية
27. ما هي سمات الليتورچيا المصرية؟
28. ما هي ليتورچيات الإفخارستيا التي تستخدمها الكنيسة القبطية في وقتنا الحاضر؟
29. ما هي الخطوط الرئيسية لليتورچيا الإفخارستيا القبطية؟
30. من الذي يتلو القراءات الكتابية؟
32. ماذا يفعل المؤمنون بعد القراءات والعظة؟
33. لماذا تُستخدم القبلة في القداس الإلهي؟
34. بماذا يبدأ صلاة قداس المؤمنين؟
35. هل يمكن الخروج قبل الانتهاء من قداس المؤمنين؟
37. بماذا تنشغل الكنيسة أثناء التناول من الأسرار المقدسة؟
38. ما هو دور الشعب في القداس الإلهي؟
39. ماذا يقول الكاهن والشعب أثناء التناول من الجسد والدم؟
40. ما هي سمات الخبز المُقدَّم حملاً؟
41. بماذا يحذر القديس باسيليوس الكهنة عند تناول دم المسيح؟
42. ما هو شعور الكهنة والشعب عند التناول؟
43. ما هو ارتباط الإفخارستيا بترقب المجيء الأخير للسيد المسيح؟
ما هو عمل الإفخارستيا في حياة المؤمنين معًا؟
1. ما هو المفهوم الإنجيلي الكنسي لدرجات الكهنوت؟
3. ما هي السمة الرئيسية التي تؤهل المؤمن للعمل الكهنوتي والرعوي؟
4. ما هو عمل رئيس الكهنة السماوي في حياة كهنته وكرازتهم ورعايتهم؟
5. كيف أقام السيد المسيح تلاميذه الاثني عشر ورسله السبعين؟
6. كيف كان الرسل يقيمون قسوسًا في كل كنيسة؟
7. ما هو دور الكاهن (أو الأسقف) كأبٍ؟
8. ما هو دور الكاهن (أو الأسقف) كطبيبٍ؟
9. ما هو مفهوم القيادة بالنسبة لرجال الكهنوت والوالدين والخدام وكل القادة؟
10. ما هو دور الكاهن (أو الأسقف) كمقدم للذبيحة؟
11. ما هو دور الكاهن (أو الأسقف) كمفسرٍ للكتب المقدسة؟
12. ما هو دور الكاهن (أو الأسقف) والقدرة على التعليم؟
13. ما هو دور الكهنة (أو الأساقفة) كأعمدة للكنيسة؟
14. ما هي مسئولية الأساقفة في تلمذة جيل جديد من الأساقفة والكهنة؟
15. ما هي نظرة الكهنة لخطايا الشعب؟ وما هو سلطانهم؟
16. كيف يراجع الكاهن حساباته حتى لا يفقد سلطانه؟
17. ما هي خطورة المجد الباطل على الأساقفة؟
18. كيف كان موسى مثالاً رائعًا في إقامة خليفة له؟
19. من هو الأسقف الحقيقي في نظر الله؟
20. لماذا قام موسى بإلباس هرون رئيس الكهنة وبنيه ثيابًا (لا 8: 7، 13)؟
21. ما هي أنصبة الكاهن في ذبيحة السلامة؟
22. هل يلزم ألا تفارق قلوب الكهنة السكنى في بيت الله؟
23. لماذا يلتزم الكاهن بحياة الصلاة الدائمة؟
25. ما هو منهج العلاقة بين رجال الإكليروس والشعب؟
26. هل تعوق الأعمال الإدارية للكاهن تحرره الداخلي؟
27. هل رعاية الإيبارشية تعوق الاهتمام بالعمل الكنسي العام؟
28. ما هي أخطر السقطات التي يتعرض لها الكهنة والرعاة والخدام؟
29. ما هو العلاج العملي الذي يُقدم للرعاة؟
30. هل يحتاج الأسقف إلى صلوات الشعب؟
31. لماذا يسمح الله للكهنة والأساقفة أن يخضعوا لأهواء الحياة والضعف؟
32. كيف يأخذ المؤمن المشتاق لحياة التكريس أن يسلك في طريق الخدمة أم الرهبنة؟
33. ما هو سرّ نجاح رئيس الأساقفة يوحنا الذهبي الفم في عمله الرعوي؟
34. ما هو منهج مار يعقوب السروجي والقديس أفرآم السرياني عند وضع رثاء لكاهنٍ انتقل؟
2. ما هو مفهوم الزواج المسيحي؟
3. ماذا نعني بالقول إن الزواج من الله؟
4. ماذا نعني بالقول إن الزواج سرّ مقدس؟
5. لماذا افتتح السيد المسيح خدمته بحضوره في عرس قانا الجليل؟
6. ما هو دُعامة الحياة الزوجية؟
7. كيف نفذ السيد المسيح الوصية: يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته (تك 2: 24؛ مت 19: 5)؟
8. ما هي نظرة الزوجين في إنجاب الأطفال؟
9. ما هو سرّ المساواة بين الزوج والزوجة؟
10. ما هو مفهوم خضوع الزوجة لرجلها؟
11. ما هو مدى مسئولية كل شخصٍ عن حياته الروحية؟
12. هل تطيع الزوجة رجلها إن طلب كسر الوصية الإلهية؟
13. ما هو دور الزوجة كمعينة لرجلها؟
14. ما هو سرّ الجمال الحقيقي للزوجة؟
15. هل يلزم أن يكون الزواج من مؤمن أو مؤمنة؟
16. هل يسلب أحد الزوجين الطرف الآخر في العلاقات الزوجية؟
17. ما هو دور السيد المسيح والكنيسة في الأسرة المسيحية؟
18. ما هو دستور الأسرة الرئيسي؟
19. هل حياة البتولية مقدسة في الرب؟
20. لماذا سمحت الشريعة الموسويّة بالطلاق؟
21. هل يجوز الزواج الثاني للأرمل أو الأرملة أو المُطلق أو المُطلقة؟
22. هل يجوز للرجل أن يعيش مع زوجته إن زنت ورفضت التوبة عن زناها؟
23. ما هي نصائح القديس يوحنا الذهبي الفم للوالدين في تربية أولادهم؟
24. ما هي أهم النصائح العملية التي يقدمها القديس يوحنا الذهبي الفم للوالدين؟
1. لماذا تحدث الرسول يعقوب عن سرّ مسحة المرضى؟
3. ماذا نلمس في الأسرار الكنسية المفرحة؟
23. الكنيسة القبطية والحركة الرهبانية
1. هل النسك (التقشف أو الزهد) في الكنيسة القبطية إنجيلي؟
2. ما هي غاية الحياة النسكية عند الأقباط؟
3. ما هو الدافع للنسك عند الأقباط؟
4. ما هو ارتباط النسك بالحياة الكنسية؟
5. كيف بدأت الحركات الرهبانية في مصر؟
6. من هم أهم القيادات الرهبانية؟
7. ما هو أثر الرهبنة المصرية على العالم المسيحي؟
8. ما هي الحركة الرهبانية القبطية اليوم؟
1. الكنيسة ملكوت الله على الأرض
كانت الكنيسة في ذهن الله حتى قبل سقوط آدم وحواء، وكانت الأقانيم الثلاثة ولا زالت مشغولة بخلاص الإنسان لترد إليه ما فقده بسبب الخطية. ويبقى الله مهتمًا بمحبوبه الإنسان، ولكنيسة الله ليقيم منها ملكوته على الأرض، ويعبر بها إلى سماواته.
يمكننا إبراز دور الله وعمله العجيب ليقيم من الكنيسة ملكوته الأبدي والوارثة مع المسيح بكونها عروسه المقدسة، والتي ترتبط بالسمائيين كأنها إحدى الطغمات السماوية، بل وتبقى موضوع دهشتهم، إذ يرون في البشر الذين خلقوا من التراب وانخدعوا بواسطة إبليس الذي يحسدهم على ما ينالونه من الله من بركات فائقة. لم يكن أحد يتوقع ما يتمتعون به الآن وما سيتمتعون به كميراثٍ أبديٍ.
١. ماذا تعني عبارة: "الكنيسة ملكوت الله على الأرض"؟
إن عدنا إلى الجزء الثاني من سلسلة الكاتشزم بند ٦ عن "سمو الإنسان عند خلقته"، ندرك أن الله ملك الملوك خلق الإنسان ليقيم منه ملكًا صاحب إرادة حرة وسلطان أولاً على أعماقه الداخلية وأيضًا على سمك البحر وطير السماء وعلى كل الأرض (تك ١: ٢٦)، لا ليحمل روح التشامخ والعجرفة بل ليكون سفيرًا لله محب البشر وخادم الكل.
كثيرون يتساءلون: ماذا كان يحدث لو أن حواء وآدم لم يسمعا لنصيحة إبليس وخداعه؟ بلا شك ما كان قد دخل الفساد إلى نسل آدم وحواء، بل تحولت الأرض كما إلى سماء يسودها لا قانون الظلم بل الحب والقداسة والوداعة والتهليل للخالق، وصاروا أشبه بالطغمة السمائية.
حلّ الفساد بنسل آدم وكما يقول القديس أغسطينوس صار حتى الرضيع لا يقبل رضيعًا آخر يرضع معه من صدر أمه، بل يثور الطفل إن رأى طفلاً آخر في عمره يغتصب ألعابه الخ.
مع هذا وُجد بين البشر من يرفع عينيه نحو الله ويترنم: "تقدمت فرأيت الربّ أمامي في كل حين، لأنه عن يميني لكيلا أتزعزع. هذه العبارة التي يرددها المؤمن في صلاة باكر ليعيشها نهارًا وليلاً.
إن كان الإنسان قد فقد سمته كملكٍ أو ملكةٍ، كما فقدت ذلك أيضًا كثير من الجماعات سواء على مستوى البيت أو الكنيسة أو العمل أو هيئات التعليم، فقد تجسد ملك الملوك (رؤ ١٩: ١٦) لكي يرد للإنسان الحياة الملوكية على مستوى فائق، سواء للشخص أو الجماعة. لهذا لم يقل الرسول: "جعلني ملكًا"، بل قال: "جعلنا ملوكًا وكهنة لله أبيه" (رؤ ١: ٦).
حين نتحدث عن الكنيسة كمملكة المسيح على الأرض نقصد الكنيسة التي هي قلب الإنسان وعقله وعواطفه وكل طاقاته، وأيضًا الكنيسة التي هي بيته وأسرته الصغيرة، والكنيسة المتعبدة لله والتي يتمتع أعضاؤها بالبنوة لله خلال المعمودية. تتمتع بالتناول من الإفخارستيا، وتشارك الطغمات السمائية فرحها بالربّ وتسبيحها الدائم وصلواتها من أجل خلاص العالم كله واتساع قلبها حتى بالنسبة لمضطهديها.
٢. من الذي يبني الكنيسة ويحرسها؟
يقول القدِّيس أمبروسيوس: [شرح الرب نفسه سبب عماده: "اسمح الآن، لأنه هكذا يليق بنا أن نكمِّل كل برّ" (مت ٣: ١٥). من بين مراحمه الكثيرة بناؤه الكنيسة، فبعد الآباء والأنبياء نزل الابن الوحيد وجاء ليعتمد. هنا تظهر بوضوح الحقيقة الإلهيَّة التي ذكرت بخصوص الكنيسة، وهي "إن لم يبن الرب البيت فباطلاً يتعب البنَّاءون" (مز 127: 1). إذ لا يستطيع الإنسان أن يبني أو يحرس. "إن لم يحرس الرب المدينة، فباطلاً يسهر الحراس". إنِّي أتجاسر فأقول إنه لا يستطيع الإنسان أن يسلك في الطريق ما لم يكن الرب معه يقوده فيه، كما هو مكتوب: "وراء الرب إلهكم تسيرون وإيَّاه تتَّقون" (تث ١٣: ٤)[1].]
3. ما هي سمات هذه الملكة المرتبطة بعريسها ملك الملوك؟
إنها أيقونة عريسها ربّ المجد يسوع المسيح، تحمله في داخلها وتسلك في الربّ تحت قيادة روح الله القدوس. أهم سماتها:
أولاً: التمتع بروح القداسة: عريسها هو ابن الله الوحيد، القدوس مع أبيه الصالح والروح القدس. ففي تجليه قيل: "تغيرت هيئته قدامهم وأضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور" (مت 17: 2). الثوب الأبيض يشير إلى كنيسة المسيح الملتصقة به كمن هو ملتحف بها، قد صارت بيضاء كالنور لأن عريسها حالّ في داخلها، شمس البرّ الذي جاء يضيء فيها، فتصير بيضاء كالنور، تحمل طبيعة النور. وقد سبق فرأينا[2] أن هذا الثوب يُشير إلى العرس الأبدي، حيث تتقدّم أيضًا العروس بثوب إلى الرجلين (رؤ 19: 8). لتُزفّ مع عريسها في حضرة الأربعة وعشرين قِسِّيسًا.
يقول القديس أغسطينوس: [قيل: "إن كانت خطاياكم كالقرمز تبيض كالثلج" (إش 1: 18). مِنْ هؤلاء الناس يحضر المسيح لنفسه ثوبًا بلا عيب ولا دنس (أف 5: 27). لذلك عندما كان على الجبل صارت ثيابه بيضاء كالثلج (مت 17: 2)، إشارة إلى الكنيسة المتطّهرة من كل دنس الخطية.]
هذه القداسة التي تتمتع بها الكنيسة هي من عمل عريسها الذي يقيم ملكوته داخلها (لو 17: 21). ومن عمل كلمة الله فيها. يقول القديس كيرلس الكبير: [الخميرة كمية قليلة، لكنها تمسك بالعجين، وتنتشر فيه كله، وتنقل إليه بسرعة كل خواصها. وكلمة الله تعمل فينا بطريقة مشابهة، لأنه حينما نقبلها في داخلنا، تجعلنا مقدسين وبلا لومٍ[3].]
سرّ كمال الكنيسة وقداستها هو تمتعها بالحياة بعد قيامة يسوع أو اتحادها مع المسيح الذي قام، إذ تُدعى الكنيسة لكي تكون في تألقٍ أعظم وفي جلال، كما لو كان الكمال قد تحقق. يوضح أوريجينوس أن المسيح هو حياة الكنيسة. كما يقول: [حقيقة أن الكنيسة هي تجمع أنفسٍ عديدةٍ، قد أخذت نظام حياتها عن المسيح[4].] كما يقول: ["قومي يا جميلتي، يا حمامتي، وتعالي. لأن الشتاء قد مضى، والمطر قد زال، الزهور ظهرت في الأرض" (نش 12:2). يمكننا القول إن ذلك كان بمثابة نبوة وُجهت إلى الكنيسة، لدعوتها إلى البركات التي وعد بها الرب في المستقبل. لقد دُعيت لكي "تقوم"، كما لو كان قد حلّ أوان الكمال، وقد جاءت القيامة. كان إصدار هذا الأمر بمثابة ختم على عمل القيامة أكثر جلالاً وتألقًا[5].]
ثانيًا: اعتزاز الكنيسة بروح الملوكية الروحية. تقتدي بعريسها فلا تطلب سلطانًا زمنيًا. فحين أرادت الجموع أن تخطفه لتقيمه ملكًا انصرف إلى الجبل وحده (يو ٦: ١٥). حقًا حين سأله بيلاطس: "أنت ملك اليهود؟!"، لم ينكر أنه ملك، إذ قال له: "أنت تقول" (مت ٢٧: ١١؛ مر ١٥: ٢). وفي نفس الوقت صحح للوالي مفهومه للمملكة، قائلاً له: "مملكتي ليست من هذا العالم" (يو ١٨: ٣٦).
إن كانت مملكة المسيح ليست من هذا العالم، فيليق بالكنيسة كما بالمؤمن إدراك أن مملكتهما ليست من هذا العالم. بل يليق بهما عدم الانشغال بالسياسات العالمية وحتى الكنسية. يقول القديس مار يعقوب السروجي: [عندما تسمع خبرًا حسنًا احتقره، ولا تتكل عليه لأنه ليس صحيحًا. وإن طرق سمعك أيضًا خبر سيئ لا تخف منه، لأنه غير ثابتٍ. في هذا الزمان تمتطي الأخبار السارة والمحزنة العجلات مثل النهار والليل، وتتراكض وراء بعضها بعضًا، وليس لأي منها سلطان لتستقر في موضعٍ أو تخرج منه، لأن الحكمة إرادتها أن تتراكض هكذا. لا يفزع فكرك ويستعجله ويتطارده، بحيث يحزنك هذا ويفرحك ذاك. لكن دعْ الأخبار تذهب وتجيء، واتكل أنت على الله، وعلى رجاء الإيمان منتظرًا العبارة التي تقول: "لا تضربك الشمس في النهار، ولا القمر في الليل، الرب يحفظك من كل شر" (مز 121: 6-7).[6]]
هكذا يحوَّل العريس عيني عروسه عن التطلع خارجها إلى الداخل، لهذا يقول للتلاميذ: "ها ملكوت الله داخلكم" (لو ١٧: ٢١). يدعونا أن نكون ملوكًا لنسلك كملوكٍ أبناء ملك الملوك، لنا سمة الملوكية السماوية، فنعيش بروح القداسة والسمو، لا نشتهي أمور العالم، ولن نسمح للشهوات أن تملك على قلوبنا أو أذهاننا أو عواطفنا، ولا للشيطان أن يضمنا إليه، إنما نعتز بالسلطان الذي وهبنا مخلّصنا إياه، قائلاً: "ها أنا أعطيكم سلطانًا لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو، ولا يضركم شيء" (لو ١٠: ١٩).
ثالثًا: الاهتمام بنقاوة الهيكل الداخلي. كان العريس السماوي مشغولاً بتقديس الهيكل، فقد قيل: "دخل يسوع إلى هيكل الله وأخرج جميع الذين كانوا يبيعون ويشترون في الهيكل، وقلب موائد الصيارفة وكراسي باعة الحمام، وقال لهم: «مكتوب: بيتي بيت الصلاة يُدعى، وأنتم جعلتموه مغارة لصوص!»" (مت ٢١: ١٢-١٣). تُرى لو دخل السيد المسيح كنيسة فوجد في صالتها حفل لجمع التبرعات Fund raising، حيث لا يُسمح لأرملة معها فلسان أن تشترك في الحفل، فماذا يفعل؟!
لقد قال القديس بطرس للأعرج من بطن أمه: "ليس لي فضة ولا ذهب، ولكن الذي لي فإياه أعطيك، باسم يسوع المسيح الناصري قم وامش" (أع ٣: ٦). تُرى هل توجد كنيسة اليوم لا تملك ذهبًا ولا فضة إنما تقدم يسوع المسيح الناصري الذي يُشبع كل احتياجات الشعب؟!
يرى القدّيس جيروم أن الكهنة كانوا يستغلِّون عيد الفِصح حيث يأتي اليهود من العالم كلّه لتقديم الذبائح، فحوَّلوا الهيكل إلى مركز تجاري، أقاموا فيه موائد الصيارفة ليقدّموا القروض للناس لشراء الذبائح، يقدّمونها لا بالربا إذ تمنعه الشريعة، وإنما مقابل هدايا عينيّة، هي في حقيقتها ربا مستتر.
هذه صورة مؤلمة فيها يتحوّل هيكل الرب عن غايته، ويفقد الكهنة عملهم الروحي، ويحوِّلون رسالتهم إلى جمع المال. وكما يقول العلاّمة أوريجينوس: [ليُطرد كل إنسان يبيع في الهيكل، خاصة إن كان بائع حمام... أي يبيع ما يكشفه له الروح القدس (الحمامة) بمالٍ ولا يُعلّم مجَّانًا، يبيع عمل الروح فيُطرد من مذبح الرب[7].] يفقد الرعاة عملهم الروحي ويحوِّلون كلمة الله ومواهب الروح القدس وعطاياه إلى تجارة. وكما يقول القدّيس جيروم: [يدخل يسوع كل يوم في هيكل أبيه ويطرد من كنيسته في كل العالم أساقفة وكهنة وشمامسة وشعبًا موجِّهًا إليهم ذات الاتهام، أنهم يبيعون ويشترون. وما أقوله عن الكنائس يطبِّقه كل واحد على نفسه، إذ يقول الرسول: "أما تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم (1 كو 3: 16). ليته يخلو بيت قلبنا من كل تجارة ومقر للبائعين والمشترين ومن كل رغبة للحصول على هدايا، لئلا يدخل الرب ثائرًا، ويُطهّر هيكله بلا تراخٍ، بطريقة أخرى غير السوط، فيُقيم من مغارة اللصوص وبيت التجارة بيتًا للصلاة.]
يُعلّق القدّيس جيروم على طرد باعة الحمام وقلب موائد الصيارفة هكذا: [يظن معظم الناس أن أعظم معجزاته هي إقامة لعازر من الأموات أو تفتيح عينيّ المولود أعمى... وفي نظري أن أعجَبَها هي أن شخصًا واحدًا منبوذًا بلا اعتبار (ليس له مركز ديني معيَّن) قُدِّم للصلب استطاع أن يضرب بسوط الكتبة والفرّيسيّين الثائرين ضدّه، والذين يشاهدون بأعينهم دمار مكاسبهم، فيطرد الجمع الكبير ويقلب الموائد ويحطَّم الكراسي، فإن لهيبًا ناريًا ملتهبًا كان يخرج من عينيّه، وعظمة لاهوته تشعْ على وجهه، فلم يتجاسر الكهنة أن يمدُّوا أيديهم عليه.]
رابعًا: الاهتمام بالأطفال ليتمتعوا بروح القيادة في المسيح يسوع. اهتم العريس السماوي أن يرفع من شأن الأطفال، فدعانا أن نتعلم منهم البساطة والوداعة والثقة في الوالدين، حتى ندخل ملكوت السماوات. لقد قال: "الحق أقول لكم إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد فلن تدخلوا ملكوت السماوات" (مت ١٨: ٣).
كان عجيبًا لديهم أن يروا السيِّد يستدعي ولدًا ليُقيمه في وسطهم كمثَلٍ حيٍّ للتمتّع بدخول الملكوت، فقد احتقر الرومان الطفولة، ولم يكن للطفل أي حق من الحقوق، فيلجأ الوالدان إلى العنف! وتعرّضت الطفولة لدى اليونان لمتاعب كثيرة، أمّا اليهود فلم يحصروا الأطفال والنساء عند إحصاء الشعب (عد 1-2). لكن السيِّد وهو يرتفع بالبشريّة إلى الحياة الناضجة يقدّم طفلاً كمثل للحياة الناضجة الروحيّة القادرة أن تقتحم الملكوت، وكأنه ينقلهم من نضوج الجسد المتَّكئ على السنوات التي عاشها الإنسان إلى نضوج النفس الداخليّة التي لا ترتبط بزمنٍ معينٍ.
ليتنا نبث روح القيادة السليمة في أطفالنا، فلا نحركهم كقطع الشطرنج في طفولتهم، فيردّوا لنا ما فعلناه معهم، ليحركوننا كقطع الشطرنج عندما تُتاح لهم الفرصة!
حذر القديس يوحنا الذهبي الفم الوالدين من الإهمال في تربية أبنائهما، مظهرًا خطورة هذه الخطية، وكان يدعوها قتلاً للأطفال[8]. فمن كلماته: [سيكون أبناؤك في غنى بما فيه الكفاية على الدوام، إن تقبَّلوا منك تنشئة صالحة، قادرة أن تدبر حياتهم الأخلاقية وسلوكهم. هكذا ليتك لا تجاهد لتجعلهم أغنياء، بل لتجعلهم أتقياء، سادة على أهوائهم، وأغنياء في الفضائل. علمهم ألا يفكروا في احتياجات مخادعة، فيحسبون أنهم يُكرمون حسب مستواهم الزمني (العالمي المادي). راقب بلطفٍ تصرفاتهم، ومعارفهم وأصدقاءهم، ولا تتوقع أية رحمة تحل من عند الله إن لم تتمم هذا الواجب.]
[لا نبخل عن بذل كل جهدٍ واستخدام كل وسيلةٍ لتعليم أطفالنا العلوم الزمنية، ليخدموا السلطات الزمنية. أما معرفة الإيمان المقدس وخدمة الملك السماوي، فهي أمور ليست بذات قيمة عندنا... إن كنا نحاسبهم عما تعلموه في المعاهد العالمية، فلماذا لا نسألهم عما سمعوه في بيت الرب؟]
[إن جاهد الآباء الصالحون ليقدموا لأبنائهم تربية صالحة، فإننا لا نحتاج إلى شرائع وقضاة ومحاكم ولا إلى عقوبات. فإن الذين ينفذون العقوبات، إنما وُجدوا بسبب عدم وجود أخلاقيات فينا.]
خامسًا: لا تجرح مشاعر أحد حتى الخطاة. لم يجرح العريس السماوي مشاعر الخطاة بل قادهم بالحب إلى التوبة. قال للمرأة التي أُمسكت في الزنا: "أين هم أولئك المشتكون عليكِ، أما دانك أحد... ولا أنا أدينك، اذهبي ولا تخطئي أيضًا" (يو ٨: ١٠-١١).
يرى البعض أن المرأة تعرضت لمعاملة غاية في القسوة والعنف ممن أمسكوا بها، فاكتفى بهذا التأديب لها. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [قول السيد المسيح للمرأة الزانية: "ولا أنا أدينك"، كأنه يقول: "إنني أنا وحدي الذي أستطيع أن أدينك يا امرأة، لأنني وحدي الديان، ولكن لأنني إنما أتيت لأخلص العالم لا لأدينه، فلست أدينك. وبقوله: "اذهبي" كأنه يقول: "اذهبي وكوني في طمأنينة، فإن زناكِ قد نُزع عنكِ، لأنني قد نزعت عنكِ خطاياكِ، فإذًا اذهبي... وقوله: "ولا تخطئي أيضًا" أي أوصيكِ ألا تعودي تخطئي فيما بعد لئلا أدينك على ما تخطئين به. من الآن لا تعودي إلى الخطية مرة أخرى كما يعود الكلب إلى قيئه (أم 26: 11؛ 2 بط 2: 22)، ولا تعودي فيما بعد لئلا تعاقبين.]
يقول القديس مقاريوس الكبير: [الذي غيَّر طبيعة الخمسة أرغفة وصيَّرها أرغفة كثيرة، وأنطق طبيعة الحمار غير العاقل، وجاء بالزانية إلى العفة (يو 8)، وجعل طبيعة النار المحرقة بردًا على الذين كانوا في الأتون، ومن أجل دانيال لطَّف طبيعة الأسود الكاسرة، كذلك يقدر أن يغَّير النفس التي اقتفرت وتوحشت بالخطية، ويحولها إلى صلاحه ورآفاته وسلامه بروح الموعد المقدس الصالح.]
كما يقول القديس أغسطينوس: [لقد سمعنا صوت العدالة (يو 8: 7)، لنسمع أيضًا صوت الرحمة... ذاك الذي طرد خصومها بلسان العدل رفع عيني الرحمة إليها، قائلاً لها: "ولا أنا أدينك؛ اذهبي، ولا تخطئي أيضًا" (يو 8: 18). ليحذر الذين يحبون في الرب لطفه، وليخشوا أيضًا حقه! فإن الرب حلو وحق (مز 35: 7). أنت تحبه بكونه حلوًا، لتخشاه بكونه حقًا... الرب رقيق، طويل الأناة، حنّان، لكن الرب أيضًا عادل وحق. إنه يفسح لك المجال للإصلاح، لكنك تحب تأجيل الدينونة أكثر من إصلاح طرقك! هل كنت بالأمس شريرًا؟ لتكن اليوم صالحًا. هل أنت مستمر اليوم في شرِّك؟ على أي الأحوال تغيّر غدًا... لكن كيف تعرف أن غدًا يأتي؟... اللَّه وعد بالغفران لمن يُصلح من شأنه، لكنه لم يعدني بأن يطيل حياتي (للغد)![9]]
سادسًا: الصلاة من أجل كل البشرية. مع شعبية ربّ المجد يسوع لم يتدخل قط في السياسة، هكذا يليق بالقادة الكنسيين كما الشعب أن يصلّوا من أجل الكل بكل حبٍ ولا يشغلوا أنفسهم بسياسة العالم.
سابعًا: افتقاد الكل بروح العريس السماوي الذي نزل إلى أرضنا متجسدًا ليفتقد البشرية، هكذا يليق بنا أن نفتقد إخوتنا بروح الحب مع الحكمة ما استطعنا لنضمهم بالروح القدس إلى ملكوت السماوات.
ثامنًا: التمتع بشركة الطبيعة الإلهية. يقول الرسول: "قد وهب لنا المواعيد العظمى والثمينة لكي تصيروا بها شركاء الطبيعة الإلهية، هاربين من الفساد الذي في العالم بالشهوة (2 بط 1: 4). أننا لسنا مدعوّين لفضائل خارجية بل للاتحاد بالسيد المسيح، والامتثال به، فيكون لنا حب الرب، وقداسته، وصبره واحتماله وطول أناته ووداعته وبساطته. لهذا يقول الرسول: "لكي تصيروا شركاء الطبيعة الإلهية هاربين من الفساد الذي في العالم بالشهوة". فإذ نحن في العالم كيف نسلم من الفساد؟ بالاتحاد بالرب القدوس والاقتداء به؛ نتمثل به فلا يلمسنا فساد العالم الذي بالشهوة. إنها دعوة ثمينة أن تنعكس علينا إشعاعات الصفات الإلهية من حب وقداسة ووداعة... على القلب لنكون مثله (1 يو 3: 2؛ مت 6: 23)!
يقول القدِّيس أمبروسيوس: [عظيمة هي محبة المسيح الذي أعطى كل ألقابه لتلاميذه، فيقول: "أنا هو نور العالم" (يو 8: 12) ومع ذلك يعطي من طبعه لتلاميذه قائلاً: "أنتم نور العالم" (مت 5: 14). يقول: "أنا هو الخبز الحيّ" (يو 6: 31)، ونحن جميعًا خبز واحد (1 كو 10: 17). يقول: "أنا هو الكرمة الحقيقيّة" (يو 15: 1)، ويقول لك: "غرستُك كرمة سورَق، زرع حق كلها" (إر 2: 21). المسيح هو الصخرة: "كانوا يشربون من صخرة روحية تابعتهم، والصخرة كانت المسيح" (1 كو 10: 4). ولم يحرم تلميذه من هذا الاسم، فهو أيضًا صخرة، إذ تكون لك صلابة الصخر الراسخ وثبات الإيمان. اجتهد أن تكون أنت أيضًا صخرة، فلا يبحثون عن الصخرة خارجًا عنك، وإنما في داخلك. صخرتك هي عملك، وهي روحك، وعليها تَبني بيتك، فلا يقدر عاصف من عواصف الروح الشرير أن يسقطه. صخرتك هي الإيمان الذي هو أساس الكنيسة، فإن كنتَ صخرة فأنت كنيسة، وإن كنتَ في الكنيسة فأبواب الجحيم التي هي أبواب الموت لن تقدر عليك.]
تاسعًا: لا تقبل شخصًا يغتصب موضع عرسه السماوي. يقول القديس أغسطينوس:
[من يحب شخصًا ويضعه موضع المسيح فهذا زنا... "من له العروس فهو العريس" (يو 3: 29)... كونوا عفيفين، حبوا العريس... الآن أرى زناة كثيرين يرغبون أن يقتنوا العروس التي اُشتريت بثمنٍ عظيمٍ هكذا، صارت محبوبة حين كانت مشوّهة، وذلك لكي تصير جميلة، أُشتريت ونالت خلاصًا وتزينت بذاك الواحد. وأما هؤلاء الزناة فيصارعون بكلماتهم لكي يُحبوا عوض العريس... لنسمع صديق العريس لا للزناة ضد العريس. لنسمع لذاك الغيور، ولكن ليس لحساب نفسه[10].]
[يقول (القديس يوحنا المعمدان) إني أفرح، ليس من أجل صوتي، وإنما من أجل صوت العريس. أنا في مركز المستمع، هو في موقف المتكلم. أنا كشخصٍ يلزم أن أستنير، أما هو فالنور. أنا مثل الأذن، وهو الكلمة. لذلك صديق العريس يقف ويسمعه. لماذا يقف؟ لأنه لا يسقط. كيف لا يسقط؟
لأنه متواضع. انظروا فإنه يقف على أرض صلبة: "أنا لست أهلاً أن أحل سيور حذائه". حسنًا تفعل إذ تتواضع، فتتأهل لعدم السقوط، تتأهل للوقوف، وتسمعه وتفرح جدًا بصوت العريس[11].]
[ما هو فرحه؟ أن يفرح بصوت العريس. هذا قد كمل فيّ، لقد صارت لي نعمتي، إنني لا انتحل لنفسي ما هو ليس لي، لئلا أفقد ما أنا عليه... ليفهم الإنسان أنه لا يفرح بحكمته الذاتية، بل بالحكمة التي ينالها من اللَّه. لا يطلب أحد أمرًا أكثر (مما عليه) فلا يفقد ما قد وجده. فإن كثيرين إذ يؤكدون أنهم حكماء يصيرون أغبياء. هؤلاء يوبّخهم الرسول قائلاً لهم: "إذ معرفة اللَّه ظاهرة فيهم، لأن اللَّه أظهرها لهم" (رو 1: 19)... يلزمهم ألا ينسبوا لأنفسهم ما لم ينالونه من أنفسهم، بل ينسبوه لهذا وهو ما وهبه اللَّه مجانًا يأخذه من الجاحدين. لم يرد يوحنا أن يكون هكذا، بل أراد أن يكون شاكرًا. لقد اعترف أنه نال، وأعلن أنه قد فرح بصوت العريس، قائلاً: "إذًا فرحي هذا قد كمل" (يو 3: 29)[12].]
عاشرًا: ترقبها المجيء الثاني للرب. يقول القديس غريغوريوس النيسي: [يقف هؤلاء الذين يتوقعون رجوع السيد المسيح باشتياق وانتباه على أبواب السماء، عند ما يدخل ملك المجد إلى نعمته التي تفوق كل تصور، كما جاء في مز 5:19. "ومثل العروس الخارج من حجلتِه". بالرغم من خطأنا وعبادتنا للأصنام، وقد طردنا الله، حظينا بالميلاد الجديد وصرنا أبكارًا بعد غسل كل فسادٍ فينا. لذلك تمت كل احتفالات الزواج، وارتبط كلمة الله بالكنيسة. وكما يقول القديس يوحنا: "من له العروس فهو العريس" (يو 29:3). واُستقبلت الكنيسة العروس في حجرة العرس المقدسة، وتوقعت الملائكة رجوع الملك أثناء قيادته للكنيسة كالعروس، وجعل طبيعتها مستعدة للنعمة. فقال إن حياتنا يجب أن تكون خالية من الشر والخداع، حتى نكون مستعدين لاستقبال الرب عند مجيئه الثاني.
وعندما نحرس أبواب مساكننا فإننا نُجهز أنفسنا لوصول العريس، عندما ينادينا ويقرع على الباب. "طوبى لأولئك العبيد، الذين إذا جاء سيدهم يجدهم ساهرين" (لو 37:12). لأنه مبارك ذاك الذي يطيع ذاك الذي يقرع. تتطلع إن النفس إلى هذه البركة بأن تستقبل عريسها الواقف على الباب.
إنها تراقب باب بيتها بيقظة، قائلة: "صوت حبيبي قارعًا" (نش 2:5). كيف نفي العروس حقها، إذ ارتفعت إلى ما هو أكثر قداسة؟[13]]
4. ما هي مراحل عمل الله العجيب لمؤمنيه كأناس الله؟
كان الله بسابق معرفته يعلم بكل ما يتمتع به الإنسان الأول، وحسد إبليس له (حك 2: 24)، وما سيحلّ به. كما كان يعلم قصة خلاص الإنسان واسترداد ما فقده.
أولاً: في المرحلة من سقوط آدم حتى استلام موسى الناموس، تحدث الله مع آدم عن عمل الصليب بقوله للحيّة: "على بطنك تسعين، وترابًا تأكلين كل أيام حياتك. وأضع عداوة بينكِ بين المرأة، وبين نسلك ونسلها. هو يسحق رأسكِ، وأنتِ تسحقين عقبه" (تك 3: 14-15).
أدرك أناس الله أن هذا الوعد الإلهي يشير إلى مجيء المخلص من نسل المرأة (وليس من زرع رجل)، وأنه سيسحق رأس إبليس ويحطم سلطانه على البشر. لهذا كان أناس الله يترقبون مجيء المخلص.
من جانب آخر كان كثير من رجال الله في العهد القديم رموزًا للمخلص مع وعودٍ من الله، مثال ذلك: دم هابيل المذبوح بيد أخيه الذي كان يصرخ في السماء؛ ونقل أخنوخ البار من الأرض إلى السماء، كان يشير إلى المخلص الذي يظهر على الأرض ليصعد إلى السماء ويهب المؤمنين حق الصعود إلى السماء. ونوح البار الذي خلص هو وامرأته وبنيه الثلاثة ونساؤهم وتمتعوا بالعالم الجديد بعد الطوفان، صار فلكهم رمزًا لكنيسة العهد الجديد.
وإبراهيم الذي قدم ابنه الحبيب ذبيحة، كان رمزًا للآب الذي أحب العالم وبذل ابنه الحبيب الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية (يو 3: 16). واسحق الذي حمل حطب الذبيحة رمزًا للمسيح حامل الصليب، ويعقوب الذي رأى السماء مفتوحة فرأى كنيسة العهد الجديد، وترنم، قائلاً: "ما هذا إلا بيت الله، وهذا باب السماء" (تك 28: 17).
ثانيًا: عصر الناموس الموسوي والأنبياء، فجاءت الشريعة تشرح في شيءٍ من التفصيل الذبائح التي حسب الناموس وطقوسها كرمز لذبيحة المسيح.
كما جاء الأنبياء يسجلون نبوات تخص شخص المخلص وميلاده وصلبه وموته ودفنه وقيامته وصعوده. وقد سبق لنا الحديث عن هذه النبوات في الجزء الثاني من هذه المجموعة.
ثالثًا: الفترة من تجسد الكلمة الإلهي إلى صعوده، حيث كشف عن حبه الإلهي، فاشبع الجياع وشفى المرضى وعزَّى الحزانى، وكشف لهم عن رعايته للبشرية حتى بعد صعوده. إذ أرسل لهم الروح القدس المعزي.
لقد أعلن لهم عن محبة الآب للبشرية، واهتمام الروح القدس للإعلان عن الحق الإلهي وقيادته للكنيسة حتى يعبر بها من هذا العالم والتمتع بالسماويات.
رابعًا: المرحلة ما بين صعود السيد المسيح إلى يوم مجيئه، حيث يمارس عمله كرئيس الكهنة السماوي. وقد كشف الرسول بولس عن هذه الفترة في رسالته إلى العبرانيين (عب 6: 20). لقد قارن بين رؤساء الكهنة الذين كانوا في حاجة إلى التكفير عنهم ورئيس الكهنة السماوي الفريد.
5. لماذا يقدم لنا قانون الإيمان بند الكنيسة بعد الحديث عن وحدانية الله والثالوث القدوس؟
غاية قانون الإيمان ليس تقديم معرفة نظرية عن الله والعالم والكنيسة والدينونة ثم الحياة الأبدية، وإنما غايته اللقاء مع الله والتمتع بأعمال محبته ونحن بعد في العالم، وإعدادنا ليوم الربّ العظيم، وتمتعنا بالشركة مع السمائيين ونوال الحياة الأبدية. فعندما نعلن عن إيماننا قائلين: وبكنيسة واحدة مقدسة جامعة رسولية، إنما نؤكد التزامنا بالدخول في شركة مع الله القدوس ومحبتنا نحن البشر لبعضنا البعض، وتعرفنا على أصدقائنا السمائيين، إذ ننضم إلى خورسهم، ونمارس بنوتنا لله على مستوى أبدي.
تعرُّفنا على الكنيسة ينطلق بالنظرة المتسعة للحياة سواء على الأرض أو في الفردوس عند رحيلنا، ثم لقاؤنا مع العريس السماوي في موكب سماوي مبهج يترقبه السمائيون مطالبين: "أرسل منجلك واحصُدْ" (رؤ ١٤: ١٥).
لا نعجب إن كان السمائيون يترقبون يوم الربّ، ويتطلعون إلى كنيستنا ليس كمؤسسة اجتماعية تحكمها أنظمة غايتها سعادة الإنسان في العالم. وإنما هي شعب الله الذي يتأهل للحياة شبه الملائكية، يتلامس المؤمن مع كل صباح خطة الله العجيبة نحوه. فلا نعجب إن سمعنا كثير من القديسين مثل القديس يوحنا الذهبي الفم يشعر كل منهم أنه أسعد كائن على الأرض.
يركز المؤمن عينيه على خالقه ومخلّصه وما يعدّه له في السماء، فيعيش متهللاً في وسط الضيقات، يعمل بأمانة في عمله وفي علاقاته بإخوته، حاسبًا أنه كابنٍ لله لا يعرف الفشل ولا اليأس ولا الطمع ولا الهروب من المسئوليات والالتزامات، لأنه سفير السماء على الأرض.
عبَّر القديس مار إسحق السرياني المتوحد وغيره من القديسين عن حياتهم العملية قائلين بأن المؤمن يحب الله والناس حتى المقاومين له، بل والحيوانات والطيور، فلا يقبل تعذيب أي كائن حتى إن أراد الخلاص منه مثل الحيات. إنه ليس فقط يترفق بالكائنات الحيّة سواء العاقلة أو غير العاقلة، وإنما يحرص على جمال الكائنات غير الحيّة فلا يبدد موارد العالم.
هذا ما يدعونا إلى الاهتمام بعضويتنا في الكنيسة وبنوتنا لله وصداقتنا مع السمائيين، وأن نتعرف على أبعاد الكنيسة وسماتها سواء على المستوى المسكوني أو المحلي أو الشخصي. وأيضًا نتعرف على كلمة الله الحاضر في كنيسته، وتقدير كل عضوٍ للأعضاء الآخرين أيًا كانت جنسياتهم في العالم، وأيًا كانت ثقافتهم وجنسهم (ذكورًا كانوا أو إناثًا) ومواهبهم وقدراتهم وأعمارهم حتى إن كانوا رُضَّع أو ذوي قدرات خاصة special needs.
يقول القديس أغسطينوس: [بطرس عين في الجسم، وهذا الشخص هو إصبع، لكنه هو عضو في ذات الجسم الذي فيه بطرس عضو. وإن كان الإصبع له سلطان أقل من العين، لكنه لا يُبتر من الجسم. من الأفضل أن تكون إصبعًا في الجسم، من أن تكون عينًا ومبتورًا من الجسم. لذلك لا يخدعكم أحد يا إخوتي، لا يغرّكم أحد. حبّوا سلام المسيح الذي صلب عنكم وهو اللَّه. يقول بولس: "ليس الغـارس شيئًا ولا الساقي، بل اللَّه الذي ينمّي" (1 كو 3: 7)... لتحب الأعضاء بعضها البعض، وليحيا الكل تحت الرأس. في حزنٍ يا إخوتي التزمت أن أتحدث معكم كثيرًا، ومع هذا فإنني تكلمت قليلاً، فإنني غير قادر على التوقف في الحديث[14].]
6. ما هو ثمر الوحدة مع المسيح رأسنا، ومع بعضنا البعض كأعضاءٍ في الجسد الواحد؟
يقول القدِّيس أغسطينوس: [نزل من أجلنا، لنصعد نحن من أجله. هو وحده نزل وصعد، ذاك الذي يقول: "ليس أحد صعد إلى السماء، إلاَّ الذي نزل من السماء" (يو 3: 13). ألا يصعد هؤلاء الذين جعلهم أبناء الله إلى السماء؟ بالتأكيد يصعدون، هذا هو الوعد المقدم لنا: "سيكونون كملائكة الله". إذن كيف لا يصعد أحد إلاَّ الذي نزل؟ لأنه واحد فقط هو الذي نزل، وواحد هو الذي يصعد. وماذا عن البقية؟...
رجاء البقية هو هذا، أنه نزل لكي ما يصيروا فيه وبه واحدًا، هؤلاء الذين يلزم صعودهم به... هنا تظهر وحدة الكنيسة.
ويل للذين يبغضون الوحدة، ويجعلون من أنفسهم أحزابًا من البشر!...
يليق بنا أن نرحل، لكن هذه الرحلة لا تحتاج إلى دَهن الأقدام (للسير بها)، ولا إلى طلب حيوان (نمتطيه)، ولا إلى سفينة.
ليتك تجري بعاطفة القلب، لتسير في الرحلة، في رفقة الحب، لتصعد بالمحبة.
لماذا تبحث عن الطريق؟ التصق بالمسيح الذي بنزوله جعل من نفسه "الطريق".
أتريد أن تصعد؟ تمسك بذاك الذي يصعد.
بذاتك لن تقدر أن ترتفع... إن كان لا يصعد أحد إلاَّ الذي نزل، أي ابن الإنسان، ربنا يسوع المسيح، فهل تريد أن تصعد أنت أيضًا؟ كن عضوًا في ذاك الذي وحده يصعد.
لا يصعد إلاَّ الذي يكون عضوًا في جسده، فيتحقق القول: "لا يقدر أحد أن يصعد إلاَّ الذي نزل"...
لقد ترك أباه وأمه والتصق بزوجته لكي يصير الاثنان واحدًا (أف ٥: ٣١). لقد ترك أباه لا لكي يُظهر نفسه مساويًا للآب، وإنما لكي يُخلي نفسه آخذًا شكل العبد (في ٢: ٧).
لقد ترك أمه أيضًا، المجمع الذي منه وُلد حسب الجسد.
لقد التصق بزوجته التي هي كنيسته...
لقد أظهر أن رباط الزواج لا ينحل (مت ١٩: ٤)... "ليسا بعد اثنين، بل جسد واحد"، هكذا "لا يصعد أحد إلاَّ الذي نزل".
لكي تعرفوا أن العريس والعروس هما واحد حسب جسد المسيح، وليس حسب لاهوته... لكي تعرفوا أن هذا الكامل هو مسيح واحد، قال بإشعياء: "وضع عمامة عليَّ كعريسٍ، وكساني بالزينة كعروسٍ" (إش ٦١: 10 LXX)[15].]
7. ما هي أبعاد الكنيسة؟
وردت كلمة "كنيسة" في العهد الجديد 75 مرة؛ بمراجعتنا للنصوص التي وردت فيها هذه الكلمة يمكننا التعرف على أبعاد الكنيسة حسب ما ورد في الإنجيل.
أولاً: جماعة المؤمنين منذ آدم إلى يوم مجيء الربّ الأخير. تتسم هذه الكنيسة بحياة التسبيح والقداسة لتتهيأ للانضمام إلى صفوف الطغمات السماوية. جاء في سفر الأعمال: "مسبحين الله ولهم نعمة لدى جميع الشعب، وكان الربّ كل يوم يضم إلى الكنيسة الذين يخلصون" (أع ٢: ٤٧).
ثانيًا: الكنيسة المحلية القائمة في بلدٍ أو دولةٍ ما، مثل: "الكنيسة التي في أورشليم" (أع ٨: ١؛ ١١: ٢٦). "وانتخبنا لهم قسوسًا في كل كنيسة" (أع ١٤: ٢٣)؛ "اكتب إلى ملاك كنيسة سميرنا" (رؤ ٢: ٨)، كما كان يُسام فيها كهنة وشمامسة وذلك من أجل التدبير الكنسي والرعاية والخدمة والعبادة باللغة التي وُلد فيها هذا الشعب.
هذه الكنائس مع قيام نوع من التنظيم الروحي المستقل ترتبط معًا بروح الوحدة في المسيح يسوع والحب. قيل: "فهؤلاء بعدما شيعتهم الكنيسة اجتازوا في فينيقية والسامرة يخبرونهم برجوع الأمم، وكانوا يسببون سرورًا عظيمًا لجميع الإخوة" (أع ١٥: ٣).
ثالثًا: تكرر تعبير "الكنيسة التي في بيتك" (غل ١: ٢). يقصد أن بعض المؤمنين فتحوا بيوتهم لتكون كنائس يجتمع فيها مؤمنو المنطقة لعدم وجود مبانٍ مكرّسة للعبادة المسيحية وتدبير الكرازة والرعاية.
والبيت هنا يمكن أن يُقصد به الأسرة المقدسة حيث يشعر أعضاء الأسرة أن حياتهم مكرّسة للربّ، وأن أسرتهم حتى مع صغر عددها فهي كنيسة تعلن حضور الله فيها.
كما يُقصد بالبيت المؤمن نفسه، إذ يقول الربّ لتلاميذه: "ملكوت الله داخلكم" (لو ١٧: ٢١).
ففي حديثنا عن سمات الكنيسة كمملكة الله على الأرض، نشعر أن الحديث عن كل المؤمنين عبر العصور منذ آدم إلى آخر الدهور، كما نشعر بالتزامنا نحو كنيسة المنطقة، والتزامنا بقدسية بيتنا أو حياتنا الأسرية والتزامنا أيضًا نحو كياننا الشخصي حيث يسكن الروح القدس فينا.
8. هل دخلنا في المقادس ونحن لا نزال مقيمون في العالم؟
يجيب القديس يوحنا الذهبي الفم، قائلاً: [بينما نحن لا زلنا مقيمين في العالم ولم نرحل بعد من هذه الحياة، يُظهر أننا نتمتع بالفعل بهذه الوعود، لأنه بواسطة الرجاء نحن بالفعل في السماء. لقد قال: انتظروا واصبروا، لأن هذه الوعود ستتحقق على كل الأحوال. ثم بعد ذلك وهو يؤكد على هذا الكلام، يقول، لكننا نتمتع بالفعل بهذه الوعود بواسطة الرجاء. ولم يقل نحن داخل الحجاب، بل قال: "عن مرساة النفس تدخل إلى ما داخل الحجاب" (عب 6: 19)، الأمر الذي كان حقيقيًا وأكثر توقعًا أو أكثر إمكانية. لأنه كما أن المرساة عندما تمسك بالمركب لا تتركها تتحرك هنا وهناك، حتى وإن ضربتها رياح كثيرة، بل عندما ترشق فيها، تثبتها، هكذا هو الرجاء[16].]
يرى القديس بولس أن موت رؤساء الكهنة والكهنة اللاويين يوضح عجزهم على إعطاء الحياة التي يريدها الله للإنسان. لهذا فإن خدمتهم الكهنوتية تمهد الطريق إلى مجيء الكاهن السماوي الذي وحده يهب الحياة الأبدية. "وأولئك قد صاروا كهنة كثيرين من أجل منعهم بالموت عن البقاء، وأما هذا فمن أجل أنه يبقى إلى الأبد له كهنوت لا يزول" (عب ٧: ٢٣-٢٤).
بكونه ملك الملوك ورب الأرباب ورئيس الكهنة السماوي، يقدم ذبيحة الصليب بحبه للآب وللبشر. إنه ذُبح من أجلنا، وفي هذا هو حيّ وواحد مع الآب، إذ يقول الرسول: "إذ هو حيّ في كل حين ليشفع فيهم" (عب ٧: ٢٥).
9. ما الفارق بين الكهنوت اللاوي وكهنوت السيد المسيح؟
في الرسالة إلى العبرانيين يقارن الرسول بولس بين كهنوت المسيح وكهنوت هرون، ليبرز ما تتمتع به كنيسة العهد الجديد كمملكة الله على الأرض. أهم النقاط التي أبرزها الرسول هي:
أ. صار هرون وبنيه كهنة بدون قسم بينما قيل عن المسيح: "أقسم الربّ ولن يندم أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق، على قدر ذلك قد صار يسوع ضامنًا لعهدٍ أفضل" (عب ٧: 21-٢٢.
ب. إمكانيته: "قد صار ليس بحسب ناموس وصية جسدية، بل بحسب قوة حياة لا تزول" (عب ٧: ١٦). فإمكانيات كهنة العهد القديم محدودة تقوم على الناموس والعلاقات الجسدية، أما يسوع فهو ابن الله الوحيد، لن يستطيع الموت أن يحطمه. لهذا تترنم الكنيسة في الساعة السادسة في جمعة الصلبوت: "قدوس القوي الذي أظهر بالضعف ما هو أعظم من القوة" (لحن أمونوجنيس).
ج. ليس لكهنوت المسيح مدة صلاحية محدودة، بل هو حيّ كل حين يخلّص أيضًا إلى التمام الذين يتقدمون به إلى الآب (عب ٧: 24). أما الكهنة اللاويون فيرتبطون بحياة الكاهن المحدودة.
د. موضع الخدمة: يقدم الكهنة اللاويون ذبائحهم في خيمة الاجتماع في البرية وفي هيكل سليمان بمدينة أورشليم، أما رئيس الكهنة السماوي فجالس عن يمين العرش يخدم في المقادس السماوية (عب ٨: ٢؛ ٩: ١١).
ه. كان الكهنوت اللاوي يقدم ذبائح حيوانية كثيرة (عب ٩: ١٢)، أما ربّ المجد يسوع فقدم دم نفسه مرة واحدة.
و. خلال الناموس أُقيم عهد مع بيت إسرائيل ومع بيت يهوذا (عب ٨: ٧)، يكتشف فيه المؤمن تعدياته، وحاجته إلى المخلّص الذي يسمو به إلى السماويات. "وأقامنا معه، وأجلسنا معه في السماويات" (أف ٢: ٦).
ز. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [وكذلك المسيح أيضًا لم يمجِّد نفسه ليصير رئيس كهنة" (عب ٥: ٥). إذن أين يقول إنه رُسم (تمجد)؟ لأن هرون مُجِدَ مرات كثيرة، كما في معجزة العصا (خر ٧: ٨-١٣؛ ٨: ١٢-١٤). وأيضًا عندما نزلت نار من السماء وأكلت أولئك الذين تعدوا على الكهنوت (لا ١٠: ١-٣). أما هنا فيحدث العكس، ليس فقط لم يُصب اليهود بمكروه، بل بالعكس قيل ابتهجوا[17].]
10. ماذا رأى اسطفانوس في رئيس الكهنة: هل كان جالسًا أم قائمًا عن يمين الآب (أع ٧: ٥٦)؟
لماذا يقول المرتل قبل تجسد الكلمة بحوالي ألف عام: "قال الربّ لربي اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئًا لقدميك ... أقسم الربّ ولن يندم أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق" (مز ١١٠: ١، ٤). بينما قيل عن اسطفانوس عن رجمه: "ورأى مجد الله ويسوع قائمًا عن يمين الله"؟
ما قاله المرتل هو إعلان عن إبطال الكهنوت اللاوي بعد أن حقق هدفه وهو التمتع بكهنوت السيد المسيح في المقادس السماوية، فهو واحد مع الآب يجلس عن يمينه ويشفع في البشرية لا بتوسلات وصراخ، وإنما بالاتحاد معه، فيراها الآب الكنيسة جسد ابنه الوحيد الجالس عن يمينه، تتمتع ببرِّه السماوي، لذا فرئيس الكهنة السماوي جالس عن يمين الآب. أما اسطفانوس فقد ثار عليه رئيس الكهنة والقيادات وأيضًا الشعب الحرفي في حفظه للناموس وحنقوا بقلوبهم وصرّوا بأسنانهم عليه (أع ٧: ٥٤). لهذا إذ شخَصَ إلى السماء وهو ممتلئ بالروح القدس رأى مجد الله ويسوع قائمًا عن يمين الله (أع ٧: ٥٥). قيامه هنا ليس حركة جسدية، لأن السماويات لا تُحصر في حركات جسدية. إنه لا يقف لكي يتوسل لدى الآب من أجل إنقاذ الكنيسة المضطهدة في شخص اسطفانوس والتلاميذ والرسل وكل الشعب، إنما يعلن أنه يعمل بأن يربطهم فيه كما في مرساة للنفس مؤتمنة وثابتة تدخل إلى ما داخل الحجاب (عب 6: 19). يُعلن أن كنيسته متحدة به بكونها جسده وعروسه السماوية لن تستطيع أمواج الاضطهادات والضيقات التي يثيرها إبليس وقواته ويمارسها الساكنون في أورشليم أن تهز قلوب المؤمنين أو تُفقدهم رجاءهم.
إنه عن يمين الآب يعمل كمن هو واقف ويُمجد كمن هو جالس، فتظهر الكنيسة المجاهدة ملكة تجلس عن يمين ملك الملوك.
بينما استطاع عدو الخير أن يحرّك غير المؤمنين ضد الكنيسة، إذا بالمخلّص القائم عن يمين الآب لا يُلزم شاول الطرسوسي ألاَّ يتحرك ليضطهد المؤمنين في دمشق، وإنما حرّك المؤمنون الذين في أورشليم نحو التشتت في كور اليهودية والسامرة يبشرون بالكلمة (أع ٨: ٤). وأرسل ملاكه يرشد فيلبس أن يتحرك ليلتقي بالخصي وزير كنداكة ملكة أثيوبيا ويقوده للإيمان ويعمدّه (أع ٨: ٢٦-٣٩). ولم يتوقف فيلبس عن الكرازة في جميع المدن حتى جاء إلى قيصرية.
كان قيام المسيح وهو في المقادس السماوية إنما لكي يدخل في حوارٍ مع شاول مضطهد الكنيسة ويدعوه إلى الذهاب إلى تلميذه حنانيا (أع ٩) وعوض اضطهاده للمؤمنين في دمشق صار يكرز في المجامع بالمسيح أن هذا هو ابن الله (أع ٩: ٢٠). بينما كان رئيس الكهنة ومن معه في أورشليم في غيظ شديد، قيل: "وأما الكنائس في جميع اليهودية والجليل والسامرة فكان لها سلام، وكانت تُبنى وتسير في خوف الربّ وبتعزية الروح القدس كانت تتكاثر" (أع ٩: ٣١).
هذا هو عمل رئيس الكهنة السماوي، ربنا يسوع، الجالس والقائم عن يمين الآب في نفس الوقت، حيث يرى الآب فيه نمو الكنيسة وبنيانها دون توقف، خاصة كلما اشتدت الاضطهادات والضيقات ومحاربة إبليس لها.
11. ما هو معنى الكنيسة أو اكليسيا Ecclesia؟
استخدم اليونانيون الكلمة قبل السيد المسيح لتعني اجتماع المواطنين مع الحكام لمناقشة عامة. وُجد نفس المعنى للكلمة في العهد القديم، حيث قيل: "أبغضت جماعة الأثمة" (مز ٢٥: ٥) وفي العهد الجديد قيل: "لأن المحفل كان مضطربًا" (أع ١٩: ٣٢، ٣٩-٤٠).
غالبًا ما استخدمت كنيسة المؤمنين أو القديسين في العهد القديم لتعني شعب الله اليهود حيث يجتمعون لتمجيد الله أو العبادة له داخل الهيكل أو خارجه. وتستخدم في العهد الجديد لتجمُّع المؤمنين معًا سواء لمدينة معينة مثل كنيسة أورشليم أو الإسكندرية أو تعني جماعة المؤمنين في كل أنحاء العالم منذ آدم إلى المجيء الأخير للسيد المسيح.
تعتبر كنيسة المسيح جسد المسيح، فحيث يوجد المسيح الرأس توجد الكنيسة. هو رأسها ومخلّصها، الذي يقدسها، يقوتها ويربيها (أف ٥: ٢٦، ٢٩). ويُحسب المؤمنون أعضاء جسده (أف ٦: ٣٠). وهي عمود الحق وقاعدته (١ تي ٣: ١٥). جاءت المرادفات لكلمة الكنيسة: "مملكة الله"، (2 تي 4: 18) و"الملكوت السماوي"، و"بيت الرب" (1 تي 3: 15)، حيث يدرك المؤمنون أنهم شعب الله السماوي، يتمتعون بالخلاص الإلهي والتقديس والانطلاق نحو الكمال لمجد الله. خلال عمل الثالوث القدوس إذ يتمتع المؤمنون بالشركة في الطبيعة الإلهية (1 بط 2: 5)، يقول السيد المسيح: "لا تخف أيها القطيع الصغير، لأن أباكم قد سُرّ أن يعطيكم الملكوت" (لو ١٢: ٣٢). وتُدعى الكنيسة بيت الله (عب ١٠: ٢١)، تُبنى على أساس الرسل والأنبياء (أف ٢: ٢٠)، وذلك بالحجارة الحيّة التي هي جماعة المؤمنين لتقديم ذبائح روحية مقبولة لدى الله بالمسيح يسوع (أف ٢: ٢١).
وتُدعى عذراء عفيفة للمسيح (٢ كو ١١: ٢). فهو يحبها ويبذل نفسه لأجلها ليقدسها لنفسه كنيسة مجيدة بلا عيب ولا دنس (أف ٥: ٢٥-٢٧). وتُدعى عروس المسيح (يو ٣: ٢٩؛ رؤ ٢١: ٢؛ ٩؛ ٢٢: ١٧). هو عريس الكنيسة ككلٍ، وعريس كل نفسٍ حيث تدخل في علاقة شخصية معه.
12. ما هي نظرة آباء الكنيسة في الكنيسة؟
في القرن الثاني وجَّه القديس أغناطيوس أسقف أنطاكية رسائل إلى الكنائس المحلية في أفسس وماغنزيا، وترال Tralles وروما وفيلادلفيا وسميرنا وكان يصفها بأنها مختارة بإرادة إلهية مقدسة من قبل الدهور لمجدٍ أبدي دائم غير متغير. وأنها مطوَّبة بنعمة الله الآب ومحبوبة لديه جدًا، تجد رحمة لديه، مستنيرة بإرادة الله، وتفرح بآلام ربنا وتنعم ببركات قيامته. يهبها الله كل عطيةٍ روحيةٍ، ولا تنقصها أية هبة روحية. ركز القديس بولس على أن كل مؤمنٍ هو عضو في إخوته، لهذا لا يليق بهم أن ينقسموا حتى لا يفقدوا عضويتهم في المسيح، ولا يثوروا على جسد المسيح. وركَّز القديس إيرينيؤس على التزام الكنيسة في كل أنحاء العالم على وحدانية الإيمان الذي تسلمته من الرسل. ومع اختلاف اللغات في الكنائس في العالم يكرزون بإيمان واحد ليتمتع الكل بمعرفة الحق الإلهي.
وفي القرن الرابع أكد القدِّيس باسيليوس الكبير حاجة الكنيسة إلى تلمذة مستمرة، إذ يقول: [تشتركون أنتم وأنا في نفس المعلمين لأسرار الله والآباء الروحيين، الذين من البدء أسسوا كنيستكم[18].]
[هل يمكن أن توجد شهادة أخرى عن إيماني أكثر من قولي إني تربيت على يدي جدتي الطوباوية تلك السيدة التي كانت تعيش بينكم، أقصد ماكرينا الشهيرة التي قامت بتعليمي كلمات الطوباوي غريغوريوس (صانع العجائب). وكانت تقوم ببنائي وتثبيتي في طريق التقوى، منذ كنت طفلاً صغيرًا. وعندما نلت القدرة على التفكير، نضج عقلي بكمال عمري، وسافرت لفترة طويلة بحرًا وبرًا، أجلس عند أرجل كل من وجدتهم سالكين في قانون الصلاح كآباء، وأجعلهم قادة لنفسي في رحلتي مع الله[19].]
ويؤكد القديس أغسطينوس أن الكنيسة في العالم قطيع واحد. وأن ملكوت الله قائم على الأرض ويكمل في السماء، يدعوها مدينة الله، والذين رحلوا يُحسبون أنهم في "ملكوت السماوات". وأن الكنيسة كاثوليكية (جامعة) تضم أعضاء من هابيل إلى الذين سيولدون في آخر الأيام ويؤمنون بالمسيح.
يحسب القديس أبيفانيوس أسقف سلاميس تولد الكنيسة من إيمانٍ واحدٍ خلال الروح القدس[20].
ويتساءل القديس يوحنا الذهبي الفم كيف تُحسب عروسه ابنة له، وكيف تُحسب ابنته عروسًا له؟ بالنسبة للجسد هذا مستحيل؛ أما بالنسبة للمسيح، فالكنيسة ابنة له وعروس في نفس الوقت، يلدها في المعمودية ويتحد بها. يقارن ميلاد الكنيسة بميلاد حواء من جنب آدم؛ على الصليب طُعن جنبه بالحربة فنزل دم وماء بهما وُلدت الكنيسة ووُلد كل المؤمنين خلال ماء المعمودية واقتاتوا بدمه. وكما خُلقت حواء وكان آدم نائمًا، هكذا مات المسيح وتشكلت الكنيسة من جنبه[21]. كانت الكنيسة قبل الإيمان الحق زانية وصارت بتولاً[22].
13. هل سبق فأعلن العهد القديم عن الكنيسة؟
قيل إنها تبقى إلى الأبد (دا ٢: ٤٤). إنها بيت الله تؤسس على قمم الجبال وتسمو فوق التلال ويأتي إليها كل الأمم (إش ٢: ٢). ستفرح عندما تُقارن بمجمع العهد القديم العاقر، قيل عنها إن أطفال المرأة المهجورة أكثر من تلك التي لها زوج (إش ٥٤: ١). ليس من وجه للمقارنة بين كنيسة العهد القديم التي كانت تُحد بالأمة اليهودية وحدها، وكنيسة العهد الجديد التي لها كنز النعمة وتضم كل الأمم والشعوب. رأس الكنيسة المسيح حجر الزاوية الذي يضم اليهود مع الأمم ليقيم بيته الإلهي.
تتمتع كنيسة العهد الجديد بالحياة الجديدة خلال المعمودية، وتُقام بالمسيح بكر الراقدين.
14. هل المدعوون قديسين يكَّونون الكنيسة؟
المؤمنون الذين يكونون الكنيسة يدعوهم القديس بولس: "مدعوين قديسين" (رو ١: ٧؛ ١ كو ١: ٢، ٢٤). إنهم قديسون لأن الله يدعوهم، وهم بهذا يٌفرزون من بقية البشر. إذ ينالون شركة الروح القدس، يُكرسون لله. توجد عقيدة عامة أنه في مجمع القديسين يوجد أيضًا كهنة يعملون لنفع أعضاء المسيح، هؤلاء يخدمون الأسرار المقدسة، فيتقدس المؤمنون. وأيضًا يوجد كارزون خطاة يمكنهم استخدام كلمة الله ليجذبوا أعضاءً جددًا.
مع أن الكتبة والفريسيين كانوا فاسدين إلاَّ أن الربّ لم ينزع عنهم كرامتهم، بل أعطاهم سلطانًا بالرغم من شرّورهم، لأنهم لا يفعلون هم أنفسهم ما يعلمون به الآخرين (مت ٢٣: ٣).
15. هل يمكن قطع الأعضاء الذين لا يمكن تقويمها من الكنيسة؟
بالرغم من أن الكنيسة جسد المسيح تُعبر عن الحب الإلهي للإنسان، فإنه توجد حدود لن تتعداها. يُقطع الخاطي من الشركة في الكنيسة، إذ يعزل نفسه عن الحياة والخلاص الصادر عنها. هكذا فإن المتمردين والمملوئين عيوبًا الذين يطأون على ابن الله ويستهينون بدم العهد، دم المسيح، الذي تقدسوا به، يهينون روح النعمة (عب ١٠: ٢٩) الذي يحفظ الخلاص داخل الكنيسة، والتي لا يوجد خلاص خارجها. إنهم يعزلون أنفسهم عن المسيح ومجتمعه أي الكنيسة وبالتالي يكسرون كل علاقة بها.
من جانبٍ آخر الهراطقة الذين يسيئون تفسير تعاليم المسيح وتلاميذه القديسين، وإن كانوا يقتبسون عبارات من الإنجيل الحقيقي، يُحرمون وينفصلون عن ربنا ومخلّصنا يسوع المسيح ابن الله. هكذا يعلّم القديس بولس: "ولكن إن بشرناكم نحن أو ملاك من السماء بغير ما بشرناكم فليكن أناثيما. كما سبقنا فقلنا أقول الآن أيضًا، إن كان أحد يبشركم بغير ما قبلتم فليكن أناثيما" (غل ١: ٨-٩).
يمنع القديس يوحنا الرسول والإنجيلي اللاهوتي استقبال أي شخص يأتي وليس لديه التعاليم الحقيقية. يلزم عدم استقبالهم في البيوت والسلام عليهم (٢ يو ١٠). بالحقيقة يأمرنا القديس بولس: "الرجل المبتدع بعد الإنذار مرة ومرتين أعرض عنه، عالمًا أن مثل هذا قد انحرف وهو يخطئ محكومًا عليه من نفسه" (تي ٣: ١٠-١١).
الهراطقة بسبب خطأهم في الإيمان، وغرورهم يصرّون على تعاليمهم الباطلة ويعزلون أنفسهم عن مصدر الحياة، الإيمان بالمسيح، ويصيرون جافين فيُطردون. فإن لم نثبت على أساس الرسل، نكون بلا أساس وننهار[23]. يصير وضعهم مثل الذين أرادوا العودة إلى الختان، وتغربوا عن المسيح، محاولين أن يتبرروا بالناموس، الأمر الذي جعلهم يسقطون عن النعمة (غل ٥: ٤).
يقول القديس كيرلس الكبير: [الذين يرتبطون بهراطقة أشرار، ويشتركون في ذبائحهم (صلواتهم) الشريرة، يضاعفون خطاياهم، إذ يذبحون الحمل خارج المحلة المقدسة الإلهية التي هي الكنيسة[24].]
يضع الآباء القديسون المنشقين في توازٍ مع الهراطقة. يميز القديس باسيليوس الكبير بين الهراطقة والمنشقين هكذا: "الهراطقة هم الذين يغيرون الإيمان ولا يبالون به، أما المنشقون فهم الذين لأسباب كنسية ينشقون عن الكنيسة في أمورٍ يمكن معالجتها". يقول القديس جيروم: [تقوم الهرطقة على تغيير في التعليم، أما الانشقاق فيعزل المنشق عن الكنيسة لتغربه عن الأسقف[25].]
يسقط الشخص في الانشقاق عن الجسم الكنسي: "عندما يتجاسر فيصير غير أهل لهذا الجسم". عندما يتجاسر ويسقط في خطية معيبة ولا يبالي بفضيحة عامة ولا يقدم توبة، فيُنصح من يتغرب عن طريق الحياة المسيحية بقطعه من الكنيسة.
16. لماذا يظن البعض أنه لا يوجد قديسون في الكنيسة المعاصرة؟
يقول القديس أغسطينوس: [إن من يتطلع إلى شجرة يرى أوراقها كثيرة، لكن غالبًا ما يكون الثمر مخفيًا وراء الورق مثل (التين). هكذا بسهولة يظهر الهراطقة والأشرار، فيبدو كأنه لا يوجد بعد مؤمنون، لكن من يقترب إلى الشجرة ببصيرةٍ روحيّة يدرك وجود أولاد الله المقدسين مختفين. هؤلاء متأسسون على السيد المسيح نفسه كقول الرسول: "فإنه لا يستطيع أحد أن يضع أساسًا آخر غير الذي وُضع الذي هو يسوع المسيح" (١ كو ٣: ١١). كما يقول: "مبنيين على أساس الرسل والأنبياء ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية، الذي فيه كل البناء مركبًا معًا، ينمو هيكلاً مقدسًا في الرب، الذي فيه أنتم أيضًا مبنيون معًا، مسكنًا لله في الروح" (أف ٢: ٢٠–٢٢). هذا هو سرّ قوة الروح الذي فينا أننا متأسسون على السيد المسيح نفسه، ولنا ختم روحه القدوس، الذي خلاله "يَعلم الرب الذين هم له".]
ليس فقط ليس لنا أن ندين ونفرز الحنطة عن الزوان، والأواني التي للكرامة عن تلك التي للهوان، وإنما يليق بنا أن نطمئن أن الحنطة لا تُهمَل من الله بسبب الزوان، ولا الأواني المُكَّرَمة تفقد كرامتها بسبب التي للهوان، إذ يقول الرسول: "يعلم الرب الذين هم له". وفي هذا يقول القديس أغسطينوس: [ليس من أجل التبن تهلك الحنطة (مت ٣: ١٢)، ولا من أجل السمك الرديء، لا يؤخذ في الأوعية شيء من الشبكة (مت ١٣: ٤٧)... لقد سبق فعيننا قبل أن نُولد، واعدًا إيانا بيقين: "الذين سبق فعينهم فهؤلاء دعاهم أيضًا، والذين دعاهم فهؤلاء بررهم أيضًا، والذين بررهم فهؤلاء مجدهم أيضًا" (رو ٨: ٣٠)[26].] كما يقول: [حتى إن كانت البذار مختفية في التبن لكنها معروفة لدى صاحب الحقل. لا يخف أحد متى كان بذرة، حتى وإن كان وسط تبن، فإن عيني الذي يذرينا لا تنخدعان[27].]
يرى القدّيس أغسطينوس أن في الحبل بيعقوب وعيسو نبوّة لما يُحدّث في كنيسة المسيح، التي كانت كرفقة تحمل في داخلها أبرارًا وأشرارًا، إذ يقول: [صارعا في رحم الأم، وحين صارعا قيل لرفقة: "في بطنك أمتان"، رجلان، شعبان، شعب صالح وآخر شرير، يتصارعان معًا في رحم واحد. كم من أشرار في الكنيسة! فإن رحمًا واحدًا يحملهم حتى يُعزلوا في النهاية. الصالحون والأشرار كلاهما يصارع أحدهما الآخر في أحشاء أمٍ واحدةٍ[28].]
17. هل كل القديسين عبر كل الأجيال هم أعضاء الكنيسة؟
كل القديسين الذين دُعوا بواسطة النعمة الإلهية لا يُحدّوا بفترة زمنية معينة أو جيلٍ معين إنما هم يُحسبون "رعية مع القديسين وأهل بيت الله" (أف 2: ١٩). هؤلاء أعضاء في الكنيسة، يضمون الذين أرضوا الربّ حتى قبل مجيء السيد المسيح مع الذين آمنوا بالسيد المسيح والذين وضعوا رجاءهم فيه. هذا أوضحه السيد المسيح بقوله: "أبوكم إبراهيم تهلل بأن يرى يومي فرأى وفرح" (يو ٨: ٥٦)، كما قال: "موسى الذي عليه رجاؤكم ... هو كتب عني" (يو ٥: 45-٤٦).
الكنيسة المجاهدة تضم الأعضاء الأحياء الذين قيل لهم: "فاشترك أنت في احتمال المشقات كجندي صالح ليسوع المسيح " (٢ تي ٢: ٣). كما تقول الكنيسة المجاهدة: "لنطرح كل ثقل الخطية المحيطة بنا بسهولة ولنحاضر بالصبر في الجهاد الموضوع أمامنا؛ ناظرين إلى رئيس الإيمان ومكمله يسوع" (عب ١٢: ١-٢). وتضم الكنيسة المنتصرة التي في السماء الذين عبروا من الكنيسة المجاهدة مثل البطاركة الأولين (إبراهيم وإسحق ويعقوب) والأنبياء والرسل والمعلمين والشهداء والنساك وكل الأبرار الذين أرضوا الربّ عبر كل الأجيال.
18. ما هي ألقاب الكنيسة؟
إذ بذل السيد المسيح نفسه من أجلها، وكشف عن دور الآب والروح القدس في حياتها وخلاصها ارتبطت الكنيسة به، فحُسبت عروس المسيح وابنته، ودُعيت عروس المسيح.
19. ماذا نعني بالقول "كنيسة واحدة"؟
يرى أوريجينوس أن وحدة الكنيسة بنيت على أساس إيمانها الواحد وعلى نظامها وتدبيرها الواحد.
مع التنوع في الثقافات التي تعيش فيها كنائس الشعوب المتنوعة وأثرها على بعض الطقوس مثل الأيقونات والألحان، غير أنها تحمل مفاهيم لاهوتية وروحية واحدة. إنها مملكة المسيح الواحدة على الأرض. لقد أعلن السيد المسيح نفسه عن هذه الوحدانية بقوله: "ولي خراف أُخر ليست من هذه الحظيرة ينبغي أن آتي بتلك أيضًا فتسمع صوتي، وتكون رعية واحدة وراعٍ واحد" (يو 10: 16). ويؤكد هذا بقوله إنه هو "الكرمة الحقيقية" (يو ١٥: ١). كما يقول "ليكون الجميع واحدًا... كما أننا نحن واحد" (يو ١٧: 21-22).
كما يقول: [تؤكل الذبيحة (حمل الفصح) بأكملها في بيتٍ واحدٍ، ولا يؤخذ لحم منها إلى الخارج. معني هذا أن بيتًا واحدًا ينال الخلاص في المسيح، أي الكنيسة على مستوى العالم. هذه التي كانت غريبة عن الله، ثم صارت الآن تتمتع بأُلفة فريدة معه. لقد قبلت رسل الرب يسوع، كما قَبل بيت "راحاب الزانية"، جواسيس يشوع، فكان هو البيت الوحيد الذي خلص من دمار أريحا. لذلك، فمع تعدد بيوت العبرانيين، إلا أنها كانت تعادل بيتًا واحدًا، وبنفس الطريقة، فإن الكنائس على مستوى المدينة والدولة، مهما تعددت، تؤلف كنيسة واحدة. إذ أن المسيح واحد في جميعها، هو المسيح الكامل، غير المنقسم. لذلك، ففي كل بيت كانت الذبيحة كاملة، وغير منقسمة على بيوت عديدة. في هذا يقول بولس: إننا جميعًا واحد في المسيح، إذ هو "رب واحد وإيمان واحد" (أف 5:4)[29].]
تُبنى وحدة الكنيسة أيضًا على استمراريتها في الإيمان الذي يبدأ بالعهد القديم ويستمر في العهد الجديد. ويلخص أوريجينوس الاستمرارية الرسولية في الاعتراف كالآتي: [يوجد إله واحد، خلق كل الأشياء ورتَّبها، إله الرسل والعهدين القديم والجديد[30].]
قدم الرسول بولس وحدة الكنيسة في صورتين:
أ. أشار إلى الكنيسة جسد المسيح، بقوله: "وأما أنتم فجسد المسيح وأعضاؤه أفرادًا" (1 كو 12: 27)؛ "لأجل تكميل القديسين لعمل الخدمة لبنيان جسد المسيح" (أف 4: 12)، مؤكدًا الوحدة بين أعضائها بكونها الجسد المرتبط بالرأس السماوي. يقول العلامة أوريجينوس: [إن كنا جسد المسيح، وقد رتب اللَّه الأعضاء، كل عضو في الجسد فيهتم كل واحد بالآخر، ويتناغم مع الآخر، وعندما يتألم عضو تتألم كل الأعضاء معه، ومتى تمجد عضو تفرح الأعضاء معه، يلزمنا أن نمارس الحنو النابع من الموسيقى الإلهية، إنه متى اجتمعنا معًا في اسم المسيح يكون في وسطنا كلمة اللَّه، وحكمته وقوته[31].
ب. دعا الرسول الكنيسة بيت الله (١ تي ٣: ١٥)، وهيكل الله (١ كو ٣: ١٦)، يسكن روح الله فيها. أما الرسول بطرس فيصف المسيح بأنه الحجر الحيّ والمؤمنين بالحجارة الحيّة المبنية في البيت الروحي (١ بط ٣: ٤-٥).
تنعكس هذه الوحدة في الإيمان على الوحدة في العبادة، فالكنيسة مع انتشارها في دولٍ مختلفة تؤمن بمعمودية واحدة وإفخارستيا واحدة لكل هذه الكنائس المحلية. فجميع المؤمنين لهم أم واحدة حيث يُولد الكل من معمودية واحدة، ويتناولون طعامًا واحدًا (جسد الربّ الواحد).
وحدة الإيمان تقدم وحدة التعليم ووحدة العبادة والتمتع بالحق الإلهي الواحد. يقول الرسول: "كي لا نكون فيما بعد أطفالاً مضطربين ومحمولين بكل ريح تعليم بحيلة الناس بمكرٍ إلى مكيدة الضلال، بل صادقين في المحبة ننمو في كل شيءٍ إلى ذاك الذي هو الرأس: المسيح، الذي منه كل الجسد مركبًا معًا ومقترنًا بمؤازرة كل مفصلٍ حسب عملٍ على قياس كل جزءٍ يحصل نمو الجسد لبنيانه في المحبة" (أف ٤: ١٤-١٦).
20. هل من مثال عملي بخصوص الاهتمام بالوحدة الكنسية؟
جاهد القديس باسيليوس من أجل وحدة الكنيسة، فهو يرى أنها تقوم على أساس الإيمان الواحد، ولهذا كان ما يشغل قلبه أن يُعِيد الوحدة للكنائس التي تُمزِّقها البدع. ففي إحدى رسائله كتب: [أعتقد أنه يناسب الذين يخدمون الرب بكل صدقٍ وإخلاصٍ، أن تكون غاية جهودهم الوحيدة، إعادة وحدة الكنائس المنقسمة[32]."] من أجل هذه الوحدة، كان على أتم الاستعداد، رغم الأمراض والصعوبات والإهانات التي تعرَّض لها، أن يذهب إلى أي بلدة، يتحدَّث إلى الأساقفة ويجمعهم، ويأخذ منهم اعترافات إيمان واضحة.
يظهر مدى اهتمامه بوحدة الكنيسة في الشرق والغرب مما كتبه لكثير من الأساقفة في الشرق والغرب بخصوص بدعة أريوس، نقتبس منها الآتي: [بالمقارنة بين الحاضر (الفوضى في الكنائس) والماضي، يمكنك أن ترى كيف أن الاختلاف بين الحاضر والماضي يتزايد. يمكنك بسهولة أن تستنتج أن ظروفنا إذا استمرت هكذا ستتلف في الحاضر. ليس شيء يمنع الكنائس من أن تتغيَّر تمامًا في وقتٍ قصير إلى بنية أخرى... أنا أيضًا أعرف وتحققتُ لمدة طويلة من إدراكي المتواضع بشئوني أن الطريق الوحيد للمحافظة على كنائسنا هو الاتحاد مع الأساقفة الغربيين. إن كانوا يريدون أن يظهروا الغيرة على الإيبارشيات التي في منطقتنا، والتي تقوم بدور في حالة أو حالتين في الغرب اللتان اكتشفتا أنهما هرطوقيتان، ربما من أجل فائدتنا واهتماماتنا المشتركة، حيث أن حكامنا يتطلعون باستخفاف إلى الشعب في كل مكانٍ الذين يتبعون أساقفتهم دون تساؤل[33].]
[أي شيء أكثر سرورًا من أن نرى البشر الذي تعزلهم مسافات كهذه يرتبطون بوحدة الحب في تناغمٍ، في عضوية في شكل المسيح. بالرغم من أن غالبًا كل الشرق أيها الأب الكلي الكرامة (أقصد بالشرق من منطقة Illyricum) تهتز بعاصفة عنيفة وطوفان. بزغت الهرطقة القديمة التي لأريوس، عدو الحق، بطريقة معيبة كجذرٍ مُرٍّ نتيجة للكارثة وأفسدت أبطال الإيمان المستقيم في كل إيبارشية... إننا نترقَّب الحلّ لهذه المتاعب، وافتقاد مراحمكم. حقًا في الأزمنة الماضية محبتكم التي لا تُصَدَّق دائمًا تجتذبنا، ونحن إلى وقت قصير نقتني قوة في نفوسنا بسبب التقرير المفرح أنكم ستفتقدوننا. غير أنه قد أصابتنا خيبة الأمل في رجائنا[34].]
[الأمور هنا في حالة يُرثَى لها، أيها الإخوة المكرمون جدًا. فالكنيسة أشبه بقاربٍ في وسط البحر، تصدمها هجوم الأمواج المستمرة، فنزلت إلى حالة إنهاك تام بهجمات لا تنقطع من مقاوميها، تفقد بعض التغيرات السريعة في صلاح الله. لذلك، إذ تظهر ببركات شخصية في الاتفاق والوحدة بينكم، هكذا أيضًا نتوسل إليكم أن تظهروا تحننًا علينا في عدم موافقتنا (لكم)، ولا تنفصلوا عنَّا لمُجرَّد أن بلادنا بعيدة، بل حيث أننا متحدون في شركة الروح، بالحري فلننضم إلى وحدة الجسد وتناسقه.
أحزاننا معروفة جدًا ولا تحتاج إلى من يسردها، فقد أذيع عنها بالفعل في كل العالم. تعاليم الآباء اُحتقرت، تسليم الرسل قد دُمِّر، تلفيقات المبتدعين قد أدخلت في الكنائس. صار الناس الآن ماهرين في البلاغة لا في اللاهوتيات: صار للحكمة الزمنية الأولوية ومجد الصليب أُهين. أُستبعد الرعاة، واحتلَّت الذئاب مكانهم، الذين يُمَزِّقون قطيع المسيح. بيوت الصلاة فرغت من اجتماعاتها السابقة، وامتلأت الصحاري بالحزانى...
إن وجدت تعزية حب، أية شركة للروح، أية مشاعر للحنو حثوا أنفسكم لتأتوا إلى الراحة. استخدموا الغيرة في الحث على التقوى، أنقذونا من هذه العاصفة، دعوا التعليم الطوباوي الذي للآباء يُنطَق بغير خوفٍ بيننا. هذا التعليم الذي يفند هرطقة أريوس البغيضة، وتُبنَى الكنائس على تعاليم سليمة، التي فيها يُعرَف الابن أنه واحد مع الآب في الجوهر، ويُحصى معهما الروح القدس، ويُسجَد له بذات الكرامة، وذلك لكي يدافع عدم خوفكم للحق. عطية الله لكم، ومجدكم في الاعتراف بالثالوث الإلهي المخلص يمنحنا نحن أيضًا معونة صلواتكم وتعاونكم[35].]
21. ما هو الطريق العملي للتمتع بسرّ الوحدة؟
يدعو الآباء إلى ممارسة الحب للتمتع بسرّ الوحدة. يشبّه القديس باسيليوس الكنائس في العالم بالجزائر والقارات التي وإن بدت كأنها مُنعزِلة عن بعضها البعض، غير أن البِحَار (والمحيطات) تربطها الواحدة مع الأخرى، فبِحَار ومحيطات الحب الإلهي والأخوي تربطنا معًا في المسيح يسوع رأس الكنيسة. حتى الموت لا يستطيع أن يعزل الراقدين عن المجاهدين.
يقول القدِّيس باسيليوس الكبير: [الرب نفسه الذي قسّم الجزائر من الأرض الرئيسية بواسطة البحر، ربط جزيرة المسيحيين بأرض المسيحيين الرئيسية بالحبّ. أيها الإخوة، ليس شيء يفصل أحًدا عن الآخرين، إنما يتأنون في التغرب. لنا رب واحد، إيمان واحد، رجاء واحد... تحتاج الأيادي كل للآخر. تسند الأرقام بعضها البعض. العيون يكون لها رؤية واضحة في عملها معًا[36].] كما يقول: [الفكر المنفرد ومجهودات الشخص المنفرد لا تُمَكِّنه من التمتُّع بأعمال الله العظيمة. لهذا نُكَرِّس كل مواهبنا المتواضعة لنعمل معًا، فنبلغ هذه القوة في شركة معًا. نحتاج إلى تحرُّرٍ كاملٍ من القلق بعيدًا عن الاضطرابات التي للعمل الخارجي، بهذا ننكب على التأمل في الحق[37].]
يدعو القديس مار يعقوب السروجي النفس لتمكث في الكنيسة بروح الحب، قائلاً:
[ينزل العريس ليرى العروس المخطوبة له! امكثي أيتها النفس في الخدر ليراكِ هنا.
لا تخرجي من خدر العريس الملك الذي ينزل ليراك وهو حامل الغِنَى من بيت أبيه...
امكثي عنده فلو أتى ولم يشاهدك سيغضب[38].]
22. ماذا نقصد بالقول: كنيسة مقدسة؟
إن كانت وحدة الكنيسة هي السمة الأساسية لها، فإن سرّ قداستها أن رأسها هو المسيح القدوس الذي يفيض عليها بالقداسة. ورسالتها هي تقديس كل شخصٍ ينضم إليها. "مكتوب كونوا قديسين لأني أنا قدوس" (١ بط ١: ١٦؛ لا ١١: ٤٤؛ ١٩: ٢؛ ٢٠: ٧). يقول الرسول: "أيها الرجال أحبوا نساءكم كما أحب المسيح أيضًا الكنيسة وأسلم نفسه لأجلها، لكي يقدسها، مطهرًا إياها بغسل الماء بالكلمة، لكي يُحضرها لنفسه كنيسة مجيدة لا دنس فيها ولا غضن أو شيء من مثل ذلك، بل تكون مقدسة وبلا عيب" (أف ٥: ٢٥-٢٧).
علاوة على هذا فإن الروح القدس الذي يهب الكنيسة الحياة هو قدوس. والكتاب المقدس يقدم الحق الإلهي ويقدس الذين يسمعونه ويقبلونه (١ تي ٤: ٤-٥).
إذ يتجاوب المؤمنون مع الدعوة السماوية المقدسة (٢ تي ١: ٩) يتقدس من يتجاوب معها ويُدعون قديسين. لهذا يحسب السيد المسيح كنيسته أشبه بالعجين الذي يتقدس بالخميرة المقدسة (مت ١٢: ٢٣) التي تغيِّر كل شيء ببطءٍ. لتعلن عن قوة الكنيسة وتأثير تعليمها على العالم الشرير. لقد دعا السيد المسيح تلاميذه نور العالم وملح الأرض (مت ٥: ٤، ١٣)، إذ نالوا فيه النعمة القادرة على تصليح الطبيعة البشرية الساقطة وتحريرها من فسادها.
في كل جيلٍ نسمع عن عمل الكنيسة في حياة البشر، كثيرون يقبلون عمل النعمة في حياتهم، وكثيرون يقدمون التوبة خفية وسنراهم أبطالاً في يوم الربّ العظيم.
يكشف لنا العلامة أوريجينوس عن مفهومه عن اهتمامه بقدسية الكنيسة بقوله: [إني أحمل لقب كاهن، كما ترون، فأعظ بكلمة الله. أما إذا صدر مني تصرف مناقض لنظام الكنيسة أو للقواعد التي أرساها الإنجيل، أو إذا أسأت إليكم أو إلى الكنيسة، فإني أرجو أن تتحد الكنيسة برأي واحد وتطردني خارجًا[39].] وفي العظة التاسعة عن سفر يشوع، يتحدث أوريجينوس عن هيكل الله، الذي فيه يستطيع يسوع المسيح أن يقدم ذبيحته للآب. أنه مبني من حجارة سليمة، غير مكسورة. "لم يُرفع عليها حديدً" (راجع تث 5:27). تلك هي الأحجار الحيَّة النقية، الرسل القديسون، الذين يؤلفون هيكلاً واحدًا من خلال وحدة قلوبهم (أع 24:1) وأنفسهم. كانوا يواظبون بنفس واحدة على الصلاة (أع 14:1)، كما كان لهم الذهن الواحد. فالوحدة الحقيقية، بمعنى آخر، مؤسسة على الحياة المقدسة، والمحبة (وحدة القلوب)، والعبادة المشتركة (صوت واحد)، والإيمان الواحد (ذهن واحد).
يعتبر أوريجينوس أن تقديس كل عضوٍ هو الأساس في وحدة الكنيسة، إذ أن ما يقترفه العضو يؤثر على الآخرين. فيقول: "خاطئ واحد يلوث الشعب[40]". و"أن من يقترف الزنا أو أيّة جريمة أخرى، فهو يلوث الشعب بأكمله[41]".
23. ماذا نعني بقولنا إن الكنيسة جامعة (كاثوليكية)؟
لا نعني هنا انضمام البعض إلى طائفة معينة. إنما نقصد أن الكنيسة قادرة بالنعمة الإلهية العمل في بلادٍ كثيرة، يقبلون الإيمان المستقيم ويسلكون في المسيح يسوع، ويتمتعون بالعضوية في الكنيسة الممتدة من آدم إلى آخر الدهور. يقول العلامة أوريجينوس إننا سندهش في يوم الربّ إذ نرى أطفالاً صغارًا يُحسبون أبطالاً، وأشخاصًا مجهولين من بين الشعب احتلوا مراكز البطولة أكثر من بعض رجال الكهنوت والخدام والمبشرين. تحمل كنيسة العهد الجديد سمة الجامعية، "حيث ليس يوناني ويهودي، ختان وغرلة، بربري وسكيثي، عبد حر، بل المسيح الكل وفي الكل" (كو 3: 11)، إنما تضم الكنيسة أعضاءً من كل الأمم والشعوب.
يحدثنا العلامة أوريجينوس عن جامعية الكنيسة التي ترز في استمرارية الرسل مع بعضهم البعض، كرسلٍ مخلصين للمسيح. ويتحدث بأسلوب واقعي قاطع عن "تعليم الرسل[42]"، الذين مثلهم مثل أنبياء العهد القديم، قد أُوحي إليهم بالروح القدس. وهو يوجه تعريفه هذا للاستمرارية الرسولية، ضد انعزالية رسول واحدٍ ما عن الجماعة الرسولية[43].
24. ماذا نعني بأن الكنيسة رسولية؟
إنها باقية إلى يومنا هذا تحمل الفكر الرسولي، فتحفظ الإيمان الذي استلمه الرسل كما أنها لم تكسر التسلسل الرسولي، ولم تقبل هراطقة لقيادة الكنيسة.
25. ماذا نعني بأن الكنيسة معلمة وحافظة للحق وحارسة له؟
الثقافات المحلية متباينة لكن التقليد أو التسليم المقدس واحد. استلم الرسل تعاليم الربّ، بكونه الحق الإلهي وحافظوا عليه. وضعت الكنيسة أمام عينيها وصية الرسول للقديس تيموثاوس: "يا تيموثاوس احفظ الوديعة، معرضًا عن الكلام الباطل الدنس ومخالفات العلم الكاذب الاسم" (١ تي ٦: ٢٠). لقد أكَّد ربنا يسوع عصمة الكنيسة من الانحراف عندما وعد تلاميذه: "وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر" (مت ٢٨: ٢٠). كما وعد بإرساله الروح القدس "فهو يعلمكم كل شيءٍ، ويذكركم بكل ما قلته لكم" (يو ١٤: ٢٦). هذه الوعود تؤكد أن أبواب الجحيم لن تقوى عليها (مت ١٦: ١٨).
26. ما هو النظام الخاص بخدمة الكنيسة؟
جاء في الأناجيل المقدسة أن السيد المسيح عيَّن اثني عشر تلميذًا يرافقونه ويرسلهم للكرازة ويعطيهم سلطانًا أن يشفوا مرضى ويخرجوا شياطين (مر ٣: ١٤-١٥؛ راجع مت ١٠: ١-٤؛ لو ٦: ١٢-١٦). ثم عين سبعين آخرين، أرسلهم اثنين اثنين أمام وجهه في كل مدينة وكل موضع يذهب إليه (لو ١٠: ١).
إذ كان الاثنا عشر في العلية قال لهم بعد قيامته: "سلام لكم. كما أرسلني الآب أرسلكم أنا. ولما قال هذا نفخ وقال لهم اقبلوا الروح القدس، كل من غفرتم خطاياه تُغفر له. ومن أمسكتم خطاياه أُمسكت" (يو ٢٠: ٢١-٢٣). وقبل صعوده إلى السماء أعطاهم هذا الأمر: "اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس. وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به. وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر" (مت ٢٨: ١٩-٢٠)، مظهرًا أن الأمر والسلطان اللذين أُعطيا للرسل القديسين يبقيان في الكنيسة إلى الأبد. لأن الرسل سوف يعبرون من هذه الحياة. أكَّد الرسول بولس أن الربّ أعطى الكنيسة: "البعض أن يكونوا رُسلاً والبعض أنبياء والبعض مبشرين والبعض رعاة ومعلمين. لأجل تكميل القديسين لعمل الخدمة لبنيان جسد المسيح" (أف ٤: ١١-١٢).
27. ماذا قال المرتل عن الكنيسة؟
"الرب راعيّ فلا يُعوزني شيء، في مراعٍ خُضْرٍ يُرْبِضني" (مز 23: 1-2). الكنيسة هي المراعي الخضراء التي فيها يرعانا مسيحنا السماوي. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لكل واحدٍ منا قطيع يقوده إلى المراعي الخضراء[44].]
28. كيف نرى الكنيسة في فلك نوح؟
الكنيسة هي فُلك العهد الجديد الذي لم يحصن البشر ويحميهم من الطوفان فحسب، بل يقيم منهم ملائكة. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [قصة الطوفان سرّ (تك 8)، محتوياتها كانت مثالاً للأمور العتيدة أن تتم، الفلك هو الكنيسة، ونوح المسيح، والحمامة الروح القدس، وغصن الزيتون هو الصلاح الإلهي. كما كان الفلك في وسط البحر حصنًا لمن في داخله، هكذا تُخلّص الكنيسة الهالكين. الفلك يُعطي حصانة، أما الكنيسة فتفعل ما هو أعظم. كمثال احتوى الفلك الحيوانات غير العاقلة وحفظها، أما الكنيسة فأدخلت البشر الذين يسلكون بغير تعقل ولم تحصنهم فحسب وإنما أيضًا غيّرت طبيعتهم[45].]
29. ما هو دور الروح الناري في الكنيسة؟
يتحدث القديس يوحنا الذهبي الفم عن فاعلية هذه النار السماوية في حياة الكنيسة، موضحًا إنها تهب المؤمن قوة يتحدى بها العالم وكل قوات الظلمة، فيعيش بروح النصرة والغلبة، متمتعًا بالشركة مع السمائيين. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [[لنبسط أذهاننا نحو السماء، ولنتمسك بهذه الرغبة ملتحفين بالنار الروحية ومتمنطقين بلهيبها. ليس إنسان يحمل لهيبًا ويخاف ممن يلتقي به، سواء كان وحشًا أو إنسانًا أو فخاخًا بلا عدد، فإنه إذ يتسلح بالنار (الروحية) لا يقف في طريقه أحد، بل يتراجع الكل قدامه، لأن اللهيب لا يُحتمل والنار تبدد كل شيءٍ. إذن، لنطلب هذه النار مقدمين المجد لربنا يسوع المسيح مع أبيه والروح القدس[46].]
30. هل يمكن للمؤمن أن يعزل نفسه عن إخوته؟
من أعمال المحبة التي تتسم بها الكنيسة: "لنُلاحظ بعضنا للتّحريض على المحبّة والأعمال الحسنة" (عب 10: 24)، أي يسند أحدنا الآخر بالصلاة وخلال أعمال الخير. فالجهاد يكون قانونيًا باجتماعنا معًا بروح المحبة كأعضاء بعضنا لبعض. "فلنعكف إذًا على ما هو للسلام، وما هو للبنيان بعضنا لبعض" (رو 14: 19). يلتزم حتى المتوحد أن يصلي بصيغة الجمع، قائلاً: "أبانا الذي في السماوات... أغفر لن ذنوبنا". يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ليس شيء يجعل البشر ينهزمون سريعًا في التجارب وينهارون مثل العزلة. أخبرني، بعثر فرقة في حرب، فإن العدو لا يقلق في سبيهم وأسرهم كفرادى[47].]
[ليس شر عظيم هكذا مثل العزلة وبقاء الإنسان خارج الجماعة بلا اتصال[48].]
[بهذا يكون اجتماع الكنيسة كلها قويًا، إذ ما لا يستطيع الإنسان أن يفعله بمفرده يقدر أن يتممه خلال التصاقه ببقية الكنيسة. لهذا فالصلوات (الجماعية) المرتفعة هنا عن العالم وعن الكنيسة من أقاصي المسكونة إلى أقاصيها لأجل سلام الذين هم في ضيقة أمر ضروري[49].]
31. هل تضم الكنيسة مؤمنين من درجات مختلفة؟
يعتبر أوريجينوس جميع المسيحيين أعضاء في الكنيسة الحقَّة، إلا أنهم مصنفون في تدرجٍ تصاعدي حسب إيمانهم ومعرفتهم. يقول: [يوجد في الكنيسة من بين المسيحيين من هم مؤمنون حقيقيون. يؤمنون بالله ولا يناقشون وصاياه، ويؤدون واجباتهم الدينية، ويرغبون في الخدمة، لكنهم غير أنقياء في سلوكهم وحياتهم الخاصة. إنهم "لا يخلعون الإنسان العتيق مع أعماله" (راجع كو 3: 9). إنهم مثل الجبعونيين، الذين "لبسوا ثيابهم الرثَّة، ونِعالهم البالية..." (يش 9).]
يجد أوريجينوس رمزًا لهذا التصنيف بين المؤمنين في التنظيم التي كان يُتخذ لحمل الخيمة في المسيرة (راجع عدد 4). فهارون وأبناؤه كانت مهمتهم تغطية المكان المقدس وكل أوانيه، وذلك في أغطية مخصصة من جلد نوع معين من الحيوانات، أو في ثياب أرجوانية وقرمزية. ثم يأتي بعد ذلك دور بني قهات ليحملوها. ولكن لا يحلُ لهم لمس أي شيء من الأشياء المقدسة، وإلا فموتًا يموتون. كما لا يحق لهم، حتى الدخول لمشاهدة عملية تغطيتها لئلا يموتوا. كذلك في طقوسنا الكنسية، يوجد من الأمور ما يجب على الجميع ممارستها، رغم أن البعض لا يفهمها.
على سبيل المثال، لماذا نركع أثناء الصلاة؟ أو لماذا نتجه نحو الشرق؟ ليس في الإمكان توضيح ذلك للجميع. ثم من يستطيع بسهولة أن يشرح تقديس سرّ الإفخارستيا، أو تناوله؛ أو أن يكشف عما وراء نصوص سرّ العماد وما يشمله من طقوس وأسئلة وإجابات؟ مع هذا فكل هذه الأمور نحملها، تحتجب وتغطي فوق أكتافنا، ونقوم بها كما سلمنا إياها رئيس كهنتنا الأعظم وأولاده.
فابن هرون وحده بفطنته الروحية يحق له حق التطلع إلى تلك الأشياء المقدسة، وهي عارية من أي حجاب. أما ابن قهات فعليه الطاعة المطلقة؛ أنه يحمل الثقل، لكن ليس له أن يطلب التوضيح كما لا يُلزم ابن هرون بالإعلان عنها. فالكشف عن الأسرار وشرح ما يُستعصى على إدراك حامليها، هو بمثابة قتل روحي[50].
يقول أوريجينوس أن الكنيسة تضم مؤمنين من المستوي الروحي الرفيع، كما تضم الضعفاء. تسمى الأولين "أناسًا"، والآخرين "حيوانات" مجازيًا.
[الكنيسة أيضًا بداخلها حيوانات. اسمع ما جاء في المزامير: "الناس والبهائم تخلصهم يا رب" (مز 7:36). أولئك الذين يكرسون وقتهم لدراسة كلمة الله والعقيدة المتزنة، يُطلق عليهم "الناس". أما من يعيشون بغير هذه الدراسات ولا يبدون أي رغبة في أن يعرفوها، فهم، رغم إيمانهم، يُسمون "حيوانات"، وإن كانوا بغير شك، حيوانات طاهرة. فكما يوجد "رجال الله يوجد أيضًا "خراف الله"[51].]
يقول جون دانيلو أن أوريجينوس يطرق موضوعًا جديدًا من الرمزية، يتضمن مقارنة بين حيوانات الفُلك الذين ينالون الخلاص في الكنيسة. فالحيوانات توزَّع بين درجات عديدة من الكمال. كما أنه ليس لكل الناس نفس الجدارة، وليس تقدمهم في الإيمان متساويًا، كذلك كان الأمر في الفلك، حيث لم تُعطَى الإمكانيات فيه للجميع بالتساوي. يظهر هذا أيضًا في الكنيسة. فبالرغم من أن الجميع مشتركون في الإيمان الواحد، وقد طهرتهم جميعًا مياه المعمودية، إلا أنهم متباينون في تقدمهم، بذلك يبقى كل منهم في درجته[52].
32. هل نضطرب لوجود فاسدين في الكنيسة؟
يوضح أوريجينوس وجود أشرار في الكنيسة، قائلاً: [يجب ألا يتملكنا العجب، إذا اتضح لنا، قبل أن يشرع الملائكة المكلفون في فرز الأشرار من بين الأبرار، أن نرى تجمعاتنا بها أيضًا أشرار[53].] كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لا تضطربوا لوجود فاسدين وأشرار، فإنه في بيت كبير يوجد مثل هذه الأواني... لكنها لا تنال كرامة[54].]
[واحسرتاه على جنونهم المطبق! هل توجد حاجة إلي علامة قبل أن يتمكنوا من الكف عن أفعالهم الشريرة، ويحرروا بيت الله من مثل هذا العار؟ أليست أعظم آية لسموه أن تكون له مثل هذه الغيرة على ذاك البيت؟ لقد تميز موقف التلاميذ اللائق إذ تذكروا "أنه مكتوب: "غيرة بيتك أكلتني". أما اليهود فلم يتذكروا النبوة، فقالوا: "أية آية ترينا؟" متوقعين بذلك أن يوقفوه، راغبين في تحديه بصنع معجزة، ليجدوا علة عليه[55].]
33. ما هو موقف الكنيسة من الفاسدين المستهترين؟
يقول القديس باسيليوس الكبير: [من يخطئ مع أخته من والده أو من والدته يبقى لمدة ثلاث سنوات باكيًا خارج أبواب الكنيسة حتى يدرك مدى خطورة ما اِرتكبه، طالبًا من الداخلين إلى الكنيسة أن يذكروه في صلواتهم ليجد نعمة عند الله. ثلاث سنوات بعد ذلك ينضم إلى جماعة السامعين، بعد القراءات والعظة يُطرَد من الكنيسة، ولا يُسمَح له بحضور قدَّاس المؤمنين. ثلاث سنوات ينضم فيها إلى الجماعة.]
34. ماذا يعني الرسول بقوله إن الكنيسة تُعلن سرّ الخلاص للسمائيين (أف 3: 9-11)؟
يقول الرسول: "وأنير الجميع في ما هو شركة السرّ المكتوم منذ الدهور في الله خالق الجميع بيسوع المسيح. لكي يعرف الأن عند الرؤساء والسلاطين في السماويات بواسطة الكنيسة بحكمة الله المتنوعة، حسب قصد الدهور الذي صنعه في المسيح يسوع ربنا" (أف 3: 9-11).
يبقى السماويون حتى يوم الرب العظيم في دهشةٍ، حيث أدركوا سرّ حكمة الله المكتومة، إذ رأوا الزناة صاروا قديسين، والبشر شركاء معهم في الحياة السماوية. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [حقًا، لم يُعلن (السرّ) لإنسان، فهل أنت تنير السرّ للملائكة ورؤساء الملائكة والرؤساء والسلاطين؟ يقول: "نعم" فإنه كان مكتومًا في الله، بل "في الله خالق الجميع". أتتجاسر وتنطق بهذا؟ يجيب: "نعم". وكيف أُعلن هذا للملائكة؟ "بواسطة الكنيسة"... ألم تكن الملائكة تعرفه؟... ألم يعرفه حتى رؤساء الملائكة؟ حتى هؤلاء لم يعرفوه؟... لقد دعاه سرًا، لأن الملائكة لم يكونوا يعرفوه، ولا كان قد أُعلن لأحد... حقًا لقد عرف الملائكة أن الأمم مدعوون فعلاً، أما أن يكونوا مدعوين للتمتع بذات امتيازات إسرائيل وأن يجلسوا على عرش الله (رؤ 3: 21) هذا من كان يتوقعه؟! من كان يصدقه؟![56]]
35. هل الكنيسة مُحبة للجنس البشري بأجمعه؟
كان قلب أوريجينوس ملتهبًا بالحب للجنس البشري كله، وراغبًا في خلاص كل الناس. ولما وجه صلسس إلى المسيحيين اتهامًا بأنهم يؤمنون بأن الله قد تخلّى عن سائر البشر، وصار مهتمًا بالكنيسة وحدها، أجابه أوريجينوس بأن ذلك ليس بعقيدة مسيحية[57]. إنه يقول: [لما كان الله هو الراغب في أن تصل مساعدة تعليم يسوع المسيح إلى الأمم، فقد أبطل كل المخططات البشرية التي حِيكَت ضد المسيحيين. وبقدر ما أذلهم الملوك والحكام المحليون والشعوب في كل مكان، كانوا يزدادون في العدد والقوة[58].]
2. رئيس الكهنة السماوي والكنيسة
1. لماذا ملأ الحزن قلوب التلاميذ في حديث السيد المسيح الوداعي؟
وردت كلمة "الحزن" في الحديث الوداعي للتلاميذ عدة مرات":
"لأني قلت لكم هذا، قد ملأ الحزن قلوبكم" (يو 16: 6).
"الحق أقول لكم إنكم ستبكون وتنوحون والعالم يفرح. أنتم ستحزنون، ولكن حزنكم يتحول إلى فرح" (يو 16: 20).
"عندكم الآن حزن، ولكني سأراكم أيضًا فتفرح قلوبكم، ولا ينزع أحد فرحكم منكم (يو 20: 22). لماذا ملأ الحزن قلوبهم؟ وكيف يفرحون ولا يستطيع أحد أن ينزع فرحهم منهم؟
أولاً: ملأ الحزن قلوبهم إذ لم يدركوا سرّ الصليب، وأنه يفتح لهم باب الفردوس المُغلق منذ أيام آدم الذي أعطى ظهره لله، ولم يثق في الوصية الإلهية، بل وثق في كلمات إبليس المخادعة!
ثانيًا: لم يختبروا قوة القيامة، فيترنمون: "أقامنا معه، وأجلسنا معه في السماويات" (أف 2: 6).
ثالثًا: لم يختبروا بعد أن الكنيسة جسد المسيح، ما يفعله الرأس إنما لحسابنا نحن جسده.
رابعًا: لم يكونوا بعد يدركون عمل الثالوث القدوس معًا لحسابنا. فإذ كان الابن يعمل لحساب خلاصنا قال: "أبي حتى الآن يعمل وأنا أيضًا أعمل" (يو 5: 17). وعندما صعد إلى السماء وأرسل الروح القدس يمكن أن يقول: "روحي القدوس يعمل فيكم، وأنا والآب نعمل فيكم ولحسابكم".
خامسًا: لم يتوقف الثالوث القدوس عن العمل لأجل خلاصنا ونصرتنا وتمتعنا بالأمجاد السماوية.
سادسًا: لم يتعرفوا بعد على السيد المسيح كرئيس كهنة فريد، قادر أن يشفع فيهم لدى الآب. يقول الرسول: "فإذ لنا رئيس كهنة عظيم قد اجتاز السماوات يسوع ابن الله فلنتمسك بالإقرار" (عب 4: 14)، ليس فقط يغفر خطايانا، بل ونتبرر فيه (غل 2: 17)، فنتأهل للميراث السماوي.
2. لماذا تحول حزن التلاميذ إلى فرحٍ عظيمٍ بعد الصعود مباشرة؟
يقول لوقا الإنجيلي: "وأخرجهم خارجًا إلى بيت عنيا، ورفع يديه وباركهم. وفيما هو يباركهم انفرد عنهم وأُصعد إلى السماء، فسجدوا له، ورجعوا إلى أورشليم بفرحٍ عظيمٍ" (لو 24: 50-52).
أما سرّ هذا الفرح العظيم بعد الصعود مباشرة فهو إذ نزل كلمة الله متجسدًا ليحقق خلاص البشرية، جذب قلوب مؤمنيه وعقولهم وكل طاقاتهم نحوه. صعوده إلى السماء لم ينزع عنهم هذه الجاذبية، بل انطلقت نفوسهم نحو السماء، فلم يعد للأرض جاذبية لهم. يقول العلامة أوريجينوس: [إن كنتم تؤمنون أنه جلس عن يمين الله في السماويات، يليق بكم أن تؤمنوا أنه لم يعد مكانكم في الأرضيات بل في المنظر السماوي[59].]
[أهم ما قاله الآباء – سواء كان القديس أثناسيوس أو الذين تبعوه – بخصوص صعود الرب أنه لم يصعد من أجل نفسه هو، بل من أجلنا نحن. لأنه من أجل نفسه، باعتباره كلمة الله الأزلي، فهو لم يفارق حضن الآب قط. فبينما كان متجسدًا معنا على الأرض، قيل عنه: "الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو خبَّر" (يو 1: 18). صعد إذّا بالجسد من أجلنا ليفتح لنا طريق السماوات الذي كان مغلقًا أمامنا، ويعطينا إمكانية الصعود معه بصفتنا ممثلين في جسده الصاعد المأخوذ منا. بل إن القديس أثناسيوس يجرؤ أن يقول إن الرب: كان يحملنا في جسده الخاص في أثناء صعوده[60].]
يقول القديس أثناسيوس الرسولي: [لقد افتتح الرب لنا من جديد الطريق الصاعد إلى السماوات، كما قال: "ارفعوا أيها الرؤساء أبوابكم وارتفعي أيتها الأبواب الدهرية" (مز 24: 7 LXX). فلم يكن اللوغوس نفسه هو المحتاج لأن تُفتح له الأبواب، إذ هو رب الكل، ولم يكن شيء من المصنوعات مغلقًا أمام خالقه، ولكننا نحن الذين كنا محتاجين إلى ذلك. فنحن الذين كان يحملنا في جسده الخاص. فكما أنه قدّم جسده للموت نيابة عن الجميع، هكذا أيضًا بواسطته قد أعدَّ من جديد الطريق الصاعد إلى السماوات[61].]
يعلق رهبان دير أنبا مقار: [ومن البيِّن أن القديس أثناسيوس يعتمد في ذلك على ما جاء في الرسالة إلى العبرانيين: "... طريقًا كرَّسه لنا حديثًا حيَّا بالحجاب، أي جسده" (عب 10: 19). وأهمية جسد الرب لصعودنا نحن يأتي من كونه جسدًا بشريًا مأخوذًا منا. فهو بالتالي يمثلنا تمامًا، وما يتم فيه ينبغي أن يعمم على الجنس البشري[62]. ثم من حيث أنه صار جسدًا للكلمة الحقيقي الكائن منذ الأزل في حضن الآب، فقد كان من حقه الطبيعي إذًا أن يصعد ويدخل إلى حضرة الآب فيصير باكورة للبشرية وسفيرًا عنا أمام الآب[63].]
3. ما هي سمات كنيسة العهد الجديد بعد صعود السيد المسيح؟
إذ صعد السيد المسيح رأس الكنيسة إلى السماء، تمتعت الكنيسة بما قاله السيد لتلاميذه: "ملكوت الله داخلكم" (لو 17: 21). وصار عمل الكنيسة الرئيسي أن يسحب روح الله القدوس قلوب المؤمنين وأفكارهم إلى العرش السماوي حيث الرأس جالس عن يمين الآب.
4. هل توقف عمل المخلص بصعوده إلى السماء؟
إن كانت الأناجيل قد توقفت عند صعود المخلص إلى السماء وانتظار الكنيسة مجيئه الثاني لتلتقي به على السحاب، وتدخل معه إلى العرش الإلهي في موكب سماوي مجيد، فإن رسالة معلمنا بولس إلى العبرانيين ركزت على دور المخلص منذ صعوده وجلوسه عن يمين الآب إلى يوم مجيئه الأخير بالنسبة لكنيسته المجاهدة عل الأرض. يقول الرسول: "من ثم أيها الإخوة القديسون شركاء الدعوة السماوية لاحظوا رسول اعترافنا ورئيس كهنته المسيح يسوع" (عب 3: 1) كما يقول: "الذي هو لنا كمرساة للنفس مؤتمنة وثابتة تدخل إلى ما داخل الحجاب، حيث دخل يسوع كسابقٍ لأجلنا صائرًا على رتبة ملكي صادق رئيس كهنة إلى الأبد" (عب 6: 19-20).
أبرز الرسول أنه لا يوجد وجه مقارنة بين كهنوت هرون أو الكهنوت اللاوي وكهنوت السيد المسيح وهو يشفع في كنيسته في السماوات بطريقة فريدة تناسبه كابن الله مخلص العالم.
5. ماذا يعني بقوله كمرساة للنفس مؤتمنه وثابتة تدخل إلى ما داخل الحجاب؟
أولاً: في ظل كهنوت هرون (الكهنوت اللاوي) كانت الذبائح لا تُقدم في قدس الأقداس ولا في القدس بل خارجهما على المذبح النحاسي، أما رئيس الكهنة السماوي فيقدم ذاته عن مؤمنيه وهو في داخل الحجاب، أي في قدس الأقداس، في السماء عينها.
ثانيًا: يقول الرسول: "لاحظوا رسول اعترافنا"، الأمر الذي لا يستطيع هرون رئيس الكهنة تحقيقه. بالتجسد أرسل الآب ابنه إلينا كرسولٍ، ليعلن الحب الإلهي عمليًا على الصليب ويهبنا إمكانية القيامة بقيامته، ويدخل بنا إلى سماواته بجلوسه عن يمين الآب. في هذا يختلف السيد المسيح عن الكهنة اللاويين والأنبياء والملائكة، فهو لم يُرسل بمعنى أنه يترك موضعًا ليذهب إلى موضعٍ آخر، وإنما بمعنى ظهوره في الجسد وحلوله بيننا، هذا الذي يبقى بلاهوته غير منفصلٍ عن أبيه، يملأ السماء والأرض.
غاية رسالته هي إعلان إيماننا أو اعترافنا بالحق. قدم لنا ذاته بكونه الحق الإلهي غير المتغير، نقبله فنتعرف على أسرار الآب أيضًا، وكما يقول السيد: "لو كنتم قد عرفتموني لعرفتم أبي أيضًا، ومن الآن تعرفونه وقد رأيتموه... الذي رآني فقد رأى الآب" (يو ١٤: ٧، ٩).
إذن، إرساليته فريدة، خلالها يحملنا فيه ليدخل بنا إلى حضن أبيه، نتعرف عليه معرفة الاتحاد والشركة والتلامس مع الحق، نرى في الآب ما لا يُرى، ونتمتع بما لا يمكن للحواس الجسدية أن تعبر عنه!
يقول القديس أثناسيوس الرسولي: [متى إذن صار رئيس كهنة لاعترافنا (عب 3: 1)، إلا بعدما قدّم نفسه من أجلنا، وأقام جسده من بين الأموات، فصار هو نفسه الآن يقدم ويُقرِّب إلى الآب، الذين يلتحقون به بالإيمان فيفدي الجميع، ويشفع في الجميع لدى الله (الآب)[64].]
ثالثًا: بقوله كمرساة مؤتمنة وثابتة يشَّبه الكنيسة بمؤمنيها بسفينة دخلت الميناء السماوي في شخص رأسها يسوع المسيح وارتبطت به كمرساة مؤتمنة، فليس من إمكانية لكل من إبليس وقوات الظلمة وتيارات العالم وعواصف التجارب أن تسحبها من الميناء، الأمر الذي لا يستطيع الكهنة اللاويين أن يحققوه. فمهما كان برَّ هرون وكهنته يحتاجون هم أنفسهم إلى من يُكفّر عنهم ويجتذبهم نحو السماء والسماويات. لهذا كانوا يقدمون الذبائح عن أنفسهم كما يقدمون عن الشعب. أما مسيحنا القدوس فباسمنا صعد إلى السماء وسحب قلوبنا إلى حيث هو جالس.
رابعًا: في الرسالة إلى العبرانيين يوضح الرسول أن مسيحنا يمارس كهنوته وهو جالس على العرش. لم نسمع قط عبر كل التاريخ عن كاهنٍ يقدم ذبائحه وهو جالس، خاصة إن كان عن يمين العظمة، إنما كانوا يقدمونها وهم وقوف أمام الله الجالس على العرش. حتى كهنة الأصنام لم يكونوا قادرين على تقديم الذبائح للأصنام وهم جالسين عن يمينها.
6. ما هو دور مسيحنا في كهنوته السماوي الفريد؟
أولاً: لم يقدم مسيحنا ذبائح حيوانية مثل هرون ونسله وهي عاجزة عن التكفير عن خطايانا، بل هي مجرد رمز لذبيحة المسيح. أما مسيحنا فقدم ذبيحته الفريدة مرة واحدة تمتد فاعليتها منذ الإنسان الأول وإلى نهاية الدهور دون أن تتكرر. الذبائح الحيوانية، لعجزها تتكرر على الدوام، حتى قدّم السيد المسيح نفسه ذبيحة على الصليب فأبطلها. وأما في سرّ الإفخارستيا فلا يقدم المسيح نفسه مرة أخرى، وإنما نحتفل بذات الذبيحة الفريدة الوحيدة التي على الصليب. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ألا نقدم الذبيحة يومياً؟ نعم نقدمها، لكن هذا "أنامنسيس" (ذكرى) لموته، وهي ذبيحة وحيدة غير متكررة. لقد قُدمت مرة، ودخل إلى قدس الأقداس.
الأنامنسيس anamnesis هو علامة موته، فإن ما نقدمه هو ذات الذبيحة، فلا تُقدم اليوم ذبيحة وغدًا أخرى مغايرة.
واحد هو المسيح في كل مكانٍ، كامل في كل موضعٍ، جسد واحد، فإذ يوجد جسد واحد في كل مكان تكون الذبيحة واحدة في كل موضع.
هذه هي الذبيحة التي لا نزال إلى اليوم نقَّربها. هذا ما نعنيه بـ "أنامنسيس". أننا نصنع أنامنسيس للذبيحة[65].]
ثانيًا: غاية تجسد الكلمة أنه وهو رئيس الكهنة السماوي أخذ جسدًا ليكون له ما يقدمه لحسابنا. يقول القديس أثناسيوس الرسولي: [لقد ارتدى الكلمة جسدًا أرضيًّا ليستطيع كرئيس كهنة أن يكون له هو أيضًا ما يقدمه (أي هذا الجسد عب 8: 3؛ 10: 5) فيذبح نفسه للآب ويطهرنا من خطايانا ويقيمنا من بين الأموات[66].]
ثالثًا: مسيحنا هو الكاهن السماوي الذي قدم نفسه ذبيحة عن العالم كله، وهو الشفيع والضامن لقبول الذبيحة إذ هو واحد مع الآب (يو 10: 30). فالكاهن نفسه هو ابن الله الواحد معه في ذات الجوهر. هو المحامي عن كنيسته وهو القاضي في نفس الوقت. وكما يقول الرسول: "من الذي يدين؟ المسيح... الذي عن يمين الله، الذي يشفع فينا" (رو 8: 34).
إنه الشفيع الذي يقدم طلباتنا وصلواتنا لدى الأب باسمه، وهو الضامن لاستجابتها. يقول العلامة أوريجينوس: [لتنسى الأرض وتصعد إلى سحب السماء... لتبحث عن خيمة الله (الكنيسة) حيث دخل يسوع ليعد لنا طريقنا، فيظهر أمام وجه الله يشفع لأجلنا[67].] ويقول القديس كيرلس الكبير: [إنه يكهن فوق الناموس، لأنه هو نفسه الذبيحة والحمل الحقيقي، وهو بعينه أيضًا رئيس الكهنة الذي بلا شرٍ ولا لومٍ، الذي لا يكهن عن خطايا نفسه لأنه كإله فوق الخطية، بل يكهن لكي يُبطل خطايا العالم. فقد صار هو نفسه إذًا الكاهن الذي يكهن بذبيحة نفسه (عب 7: 27)[68].]
[إنه هو المُصالح والوسيط بين الله والناس. فلكونه حقًا رئيس كهنتنا الأعظم والأقدس، فهو يستميل بشفاعته مشاعر أبيه من نحونا، لأنه يقدم نفسه ذبيحة من أجلنا، فهو الذبيحة وهو نفسه الكاهن. هو الوسيط وهو نفسه الضحيّة الفائقة التي بلا عيبٍ، لأنه هو الحمل الذي يرفع خطية العالم[69].]
شتان ما بين الذبائح الحيوانية حسب الناموس وذبيحة المسيح القدوس الذي يقدم نفسه عن خطايا العالم. وكما يقول القديس كيرلس الكبير: [الكهنة بحسب الناموس لا يكفيهم أن يقدموا ذبيحة واحدة، بل بالحري ذبائح كثيرة يقدمونها كل يومٍ عن نفوسهم وعن جهالات الشعب بسبب الضعف المتكرر والتهاون في خطايا متنوعة. وأما الذي هو فوق كل خطيةٍ لكونه إلهًا، فقدّم نفسه وصار لنا رئيس كهنة مدعوًّا بحسب ناسوته خادمًا ليتورجيًّا وذابحًا جسده الخاص لله أبيه[70].]
كما يقول: [لمّا صار اللوغوس مشابهًا لنا، وتألم من أجلنا بالجسد، حينئذٍ دُعي لنا رئيس كهنة، ليس كمن يقدم ذبيحة غريبة عن نفسه، بل بكونه هو نفسه الحمل والمحرقة العقلية واليمامة الناطقة والحمامة النقية، خبز الحياة والمذبح الذهبي[71].]
كثيرًا ما يكرر القديس كيرلس العبارة التالية: [هو الكاهن وهو الذبيحة وهو المذبح[72].]
7. كيف يكون رئيس كهنة وفي نفس الوقت هو غافر الخطايا؟
ما كان يشغل القديس كيرلس الكبير هو الاتحاد الأقنومي للاهوت المسيح مع ناسوته. إذ يقول: [لقد صار رئيس كهنة بحسب ناسوته. ومع ذلك فهو بحسب لاهوته يقبل إلى نفسه الذبائح المقدمة من الجميع. إنه هو نفسه بحسب الجسد الذبيحة، وبحسب سلطان لاهوته غافر خطايانا. وفي كلا الأمرين واحد هو الرب يسوع المسيح[73].]
مرة أخرى يقارن القديس كيرلس الكبير بين كلمة الله المتجسد الذي يقدم نفسه ذبيحة عن العالم وبين كل ذبائح الكهنة عبر التاريخ. لم يجسر كاهن ما أن يقدم ذبيحة وهو جالس بجوار الإله الذي يعبده، بل يقف في خشوعٍ كي يقبل ذبيحته، أما السيد المسيح فهو الواحد مع الآب يجلس عن يمينه وهو نفسه ذبيحة. [إن كان حقًا أن كل كاهن يقف دائمًا أثناء تقديمه الخدمة (الليتورجية) ولا يُحسب قط جليسًا ولا مساويًا في الكرامة مع الله، بل فقط متعبدًا له، فكيف لا يكون المسيح كاهنًا فائقًا فريدًا من نوعه، لأنه في حين تقديمه الخدمة الليتورجية – بحسب بشريته – فهو أيضًا – بحسب لاهوته يجلس على العرش الإلهي[74].]
يقول القديس كيرلس الكبير إن تفسيره هذا ليس من عنده إنما سبق فأعلنه المرتل في المزمور 110 حيث يبرز وحدة طبيعة المسيح. فقد أوضح هذا المزمور أن المسيّا سيكون كاهنًا أبديًّا: "أقسم الرب ولن يندم أنت كاهن إلى الأبد على طقس ملكي صادق (مز 110: 4). وفي نفس الوقت أوضح أيضًا أن هذا الكاهن جالس عن يمن الله في العرش السماوي، إذ قال: "قال الرب لربي اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئًا لقدميك" (مز 110: 1).
هذا الربط بين كهنوت المسيح وجلوسه عن يمين الله، هو حقيقة الاتحاد الأقنومي في التجسد، أي وحدة كيان المسيح البشري الإلهي، فهو الإله المتجسد، له طبيعة التجسد دون أن يفارق اللاهوت الناسوت لحظة واحدة ولا طرقة عين.
يتحدث أيضًا القديس كيرلس الكبير عن كهنوت المسيح والاتحاد الأقنومي، قائلاً: [لأنه في حين تقديمه الخدمة الليتورجية بحسب بشريته فهو أيضًا كإله يجلس على العرش الإلهي[75].] كما قال: [لقد قيل عنه أنه "اجتاز السماوات" (عب 4: 14) جسديًا وإلهيًا بأنٍ واحدٍ. فقد صعد (جسديًا) ليظهر أمام وجه الله (من أجلنا)؟ ومن جهة أخرى فهو يجتاز السماوات (إلهًا) ليجلس كابن مع أبيه فوق كل رئاسة على الرغم من أنه صار مثلنا بحسب التدبير[76].]
8. ماذا يعني الرسول بقوله: "رسول اعترافنا" (عب 3: 2)[77]؟
يرى القديس كيرلس الكبير ماذا كانت غاية صلوات السيد المسيح في حياته على الأرض، [إنه يستميل بذلك أذن الآب لصراخ الطبيعة البشرية.] وأيضًا [ونحن الذين كنا فيه نصلي بصراخٍ شديدٍ ودموع[78].]
يرى في الآية "رسول اعترافنا" (عب 3: 1) أن السيد المسيح كرئيس كهنته صعد كمُرسل عن البشرية كلها ليمثلها لدى الله الآب (عب 6: 20؛ 9: 24). لقد حمل في نفسه اعترافنا أي إقرارنا بالإيمان وجميع أنواع عبادتنا ووحَّدها بذبيحة نفسه ليعطيها قيمة لا نهائية، وصعد بها كرئيس كهنة ليقدمها بالنيابة عنّا لدى الآب.
[لما صار إنسانُا. بحسب قول يوحنا إن الكلمة صار جسدًا (يو 1: 14) – حينئذ جُعل رسولاً من أجلنا ورئيس كهنة لاعترافنا، ليدفع إلى الآب اعترافنا بالإيمان[79].] [فإننا نقول إن الكلمة الذي من الله الآب لما صار إنسانًا، صار يُقدم إلى نفسه وإلى أبيه اعترافنا بالإيمان[80].]
ويفسر القديس كيرلس الكبير العبارة:
"الحق الحق أقول لكم، إن كل ما طلبتم من الآب باسمي يعطيكم" (يو 16: 23)، أن السيد المسيح يؤكد لهم أن ما يطلبونه من الآب باسمه ينالونه [لأن المسيح نفسه سيكون وسيطًا وساعيًا معهم ليقدمهم إلى حضرة الآب، هذا هو معنى عبارة "باسمي". لأننا لا نستطيع أن نتقدم إلى الآب إلا بالابن وحده، لأن به لنا القدوم بروح احدٍ إلى الآب (أف 2: 18). ولذلك أيضًا هو نفسه قال: "أنا هو الباب... أنا هو الطريق... ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي" (يو 10: 9؛ 14: 6)... هذا الأمر لم يختبره رجال العهد القديم لأنه لم يفكر أحد منهم في هذا النوع من الصلاة، بسبب عدم المعرفة. وأما الآن فقد أُعلن لنا بواسطة المسيح في الوقت المناسب، بعد أن أشرق علينا زمان التجديد وتحقق لنا بواسطة كمال كل صلاح[81].
9. ماذا يعني الرسول بقوله: "ليظهر الآن أمام وجه الله من أجلنا" (عب 9: 24)؟
يقول القديس كيرلس الكبير:
[فبأي معنى يظهر الآن أمام وجه الله من أجلنا؟ ألم يكن دائمًا ظاهرًا أمام الله من قبل تأنسه؟ من الواضح أنه كان كذلك، فهو حكمة الله الخالقة التي بها خرجت جميع الأشياء من العدم إلى الوجود، والتي كانت "كل يوم لذّته فرحة دائمًا قدام الله" (أم 8: 30). وأما الآن (فالجديد في الأمر) أنه يظهر أمام الله ليس بعد بصفته اللوغوس المجرد وغير المتجسد، كما كان منذ البدء، بل في شكلنا نحن وفي طبيعتنا نحن، فلذلك نقول إنه يظهر الآن من أجلنا في حضرة الله الآب ليقدم طبيعتنا نحن، تلك التي بالحق صارت مطروحة من أمام الله بسبب مخالفة آدم. فنحن إذن الذين يُحضرنا أمام عيني الآب -في شخصه هو كبدء لنا بصفته قد صار إنسانًا – لكي يقربنا إلى الآب، ويعتقنا من العلل القديمة ويغيِّر أعماقنا بالروح لتجديد الحياة حتى نُحسب مستحقين أيضًا لمعاينة الله الآب بصفتنا قد ارتقينا إلى طقس البنين[82].]
يقول الرسول: "وأما رأس الكلام فهو أن لنا رئيس كهنة مثل هذا قد جلس عن يمين عرش العظمة في السماوات خادمًا (أي مقدمًا الليتورجية) للأقداس والمسكن الحقيقي. الذي نصبه الرب لا إنسان... وقد حصل على خدمة (ليتورجية) أفضل من هرون" (عب 8: 1-6).
كان هرون يخدم في البرية وكانت مناسبة للناموس. أما المسكن الذي يناسب المسيح فهو المدينة البهيَّة التي من فوق أي السماء عينها التي هي الخيمة الإلهية غير المصنوعة بمهارة بشرية، ولكنها إلهية وفائقة. أما واقع خدمته الليتورجية فهي تقديس المؤمنين به بروحه القدوس وتقريبهم للآب كذبائح ماتوا عن العالم ويعيشون بالروح، هذه الخدمة اللائقة به[83].
3. الكنيسة عُرس سماوي لا ينقطع[84]
الكنيسة عروس المسيح
تبنّى الآباء السكندريون وبالأخص أوريجينوس، في تفسيره سفر نشيد الأناشيد، هذا المفهوم الإنجيلي للكنيسة كعروسٍ سماوية للمسيح، إذ وجدوا فيه أساسًا صادقًا للعلاقة بين الله والإنسان.
يقول ر. ب. لاوسون: "تبدو الصورة الرائعة التي رسمها السكندري العظيم لكنيسته المحبوبة نابضة بالحياة، وغنية بالألوان. أفليس من العجيب أن (الكنيسة)، بالنسبة للكثيرين في هذه الأيام، لا تمثل أكثر من هيئه، على خلاف ما تمثلته في ذهن أوريجينوس كعروس سرّية لربنا ومخلصنا[85]".
يقول أوريجينوس: [لا تظن أن العروس، أي الكنيسة، لم توجد إلا بعد قيامة المخلص؛ فهي موجودة قبل تأسيس العالم (أف 4:1)، أي أن أساسات الكنيسة قد أُرسيت منذ البدء[86].]
1. هل الكنيسة عروس سماوية أم مؤسسة اجتماعية؟
يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الكنيسة هي العروس موضوع حب عريسها السماوي المتهلل بها، يبذل حياته ليفتديها. ينزل إليها ليحملها معه إلى سماواته. تجسد وتأنس لكي تنعم بنعمته، فتتمتع بالشركة في سماته الفائقة. إنها العروس السماوية الفريدة! لا تدخل في منافسة مع العالم بمؤسساته المختلفة، وفي نفس الوقت لا تقاوم هذه المؤسسات ولا تستخف بها ولا برسالتها، لكنها كعريسها السماوي تطلب أن تغسل أقدام العاملين فيها بروح الحب والقداسة والتواضع.
سرّ القوة في حياة المؤمن الحقيقي أنه وهو يتحدث بلغة الواقع الذي نعيشه في العالم، يرتبط بالواقع العملي الذي نعيشه مع الله ومع جميع السمائيين أبديًا، لكن بلا ازدواجية. فالكنيسة هنا على الأرض في نظره هي "أيقونة السماء"، حياته هي عربون الحياة السماوية، تهب النفس فرحًا هو عربون السماء. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [الكنيسة سماوية! إنها ليست إلاّ السماء[87].]
[لتكن نفوسنا سماءً... أقصد نتمثل ببولس الذي وهو على الأرض يقضي حياته في السماء! لنعجب إلى أين رفع الكنيسة؟... أقامها في الأعالي، وأجلسها على عرشٍ سامٍ، لأنه حيث يكون الرأس هناك يوجد الجسد أيضًا. لا توجد عزلة بينهما، وإلا فلا يعود الجسد جسدًا[88].]
[في استطاعتنا - إن أردنا - ألا نكون في الجسد، ولا على الأرض، بل نكون في الروح، في السماء. لندخل إلى نفوسنا... إلى السماء، في الروح! لنمكث في سلام الله ونعمته، ولنتحرر من الجسديات، فننعم بالصالحات في المسيح ربنا[89].] [يليق بكم وأنتم خارجون من هذا الموضع أن تعلنوا عنه أنه موضع مقدس. تخرجون كأناسٍ نازلين من السماء عينها، ممتلئين وقارًا وحكمة، ناطقين وعاملين كل شيءٍ بلياقة[90].] [تأملوا هذا التقدم العجيب! إنه يرسل ملائكة إلى البشر، ويقود الناس إلى السماويات. هوذا سماء تقام على الأرض لكي تلتزم السماء بقبول الأرضيين[91].]
[انظروا كيف انطلق بأحاسيسهم إلى السماويات. لأنه كما قُلت، إذ يكرر دائمًا أن لهم ما للمسيح، وفي كل رسائله يركز على هذا الأمر، ليوضح أنهم شركاء في كل شيءٍ مع المسيح؛ لهذا يستخدم الألفاظ رأس وجسد، ويبذل كل ما في وسعه ليقدم لهم (هذا المعنى)[92].] [حين رُفع جسده إلى الأعالي ظهرت الأمور التي في السماء. يليق بنا أن يكون فكرنا ورجاؤنا وتوقعاتنا هناك (في السماء) لئلا نفشل[93].] [ليس شيء مستقر مثل الكنيسة، إنها خلاصكم وملجأكم! عالية أعلى من السماوات، وقريبة أقرب من الأرض. لا تشيخ، بل تبقى مزدهرة دائما... آلاف الأسماء تحاول أن تعبّر عن سموها، كما يُلقب الرب بأسماء كثيرة... إنها عروس في وقتٍ ما، وابنة في وقت آخر، عذراء وأمة وأيضًا ملكة[94].]
2. ما هو دورنا للاستعداد للعرس السماوي؟
يعيش المؤمن كل أيام غربته يتهيأ للعرس الأبدي، سواء في مفاهيمه الإيمانية أو العبادة الجماعية أو الشخصية أو جهاده الروحي أو شركته مع السمائيين أو علاقته بإخوته. [كما أن (قيامة السيد المسيح) حطّمت أبواب الجحيم، وفتحت أبواب السماوات، وقدّمت مدخلاً جديدًا للفردوس، وهدمت حصون الشيّاطين، فلا عجب إن تغلّبت أيضًا على المواد السامة والحيوانات الكاسرة، وما شابهها[95].]
3. هل نتحدث بلغة الكنيسة العروس السماوية؟
الإنسان الكنسي ليس فقط من يتعرف على العبادة الكنسية الجماعية والقوانين الكنسية والتاريخ الكنسي، وإنما يعرف لغة الكنيسة العروس السماوية ويمارسها، كما يعرف إنجيلها وحياتها السماوية. الحب العملي هو لغة السماء، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم إن الحب لله وللقريب، هو جواز سفر به يعبر الإنسان خلال كل أبواب السماء دون عائق. هو ثوب العرس الملوكي السماوي، الذي به يدخل المؤمن السماء كعروسٍ سماويةٍ تبلغ إلى العرش الإلهي لتجد الملك يمد لها قضيب الملك كما حدث مع استير الملكة. فتجلس عن يمين الملك السماوي، وهناك تستقر! الحب هو قانون السماء، ولغة التفاهم فيها. من يسلك بالحب، يتشبه بالله السماوي، فهو "الحب" عينه (1 يو 4: 8). إذ يتحدث القديس يوحنا الذهبي الفم عن الحب خاصة محبة الأعداء كأعلى درجات الفضيلة السماوية يقول: [أرأيتم كيف يصعدنا السيد خطوة خطوة إلى مداخل السماء؟! (مت 46:5)[96]] وإذ يتحدث عن محبة العطاء، يرفع أنظارنا إلى السماء والسماوي، فيقول: [أدعِ يسوع إلى وجبة (طعامك)[97].] [هذا يجعلنا نصير متشبهين بالله: الرحمة والرأفة[98].]
[كلما كان أخونا متواضعًا يأتي المسيح خلاله ويفتقدنا. لأن من يستضيف إنسانًا عظيمًا غالبًا ما يفعل هذا عن مجدٍ باطلٍ... ليتنا لا نطلب القادرين أن يكافئوننا، بل نتبع القول: "فيكون لك الطوبى إذ ليس لهم حتى يكافؤنك". ليتنا لا نضطرب حينما لا يُرد لنا اللطف باللطف، لأننا إن تقبلناه من الناس لا ننال ما هو أكثر، أما إذا لم يُرد لنا من البشر فالله يرده لنا. يليق بك أن تستقبل (الفقراء) في أفضل حجراتك، فإن أحجمت عن هذا، فلا أقل من أن تتقبل المسيح في الحجرات الدنيا حيث يوجد الذين يقومون لك بالأعمال الحقيرة والخدم. ليكن الفقير على الأقل حافظًا بابك، لأنه حيث توجد الصدقة لا يقدر الشيطان أن يقتحمه ويدخل. إن لم تجلس معهم فعلى الأقل أرسل لهم الأطباق من مائدتك[99].] [إن كنا نخجل من هؤلاء الذين لا يخجل منهم المسيح، فنحن نخجل من المسيح نفسه بخجلنا من أصدقائه. لتملأ مائدتك من العرج والمشوهين، فإن المسيح يأتيك خلالهم، لا خلال الأغنياء[100].] [الصدقة أعظم من الذبيحة... إنها تفتح السماوات! فقد قيل: "صلواتك وصدقاتك صعدت تذكارًا أمام الله" (أع 4:10). إنها أكثر أهمية من البتولية، فقد طُردت عذارى خارج حجال العرس (بعدم الصدقة) بينما دخلت عذارى أخريات داخلاً[101].]
4. ما هو الغنى الكنسي السماوي؟
افتقر المسيح الغني، لكي بالفقر ننعم به فيكون هو نفسه كنزنا. كثيرًا ما يتعلق قلب الإنسان بالغنى ويتجاهل واهب الغنى، فنشبه أطفالاً يرتبطون باللِعَبْ التي يقدمها الآباء والأمهات ويتجاهلون مقدميها، لذا كثيرًا ما تُنزع منهم هذه اللعب لا لكي يُحرموا منها، وإنما لكي تتعلق قلوبهم بمن يحبونهم. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إننا نشبه طفلاً يملك لعبة لا تفيده شيئًا، ومع ذلك يفضلها عن أشياء أخرى هامة، فينتزعها عنه والده ولو رغمًا عنه لكي يوجه فكره إلى عملٍ جادٍ. هكذا هو تصرّف الله معنا لكي يقودنا إلى السماء[102].] [أنت هنا لست مالكًا، لأنه بمجرد موتك، إن أردت أو لم ترد، سيأخذ آخرون خيراتك، وبدورهم يسلمونها لآخرين[103].]
5. ما هو الغنى الذي تشتهيه العروس السماوية؟
يقدم لنا القديس يوحنا الذهبي الفم صورة عجيبة من الغنى الفريد الذي يقدمه الله للمؤمن، فإن الله السماوي في حبه للإنسان عهد إليه بأعمالٍ فائقة، ليؤهله للحياة السماوية. فما هو هذا الغنى الذي يقدمه العريس السماوي لعروسه؟
أ. صنع لنا جسدًا من التراب، ووهبنا بروحه القدوس أن نسمو به إلى السماء.
ب. وهبنا جسداً جميلاً، وأوكل إلينا أن نصنع بروحه القدوس نفسنا جميلة.
ج. سمح بوجود الشيطان، ووهبنا أن نسخر به كعصفورٍ لا حول له ولا قوة.
د. أوقد مصابيح السماء، وها هو يوكل إلينا أن نقدم نور معرفته لإخوتنا.
ه. خلق الطغمات السمائية المُمجدة ووهبنا أن نكون شركاء طبيعته الأمر الذي يدهش السمائيين.
و. أعطانا أن نتناول جسده ودمه ونصير واحدًا معه.
6. كيف تهلل القديس يوحنا المعمدان بالكنيسة عروس المسيح؟
تقدم بعض تلاميذ يوحنا الذين في محبتهم لمعلمهم وغيرتهم إليه "جاءوا إلى يوحنا وقالوا له: يا معلم، هوذا الذي كان معك في عبر الأردن، الذي أنت قد شهدت له هو يعمد، والجميع يأتون إليه" (يو 3: 26). ظنوا أن ممارسة تلاميذ المسيح للمعمودية إهانة لمعمودية يوحنا، كما لو وجدت منافسة بين الفريقين. لم يرتبك يوحنا ولا اضطرب، بل بروح الفرح والتهليل أعلن أن ما يمارسه يسوع المسيح إنما هو من السماء. لقد وجد الفرصة سانحة لتأكيد وتوضيح شهادته للسيد المسيح ولعروسه الكنيسة.
أجابهم القديس يوحنا: "من له العروس فهو العريس، وأما صديق العريس الذي يقف ويسمعه، فيفرح فرحًا من أجل صوت العريس. إذًا فرحي هذا قد كمل" (يو 3: 29). تهلل القديس يوحنا المعمدان لأن العروس تعرفت على عريسها والتصقت به. يعلن القديس يوحنا المعمدان فرحه بمجيء العريس الإلهي والتصاق العروس به، وهو في هذا يعَّبر عن مشاعر رجال الله في العهد القديم نحو العُرس. يعبر القديس غريغوريوس أسقف نيصص في تفسيره نشيد الأناشيد عن هذه الحقيقة، فيقول: [إن الذين يخدمون الخطيبة البكر ويلازمونها هم البطاركة والأنبياء ومعلمي الناموس. إنهم يقدمون للعروس هدايا العرس، كما كانت. (من أمثلة هذه الهدايا: غفران المعاصي، ونسيان الأعمال الشريرة، وغسل الخطايا، وتغيير الطبيعة، أي تصير الطبيعة الفاسدة طاهرة، والتمتع بالفردوس وكرامة ملكوت اللّه، والفرح اللانهائي). عندما تتقبل العروس كل هذه الهدايا من النبلاء الحاملين لها والذين يقدمونها خلال تعاليمهم النبوية حينئذ تعترف باشتياقاتها، ثم تسرع لتتمتع بامتياز جمال الواحد طالما اشتاقت إليه. يصغي خدام البتول ومرافقوها إليها ويحثونها بالأكثر لاشتياق متزايد. ثم يصل العريس قائدًا جوقة من المغنين فيما بينهم أصدقاؤه والذين يترجون خيره. هؤلاء يمثلون الأرواح الخادمة التي تنقذ البشر الأطهار. عند سماعهم صوت العريس يفرحون (يو 29:3)، إذ يتحقق الاتحاد الطاهر وتصير النفس الملتصقة بالرب روحًا واحدًا معه كما يقول الرسول (1 كو 17:6)[104].] يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كأن يوحنا المعمدان قال: إنني كنت أتألم كثيرًا لو لم يحدث هذا. لو كانت العروس لم تتقدم إلى عريسها، لكنت أتوجع وأغتم، لكنني لست أغتم الآن إذ كملت آمالي، وقد تحقق كل ما تمنيناه، وقد عرفت العروس عريسها، وأنتم شهدتم بذلك، وإذ رأيت هذا المطلب قد تحقق لذلك أسرّ وأبتهج.]
7. ما هي العلامات المميزة للعروس السماوية؟
أولاً: الفرح السماوي. الحياة الكنسية الفاضلة أيقونة الحياة السماوية التي لن يتسلل إليها قلق أو اضطراب، بل يحيا المؤمن في سلام الله الذي يفوق كل عقلٍ، وينعم بالفرح السماوي الذي يسكبه روح الله القدوس على النفس التي تنشغل بعُرسها السماوي. أما الأشرار إذ يحرمون أنفسهم من الحياة الكنسية السماوية، فلا يتمتعون بالشركة مع العريس السماوي، بل يسمعون الصوت النبوي: "لا سلام قال الرب للأشرار (إش 48: 22)".
إذ يرفع المؤمن قلبه إلى السماء لن يرى ملاكًا مضطربًا، أو في خصومةٍ مع آخر، بل يعيش الكل معًا في سلامٍ فائقٍ. هكذا يتشبه بهم، فلا يسمح لقلقٍ ما أو غضبٍ أن يتسلل إلى قلبه أو فكره. بهذا يتأهل للعرس السماوي. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [الفرح الحقيقي هو فرح الحياة الأخرى، حيث لا تتعذب النفس وتتمزق بالشهوة[105].] ["نحن الذين لنا باكورة الروح، نحن أنفسنا أيضًا نئن في أنفسنا متوقعين التبني فداء أجسادنا" (رو 23:8). لأن من لديه هذا الاشتياق لا يمكنه أن ينتفخ بالأمور الصالحة التي تخص هذه الحياة، ولا أن يرتبك بأحزانها؛ كما لو كان يسكن في السماوات عينها، ومتحررًا من كل نوعٍ من الاضطراب[106].]
ثانيًا: الحياة المتواضعة كسلم للسماء. تنطلق نفوس المؤمنين الحقيقيين نحو السماء يومًا فيومًا بروح التواضع ليلتقوا مع عريسهم المتواضع، القائل: "تعلموا مني لأني وديع ومتواضع القلب، فتجدوا راحة لنفوسكم" (مت 11: 29). يشجعنا القديس جيروم على الجهاد لنوال مجد أعظم في الحياة الأبدية كبيت الزوجية السماوي بالتواضع، قائلاً: [لو أننا جميعًا نكون متساوين في السماء، فباطلاً نتواضع هنا لنصير عظماء هناك[107]".] ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [هذا هو ملخص خلاصنا: ذاك الذي يطلب هذه الفضيلة (التواضع)، فإنه وإن كان في شِبَاك الجسد يقدر أن ينافس القوى غير المادية، وأن يتحرر من أي التصاق بالحياة الحاضرة... فمن يحمل نير المسيح ويتعلم أن يكون وديعًا ومتواضع القلب يقتفي آثار السيد، ويعلن كل فضيلة في كل طريقٍ[108].] كما يقول: [إذا كانت خطية التبرج استلزمت عقاب النساء العالميات في زمن العبرانيين وتحت الناموس القديم (إش 16:3)، فماذا نقول عن النساء اللواتي يتبعن ناموس النعمة، وهن من أهل مدينة السماء، والمفروض فيهن تقليد عيشة الملائكة؟[109]]
ثالثًا: الالتزام بروح المسئولية في كل ما نؤتمن عليه. حياتنا هي مدرسة إلهية خلالها نتعلم ونتدرب على الحياة السماوية الجادة في كل اتجاهات حياتنا، كعروس سماوية.
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يليق بنا أن نُظهر ضبطًا للنفس بصورة أعظم لنقترب إلى مثل هذه المائدة، مهتمين بالروحيات، وحاسبين الأمور الملموسة أمورًا ثانوية بالنسبة لها[110].]
كما يقول: [أريدكم أن تحفظوا أذهانكم في هذه الأمور على الدوام (كو 1:3). فإن اهتمامنا بها يحررنا من الأرض، وينقلنا إلى السماء[111].] وأيضًا يقول: [من الممكن حتى ونحن نسكن هنا أن نفعل كل شيءٍ، كما لو كنا قاطنين سلفًا في الأعالي[112].]
رابعًا: إدراك من هما طرفي المعركة الروحية. إذ نُدعى للعرس السماوي لنذكر ما قيل عن عريسنا السماوي: "تقلد سيفك على فخذك أيها الجبار جلالك وبهاءك" (مز 45: 3).
إن معركتنا مع إبليس في الواقع طرفاها هما الله السماوي وإبليس المنحدر إلى الجحيم. الله في حبه للإنسان يريد أن يرفعه إلى سماواته، واهبًا إيّاه قوة الغلبة والنصرة كجنديٍ صالحٍ (2 تي 2: 3). ومن جهة أخرى فإن إبليس بروح الحسد يبذل كل جهده ليُحطم الإنسان حتى لا يشتهي السماء، ويحطم رجاءه فيها، مستخدمًا كل وسيلة ليستعبده ويسحبه إلى نيران جهنم الأبدية. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [انظروا كيف وضع الشيطان نفسه في صفٍ ضد الله؟! أو بالأحرى ليس ضد الله غير المحتجب، بل ضد الله المحتجب في طبيعة الإنسان[113].]
خامسًا: الالتزام بحياة الصلاة والتسبيح. يليق بالمؤمن أن يكون على علاقة دائمًا مع عريس نفسه، أينما وُجد. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [تستطيع أن تضبط أفكارك وتسبح الله دون أن يسمعك آخر، حتى إن كنت في السوق. فقد صلى موسى هكذا وسُمع له، إذ قال الرب: "لماذا تصرخ إليّ؟" (خر 14: 15) مع أنه لم ينطق بشيءٍ، وإنما صرخ في فكره بقلبٍ منسحقٍ، حيث سمعه الله وحده، فليس ثمة ما يمنع من أن يصلي الإنسان وهو يسير في الطريق، فيسكن في الأعالي[114].]
كما يقول: [لا شيء يعطي للنفس أجنحة، وينزعها عن الأرض، ويخلصها من رباطات الجسد، ويعلمها احتقار الأمور الزمنية مثل التسبيح بالنغمات الموزونة.]
سادسًا: حفظ الأعياد بفكرٍ روحي. نحسب يوم الرب كعيدٍ أسبوعي، نلتصق فيه بعريسنا بقوة لنكمل بقية أيام حياتنا كما في عيدٍ لا ينقطع. كان كل يهوديٍ يلتزم أن يحتفل بالسبت كيوم الرب.
وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم إن السبت كان عند كثيرين منهم هو مجرد امتناع عن العمل، لكي يدرك المؤمن أنه قد تحرر من عمل العبودية الذي عاناه الشعب قديمًا في مصر، أي انسحاب من عمل اللبن الذي كان نوعًا من الإذلال، أو هو خروج مستمر للانطلاق من العبودية إلى أرض الموعد. أما السبت الجديد عند المسيحي فهو دخول إلى أرض الموعد للتمتع بالعُرس والتنعم بالمواعيد الإلهية. إنه ليس توقفًا عن عمل العبودية فحسب، وإنما هو تمتع بقوة القيامة مع المسيح وممارسة العمل الروحي المفرح في أرض كنعان.
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يلزمنا ليس فقط أن نخلص من مصر (رمزيًا)، وإنما أن ندخل أرض الموعد[115].] [الحياة بالنسبة للمسيحيين هي عيد متواصل[116].]
سابعًا: العبادة الكنسية بفكرٍ روحيٍ. إن كان الإنسان الكنسي الحقيقي يعيش في سبتٍ دائمٍ أو في عيدٍ سماويٍ مستمرٍ، فمن جانب آخر، فإن شركته في العبادة الكنسية تدخل به إلى خبرة الحياة السماوية. هذه الخبرة وإن تذوقها بالأكثر أثناء القداس الإلهي، لكنها تمتد كل أيام حياته. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [أقام الله رأسًا واحدًا للملائكة والناس. بتجسده جمع البشر أعضاءً فيه، وبكونه كلمة الله جمع الملائكة خلال هذا الرأس الواحد... إذن لنتمثل بحياة الملائكة وفضائلهم ونهتدي بهم[117].]
ثامنًا: احتمال الأحزان الحاضرة من أجل المسيح السماوي. يقول الرسول بولس: "فلنخرج إذًا إليه خارج المحلة حاملين عاره" (عب 13: 13). يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ستكون أحزاننا الحاضرة تافهة ومستقبلنا مجيدًا إن حوّلنا نظرنا عن المنظورات، وركزنا على الروحيات عوضًا عنها. أي عذر نقدمه إن اخترنا الأمور الوقتية عوض الأبدية؟ حتى إن كان الحاضر فيه متعة، فإنه لن يدوم، بينما الحزن الذي يسببه يدوم. لا يمكن للذين يتمتعون بعطيةٍ عظيمةٍ هكذا أن يتذللوا ويسقطوا أمام أمور هذه الأرض[118].] كما يقول: [تأملوا أيها الأحباء الأعزاء متاعب الحياة، حتى إن كانت قاسية، فإنها لمدة قصيرة الأمد، أما الصالحات التي تحلّ بنا في الحياة العتيدة فهي أبدية وباقية... لهذا ليتنا نحتمل ما يعبر دون شكوى، ولا نكف عن الجهاد في الفضيلة حتى نتمتع بالصالحات الأبدية والباقية إلى الأبد[119].]
تاسعًا: حفظ بتولية القلب. يقول الأب قيصريوس أسقف آرل: [تُعرف نفوس كل الرجال والنساء أنها عروس المسيح، إن كانوا راغبين في حفظ الطهارة الجسدية وبتولية القلب. إذ يُفهم المسيح أنه عريس نفوسهم وليس أجسادهم البشرية[120].]
8. كيف حمل زواج يعقوب رمزًا للكنيسة العروس؟
يرى مار يعقوب السروجي أن الأبرار احتفلوا بطريق ابن الله المتجسد ربنا يسوع المسيح بأفعالهم وأخبروا عنه. أحب يعقوب راحيل وخطبها، وهي تمثل الكنيسة العروس الجميلة، كما تزوج ليئة التي تمثل جماعة اليهود، والتي حلت محل راحيل بعد أن خدعه لابان (تك 29). أبرز مار يعقوب السروجي الآتي[121]:
أولاً: تقدست راحيل بنت الوثنيين بخطيبها يعقوب. [(خُطبت) تلك التي تربت بين أصنام الوثنية لهذا الغني بالبركات وبالإيحاءات. تتقدس المرأة غير المؤمنة بالرجل المقدس كما كتب بولس هذه الحقيقة (1 كو 7: 14). صارت قديسة بسبب يعقوب، فكم تتبرر كنيسة الشعوب برب يعقوب! كيف أن خبر ليئة بغيضة العينين هو مُهمل، ولماذا يا ترى إلا لأجل السرّ الذي تمّ فيها؟ كيف أن راحيل أختها تنتصر بين القراءات، لأن جمال الكنيسة اختبأ فيها، ولهذا نصرتها عظيمة! كيف أن خبر يعقوب مملوء عجبًا، لأنه يشبه ربه، ولهذا فهو عظيم في الكتب.
ثانيّا: [انظر إلى يعقوب وهو يمشي بالفقر، كم كان يشبه الابن الذي أخلى نفسه وتنازل... خرج من بلده ليأتي إلى حاران بالفقر، فتبعته الأسرار لتكمل فيه تجلياتها. وصل إلى البئر ليس (بئر) الماء، لكن (بئر) الأسرار، فلو نظرتَ: فهو مملوء أسرارًا أكثر من الماء. وجده مغلقًا ولا يصعد منه السقي ويحيط به قطعان الغنم والرعاة. وجد هناك حجرًا عظيمًا موضوعًا على فمه، والقطيع عطشان وينتظر أن يُزاح الحجر (تك 29: 2)... وقف يعقوب ونظر إلى القطعان التي أحرقها العطش، ولا توجد قوة لرفع الحجر وارتوائها. ولما كان واقفا أتت راحيل عند القطيع، وحالما رآها قلَبَ الحجرَ ليشرب القطيع... كان سرّ الكنيسة موضوعًا في وجهها كالبلور، وتاق يعقوب خطيبها العادل إلى محياها. جماعة الشعوب رشّت جمالاً على بنت الوثنيين حتى يراها يعقوب ويستيقظ على الانتصار... كل القطعان شربت بسبب راحيل، وبجمالها ومحبتها وبهائها صارت سببًا (للشرب).]
ثالثًا: قًبِلْ يعقوب راحيل باكيًا ليرمز إلى آلام الابن. [يا ابني لا تظن بأن يعقوب اشتهاها (تك 29: 11) جسديًا، لأنه لما قبّلها كان يبكي بكاء بألمٍ عظيمٍ. لو كانت شهوة لما كان يسكب الدموع هناك، لأن البهجة تلد الشهوة بحرارتها. الألم يلد الحزن والكآبة، وحيثما يوجد البكاء لا توجد الشهوة مطلقًا. إذًا يعقوب لم يكن ملتهبًا بالشهوة، لكنه كان يضطرم بألم أسرار الابن.]
رابعًا: ساعد سرّ الابن يعقوب ليزيح الحجر الكبير. [لو لم ينزل هذا السرّ مع يعقوب لما كان الرجل العادي يقلب هذا الحجر العظيم... ظِل الراعي العظيم استقر عليه وخاف من قوته جميع الرعاة.]
خامسًا: استقبل لابان يعقوب واتفقا على الأجرة وهي الزواج من راحيل. [استقبل الوثني الرجلَ العادل بقلبٍ صالحٍ، وبدأ يشترط معه على عمله. قال لابان: ما هي أجرتك لتكون معروفة، لأنه لا يحسن أن تعمل مجانًا مادمتَ عندي؟ (تك 29: 18) قال يعقوب: اشتغل معك لأجل راحيل، زوّجني بنتك الصغرى وهذه أجرة صالحة... اشتغل معك سبع سنين لأجل راحيل، ولا تعطني شيئًا آخر سواها... هنا تحقق كل نمط ربنا لأنه أعطى نفسه للتعب العظيم من أجل الكنيسة. استسلم ابن الله للآلام بمحبته، ليخطب بضرباته الكنيسة التي كانت مُطلّقة. تألم على الصليب لأجل هذه الساجدة للأصنام، لتصير خاصته بقداسةٍ. قَبِلِ أن يرعى كل أغنام البشر بعصا الصليب العظيم وهو يتألم. قبل أن يرعى الشعوب والعوالم والطغمات والجموع والمواضع ولتُردّ إليه الكنيسة فقط.]
سادسًا: تزوج يعقوب من ليئة بدل راحيل. [انتهى الوقت لتُدفع الأجرة للراعي، فتحايل لابان بالخداع ليكذب عليه... صار عرس ليفرح الختن بالعروس التي خطبها، وبدل راحيل دخلت ليئة بمكر أبيها... في الصباح انفضحت حيلة لابان، واتضح المنظر البغيض الذي كان مُغطى... أخفى المساء العروسَ وأعطاها بحيلة، وكشفها الفجر (تك 29: 25)، ليراها الختن ويحتقرها... بحيلته وضع اسمَ الجميلة على القبيحة، فتزينت العروستان بجمالٍ واحدٍ.]
سابعًا: اكتشف يعقوب حيلة لابان وطالب براحيل. [أين هي راحيل التي خدمتك لأجلها، أنا لم اطلب ليئة ودخلت عندي دون أن أدري؟ قال لابان: هذه عادة كل بلدنا: لا تُعطى الصغيرة قبل الكبيرة. لا امنع عنك راحيل أيضًا لو شئتَ فخذْ كلتيهما دون أن يتغير ناموسنا. قبل يعقوب أن يأخذ الاثنتين من بيت لابان... هنا تحقق سرّ الجماعتين بالأختين اللتين كانتا قد أُعطيتا لرجلٍ واحدٍ. رُسم الشعب والشعوب بليئة وراحيل، ووُصفت الجماعة والكنيسة بالأختين. دعا الله جميعَ الشعوب إلى الزيجة معه، إذ لا يوجد شعب على الأرض ليس خاصته... بذلك البرقع الذي بسطه موسى على وجهه صُور غطاء ليئة الكبرى... نظرت إلى العجل ودعته ربّا، لأنها كانت عمياء ولم يكن لها بصر ليميز الحقائق. هذه المحرومة من البصر دخلت أولاً، وكانت الكنيسة البهية قد تُركت مثل راحيل. كانت مغطاة بموسى ولم يعرف أحد بأنها عمياء وكانت تُرى كأنها جميلة بفضل الغطاء. صاحبة البصر مستترة في الشعوب وليست معروفة، والقبيحة كلها مغطاة وتدخل إلى بيت الله.]
ثامنًا: ليئة رمز اليهود التي تعرفت على الله أولاً ثم راحيل رمز كنيسة الأمم. [هذا الشعب كان البكر عند الله، وإذ كانت بنت الشعوب جميلة، فإنها قد تُركت. لم يكن يليق أن تدخل الصغيرة قبل الكبيرة، ويشهد لابان الذي أعطى ليئة بدل راحيل. أخرجها موسى من مصر في منتصف الليل، لئلا يرى أحد كيف أن العروس التي جلبها ليست جميلة. خرجت في الليل كما أن ليئة دخلت في الليل، ففضح الصباح الأمر... راحيل الصغيرة والكنيسة الشابة اللتان كانتا جميلتين دخلتا في النهاية لأن النور أظهر جمالهما. خطب يعقوب صاحبة المنظر، وبهية الجمال، ومحبوبة المحيا، وحسنة الوجه، والمجيدة في كل شيءٍ. لقد أعطوه قبيحة العينين، وكليلة البصر، ومجعدة المنظر، وكئيبة الوجه، والمملوءة عيوبًا. ربنا أيضًا خطب الكنيسة الكبرى بنت الملوك، وعارفة الآب، والساجدة للابن، والقابلة للروح. وأعطوا له أيضًا جماعة الشعب الساجدة للأصنام، وصائغة العجل، وناكرة الآب، وصالبة الابن... راحيل لم تدخل عند البار بالمكر، والكنيسة لا تقوم عند القدوس بحجابٍ. وجه الكنيسة بهي بجمالها أكثر من راحيل، ودخلت صباحًا ليرى كل واحدٍ كيف أنها بهية[122].]
9. لماذا دُعيت الكنيسة الابنة المقدسة؟
إن كانت قد دُعيت عروس المسيح لكي يسود فرح الروح حياتها حتى في وسط آلامها وجهادها، وفي معركتها ضد إبليس، ففي المزمور 45 يدعوها الابنة الملكة، التي تأتي إلى الملك وفي إثرها عذارى صاحباتها. يقول المرتل: "اسمعي يا ابنة وانظري، وأميلي أذنك وانسي شعبكِ وبيت أبيكِ. فيشتهي الملك حُسنكِ لأنه هو سيدك فاسجدي له. كلها مجد ابنة الملك في خدرها منسوجة بذهب ملابسها. بملابس مطرزة تحضر إلى الملك في إثرها عذارى صاحباتها مقدمات إليك. يحضرن بفرح وابتهاج يدخلن إلى قصر الملك" (45: 10، 13-15).
كابنة تلتزم بالآتي:
أ. حفظ الوصايا الإلهية.
ب. تميل بأذنها وتطلب أن تنال موهبة الفهم بروح التواضع.
ت. تترك أباها القديم إبليس.
يقول القديس باسيليوس الكبير: ["اسمعي يا ابنتي وانظري وأميلي أذنك" (مز 45: 11) الدعوة مُقدَّمة للكنيسة، لتسمع وتحفظ الوصايا، يناديها الله "ابنتي"، لتكون لها دالة عنده، لقد جعلها ابنته من مُنطلَق حُبِّه. "اسمعي يا ابنتي وانظري". "انظري" تفيد أنه أراد أن يُدَرِّبها على الفهم والتأمل. يقول لها تَمَعَّني في الخليقة، وانظري النظام الذي تسير عليه، ومنه ارتفعي للتأمل في خالق هذه الطبيعة.
ثم يدعوها أن تتخلَّى عن كبريائها في وضع انحناء رقبتها عندما تميل الأذن لتسمع. فلا تجري وراء الأساطير الخارجية، ولكن اسمعي للصوت الوديع الذي تحويه كلمة الإنجيل. أميلي أذنك نحو هذه العقيدة، كما هي، لتنسي العادات السيئة وتعاليم أبيكِ. لذلك: "انسي شعبك وبيت أبيكِ" (مز 45: 10) "لأن من يفعل الخطية هو (مولود) من إبليس" (1 يو 3: 8). انزعي عنك إذن تعاليم إبليس، وأنسي تقدماته، والجولان في المساء، والأساطير التي تشعل نار الزنا وكل العادات الباطلة.
دعوتكِ "ابنتي" لكي تبغضي أباكِ الأول الذي ولدكِ لهلاكك، فإن نسيتيه تنفصلي عن آثار تعاليمه الخاطئة، وعندئذ تستردين مجدي الأصلي، فيشتهي الملك العريس حُسنَكِ[123].]
ويقول القديس جيروم: [في هذا المزمور يتحدث الله عن النفس البشرية أنها إذ تقتدي بإبراهيم يلزمها أن تخرج من أرضها ومن عشيرتها، وأن تترك الكلدانيين أي الشياطين (العبادة الوثنية) وتسكن أرض الأحياء التي يقول النبي عنها في موضع آخر: "وأنا أومن أني أُعاين خيرات الرب في أرض الأحياء" (مز 27: 13). لكن لا يكفي الخروج من أرضكم ما لم تنسوا شعبكم وبيت أبيكم، أي إن لم تحتقروا (شهوات) الجسد، وتلتصقوا بالعريس في عناق وطيد وثيق[124].]
ويقول: الأب قيصريوس أسقف آرل: [إننا مدعوون من الله الآب خلال مبادرة مباركة مغبوطة أن نهجر أبانا الشيطان. حقًا إننا نترك أبانا الشيطان شريطة الاستعانة بالله، والجهاد الدائم أن نتحاشى شره المخادع ونهرب منه[125].] ويقول الأب بفنوتيوس: [بالنسبة للشخص الذي يقول: "اسمعي يا ابنتي"، يكون لها بمثابة أب. إنه يشهد أن الذي يحثها على نسيان بيتها وشعبها هو أب لابنته، ويتم ذلك بموت الإنسان مع المسيح عن اهتمامات هذا العالم. يقول الرسول: "ونحن غير ناظرين إلى الأشياء التي تُرى، بل إلى التي لا تُرى، لأن التي تُرى وقتية، وأما التي لا تُرى فأبدية" (2 كو 4: 18). وإذ ننطق قلبيًا من هذا البيت المنظور الزمني نوجّه أعيننا وقلوبنا إلى ذاك الذي نبقى فيه إلى الأبد، ونحقق ذلك إذا ما كنا ونحن نتحدث في الجسد لا نعود بعد في حربٍ مع الرب حسب الجسد، معلنين بالقول والفعل حقيقة قول الرسول الطوباوي: "سيرتنا نحن هي في السماوات" (في 3: 20)[126].]
10. ما هو خاتم الزواج الذي يقدمه العريس السماوي؟[127]
يصور لنا القديس يوحنا الذهبي الفم في العظة الثانية عن أتروبيوس أن مخلصنا يسوع أخذ المرأة الخاطئة (وهي تشير إلى نفوس الخطاة التائبين لو 7: 37 الخ)، وخطبها لنفسه ودخل معها في حوارٍ رائعٍ. وماذا قدَّم لها؟ خاتم الزواج. وما هو معدن الخاتم؟ الروح القدس. إذ يقول بولس: "ولكن الذي يثبتنا معكم في المسيح، وقد مسحنا هو الله، الذي ختمنا أيضًا، وأعطى عربون الروح" (٢ كو ١: ٢١، ٢٢). لقد أعطاها الروح القدس.
[بعد ذلك قال (على لسان العريس): ألم أغرسك في الفردوس؟، فتجيبه "نعم".
ثم يسأل: وكيف سقطتِ من هناك؟ تجيبه: "الشيطان جاء، وطردني من الفردوس".
فيقول لها: "لقد غرستكِ في الفردوس والشيطان طردك، انظري فإنني أغرسك فيَّ أنا. إنني أسندك فلا يعود الشيطان يقدر أن يجسر ويقترب إليكِ. إذ لا أرفعك إلى السماء، بل إليّ حيث ما هو أعظم من السماء. أحملكِ في نفسي أنا هو رب السماء. الراعي يحملك فلا يقدر الذئب أن يقترب إليكِ بعد، أو بالحري لا أسمح له أن يقترب إليك". هكذا حمل الله طبيعتنا وإذا اقترب إليه الشيطان هلك. لذلك يقول لكِ الرب: ها أنا قد غرستكِ فيّ، أنا الأصل، وأنتم الأغصان (يو ١٥: ٥). لقد غرسها فيه.]
11. كيف ينزع العريس السماوي نجاستها؟[128]
[إنها تقول: لكنني خاطئة ونجسة. يقول لها الرب يسوع: لا تضطربي بسبب هذا فإنني طبيب. إنني أعرف الإناء الذي ليّ، وأعرف كيف فسد، فأعيد تشكيلكِ بواسطة جُرن المعمودية مُسَلِّمًا إياكِ لعمل النار.
تأمل! لقد أخذ الله ترابًا من الأرض وخلق الإنسان وشكله، لكن جاء الشيطان وأفسده. عندئذ جاء الرب وأخذه مرة أخرى وعجنه من جديد وغيَّر شكله في المعمودية، ولم يعد بعد ترابيًا بل ذا صلابة شديدة. لقد خضع التراب اللين (الطين) لنار الروح القدس "سيعمدكم بالروح القدس ونار" (مت 3: ١١). يتعمد الإنسان بالماء لكي يتشكل، وبالنار لكي يتقوى، لذلك فإن النبي يتنبأ بحسب الإرشاد الإلهي قائلاً: "مثل آنية الخزاف يسحقهم" (مز ٢: 9)...
وحتى تتأكد أنني لا أنطق بكلمات فارغة، اسمعْ ما يقوله أيوب: "اذكر أنك جبلتني كالطين" (أي ١٠: ٩)، وما يقوله بولس: "ولكن لنا هذا الكنز في أوانٍ خزفية" (٢ كو ٤: ٧). لكن تأمل قوة الإناء الترابي، إذ صار قويًا بواسطة الروح القدس.
انظر كيف أكَّد الرسول أنه إناء ترابي، قائلاً عنه: "خمس مرات قبلت أربعين جلدة إلاَّ واحدة، ثلاث مرات ضُربت بالعصي، مرّة رُجمت" (٢ كو ١١: ٢٤ الخ). ومع هذا فإن الإناء الترابي لم ينكسر. "ليلاً ونهارًا قضيت في العمق". لقد كان في العمق، لكن الإناء لم يفسد. عانى من انكسار السفينة، لكن الكنز لم يُفقد. كانت السفينة تغرق، لكن الحمولة طفت. يقول: "ولكن لنا هذا الكنز"... يسنده الروح القدس والبرّ والتقديس والخلاص.
وما طبيعته؟ "باسم يسوع الناصري قم وامش" (أع ٣: ٦). "يا اينياس يشفيك يسوع المسيح" (أع ٩: ٣٤). "أنا آمرك باسم يسوع المسيح أن تخرج منها" (أع ١٦: ١٨).
هل رأيت كنزًا كهذا أكثر بريقًا من الكنوز الملكية؟! هل تقدر جواهر الملك أن تفعل مثلما تفعل كلمات الرسول؟!... "ولكن لنا هذا الكنز". يا له من كنز ليس فقط محفوظًا، إنما يحفظ المسكن الذي يوجد فيه. هل تفهم ما يقول؟ إن ملوك الأرض وحكامها عندما يكون لهم كنوز يجهزون لها أماكن عظيمة للتخزين: من حصون عظيمة وقضبان وأبواب وحواجز للوقاية، ومزلاج... هذا كله لكي يحفظوا الكنوز. أما المسيح فصنع العكس، إذ لم يضع الكنز في آنية حجرية (حتى تحميه)، بل في إناء خزفي (لكي يحميه الكنز). إن كان الكنز عظيمًا، فهل لهذا السبب يجعل الإناء ضعيفًا؟! لا... بل لأن الكنز لا يحفظه الإناء، بل هو الذي يحفظ الإناء.
إنني أودع الكنز (في الإناء الضعيف)، فمن يقدر أن يسرقه من هناك؟! الشيطان يأتي، والعالم يأتي، والجموع تأتي، ومع ذلك لا يسرقون الكنز، فالإناء قد يُنكَل به، أما الكنز فلا يُفقَد. قد يغرق الإناء (الجسد) في البحر، لكن الكنز لا يغرق. الإناء قد يموت، أما الكنز فيحيا، لذلك فهو يعطي حرارة الروح.]
12. ما هو مهر العروس؟[129]
[تأمل! "الذي يُثَبِّتنا معكم في المسيح وقد مسحنا هو الله الذي... أعطى عربون الروح في قلوبنا" (٢ كو ١: ٢٢). أنتم تعلمون أن العربون هو جزء صغير من الكل، دعوني أخبركم معنى العربون.
قد يذهب شخص ليشتري منزلاً بثمنٍ عالٍ، فيقول له البائع "أعطني عربونًا حتى أثق فيك". وواحد يذهب ليتخذ له زوجة فيدفع لها مهرًا. فحيث أن المسيح قد عمل عقْدًا معنا (إذ سيَقْبلنا عروسًا له) لذلك عيَّن المهر ليّ، لا بمال بل من الدم. ولكن هذا المهر الذي عيَّنه هو عربون لأشياء صالحة، "ما لم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على بال إنسان" (1 كو 2: 9).
لقد عيَّن هذه كمهر وهي: الخلود، وتسبيح الملائكة، والتخلص من الموت، والتحرر من الخطية، وميراث الملكوت الذي ثروته عظيمة هذا مقدارها، والبرّ، والتقديس، والخلاص من الشرور الحاضرة، واكتشاف البركات المُقْبِلة، عظيم هو مهري!
جاء يأخذ الزانية، لأنه هكذا أدعوها أنها نجسة، حتى تدرك مقدار حب العريس. لقد جاء وأخذني وعيَّن لي مهرًا، قائلاً: "أعطيك غناي". كيف ذلك؟ يقول: هل فقدت الفردوس؟ خذه مرة أخرى. خذ كل هذه الأمور، ومع ذلك فإنه لا يُعطي لي كل المهر هنا.]
13. أما يعطينا هنا شيئًا من المهر؟[130]
[تأمل...! فإنه كفَّل ليّ في المهر قيامة الجسد، والخلود. لأن الخلود لا يتبع دائمًا القيامة. بل إن الاثنين متمايزان، فكثيرون قاموا، لكنهم رقدوا مرة أخرى، مثل لعازر وأجساد القديسين (يو ١١؛ مت ٢٧: ٥٢). لكن الوعد هنا ليس كذلك، بل وعد بالقيامة والخلود والتَمَتُّع بشركة الملائكة، واللقاء بابن الإنسان على السحاب، وتحقيق القول: "وهكذا نكون كل حينٍ مع الرب" (١ تس ٤: ١٧)، والتخلص من الموت، والتحرر من الخطية، والتخلص التام من الهلاك.
من أي نوعٍ هذا المهر الذي "ما لم ترَ عين، وما لم تسمع أذن، ولم يخطر على بال إنسان، ما أعده الله للذين يحبونه" (1 كو 2: 9). هل تعطيني أشياء حسنة لا أعرفها؟! نعم، فقط لتُخطب ليّ ها هنا، ولتحبني في هذا العالم.
ولماذا لا تعطيني المهر هنا؟ سأعطيه لك عندما تأتي إلى أبي، وتدخل المكان الملكي. فهل أنت أتيت إليّ، لا بل أنا (يسوع) جئت إليك. لقد أتيت إليك، لا لتقطن عندك، بل لكي آخذك معي وأرجعك. فلا تطلب مني المهر عندك في هذه الحياة بل لتكن معتمدًا على الرجاء والإيمان.
أما تعطيني شيئًا في هذا العالم؟ يجيب: أعطيكِ هنا "الغيرة" حتى تثقي فيّ فيما يختص بالأمور المقبلة، وأعطيكِ خاتم الخطبة وهدايا الخطبة. لذلك يقول بولس: "لأني خطبتكم" (٢ كو ١١: ٢). أما هدايا الخطبة فهي البركات الحاضرة التي تشوقنا إلى البركات المقبلة. أما المهر بكماله فيُعطَى في الحياة الأخرى.
كيف ذلك؟ هنا أصير كهلاً، هناك لا أشيخ قط.
هنا أموت، هناك لا أموت.هنا أحزن، هناك لا أحزن.
هنا يوجد فقر ومرض ومكائد، هناك لا يوجد شيء من هذا القبيل.
هنا توجد عبودية، أما هناك فحرية... هنا توجد حياة لها نهاية، أما هناك فحياة بلا نهاية.
هنا توجد خطية، أما هناك فيوجد برّ... هنا يوجد حسد، أما هناك فلا شيء من هذا.
قد يقول قائل: "أعطني هذه الأمور هنا"، لا. بل انتظر حتى يخلُص أيضًا العبيد رفقاؤك. وأقول أيضًا انتظر ذاك الذي يثبتنا ويعطينا عربون الروح. وأي عربون هذا؟ الروح القدس وعطاياه.
دعني أتكلم عن الروح القدس.
لقد أعطى خاتم الخطبة للآباء الرسل قائلاً: "خذوا هذا، وأعطوه للجميع"، فهل خاتم الخطبة يوزع على كثيرين ومع ذلك لا ينقسم؟! نعم هكذا. دعني أعلمكم معنى عربون الروح القدس.
أخذ بطرس عربون الروح القدس وكذلك بولس. فبطرس (بالروح القدس) جال في العالم، وغفر الخطايا، وشفى مقعدين، وكسى عراة، وأقام موتى، وطهَّر برص، وأخرج شياطين، وتحدث مع الله، وعمل في الكنيسة. أزال المعابد، وهدم المذبح، وأباد رذائل، وأقام من البشر ملائكة!... كل هذه الأمور أخذناها فملأ عربون الروح العالم كله...
وعندما أقول العالم كله، أقصد من جهة المكان... لقد ذهب بولس إلى هنا وهناك كطائر ذي أجنحة. وبفمٍ واحدٍ (بالتبشير) حارب العدو... كان الخيَّام (بولس) أقوى من الشيطان... إذ نال العربون وحمل خاتم الزواج.
كل البشر رأوا الله قد خطب طبيعتنا، والشيطان رأى ذلك وتقهقر. رأى العربون (الروح القدس) وارتعب منسحبًا، رأى ملابس الرسل فهرب (أع ١٩: ١١). يا لقوة الروح القدس. لقد أعطى سلطانًا لا للجسد فحسب بل وللثوب أيضًا، وليس فقط للثوب بل وللظِل أيضًا. ظله كان يشفي الأمراض (أع ٥: ١٥) ويخرج الشياطين ويقيم الموتى.
بولس جال في العالم نازعًا أشواك الشر، باذرًا بذار الصلاح على نطاق واسع، مثل صاحب محراث حكيم ممسك بمحراث التعاليم... لقد غيَّر هؤلاء (الأمم). وكيف ذلك؟ بواسطة العربون (الروح القدس). هل كان بولس كفؤًا لهذا العمل كله؟ لا بل بواسطة الروح... إذ كان يسنده، إذ نال عربون الروح. لذلك يقول: "ومن هو كفؤ لهذه الأمور؟" (٢ كو ٢: ١٦)، لكن "كفايتنا من الله الذي جعلنا كفاة لأن نكون خدام عهد جديد، لا الحرف بل الروح" (٢ كو ٣: ٥، ٦).
تأمل، ماذا فعل الروح؟ لقد وجد الأرض مملوءة من الشياطين فجعلها سماء. فقبل ذلك (قبل التجسد الإلهي) كان في كل مكانٍ مراثٍ ومذابح للأوثان. وفي كل موضع يصعد دخان الأصنام وبخوره، وفي كل منطقة تُقام فرائض نجسة وأسرار وثنية وذبائح، في كل مكانٍ تعمل الشياطين على الهتك بالشرف، في كل مكان توجد حصون للشيطان... ومع هذا كله وقف بولس وحده... فكيف قدر أن يبشر؟! لقد أسرّ البشر (في الإيمان). دخل قصر الملك وتلمذ الملك على يديه[131]. دخل دار القضاء، فقال له الوالي: "بقليل تقنعني أن أصير مسيحيًا" (أع ٢٦: ٢٨). وهكذا صار القاضي تلميذًا. دخل السجن، فأسر حافظ السجن (في الإيمان) (أع ١٦: ٣). زار جزيرة البرابرة، واستخدم الأفعى وسيلة للتعليم (أع 2٨: 9). زار الرومان وجذب الوالي (السيناتو) لتعاليمه. زار الأنهار والصحاري في المسكونة...
إن الله يعطي للطبيعة البشرية عربون خاتم الزواج الذي له، وعندما يعطيه يقول لها: أمور كثيرة أعطيها لكِ الآن، أما بقية الأشياء الأخرى فأعِدكِ بها.]
14. ما هو ثوب الملكة العروس؟[132]
[يقول النبي: "قامت الملكة عن يمينك بثوب موشى بالذهب" (مز ٤٥). لا يقصد ثوبًا حقيقيًا بل الفضيلة، إذ يقول الكتاب المقدس في موضع آخر للذي حضر الوليمة بغير لباس العرس: "يا صاحب، كيف دخلت إلى هنا وليس عليك لباس العرس؟ فسكت (مت 22: 12). هنا لا يقصد عدم لباسه ثوبًا ما، بل أن حياته مملوءة زنا ونجاسة. وكما أن الثوب النجس يشير إلى الخطية، هكذا الثوب الموشى بالذهب يشير إلى الفضيلة. هذا الثوب يُنسب للملك وهو وهبها إياه، لأنها كانت عارية وقبيحة...
انظر إلى التعبير "ثوب موشى بالذهب"، فإنه يحمل معنى ساميًا، إذ لم يقل ثوبًا ذهبيًا، بل "موشى بالذهب"... الثوب الذهبي يكون ذهبًا بكامله، أما الموشى (المنسوج) بالذهب، فإن جزء منه ذهب والآخر حرير... إنه يعني أن حال الكنيسة في مظهرها متعدد، فحالنا جميعًا ليس على نمط واحد، فمنا من هو بتول، ومن هو أرمل، ومن هو مُكَرَّس... هكذا ثوب الكنيسة يعني حالها. فبقدر ما عرف سيدنا أنه لو رسم لنا طريقًا واحدًا فقط يضل كثيرون، رسم لنا طرقًا كثيرة. إن لم تقدر أن تدخل الملكوت عن طريق البتولية، ادخله بزواج واحد (لا تقبل طرفًا أخرًا بعد وفاة الطرف الثاني)، وربما بالزواج الثاني (بعد وفاة الأولى)... إن كنت لا تستطيع استخدام طريق ما (لأسباب قهرية) استخدم الطريق الآخر... إن لم تكن أنت جزءًا من الذهب، كن حريرًا، فإنني أقْبَلُك فقط إن كنتَ منسوجًا في ثوبي. هكذا يقول بولس: "إن كان أحد يبني على هذا الأساس ذهبًا فضة حجارة كريمة" (١ كو ٣: ١٢). إن لم تقدر أن تكون ذهبًا كن فضة، إن ما يلزمك هو أن تكون مستقرًا على الأساس. وفي موضع آخر يقول: "مجد الشمس شيء، ومجد القمر آخر، ومجد النجوم آخر" (١ كو ١٥: ٤١). إن لم تقدر أن تكون شمسًا كن قمرًا... وإلاَّ فكن نجمًا. اقبل أن تكون أصغر شيء ولكن المهم أن تكون في السماء. إن لم تقدر أن تكون بتولاً، كن عفيفًا في زواجك، إنما ارتبط بالكنيسة.
إن لم تقدر أن تبيع ممتلكاتك كلها، قدِّم صدقة، إنما ارتبط بالكنيسة لابسًا الثوب اللائق، خاضعًا للمملكة (الكنيسة)... في الفردوس زهور كثيرة وأشجار متنوعة... لكنه فردوس واحد...
هناك الجسد والعين والأصبع، لكنها هذه كلها معًا إنسان واحد! هناك أيضًا الصغير والعظيم والأقل... البتول تحتاج إلى المتزوجة، لأن البتول ولدتها أم متزوجة، فلا تحتقر البتول الزواج.
هكذا يرتبط الكل ببعضه البعض، الصغير مع العظيم والعظيم مع الصغير.]
15. ما هو بيت الزوجية؟[133]
["اسمعي يا ابنتي" (مز 45: 10)... إنه خطبها زوجة، وأحبها كابنة له، ويعولها كخادمة، ويحافظ عليها كعذراء، ويسيج حولها كحديقة، ويدللها كعضوٍ في جسد هو رأسه، إنه هل كأصلٍ (جذر) يهبها النمو، وكراعٍ يطعمها، وكعريسٍ يقترن بها، وكفادٍ يغفر لها، وكحملٍ يُذبح لأجلها، وكعريسٍ يحفظها في جمال، وكزوجٍ يعولها...
"اسمعي يا ابنتي" لقد كنتٍ قبلاً ابنة الشيطان، ابنة أرضية، غير مستحقة للأرض، والآن صرت ابنة للملك (لله). وهذا ما يريده الذي يحبها. لأن من يحب أحدًا لا يستقصي عنه، فالحب يجعله لا يبالي بنجاستها القديمة (بل يقدسها)... هكذا صنع الرب يسوع. فقد رآها نجسة، وأحبها وجعل منها ابنة له بلا عيب ولا دنس. يا له من عريس يزين بالنعمة العروس النجسة.
"اسمعي يا ابنتي وانظري وأميلي أذنك". يقول أمريْن: اسمعي، انظري. أمران تعتمدين فيهما على نفسك: عيناك، أذناك. الآن مهرها يعتمد على السمع (إذ لم ترَ بعد ملكوت السماوات)... فالإيمان جاء بالسمع. الإيمان يناقض ما هو بالعيان، أي ما حدث وتم حاليًا.
لقد سبق فقلتُ بأن خاتم الزواج قد قُسِّمَ إلى قسميْن: نصيب أعطاه للعروس هنا كعربون، والآخر وعد به في المستقبل... أعطى الأول، أما الثاني فيعتمد على الرجاء والإيمان... لننصت إلى ما أعطانا... وما وعدنا به... افهم ما يُقال حتى لا تفقد شيئًا... إن خاتم العرس قد قُسِّمَ إلى قسميْن: أشياء حاضرة، وأشياء آتية؛ أشياء تُرَى، وأمور يُسمَع عنها؛ أشياء تُعطَى هنا، وأخرى نثق أننا سنأخذها؛ أشياء نستخدمها هنا، وأخرى نتمتع بها هناك؛ أشياء تخص الحياة الحاضرة، وأخرى تأتي بعد القيامة. الأشياء الأولى نراها، والأخيرة نسمع عنها... "اسمعي يا ابنتي وانظري وأميلي سمعك"... ها أنا أعطيك الآن بعض الأشياء وأعدك بالأخرى. هذه الأخرى تعتمد على الرجاء، أما الأولى فتَقَبَّليها كهدايا للعرس وعربون ودليل يؤكد نوال الأمور المُقْبِلة.]
16. بماذا تُساهم العروس؟[134]
[وأي إمكانيات أقدر أن أساهم بها؟ قل ليّ؟ ساهمي بإرادتك وإيمانك. "اسمعي يا ابنتي وانظري". ماذا تريد منيّ أن أفعل؟ "انسي شعبك[135]"... وأي نوع هو هذا الشعب؟ إنه الشياطين وعبادة الأوثان ودخان الذبائح والدم... "انسي شعبك وبيت أبيك" اتركي أباك وتعالِ اتبعيني... إنني كما لو تركتُ (بلا انفصال) أبي وجئت إليك، أفلا تتركي أباك؟ وعندما نقول إن الابن ترك الآب لا نفهم أنه ترك حقيقي يعني الانفصال، بل بمعنى "إنني نزلت ووفقت بيني وبينك واتخذت ليّ جسدًا. هذا هو واجب العريس والعروس..."
"فإن الملك قد اشتهى حُسنكِ". سيكون الرب هو حبيبكِ، وإذ يكون حبيبًا لكِ، فكل ما له يكون لكِ... الآن دعنا نجول داخلنا في الروح... انظر إلى ذلك الجمال الروحي، أو بالحري أصغِ إليه، لأنك لا تقدر أن تراه طالما هو غير منظور. أصغِ إلى هذا الجمال. ما هو جمال الروح؟ إنه العفة واللطف والصدقة والحب والحنان الأخوي والعطف والطاعة لله وتنفيذ الوصايا والبرّ وانسحاق القلب. هذه الأمور هي جمال الروح. هذه الأمور لا تنجم عن الطبيعة... بل إن كل من ليس لديه هذه الأمور يقدر أن يمتلكها، ومن يمتلكها إن أهمل فيها يخسرها... من كان أكثر جحودًا من روح بولس عندما كان مجدفًا ومضطهدًا، وأي روح مملوءة نعمة أكثر منه عندما يقول: "قد جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعي، حفظت الإيمان" (٢ تي ٤: ٧). أي روح فاسدة كروح اللص، وأي روح مملوءة نعمة أكثر منه، عندما سمع: "الحق أقول لك: إنك اليوم تكون معي في الفردوس" (لو ٢٣: ٤٣). من كان أكثر شرًا من العشار عندما كان مُغتصبًا، ومن صار أكثر نعمة منه عندما أعلن عن ثبات تغيره (لو ١٩: ٨). انظرْ إذن إنك لا تقدر أن تغيِّر في جمال الجسد، لأنه نتيجة حتمية الطبيعة لا نتيجة تصرُّف الإنسان. أما جمال الروح فيأتي حسب اختيار تصرفنا...
"اسمعي يا ابنتي... وانسي"... إنه يتكلم عن جمال روحي، إذ يقول لها: "اسمعي وانسي"، أمور لها حق الاختيار فيها... إنه يقول للمرأة الخاطئة: "اسمعي"، فإذا أطاعت فسترى أي نوع من الجمال يُوهب لها. فحيث أن قُبح العروس لم يكن قبحًا جسديًا بل روحيًا لأنها عصت الله ولم تطعه... فإنه بالطاعة تصير مملوءة نعمة... يلزمك أن تتعلمي أنه لا يقصد أي معنى منظور عندما يقول "حُسنكِ". لا تفكري في العين والأنف والفم والرقبة، بل في العطف والإيمان والحب والأمور الداخلية، لأن "كل مجد ابنة الملك من داخل". والآن من أجل هذه الأمور نُقَدِّم التشكرات لله المعطي، لأن له وحده يليق المجد والكرامة والقدرة إلى أبد الآبدين. آمين.
4. أعمال الكنيسة الفريدة
1. ما هو أهم عمل في الكنيسة؟
تقدم الكنيسة الحب كأروع عمل من أعمالها. يقول القدّيس إكليمنضس السكندري: [أفضل شيء أن نقتني ملكوت الله... بمجتمع المحبّة المقدّسة، الكنيسة السماويّة؛ فإن المحبّة هي أمر نقي يؤهل لله، عملها الشرّكة[136].]
ألقى القديس يوحنا الذهبي الفم عظتين عن أتروبيوس الذي كان الإمبراطور يثق فيه ويستشيره في كل شئون المملكة استخدم كل وسيلة للتنكيل بالكنيسة، وعندما اكتشف الإمبراطور أنه دبّر مؤامرة لاغتياله، هرب إلى الكنيسة وتمسك بقرون المذبح طالبًا تدخل رئيس الأساقفة القديس يوحنا الذهبي الفم ليشفع فيه لدى الإمبراطور.
تجمهر الكثيرون يطلبون أن يسلم القديس يوحنا الذهبي الفم أتروبيوس للسلطات كي تحاكمه، فماذا كان موقف القديس؟ لقد وجه حديثه لأتروبيوس، قائلاً:
[الكنيسة التي كنتَ تعاملها كعدوٍ، تفتح لك حضنها وتستقبلك، بينما المسارح التي كنت تتودد إليها، والتي بسببها كثيرًا ما كنت تنازعني، تخونك وتهلكك.
والآن فإن الملاعب التي سببت لك غنى عظيمًا تستل السيف ضدك، أما الكنيسة التي كنت دائمًا تغضب عليها، تسرع في كل اتجاه لإنقاذك من داخل الشبكة.
وإنني لا أنطق بهذا لكي أقلق نفسك وأنت مطروح على الأرض، إنما أرغب في أولئك الذين لا زالوا قائمين أن يكونوا أكثر أمانًا؛ لا عن طريق تهييج قروح إنسان مجروح، إنما بالحري لكي أحفظ الذين لم يُجرحوا في صحة كاملة؛ لا بإغراق إنسانٍ تصدمه الأمواج، بل بتعليم أولئك الذين يبحرون في جوٍ هادئٍ حتى لا يهلكون.
وكيف يتم هذا؟ بتأملهم في التغيير الذي يصيب الشئون البشرية. لأنه (أتروبيوس) هذا الذي وقف مرتعبًا من التغيير الذي حدث له، لم يكن له خبرة قبل ذلك، ولم يفلح عن طريق ضميره كما لم يأخذ بمشورات الآخرين. وأنتم يا من تفتخرون بغناكم، أما تستفيدون بما حدث (لأتروبيوس)، إذ لا شيء أوهن من الشئون البشرية.
إنني أعجز عن أن أُعَبِّر بدقة عن مدى تفاهة الشئون البشرية (أي سرعة تغيُّرها).
فإن دعوناها دخانًا أو عشبًا أو حلمًا أو أزهارًا ربيعية، أو أي لقبٍ آخر، فإنه هكذا هي أمور هالكة بل وأقل من العدم. بل وبالإضافة إلى كونها عدم، فإنها تتسم بعنصر خطير جدًا تؤكده (وهو سرعة التغيير).
أي إنسان كان أكثر عظمة من هذا الرجل (أتروبيوس)؟
ألم يفوق العالم كله في الغنى؟!
ألم يتسلق إلى برج الرفعة ذاته؟!
ألم يكن الكل يخافه ويرتعب منه؟!
آه، ولكنه مع ذلك ألم يصر أكثر بؤسًا من السجين؟ ويُرثي له أكثر من العبد الذليل؟ وأكثر إعسارًا من الفقير المتضور جوعًا؟! إذ يرى كل يومٍ منظر السيوف الحادة، ومنظر القاتلين والمعذبين يقودونه نحو موته.
وهو مع هذا لا يعرف إن كان قد سبق وفرح ولو مرة واحدة في الماضي، بل ولا يشعر حتى بأشعة الشمس. إنما في وسط النهار يكون نظره معتمًا كما لو أن ظلامًا دامسًا قد اكتنفه. وإنني سأحاول قدر المستطاع، رغم عجز اللغة البشرية أن أعبر عن الآلام التي يخضع لها طبيعيًا إذ يتوقع الموت كل ساعةٍ.
ولماذا أعبر عن ذلك بكلماتٍ من عندي، إن كان هو بنفسه قد رسم لنا صورة منظورة. إذ بالأمس لما جاءوا إليه يطاردونه بالقوة، هرب ليلتجئ في مكانٍ مقدسٍ. وكان وجهه لا يختلف عن هيئة إنسانٍ ميتٍ، وصرير أسنانه وارتجاف كل بدنه ورعدته، واضطراب صوته وتلعثم لسانه، بل وكل مظهره العام يكشف عن روحٍ مضطربةٍ...
بينما الكل يحتقره في أثناء دماره، إذا بالكنيسة وحدها كأم حنون تخبئه تحت ساعتها[137]، مهدئة غضب الملك، وهياج الشعب، وكراهيتهم التي تغلي ضده.
هذه هي زينة المذبح (أن تحب الكنيسة من يعاديها ويقاومها). نقول إنه نوع جديد من الزينة (الحلي)، عندما يُسمح للخاطئ المتهم الذي يبغضها، اللص، أن يتمسك بالمذبح.
إن الزانية أمسكت بقدمي يسوع، تلك التي وُصمت بأنجس خطية وأكثرها كرهًا. ومع ذلك فإن يسوع لم ينتهر عملها، بل بالحري أُعجب منها ومدحها، لأن المرأة الشريرة لم تؤذِ نقاوته بلمسها ذاك البار الذي بلا خطية.
لا تتذمر إذن أيها الإنسان. فإننا خدام للمصلوب القائل: "اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون" (لو ٢٣: ٣٤).
لكنك قد تقول: ألم ينزع أتروبيوس حقه في الالتجاء هنا بواسطة قوانينه وشرائعه المختلفة؟! نعم. لكنه يتعلم بالخبرة ما قد صنعه، وسيكون هو بأفعاله أول من يكسـر قوانينه (ضد الكنيسة)، ويصير مشـهدًا للعالم كله، وبالرغم من صمته فإنه ينطق بصوتٍ عالٍ محذرًا الجميع، قائلاً: "لا تفعلوا ما قد فعلته أنا، حتى لا تعانوا مما أعانيه".
إنه في نكبته يصير معلمًا، وينال المذبح مجدًا عظيمًا، موحيًا برهبة عظيمة في ذلك الأمر. إذ قد أُمسك الأسد (أتروبيوس) أسيرًا (بخضوعه للكنيسة)...
هكذا فإن هذا الإنسان يعظ دون أن ينطق بكلمة، ويتكلم بأعماله بصوتٍ أعلى من صوت بوق...
لا يثر أحد ولا يغتظ، بل لنطلب مراحم الله أن تمهله عن الموت، وأن تنقذه من الهلاك المحدق به، حتى يتوب عن خطاياه، وأن نتحد مقتربيّن من الإمبراطور الرحوم، متوسلين إليه من أجل الكنيسة، من أجل المذبح، مقدمًا حياة هذا الرجل كتقدمة للمائدة المقدسة[138].]
يتحدث أوريجينوس عن الحب الذي يوحّد الأرض مع السماء، قائلاً:
[الآن، حسب كلمة الله، فإن أحد الفضائل العظيمة هي أن نحب بعضنا البعض. ولابد لنا أن نعتقد بأن القديسين الذين رحلوا، لهم تلك المحبة تجاه الذين يجاهدون في معركة الحياة، بدرجة تفوق بكثير من هم مازالوا خاضعين للضعف البشري، ومنشغلين بجهاد إخوتهم الأضعف منهم.
فالكلمات: "إن كان عضو واحد يتألم، فجميع الأعضاء تتألم معه. وإن كان عضو واحد يُكرّم فجميع الأعضاء تفرح معه" (1 كو 26:12) لا تقتصر على من يحب إخوته على الأرض. إن كانت ملائكة الله قد جاءت إلى يسوع، وصارت تخدمه (مت 11:4)، وإذا كنا نؤمن بأن خدمة الملائكة هذه لم تكن قاصرة على الفترة القصيرة التي استغرقتها رحلته الأرضية، فكم يكون عدد الملائكة، في رأيك، الذين يخدمون يسوع، عندما شرع في تجميع أبناء إسرائيل واحدًا واحدًا من الشتات، وفي خلاصهم بخوفٍ، إذ يدعونه[139].]
2. . ما هو موقف الكنيسة من جهة القوات السماوية؟
يصف أوريجينوس الكنيسة أنها تجمع المؤمنين، أي تجمع الشعب المسيحي، يخدمهم الرب من خلال الكهنوت[140]، وتنضم إليهم القوات السماوية. فيقول: [تنضم القوات الملائكية إلى جماعات المؤمنين، إلى حيث تحل قوة ربنا ومخلصنا نفسه. وحيث تجتمع أرواح القديسين، الذين سبقوا فرحلوا، ومن هم مازالوا بين الأحياء. ولو أن شرح ذلك ليس بالأمر السهل[141].]
3. ما هو دور الكنيسة من جهة قوات الظلمة؟
تُحصن الكنيسة أولادها من قوات الظلمة ومن المتاعب. في العظة الثانية التي ألقاها القديس يوحنا الذهبي الفم بعد أن رفض أتروبيوس الالتجاء إلى الكنيسة وهرب منها، فبدأ يعلن للشعب مفهوم حب الكنيسة لأولادها. إنها ملجأ لهم تهتم بحماية الروح، وتطلب خلاص الروح أولاً، وتوضح لهم طريق الملكوت السماوي.
[عندما تريد أن تحتمي في الكنيسة لا تطلب ملجأ في مكانٍ، بل في روح المكان. لأن الكنيسة ليست حائطًا أو سقفًا بل إيمان وحياة...
لا تقل لي بأن هذا الإنسان (أتروبيوس) الذي استسلَم، كان ذلك بواسطة الكنيسة. فإنه لو لم يهجرها ما كان قد استسلم. لا تقل لي بأنه هرب إلى ملجأ والملجأ تركه، فالكنيسة لم تتركه بل هو الذي تركها. إنه لم يستسلم وهو داخل الكنيسة بل وهو خارجها...
هل تريد أن تحمي نفسك؟ تمسك بالمذبح. إنه لا توجد فيه حصون، لكن فيه عناية الله الحارسة.
هل كنت خاطئًا؟ الله لا يرفضك، لأنه ما جاء ليدعو أبرارًا، بل خطاة إلى التوبة (مت ٩: ١٣). فالزانية قد خلصت إذ أمسكت بقدميه...
تمسَّك بالكنيسة، والكنيسة لن تلقي بك في أيدي العدو. لكنك إن هربت منها، فليست هي السبب في أسرك. لأنك لو كنت مع القطيع، لا يقدر الذئب أن يدخل. لكن إن خرجت خارجًا فستصير فريسة للوحوش الضارية، ولا يكون للقطيع ذنبًا في ذلك، بل جُبنك هو السبب...
لا تحدثني عن الحصون والجيوش، لأن الحصون تشيخ بمرور الزمن، أما الكنيسة فلا تشيخ. الحصون يحطمها المتبربرون، لكن الكنيسة لا تقدر حتى الشياطين أن تتغلب عليها. وكلماتي هذه ليست على سبيل المباهاة، بل من الواقع. فكم من كثيرين هاجموا الكنيسة، فهلك الذين هاجموها، أما هي فحلَّقت في السماء.
هكذا يكون حال الكنيسة عندما يهاجمونها إنها تنتصر، وإذ يلقون لها الشباك تغلب، وإذ يشتمونها تزدهر أكثر. إنها تُجرح لكنها لا تخور بسبب جراحاتها، تصدمها الأمواج لكن لا تغرق، تُهاجمها العواصف لكنها لا تهلك، تصارع لكنها لا تُقهَر، يحاربونها لكنها لا تُنهزم. وإذ هي تعاني من هذه الحرب القائمة يظهر بالأكثر سمو نصرتها[142].]
4. كيف يتطلع المؤمن للكنيسة كملجأ له؟
تفتح الكنيسة أبوابها كملجأ فريد لروحه، إذ ما يشغلها هو أن تضمه إلى مخلص العالم. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لا تنعزل عن الكنيسة، لأنه لا شيء أقوى منها (كإيمان وحياة). الكنيسة هي رجاؤك، خلاصك، ملجأك. إنها أعلى من السماء وأوسع من المسكونة. إنها لن تشيخ قط، بل هي دائمًا في كامل حيويتها. لذلك يشير الكتاب عن قوتها وثباتها بدعوتها "جبلاً".
وعن نقاوتها بدعوتها "عذراء"،
وعن عظمتها بدعوتها "ملكة"،
وعن علاقتها بالله بدعوتها "ابنة"،
وعن نموها بدعوتها "العاقر التي لها سبعة بنين".
وبالحقيقة إن الكنيسة لها أسماء كثيرة تعبر عن نبلها فكما أن سيدها له أسماء عدة، فيُدعى أبًا، والطريق والحياة (يو ١٤: ٦)، والنور (يو ١: ٨-٩؛ ٨: ١٢)، والذراع (إش ٥١: ٩)، والشفيع (١ يو ٢: ٢)، والينبوع (١ كو ٣: ١١)، والباب، والكنز (مت ٦: ٢١؛ ٨: ٤٤)، والرب، والله، والابن، والابن الوحيد، وصورة الله (في ٢: ٦؛ كو ١: ١٥)... هكذا بالنسبة للكنيسة نفسها، فهل يمكن لاسمٍ واحدٍ أن يكفي للتعبير عن الحقيقة كلها؟!... مستحيل![143]]
5. كيف تقيم الكنيسة من المؤمن بكرًا وتسجل اسمه في السماوات؟
يقول الرسول: قد أتيتم إلى جبل صهيون، وإلى مدينة الله الحي أورشليم السماوية، وإلى ربوات هم محفل ملائكة. وكنيسة أبكار مكتوبين في السماوات، وإلى الله ديان الجميع، وإلى أرواح أبرار مكملين" (عب 12: 22-23).
ركز كثير من الآباء على تعبير "كنيسة أبكار مكتوبين في السماوات"، إذ صرنا أبكارًا في المسيح يسوع البكر. باكورية السيد المسيح ليست كالباكورية الجسدية، صاحبها يحرم من يولد بعده من التمتع بالباكورية، إنما بالعكس تهب الآخرين شركة فيها. هذه الباكورية التي صارت لنا ليست جسدية، وكما يقول العلامة أوريجينوس: [الذين اعتبروا أبكارًا أمام الله ليس هم الأبكار حسب الميلاد الجسدي، إنما اختارهم الله بسبب استعدادهم. هذا ما حدَث بالنسبة ليعقوب الرجل الثاني (أصغر من عيسو ولو بدقائق)، لكن حسبه الله بكرًا ونال بركة الباكورية (تك ٢٧: ١١). بفضل إصابة أبيه بالعمى بسماح إلهي، وذلك لحسب استعداد قلبه الذي رآه الله فيه، إذ قيل: "وهما لم يولدا بعد ولا فعلا خيرًا أو شرًا... مكتوب أحببت يعقوب وأبغضت عيسو" (رو ٩: ١١، 13؛ ملا ١: ٢، ٣). هكذا لم يكن اللاويون أبكارًا حسب الجسد لكنهم ثبتوا كأبكارٍ[144].]
كما يعلق على كلمات الرسول السابقة (عب 12: 22-23)، قائلاً إنه يوجد في السماء التي ننعم بها أربع رتب هي:
جبل صهيون،
مدينة الله أورشليم السمائية،
ربوات هم محفل ملائكة،
كنيسة أبكار مكتوبين في السماوات.
أعلى هذه الدرجات هي العضوية في كنيسة الأبكار حيث ينعمون بالشركة مع المسيح البكر. [اجتهد بكل قوتك أن تنمو وتتقدم في أعمالك وحياتك وعاداتك وإيمانك وطريقة تصرفاتك حتى تبلغ كنيسة الأبكار المكتوبين في السماوات، فإن لم تستطع ذلك فلتبلغ إلى درجة أقل... وإن كنت لا تقدر أن تقترب من الربوات الذين هم محفل ملائكة وتصعد إلى هذه الدرجة فعلى الأقل تبلغ مدينة الله الحيّ أورشليم السماوية، وإن كنت غير قادر على بلوغ هذه فحاول على الأقل أن تتجه نحو جبل صهيون لكي تخلص على الجبل (تك ١٩: ١٧). يكفي أنك لا تبقى على الأرض ولا تسكن الوديان ولا تبطئ في المناطق المطمورة[145].]
كان لليهود أبكارهم الروحيون أي سبط لاوي، يتقبلهم الله عن كل الجماعة المقدسة عوض الأبكار حسب الجسد. أما الآن فصار كل المؤمنين كنيسة أبكار، خلال اتحادهم مع الابن البكر الحقيقي.
6. كيف تقيم الكنيسة من المؤمن جبلاً عاليًا، ترفع نفسه فوق الزمنيّات وتحلِّق في السماويات؟
يقول القدّيس أغسطينوس [يُشير (الجبل) إلى النفس العالية، هذه التي ترتفع فوق الأمور الزمنيّة محلِّقة في السماويات. على هذا الجبل تظهر مدينة الله المقدّسة التي لا يمكن إخفائها، فتظهر الكنيسة المقدّسة مزينة في حياة القدّيسين. وعلى هذا الجبل المقدّس يصعد الرب بنفسه ليتحدّث مع شعبه، فيكون الجبل شاهد حق له خلال الحياة المقدّسة العمليّة.]
7. كيف يُمارس الإنسان دوره كعضوٍ حيّ في الكنيسة؟
يليق بالمؤمن أن يسأل نفسه هل يود أن يخطف من الأخرين كالغراب، أم أن يعمل عمل الرب أي يقدم عطاءً على الدوام لإخوته. يقول القديس أغسطينوس: [يحوي الفلك كلا النوعين، فإن كان الفلك هو رمز الكنيسة، ترون بالحقيقة في الطوفان الحاضر الذي للعالم الكنيسة تضم بالضرورة النوعين، فكما تضم الغراب هكذا تضم الحمامة. ما هي الغربان؟ الذين يطلبون ما هو لأنفسهم. وما هو الحمام؟ الذين يطلبون ما هو للمسيح[146].] كما يقول: [للكنيسة ذهب لا لكي تخزنه، وإنما لتوزِّعه وتنفقه على المحتاجين[147].]
8. ماذا يعني: الكنيسة هي أبواب صهيون؟
يعتبر أوريجينوس أن الكنيسة هي باب البرّ، من خلاله يدخل يسوع المسيح. وتقع أبواب الكنيسة في الاتجاه المضاد لأبواب الموت. يقول العلامة أوريجينوس: [الآن يمكن فهم أبواب صهيون بصفتها مضادة لأبواب الموت. يوجد إذن باب واحد للموت والإثم، أما باب صهيون فهو ضبط النفس. وهذا ما يقصده النبي القائل: "هذا باب الرب والصديقون يدخلون فيه" (مز 21:118). كما يُوجد الجُبن، وهو باب للموت؛ إلا أن الشجاعة هي باب صهيون. نقص التعقل هو باب الموت، وعلى العكس، التعقل هو باب صهيون. وفي مقابل جميع أبواب "العلم الكاذب الاسم" (1 تي 20:6) يوجد باب واحد أمامها، وهو باب المعرفة الخالي من الكذب. ولكن إذا وضعنا في الاعتبار أن "مصارعتنا ليست مع دمٍ ولحمٍ" (أف 12:6)، فإنه يمكن القول أن كل قوة ورئيس عالم هذه الظلمة، وكل واحدٍ من "أجناد الشر الروحية في السماويات" (أف 12:6)، هو باب للجحيم والموت[148].]
9. ماذا يعني: الكنيسة هي إسرائيل الجديد؟
يقول العلامة أوريجينوس إنه لم يعد الإسرائيليون بحسب التاريخ هم إسرائيل، في حين تحوَّل مؤمنو الأمم إلى إسرائيل الجديد، هذا يستلزم إعادة تعريف إسرائيل[149].
10. ما هو دور الكنيسة كمفسر للكتاب المقدس؟
يقول العلامة أوريجينوس: [يجب أن نشرح للمؤمنين كيف أن الأسفار المقدسة ليست من أعمال الناموس، بل وُضعت وأُنزلت إلينا بوحي الروح القدس، بمشيئة أب المسكونة، بيسوع المسيح. هذا بالإضافة إلى طرق التفسير المختلفة التي تظهر وتُجرى بحق طبقًا لقانون الكنيسة السماوية ليسوع المسيح، من خلال تعاقب الرسل[150].]
يعتقد أوريجينوس أن وجود ربنا يسوع المسيح نفسه في وسط شعبه في الكنيسة ينير أعينهم الداخلية، إذ يقول: [والآن إذا ما رغبتم في ذلك، في هذه الكنيسة، وفي هذه الجماعة، ستعاين أعينكم الرب. فعندما ترفعون أسمى أفكاركم للتأمل في الحكمة والحق، التي هي الابن الوحيد للآب، فسترى أعينكم يسوع. طوبى لجماعةٍ كُتب عنها أن أعين الجميع، من مؤمنين وموعوظين، رجال ونساء وأطفال، قد رأت يسوع، لا بأعين الجسد، بل بتلك التي للروح[151].]
هذا ويقول أوريجينوس إن الكنيسة هي زينة العالم ونوره. [زينة العالم هي الكنيسة المُزينة بيسوع الذي هو نور العالم[152].] كما يقول: [ستأتي النهاية عندما يفقد الملح مذاقه، ويتوقف عن التمليح وحفظ الأرض (وليس حفظ الكنيسة)، وعندما يتضاعف الإثم و"تبرد المحبة" على الأرض (مت 12:24)، حتى عبَّر المخلص نفسه، عن شكه فيما يتعلق بمن يشهدون عن مجيئه، فقال: "ولكن متى جاء ابن الإنسان، ألعلّه يجد الإيمان على الأرض؟!" (لو 8:18). عندئذ يأتي انقضاء الدهر[153].]
ويدعو أوريجينوس معارضيه، إلى عقد مقارنة بين البلاد الوثنية والكنائس المسيحية التي نشأت فيها[154]. [إذا قورنت الكنائس التي شكَّلها المسيح بتجمعات المدن التي توجد بها، فسوف تظهر كمشاعلٍ مضيئة في العالم. فمن منا لا يعترف بأن عدد الأعضاء القليل من الكنائس غالبًا ما يكون أفضل من كثيرين الذين يظهرون في التجمعات المدنية؟! فنجد كنيسة الله في أثينا وديعة وثابتة، تبذل كل جهدها لإرضاء الله العلي، بينما نجد التجمعات الأثينية صاخبة مضطربة، ولا مجال لمقارنتها بالكنيسة بأي حال.]
وبنفس الطريقة، بعد مقارنات مشابهة بخصوص الكنائس التي في كورنثوس والإسكندرية مع هذه المدن، يضيف: [إذ ما قارنا مجلس كنيسة الله بمجلس المدينة، نجد أن بعضًا من أعضاء مجالس الكنائس جديرون أن يكونوا مشرفين على مدينة إلهية، إذا ما وجدت مثل هذه المدينة في العالم. في حين نجد الأعضاء المدنيين غير أهلٍ بأخلاقياتهم للمراكز البارزة التي يشغلونها بين مواطنيهم. وعلى نفس هذا النمط، إذا قارنت بين رأس كل كنيسة مع رؤوس تلك المدن، فستجد أن الشاغلين، حتى لأدنى الدرجات في كنيسة الله، متفوقين على كل الحكام المدنيين، إذا ما وضعنا فضائل الفئتين جنبًا إلى جنبٍ.]
11. ما هي حدود الشهادة لإنجيل المسيح؟
لا تكف الكنيسة عن الكرازة بإنجيل المسيح في جميع أنحاء العالم، ولا يُحد عمل المؤمن الخاص بالشهادة لعمل الخلاص الإلهي بمنطقةٍ معينةٍ.
الكنيسة التي يراها أوريجينوس ويحبها، تظل دائمًا جماعة من تلاميذ المسيح المنتشرين في أنحاء الأرض. ولا يمكن الخلط بين تلك الجماعة العظيمة وبقية الجنس البشري، رغم عدم توقفها عن اجتذاب المحتاجين إلى الإيمان، ورغم شوق الجموع التي تصغي إلى ندائها، والتي تحيط بها كما لو كانت تبعث عليهم إشعاعًا[155]. فمنذ بدء الكنيسة، تُعلن رسالة الإنجيل بواسطة المؤمنين، أينما كانوا يعيشون، وأينما ارتحلوا. في مقاله ضد صلسس، يكتب أوريجينوس أن المسيحيين يبذلون دائمًا كل ما في وسعهم لنشر الإيمان في جميع أنحاء العالم. بل ويرى البعض أن رسالة حياتهم هي التجوال، ليس فقط من مدينة إلى مدينة، بل من بلدة إلى أخرى، ومن قرية إلى أخرى، في سبيل كسب مُتحولين جُدد إلى الرب[156].
5. الكنيسة بيت الخلاص
1. ما هو غاية بناء بيت الرب في وسط شعبه؟
يقول القديس يوحنا الحبيب: "سمعت صوتًا عظيمًا من السماء قائلاً: هوذا مسكن الله مع الناس وهو سيسكن معهم وهم يكونون له شعبًا، والله نفسه يكون معهم إلهّا لهم" (رؤ 21: 3).
لم تجد السماء اسمًا للأرض الجديدة والسماء الجديدة ولأورشليم الجديدة (رؤ 21: 1-2) يليق بها سوى أن تدعوها "مسكن الله مع الناس". لم تقل "مسكن الناس مع الله" بل "مسكن اللّه مع الناس"، لأن اشتياق الناس للسكنى معه لا يُقاس ولا يُقارن باشتياق الله للسكنى معنا. يا لعظم محبة اللّه الفائقة! كأن الله ينتظر الأبديّة ليستريح بالسكنى معنا، مع أننا نعلم أنه ليس محتاجًا إلى عبوديتنا بل نحن المحتاجون إلى ربوبيته[157]. وإذ أراد الله أن يتذوق المؤمنون عربون السماء، سمح لنا ببناء بيتٍ له وسط شعبه، لنتمتع بعذوبة الحضور الإلهي وعمله الدائم لخلاصنا.
رفع سليمان الملك قلبه نحو السماء وقدم صلاة أثناء تدشين الهيكل، جاء فيها: "هل يسكن الله حقًا على الأرض؟ هوذا السماوات وسماء السماوات لا تسعك، فكم بالأقل هذا البيت الذي بنيت؟ فالتفتْ إلى صلاة عبدك وإلى تضرعه أيها الرب إلهي، واسمع الصراخ والصلاة التي يصليها عبدك أمامك اليوم. لتكون عيناك مفتوحتين على هذا البيت ليلاً ونهارّا على الموضع الذي قلت إن اسمي يكون فيه، لتسمع الصلاة التي يصليها عبدك في هذا الموضع. واسمع تضرع عبدك وشعبك إسرائيل الذين يصلون في هذا الموضع واسمع أنت في موضع سكناك في السماء، وإذا سمعت فاغفر" (1 مل 8: 27-30). هكذا ما شغل قلب سليمان الحكيم في بناء هيكل الرب حضرة الرب وغفران خطايا شعبه.
2. لماذا حذر إرميا النبي من تسبحة الشعب: هيكل الرب، هيكل الرب، هيكل الرب هو؟
الله في محبته للبشر ينزل إليهم ويسمح بتخصيص بيت له، ويفتح أبوابه ليحتضن القادمين إليه بروح التوبة. إنه يغفر لهم خطاياهم، ويقيم منهم كنيسة واحدة مقدسة، يحسبها ابنته وعروسه، الملكة التي تجلس عن يمينه.
لا يقف مفهومنا للكنيسة عند المبنى سواء في العهد القديم أو العهد الجديد. لذلك حذّر إرميا النبي الكهنة واللاويين والشعب كما الملك والقادة من الاتكال على وجود هيكل الرب في أورشليم مع تجاهل قداسة الحياة والطاعة للوصية الإلهية والحب العملي لله والناس. لقد قال: "لا تتكلوا على كلام الكذب، قائلين: هيكل الرب، هيكل الرب، هيكل الرب هو!" (إر 7: 4)
بينما كان حلقيا رئيس الكهنة يتعاون مع مشير الملك وكاتبه شافان في جمع التبرعات والتقدمات للإصلاح، إذا بإرميا النبي يؤكد الحاجة إلى تقدمة القلب لا المال. وبينما كان البناؤون والنجارون وكل العاملين في الإصلاح يسمعون كلمات الإطراء من كل أحد، إذا بإرميا النبي يبكت ويؤنب. الكل يتحدث عن التقدم في البناء والإصلاح بفرح واعتزاز، بينما كان إرميا النبي يطلب التوبة الصادقة والنوح والبكاء حتى لا يطردهم الموضع الذي لا يستحقونه، إذ يقول على لسان الرب: "أصلحوا طرقكم وأعمالكم فأسكنكم في هذا الموضع" (إر 7: 3).
هم يظنون أنهم قد أرضوا الله بإصلاح الهيكل، وكأنهم دائنون له بهذا العمل الجبار الذي لم تمارسه أجيال سابقة، بينما كان إرميا النبي يهددهم بالطرد منه، بل ومن كل الأراضي المقدسة، لأنهم غير مستحقين للسكنى فيها بسبب شرهم.
كان يدعوهم إلى الإصلاح الداخلي بتحويل التسبيح من كلمات منطوق بها إلى حياة مُعاشة وسلوك... حياة مفرحة متهللة في الداخل مع استعذاب للوصية الإلهية.
يمثل الهيكل حضرة الله وسط شعبه لتقديسهم، فإن تمسكوا بوجود البيت دون الاهتمام بتقديس حياتهم يفقد البيت مفهومه، بل ويتحول من بيت تسبيح إلى "مغارة لصوص" (إر 7: 11)، وهو ذات التعبير الذي استخدمه السيد المسيح حين طرد باعة الحمام والصيارفة من الهيكل (مت 21: 13).
ويتحدث القديس جيروم عن هيكل الرب الداخلي الذي يمكن للمؤمن أن يقتنيه أينما وُجد، بينما كثير من سكان أورشليم والأراضي المقدسة حرموا منه. إنه يقول:
[يليق بالذين يقولون: "هيكل الرب، هيكل الرب" (إر 7: 4) أن يصغوا إلى كلمات الرسول: "أنتم هيكل الله الحيّ" (2 كو 6: 16)، والروح القدس "يسكن فيكم" (رو 8: 11).
الوصول إلى البلاط السماوي سهل سواء بالانطلاق من بريطانيا أو أورشليم، لأن "ملكوت الله داخلكم" (لو 17: 21).
أنطونيوس وطغمة الرهبان الذين في مصر ومصيصة وبنتس وكبادوكية وأرمينيا لم يروا أورشليم قط، لكن انفتح لهم باب الفردوس. الطوباوي هيلاريون، مع أنه مواطن فلسطيني وقاطن هناك، لم يرَ أورشليم إلا يومًا واحدًا. إذ كان قريبًا من الأماكن المقدسة لم يشأ أن يهمل رؤيتها، وفي نفس الوقت لم يرد أن يحد الله بأماكن محدودة[158].]
أوضح النبي أنه لكي ينعم الشعب ببركات بيت الرب يلزمهم أن يصلحوا الطريق الذي يسلكونه، مجرين العدل بين الإنسان وصاحبه (إر 7: 5)، وأن يقدموا عمل المحبة خاصة للغريب واليتيم والأرملة (إر 7: 6)، وألا يسفكوا دم زكيًا (إر 7: 6)، وأخيرًا ألا يعرجوا بين الفريقين، قائلاً: "أتسرقون وتقتلون وتزنون وتحلفون كذبًا وتبخرون للبعل، وتسيرون وراء آلهة أخرى لم تعرفوها، ثم تأتون وتقفون أمامي في هذا البيت الذي دُعي اسمي عليه وتقولون: قد أنقذنا." (إر 7: 9-10).
هيكل الرب هو القصر الملوكي، مركز ملكوت الله الذي هو ملجأ للأرامل والأيتام والغرباء، سخي لكل نفس محتاجة ومرذولة. فإن مارس الشعب العنف والقسوة يُحسبون خارج الهيكل حتى إن دخلوه بأجسادهم وقدموا عطايا وتقدمات وذبائح!
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كان هذا الهيكل جميلاً وعجيبًا مقدسًا، لكن حين فسد الذين يستعملونه صار محتقرًا ومرذولاً ودنسًا، حتى دُعي قبل السبي "مغارة لصوص"... وسُلم بعد ذلك في أيدي البرابرة الفاسدين النجسين[159].]
ويؤكد الرب لشعبه: "أنا أنا الربُّ، وليس غيري مخلص" (إش 43: 11؛ 45: 21؛ هو 13: 4)، لهذا فغاية بيت الرب أن يجتمع الشعب بالله مخلصه. هذه هي رسالة الكنيسة الرئيسية بل والوحيدة. كل عبادة وأنشطة تُقدم في الكنيسة غايتها خلاص الناس.
ومن الجانب الآخر، كل من يعزل نفسه عن الكنيسة، إنما يحرم نفسه من الارتماء في أحضان المخلص. هذا ما دعا المرتل أن يقول: "واحدة سألت من الرب وإياها ألتمس أن أسكن في بيت الرب كل أيام حياتي، لكي أنظر إلى جمال الرب وأتفرس في هيكله" (مز 27: 4؛ 23: 6).
يقول العلامة أوريجينوس: [راحاب تمثل الكنيسة، والحبل القرمزي يرمز إلى دم المسيح، والذين في البيت هم فقط الذين خلصوا. من أراد أن يخلص فليأت إلى هذا البيت، حيث دم المسيح علامة الفداء... ينبغي ألا يخدع أحد نفسه، فإنه لا يخلص أحد خارج البيت، أعني خارج الكنيسة[160].]
ويقول القديس كبريانوس: [أتظنون أنكم قادرون أن تصمدوا وتحيوا إن انسحبتم لتقيموا لأنفسكم بيوتًا ومواضع مختلفة، وقد قيل لراحاب: "اجمعي إليك في البيت أباكِ وأمكِ وإخوتك وسائر بيت أبيكِ، فيكون أن كل من يخرج من أبواب بيتك إلى خارج، فدمه على رأسه، ونحن نكون بريئين!" (يش 2: 18-19)... في هذا أعلن السرّ، أن الذين يريدون أن يحيوا ويهربوا من هلاك العالم يلزمهم أن يجتمعوا معًا في بيتٍ واحدٍ وحدهم، أي في الكنيسة، أما من يخرج من بين هؤلاء المجتمعين هناك معًا، أي إن كان أحد بالرغم من نواله نعمة في الكنيسة يتركها ويخرج خارجًا، فدمه على رأسه؛ هو مسئول عن هلاك نفسه، الأمر الذي أوضحه بولس موصيًا بتجنب الهرطوقي (رو 16: 17)[161].]
كما يقول: [من يبقى خارج الكنيسة فهو خارج معسكر المسيح[162].]
[لا يكون مسيحيًا من هو ليس داخل كنيسة المسيح[163].]
[كيف يمكن أن يكون أحد مع المسيح إن كان لا يسلك داخل عروس المسيح، وإن لم يوجد في كنيسته؟![164]]
ويقول القدِّيس أغناطيوس الثيؤفورس: [لا يخدعن أحد نفسه، فإذا كان الإنسان خارج الهيكل يُحرم من خبز الله... ومن لا يأتي إلى الاجتماع معًا يتكبر ويقطع نفسه عن الشركة[165].] كما يقول [من كان داخل المذبح فهو نقي، وأما من كان خارج المذبح فهو ليس نقيًا[166].]
3. ما هي علاقة الكنيسة بالمسيح المخلص؟
الكنيسة هي جسد المسيح، تحيا به، كما يحيا الجسد الطبيعي بالنفس، والمؤمن الذي ينتمي إليها هو بمثابة عضو في هذا الجسد[167]. يقول العلامة أوريجينوس: [يعلن لنا الكتاب المقدس أن كنيسة الله ككلٍ، هي جسد المسيح، تحيا بابن الله. أما أعضاء هذا الجسد فهم المؤمنون. فكما أن النفس تُحيي الجسد وتُحركه، هذا الذي ليس له في ذاته القوة الطبيعية على الحركة ككائنٍ حيّ، كذلك الأمر فيما يختص بالكلمة التي تنشط كل فرد من أعضائها المنتمين إليها، حتى لا يفعلوا شيئًا خارج الكلمة[168].]
4. لماذا يقول القدِّيس أغناطيوس الثيؤفورس: "الكنيسة موضع الذبيحة Thysiasterion"؟
لأن الكنيسة غايتها خلاص البشرية الذي يتحقق بذبيحة الصليب. وغاية المؤمن أن يُصلب مع المسيح ليقوم معه، فيترنم: "مع المسيح صلبت، فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فيّ، فما أحياه الآن في الجسد فإنما أحياه في الإيمان إيمان ابن الله الذي أحبني وأسلم نفسه لأجلي" (غل 2: 20).
لا ندهش من قول القدِّيس أغناطيوس الثيؤفورس لتراجان الملك في جرأة إنه يشتاق إلى تقديم ذاته ذبيحة لأجل إيمانه بالمسيح. كما قال له: "زادك الله غنى، تكَّرم بهذه المِنَح على من يعتبرونها ويرغبون فيها، فأنا كاهن سيدي يسوع المسيح وله أقدم الذبيحة في كل يومٍ، وأرغب في أن أقدم حياتي ذبيحة، كما قدم حياته ذبيحة حبًا بي."
يقول البابا أثناسيوس الرسولي: [لأن هذه هي الحياة الحقة التي يعيشها الإنسان في المسيح، فبالرغم من أن (المؤمنين) أموات عن العالم، لكنهم يعيشون كمن هم في السماء، مهتمين بالأمور العلوية. من يحب مثل هذه السكنى، يقول: "إن كنا نسير على الأرض لكننا نقطن في السماء"[169].]
5. هل من واجبنا أن نطلب الخلاص لإخوتنا؟
إذ اجتمع السيِّد المسيح في بيت وأحاط به فرِّيسيون ومعلمو الناموس جاءوا من كل قريّة من الجليل واليهوديّة وأورشليم، كان يعلمهم. وإذ رأى مفلوجًا يدليه أربعة رجال من السقف قطع حديثه ليهب غفرانًا للمفلوج وشفاءً لجسده، وكأنه في صداقته معنا لا يحب التعليم في ذاته كما يفعل بعض المعلمين، وإنما يطلب راحة البشريّة وخلاصهم على صعيد الروح والجسد معًا.
لقد لفت أنظار آباء الكنيسة في هذه المعجزة اهتمام الإنجيليّين بالكشف عن فاعلية حياة الشركة الروحيّة، فيستند المؤمن على إخوته في المسيح يسوع ربّنا، كما يسند هو أيضًا الآخرين، ويعيش الكل ككيان واحد متكامل يرتكز على "المسيح يسوع" حجر الزاوية (لو 5: 17-20).
لقد حمل المؤمنون المفلوج، وشفاه الرب من أجل إيمانهم، إذ يقول متى الإنجيلي: "فلما رأى يسوع إيمانهم قال للمفلوج: ثق يا بنيّ. مغفورة لك خطاياك" (مت 9: 2). ما أحوجنا أن نُحمل بإيمان الآخرين، ونحمل نحن أيضًا الآخرين بإيماننا!
يقول القدِّيس أمبروسيوس: ["فلما رأى إيمانهم، قال له أيها الإنسان، مغفورة لك خطاياك" (لو 5: 20). عظيم هو الرب الذي يغفر للبعض من أجل طلبة الآخرين، ويقبل تضرعات البعض من أجل غفران خطايا الغير!... خادم الله له الحق أن يطلب عنك، وله دالة فُيستجاب له!... تعلَّم أيها المريض كيف تتضرع، وإن كنت لا ترجو غفرانًا لخطاياك فالجأ لمن يشفع عنك، إلى الكنيسة التي تصلي من أجلك، ومن أجلها يهبك الرب الغفران.]
6. ماذا يقول أوريجينوس عن الكنيسة بيت الخلاص؟
لا يمكن أن يوجد خلاص بدون هذه الكنيسة. فهي فُلك الخلاص، تستقبل النور من يسوع المسيح، ولديها القدرة على تفسير الكتاب المقدس. يقول أوريجينوس أنه لا خلاص خارج الكنيسة، بيت الفداء. فبالنسبة له تمثل "راحاب" (يشوع 2) الكنيسة مجازيًا، والحبل القرمزي يرمز إلى دم المسيح، ولا يخلص سوى أهل بيتها.
يقول أوريجينوس: [إن أراد إنسان أن يخلص، يأتي إلى هذا البيت، حيث دم المسيح، علامة الفداء. وقد كان هذا الدم نفسه لإدانة الذين صرخوا قائلين: "دمه علينا وعلى أولادنا" (مت 25:27). جاء يسوع "لسقوط وقيام كثيرين" (لو 34:2). فلأولئك إذن، المتكلمين ضد علامته، سيكون دمه مُوجه للعقاب، أما للمؤمنين فهو مُوجه للخلاص. لا يخدع أحد نفسه. فإنه خارج هذا البيت، أي خارج الكنيسة، لن يخلص أحد. لقد أُعطيت علامة الخلاص (الحبل القرمزي) من خلال نافذة، لأن المسيح بتجسده أعطانا رؤية نور اللاهوت كما من خلال نافذة، لكي ينال الكل الخلاص بواسطة تلك العلامة، التي ستوجد في بيت من كانت في يومٍ ما زانية، ثم تطهرت بالماء والروح، وبدم ربنا ومخلصنا يسوع المسيح، الذي له المجد والقوة إلى الأبد آمين[170].] ويقول: [قد جاء يسوع "لسقوط وقيام كثيرين" (لو 32:2). فبالنسبة لمن ينكر علامته، يوجه دمه للعقاب، أما من آمن، فللخلاص. خارج هذا البيت إذن، أي خارج الكنيسة، لن يخلص أحد. فإن هجرها إنسان، يتحمل مسئولية موته[171].]
7. كيف يفسر أوريجينوس فلك نوح وأبعاده كرمز للكنيسة بيت الخلاص؟
يفسر أوريجينوس فُلك نوح وأبعاده بأسلوب رمزي، على أنه كنيسة المسيح. يقول: [بالنسبة لعرض الفلك، يُذكر رقم 50، وهو رقم مُقدس يرمز إلى الغفران والصفح. فطبقًا للناموس، كان هناك وقت محدد لإسقاط الديون، وهو مرة كل خمسين سنة (لا 25: 10). والآن، فالمسيح، نوح الروحي، في فلكه، أي الكنيسة التي يخلص فيها الجنس البشري من الهلاك. وقد نُسب هذا الرقم الذي يرمز للغفران إلى عرض الفلك. فلو لم تُمنح المغفرة للمؤمنين، لما امتدت الكنيسة في العالم أجمع[172].]
أمامنا هنا ربط السيد المسيح بالمغفرة، كما يُرمز إليها بالعدد 50، ولكن بدون تلميحٍ إلى ليتورجيًا البنطقستي، الأمر الذي نجده في مكان آخر [فرقم 50 يتضمن المغفرة بحسب سرّ اليوبيل الذي يُقام مرة كل خمسين سنة، أو العيد الذي يُحتفل به في يوم البنطقستي (لا 25: 11)[173].]
هذه المجازية الخاصة بالبنطقستي كإشارة إلى الغفران لها أهميتها الخاصة بالنسبة لأوريجينوس، فإنه يرى في السبعة الأسابيع الطقسية، صورة لامتداد الأسابيع الرمزية، والتي خلالها تتحقق المغفرة الكاملة من جميع الخطايا وتستعيد الإنسانية كمالها... [لابد أن نبحث عما إذا كانت النصوص المتعلقة بالتوقيتات، بالأيام والشهور والسنين، لا تنطبق أيضًا على العصور (aiones). لأنه إذا كان الناموس هو ظل البركات العتيدة، فبالتالي تكون السبوت ظلال لسبوت أخرى. ثم ماذا يمكنني أن أقول فيما يتعلق بعيد أيام الأسابيع السبع[174].]
من المثير أيضًا ملاحظة أن أوريجينوس في عظاته على سفر العدد، فقد بحث حتى وجد في الإنجيل ما يوحي برمزية عيد البنطقستي للغفران: [يتضمن الرقم 50 سرّ الغفران والعفو، كما أوضحنا مرارًا في العديد من فقرات الكتاب المقدس. اليوم الخمسين بعد الفصح هو عيد بحسب الناموس، وكذلك الأمر في الإنجيل. وفي المثل الخاص بالمغفرة والعفو تحدث الرب عن المدين بخمسين دينارًا[175].]
8. هل للكنيسة سلطان لمغفرة الخطايا؟
يقول أرنست لاتكو: تكشف دراسة دقيقة، دون أي خطأ، لنصوص وُجدت في أعمال أوريجينوس الأولية والتي جاءت فيما بعد، أن الكنيسة تملك سلطان على المفاتيح، أي قوة مغفرة الخطايا. إنه يشير إلى هذا السلطان المرة بعد الأخرى. ولكن لم يُجمع كل الدارسين على أن هذا هو موقفه. فقد أسس البعض نتائجهم على نصٍ أو آخر من النصوص الصعبة، التي يمكن توضيحها بكل تأكيد بمقارنتها بعقيدته ككل، حتى بلغوا إلى استنتاج أن أوريجينوس كان ينكر على الكنيسة هذا السلطان.
كتب هارناك أن البابا كاليستوس هو أول من أصرّ على أن للكنيسة سلطان مغفرة الخطايا، وأن هذا القرار قد أبرز تغييرًا طرأ على المفهوم الفعلي للكنيسة. فقد كانت الكنيسة الأولى، كما يقول، تنظر إلى نفسها "كجماعة قديسين"، وتُرجع سلطان مغفرة الخطايا إلى الله وحده[176]. إنه يقول: [كما أن الشمس والقمر ينيران أجسادنا، كذلك تستنير أذهاننا بالمسيح والكنيسة[177].]
9. ما هو دور الكنيسة كأم للمؤمنين؟
يقول العلامة أوريجينوس عن أمومة الكنيسة: [بحسب الروح، أبوكم هو الله، وأمكم هي "أورشليم السماوية" (راجع غلا 26:4؛ عب 22:12). تعلموا هذا من شهادات الأنبياء والرسل. وقد تضمن موسى هذا المعني في تسبحة: "أليس هو أباك ومُقتنيك؟!" (تث 6:32)[178]. كما يقول: [أما الرسول فيقول عن "أورشليم السماوية" "هي أمنا جميعًا، فهي حرة" (غلا 26:4). لذلك أبوك هو الله الذي أنجب روحك، والذي يقول: "ربَّيت بنين ونشَّأتهم" (إش 2:1). أما بولس فيقول أيضًا: "أفلا نخضع بالأولى جدًا لأبي الأرواح فنحيا؟! (عب 9:12)[179].]
ويقول الشهيد كبريانوس: [من ليس له الكنيسة أمًا، لا يقدر أن يكون الله أباه![180]]
10. هل تحزن الكنيسة من أجل الخطاة؟
ستظل الكنيسة مع رأسها، ربنا يسوع، في حزنٍ على الخطاة حتى يعودوا إلى إلههم ويخضعون للآب. ويعلق أوريجينوس على الكلمات، "وأقول لكم إني من الآن لا أشرب من نتاج الكرمة هذا إلى ذلك اليوم حينما أشربه معكم جديدًا في ملكوت أبي" (مت 26: 29)، قائلاً إن الخمر في الكتاب المقدس يرمز إلى الفرح الروحي. لقد وعد الله شعبه أنه سيبارك في خمرهم، أي سيمنحهم وفرة من الفرح الروحي. لهذا يمنع الكهنة من شرب الخمر عند دخولهم الهيكل، إذ يريدهم أن يكونوا في حالة حزنٍ وهم يقدمون القرابين عن الخطاة. فإذا تمت مصالحة الخطاة مع الله، عندئذ يكمل فرحهم. يعتقد أوريجينوس أن المسيح نفسه مع قديسيه يكون في انتظار توبة الخطاة، ففرحهم إذن، لا يزال غير كاملٍ.
يقول العلامة أوريجينوس: [يجب ألا نظن أن بولس يحزن من أجل الخطاة ويبكي لتجاوزاتهم، بينما يكف المسيح عن البكاء، حين يقترب من الآب، ويقف عند المذبح ليُقدم ذبيحة التكفير عنّا. هذا ليس شرب خمر الفرح "حين يصعد إلى المذبح"، إذ أنه لا يزال يحمل بعد مرارة خطايانا. لذلك فهو غير راغبٍ أن يشرب وحده من الخمر في ملكوت أبيه، بل ينتظرنا، وكما قال: "حتى أشربه معكم". فنحن إذن نؤخر فرحه بالتهاون في حياتنا[181].]
كما يقول: [لا يزال عمله غير مكتملٍ طالما أنا غير كاملٍ، وغير خاضعٍ للآب، فلا يُقال عنه هو أيضًا "يخضع" (1 كو 15: 28). ليس لأنه محتاج إلى الخضوع بذاته أمام الآب، ولكن من أجلي أنا، الذي لم يكتمل عمله فيَّ، قيل إنه لم يخضع بعد، فمكتوب أننا "جسد المسيح وأعضاؤه جزئيًا" (1 كو 12: 27).
لأنه طالما كان في داخلي "يشتهي الجسد ضد الروح، والروح ضد الجسد" (غل 5: 17)، ولم أستطع بعد إخضاع جسدي لروحي، فمن المؤكد إني "خاضع" لله، لا بجملتي بل جزئيًا،.. أما إن أمكنني أن اجتذب جسدي وكل أعضائي الأخرى في تناغم مع روحي، فسأبدو كما لو أنني صرت خاضعًا تمامًا.
لكنه لا يشرب الآن، إذ هو واقف أمام المذبح حزينًا على خطاياي. إنه سيشرب بعدئذ، عندما يخضع له الكل، وبعد خلاص الكل وموت الخطيئة (1 كو 15: 26، 28؛ رو 6: 16). عندئذ لن يكون ضروريًا بعد، أن تُقدم "ذبيحة خطيئة" (لا 6: 30)، فسيكون هناك فرح، "وتبتهج العظام المتواضعة" (مز 51: 8)، ويتحقق ما كُتب: "ويهرب الحزن والتنهد" (إش 35: 10).
لأن القديسين، عند رحيلهم من هذا العالم لا يحصلون مباشرة على مكافأتهم كاملة عن استحقاقاتهم، فهم ينتظروننا بالرغم من أننا سنتأخر. فلا يكون لهم الفرح الكامل وهم حزانى من أجل أخطائنا وخطايانا.
من الذي يقول هذا، إذ من أكون أنا حتى أجزم بعقيدةٍ كهذه؟ لكني سأسوق لك شهادة ممن لا تشك فيهم. فالرسول بولس "مُعلِّم الأمم في الإيمان والحق" (1 تي 2: 7)، في رسالته إلى العبرانيين، وبعد أن عدَّد أسماء الآباء القديسين الذين قد تبرَّروا في الإيمان، أضاف: "فهؤلاء كلهم مشهود لهم بالإيمان، لم ينالوا الموعد، إذ سبق الله فنظر لنا شيئًا أفضل لكي لا يُكمِّلوا بدوننا" (عب 11: 39-40). فأبونا إبراهيم، كما ترى، مازال في انتظار أن يحصل على ما هو كامل. كذلك الأمر مع آبائنا إسحق ويعقوب وجميع الأنبياء، كلهم ينتظروننا لنحصل معًا على الطوباوية الكاملة. لذلك، ستفرح أنت إذ ترحل عن هذه الحياة إن كنتَ مقدسًا. لكن فرحك لن يكون كاملاً، إذا ما افتقدت أعضاءً من الجسد. إنك تنتظر الآخرين، كما سبق أن انتظرك من سبقوك.
فإن كان فرحك لا يبدو كاملاً وأنت العضو، إذا ما افتقدت عضوًا آخر، فكم بالأحرى يكون الأمر بالنسبة إلى ربنا ومخلصنا "وهو الرأس" (أف 4: 15-16) والأصل للجسد كله؟ إنه يعتبر فرحه ليس بكاملٍ مادام يرى أحد أعضاء جسده ناقصًا. ربما لهذا السبب أفاض بصلاته أمام الآب: "والآن مجِّدني أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم" (يو 5: 17). أنه لا يريد أن يأخذ مجدًا كاملاً بدوننا، أي أنه يرغب في أن يحيا في هذا الجسد الذي هو كنيسته، وفي هذه الأعضاء من شعبه، كما أيضًا في أنفسهم، حتى تكون نبضاتهم وأعمالهم طبقًا لمشيئته. ليتحقق فينا قول النبي: "وأجعل مسكني في وسطهم وأسير بينهم" (لا 12: 26).
غير أننا مادمنا غير "كاملين وما زلنا بعد في خطايانا" (في 3: 15؛ 5: 8)، فهو فينا جزئيًا. لذلك نحن "نعلم بعض العلم، ونتنبأ بعض التنبؤ" (1 كو 13: 9)، إلى أن يصير كل منّا مستحقًا أن يصل إلى المستوى الذي يقول عنه الرسول: "فأحيا، لا أنا بل المسيح يحيا فيَّ" (غلا 2: 20). كما يقول أيضًا "نحن جسد المسيح وأعضاؤه" (1 كو 12: 27)، بل "وأفرادًا نحن عظامه"[182].]
11. كيف نشرب الكأس الجديدة مع السيد المسيح في السماء (مت 26: 29)؟
يكمل العلامة أوريجينوس حديثه السابق، قائلاً: [من هنا ترى أنه من المستحيل عليه أن يشرب الكأس الجديدة للحياة الجديدة من لا يزال "مرتديًا إنسانه العتيق مع أعماله". وكما قيل: "لا يضع أحد خمرًا جديدة في زقاقٍ عتيقةٍ". فإن أردت إذًا أن تشرب من "الخمر الجديدة"، فلتجدد ذاتك وتقول: "إذا خلعنا الإنسان العتيق، ولبسنا الجديد الذي يتجدد يومًا فيومًا" (كو 3: 9؛ مت 9: 17؛ 2 كو 4: 16). ومن المؤكد أن هذا التعبير فيه ما يكفي فيما يتعلق بهذه الأمور[183].]
12. هل يهتم كل المؤمنين بخلاص نفوسهم؟
في مناسبات عديدة، عبّر أوريجينوس عن حزنه فيما يتعلق بالكنيسة (في قيصرية)، مؤنبًا سامعيه في محبة. كان يتوقعً أن يتواجد جميع المؤمنين والموعوظين في الاجتماعات الصباحية اليومية والقداسات، لكن كثيرين منهم تراخوا في الحضور، وآخرون كانوا غير منتبهين، بل وغادروا الاجتماع بعد قراءة الإنجيل.
يقول أوريجينوس: [يأتي كثيرون إلى الوليمة، لكن القليل منهم يتكئ على المائدة (لو 14: 24).[184]]
كما يقول: [أليس مما يبعث الحزن والأسى (في الكنيسة) أن لا تجتمعوا لسماع كلمة الله؟ وحتى في المناسبات النادرة كالأعياد، عندما تأتون إلى الكنيسة، إنما تفعلون ذلك، لا عن رغبة في سماع الكلمة، بقدر ما هو لأجل بالاحتفال، والحصول بطريقةٍ ما على التسالي الاجتماعية فقط[185].]
[أخبرني يا من لا تأتي إلى الكنيسة إلا في يوم عيدٍ، هل بقية الأيام ليست بأعيادٍ؟ فالمسيحيون الحقيقيون يتناولون كل يومٍ من جسد الحمل، أي يأكلون يوميًا جسد الكلمة[186].]
[ما الفائدة من أن نكدح في مناقشة بعض القضايا في وقت يستخف بنا السامعون المنشغلون، والذين يقفون بالكاد في حضرة كلمة الله، إلى جزء من ساعة، ليصلوا إلى لا شيء؟... يوجد من يفهمون بقلوبهم ما يقرأ، ويوجد آخرون لا يفهمون ما يقال على الإطلاق، بل عقولهم وقلوبهم مركزة على صفقات أعمالهم وعدد مكاسبهم. وماذا نقول بالأخص عن النساء؛ هل يمكنهن أن يفهمن بقلوبهن، بينما هن يثرثرن وينزعن بحكاياتهن الهدوء؟! ماذا يمكنني أن أقول عن عقولهن وقلوبهن، إن كانت أفكارهن منشغلة بأطفالهن واحتياجات منازلهن؟![187]]
[يغادر البعض الكنيسة بعد الاستماع إلى القراءات المختارة مباشرة، بل أن البعض لا ينتظرون في صبرٍ هذه القراءات، كما أن هناك آخرون لا يعلمون ما إذا كانت قد قُرئت أم لا، إذ هم منشغلون بقصصٍ دنيوية في الأركان البعيدة من بيت الرب[188].]
13. هل من ضرورة للتفسير الحرفي وأيضًا التفسير الأخلاقي وتجاهل التفسير الروحي والرمزي؟
أبدى أوريجينوس ضيقه لأن بعض أعضاء الشعب قد اعترضوا على أسلوب تفسيره للكتاب المقدس، وبالأخص اكتشافه الجوانب الروحية فيه، في وقت صار فيه المعنى اللغوي (الأدبي) أو الأخلاقي بدأ يسود حديثًا. ففي إحدى عظاته قال: [إن رغبت في الحفر بعمقٍ للكشف عن (عروق) خفية من الماء الحيّ، فبمجرد شروعي في ذلك سيهب (الفلسطينيون) للجهاد ضدي. يثيرون الجدال، ويوجهون إلى هجماتهم الحقودة. ثم يبدأون في ردم آباري بالتراب والطين[189].]
كما قال: [لأنه إن كان يجب عليَّ، طبقًا لما يراه بعض الناس ممن هم في صفوفنا، أن أتبنى المعنى البسيط (المعنى اللغوي للكتاب المقدس)، وأن أتفهم بصوت يعطي الناموس بغير زخرفة لفظية أو مجازٍ مريبٍ، في سخريتهم بنا، فسأكون، أنا رجل الكنيسة، الذي يحيا تحت الإيمان، ويقف في وسط الكنيسة، ملتزمًا بسلطان الناموس الإلهي على تقديم ذبائح الكباش والحملان، وتقديم قرابين الدقيق مع البخور والزيت. أولئك الذين يلزموننا أن نقضي وقتنا في سرد القصص وتطبيق الناموس حرفيًا، هم الذين يصنعون ذلك بنا. لكن قد حان الوقت بالنسبة لنا، أن نستخدم كلمات سوسنة العفيفة ضد الشيخين المجردّين من المبادئ الأخلاقية، وهي كلمات يجحدونها ببترهم قصة سوسنة من قائمة الكتب المُوحى بها. أما نحن فنقبل هذه القصة كجزءٍ من الكتاب، بل ونوجه إليهم كلماتها، إذ تقول: "الضيقات قد اكتنفتني". لأني إن أنا جاريتكم واتبعت الناموس بالمعنى اللغوي، "فالموت هو نصيبي". وإن لم أفعل "فلن أفلت من أيديكم ولكن الوقوع في أيديكم بغير جريرة أفضل لي من أن أخطئ إلى الرب" (راجع دانيال 13: 22-23)[190].]
[كان يوجد مؤمنون، عندما كان هناك الاستشهاد. فبمجرد عودتنا بعد تشييع الشهداء إلى المقابر، كنا نجتمع معًا. كانت الكنيسة بأسرها موجودة، ولكنها لم تكن في حالة كربٍ على الإطلاق. كان الموعوظون يتلقون التعليم مع المعترفينٍ، وبين المنتقلين الذين اعترفوا بالإيمان حتى الموت. لم يكن يشعر أحدًا بأي قلقٍ أو اضطرابٍ، إذ كانوا مملوئين بالإيمان بالله الحيّ. كم من علامات رائعة شاهدناها حينذاك. كان عدد المؤمنون قليل، ولكنهم كانوا بالحقيقة مؤمنين، اجتازوا الطريق الضيق المؤدي إلى الحياة. أما وقد صرنا كثيرين، فقليلون حقًا هم المعترفون بالعقيدة المسيحية، الذين سوف يحظون بالاختيار الإلهي والتطويب[191].]
[تحزن الكنيسة وتتنهد إذا تخلفت عن الاستماع إلى كلمة الله. فقد صار ذهابك إلى الكنيسة بالكاد مقتصرًا على مناسبات الأعياد. وإذا ذهبت، فليس عن رغبة في سماع الكلمة، بقدر ما هو للاشتراك في مناسبة عامة[192].]
14. هل يليق بالراعي أن يداهن الشعب على حساب خلاص نفوسهم؟
يرفض العلامة أوريجينوس ذلك تمامًا، ومن كلماته في هذا الشأن: [كيف أزين باللؤلؤ آذانًا صماء لهؤلاء الذين تحولوا بعيدًا؟[193]] وقوله: [ربما ترون في هذا قسوة بالغة. لكن هل يمكنني أن أغطي أيّة مادة على حائطٍ سوف ينهار؟[194]]
6. يا لسمو الكنيسة!
1. ماذا يقول الآباء عن سمو الكنيسة؟
يقول القديس إيرينيؤس: [حيث توجد الكنيسة، يوجد أيضًا روح الله؛ وحيث يوجد روح الله، توجد الكنيسة وكل نعمة. الروح هو الحق.]
ويقول البابا الكسندروس السكندري: [الكنيسة الجامعة الرسولية الواحدة الوحيدة لا يمكن أن تتدمر مع أن كل العالم يطلب أن يحاربها. إنها منتصرة على كل ثورة الهراطقة الأشرار الذين يقومون ضدها.]
ويقول الشهيد كبريانوس: [كما توجد أشعة شمس كثيرة لكن النور واحد... هكذا تشرق الشمس بنور الرب، فتبعث أشعتها على العالم كله، لكنه يوجد نور واحد ينتشر في كل موضع.]
وجاء في تعليم الاثني عشر رسولاً: [اسمع هذا أيها الشعب، كنيسة الله المختارة. كان الشعب قديما يُدعى "شعب الله"، "أمة مقدسة" لهذا أنتم كنيسة الله المقدسة المكرسة، مسجلة في السماء، كهنوت ملوكي، أمة مقدسة، شعب مختار، عروس مزينة للرب الإله، كنيسة عظيمة، كنيسة أمينة.]
ويقول القديس هيبوليتس أسقف روما: [العالم هو بحر، فيه تبحر الكنيسة مثل سفينة تخبطها الأمواج في العمق، لكن لن تدمرها، فإن قائدها الماهر هو المسيح.]
ويقول القديس أمبروسيوس: [من يطلب الكنيسة يطلب المسيح.]
ويقول القديس أغسطينوس: [من يقول بأن الكنيسة العظيمة هي جزء صغير من الأرض؟ الكنيسة العظيمة هي العالم كله!] كما يقول: [كرِّم الكنيسة المقدسة وحبها وأمدحها، أمك أورشليم السماوية، مدينة الله. إنها تلك التي في هذا الإيمان الذي تقبله تحمل ثمرًا وتنتشر في كل العالم. إنها كنيسة الله الحي، عمود الحق وقاعدته (1 تي 3: 15)، التي في منحها للأسرار تحتمل الأشرار الذين في وقت ما يُعزلوا ويُستبعدوا[195].]
ويقول القديس إكليمنضس السكندري: [يا للسر العجيب! واحد هو أب الكل، واحد أيضًا الكلمة للكل، والروح القدس هو واحد وفي كل موضع أيضًا. كذلك توجد أم واحدة بتول، أحب أن أدعوها الكنيسة.]
2. كيف تكون الكنيسة أمًا وعذراء في نفس الوقت؟
يقول القديس أغسطينوس: [هذا الذي أبرع جمالاً من بني البشر، ابن القديسة مريم، عريس الكنيسة المقدسة، هذا الذي أقامها على شكل أمه. فقد قدمها لنا لتكون أمًا لنا، واحتفظ بها لتكون عذراء له[196].] كما يقول: [أبوك هو الله، والكنيسة هي أمك. ما أبعد هذه الولادة منها عن ولادتك من أبوين حسب الجسد[197].]
3. كيف تكون الكنيسة عذراء؟
يقول القديس أغسطينوس: [أتريد أن تعرف كيف تكون الكنيسة عذراء؟ اسمع الرسول بولس، اسمع صديق العريس الغيور لا لنفسه بل للعريس... إنه يتحدث إلى الكنيسة. أية كنيسة؟ إلى كل من يمكن أن تصلهم رسالته... يقول: "أخاف عليكم لئلا كما خدعت الحية حواء" جسديًا، هل فعلت ذلك؟... لقد حطمت بتولية قلبها...
هل تقولون لي: "إن كانت الكنيسة عذراء فكيف تنجب أطفالاً؟ أو إن كانت لا تنجب أطفالاً فكيف نقدم أسماء (للعماد) لكي يولدوا منها؟"
أجيب: "إنها عذراء وتلد أيضًا أطفالاً" إنها تتمثل بمريم التي ولدت الرب.
ألم تلد القديسة مريم طفلها وبقيت بتولاً؟ هكذا أيضًا الكنيسة تلد أطفالاً وهي بتول. وإن أعطيت الأمر اعتبارًا خاصًا فإنها تلد المسيح لأن الذين يعتمدون هم أعضاؤه[198].]
[الكنيسة مثل مريم، لها كمال لا ينتهك وإخصاب غير فاسد. ما استحقته مريم جسديًا راعته الكنيسة روحيًا، مع استثناء أن مريم أنجبت طفلاً واحدًا، أما الكنيسة فلها أطفال كثيرون معينون لكي يجتمعوا كجسدٍ واحدٍ لذلك الواحد[199].]
4. بماذا يدعوها العريس السماوي؟
يدعوها العريس السماوي الحمامة ذات الصوت الطيف والوجه الجميل؟ يقول القديس غريغوريوس النيسي: [نادى الكلمة بهذه التعاليم من خلال الشبابيك إلى عروسه، وهي الحمامة، فاستجابت لجماله، لأنها استنارت بشعاع الفهم وتعرفت على الصخرة وهو المسيح. إنه يقول: "أريني وجهك، اسمعيني صوتك لأن صوتكِ لطيف ووجهكِ جميل" (نش 14:2)... رأى سمعان مثل ما أرادت العروس أن ترى. وهؤلاء الذين استقبلوا صوت المسيح الحلو تعرفوا على نعمة الإنجيل وصرخوا: "يا رب إلى من نذهب؟ كلام الحياة الأبدية عندك" (يو 68:6)[200].]
5. لماذا يدعو القدِّيس أغناطيوس الثيؤفورس الكنيسة جماعة حب؟
يقول القدِّيس أغناطيوس الثيؤفورس: [كل الأمور حسنة على السواء؛ إذا آمنتم وأنتم في المحبّة[201].] كما يقول إن السيّد المسيح هو الحياة الخالدة، إذ يهبنا الحياة يعطينا الحب الإلهي: [فإن شرابه، أي دمه... هو المحبّة غير الفاسدة[202].]
6. لماذا يدعو القدِّيس أغناطيوس الثيؤفورس الكنيسة جماعة شكر وتسبيح؟
لأنه خلال سرّ الشكر تظهر الكنيسة من جانبين: جانب إيجابي: وهو التمتّع بالحب والنقاوة والوحدة وشركة الخلود مع التسبيح والفرح. وجانب سلبي إذ تقاوم إبليس وتغلبه. يقول القدِّيس أغناطيوس الثيؤفورس: [اهتموا في أن تجتمعوا بكثافة أكثر لتقديم الشكر والمجد لله، فعندما تجتمعون مرارًا معًا في الاجتماع الإفخارستي، تضمحلّ قوى الشيطان، وتنحل قوّته أمام اتفاق إيمانكم وتآلفه[203].]
7. ما هو عمل السيد المسيح في أعضاء كنيسته؟
يقول العلامة أوريجينوس: [إذا قورنت الكنائس التي شكَّلها المسيح بتجمعات المدن التي توجد بها، فسوف تظهر كمشاعلٍ مضيئة في العالم. فمن منا لا يعترف بأن عدد الأعضاء القليل من الكنائس غالبًا ما يكون أفضل من كثيرين الذين يظهرون في التجمعات المدنية؟!...
إذ ما قارنا مجلس كنيسة اللَّه بمجلس المدينة، نجد أن بعضًا من أعضاء مجالس الكنائس جديرون أن يكونوا أشرافًا لمدينة إلهية، إذا ما وجدت مثل هذه المدينة في العالم. في حين نجد الأعضاء المدنيين غير أهلٍ بأخلاقياتهم للمراكز البارزة التي يشغلونها بين مواطنيهم.
لتقارن على نفس هذا النمط رأس كل كنيسة برؤوس تلك المدن، فستجد أن الشاغلين، حتى لأدنى الدرجات في كنيسة اللَّه، متفوقين على كل الحكام المدنيين، إذا ما وضعنا فضائل الفئتين جنبًا إلى من
8. ما هي فاعلية الكنيسة في قلب المؤمن؟
يرى كاتب سرياني أن دور الكنيسة هنا على الأرض أن تُلهب قلوبنا بالشوق إلى الكنيسة العليا، إذ يقول: [يليق بنا ألا نحتقر الكنيسة المنظورة التي تحضر كل واحد كابنٍ. ولا نزدري بكنيسة القلب هذه، متطلعين إلى أنها تقوي كل الذين هم مرضى. ويلزمنا أن نشتاق إلى الكنيسة العليا فإنها تكمل كل القديسين[204].]
9. أين يتعرف المؤمن على مشيئة الله؟
إذ يتقدس المؤمن ويقول مع المرتل: "واحدة سألت من الرب وإياها التمس: أن أسكن في بيت الرب كل أيام حياتي، لكي انظر إلى جمال الرب، وأتفرس في هيكله" (مز 27: 4)، يتعرف على مشيئة الله. يقول القديس كيرلس الكبير: [يليق بنا بأكثر تعقل أن نقر أن مشيئة الطبيعة الإلهية نسمعها بوجهٍ خاصٍ في الأماكن المقدسة.]
10. كيف تحث الكنيسة المؤمن على العمل؟
يقول الأب مكسيموس المعترف عن الكنيسة إنها [المعمل الذي فيه يتحوَّل الإنسان ليُحوِّل العالم.]
11. لماذا دُعي المؤمنون المختارون أو الكنيسة المقدسة "القطيع الصغير" (لو 12: 32)؟
يقول القدِّيس كيرلس الكبير: [لقد دعاهم "قطيعًا صغيرًا"، لأننا أقل من جموع الملائكة غير المحصيَّة، التي تفوق في القدرة أمورنا المائتة بما لا يُقاس. هذا ما علمنا إيَّاه المخلِّص بنفسه في المثل المذكور في الأناجيل، إذ يقول "أي إنسان منكم له مئة خروف وأضاع واحدًا منها، ألا يترك التسعة والتسعين في البريَّة (على الجبال) ويذهب من أجل الضال حتى يجده؟ وإذا وجده يضعه على منكبيه فرحًا... فالحق أقول لكم يفرح به أكثر من التسعة والتسعين الذين لم يضلوا (لو 15: 4 الخ). لاحظوا إن كان عدد الكائنات العاقلة يمتد إلى عشرة مضروبة في عشرة، فإن القطيع الذي على الأرض ليس إلا واحدًا من مئة. مع أنه صغير من جهة الطبيعة والعدد والكرامة، أن قورن بطغمات الأرواح العلويَّة التي بلا عدد، لكنه بصلاح الآب الذي يفوق كل وصف ويُعطى له نصيب مع الأرواح الفائقة، أقصد ملكوت السماوات[205].]
12. لماذا ِ شُبهت الكنيسة بالمرأة المنحنية التي نالت الشفاء؟
يقول القدِّيس أمبروسيوس: [تظهر في هذه المرأة المنحنية (لو 13: 10-11) صورة الكنيسة التي بدأت تظهر بعدما أكملت مقياس الناموس وتمت بالقيامة، إذ نالت نعمة عظيمة بالراحة الأبديَّة فلا يمكن أن تُجرب بانحناءة ضعفنا. لم يكن لهذه المرأة شفاء إلا بالناموس والنعمة، بإتمام وصايا الناموس (لا أعماله الحرفيَّة) وفي معموديَّة النعمة تموت عن العالم وتحيا للمسيح. في الوصايا العشرة يتم الناموس وفي رقم 8 ملء القيامة[206].]
13. لماذا تٌدعى الكنيسة الفندق المفتوح لكل البشر؟
يقول العلامة أوريجينوس: [الفندق هو الكنيسة التي تستقبل جميع الناس، ولا ترفض أن تسند أحدًا، إذ يدعو يسوع الكل: "تعالوا إلىّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم" (مت 11: 28)[207]. ويقول القدِّيس ساويرس الأنطاكي: [الفندق هو الكنيسة التي أصبحت تستقبل وتأوي كل الناس، فإننا لم نعد نسمع حسب ضيق الظل الناموسي والعبادة الرمزيَّة: "لا يدخل عمُّوني ولا موآبي في جماعة الرب" (تث 23: 3)، "في ذلك اليوم قُرئ في سفر موسى في آذان الشعب ووجد مكتوبًا فيه أن عمُّونيًّا وموآبيًّا لا يدخل في جماعة الله إلى الأبد" (نحميا 13: 1) بل نسمع: "فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمِّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس" (مت 28: 19)، وأيضًا "بل في كل أمة الذي يتَّقيه ويصنع البرّ مقبول عنده" (أع 10: 35).
بعد أن أتى (السامري) به إلى الفندق، "اعتنى به" (لو 10: 34). أي بعد أن تشكَّلت الكنيسة من اجتماع الأمم التي كانت تموت في عبادة الآلهة العديدة، أصبح المسيح نفسه هو الساكن فيها ويسير، كما هو مكتوب، ويمنح كل نعمة روحيَّة. "فإنكم أنتم هيكل الله الحيّ، كما قال الله: إنِّي سأسكن فيهم وأسير بينهم وأكون لهم إلهًا وهم يكونون لي شعبًا" (2 كو 6: 16).]
14. هل يُمكن لإنسانٍ أن ينجو وهو يعتزل عن الكنيسة؟
يقول الشهيد كبريانوس: [لا يمكن أن تكون عروس المسيح زانية، بل هي طاهرة غير دنسة. إنها تعرف لها بيتًا واحدًا، وتحتفظ بقداسة مجتمعٍ واحدٍ في عفةٍ ونقاوةٍ. إنها تحفظنا لله، وتعين الأبناء الذين ولدتهم لنوال ملكوت السماوات. وكل من ينفصل عن الكنيسة ويلتصق بالزنا يُحرم من مواعيد الكنيسة. إن من يهجرها لا يقدر أن يتمتع ببركات المسيح، إذ هو جريح وجاحد دنس... ولا يستطيع أن يكون الله له أبًا مادامت الكنيسة ليست أُمًا له. لو استطاع أحد أن ينجو وهو خارج عن فلك نوح، لكان يمكن لأحد أن ينجو وهو خارج الكنيسة. والسيِّد المسيح يحذرنا قائلاً: "من ليس معي فهو عليَّ، من لا يجمع معي فهو يفرق" (مت 12: 30). من يمزق سلام المسيح وارتباط القلوب في وحدة حوله هو ضد للمسيح. من يجمع إلى مكان آخر بعيد عن الكنيسة يمزق كنيسة المسيح. إن من لا يتمسك بهذه الوحدة فهو لا يحفظ شريعة الله ولا إيمان الآب والابن، ولا يتمسك بالحياة والخلاص.]
كما يقول: [من يبقى خارج الكنيسة فهو خارج معسكر المسيح[208].] [من ليس له الكنيسة أمًا، لا يقدر أن يكون الله أباه[209]!]
يقول القدِّيس أمبروسيوس: [من يبتعد عن الكنيسة يبدد ميراثه[210].]
15. ما هو مفهوم الاعتزال عن الكنيسة؟
يُعلِّق القدِّيس أمبروسيوس على السفر إلى كورة بعيدة، قائلاً: [الابتعاد الأعظم هو أن ينفصل الإنسان لا خلال المسافات المكانية، وإنما خلال العادات، فلا يذهب إلى بلاد مختلفة بل يحمل اتجاهات مختلفة... من ينفصل عن المسيح يتغرب عن الوطن، ويصير وطنه هذا العالم، أما نحن فلسنا بعد غرباء ونزلاء بل رعيَّة مع القدِّيسين وأهل بيت الله (أف 2: 19)، لأنه "أنتم الذين كنتم قبلاً بعيدين صرتم قريبين بدم المسيح" (أف 2: 13). ليتنا لا نكن قساة على القادمين من كورة بعيدة، لأننا نحن أيضًا كنا بعيدين في كورة بعيدة... هي ظلال الموت... وقد صرنا أحياء في ظل المسيح، لذا تقول الكنيسة: "تحت ظله اشتهيت أن أجلس" (نش 2: 3)[211].]
16. ما هو مفهوم العودة إلى الكنيسة؟
يعلق القدِّيس أمبروسيوس على مثل الدرهم المفقود (لو 15: 8-10)، قائلاً: [فرح هذه المرأة التي وجدت الدرهم المفقود ليس بقليل الأهمية، لأن الدرهم عليه صورة الملك. هذه الصورة نملكها في الكنيسة.... أقول ليتنا كخراف نتضرع لله كي يقودنا إلى مياه الراحة (مز 22: 2) ونطلب المراعي، وكدراهم فلنحتفظ بقيمتنا (نحمل صورة الملك فينا) وكأبناء نرجع إلى أبينا[212].]
7. الكنيسة والتجديد المستمر
1. كيف تنطلق الكنيسة باستمرار من مجدٍ إلى مجدٍ؟
يقول الرسول: "ونحن جميعًا ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف كما في مرآةٍ نتغير إلى تلك الصورة عينها من مجدٍ إلى مجدٍ كما من الرب الروح" (2 كو 3: 18)، أو التمتع الدائم بالتجديد الروحي.
نزل إلينا كلمة الله لينطلق بنا من حرفية الناموس إلى حرية مجد أولاد الله. هذه الانطلاقة لن تتوقف مادمنا تحت قيادة روحه القدوس. يقول القديس مار يعقوب السروجي:
[تقول الكنيسة: "لا أطلب العتيقات لأتشرف بها، بل أطلب الأمور الجديدة الخاصة بأسرار ابن الله. لا أطلب الأردن حيث تطهَّر الأبرص، لأنه هوذا المعموديّة تعطي الحياة (2 مل 5: 14).
لا أحتاج إلى بركة سلوام لشفاء المرضى (يو 9: 7)، لأن في داخلي عين الحياة مفتوحة، مُضمِّدة الجروح. لا أطلب المن الذي متى بات أنتن (خر 16: 20)، لأنني ها أنا آخذ جسد الابن كل أيامي. به تختفي فيَّ الحياة الجديدة... يشفي جراحاتي، ويطهرني من دنسي.
لا أطلب عمود السحاب، ولا الحية النحاسية التي صنعها موسى. عوضهما صار لي صليب الحياة يضيء ظلمتي، ويحفظني من الأمور المؤذية.
لا أطلب قبة (خيمة) العهد التي فُسرت جميع أسرارها بحضن مريم.
إني لا أتشبه بابنة صهيون التي ظلمت سيدها، وبعد أن نالت جميع الحسنات علقته على الخشبة. ولأنها تركته وزنت طردها، وأخرجها من بيته، وأعطاني أنا الضالة جميع غناه.
تعالي أيتها الكنيسة، وكوني وارثة لخزائن الابن، لأن العجوز قد عتقت وخرجت بأصنامها.
تعالي أيتها الزانية التي قدسها الصليب بالمعموديّة، وصيَّرها حرة، لتفرحي معه في الملكوت.]
2. هل من نصرات مستمرة لا تنقطع؟
كان العلامة أوريجينوس يمتدح المؤمنين الحقيقيين لانتصارهم على الشيطان وعلى جميع الخطايا. فرجال الكنيسة يسحقون كل قوات الظلمة بالنعمة الإلهية، بل وأبواب الجحيم لن تقوى عليهم (مت 16: 18).
يقول العلامة أوريجينوس: [أما وقد مزَّق (الشِبَاك) ووطأها، فهو يشجع أيضًا كنيسته لتدوس الفخاخ وتطأ الشباك، ثم تقول بكل الفرح: "انفلتت أنفسنا مثل العصفور من فخ الصيادين؛ الفخ انكسر ونحن نجونا" (مز 124: 7). من الذي مزَّق الفخاخ إلا ذاك الوحيد الذي لا يُمكن الإمساك به؟ فمع أنه قاسى الموت، إلا أن ذلك تمّ بإرادته، وليس كما يحدث لنا بسبب خطايانا. فهو وحده صار حُرَّا بين الأموات. وإذ هو الحيّ بين الأموات، عندما أباد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت" (عب 2: 14)، وأتى بالذين ذاقهم الموت. لم يُصعِدَ ذاته فقط من الموت بل أصعد معه أولئك الذين غلبهم الموت؛ وجعلهم يجلسون معه في الأمجاد السمائية. "إذ صعد إلى العلاء سبى سبيًا" (أف 4: 8). لم يأتِ بالنفوس فحسب، بل وأقام الأجساد أيضًا، كما يشهد بذلك الإنجيل: "وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين، وخرجوا من القبور بعد قيامته، ودخلوا مدينة الله الحيّ أورشليم السماوية، وظهروا لكثيرين" (راجع مت 27: 52؛ عب 12: 22)[213].
كما يقول: [الكنيسة، كبناءٍ للمسيح الذي بنى بيته بحكمة على الصخر (مت 7: 24)، لا يحق لها إفساح المجال لأبواب الجحيم، التي تسود على من هم خارج الصخرة والكنيسة، ولكن لن تقوى عليها[214].]
3. هل نعتز بالكنيسة لأنها ممتدة من القدم أم لأنها جديدة؟
يقول العلامة أوريجينوس: [لا تظن أن هذه الكلمات قد وُجهت فقط إلى "إسرائيل" التي هي "حسب الجسد" (كو 10: 18)، بل هي موجهة بالأكثر إليكم، يا من صرتم "إسرائيل" روحيًا، بالحياة في المسيح. يا من أُختنتم، لا في لحمكم، بل في قلوبكم[215].]
ورثت كنيسة العهد الجديد كل ما كانت تتمتع به كنيسة العهد القديم، لا حرفيًا، بل روحيًا. ففي وصف الرسول بولس لكنيسة العهد القديم بأن "لهم التبني والمجد والعهود والاشتراع والعبادة والمواعيد" (رو 9: 4)، يؤكد بولس أن هذه المزايا قد آلت إلى كنيسة العهد الجديد، من أجل إيمانها بالمسيح، فيقول: "لهم هذه الوعود...[216]".
الكنيسة جديدة في حياتها في المسيح، إذ تقبل عمل الروح القدس الذي يُجدد أفكارنا وحياتنا بغير توقف. كما أنها بالغة القِدم، إذ هي كائنة في عقل الله الذي خطط لخلاصنا، قبل تأسيس العالم. يقول العلامة أوريجينوس: [ما كنت لأدَعَكَ تفترض أن "عروس المسيح" (رؤ 21: 2)، أي الكنيسة، قد بدأ ذكرها فقط بعد مجيء المخلص بالجسد، بل هي منذ بداية الجنس البشري، منذ تأسيس العالم. ويمكنني متابعة بولس وهو يتقصّى أصل هذا السرّ، حتى إلى أبعد من ذلك، أي إلى ما قبل تأسيس العالم لنكون قديسين" (أف 1: 4-5). يقول الرسول أيضًا، إن الكنيسة قد بُنيت على أساس، ليس من الرسل فحسب، بل أيضًا من الأنبياء (أف 2: 20). والآن، فآدم يعتبر بين الأنبياء، إذ تنبأ عن ذلك السرّ العظيم، فيما يتعلق بالمسيح والكنيسة، بقوله "لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته، ويكونان جسدًا واحدًا (تك 2: 24). أما بالنسبة للرسول، فواضح أنه يتكلم فيما يختص بالمسيح والكنيسة بقوله، "هذا السرّ عظيم، لكنني أنا أقول من نحو المسيح والكنيسة" (أف 5: 32). كما يقول أيضًا: "كما أحب المسيح أيضًا الكنيسة، وأسلم نفسه من أجلها، لكي يُقدّسها، مُطهِّرًا إياها بغسل الماء" (أف 5: 25-26). وفي هذا يُظهر أنه لا يرفض الرأي القائل بوجوده من قبل. إذ كيف أحبَّها ما لم تكن موجودة؟ فالكنيسة بدون شك موجودة في جميع القديسين الذين كانوا منذ بدء الزمن. هكذا بمحبته للكنيسة أتى إليها. "وإذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم، اشترك هو أيضًا كذلك فيهما" (عب 2: 14)، وبذل نفسه عنهم. كان هؤلاء القديسون هم الكنيسة التي أحبَّها، ليزيدها عددًا، ويُعضدها بالفضائل وينتقل بها من الأرض إلى السماء[217].]
8. الكنيسة والخط الاجتماعي[218]
أوريجينوس هو أول من أعلن أن الكنيسة هي مدينة الله هنا على الأرض[219]، تحيا إلى حين، جنبًا إلى جنبٍ مع الدولة المدنية[220].
1. كيف تمارس الكنيسة أمومتها مع الالتزام بالخط الروحي الاجتماعي؟
الكنيسة وإن كانت لا تتدخل في الشئون السياسية والقوانين المدنية والعسكرية والاقتصادية والمنظمات الاجتماعية، لكنها تحمل أمومة صادقة نحو كل إنسانٍ وكل أسرةٍ وتحب كل المجتمع، وتشتهي أن تتحول الأرض إلى سماءٍ متهللةٍ ليست في عوزٍ، كما لا تحتمل أن ترى إنسانًا مظلومًا أو متألمًا. تود أن ترى كل إنسانٍ في العالم يحمل ثقة في نفسه بالرب، له دوره الحيّ في البشريَّة، يحمل في داخله روح القيادة الجادة الملتزمة بتواضعٍ داخليٍ، في غير خمولٍ أو شعورٍ بالنقص. فالخط الاجتماعي المسيحي هو حياة إنجيلية كنسية تمس أعماق الفكر والقلب والحواس، وتُترجم خلال السلوك اليومي.
2. ما هي نظرة العهد القديم للخط الاجتماعي؟
ليس ما يشغل الناموس مثل حياة البرّ وتحقيق العدل، حتى أنه كثيرًا ما يحدث خلط بينهما. والعدالة في الناموس تمس معاملات الإنسان مع الله ومع أخيه الإنسان، بل ومع الحيوانات والطيور، حتى الجمادات. إنها قوانين تفصيلية قُدمت للإنسان في بدء حياته الروحية لتكون ناموسًا له، لا يحيد عنه يمينًا ولا يسارًا. بدونها ليس من قبول لذبائحه وصلواته وأصوامه وعطاياه وكل عبادته.
3. ما هي نظرة العهد الجديد للخط الاجتماعي؟
أولاً: في العهد الجديد لكن يتعامل الله مع المؤمن كإنسانٍ ناضجٍ، يهبه الفكر الحيّ والحياة الداخلية النقية، لكي يقدم العمل الاجتماعي حسب احتياج كل عصرٍ بروحٍ إيمانيٍ عمليٍ واقعيٍ. من هنا نجد في كتابات الآباء الأولين منذ عصر الآباء الرسوليين تطورًا في العمل الاجتماعي، لكن بخط إيماني واضح غير متغير. فالفكر حيّ وثابت، يتكيف حسب احتياجات العصر.
ثانيًا: عرّف القديس يوحنا الذهبي الفم الكنيسة بأنها "الحياة الجديدة"، حيث يختبر المؤمن عمل الله الآب محب البشر خلال الخلاص الذي قدمه كلمة الله المتجسد على الصليب، وعمل روحه القدوس الذي يشَّكلنا لنكون أيقونة حية للسيد المسيح. يصعب علينا أن نحدد الخط الاجتماعي للكنيسة الأولى كما لو كان في معزلٍ عن الخط الروحي أو الثقافي أو غيره. إنما هو خط واحد متكامل، وخبرة حياة مُعاشة. وليس من فصلٍ بين علاقة المسيحي بالله وعلاقته ببني البشر. وليس من عزلٍ بين نموه الروحي واهتمامه بنموه الدراسي، ولا بين تقديس النفس وتقديس العقل، وأيضًا الجسد والحواس والعواطف!
4. ما هو منهج الكنيسة الأولى؟
يُعرف القديس إكليمنضس الإسكندري بثالوثه المشهور أو أعماله الكتابية الثلاثة الرئيسية، وهي: نصح لليونانيين Protrepticus، والمعلم أو المربى Paedagogus، والمتفرقات Stromata.
يقول Osborn: إن مشكلة العلاقة بين هذه الأعمال الثلاثة الكبرى جذبت الانتباه بطريقة ملحوظة في الخمسين سنة الأخيرة[221]. ويقول Swete: "ربما ليس في كل الأدب الآبائي الأول أكثر جاذبية للقارئ الحديث مثل ثالوث (إكليمنضس) العظيم في تدريج التعليم في الحياة المسيحية... ومفهوم إكليمنضس للمسيحية في علاقتها بكل ميادين الفكر البشرى، الأمر الذي له قيمته في أيامنا... ونفعه متزايد في العصر الحاضر[222]."
يرى القديس إكليمنضس أن خطة الله نحو البشرية تأخذ مراحل ثلاث وهي تطابق كتبه الثلاثة[223]. كأنه يميز بين اللوغوس الإلهي كهادي Protrepikos يدعو الناس للخلاص، وكمربى Paedagogus يحث المؤمنين على الحياة الأفضل ويشفيهم من آلامهم ممارسًا عمله الروحي فيهم، وكمعلم Didaskelos[224]. وأخيرًا يعلم الأسس العامة ويشرحها، مفسرًا المنطوقات الرمزية في المتفرقات. وهو يقول: [المرشد السماوي، اللوغوس يُدعى الهادي عندما يدعو البشرية للخلاص... لكنه إذ يعمل كطبيبٍ أو مربٍ يصير اسمه "المربي"... فالنفس المريضة تحتاج إلى مربٍ يشفي آلامها. ثم تحتاج إلى المعلم الذي يعطيها الإدراك... "إعلان اللوغوس". هكذا إذ يريد اللوغوس خلاصنا خطوة فخطوة يستخدم وسيلة ممتازة: إنه في البداية يهدي، ثم يصلح، وأخيرًا يعلم[225].] فالحياة وحدة واحدة، ليس من فصلٍ بين العقيدة والعبادة والسلوك والعلم والمعرفة.
5. ما هي أسس العمل الاجتماعي في الكنيسة الأولى؟
قام العمل الاجتماعي في الكنيسة الأولى على أساس إنجيلي، أسس العمل الاجتماعي هي:
أ. الحب الأخوي المتلاحم مع المحبة الإلهية، وتحقيق العدالة.
ب. الاهتمام بالمصلحة العامة لكل البشرية دون تجاهل الاهتمام الفردي بكل أحدٍ ما أمكن.
ج. العمل على التساوي بين جميع البشر، دون محاباة لجنسٍ أو طبقةٍ ما أو أصحاب مواهب معينة.
د. يكرم كل عضو الآخر، وتُعطى الكرامة لمن له الكرامة، دون السماح بالمذلة لإنسانٍ ما.
ه. تقديس الحرية الإنسانية، ليعبر الإنسان عن نفسه كسفيرٍ للسيد المسيح ووكيل السماء، محققًا رسالته التي من أجلها خلقه الله وقدم له الخلاص.
و. تكريس الطاقات والمواهب وتقديسها، أيا كانت!
س. تحقيق العضوية الكنيسة العاملة، بأن يمارس كل شخصٍ دورًا إيجابيًا في المجتمع والكنيسة، مع خلق روح القيادة الصادقة بروح التواضع والشعور بالالتزام والمسئولية.
6. ما هو دور الكنيسة الأولى في العمل الاجتماعي؟
يصور لنا الإنجيلي لوقا في سفر الأعمال الكنيسة في عصر الرسل أنها تحمل شركة في العبادة كما في الممتلكات، فهي تقوم على اتحاد الأعضاء معًا في جسد واحد، كل عضوٍ يهتم بإخوته.
في نهاية القرن الثاني ظهر في روما والإسكندرية وقرطاجنة وفى الشرق إقامة وجبات محبة agape بعد الاحتفال بليتورجيا الإفخارستيا، وذلك إما من أموال الكنيسة أو يقوم بها أحد الأغنياء.
إذ لم تكن بعد قد ظهرت المستشفيات اهتمت الكنيسة بمعالجة المرضى[226].
لا يقف واجب العطاء عند الأغنياء تجاه الفقراء، بل الفقير أيضًا يعطي أخاه الفقير.
إذ يتحدّث القديس بوليكربس عن القس فالنز وزوجته اللذين بسبب الطمع انحرفا عن الإيمان، قائلاً: [إنني حزين جدًا يا إخوة من أجل فالنز ومن أجل زوجته أيضًا، يا ليت الرب يمنحهما توبة صادقّة! عالجوا هذا الأمر بالذات باعتدال، ولا تحسبوهما أعداء، بل حاولوا أعادتهما كعضوين مريضين تائهين، ومتى عادا يصبح جسدكم كاملاً، إذا فعلتم هذا فإنكم تبنون أنفسكم[227].]
يقول مينيكوس إن المسيحيين يحبون بعضهم "حتى قبل أن يعرفوا بعضهم البعض"[228]. ويقول اريستيديس: [لا يهمل (المسيحيون) الأرملة، ويحررون اليتيم ممن يتعاملون معه بعنفٍ، ويعطي (المسيحي) المحتاج دون تذمرٍ، وعندما يرون غريبًا يأخذونه إلى منازلهم، ويفرحون به كأخِ لهم... وعندما يموت فقير، إذ يعرفون بهذا يقدمون لجثمانه مدفنًا حسب قدرتهم، وإن سمعوا أن أحدهم سُجن ويعاني ضيقًا من أجل المسيح يتكاتفون معًا ويمدونه باحتياجات وإن استطاعوا يطلقونه من السجن[229].]
اهتمت الأديرة الباخومية، باستضافة الغرباء، وخدمة الفقراء والمرضى في القرى المحيطة لكل دير. وأنشأ القديس باسيليوس الكبير مجموعة من المباني على أطراف مدينة قيصرية كبادوكية لاستقبال الغرباء والمرضى، خاصة المنبوذين منهم، وجهز هذه المؤسسات بأشخاص مؤهلين للعمل فيها[230]. وفي إنطاكية أقامت الكنيسة مستشفى ضخمة وبيتًا للغرباء. اهتم كثير من الأساقفة بالعمل الاجتماعي للجميع وليس للمسيحيين وحدهم، نذكر القديس أمبروسيوس، ومكسيموس أسقف تورين، وبولنيوس أسقف نولا، ومارتين أسقف تورز، ونيسيتديوس أسقف ليون، وغيرهم.
7. ما هو موقف الإيمان المسيحي من الثقافات البشرية
جوهر الإيمان المسيحي كله أن الله ليس في معزلٍ في السماء، بل خلق العالم ويهتم به. الله محب البشر. يحتل الإنسان مركزًا خاصًا في قلب الله، إن صح التعبير. وكما قيل بالنبي: "الرب إلهك في وسطك... يبتهج بك فرحًا... يبتهج بك بترنم" (صف 3: 17). إنه أشبه بالأم التي تحتضن طفلها الوحيد، وتعبِّر عن فرحها به بالتهليل والأغاني!
تجسد كلمة الله وحلوله في عالمنا كواحدٍ منا، قدَّس أرضنا وأعمالنا وعقولنا وعواطفنا ومواهبنا وإمكانياتنا. فصارت بعض الأديرة ورجال الدين علماء، يشغفون بالتقدم المستمر دون انتظار لمكافأة. بل وكثير من الجامعات في الغرب هي في أصلها من عمل الجماعات الرهبانية. جاء مسيحنا ليقدس العقل كما العواطف، فلا يتوقف الإنسان عن البحث والعمل، حتى بلغ إليه ما بلغ من اقتحام عالم الفضاء، والتقدم التكنولوجي السريع. وسيبقى هذا التقدم مادام كلمة الله نفسه نزل ليقدس وينَّمي، دون الاستخفاف بالحياة البشرية والفكر الإنساني. إن كان قد وُجد قلة قليلة ذات فكرٍ ضيقٍ أخذوا موقفًا مضادًا، لكن الكنيسة بفكرها الإنجيلي الحيّ لا تكف عن مساندة العالم فيما هو حق وللبنيان!
8. ما هي نظرة الإيمان المسيحي للعقل البشري؟
في عبارة رائعة يحدثنا العلامة أوريجينوس عن دور العقل في حياة المؤمن. [كما أن العين بطبيعتها تطلب النور والبصر، والجسد برغباته الطبيعية يطلب الطعام والشراب، هكذا العقل له رغبته الطبيعية أن يعرف الحق الإلهي، ويبحث في علل الأشياء؛ هذه الرغبة هي من عند الله[231].]
9. هل التعلم حق لكل إنسان؟
جاء السيد المسيح ليقدم للعالم الخلاص، فيرفع المؤمنين إلى المجد السماوي الأبدي، فإنه وإن كان لم يلتحق بمدارس فلسفية وعلمية، لكنه قدَّم نظرة جديدة للإنسان، مكرمًا إياه فوق كل العالم، وقدَّس كل ما للإنسان لكي يعمل بروح القوة والتقدم والتمتع بالحياة الفضلى. جاءت الكنيسة تنادي أنه ليس عبد ولا حر في المسيح يسوع (غل 3: 28)، تُقدم الطوبى للمساكين والحزانى والمتألمين (مت 5: 3-10). جاء الإيمان المسيحي دعوة للعالم كله لكي يتمتع بالمعرفة، بل ويتشكل ويتجدد بروح الله المُقدم بغير محاباة، ليصير الإنسان على صورة خالقه. يقول العلامة أوريجينوس إن كل أسقفية صارت مدرسة.
سجل لنا القديس إكليمنضس السكندري عمله المشهور Paedagogus أي المهذب، ويعني به السيد المسيح، الذي يبقى يهذب ويدرب تلاميذه ليصيروا أيقونة له. [من هو المربي؟ إنه يُدعى يسوع، وأحيانًا يقول عن نفسه إنه راعٍ، قائلاً: "أنا هو الراعي الصالح" (يو 10: 11)... الذي يقود الأطفال إلى الخلاص، يُدعى بحق المعلم... والتقوى هي التعليم، إذ هي دراسة خدمة الله، وهي المشورة الصحيحة التي تقود إلى السماء[232].] [نتعلم منه التواضع والتدبير، وكل ما يتصف بحب الحق والصدق، ومحبة البشر، ومحبة التفوق والتقدم[233].]
10. كيف فتحت المسيحية الباب للتقدم العلمي؟
أ. فتحت باب التعلم للجميع: اهتم أغلب الكتاب المسيحيين بالدفاع عن تقديس حرية الإنسان، أو حرية الإرادة، يقول العلامة أوريجينوس كل نفسٍ عاقلة تُمنح إرادة حرة والقوة للاختيار[234].
ب. بث روح الفرح الداخلي الذي يهيئ للتعلم: ركز الآباء على الحياة المُسبحة المفرحة، فقد كان العالم في حاجة إلى خبرة الفرح السماوي. هذا له دوره الفعّال في تقدم البشرية المستمر علميًا وعمليًا.
ج. رفع نفسية الإنسان واعتزازه بقدراته في الرب: يُشتاق المؤمن إلى تقدم البشرية، فإنه يحتاج إلى من يرفع من نفسه بأن الحق ليس ببعيدٍ عنه، بل هو في متناول يده. جاءه الحق ذاته إلى أرضه وإلى بيته، بل وإلى قلبه ليصير بالحق عاملاً للتمتع بالمعرفة في هذا العالم والعالم العتيد. يقول القديس إكليمنضس السكندري: [التعليم الذي من الله هو التوجيه الصحيح للحق نحو التأمل في الله، وإظهار الأعمال المقدسة في إصرار لا يكل ولا ينقطع[235].]
د. بث روح الرجاء وتحدي المرض والشيخوخة والموت: يقول القديس إكليمنضس السكندري: [عِدْ نفسك أن تكون قوية ضد المرض. كن شجاعًا كمحاربٍ قوي في حلقة المصارعة، حتى تغلب متاعبك بثباتٍ لا يُقهر. لا تسمح لنفسك أن تكتئب بالحزن، لا بسبب مرض أو بسبب أية كارثة تحل بك[236].]
ه. الاعتدال في كل سلوك: يقول القديس إكليمنضس السكندري: [كما أن الاعتدال والبُعد عن الإسراف هما ابنا القناعة عادة، فإذا اعتاده إنسان استغنى عن كل ما هو كمالي وغير ضروري، وحتى لا يوجد انحراف أو سقوط في الإغراءات[237].
11. ما هي علاقة الإيمان المسيحي بالمعاملات الاجتماعية والأسرية؟
أ. المؤمن حامل إخوته في قلبه وفي معاملاته: المؤمن كمحبٍ للبشر، لا يقدر أن يعزل نفسه عن إخوته، إن لم يكن جسديًا، فبفكره وقلبه يبقى مشغولاً بهم. إيماننا المسيحي الخالص دعوة للتمتع بما فقدناه بسبب الخطية، ألا وهو أن نصير أيقونة لله محب البشر. فيحمل المؤمن كل البشرية في قلبه، حتى وإن كان متوحدًا في مغارة بالبرية، أو سائحًا لا يرى وجه إنسان إلى سنوات، ويترجم هذا الحب بصلواته المستمرة من أجل خلاص كل إنسانٍ في العالم وتمتع الكل بالسلام الداخلي السماوي، ولا يكف عن أن يمارس أصوامه ومطانياته من أجل الجميع، كما يعلن عن ذلك الحب في سلوكه حسبما استطاع.
خلال هذه النظرة الإيمانية رأينا مدى العلاقة بين الكنيسة والدولة في العصور الأولى. يقول القدّيس بوليكاريوس أسقف سميرنا من رجال القرن الثاني: [صلّوا لأجل الملوك (والرؤساء) (١ تي ٢: ٢)، والسلاطين والأمراء، صلّوا من أجل كل الذين يضطهدونكم ويبغضونكم، ومن أجل أعداء الصليب، حتى تكون ثمرتكم واضحة للجميع، وتكونوا كاملين فيه (المسيح)[238].]
12. ما هو موقف المؤمن من الصحبة والصداقة!
يقول القديس باسيليوس الكبير: [إني أعرف جيدًا إنني محتاج إلى مساعدة كل واحدٍ من الإخوة أكثر مما تحتاج اليد إلى اليد الأخرى. فالرب يعلمنا من خلال تكويننا الجسدي ضرورة الصحبة. وعندما أنظر إلى أطرافي، وأرى كل منها لا يستطيع أن يكتفي بذاته، كيف أَعتبر أنني قادر على تنفيذ واجبات الحياة بنفسي (وحدي)؟ لا تستطيع إحدى القدمين أن تمشي بمفردها دون مساعدة القدم الأخرى. ولا تستطيع العين الواحدة أن ترى جيدًا دون مساعدة الأخرى، التي تنظر إلى الأشياء في اتحاد معها. يصبح السمع أكثر دقة عندما يتلقى الصوت من خلال القناتين. ويكون إحكام القبضة أكثر قوة عن طريق صحبة الأصابع، فكل ما يحدث نتيجة اتحاد الطبيعة لن يتحقق إلا عند انسجام القوة المتصاحبة. يقول لنا الرب إنه سيكون في وسط اثنين أو ثلاثة يدعونه في اتفاقٍ معًا[239].]
من يتطلع بعين فاحصة لموقف الكنيسة في وسط اضطهادها يدرك أن المسيحيين قد أحبوا البشرية، حتى المضطهدين لهم، ومارسوا ما استطاعوا لخدمة المؤمنين وغير المؤمنين. يمكننا القول إن إيجابية الكنيسة سواء على المستوى الفردي أو الجماعي، في خدمة الجميع، لم يعطها القدرة على البقاء فحسب، وإنما على كسب غير المؤمنين إلى الإيمان، وتحدي الكثيرين للموت، حتى بالنسبة للموعوظين الذين لم يكونوا بعد قد نالوا العماد. يقول الشهيد يوستين: [نحن الذين كنا قبلاً نضع طرق اكتساب الثروة والممتلكات فوق كل اعتبار، الآن نقدم ما لدينا لصندوق الشركة، ونشارك كل محتاجٍ[240].]
يقول العلامة ترتليان: [في أيام الأحاد، كل واحدٍ إن أراد يقدم تبرعًا صغيرًا، حسب مسرته، وبحسب قدرته، إذ لا يوجد إلزام، كل شيءٍ بكامل الحرية، تُقدم هذه العطايا كما لو كانت وديعة تقوى. فإنها لا تؤخذ لتُنفق على ولائمٍ ومباريات شرب، ومطاعمٍ، وإنما لمساندة الفقراء ودفنهم، وتقديم المعونة للأولاد والبنات المحرومين من وسائل العيش والمحرومين من والديهم، والشيوخ الملازمين بيوتهم، وأيضًا الذين يعانون من غرق سفنهم، ومن وُجدوا في المناجم أو المنفى في جزائر أو المحبوسين في السجون، لا لشيءٍ إلا من أجل إخلاصهم لكنيسة الله واعترافهم بالإيمان. وهي في جوهرها أعمال محبة نبيلة، حتى يحسبها كثيرون أنها العلامة المميزة لنا. يقولون: انظروا كيف يحب الواحد الآخر، إذ هم أنفسهم مفعمون بالبغضة المشتركة! يقولون: كيف هم على استعداد للتضحية بحياتهم من أجل بعضهم البعض[241].]
13. ما هي نظرة المسيحية للأخلاقيات؟
الأخلاقيات المسيحية طابعها فريد ومتميز، فهي ليست قوانين مجردة تضبط سلوك الفرد أو الجماعة، لكنها علاقة حب عميق في النفس بين الإنسان ومخلصه الذي يُعد له شركة في الأمجاد السماوية. خلال هذه العلاقة يعرف كيف يتعامل المؤمن مع إخوته في البشرية، حتى بالنسبة لمقاوميه ومضطهديه، كما مع السمائيين، بل ومع الحيوانات والطيور والطبيعة الجامدة. لذلك يقول القديس أغسطينوس: "حب، وأفعل ما شئت". وضع السيد المسيح أساس الناموس السلوكي المسيحي: "وصية جديدة أنا أعطيكم أن تحبوا بعضكم بعضًا. كما أحببتكم أنا تحبون أنتم أيضا بعضكم بعضًا. بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي، إن كان لكم حب بعضًا لبعض" (يو 13: 34-35). ويقول الرسول بولس: "لا تكونوا مديونين لأحد بشيءٍ، إلا بأن يحب بعضكم بعضًا، لأن من أحب غيره فقد أكمل الناموس. لأن لا تزن لا تقتل لا تسرق لا تشهد بالزور لا تشته، إن كانت وصية أخرى هي مجموعة في هذه الكلمة: أن تحب قريبك كنفسك. المحبة لا تصنع شرًا للقريب. فالمحبة هي تكميل الناموس" (رو 13: 8-10). لقد ترك للكنيسة أن تقدم تفاصيل السلوك الروحي الحي قائمًا على الأسس الإنجيلية: "أخيرا أيها الإخوة، كل ما هو حق، كل ما هو جليل، كل ما هو عادل، كل ما هو طاهر، كل ما هو مُسرُّ، كل ما صيته حسن، إن كانت فضيلة، وإن كان مدح، ففي هذه افتكروا" (في 4: 8). على نفس المنوال قدمت لنا الديداكية[242] حق الخيار بين طريق الحياة وطريق الموت، ولم تضع قائمة بالتفصيل عن الفضائل والرذائل التي تدفعنا إلى طريق الموت[243].
[يوجد طريقان: أحدهما للحياة والآخر للموت[244]. لكن الفرق بين الطريقين عظيم. طريق الحياة هو هكذا: أولاً، أحبب الله الذي خلقك (تث ٦: ٥). ثانياً، حب قريبك كنفسك (لا ١٩: ١٨؛ مت ٢٢: ٣٧، ٣٩). مالا تريد أن يفعله الناس بك لا تفعله أنت بالآخرين (طو ٤: ١٥؛ مت ٧: ١٢؛ لو ٦: ٣١).
إليك ما تحمله هذه الأقوال من تعليم: باركوا لاعنيكم، صلوا من أجل أعدائكم، وصوموا من أجل مضطهديكم. لأنه أي فضل لكم إن أحببتم الذين يحبونكم؟ أليس الوثنيون يفعلون ذلك؟! أما أنتم فأحبوا مبغضيكم، فلا يكون لكم عدو (مت ٥: ٤٥–٤٧؛ لو ٦: ٢٧–٣١).
ابتعدوا عن الشهوات الجسدية (١ بط ٢: ١١) الزمنية (العالمية). "من لطمك على خدك الأيمن فحوِّل له الآخر أيضًا" (مت ٥: ٣٩؛ لو ٦: ٢٩) وكن كاملاً (مت ٥: ٤٨).]
في كل جيلٍ، بل وفي كل إيبارشية يهتم الرعاة بالحديث عن فضائل معينة لمعالجة ظروف الجماعة، لكنهم يقدمون هذه الفضائل على أساس فكرٍ إنجيليٍ حيٍ، يُبرز عمل الحب مع البرّ والعدل وذلك بالنعمة الإلهية المجانية، وأيضًا الالتزام بالجهاد الروحي بإرادة حرة مقدسة في الرب.
يقول القديس أمبروسيوس: [العدل موضوع يخص المجتمع وجماعة الجنس البشري. فإن الذي يجعل المجتمع متماسكًا معًا هو: العدل والإرادة الصالحة. الأخيرة تُدعى أحيانًا التسامح واللطف. يبدو لي أن العدل هو الأسمى والتسامح أكثر الاثنين يجلب المسرة. واحد يحكم والآخر يُظهر صلاحًا.[245]]
يقول القديس أغسطينوس في حديثه للمتأهبين لسرّ العماد: [المحبة هي وحدها العلامة المميزة بين أولاد الله وأولاد إبليس. لنطبع أنفسنا بسمة صليب يسوع المسيح... ولنصطبغ جميعًا بالعمودية. وليحضر الكل إلى الكنيسة لنبني أسوار الكنيسة، فليس ثمة شيء يميز أولاد الله عن أولاد إبليس إلا المحبة.] كما يقول: [يقدم لي الرسول بولس في موضع ما تجميعًا رائعًا لأمورٍ فائقة، يكشفها أمامي، وأنا أقول له: "اكشف لي إن كنت قد وجدت من بينها ثوب العرس. يبدأ يكشف الواحدة تلو الأخرى. ويقول: "إن كنت أتكلم بألسنة الناس والملائكة..." (1 كو 13: 1) يا لها من ثياب ثمينة! ومع ذلك لا يوجد بعد ثوب العرس! لماذا تتركنا أيها الرسول في إثارة قلقين؟... "إن كانت ليس لي محبة لا انتفع شيئًا". انظروا ثوب العرس! ارتدوه يا أيها الضيوف فتجلسوا في أمان![246]]
14. ما هي نظرة المسيحية في حق الدفاع عن النفس والأسرة والوطن؟[247]
سبق لنا معالجة موضوع "الإباحة" أو حق الإنسان في دفاعه عن نفسه أو الغير أو الوطن، وقلنا إنه يصعب أن نفصل بين الجانب الإيماني والجانب القانوني. فالمؤمن الحقيقي يؤمن بوحدة الحياة؛ لا يفصل إيمانه عن سلوكه، ولا يحمل شخصيتين، واحدة للعبادة والأخرى للسلوك في المجتمع.
لكي يعيش الإنسان المسيحي في المجتمع ناجحًا ملتزمًا بقوانينه وأعرافه يجب أن يكون ملمًا بها جيدًا، خاضعًا لها ولوصية الله: "أعطِ ما لقيصر لقيصر" (مر 12: 17). هذا وأن القوانين الوضعية التي تحكمنا نجدها غالبًا ما تسير مع تعاليم الكتاب وكنيستنا، كقول الرسول بولس: "السلاطين الكائنة هي مرتبة من الله" (رو 1:13). فالمسيحية تدعو إلى المحبة والتسامح كما تدعو إلى الشرعية حيث تحث المسيحي على الالتجاء إلى القانون لتدبير الأمور، فيكون على من ظُلم أو سُلب حقه أن يطالب به عن طريق قنوات المجتمع الشرعية.
كان رفع الدعاوى مقررًا منذ القديم في الشريعة اليهودية (تث 8:17، 9)، وكانت الشريعة الرومانية تبيح لرعاياها أن يرفعوا دعواهم إلى الإمبراطور إذا لم يرضوا بحكم حكام الأقاليم والمقاطعات. لذلك رفع القديس بولس دعواه إلى قيصر (أع 11:25).
كما أنه في حالات أخرى نجد المسيحي في وضع الدفاع عن نفسه أو أقاربه أو عن وطنه، يقف أمام الخطر دون استطاعة منه أن ينتظر أجهزة الدولة حتى لا يفقد حياته أو حياة أقاربه، وهنا نجد أن القوانين الوضعية قد سايرت تعاليم الكتب السماوية في وضع أساليب معينة يستطيع عندها الشخص أن يفلت من أية مسائلة قانونية ودينية.
15. كيف أعدت الشريعة الموسوية البشرية للعبور إلى الكمال بالسيح يسوع؟
الشريعة الموسوية، أي انتقام الإنسان بقدر ما ناله من ضرر، تأتي متوسطة بين الأسلوب المتخلف عنها حيث ينتقم الشخص بشرٍ أعظم مما أصابه، والثاني هو ما جاء به رب المجد معلمًا تلاميذه عدم مقاومة الشر. فبحسب ترتيب الأزمنة حدث تحول من الخصومة العظيمة (أي رغبة الإنسان في الانتقام بأكثر مما أصابه) إلى اتفاق عظيم بواسطة الشريعة (أي الانتقام بقدر ما أصابه).
1. الإنسان البدائي يبدأ بالاعتداء على أخيه.
2. الإنسان الذي لا يبدأ بالشر لكنه يقاوم الشر بشرٍ أعظم، لم يبلغ مستوى الشريعة الموسوية.
3. في الشريعة الموسوية طُلب من الإنسان ألا يتعدى انتقامه قدر الشر الذي أصابه، وبهذا يكون قد تنازل عن جزءٍ من حقه، إذ العدالة تقتضي معاقبة البادئ بأكثر مما صنع. لذلك فإن هذه الشريعة لم تستخدم القوة على من يصنع الشر بل استخدمت العدالة المصطبغة بالرحمة. هذه الشريعة كملت بواسطة من جاء ليكمل الناموس لا لينقضه. لا تزال هناك خطوتان متوسطتان (الرابعة والخامسة)، تركهما الرب ليُفهما ضمنًا، متحدثًا بالحق عن أعلى مراتب الرحمة (المرحلة السادسة)، فيوجد من لم يصل بعد إلى تنفيذ وصية البرّ الأعظم، منفذًا إحدى الدرجتين المتوسطين وهما:
4. عدم مقاومة الشر بشرٍ أعظم أو مساوٍ له بل أقل منه فيقابل الضربتين بضربة واحدة.
5. من يسمو على الدرجة السابقة لا يقابل الشر بشرٍ، مقتربًا بذلك من وصية الرب التالية.
6. درجة الكمال المسيحي، فيها يأمر رب المجد بعدم مقاومة الشر، قائلاً: "بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر" (مت 5: 39). أي إن كان يرغب في لطمك مرة ثانية فقدم ذاتك له. وإن الذين يخدمون أبناءهم، أو أصدقاء أعزاء لديهم، أو أطفالاً صغارًا، أو أناسا معتوهين. هؤلاء يدركون قيمة احتمال ضعف الآخرين بفرحٍ رغم ما يلحق بهم من أضرار. وإن نتج عن احتمالهم هذا نفع لمن يخدمونهم، فلا بد أنهم سيضاعفون خدمتهم واحتمالهم حتى يشفوا من ضعفهم. إذًا ماذا يوصينا طبيب النفوس، ربنا يسوع، بأقربائنا؟ إنه يطلب منا احتمال ضعفاتهم، لأجل خلاصهم.
16. ما هي حدود التأديب في العهد الجديد؟
يلتزم الحكام بتأديب الأشرار والمجرمين، وكما يقول الرسول بولس: "لتخضع كل نفسٍ للسلاطين الفائقة، لأنه ليس سلطان إلا من الله، والسلاطين الكائنة هي مرتبة من الله. حتى إن من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله، والمقاومون سيأخذون لأنفسهم دينونة. فإن الحكام ليسوا خوفًا للأعمال الصالحة بل للشريرة. أفتريد أن لا تخاف السلطان؟! افعل الصلاح فيكون لك مدح منه. لأنه خادم الله للصلاح. ولكن إن فعلت الشر فخفْ. لأنه لا يحمل السيف عبثًا إذ هو خادم الله منتقم للغضب من الذي يفعل الشر. لذلك يلزم أن يُخضع له، ليس بسبب الغضب فقط، بل أيضًا بسبب الضمير" (رو 1:13-5).
واضح أن العهد الجديد أعطى للمسئولين حق تأديب الأشرار حتى إلى استخدام السيف. وقد ترك للمشرعين أن يضعوا حدود العقوبة أو التأديب حسب ظروف العصر أو مرتكب الشر أو ملابسات القضية. أما من جانب الساقط تحت العقوبة أو التأديب فإنه إذ يخضع للحكم العادل يلزمه ألا يخاف من غضب الناس بل من ضميره، فيكون التأديب لمراجعته لنفسه وبنيانه في كل جوانب حياته.
أما بالنسبة لتأديب الأبناء فيقول الرسول بولس: "أي ابن لا يؤدبه أبوه؟!" (عب 7:12). حدود هذا التأديب فهو تقديم صورة حب الله الحاني الحازم لأولاده: "لأن الذي يحبه الرب يؤدبه ويجلد كل ابن يقبله" (عب 6:12). يقدم لنا العهد الجديد مبدأ أساسيًا، وهو التعامل مع الأبناء كظل لتعامل الله معنا، مثل إعلان الحب الفائق مع الحزم لبنياننا، وتقديم الحرية الإنسانية، وتقدير شخصية الإنسان مهما صغر سنه ولو كان رضيعًا الخ. يقول القديس أغسطينوس: [لا يعني ما سبق ذكره أننا نتنحى عن توقيع التأديب، كوسيلة للتهذيب، وذلك كما تمليه المحبة نفسها، على أن توقيع التأديب لا يمنع من كون الإنسان مستعدًا لاحتمال أضرارٍ أكثر ممن يؤدبه. ولكن لا يستطيع الإنسان ذلك ما لم يكن قد تغلب على الكراهية التي تدفع إلى الانتقام، وذلك بالمحبة الشديدة. كمال المحبة يظهر لنا في الله الآب نفسه الذي نقتدي به.
استخدم بعض الآباء القديسين أحيانًا عقوبة الموت في الحكم على البشر، ومع ذلك فهم يعرفون جيدًا أن الموت (الذي يفصل الروح عن الجسد) ليس بعقابٍ، ولكن لأن كثيرين يشعرون بخوف من الموت، لذلك أُستخدمت عقوبة الموت لتخويف الخطاة. فحكم إيليا النبي بالموت على كثيرين من الخطاة سواء بالقتل أو بطلبه نارًا من السماء لإبادتهم (أنظر 1 مل 40:18، 2 مل 10:1)، حدث بروح المحبة لخير البشرية ونفع المؤمنين. لذلك عندما طلب التلاميذ من السيد المسيح نفس الطلب، أن تنزل نار من السماء على أهل السامرة الذين لم يقبلوا السيد المسيح متمثلين بإيليا النبي، لم ينتقد الرب ما صنعه النبي، بل انتهر جهل التلاميذ، موبخًا معرفتهم البدائية برسالة المسيح الخلاصية، موضحًا لهم أنهم بذلك لا يرغبون في التهذيب بمحبة، بل يرغبون في الانتقام (لو 52:9-56). وبعد ما علمهم الرب عن محبة القريب كالنفس، وبعد ما حل الروح القدس عليهم في يوم الخمسين، لم يعودوا بعد يطلبون مثل هذه الأمور الانتقامية، بل أصبحت هذه الطلبات نادرة جدًا في العهد الجديد (حنانيا وسفيرة) إذا ما قورنت بالعهد القديم. إن العلاقة بين الله والإنسان في العهد القديم، كالعلاقة بين السيد والعبد، تقوم على الخوف. أما في العهد الجديد، فلم نصبح بعد عبيدًا بل أبناء (غل 4:1-7)، إذ تحررت نفوسنا من عبودية الخوف بالمحبة الإلهية[248].]
يلزم أن يكون التأديب أكثر صرامة وحزمًا طبقًا لمسئولية المؤمن في الكنيسة ودوره دون استثناء. وكما يقول العلامة أوريجينوس: [كل الخطاة في الكنيسة… مستحقون للعقاب. لكن عقابهم يختلف تبعًا للمرتبة التي يشغلونها… يستأهل الموعوظ رحمة أكثر من المؤمن. وللشماس الحق في العفو أكثر مما للكاهن. أما ما يتبع ذلك، فلستم في حاجة لأخبركم عنه… إني أخاف دينونة الله. وأضع أمام مخيلتي صورة لما سيحدث فيها… أضع في اعتباري القول: إن كان الحمل أثقل مما يمكنك تحمله فلا ترفعه. فماذا أنتفع إن كنت أتوَّج عند منبر المعلم في مكان الشرف …إذا كنت عاجزًا عن إنجاز العمل الذي يستلزمه وضعي (كمعلمٍ)؟ سيكون عقابي، حينئذ أكثر ألمًا، في وقت يٌعاملني فيه كل الناس باحترام، على أساس إني صالح، في حين أكون أنا خاطئًا[249].]
يقول العلامة أوريجينوس إنه يلزمنا ألا نتسرع بالتأديب العلني. [(الله) لا يُريدك، إذا ما رأيت خطيئة أخيك أن تندفع مٌسرعًا إلى مكان عام، وأن تصيح بغير تمييز، مفشيًا سرِّه. فإن مثل هذا التصرف لا يصدر عمن يقصد التصحيح، بل بالأحرى من يهدف إلى التشهير. لهذا يقول: "عاتبه بينك وبينه وحدكما" (مت 15:18). فعندما يرى من أخطأ أن سره قد حٌفظ، يكون في وسعه أيضًا إصلاح موقفه في خجل[250].] ويقول القدِّيس باسيليوس الكبير: [لا يليق بالأطباء أن يسخطوا على المرضى، بل يلزمهم أن يضادوا الأمراض ليشفوا المرضى.] ويميز القديس أمبروسيوس بين كراهية الشر وكراهية الأشرار: [يلزم تفسير كلمات (مز 113:119) لتعني أنه كان يكره الشر ذاته، لا فاعلي الشر الذين بالرغم من أفعالهم يمكن أن يتغيروا بالكرازة بالإنجيل[251].]
دور المرأة في المجتمع والكنيسة
17. ما هو دور المرأة كقائدة في المجتمع والكنيسة الأولى؟
احتلت المرأة في الكنيسة الأولى مركزًا خاصًا بسبب طهارتها وشجاعتها وقدراتها القيادية، نذكر على سبيل المثال النساء اللواتي فقن الرجال المرافقين لهن في الاستشهاد، القديسات بربتوا Perpetua، والسـيدة بلاندينا Bladina العبدة، وفيلسـتاس Felicitas وSymphorosa وDionysia وMercuria. كما نذكر بعض الشماسات، منهن من قمن بأدوارٍ قيادية فريدة، مثل الشماسة أولمبياس تلميذة القديس يوحنا الذهبي الفم، ووُجدت أمهات في الرهبنة مثل الأم ميلانية الكبرى Milania the Elder التي رافقت القديس جيروم في عمله الرهباني القيادي. كان بعض الآباء الرهبان القادة يأتون للاسترشاد بحكمة بعض الأمهات، مثل الأم سارة والقديسة الأم سنكليتيكي.
كثيرًا ما أشار الآباء إلى توجيه النساء لإدراك دورهن الفعال على سلوك المجتمع كله. يقول العلامة أوريجينوس: [رأينا بأعيننا نساء وفتيات احتملن عذابات الاستشهاد الطاغية في زهرة شبابهن، عندما أضيف وهن الحياة كأمر جديد إلى ضعف جنسهن[252].]
18. ماذا قال القديس إكليمنضس الروماني عن إمكانية النساء المؤمنات؟
[نساء كثيرات صرن قويّات بالنعمة الإلهيّة وقمن بأعمال خارقة. عندما رأت يهوديت المغبوطة أن مدينتها محاصرة، طلبت من الشيوخ أن يسمحوا لها بالخروج إلى معسكر الغرباء. عرّضت نفسها للخطر حبًا لوطنها وشعبها المحاصر فأسلم للرب هولوفارنيس Holofernes إلى يد امرأة (يهوديت ٨).
أيضًا استير كاملة الإيمان عرّضت نفسها لخطر لا يقل عن هذا من أجل خلاص الأسباط الإثنى عشر من هلاك خطير. كانت تتضرّع صائمة متذلّلة أمام الله الأبدي الذي يرى الكل. وقد نظر إلى تواضع روحها فخلص الشعب الذي قدّمت نفسها للخطر من أجل خلاصه (استير ٧)[253].]
19. ما هو دور الشماسة أولمبياس Olympias؟[254]
نالت شهرة فائقة وارتبط اسمها باسم القديس يوحنا الذهبي الفم. لقد أعجب القديس بها من أجل حبها لله وسخائها في العطاء مع نسكها وتواضعها، فأعطاها اهتمامًا خاصًا، واستخدم طاقاتها في الخدمة. حتى أدركت القسطنطينية كلها ذلك، لذلك عندما نُفي رئيس الأساقفة انصبت عليها اضطهادات كثيرة، لكنها أيضُا تقبلت رسائل تعزية من أبيها المتألم. أهداها القديس غريغوريوس أسقف نيصص كتابه في تفسير نشيد الأناشيد بكونها قادرة على تقدير قيمته.
ذكر أيضا المؤرخ بالاديوس تأثرها بالأم ميلانية الكبرى Milania the Elder التي يكتب عنها ممتدحا إياها بصورة فائقة في كتابه التاريخ اللوزياكى[255] The Lausaic History. لقد كانت محبة للبتولية والرهبنة في نسك عجيب مع قدرة فائقة على الاطلاع، إذ يقول عنها: "حولت الليل نهار، تفتش كتابات المفسرين القدامى، قرأت ثلاثة ملايين سطرًا لأوريجينوس، ومليونين ونصف لاغريغوريوس واستفانوس وبيروس وباسيليوس وغيرهم من العظماء. لم تكن تقرأ هذا مرة واحدة فقط ولا في عجالة إنما تدرس كل عملٍ في دقة سبع أو ثمان مرات. وهكذا استطاعت بفضل هذه الكتب، أن تتحول في رجاء صالح إلى طائر روحي منطلق نحو المسيح[256]."
تلألأت حياة الشماسة أولمبياس، إذ فتحت قلبها لمحبة الفقراء بصورة أدهشت الكثيرين، فقيل في مديحها: "تسمع الإمبراطورة افدوكسيا آيات الإكرام والتبجيل من كل بقاع العالم، أما أولمبياس فتسمع تنهدات العالم كله ودعواته!"
صارت محبوبة من الشعب ومكرمة أيضًا من الأب البطريرك، فقد أخبرنا بلاديوس[257] أن الطوباوي نكتاريوس كان يكرمها جدًا ويستشيرها في بعض شئون الكنيسة رغم صغر سنها. ولخص لنا حياتها بقوله "وزعت كل مقتنياتها على المحتاجين. صارعت من أجل الحق، هذبت نسوة كثيرات، تناقشت مع كهنة في وقارٍ، كرمت أساقفة، واستحقت أن تكون "معترفة" في سبيل الحق، فان الذين يعيشون في القسطنطينية يحسبونها ضمن "المعترفات والمعترفين" إذ رحلت إلى الرب في كفاحها من أجل الله[258]."
20. كيف بلغت الأم سارة أن تكون مرشدة روحية؟
أقامت العذراء الشريفة سارة ديرًا للعذارى في برية شيهيت، وكانت أما وديعة حكيمة محبة ومحبوبة. ويروي عنها الآباء النساك أنها قضت ثلاث سنوات في محاربة الأفكار الشريرة ولم تطلب إلى الله في يومٍ من الأيام أن يرفع عنها هذه المحاربات، بل داومت على مطالبته بأن يعطيها القوة على الانتصار.
ذاع صيت حكمتها حتى أصبحت مركزًا للحياة الروحانية، وكان كثيرون يأتون إليها لاستشارتها بعد أن يكونوا قد استناروا بآباء شيهيت ونتريا، وكل من جلس إليها عاد ممتلئًا نشوة روحية مما سمعه.
ذهب لزيارتها ذات يوم عدد من الإخوة الذين في شيهيت، وبعد التحدث إليهم قدمت لهم طبقًا من الفاكهة، واختار الإخوة الفاكهة المعطبة تاركين النضرة جانبًا، وراقبتهم بابتسامة حلوة، ثم قالت لهم: "من الواضح أنكم بالحقيقة شيهيتيون".
قالت الأم سارة: إذا طلبتُ إلى الله أن يكون الجميع مرتاحين من جهتي، فسأكون عند باب كل واحدٍ تائبة. إلا إني سأصّلي كي يكون قلبي عفيفًا تجاه كل واحدٍ. كما قالت أيضا: يحسن للبشر أن يتصدقوا حتى ولو كان السبب إرضاء للناس، لأن الإحسان يحقق لنا إرضاء الله.
21. لماذا حسب البابا أثناسيوس الرسولي القديسة سينكليتيكي أشبه بملاك؟
يعدّها بعض المؤرخين نِدًا للقديس الأنبا أنطونيوس كوكب البرية، فكما كان الأنبا أنطونيوس أبًا لجميع الرهبان، كانت سينكليتيكي أمًا لتلك المجموعة المتناسقة من العذارى المتبتلات، اللاتي جعلن من وادي مصر الخصيب مقرًا للنعمة الإلهية.
بدأ عبير حياتها ينتشر في الأرجاء إلى أن ملأ الإسكندرية، فجاء لزيارتها عدد غير قليل من الشابات. البعض منهن لمجرد رؤيتها وأخذ بركتها، والبعض الآخر مستفسرات عن حل مشاكلهن. وكان من الطبيعي أن تتأثر بعضهن بقدوتها ويمكثن معها ويشاركنها حياة النسك والتأمل.
ظلت سينكليتيكي مداومة على أصوامها وصلواتها ونسكها وتعبدها في بيت أبويها إلى أن انتقلا إلى عالم النور، وعند ذاك وزّعت أموالها على الفقراء وأخذت أختها وذهبت إلى مقبرة العائلة حيث عاشت بضع سنوات، وفي تلك الفترة ضاعفت أصوامها وصلواتها وتأملاتها.
تركت مقبرة العائلة وأخذت زميلاتها ليعشن معًا في مبنى خارج المدينة، وكرست حياتها لخدمتهن صائرة قدوة وصورة حية لما تنادي به من تعاليم، ولذلك أحبتها زميلاتها وأخلصن الولاء لها وأطعنها عن رضى وحبور.
تزايد عدد الشابات اللواتي خضعن لرياستها سنة بعد الأخرى، وكان بعضهن يقضين معها فترة من الزمن يعدن بعدها إلى بيئتهن ليحملن إلى أهلهن النعمة المنعكسة عليهن من حياة سينكليتيكي.
لقد أراد البابا أثناسيوس الرسولي أن يبين عظمة قداسة هذه الراهبة المكرّسة فكتب سيرتها هو بنفسه. فبذلك يكون قد كتب سيرة الأنبا أنطونيوس بوصفه أبًا للرهبان كما كتب سيرة القديسة سينكليتيكي بوصفها أمًا للراهبات.
22. ما هو دور المرأة عند آباء الشرق في الكنيسة الأولى؟[259]
أ. اتسمت الكنيسة الشرقية بالفكر الفلسفي اللاهوتي الروحي، خاصة آباء مدرسة الإسكندرية، لذا احترمت المرأة والزواج.
ب. ضمت مدرسة الإسكندرية طلبة من الجنسين دون تمييز.
ج. نشأت بيوت العذارى أن لم يكن قبل الحركات الرهبانية المنتظمة فعلى الأقل في ذات عصرها.
يقول القديس كيرلس الكبير: [المرأة التي أعلنت مرة خدمة الموت، الآن هي أول من تقّبل سرّ القيامة المهوب وأخبرت به. بهذا حصل جنس المرأة على الخلاص من العار ومن اللعنة.] كما يقول: [بهذه الرسالة السماويّة اِستعادت المرأة كرامتها، إذ كرزت ببشارة القيامة للتلاميذ!]
يقول القديس إكليمنضس السكندري: [الطبيعة واحدة في كل فردٍ، وكل منهما قادر على ممارسة ذات الفضيلة. ليس للمرأة طبيعة بشرية وللرجل طبيعة أخرى. كلاهما لهنا ذات الطبيعة وذات الفضيلة. إن قلنا أن التعقل والعدل والفضائل المشابهة مذكر، يلزمنا البلوغ إلى النتيجة بأن الرجل يلزم أن يكون فاضلاً، والمرأة أن تكون مسرفة وظالمة، لكن هذا القول ذاته مشين. المرأة – كالرجل – يلزم أن تتعهد التعقل والعدالة وكل الفضائل الأخرى، سواء كانت حرة أم أمة، إذ توجد فضيلة واحدة مماثلة للطبيعة الواحدة المماثلة[260].]
23. ما هو رأي مدرسة الإسكندرية في الإجهاض؟
في التماس أثيناغوراس في القرن الثاني أوضح للإمبراطورين أن الكنيسة تحرم الإجهاض[261].
ويرى القديس إكليمنضس السكندري أنه يلزم عدم استخدام وسائل فيها جريمة قتل الجنين لمنع تكاثر الجنس البشري. مع هذا نرى بعض النساء يستخدمن أدوية سامة تقتل ثمرة الرحم وتحطيمها، فيجردون أنفسهن من كل مشاعرٍ إنسانية[262].
ماذا يقول آباء مدرسة الإسكندرية في القرن الثاني عن:
9. الإنسان الكنسي
1. من هو الإنسان الكنسي؟
جاءت كتابات القديس إكليمنضس السكندري عميد مدرسة الإسكندرية تكشف عن نظرة الكنيسة الأولى للإنسان الكنسي، إذ كان يرى في الكنيسة موضع رعاية اللّه وموضع التعليم، فيقول: [أطعمنا نحن الأبناء كخرافٍ. نعم أيها السيد املأنا بالبرّ في مرعاك. نعم، لتقوتنا أيها المعلم على جبالك المقدسة، الكنيسة، المرتفعة كالبرج، فوق السحاب، تتلامس مع السماوات.] لقد أحب الكنيسة جدًا يخضع لتقليدها وقوانينها... إذ يقول: [إننا لا نرتبط بشيءٍ يجعلنا نتعدّى قانون الكنيسة[263].]
ويُعتبر أوريجينوس "رجلاً كنسيًا"، بكل ما يحمله هذا التعبير من معنى[264]. ويمكن القول إن الكتاب المقدس والكنيسة كانا الأساس في كل كتاباته وعظاته، بل وأهم ما كان يشغله على وجه الإطلاق. يسميه جون دانيلو الرجل الكنسي، قائلاً: "لقد رأينا في سيرة حياته كيف أنه كان معلمًا للموعوظين، ومحاضرًا، وكاهنًا، وعالمًا لاهوتيًا، وشهيدًا، على التوالي؛ أي أمضى حياته كلها في إنجاز الأعمال الكنسية[265]". كان حريصًا على حفظ وديعة الإعلان المسيحي وسلطان الكنيسة المستمر.
يقول أوريجينوس: [أنا كرجل كنيسة، أعيش خاضعًا للإيمان بالمسيح، ولي موضع في وسط الكنيسة. إني ملتزم تحت سلطان الوصية الإلهية أن أقدم ذبائح عجول وحملان، ودقيق مع بخورٍ وزيتٍ (بالمفهوم الروحي)[266].] كما يقول: [إن كنت انتمى للكنيسة، فلا يشغلني مدى صغر شأني، فملاكي يتطلع، ويرى وجه الآب في كمال الحرية. في حين إن كنت خارج الكنيسة، لن يجرؤ على ذلك[267].]
2. ما هي العضويّة الكنسيّة؟
العضويّة الكنسيّة عند العلاّمة ترتليان علامتها استقامة السلوك، أمّا عند القدّيس إكليمنضس فهي المعرفة الروحيّة أو إدراك الحق عقليًا، الصادر عن التأمّل في اللّه دون توقف[268].
3. ما هي الوحدة الكنسيّة عند القدّيس إكليمنضس؟
الوحدة الكنسيّة هي طبيعة تتّسم بها الكنيسة على خلاف جماعات الهراطقة الذين يحملون سمة الانقسام[269]، والكنيسة في هذا إنّما تتمثل باللّه نفسه الواحد، إذ يقول:
[اللّه الذي (للجنسين) هو واحد، سيدهما أيضًا واحد، والكنيسة واحدة... طعامها مشترك...[270]]
[في رأيي الكنيسة الحقيقيّة التي هي بحق قديمة، كنيسة واحدة، تضم أبرارًا حسب قصد اللّه مُسجّلة أسماءهم. لذات السبب اللّه واحد، الرب واحد. إنها مكرّمة جدًا، وممجدة بسبب وحدتها، متمثلة بالأصل الواحد الأول... امتياز الكنيسة... هو وحدتها، في هذا تفوق كل شيءِ، ليس من يشبهها ولا من يعادلها في هذا[271].]
سرّ هذه الوحدة الكنسيّة هي "وحدة الإيمان" إذ يقول: [لذلك فإن سرّ الكنيسة القديمة الجامعة هو وحدتها التي جمعت في وحدة الإيمان الواحد هؤلاء المختارين الذين عُينوا من قبل اللّه قبل إنشاء العالم ليكونوا أبرارًا... كحصيلة لعهديها أو بالأحرى للعهد الواحد خلال الأزمنة المختلفة، وذلك حسب إرادة اللّه الواحد وبالرب الواحد[272].]
في هذا النص أعلن طبيعة الوحدة: وحدانية اللّه، ووحدة الإيمان، ووحدة العهدين أو بالأحرى العهد الواحد خلال الأزمنة المتتابعة والوحدة الكنسيّة... ولعلّه في هذا أراد أن يأخذ اتّجاها مضادًا للهراطقة أمثال مرقيون الذين نادوا بالثنائيّات...
أما ثمر هذه الوحدة الكنسيّة فهو أن تعبد الكنيسة بروح واحد: [الكنيسة هي جماعة الذين يسجدون في الصلوات ويقدّمون انسجامًا في أصواتهم كما من فمٍ واحدٍ![273]] هكذا تخرج سيمفونيّة الحب الحقيقي التي يرتاح لها السيّد المسيح الكلمة، ويرى خلالها الآب في المؤمنين أبناء حقيقيّين: [اتّحاد الكثيرين في واحد، يخرج من أصواتهم المتعددة سيمفونية واحدة في انسجام إلهي، تحت قيادة قائد الخورس والمعلم، فتبلغ الكلمة غايتها ويستريح الحق فيها، وينطق أولاد اللّه بالحق: "أيها الآب أبانا"، وينقلها اللّه بسرور ونعمة كباكورة ثمار[274].]
4. ماذا تعني أمومة الكنيسة؟
يتحدّث عن أمومة الكنيسة في عبارات تكشف عن مدى تعلّقه بالكنيسة: [كما أن الأم تعزى أولادها الصغار، هكذا أنا أعزيكم. الأم تهتم بأولادها، ونحن نطلب أمنا الكنيسة[275].]
ارتبطت أمومة الكنيسة في ذهن القدّيس إكليمنضس بأبوّة اللّه الحانية، ففي كتابه الأول من "المربّي Paedagogus" يقول: [يا له من سرّ عجيب! واحد هو أب الجميع؛ واحد هو لوغوس المسكونة، والروح القدس هو واحد في كل موضع! واحدة هي الأم العذراء وحدها! إني أحب أن أدعوها الكنيسة. هذه الأم.... عذراء وأم في نفس الوقت. طاهرة كعذراء ومحبة كأم. كأمٍ تدعو أولادها إليها وتقوتهم باللبن المقدّس الذي هو اللوغوس المقدّس للأبناء[276].]
هذه الأمومة الكنسيّة تحدث عنها آباء القرنين الأول والثاني، نذكر على سبيل المثال هرماس[277]. أمّا ـكُونْ اللوغوس قد صار بتجسّده لبنًا يقتات عليه أبناء الكنيسة، فقد أشار إليه القدّيس إيرينيؤس قائلاً: [إنه خبز الآب الكامل، بتجسّده قدّم نفسه لنا كما لأطفالٍ صغارٍ في شكل لبنٍ. يريدنا أن نقتات بجسده وأن نعتاد على هذا الطعام فنأكل ونشرب "كلمة اللّه"، بهذا يمكننا أن نتشبّه بخبز الخلود الذي هو روح الآب[278].]
5. لماذا دُعيت الكنيسة جماعة المختارين؟
الكنيسة هي اجتماع المؤمنين المختارين مع السيّد المسيح، تُدعى جماعة المختارين[279]، والمدينة الخصبة التي يديرها اللوغوس[280]. هي العروس التي من خلالها يُعَلِم العريس بنفسه أولادها[281].
6. لماذا دُعيت الكنيسة العالم الجديد؟
الكنيسة هي العالم المتجدد بعمل اللّه الخلاصي. إذ فسد العالم الذي خلقه اللّه أوجده حين أراد. أمّا غاية إرادته هذه فهي خلاص البشريّة، أي وجود الكنيسة. في هذا يقول: [كما أن إرادة اللّه هي عمل، هذا العمل يُدعى العالم (قال فكان)، فإن غاية إرادته هي خلاص البشر، وهذا يُدعى الكنيسة[282].]
7. ما هي علاقة الكنيسة المنظورة بالكنيسة السماويّة؟
إذ يتحدّث عن الكنيسة غالبًا ما يسحب فكرنا نحو السماويات، بكون الكنيسة في العهد الجديد قد حملت السمة السماويّة، وصار وضعها في الأعالي، تشارك ربوات الملائكة تسابيحهم. في هذا يقول: [هذه كنيسة الأبكار لها أبناء كثيرون. هؤلاء الأبكار مكتوبة أسماءهم في السماء، يعبدون مع ربوات الملائكة[283].] في هذه الكنيسة يجد الغنوسيّون (أصحاب المعرفة) راحتهم؛ إذ [يستريحون على جبل اللّه المقدّس (مز 1:15)، في كنيسة الأعالي، التي يجتمع فيها فلاسفة اللّه، الذين هم بحق إسرائيليّون حقيقيون أنقياء القلب ليس فيهم دنس... مكرسين حياتهم للرؤيا النقية في تأمّل بلا نهاية[284].] أما الكنيسة المنظورة التي على الأرض فهي أيقونة للكنيسة السماويّة العلويّة المثلى، لهذا نصلي قائلين: "كما في السماء كذلك على الأرض[285]". هذه الكنيسة المنظورة هي الكنيسة القديمة الجامعة التي تسلّمت تقليد الرسل، وبهذا تتميز عن جماعات الهراطقة.
8. هل يُمكن أن تُجد كنيسة كاملة في طهارتها؟
يقول العلامة أوريجينوس: [من المحال أن تكون الكنيسة طاهرة تمامًا مادامت على الأرض. ومن المحال أن تكون طاهرة، بحيث لا يوجد فيها خاطئ واحد، أو غير مؤمنٍ، ويكون الجميع فيها قديسين بدون أية خطيئة[286].]
10. سرّ بيت الله[287]
1. هل من حاجة إلى بناء بيت الرب؟
يقول المرتل: "مساكنك محبوبة أيها الرب إله القوات، تشتاق وتذوب نفسي للدخول إلى ديار الرب. قلبي وجسمي قد ابتهاجا بالإله الحي، لأن العصفور قد وجد له بيتًا، واليمامة عشًا لتضع فيه فراخها، مذابحك يا رب إله القوات ملكي وإلهي، طوبى لكل الساكنين في بيتك... لأن يومًا صالحًا في ديارك خيرُ من آلاف..." (مزمور 84).
وسط تيارات العالم العنيفة وتحت ثقل التجارب المتوالية رفع المرتل عينيه ليرى العصفور، قد وجد له بيتًا يستقر فيه، واليمامة عشًا تجتمع فيه مع فراخها، أما هو فإلى أين يذهب؟ إلى أين يلتجئ؟ لم يجد المرتل مثل مذابح الرب إله القوات، فهي سرّ بهجة قلبه وراحة نفسه! هناك تنطلق نفسه إلى السماء كي تستقر فيها، حيث تهرب الأرض من تحت قدميه، ويختفي العالم بمادياته عن بصيرته. ينطلق كما بأجنحة الروح إلى العرش الإلهي حيث يتراءى قدامه إلهه بل وحبيبه الشخصي. هناك يرتمي في أحضانه ويتكئ على صدره، ويلقي عليه همومه، ويروى له أسراره الخفية، يناجيه ويعاتبه، يسمع صوته ويدخل أمجاده. لقد عبر العلامة ترتليان عن عظمة هذه الدالة التي ينعم بها المجتمعون في بيت الرب فقال: [نجتمع معًا... لكي نحوط الله بصلواتنا بقوة الأذرع، فإنه يسر بعنف كهذا!]
في بيت الله أيضًا يقدم المؤمنون عبادتهم للرب، لا كفرضٍ أو روتين يؤدونه، إنما هو حق لهم يمارسونه متقبلين مواهب الروح القدس المجانية. عبادتهم للرب هي الدخول في مراعى الرب الخضراء، يغطسون في ينبوع المياه واهبة الحياة، ويأكلون من دسم مائدة السماء، ويشربون كأس الخلاص، ويتنعمون بأسرار حب الله اللانهائية. يعطيهم الروح شبعًا فلا يعودون يطلبون شيئًا إلا أن يبقوا في حضرته، يمتلئون بفيض فلا يطلبون من أجلهم بقدر ما يطلبون عن الآخرين، الرؤساء والوزراء والمشيرين والأساقفة والكهنة والشمامسة وكل الخدام والرهبان والراهبات والمحتاجين والمرضى والمسافرين والمسجونين والمتضايقين والمنتقلين. بل ويطلبون حتى من أجل الحيوانات والزروع وأهوية السماء! كأنهم وهم في بيت الرب إذ تنسحب قلوبهم إلى السماء لا تنغلق عند احتياجات الإنسان الخاصة به فقط بل تتسع بالحب فتشتهي خلاص الخليقة جميعها وسلامها وتجديدها!
وفي الكنيسة أيضًا يجتمع المؤمنون كما في "بيت الملائكة"، يشتركون مع الملائكة في ليتورجياتهم السماوية وصلواتهم وتسابيحهم، ويكونون في صحبتهم على الدوام، يتدربون على تسبيح "الترنيمة الجديدة" بلغه ملائكية! هنا كما رأى هرماس في كتابه الراعي[288] تفرح الملائكة إذ يرون برج الله السماوي يكتمل بناؤه فينا، ممجدين الله على بنيان الكنيسة الروحي المستمر.
أما سرّ عظمة بيت الله فهو قيادة الروح القدس الفعالة في حياة شعب الله! هو روح الكنيسة، كما يقول القديس أغسطينوس، يفيض بكل نعمةٍ على الأعضاء. لقد عبر القديس إيرينيؤس عن ذلك بقوله: [حيث تكون الكنيسة يوجد روح الله، وحيث يوجد روح الله توجد الكنيسة وتقوم كل نعمة!][289] ويقول القديس كيرلس الإسكندري: [الروح القدس هو رائحة المسيح واهب الحياة، رائحة حية وفعالة، تجتذب إليه الخليقة لتشاركه طبيعته التي هي فوق الكل![290]]
هكذا في بيته يشرق المسيح شمس البرّ بروحه علينا فنضئ لنكون كواكب حية وفعالة تسكب حبًا على العالم، نخدمه في تواضع ونشتهي خلاصه! يدخل بنا الروح في دائرة الصليب فيشتهي كل منا أن يموت مع مسيحه من أجل الكل!
في بيت الرب يعطينا الخالق فكرًا جديدًا حتى تجاه المادة غير العاقلة، فنرى كل ما هو حولنا مقدسًا ومباركًا. فالقمح (الخبز) يصير بالروح القدس جسد الرب، ويتحول عصير الكرمة إلى دمه الأقدس. والبخور يرفع صلوات نقية تحملها الملائكة إلى العرش الإلهي، والزيت يحل فيه روح الرب. وماذا أقول؟ فإن الذهب والفضة والحجارة الكريمة والأخشاب والورق ولأقمشة بل حتى الحجارة والتراب يتقدس هذا كله باستخدامه كمواد في بناء بيت الرب المقدس وأثاثه وفي العبادة … وهكذا تخضع المادة الجامدة لخدمة السماويات!
دراساتنا للمبنى الكنسي ليست دراسة المجردة في الطقس وشرحه، ولا في المعمار الكنسي وتطوره، بقدر ما هي رغبة في إدراك مفاهيمنا الروحية الأصيلة لبيت الله، لنمارسها في حياتنا اليومية.
2. ما هو مفهومنا للمبنى الكنسي؟
المبنى الكنسي إنجيل مفتوح مكتوب بلغة المنظورات يفهمها الطفل البسيط ويتعمق فيها اللاهوتي، ويستعذبها الكاهن المثقل بأتعاب الرعاية، ويستريح لها الناسك الروحي. المبنى الكنسي هو حديث لاهوتي بسيط وعميق أيضًا، يوجهه الروح للجميع، موضوعه "حياتنا في المسيح يسوع" متجليًا خلال علاقتنا بالله والكنيسة والمجتمع والسماء، ويمس حياتنا الداخلية السرية. نستطيع أن نتفهم هذا الحديث خلال دراستنا لفكرة بيت الله وتطورها منذ بدء التاريخ البشري إذ مرت بالمراحل التالية:
أولا: الفردوس الأول: عاش أدم في الفردوس كاهنًا كما في بيت الله. كل شبر في الفردوس يشهد بحب الله له وعنايته به. بين الحين والآخر. يسمع صوت الله ماشيًا في الجنة (تك 3: 8)، فينجذب إليه ويتلاقى معه، مقدمًا مع نسمات حياته تقدمة حب لخالقه! كأن الفردوس الأول بكل اتساعه هو بيت الله المقدس، أراد الله أن يلتقي فيه الإنسان معه، دون حاجة إلى هيكل أو مذبح أو ذبيحة أو بخور. لكن سرعان ما خرج أبوانا من الفردوس مثقلين تحت نير العصيان، وقد انغلقت بصيرتهما عن معاينة الله، وأحسا بالعزلة عنه. هنا صارت الحاجة ماسة إلى تدخل إلهي في حياة البشرية، ليحطم هذا الحجاب الفاصل بين الله والإنسان، فقدم لنا طقس الذبيحة والمذبح كنواةٍ لإقامة بيت الله.
ثانيًا: ظهور المذبح. ظهور المذبح كبيت الله في أول صورهِ البدائية يكشف لنا عن الآتي:
1. كلمة مذبح في العبرية كما في العربية Mazbeh تعني الموضع الذي فيه تذبح الفدية، فهو في الحقيقة دخول إلى "ذبيحة الصليب" نتصالح مع الآب في ابنه الحبيب، الذي بدمه يغسل بصيرتنا فنرى الله أبا لنا. ويقدس أعماقنا الداخلية، ممزقًا الصك الذي كان علينا!
2. الحقيقة الثانية: أقامه إيليا النبي مذبحًا للرب من اثني عشر حجرًا (1 مل 18: 31-32). كل حجر يمثل سبطًا، وكأن بيت الله يتحقق ببنيان الجماعة معًا (كل الأسباط) خلال ذبيحة المصالحة.
ثالثًا: بيت إيل. جاء في قصة يعقوب الهارب من وجه أخيه عيسو، أنه اسند رأسه على حجر فرأى سلمًا منصوبًا على الأرض رأسه يمس السماء، وملائكة صاعدين ونازلين عليه، والرب واقف عليه، يقول له "ها أنا معك" (تك 28: 11-15). أخذ يعقوب الحجر وأقامه عامودًا وصب عليه زيتًا ودُعي الموضع بيت إيل أي بيت الله". أدرك معية الله معه وانفتاح السماء على الأرضيين.
رابعًا: خيمة الاجتماع. جاءت الخيمة برسم إلهي أعلنه الله لموسى بعد أن صام أربعين يومًا وأربعين ليلة دون طعام أو شراب. "أنظر أن تصنع كل شيء حسب المثال الذي أظهره لك في الجبل" (عب 8: 5، خر: 25: 9). حققت الخيمة ما رآه يعقوب في الحلم في شيء من التفصيل.
خامسًا: الهيكل. إذ استقر الشعب بنى سليمان الهيكل في أورشليم حسب المثال الذي أظهره الله لداود النبي. يليق بالكنيسة أن تكون هيكلاً، تعلن مملكة الله في حياة الناس، قادرة على تهيئة القلب الداخلي ليكون عرشًا يتربع الله عليه. لهذا أحب السيد المسيح الهيكل ودعاه: بيت أبي (يو 2: 16).
سادسًا: كنيسة العهد الجديد. دخل التجسد الإلهي بالسر إلى كماله، إذ "صار الكلمة جسدًا" (يو 1: 14). فلا نرى في الكنيسة كاتدرائية ضخمة أو كنيسة بسيطة صغيرة، إنما بتجلي الرب المتجسد أمامنا. نرى الكنيسة "جسد المسيح" ممتدًا في حياة البشرية المؤمنة[291]. ويتطلع إليها القديس ايرينيؤس[292] في أواخر القرن الثاني "جسد المسيح العظيم الممجد" المرتفع في السماوات. بعد أن كان الله يحل وسط شعبه، تجسد كلمة الله الآن وقدم لهم جسده ودمه يتناولونهما فيثبتون فيه ويتحدون معه ويجتمعون به كأغصان في الكرمة... ويصيرون "أعضاء جسده" هيكلاً لله، كقول الرسول "من التصق بالرب فهو روح واحد... أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم الذي لكم من الله" (1 كو 6: 17– 19).
3. ما هو أهمية المبنى الكنسي في حياة الكنيسة
الكنيسة كبيت الله، حيث يجتمع السيد المسيح بأعضاء جسده ليمارس عمله الإلهي الخلاصي في حياتهم، دون أن يفقدوا ملامحهم البشرية. بهذا يتم تشكيل هذه الجماعة شبه السماوية السالكة على الأرض لتحيا بمستوى "سماوي - بشري" إن صح هذا التعبير. فهي سماوية بكونها مسكن الروح القدس وأعضاء جسد المسيح، وفي نفس الوقت بشرية غير منعزلة عن العالم، تجمعت من كل أمة ولسان كخميرة مقدسة تعمل على الدوام لتجديد العالم. الجماعة الكنسية تقيم المبنى كتقدمة حب يتقبلها الله من يديها ويقدسها ويجعل منها هيكلاً له مقدسًا، وفيه تتمتع الجماعة بتشكيلها الإفخارستي بأسراره الإلهية كجسد المسيح الحي العامل في مؤمنيه.
4. هل يقوم المبنى على أُسس معمارية فنية مجردة؟
فيرى[293] R. Schwarz أن المبنى الكنسي هو عمل مقدس يليق ألا يقوم على أُسس معمارية فنية مجردة، وإنما أيضًا على الحقيقة الإيمانية المقدسة الأصيلة. لذلك يليق بالقائمين على شئون المباني أن يكونوا هم أنفسهم أعضاء حية سالكين بالروح الكَنَسية. يليق بهم أن يكونوا حجارة حية، مبنىين على أساس المسيح الحي، بروح رسولي صادق، فيخرج عملهم حاملاً ذات الروح. فكما يتقدس الكاهن للعمل الكهنوتي الرعوي، واللاهوتي في دراسته، هكذا يلتزم العاملون في بناء بيت الرب أن يتقدسوا ويتهيأوا لهذا العمل المقدس، فهم يشتركون في عمل مقدس تحت قيادة الروح القدس نفسه.
5. ماذا نعني بالحياة الليتورجيا أو بالشكل الليتورجي للكنيسة؟
ِالليتورجية وتسابيحهم المستمرة، تسندهم وتشجعهم بل وتكشف لهم مفاهيم هذه العبادة وأسرارها وغايتها. لتوضيح ذلك نعطي بعض الأمثلة:
1. وجود المعمودية في أقصى غرب المبنى الكنسي عند المدخل والمذبح في أقصى الشرق يؤكد لنا أن مدخلنا إلى الحياة الكنسية ينطلق بتمتعنا بليتورجية المعمودية، التي تبقى فاعليتها ملازمة لحياتنا حتى تدخل بنا على الدوام إلى ليتورجية المذبح لننعم بسرّ الاتحاد مع المسيح الذبيح!
2. وضع المنجلية بين المذبح وجماعة المؤمنين يكشف عن مركز كلمة الله في حياة المؤمنين الليتورجية... فانهم لا يستطيعون أن يقتربوا من أسرار المذبح إلا من خلال كلمة الله!
3. ارتفاع الصليب أعلى حامل الأيقونات، ورسمه على الأبواب، وفي كل ركن في الكنيسة، ونقشه على تيجان الأعمدة، يوضح لنا الحقيقة الليتورجية بكونها دخول عملي في الشركة مع المسيح المصلوب. فالصليب هو سرّ عبادتنا، وموضوع تسبيحنا وعلة لقائنا مع الله إلى الأبد.
وقد تحدث J. Rykwert في كتابه "المبنى الكنسي" عن العلاقة بين المبنى والليتورجية قائلاً[294]: [الليتورجية هي الحركة الحية التي يحتضنها مبنى الكنيسة، لهذا يلتزم أن يكون المبنى ممتثلاً للحركة الليتورجية في شكله وتجميله.] ففي الليتورجية تذكر الكنيسة أعمال ربنا الخلاصية، هذه الذكرى تؤكدها أيضا ملامح الكنيسة المادية. هكذا تعمل الملامح المادية في انسجام مع العبادة، حتى أن المذبح غالبًا ما يكون على شكله التابوت كتذكار لآلام السيد المسيح وموته ودفنه.
6. كيف يرتبط المبنى الكنسي بالحياة السماوية؟
يعلن المبنى الكنسي عن سمة الجماعة السماوية. يقول العلامة أوريجينوس على قول داود النبي: "هذه أذكرها فأسكب نفسي عليَّ. لأني كنت أمُرّ مع الجماع، أتدرج معهم إلى بيت الله" (مز 42: 4)، قائلاً: [ترى ما هو هذا المسكن الذي يتذكره داود فيسكب نفسه عليه، مشتهيًا هذا البيت في حب قوي حتى الموت؟ هل هو المسكن المصنوع من جلد وبوص وإسمانجوني وأرجوان؟ لا شك أن نظرة داود مختلفة تمامًا... انزع عنك كل فكر أرضي، وتعال سرْ في الطريق الذي يفتحه لك الأنبياء والرسل وفوق الكل سرْ في كلمة الله من كل قلبك وبكل فهمك، لتصعد إلى السماء وتتأمل روعة المسكن الأبدي الذي أوضح لك موسى مجرد ظله[295].] يقول المؤرخ الكنسي يوسابيوس إن الكنيسة المنظورة تُبنى على صورة الكنيسة غير المنظورة... هي السماء على الأرض. ويقول العلامة أوريجينوس: [الكنيسة هي امتثال بالملكوت العتيد[296].] ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يليق بنا أن نخرج من هذا الموضع نحمل ما يليق به كموضعٍ مقدسٍ، كأناس هابطين من السماء!... علموا الذين في الخارج أنكم كنتم في صحبة السيرافيم، محصيين مع السمائيين، مُعدين مع صفوف الملائكة، تتحدثون مع الرب وتكونون في صحبة المسيح[297].]
7. كيف يعبِّر المبنى الكنسي عن الحياة الداخلية للمؤمن؟
كل ما نراه بالعين المنظورة في المبنى يتحقق بالإيمان في إنساننا الداخلي. يقول العلامة أوريجينوس عن خيمة الاجتماع: [إذ أتطلع إلى نفسي وأنا مزمع أن أبحث هذا الأمر إذا بشجاعتي تخونني أمام رهبة هذه الأسرار[298].] كما يقول: [أوضح الرب سرّ بناء الخيمة بقوله لموسى: تصنعون لي مسكنًا فأسكن في وسطكم (خر 25: 8). يشتهي الله أن نصنع له مسكنًا، واعدًا إيانا برؤيته كمقابل لذلك...أما مسكن الرب الذي يريدنا أن نقيمه فهو القداسة... بهذا يقدر كل إنسان أن يقيم لله خيمة داخل قلبه... والخيمة تصنع من عشر شقق (خر 26: 1) إشارة إلى تنفيذ الوصايا العشر! وفي الخيمة يشير القرمز والاسمانجوني والكتان النقي... إلى تنوع الأعمال الصالحة. الذهب يشير إلى الإيمان، والفضة إلى الكرازة (مز 12: 6)، والنحاس إلى الصبر. والأخشاب التي لا تسوس إلى المعرفة التي يتمتع بها المؤمن في خلوة البرية، والعفة الدائمة التي لا تشيخ. والكتان يشير إلى البتولية، والأرجوان إلى محبة الاستشهاد. والقرمز إلى ضياء المحبة، والاسمانجوني إلى رجاء ملكوت السماوات. بهذه المواد تُقام الخيمة... بناء الخيمة يستلزم البحث عن ألواح (خر 26: 25) الفضائل! ألواح من الفضة أي الصبر مع الحكمة. هذه الخيمة تسندها وتزينها أعمدة من فضة، أي تستند على اتساع القلب... وتتحصن بالعوارض (خر 35: 11) أي توجيه القلب بكامله للتلذذ بالله والتأمل فيه. وتستقر على قواعد فضية، أي تبني حياتنا على أساس كلمة الله التي نطق بها الرسل والأنبياء. تغطي هذه الألواح بطبقة من الذهب، إي يكسوها الإيمان بالمسيح. ويبني في القلب عشرة شقق، أي يتسع القلب بغير حدود[299].]
8. لماذا استخدمت السراديب للعبادة خاصة في الغرب؟
هذا التعبير "سرداب Catacomb" غالبًا أُخذ عن اليونانية Catacombas التي تعني "الوادي الضيق". كان القانون الروماني يأمر باستبعاد الجثمان خارج أسوار المدن، لذلك أقيمت السراديب بجوار الطرق الجانبية. وبحسب القانون الروماني تُعتبر Socrosant أي لا يجوز مهاجمتها. لهذا استخدمها المسيحيون في بعض البلاد، خاصة روما، كمواضع للعبادة أثناء الاضطهاد.
9. ما هو دور المعمار الكنسي في مصر؟
يقول الدكتور عزيز سوريال عطية: [بالرغم مما عانته أغلب الآثار القبطية القديمة من غارات مستمرة وإهمال الكثير منها وتحطيمه لكنه لا يزال يمثلها عدد من المباني الديرية والكنائس تحمل شكلها الأول الأصيل، لهذا يستطيع رجل المعمار أن يرسم صورة صادقة عن أساسيات المعمار القبطي... فان بعض الآثار قد عرفت ولم ينقب عنها، بينما لا تزال آثار بلا حصر لم تعرف بعد ولا لمست[300].] مما يجدر ملاحظته أن المباني الكنسية في مصر تعرضت لتيارات مستمرة من التدمير والتحطيم والحرق. تارة بأيدٍ مصرية وثنية وأخرى من الحكام: رومان وملكيون ومماليك وأتراك الخ. حتى لم يتبق في الإسكندرية كنيسة واحدة ترجع مبانيها للقرون الثلاثة الأولى، أما كنائس مصر القديمة والآثار التي في صعيد مصر ووجه بحري فترجع إلى ما بعد القرن الثالث. أكد رجال المعمار أن مصر لابد أنها حازت العديد من الكنائس الفخمة، لها أثرها الفعال على معمار الكنيسة الأولى وفنونها. وكما يقول[301] Rykwart: [يصعب جدًا تقدير مساهمة الإسكندرية في التطور العام للمعمار الكنسي، فان كنائس الإسكندرية على خلاف القسطنطينية لم تتحول ببساطة "بواسطة الغزاة المحدثون لاستخدامهم الخاص، وإنما غالبًا ما حطمت وتركت بغير ملامح!]
10. ما هو أول مبنى كنسي في مصر؟
تحول بيت أنيانوس الرجل الأول الذي تقبل الإيمان في الإسكندرية على يدي مار مرقس الرسول، إلى أول كنيسة من أصل بيت في مصر. فيما بعد أُقيمت كنيسة معتبرة في ضاحية بوكاليا[302] وفي ليلة عيد الفصح من عام 68م ثار الوثنيون عندما رأوا معبد سيرابيس الضخم مهجورًا والكنيسة حية بالمؤمنين، فهجموا عليها وأمسكوا بالقديس ليقتلوه.
11. ما هو طراز الكنائس التي شيدت فيما بعد في مصر؟
يقول الدكتور عزيز عطية إن الأقباط كانوا يعتزون بثقافتهم الفرعونية، وإن كان بعض الغزاة تركوا بصماتهم على الثقافة المصرية، سواء كانوا يونان أو رومان أو فارسين أو بيزنطيين... فانه من الخطأ الجسيم أن نظن الفن المصري قد تبع في وقت من الأوقات إحدى هذه الثقافات.
بدأ المعماريون المحدثون يرفضون الآراء القديمة التي نادت بأن معمارنا مجرد فرع للمعمار البازليكي أو البيزنطي، أو هو خليط من كليهما، فيؤكد هاملتون كمثال [نستطيع تصنيف كنائس مصر في طابع خاص بها، أي المعمار القبطي، خطته قد أملتها عاداتها الليتورجية والكنسية، وتكوينها يحمل مشاعرها القومية.]
12. لماذا اهتمت الكنيسة الأولى بالاتجاه نحو الشرق في عبادتنا؟
جاء في القوانين (الدساتير) الرسولية "يلزم أن تكون الكنيسة مستطيلة الشكل، متجهة نحو الشرق[303]". كما أشير إلى هذا التقليد في كتابات القديس إكليمنضس السكندري[304] والعلامة أوريجينوس[305] والعلامة ترتليان[306] الخ. كما اعتادت الكنيسة منذ القرون الأولى في خدمة ليتورجية العماد أن تسأل طالبي العماد بعد جحدهم الشيطان وكل أعماله أن يتجهوا نحو الشرق ويعلنوا إيمانهم بالثالوث القدوس[307]. كما نقرأ عن القديس أرسانيوس أنه اعتاد الوقوف للصلاة عند غروب السبت حتى تشرق الشمس أمامه صباحًا. وفي أعمال الشهداء نسمع أنهم كانوا يبذلون كل الجهد أن يتجهوا نحو الشرق في لحظات استشهادهم أو رحيلهم عن هذا العالم.
13. ما هو مدلول الاتجاه للشرق في عبادتنا وبناء كنائسنا؟
أولاً: المسيح هو شرقنا. دعي مسيحنا بالشرق (زك 6: 12) كما دعي "شمس البرّ والعدل" الذي يشرق بغير انقطاع ليبدد الظلمة (مل 4: 2). يقول العلامة أوريجينوس[308]: [يليق بنا الصلاة متجهين نحو الشرق إشارة إلى تطلع النفس تجاه فجر النور، أي إلى شمس البرّ والخلاص، الذي يشرق على العالم الجديد الذي هو الكنيسة.]
ثانيًا: تذكر الفردوس المفقود. يقول القديس باسيليوس الكبير: [إننا نتجه نحو الشرق حسب تقليد غير مكتوب قد تسلمناه، إلا أننا قليلاً ما ندرك أننا بهذا إنما نطلب وطننا القديم، الفردوس الذي غرسه الله في عدن نحو الشرق.]
ثالثًا: ترقب باروسيا "مجيء الرب". أعلن الرب عن مجيئه أنه يأتي كالبرق من المشرق يضيء حتى المغرب (مت 24: 27)، كما قال الملاك للتلاميذ هكذا يأتي ابن الإنسان كما صعد في المشارق (أع 1: 11). وجاء في الدسقولية[309]: [يلزم أن تصلوا نحو الشرق، إذ تعرفون ما هو مكتوب: أعط مجدًا لله الراكب سماء السماوات نحو الشرق. (مز 68)].
رابعًا: رمز الميلاد الجديد والرجاء والنور. يرى القديس إكليمنضس السكندري أننا في كل مرة نقف للصلاة متجهين نحو الشرق نذكر بداية حياتنا الجديدة التي نلناها بالمعمودية.
خامسًا: التطلع نحو الصليب. يقول القديس أثناسيوس الرسولي: [إن السيد المسيح كان متطلعًا نحو الغرب عندما علق على الصليب، فنلتزم نحن بالتطلع نحو الشرق أي نحو المصلوب[310].]
14. ما هو الشكل الخارجي للمبنى الكنسي؟
أولاً: على شكل الصليب. يعلن عن طبيعتها كجسد المسيح المصلوب، مخلصها المحبوب. يقرر بتلر: [أن البنائيين الأقباط لم يعطوا اهتمامًا لهذا الشكل وربما لم تكن لهم به أية دراية[311].]
ثانيًا: على شكل دائرة. ترمز الدائرة لطبيعة الكنيسة الأبدية، لأنها تمثل خطًا بلا بداية ولا نهاية[312]، وقد حملت هذه الطبيعة عن عريسها الأبدي. هذا الطابع أيضًا نادر في المعمار الكنسي القبطي.
ثالثًا: على شكل سفينة. وجدت منقوشة بأشكال متنوعة على مقابر المصريين واليونان والرومان الخ. لاعتقادهم بالخلود[313]، فقد تطلعوا إلى الموت كرحلة بسفينة متجهة نحو العالم الآخر[314]. يقول القديس أغسطينوس: [الفلك بلا شك هو رمز مدينة الله في رحلتها عبر التاريخ. هو رمز للكنيسة التي خلصت بالخشبة التي علق عليها "الشفيع بين الله والناس، الإنسان يسوع المسيح" (1 تي 2: 5).]
يقول الأب هيبوليتس: [البحر هو العالم، نزلت إليه الكنيسة حتى العمق لكنها لم تهلك لأن قبطانها المسيح ماهر. إذ تحمل صليب الرب إنما تحمل الغلبة على الموت في داخلها... البحارة هما العهدان (القديم والجديد). والحبال المحيطة بها هي محبة المسيح التي تربط الكنيسة. الشبكة التي معها هي جرن الميلاد الجديد الذي يجدد المؤمنين. الروح القدس حال فيها كبحَّار ماهر يُختم به المؤمنون... لها مراسي من حديد تحتفظ بها. هي وصايا المسيح نفسه، قوية كالحديد! بها نوتيه على اليمين واليسار، خدام كالملائكة القديسين يديرون الكنيسة ويحفظونها. السلم الذي نصعد به إلى ظهر السفينة هو تذكار آلام المسيح، به ترتفع قلوب المؤمنين إلى السماء. القلاع المرتفعة فوق السفينة هي شركة الأنبياء والشهداء والرسل الذين يدخلون راحتهم[315].] ويقول القديس إكليمنضس السكندري: [يدير كلمة الله دفة سفينتك (قلبك) ويعود بك الروح القدس إلى ميناء السماء سالمًا[316].]
15. ما هو مفهومنا للهيكل؟
يرتبط الهيكل بالمذبح في الكنائس الأرثوذكسية، حتى أن الهيكل يدعى أحيانًا بالمذبح. هذا الارتباط يكشف عن ارتباط السماء بالصليب، فالهيكل يمثل السماء التي نعرفها خلال ذبيحة الصليب.
16. ما هو الدرج وما هي الشرقية؟
17. ما هو طقس الهيكل
18. ما هو ارتباط المذبح الذي في الهيكل بالمذبح الداخلي في نفوسنا؟
19. إذ أُبطلت الذبائح الحيوانية بذبيحة المسيح على الصليب فما حاجتنا بعد إلى وجود مذبح؟
20. ما هي ملامح المذبح القبطي؟
21. كيف يتم تكريس المذبح؟
22. لماذا نستخدم أغطية للمذبح؟
23. ما هو طقس اللوح المقدس؟
24. ما هو العرش؟
11. حامل الأيقونات "الأيقونستاسز"
1. ما هي أسماء حامل الأيقونات؟
2. ما هو دور حامل الأيقونات؟
3. ما هي أبواب الأيقونستاسز؟
4. ما هي نوافذ الأيقونستاسز؟
5. ما هو ترتيب الأيقونات على الأيقونستاسز؟
6. ماذا يتدلى من الأيقونستاسز؟
أ. السرج: تذكرنا بنور المسيح الذي يشرق خلال قديسيه. ولا يُوضع سراج أمام أيقونة ربنا يسوع المسيح، إذ هو النور الذي به تستنير الكنيسة جميعها.
ب. بيض النعام: يتدلى بين الأيقونات أمام الأيقونستاسز. قيل إن القديسة مريم المجدلية عندما سألها بيلاطس بنطس كيف قام يسوع الذي مات، سألته بدورها: وكيف تخرج فرخه من البيضة؟ لهذا السبب ارتبط البيض الملون بعيد القيامة كما وجد أيضًا بيض من الرخام في المقابر الأولى.
7. ما هي رسالة الأيقـونات؟
8. ما هو موقفنا من الوصية: "لا تصنع لك تمثالاً منحوتًا ولا صورة ما مما في السماء من فوق وما في الأرض من تحت وما في الماء من تحت الأرض. لا تسجد لهن ولا تعبدهن. لأني أنا الرب إلهك إله غيور" (خر 20: 4-5)؟
ب. التمييز بين العبادة والتكريم. يقول الأب يوحنا الدمشقي: [أن منع الصور في العهد القديم قام جوهريًا على عجز الشعب اليهودي عن التمييز بين العبادة Latreia الخاصة بالله وحده، والتكريم Prokynesis الذي يمكن تقديمه لغير الله. أما المسيحيون... فيستطيعون ألا يمزجوا بين التعبد للسيد المسيح وتوقير أيقونته المقدسة.]
9. هل يجوز السجود لغير الله؟
10. ما هي أهمية تكريس الكنيسة والأيقونات؟
11. لماذا نكرّم الأيقونات المقدسة؟
أظهر القديس باسيليوس الكبير في اعترافه ليوليانوس الآتي: [إني أكرم شخصيات أيقونات القديسين... التي تُرسم في كل كنائسنا. أما المنع الوارد في العهد القديم فلم يكن منعًا مطلقًا. جاء في الوصية الثانية من الوصايا العشر التي أُمرنا بها: "لا تصنع لك تمثالاً منحوتًا، ولا صورة ما مما في السماء من فوق وما في الأرض من تحت وما في الماء من تحت الأرض" (خر ٢٠: ٤). لكن الربّ نفسه، أمر موسى أن يصنع صور للشاروبيم (خر ٢٥: ١٨-٢٢). وفي موضعٍ آخر أمر موسى أن يصنع حية نحاسية (عد ٢١: ٨-٩). وعندما صنع سليمان الملك والنبي "البحر" صنع اثني عشر ثورًا تحت البحر (المسبوك) (١ مل ٧: ٢٥)، وعلى الأتراس التي بين الحواجب أسود وثيران وكروبيم (١ مل ٧: ٢٩). هذه الصور التي للكاروبيم لم تكن لكي تُعبد، إنما لتذَّكر الإسرائيليين أن هذا الموضع مقدس، وأنه يليق بهم وهم يدخلون هناك أن يكونوا مقدسين".
لم يتجدد هذا المنع في العهد الجديد بواسطة واهب الناموس، ربنا يسوع المسيح ابن الله، بل هو جدد شريعة العهد القديم وأكملها (مت ٥: ١٧)؛ وهو نفسه أعطى شريعة جديدة للعهد الجديد، متحدثًا بسلطانٍ، قائلاً: "قد سمعتم أنه قيل للقدماء... وأما أنا فأقول لكم" (مت ٥: ٢١-٢٢).]
من القرون الأولى للمسيحية اعتاد المسيحيون في السراديب أن يرسموا الأحداث والأشخاص بمعانٍ رمزية مثل المرساة والحمل والحمام والسمك. ويخبرنا القديس غريغوريوس أسقف نيصص كيف انتشر بسرعة استخدام الأيقونات المقدسة في القرن الرابع. وركَّز على الفوائد التي يستفيد بها من يرى الأيقونات المقدسة إذ تقوم بتعليمه[330].
تحدث القديس يوحنا الذهبي الفم عن علامة الصليب المقدس، وأخبرنا أن "الكل يرشمون أنفسهم بعلامة الصليب على جميع أعضائهم باستمرار، أي على الجبهة... وفي كل موضع يرى الشخص علامة الصليب، في البيوت والأسواق والبراري والطرق وفي الجبال، وفي البحر والسفن والجزائر، وفي المخادع وفي الملابس وعلى الأذرع، وعلى الأواني الفضية وعلى الحيطان، يُشرق وينتشر في كل موضع[331]."
12. متى بدأ استخدام أيقونات السيد المسيح؟
13. لماذا تحفظت الكنيسة الأولى في تصوير المسيح؟
ج. ركز آباء الكنيسة على جمال أعمال المسيح الخلاصية، كقول القديس أغسطينوس: [جميل هو الله الكلمة مع الله (الآب)! جميل في أحشاء البتول، ظهر في ناسوته دون أن يفقد لاهوته!... جميل حين جُلد. جميل وهو يمنح الناس حياة، جميل في عدم خوفه من الموت! جميل أن يضع نفسه وجميل أن يأخذها! جميل على الصليب، وجميل في القبر، وجميل في السماء![336]]
14. ما هي ملامح السيد المسيح؟
15. لماذا اهتمت الكنيسة بأيقونات القديسين؟
16. هل من ضرورة لأيقونات القديسين؟
17. أين توضع أيقونات الإنجيليين الأربعة وأيقونات التلاميذ؟
18. ما هي أشكال هالة المجد في الأيقونات القبطية؟
ميزت الكنيسة أيقونات قديسيها والملائكة بهالة من النور حول الرأس، إشارة إلى طبيعتهم كنورٍ للعالم. أما شخص السيد المسيح فغالبًا ما يُرسم صليب داخل الهالة، ويُكتب عليه الحرفان الأول والآخر من الأبجدية اليونانية "الألفا والأوميجا" (رؤ 1: 8) علامة لاهوته. ويلاحظ على الهالة ما يلي:
19. لماذا نهتم بأيقونات الخليقة السماوية؟
20. كيف تطورت الأيقونات عبر العصور؟
أولاً: مرحلة الرموز: اُستخدمت الرموز في القرنين الأول والثاني على نطاق واسع، فيظهر السيد المسيح في شكل الراعي الصالح أو السمكة أو مختفيًا تحت المونوجرام أي الحرفين الأولين لاسمه باليونانية XPICTOS على شكل صليب.
ثانيًا: مرحلة أيقونات الكتاب المقدس: استخدمت الكنيسة الأولى أيقونات تصور مواضيع من الكتاب المقدس بقصد التعليم.
ثالثًا: مرحلة الأيقونات الاسخاتولوجية (الآخروية). صارت المسيحية هي الديانة الرسمية للدولة الرومانية في القرن الرابع، واعتنق بعض الفلاسفة المسيحية، وساد السلام في أنحاء الكنيسة. هذا كله خلق اتجاهين متضادين هما: انفتاح أبواب القصر الإمبراطوري في وجه بعض الكنسيين فانحرفوا عن رسالتهم الروحية، وانشغل البعض بترقب بروسيا (مجيء) الرب، أي مجيئه الأخير. وجاءت العبادة الكنسية والأيقونات في ذلك الحين تحمل اتجاهًا آخرويًا قويًا، مثل أيقونات الشهداء والقديسين مكللين بالمجد وأيقونات الملائكة، وأيقونات الرؤى النبوية.
21. إلى أي مدى ارتبط الأقباط بالفن خاصة في الأيقونات؟
22. ما هي أهم ملامح الأيقونات القبطية؟
أولاً: تمثل الحياة المفرحة: أيقوناتنا مفرحة، فلا ترى قط ما يمثل آلام الرب والشهداء، ماعدا الصليب الحامل للنصرة، حيث علق ملك الملوك. وليس من صورة للجحيم، بل صور عن السماء والخليقة السماوية والأكاليل السماوية، كأن الكنيسة تود أن تبعث الرجاء في حياة أولادها.
ثانيًا: مملوءة بروح الغلبة: إذ تسعى الكنيسة في خلق روح الثقة في أولادها، لهذا فهي لا تصور الشياطين وان صورتهم عند الضرورة يظهرون في أحجام صغيرة، مطروحين في ضعف.
ثالثًا: تحمل روح الحب واللطف. من أمثلة ذلك: تتلاقى أحد وجنتي القديسة مريم مع أحد وجنتي ابنها في لطف عجيب، بينما يضع كل منهما يده على كتف الآخر في رقةٍ، وكأنه يصالح البشرية خلال أمه القديسة.
رابعًا: تعبر عن قوة الروح. كأن الفنان القبطي يريد إبراز قوة الروح الداخلي، فيرسم رؤوس الأشخاص ضخمة كرمزٍ لله رأسنا السماوي، والأعين المتسعة علامة البصيرة الداخلية.
خامسًا: أيقونات تمثل رجال الصلاة. الفنان القبطي إذ يصور قديسين يستخدم هذه الاتجاه، أي الصلاة، فيظهرون رافعين أياديهم للصلاة لله "Orant" كأنهم يعلنون أن الصلاة هي سرّ قداستهم. وهو الوضع الذي يفضله الشهداء والقديسون في لحظات انتقالهم إلى الفردوس، كما استخدمت الكنيسة الأولى في الصلاة، إذ يقول العلامة ترتليان: [ينظرون إلى فوق، بأيدٍ منبسطةٍ مفتوحةٍ، ورأسٍ مكشوف.] وهذا ما حدث فعلاً مع شهداء ليبيا.
سادسًا: حمل الصليب. لاحظ سميث[343] أن غالبية أيقونات الإسكندرية تصور السيد المسيح يحمل صليبًا قبطيًا، وكأن الكنيسة أرادت أن تتطلع إليه دائمًا كمخلص لنا.
سابعًا: عناية الرب. يصور الرب على الصليب معلقًا بعينين مفتوحتين علامة خلوده وعنايته الإلهية المستمرة. يقول أولوجيوس الإسكندري: [نام ربنا قليلاً حسب الجسد على الصليب لكنه كإله بقيت عيني لاهوته مفتوحتان].
ثامنًا: انفتاح البصيرة الداخلية؟ يصورون القديسين والخليقة السماوية وقد ظهر لكل منهما العينان علامة بصيرتهم الداخلية، أما الأشرار فيصورونهم من جنبهم حتى تظهر عين واحدة لهم، وكأنهم يتطلعون بعين إلى الأرضيات، بينما انطمست أعينهم الأخرى أي الداخلية تمامًا في الظلمة.
تاسعًا: القديسون المحاربون. تشتهر الكنيسة القبطية ككنيسة الشهداء بأيقوناتها الخاصة بالقديسين المحاربين (العسكريين) مثل الشهداء مارجرجس ومارمينا والأمير تادرس والأمير بقطر وأبي سيفين.
23. ما هو أثر الفن القبطي على العالم؟
12. الفن القبطي والرموز
1. ما هو موقف الكنيسة القبطية من الرموز؟
2. ما هي أهم الرموز القبطية؟
أ. السمكة: كانت السمكة في الكنيسة الأولى أكثر الرموز تفضيلاً واستعمالاً، وهي تحمل معان متعددة نذكر منها: ترمز لمؤمني الله، ففي (مت 13: 47، لو 5: 4-10) استخدمها الرب نفسه رمزًا لشعبه. وعندما دعا بعض تلاميذه كان يقول: "هلُم ورائي فأجعلكما صيادي الناس" (مت 4: 19). ويتحدث القديس غريغوريوس النزينزي عن الشهداء: [إنهم يعتمدون خلال دماءهم، أما بقية المسيحيين فهم كالسمكة تكفيها مياه المعمودية[347].] وكتب العلامة أوريجينوس: [يدعى المسيح مجازيًا بالسمكة]، كما يقول العلامة ترتليان[348]: [نحن السمك الصغير بحسب سمكتنا يسوع المسيح قد ولدنا في المياه، ولا نكون في أمان بطريق ما غير بقائنا في المياه على الدوام[349].] وقد دعي السيد المسيح هكذا لأن الحروف اليونانية لكلمة سمكة هي ІXθΥΣ وهي تحوي الحروف الأولى للكلمات XΡΙΣTΟΣ θΗΟΥ ΥΙΟΣ ΣΩTΗΡ ΙΗΣΟΥΣ أي يسوع ابن الله المخلص.
3. كيف ارتبط الصليب بالمبنى الكنسي واللاهوت والفن
4. ما هو مركز الصليب في المبنى الكنسي؟
أولاً: الصليب والمذبح: لا تقيم الكنيسة القبطية صليبًا فوق المذبح، لأن المذبح ذاته هو صليب الرب، وإنما يزين عرش المذبح وتعلوه الصلبان. أما في تقديس الليتورجية، فيستخدم الكاهن صليب يد كأحد الأواني المقدسة، به يرشم القرابين والبخور، ويقدس مياه المعمودية، ويبارك العروسين، ويعطي السلام لشعب الله، ويستخدمه في طلب الحلّ من الخطايا. يقوم العمل الكهنوتي على اختفاء الكاهن في صليب الرب. كما يؤكد أن كل عبادتنا وتقدماتنا إنما تتم خلال ذبيحة المسيح وفي اسمه.
ثانيًا: الصليب وحامل الأيقونات. تقوم علاقة قوية بين الصليب وحامل الأيقونات، في الآتي:
ثالثًا: الصليب وبرج الكنيسة "المنارة". يمثل الصليب العلم (اللواء) الإلهي الذي يعلن خضوع الكنيسة لسلطان الرب المصلوب، سالكة بشريعته، مقوده بروحه، وكارزة بإنجيله. كما يشير الصليب المرتفع إلى مجيء الرب الأخير. فقد ذكر الرب هذا المعنى الاسخاتولوجي بقوله: "عندئذ تظهر علامة ابن الإنسان في السماء" (مت 24: 30). ينشغل العالم منذ قرون طويلة بالوحدة والسلام، فالصليب يعلن بأنه لا طريق لتحقيق الوحدة والسلام خارجًا عنه. يقول الرسول: "لأنه هو سلامنا الذي جعل الاثنين واحدًا، ونقض حائط السياج المتوسط، أي العداوة... قاتلاً العداوة به" (أف 2: 14-16). بالصليب أزال السيد المسيح انقسامين: الانقسام الأفقي، أي السياج القائم بين اليهود والأمم، والانقسام العمودي أي السياج الذي يفصل الإنسان عن الله أو العالم الأرضي عن العلوي. يقول القديس إيرينيؤس: [عُلق على الشجرة ذلك الذي يجمع الكل فيه[356].]
5. ما هي أشكال الصليب القبطي؟
أولاً: شجرة الحياة. عرفت بين الأمم غالبًا ما تأخذ شكل الصليب (على شكل حرف T). بدأت فكرة شجرة الحياة في أيام آدم، الذي عرف أنها قائمة في وسط الفردوس (تك 2: 9)، وكانت رمزًا للسيد المسيح واهب الحياة. اعتقد المصريون أنه "توجد شجرة جميز (أس ـ اك ـ أمورSycamore يعني إضاءة نار الشمس) يجلس عليها الإلهة، وهي شجرة الحياة التي يقتات عليها الإلهة والمطوبون.
ثانيًا: الصليب الفرعوني (علامة الحياة): وجد بين أقدس كتابات المصريين الهيروغليفية، يرمز للحياة (أونخ)، ويعرف بمفتاح الحياة أو مفتاح النيل، يستخدم كعلامة للحياة العتيدة[357]، وقد تبناه الأقباط بكونهم أبناء الفراعنة.
ثالثًا: صليب تو (حرف T ). وهو صليب على شكل الحرف اليوناني "T" يمثل الحرف الأول من الكلمة اليونانية "تيؤس Theos " أي الله[358]. والحقيقة أن حرف T أو T A U له أصل مصري. إذ ظن قدماء المصريين أن الأرض خلقت بكلمة الإله توت (Thaut)[359]. لهذا دعا الفراعنة الشهر الأول من السنة على اسمه.
6. هل من أمثلة للصلبان القبطية التي وجدت في الآثار القبطية؟
7. ما هي الحية الذهبية؟
أثناء تقديس سرّ الإفخارستيا، متى كان الأسقف حاضرًا، يمسك أحد الشمامسة عصا الأسقف يعلوها صليب ذهبي تحوطه به حيتان ذهبيتان. هذه العصا تغاير عصا الرعاية التي يمسك بها الأسقف دائمًا علامة رعايته الرسولية.
8. ما هو صليب الصدر؟
إن كلمتي Pectoral وEncolpin تعنيان "فوق الصدر". عُرف استخدام "صليب فوق الصدر" مدلى بخيط أو سلسلة منذ القرن الرابع، غالبًا ما كان يلبسه ليس فقط الكنسيون بل والشعب الأتقياء. ففي عام 350 ميلادية كانت ماكرينا أخت القديس غريغوريوس أسقف نيصص التقية ترتدي صليبًا صغيرًا لحمايتها.
ويشير القديس يوحنا الذهبي الفم إلى العادة الأصيلة لارتداء صليب الصدر إذ كان يستخدمها كثير من المسيحيين. أما الآن فقد صارت العادة بين الأساقفة الأرثوذكس والكهنة أن يرتدوا صليبًا على الصدر أو ميدالية تحمل صورة السيد المسيح والقديسة مريم، خاصة بعد مجمع أفسس.
13. الأواني المقدسة
1. كيف تتقدس الأواني المقدسة لخدمة الرب؟
2. ما هي الكأس؟
3. ما هي الصينية؟
4. ما هي القبة؟
5. ما هي الملعقة أو "المستير"؟
تسمى في القبطية Πικηθтηρ وفي اليونانية λαοις وهي تستخدم في تناول دم المسيح. قيل إن الكاهن في القرون الأولى كان يضع الجسد في أيدي المتناولين أو في أفواههم، أما الدم فكانوا يتناولونه من الكأس مباشرة، وفي القرن السادس فقط استخدم المستير.
6. ما هما القارورتان؟
7. ما هو الكرسي أو "التابوت"؟
8. ما هو إناء الذخيرة؟
9. ما هو الإنجيل (البشارة)؟
10. ما هي المراوح الليتورجية؟
11. ما هو ترتيب التبخير؟
12. لماذا نستخدم البخور؟
13. ما هي المجمرة (الشورية)؟
14. ما هي الأواني الأخرى؟
14. صحن الكنيسة
1. ما هي أقسام صحن الكنيسة؟
أولاً: خورس الشمامسة. يمثل الجزء الشرقي من صحن الكنيسة، يفصله حامل الأيقونات عن الهيكل، وسور عن بقيـة صحن الكنيسة. ويرتفع خورس الشمامسة ما بين درجة وثلاث درجات عن بقية صحن الكنيسة، يحوي مقاعد خاصة بالشمامسة وشمعدانان ومنجليتان يوضع عليهما "القطمارس" أو كتاب القراءات بالقبطية والعربية أو أية لغذ حسب المكان.
المنجلية: عبارة عن درج خشبي متحرك ينتهي من أعلى بقاعدة يستريح عليها كتاب القراءات، مزين بأشكال هندسية ومُطَّعم أحيانًا بالعاج. وجدير بالذكر أن استخدام المنجليات في الكنائس الشرقية والغربية جاء بعد اختفاء الإمبل أو توقف استعماله.
ثانيًا: صحن الكنيسة. كلمة صحن الكنيسة في الإنجليزية Nave مشتقة عن اللاتينية Navies، وتعني سفينة. الهيكل وصحن الكنيسة متلازمان، الأول يقدس الثاني، والثاني يكمل الأول. فالهيكل يمثل حلول الله بينما يعلن صحن الكنيسة عن اجتماع الشعب بالله، لهذا يدعى الهيكل "نّفسْ الكنيسة" بينما يسمى صحن الكنيسة "جسدها". في هذا يقول الأب مكسيموس المعترف: [بنفس الطريقة كما أن العنصرين: الجسدي والروحي متحدان معًا فيكونا الإنسان، بطريقة فيها لا يبتلع عنصر الجسد العنصر الروحي، ولا يمتص الروح عنصر الجسد بل يهبه روحانية، فيصير الجسد نفسه معبرًا عن الروح. هكذا في الكنيسة يرتبط الهيكل وصحن الكنيسة ببعضهما البعض، فينير الهيكل صحن الكنيسة ويقوده، وبهذا يصير الأخير تعبيرًا منظورًا عن الأول. مثل هذه العلاقة ترد للكون وضعه الطبيعي، الذي فسد بسبب سقوط الإنسان.]
2. ما هي أقسام صحن الكنيسة؟
3. لماذا تُستخدم القباب في المباني الكنسية؟
4. لماذا تُستخدم الأعمدة في المباني الكنسية؟
5. لماذا كان الإمبل "المنبر" يُستخدم في المباني الكنسية؟
6. ما هي فائدة الجرن؟
7. ما هو دور خورس الموعوظين والتائبين؟
8. هل مارس المسيحيون الأوائل سرّ العماد في الهواء الطلق؟
9. هل مارس المسيحيون الأوائل سرّ العماد داخل جدران مبنى الكنيسة؟
10. لماذا تُقام المعمودية في غرب صحن الكنيسة؟
11. ما هي أشكال المعمودية من الجانب الهندسي؟
12. بماذا تتسم حجرة المعمودية؟
أولاً: القبو. إذ يرفع المُعمد نظره وهو صاعد من مياه المعمودية يرى فوقه قبة هي صورة السماوات، تُقام فوق الجرن إما كسقف لحجرة المعمودية أو كعرشٍ ملاصقٍ للجرن من أعلى، تعبر عن الاعتقاد بالعماد كبدء حياة سماوية، خلالها يصير المعمد حديثًا شريكًا في ملكوت الله.
ثانيًا: الدرجات. في أغلب كنائسنا الأثرية تُوجد مجموعتان من الدرجات من جهة الشرق والغرب. هذه الدرجات التي هي في صلب مبنى الجرن تكشف لنا عن طقس العماد في الكنيسة. من إحدى الدرجات ينزل طالب العماد في الماء ويغطس، أما السلم الآخر فربما يستخدمه خادم السرّ حيث يقف عليه أثناء إتمام السرّ ليضع يده على رأس طالب العماد ويغطسها ثلاث دفعات.
ثالثّا: أيقونة المعمودية. في أغلب الكنائس القبطية توجد أيقونة عماد السيد المسيح في نهر الأردن بواسطة القديس يوحنا المعمدان، وذلك على القبو الذي لمبنى المعمودية. وكأن الكنيسة تريد أن تركز أنظارنا إلى حقيقة لاهوتية طالما نادت بها مدرسة الإسكندرية وهي أن عمادنا هو امتداد لعماد السيد المسيح، يستمد الأول فاعليته من الثاني، أو كما يقول القديس إكليمنضس السكندري: [إن المؤمن يتحد بالسيد المسيح أثناء عماده اتحادًا لا ينفك[383].]
15. المنارة "برج الكنيسة"
تمثل الكنيسة سفينة الرب حيث تبحر نحو السماء، توجد بها المنارة التي يُعلق داخلها الأجراس، وذلك مقابل برج المراقبة. بهذا الفكر رأى هرماس في كتاب الراعي[384] الكنيسة برجًا في وسط المياه.
1. ما هو تاريخ استخدام الأجراس؟
استخدام الأجراس في الخدمة الإلهية قديم، فقد كانت الأجراس تعلق بين الحلية التي تثبت على أفود رئيس الكهنة، حتى يُسمع أصواتها أينما دخل الهيكل أو خرج منه (خر 28: 33-35). بجانب هذه الأجراس الصغيرة توجد أيضًا أجراس كبيرة تسمى "ميجرفيتا"[385] وتقول الميشنا: [عندما تدق هذه الأجراس رنينها عال جدًا، حتى أنك لا تسمع صوت أي إنسان يتكلم في أورشليم كلها[386].] كانت هذه الأجراس تدق لأغراض ثلاثة:
أ. تنبيه الكهنة للخدمة.
ب. حث اللاويين على التسبيح.
ج. دعوة الناس أن يُخرٍجوا ما هو نجس إلى بوابة Nicanor.
في كنيسة العهد الجديد الأولى، خلال القرون الثلاثة الأولى، كانت هناك استحالة لاستخدام الأجراس لدعوة المؤمنين للعبادة، وذلك بسبب الاضطهاد، أما استخدامها فيُنسب إلى القديس بولينوس أسقف نولا عام 400م ولو أن رسالته التي حوت وصفًا تفصيليًا للكنيسة جاءت خاوية من ذكر الأجراس، مما يجعل هذا الرأي الخاص بنسبة إدخال الأجراس إليه مشكوك فيه.
جدير بالذكر أنه ساد في الغرب اعتقاد بأن الأجراس أصلاً وثنية، يعمدونها بطقس خاص لتجديدها، لكن أخيرًا تطلعوا إلى الصلاة على الأجراس بأن الكنيسة تطلب من الله أن يستخدم أصواتها في حث قلوب الشعب للتعبد له.
2. هل نستخدم أجراس اليد في كنائسنا؟
أشارت سجلات الكنائس البريطانية والإيرلندية بأن أجراس اليد استخدمت منذ القرن السادس. ويروي رينودت أن أساقفة مصر الذين رافقوا جورج ابن ملك النوبة عند زيارته مصر حوالي عام 850م كانوا يضربون أجراسًا عند رفع الأسرار المقدسة، إلا أن هذه العادة لا يوجد لها أي أثر في طقسنا، إذ لا نستخدم أجراس اليد على المذبح[387]. تُستخدم للتنبيه للسجود في الكنيسة الكاثوليكية.
3. ما هي استخدامات الجرس والبوق؟
حلت الأجراس في الكنيسة عوض أبواق العهد القديم، حيث كانت تستخدم في الأغراض التالية:
1. استلام الشريعة الإلهية (خر 3: 27)، حيث يقرر الكتاب المقدس أنه عندما ارتفع صوت البوق عاليًا أكثر فأكثر تحدث موسى وأجابه الله في الرعد. أما الآن فتضرب الأجراس في الكنيسة بكونها جبل سيناء الجديد حيث يلتقي الله مع شعبه ويتكلم معهم.
2. في الحروب (قض 3: 27)، والكنيسة هي ساحة المعركة الروحية حيث يناضل أولاد الله ضد الخطية بسلاح الروح القدس.
3. في الاحتفال بالأعياد، ونحن لا نكف عن دق الأجراس في كل خدمة حتى مجيء السيد المسيح الأخير، أي الاحتفال بالعيد الأبدي، حيث يسمع صوت بوق الله (تس 4: 16).
4. في تدشين الملوك (2 مل 9: 13).
4. ما هو ترتيب دق أجراس الكنيسة؟
أ. تدق أجراس الكنيسة أثناء "التقدمة"، لتعلن أن المسيح الملك يملك على نفوسنا خلال ذبيحته، كما تُدق أثناء التناول لتعلن فرح الكنيسة بهذا العيد السماوي!
ب. تدق الأجراس في الأعياد بدقات خاصة (فرايحي).
ج. تدق الأجراس بنغمة الحزن عند انتقال عضو من الإيبارشية، كمشاركة الكنيسة في حزن أعضائها، هذه الدقات تتم أيضًا عند بدء الصلاة في كل ساعةٍ من ساعات الجمعة العظيمة.
د. في الأعياد السيدية وأيام الآحاد وفي فترة الخماسين، لا تدق الأجراس بنغمات الحزن قط حتى في الجنازات، إذ تحتفل الكنيسة متهللة بهذه المناسبات.
5. ما هي آداب الحضور في بيت الرب؟
يحدثنا القديس باسيليوس الكبير عن احترام بيت الله، قائلاً: ["السماوات تُحدِّث بمجد الرب" (مز 18: 2). يقتصر عمل الملائكة على تمجيد الله، ويقتصر عمل الجنود السماوية في أن تعطي مجدًا للخالق. كل الخليقة الناطقة وغير الناطقة، الأرضية والسماوية، تُمَجِّد خالقها. وأولئك الذين يتركون منازلهم للاجتماع في الهيكل ويتكلمون يستحقُّون الشفقة، لأنهم لا يستمعون لكلام حق، ولا يُقِيمون نفوسهم على ضوئها، لقد سبتهم الخطية دون أن يتأثروا، لا يتألمون بسبب خطاياهم التي يتذكرونها، ولا يخشون الدينونة، لكنهم يتصافحون مع بعضهم، ويجعلون من بيت الصلاة مكانًا للثرثرة، مُحتقِرين قول المزمور: "في هيكله الكل قائل مجد" (مز 29: 1-2) أما أنت، فلم تكتفِ بعدم إعطاء المجد لله في هيكله، بل زدت على ذلك بمضايقتك الآخرين. تريد أن تجذب اهتمام الآخرين نحوك، وبالضوضاء التي تصدر عنك تمنعهم من الاستماع لتعليم الروح. انتبه إذن لئلا تكون نهايتك مثل نهاية الذين يُجَدِّفون على اسم الله... في هيكله الكل قائل: مجد. لم تأتِ هذه الكلمات من فراغ، لأن في هيكل الرب يوجد الذين يثرثرون بلا توقُّف. فوجودهم في الهيكل باطل، ليس باطلاً فقط، بل وسبب في دينونتهم![388]]
16. الأسرار المقدسة[389]
1. ما هو معنى كلمة "السرّ" في العهد الجديد؟
يتحدث معلمنا بولس عن "السرّ الذي كان مكتومًا في الأزمنة الأزلية" (رو 16: 25)، وهو يشير إلى معاملات الله في العهد الجديد الذي حقق الخطة الإلهية العجيبة لكي ما يسترد المؤمن علاقة الحب والانفتاح على عمل الله، الذي يتحقق بصلب السيد المسيح وقيامته وعمل نعمته في كنيسته ليهيأها كعروسٍ سماوية يدخل بها إلى الآب في مجيئه الثاني.
ركّز آباء الكنيسة الأولى على الحديث عن "الأسرار الكنسية"، بكونها تُعدْ شعب الله كما تُعد كل عضو فيها ليتمتع بالبنوة لله خلال المعمودية، وسكنى الروح القدس في المؤمن كهيكل الرب وروح الله يسكن فيه في سرّ الميرون، والغسل المستمر من خطاياه خلال سرّ التوبة والاعتراف، والاتحاد المستمر بالمسيح خلال الإفخارستيا، والشفاء الروحي والجسدي خلال سرّ مسحة المرضى، وإقامة كنيسة البيت في سرّ الزواج، وإتمام هذه الأسرار بالمسيح يسوع خلال سرّ الكهنوت.
خلال الألف سنة الأولى من صعود المخلص وحلول الروح القدس في يوم الخمسين كانت الكنيسة تمارس الأسرار الكنسية دون أن تنشغل بعدد الأسرار، إذ لم يوجد بين المؤمنين من يشك في عمل الله خلال هذه الأسرار الكنسية بل كان الكل متهللين بعمل الله فيهم.
تكشف هذه الأسرار الكنسية عن نظرة الكنيسة المقدسة للجسد المدعو للشركة مع النفس في الأمجاد السماوية إذ يتمتع بطبيعة جديدة، وقد أوضح الرسول ذلك في شيءٍ من التفصيل في الأصحاح الخامس عشر من رسالته الأولى في أهل كورنثوس، حتى يشارك الجسد النفس في الميراث الأبدي. فالمؤمن يدخل بكل كيانه إلى الميراث الأبدي.
ما ركّز عليه الآباء أن هذه الأسرار يتممها السيد المسيح نفسه خلال الكاهن، وليس الكاهن مما عنده. يقول القديس أمبروسيوس أسقف ميلانو: [ليس داماسيوس ولا بطرس أو أمبروسيوس أو غريغوريوس هو الذي يُعمِّد. نحن نتمم كخدام، إنما شرعية الأسرار تعتمد عليك (يا رب). إنه ليس في سلطان بشري تحقيق المنافع الإلهية، بل هي عطيتك يا رب.] ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [حتى الآن المسيح الملاصق لنا الذي أعدّ المائدة هو بنفسه يقدسها. فإنه ليس إنسان يحول القرابين إلى جسد الرب ودمه، بل المسيح نفسه الذي صُلب عنا. فالكاهن ينطق بالكلمات، أما التقديس فيتم بقوة الله ونعمته. بالكلمة التي نطق بها: "هذا هو جسدي" تتقدس القرابين[390].]
لا يكف روح الله عن العمل بكل وسيلةٍ ليقودنا كعروسٍ واحدةٍ تتحد بالعريس السماوي، كلمة الله المتجسد يسوع المسيح، فيتحقق كمال العرس في حضن الآب. الأسرار في جوهرها خبرة إعداد العروس والتصاقها بالعريس بعمل الروح القدس، حسب مسرة الآب السماوي. حيث تتحقق شهوة قلب الله أن يقيم من البشر عروسًا مقدسة لتحيا في السماء، تتمتع برؤياه وشركة المجد الإلهي. إنها تمارس الحياة الزمنية على الأرض كتهيئة مستمرة لهذه الرؤية والعرس الفريد. كما هي دعوة شخصية للمؤمن باسمه، بكونه موضع حب الله وتقديره كعضوٍ حيٍّ في الكنيسة الجامعة الممتدة من آدم إلى آخر الدهور.
الأسرار هي عمل ليتورجي (جماعي كنسي)، خلاله يختبر كل مؤمنٍ التجديد المستمر لأعماقه، فيرى ملكوت الله داخله (لو 17: 21)، ويتشكل إنسانه الداخلي ليصير أيقونة العريس السماوي.
الأسرار الإلهية وهي تحتوي على قراءات من الكتاب المقدّس، وصلوات وابتهالات وتشكرات وتسابيح مع طقوس بترتيبٍ وتدبيرٍ روحيٍ فائقٍ، إنما هي أغنية العرس التي تحول كل شيءٍ إلى قيثارةٍ يعزف عليها روح الله القدوس، فيسير موكب العروس وسط تهليلات السمائيين، فيشترك الكل فيه حتى الخليقة الجامدة.
2. لماذا تُستخدم المادة في التمتع بالأسرار الكنسية؟
تتحقق هذه الأسرار في هذا العالم بكلمة الله والصلاة مع استخدام الماء في المعمودية، والزيت المقدس في الميرون والخبز والأباركة في سرّ الإفخارستيا. أما في السماء فلا حاجة للمادة للاتحاد بالله، لأن جسدنا الذي زُرع في الفساد يقوم في غير فساد.
الله الذي خلق الإنسان بجسده ونفسه، لا يحتقر المادة بل يقدسها، ففي الأسرار يُعلن الله تكريمه للمادة، فيستخدم روح الله الأمور المنظورة لتحمل قوة غير منظورة. لقد صار كلمة الله جسدًا منظورًا، إذ صار إنسانًا حقًا. وفي التجلي قدس الثياب فـصارت بيضاء كالثلج (مت 117: 2). صارت المادة في الأسرار أشبه بورقة البنكنوت، مع أنها ورقة لكن قيمتها فيما تحمله من رقم معين وقد وقع عليها من له سلطان لإصدارها.
3. ما هي غاية الأسرار الكنسية؟
ما يشغل قلب الكنيسة هو عمل الروح القدس فيها حيث يُعدها لعُرس لا ينقطع! يقول الرسول: "فإني أغار عليكم غيرة الله، لأني خطبتكم لرجل واحد لأقدم عذراء عفيفة للمسيح". (2 كو 2:11) كأنه يشارك القديس يوحنا المعمدان فكره، قائلاً معه: "من له العروس فهو العريس وأما صديق العريس الذي يقف ويسمعه فيفرح فرحًا من أجل صوت العريس، إذًا فرحي هذا قد كمل" (يو 3: 29). ويقول السيد المسيح: "حينئذ يشبه ملكوت السماوات عشر عذارى أخذن مصابيحهن وخرجن للقاء العريس". (مت 25: 1)
كشف السيد المسيح عن دور الروح القدس في حياة الكنيسة حتى بعد صعوده إلى السماء، قائلاً: "ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب، روح الحق، الذي من عند الآب ينبثق، فهو يشهد لي" (يو ١٥: ٢٦). وأكمل حديثه عن الروح القدس قائلاً: "وأما الآن فأنا ماضٍ إلى الذي أرسلني، وليس أحد منكم يسألني أين تمضي؟ لكن لأني قلت لكم هذا قد ملأ الحزن قلوبكم. لكني أقول لكم الحق أنه خير لكم أن أنطلق، لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي، ولكن إن ذهبت أرسله إليكم ... ذاك يمجدني، لأنه يأخذ مما لي ويخبركم" (يو ١٦: ٥-٧؛ ١٤).
من قبل تأسيس العالم والله في حبه للإنسان يُعد كل شيءٍ ليدخل به إلى أحضانه الإلهية، فيعيش كما في عُرسٍ أبديٍ لا يشيخ، وعيدٍ سماويٍ لا ينقطع. إن كان السقوط في العصيان حرم الإنسان من التمتع بالالتصاق بالله مصدر سعادته الدائمة، ودخل به إلى حالة من التغرب، بل وإلى العداوة مع الله، فإن كلمة الله، الابن الوحيد الجنس، بحبه الإلهي تواضع أمام النفس البشرية ليخطبها له بعد أن قدم دمه الثمين على الصليب مهرًا لها (1 كو 6: 20؛ 7: 23).
يقول مار يعقوب السروجي: [قامت أُمَّتك بقسوة قلب لتقتلك! "اُخرجن يا بنات صهيون، واُنظرن الملك سليمان بالتاج الذي توَّجته به أمه في يوم عُرسه، وفي يوم فرح قلبه" (نش 3: 11)...
اِحتقرت أباها وأبغضته من سيناء، ولما تجسد ابنه لخلاصها أمسكته، ووضعته على الصليب، ووقفت ترقص وتضحك وتزدري وتهزأ.
تعال يا موسى، اُنظر العروس التي أخرجتها من مصر، ماذا تعمل بعريسها الطاهر!
تعال اُنظر الوليمة التي وضعتها أمامه. أحضرت المرّ، مزجت الخل، استلت السيف. عوض المن أعطته الخل. عوض المياه المرَّة التي جعلها لها حلوة، وضعت له المرّ في المياه الحلوة (حر 15: 25). الكرمة المختارة صنعَت عنبًا رديئًا (إش 5:2).]
4. ما هو ارتباط الأسرار ببعضها البعض؟
يعمل الروح القدس في حياة الكنيسة الجامعة كما في حياة كل عضوٍ، مقدمًا له الموهبة اللائقة به، خاصة في الأسرار الكنسية Ecclesiastical Sacraments.
أ. في سرّ المعمودية يتمتع المؤمن بالميلاد الروحي، فيصير ابنًا الله، وأهل بيت الله (أف 2: 19). يتحدث مع الله بدالة البنوة، قائلاً: "أبانا الذي في السماوات (مت ٦: ٩). ويدرك عطية السيد المسيح له كعضوٍ في جسده. ويترقب مجيء الرب لينطلق بعروسه إلى المجد الأبدي.
ب. بعد العماد يُمسح جسده بالميرون المقدس "سرّ المسحة أو سرّ التثبيت"، فيسكن الروح القدس فيه ويقوده الروح القدس عبر كل حياته، إذ يهبه القوة والنمو والمعرفة والانطلاق من مجدٍ إلى مجدٍ.
ج. في سرّ الإفخارستيا أو الشكر نتناول جسد المصلوب القائم من الأموات ودمه، كغذاء لأرواحنا.
د. في سرّ التوبة والاعتراف، نتمتع بشفاء أمراضنا الروحية التي هي الخطية وكسر الوصايا والتراخي في نمونا الروحي وجهادنا الروحي من أجل أنفسنا وخلاص إخوتنا في البشرية.
ه. في سرّ الزواج يرفع الكاهن أو الأسقف عيون العروسين والشعب نحو إكليل القديسين مع العريس السماوي يسوع المسيح. أما بالنسبة للبتوليين بالروح والجسد، فيقول أوريجينوس الإسكندري، أن البتولية طريق داخلي ملكي، خلالها تتمتع نفس المؤمن بالاتحاد مع عريسها السماوي، يسوع المسيح. يقول ر. كروزل Henri Crouzej: "تجعل البتولية اتحاد المسيح بالنفس أكثر إمكانًا. بذلك تشهد على الأمور الأولى والأخيرة. إذ تستدعي لأذهاننا الزيجة الكاملة بين المسيح والكنيسة، الكائنة منذ الأزل، والتي ستكون عند القيامة. فالكنيسة، العروس والبتول، تحتفظ ببتوليتها من خلال طهارة أعضائها، بممارستهم إما لحياة البتولية، أو لحياة العفَّة، طبقًا للحالة التي تناسبهم. فالعفّة المُلائمة لوضع الزواج هي عنصر في بتولية الكنيسة[391].]
و. في سرّ مسحة المرضى يطلب الكاهن الشفاء من الأمراض الروحية مع الشفاء من أمراض الجسد حسبما يرى الرب ما فيه خير المريض وبنيانه وخلاصه.
ز. سرّ الكهنوت حيث يسند الروح القدس المدعوين للكهنوت كي تتم الأسرار الإلهية على أيديهم ويرشدهم كيف يقيموا حتى من الأطفال قادة متواضعين ناجحين كما فعل الرسول بولس الذي أقام من الشباب أساقفة مثل تيموثاوس وتيطس بل وانسيمس العبد الهارب، كما من العائلات مثل أكيلا وبريسكلا اللذين كشفا لأبولس طريق الرب (أع 18: 26).
5. لماذا لم يُشر قانون الإيمان إلى بقية الأسرار مكتفيًا بسرّ المعمودية؟
أولاً: كان موضوع المعمودية مثار جدل، مثل موقف الذي تعمد من كاهن سقط فيما بعد في إنكار الإيمان بسبب شدة الاضطهاد. وأيضًا ما موقف الذين اعتمدوا لدى هراطقة وطلبوا الانضمام إلى الكنيسة.
ثانيًا: اهتمام الكنيسة أن يعتز أبناؤها ببنوتهم لله خلال المعمودية.
ثالثًا: لم توجد تساؤلات بالنسبة لبقية الأسرار.
سرّ المعمودية
6. كيف استعاد الإنسان بنوته لله؟
جاء في نهاية نسب ربنا يسوع المسيح: "... بن أنوش بن شيت بن ادم ابن الله" (لو 3: 23-38). لقد فقد آدم هذه النعمة، فكيف قُدمت لنا من جديد؟ بصعود السيد المسيح إلى السماوات أرسل إلينا روحه القدوس الذي يأخذ مما له ويخبرنا (يو 16: 14). ما الذي يأخذه الروح القدس ويقدمه لنا؟ إنه يأخذ أعمال السيد المسيح الخلاصية ويقدمها لنا، ففي مياه المعمودية يدخل بنا الروح القدس إلى الدفن مع المسيح والقيامة أيضًا معه، فنخرج من المعمودية أعضاء جسد المسيح القائم من الأموات الذي لا يشيخ ولا يقدم بل ينمو على الدوام بغير انقطاع متمتعًا بالحياة الجديدة. بهذا يتحقق اتحادنا مع السيد المسيح فننعم بالبنوة لله، إذ نصير خلال الابن الوحيد الجنس أبناء معه بالتبني، أي ليس حسب الطبيعة، وإنما خلال النعمة المجانية. هذا ما قصده الرسول بقوله: "لا بأعمالٍ في برّ عملناها نحن، بل بمقتضى رحمتهِ خلَّصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس" (تي 3: 5)، "مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح الذي حسب رحمتهِ الكثيرة ولدنا ثانيةً لرجاءٍ حيٍّ بقيامة يسوع المسيح من الأموات لميراثٍ لا يفنى ولا يتدنس ولا يضمحلُّ، محفوظ في السماوات لأجلكم" (1 بط 1: 3-4). وما قصده السيد المسيح نفسه في حديثه مع نيقوديموس: "الحقَّ الحقَّ أقول لك إن كان أحد لا يُولَد من الماءِ والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله" (يو 3: 5). ولم يستطع نيقوديموس معلم إسرائيل أن يفهم، لأنه لم يكن بعد قد أدرك أن يسوع هذا الذي يحدثه إنما يضم المؤمنين به إلى نفسه في المعمودية بالروح القدس (يو 3: 9-21)، حتى يهبهم حياته المُقامة كعطية الميلاد الروحي الجديد.
7. ما هو سرّ المعمودية؟
أولاً: يعلن عن هذا السرّ إيمان الكنيسة الوارد في قانون الإيمان.
ثانيًا: يغطس طالب العماد في الماء ثلاث مرات باسم الثالوث القدوس.
ثالثًا: يقبل الدفن مع المسيح كي يتمتع بالحياة المقُامة، إذ يموت عن حياة الخطية الشهوانية ليمارس بالنعمة الإلهية الحياة اللائقة بأولاد الله من جهة القداسة والتمتع ببرّ المسيح. هذا وقد أعلن السيد المسيح أنه لا يقدر إنسان أن يدخل ملكوت الله ما لم يولد من الماء والروح (يو ٣: ٥).
8. كيف أعدّ العهد القديم للمعمودية المسيحية؟
لكي نتفهم هذا الميلاد الجديد بالروح القدس الذي به نلنا الطبيعة الجديدة يليق بنا أن نتعرف أولاً على ما قدمه العهد القديم من رموز ونبوات عن المعمودية. فالمعمودية عنصر حيّ في خطة الله الخلاصية، لهذا كان الوحيّ الإلهي حريصًا كل الحرص أن يقدم لنا إعدادًا طويلاً تدريجيًا على مدى زمنٍ طويلٍ خاصًا بالمعمودية، جنبًا إلى جنب مع الإعداد للتجسد الإلهي وذبيحة الصليب، بل هذه الأمور الإلهية مترابطة معًا لأنها في الحقيقة عمل خلاصي متكامل. وكما أنه لو تحقق التجسد الإلهي فجأة بلا مقدمات خلال رموز العهد القديم ونبواته لما استطاع أحد أن يقبله، هكذا لو أُعلن عن المعمودية بطريقة مفاجئة لما استطاع أحد أن يفهمها أو يتقبلها[392]. على سبيل المثال الآتي[393]:
أ. روح الله يرف على وجه المياه: قيل: "وكانت الأرض خربةً وخاليةً وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الله يرفُّ على وجه المياه" (تك 1: 2). هذا هو عمل الروح القدس، أنه في بدء الخلقة كان يرف على وجه المياه ليخلق العالم الصالح الجميل من الأرض الخالية الخربة. ولا يزال الروح الإلهي يحلّ على مياه المعمودية ليقدسها، فيقيم من الإنسان الذي أفسدته الخطيئة سماوات جديدة وأرضًا جديدة، عوض الأرض الخربة والخالية من كل صلاح. يقول القديس إكليمنضس السكندري: [تتم الخلقة الجديدة بواسطة الماء والروح وذلك كخلقة العالم، إذ كان روح الله يرف على المياه[394].]
ب. فلك نوح والطوفان: هنا يظهر الماء كأداة إدانة للعالم الشرير، وإن كان الفلك وسط المياه يظهر كأداة خلاص لنوح وعائلته حيث يدخل بهم إلى عالم جديد. يقول الرسول بطرس إلى الطوفان والفلك، فرأى صورة رمزية حيّة للخلاص في المعمودية (1 بط 3: 18-21). ويقول القديس جيروم: [طارت حمامة الروح القدس نحو نوح بعد أن خرج الطائر الأسود (الغراب) وصارت كما لو كانت متجهة نحو المسيح في الأردن[395].]
ج. عبور البحر الأحمر والسحابة: يقول القديس بولس: "ولست أريد أيُها الأخوة أن تجهلوا أن آباءَنا جميعهم كانوا تحت السحابة، وجميعهم اجتازوا في البحر، وجميعهم اعتمدوا لموسى في السحابة وفي البحر" (1 كو 10: 1-2). وكأن الرسول بولس قد رأى كنيسة العهد القديم في أيام موسى النبي قد اجتازت المعمودية رمزيًا. فالبحر يشير إلى جرن المياه، والسحابة التي ظللتهم تشير إلى الروح القدس، كقول الكتاب: "أرسلت روحك فغطّاهم" (خر 15: 10).
د. مياه "مارة": في طقس الكنيسة القبطية يصلي الكاهن أثناء تقديس مياه المعمودية قائلاً: "أنت أمرت الصخرة الصماء فأفاضت الماء لشعبك (عد 29: 11)، وأيضًا المياه المُرّة نقلتها إلى مياه حلوة..." هكذا تتطلع الكنيسة إلى تحويل مياه "مارة" المُرّة إلى مياه حلوة كرمز للمعمودية.
ه. عبور يشوع نهر الأردن: في الليتورجيا القبطية وأيضًا الإثيوبية الخاصة بتقديس مياه المعمودية، بعد الإشارة إلى المياه الخاصة ببدء الخليقة والطوفان وعبور البحر الأحمر ومياه مارة وصخرة حوريب، ورد الحديث عن مجموعة أخرى هي: "عبور يشوع بن نون نهر الأردن، وقبول ذبيحة إيليا بالماء (1 مل 18: 33-36)، وشفاء نعمان السرياني في نهر الأردن (2 مل 5: 14). وقد ورد الحديث عنها في أعمال العلامة أوريجينوس السكندري ومن بعده أخذها الآباء عنه، لذا يرى دانيلو أن هذه المجموعة إسكندرانية المنشأ، نشأت عن التقليد الليتورجي لكنيسة السكندرية، وإن ما جاء عنها في أعمال أوريجينوس لا يمثل رأيًا شخصيًا بل يعكس فكر كنيسته وتقليدها في ذلك الحين[396]. يقول أوريجينوس إنه بعد عبور نهر الأردن سقطت أريحا إشارة إلى هلاك الإنسان القديم الشرير[397]. كما يقول أيضًا إن من يذهب إلى الأردن لا يهرب إليه في صمت، بل يحمل معه الأبواق التي تعلن الأسرار الإلهية، كارزًا بالبوق السماوي[398].
و. قبول ذبيحة إيليا على جبل الكرمل (1 مل 18: 33-38): يقول القديس أثناسيوس الرسولي: [أمر (إيليا) أعوانه وصحبه فحفروا خندقًا مثالاً للمعمودية، وأن يصبّوا على ذلك كله ماءًا فصبّوا، وقال لهم ثنوا فثنوا، وثلثوا فثلثوا قياسًا لتثليث غطسات المعمودية، وامتلأ الخندق ماءً. ثم صلى إلى الرب أن يستجيبه بنارٍ، فنزلت نار من السماء فأكلت القربان والحطب والماء ولحست الأرض، تحقيقًا لقبول الرب القربان والماء، ومثالاً لنزول الروح القدس على ماء المعمودية وعلى قربان المذبح[399].]
9. ما هي بركات المعمودية؟
أولاً: موت الإنسان القديم. بالمعمودية تُغسل خطايانا وتموت الشهوات الجسدية أو الإنسان القديم بأعماله، أما الجسد فصالح ومقدس. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [أريد أن يموت هذا الجسد عن الخطيئة. لست أسأل أن يموت الجسد، بل ألا يخطئ مرة أخرى. وكما أن الميت يكون جثمانه فوق إمكانية الخطيئة، هكذا الذي يصعد من مياه المعمودية يخلص من الخطيئة. فإن كنتَ قد متَّ في هذه المياه يلزمك أن تبقى ميتًا عن الخطيئة[400].]
ثانيًا: عبور من موت الخطيئة إلى الحياة بالله. لا يقف دور المعمودية عند الجانب السلبي أي غسل الخطايا، وإنما يمتد إلى الجانب الإيجابي أي "الحياة بالله". يقول مار يعقوب السروجي: [المعمودية باب يردنا إلى الفردوس، فيها يدخل الإنسان إلى الله ليكون معه. المعمودية سفينة جديدة حاملة للأموات، بها يقومون ويعبرون إلى بلد الخالدين. وُضعت المعمودية في العالم لأجل العالم الجديد، فيها يعبر الإنسان من عند الأموات إلى بلد الحياة [401].
ثالثًا: المعمودية ختم Sphragis روحي. دُعيت المعمودية ختمًا به يحمل الإنسان علامة العضوية الكنسيَّة الداخلية والاتحاد مع السيد المسيح وقبول ملكوت الله. يقول الرسول بولس: "ولكن الذي يثبّتنا معكم في المسيح وقد مسحنا هو الله الذي ختمنا أيضًا وأعطى عربون الروح في قلوبنا" (2 كو 1: 21-22). "الذي فيهِ أيضًا إذ آمنتم خُتِمتم بروح الموعد القدّوس" (أف 1: 13). تحدث كثيرون عن المعمودية كختم للنفس، مثل القديس إكليمنضس الروماني[402] وهرماس[403] والعلامة ترتليان[404] والقديس يوحنا الذهبي الفم[405]. يقول القديس مار أفرآم السرياني: [كما يطبع المالك على قطيعه علامة خاصة يتعرف بها عليه، خلالها تظهر أنها ملك له، هكذا يختم الروح القدس من له في المعمودية بواسطة مسحة الزيت المقدس التي يتقبلونها أثناء العماد[406].] كان الجندي في الجيش الروماني يوسم بعلامة Signaculum على يده تحمل اختصار اسم قائده[407]، لهذا تطلع الآباء إلى المعمودية كعلامة يوسم بها جنود السيد المسيح الروحيين، حاملين على قلوبهم وأجسادهم علامة قائدهم الروحي الأعظم يسوع المسيح واسمه القدوس. يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [الآن ينقش اسمك وتدعى للدخول إلى المعسكر.] إذ ندخل مياه المعمودية نصعد حاملين ختم الله، لنا صورة خالقنا وحاملين سماته فينا... لسنا فقط نتمثّل بالمسيح إلهنا، إنما تصير حياة المسيح هي حياتنا، موته هو موتنا، قيامته قيامتنا، سماته سماتنا وأمجاده أمجادنا كما يصير أبوه أبانا.
رابعًا: المعمودية ولادة جديدة. افتتح القديس يوحنا إنجيله بقوله: "فيهِ كانت الحياة..."، "أعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمهِ. الذين وُلِدُوا ليس من دمٍ ولا من مشيئَة جسدٍ ولا من مشيئَة رجلٍ بل من الله" (يو 1: 4، 12-13). وتحدث السيد المسيح صراحة وبكل وضوح عن هذه الولادة الجديدة بقوله: "الحقَّ الحقَّ أقول لك إن كان أحد لا يُولَد من الماءِ والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله" (يو 3: 5). ولهذا السبب بدأ السيد المسيح خدمته بعماده أولاً ليؤكد لنا أنه لا دخول لأحد إلى مملكة الله وخدمته إلا عن طريق الولادة الجديدة التي في المعمودية. هذا المركز الجديد الذي صار لنا في المعمودية، أي البنوة لله، قد شغل أذهان التلاميذ والرسل وكل الكنيسة كسرّ قوة المسيحي في حياته الروحية، لهذا لا يكف الرسل عن الإشارة إليه من حين إلى آخر: "لأنكم جميعًا أبناءُ الله بالإيمان بالمسيح يسوع. لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح" (غل 3: 26-27؛ راجع رو 8: 15-16)؛ 1 بط 1: 23؛ تي 3: 5-6).
يقول القديس أغسطينوس: [لنا ميلادان: أحدهما أرضي، والآخر سماوي. الأول من الجسد، والثاني من الروح. الأول صادر عن مبدأ قابل للفناء، والثاني عن مبدأ أبدي. الأول من رجل وامرأة، والثاني من الله والكنيسة. الأول يجعلنا أبناء الجسد، والثاني أبناء الروح. الأول يصيرنا أبناء الموت، والثاني أبناء القيامة. الأول أبناء الدهر، والثاني أبناء الله. الأول يجعلنا أبناء اللعنة والغضب، والثاني أبناء البركة والمحبة. الأول يقيدنا بأغلال الخطيئة الأصلية، والثاني يحلّنا من رباطات كل خطيئة[408].]
خامسّا: في المعمودية رضض الرب رؤوس الشيطان. بالمعمودية ننال سلطانًا لمقاومة إبليس.
سادسًا: تتهلل الملائكة بمعموديتنا. يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [إن الملائكة سترقص حولكم قائلة: "من هذه الطالعة في ثوب أبيض مستندة على حبيبها" (راجع نش 8: 5). لأن النفس التي كانت قبلاً عبدة تبناها سيدها كقريبة له، وإذ يرى أمامه غاية راسخة يجيب: "ها أنت جميلة يا حبيبتي. ها أنت جميلة... أسنانك كقطيع الجزائر الصادرة من الغسل اللواتي كل واحدة متئم وليس فيهن عقيم، كل واحدة متئم" (نش 1:4، 2)[409].]
سابعًا: في المعمودية نلبس المسيح. يقول الرسول بولس: "لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح" (غل 3: 27). نلبسه لا بطريقة جسدية، بل لباسًا روحيًا داخليًا، فيه تختفي طبيعتنا، واهبًا إيانا نفسه دون يقيد حريتنا. إننا نلبس المسيح لا كثوب خارجي، بل نتحد به ونتفاعل معه لنحمل شركة طبيعته دون أن نفقد طبيعتنا الإنسانية. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لا نأخذ هذا بالمعنى الأدبي كأنه عمل من أعمال المحبة بل هو حقيقة. فالتجسد جعل اتحادنا بالمسيح وشركتنا في الألوهية أمرًا واقعيًا[410].]
ثامنًا: التطعيم في المسيح. يقول العلامة ترتليان: [بالمعمودية يستعيد الإنسان تشبهه بالله[411].] يتحقق هذا الشبه باتحاد النفس مع مخلصها اتحادًا حقيقيًا، حيث تتطعم فيه كالغصن في الشجرة ليحمل ثمارها فيه. وقد استخدم السيد مثل الكرمة والأغصان (يو 15) ليعلن أنه هو سرّ حياتنا.]
تاسعًا: التمتع بسرّ الفصح الحقيقي لا الرمزي. في المعمودية لا نتقبل رمزًا لفصحه، بل شركة حقيقية في سرّ فصح المسيح، فنقبل بالإيمان: "عمل الله الذي أقامهُ من الأموات" (كو 2: 12)، ليعبر بنا إلى الحياة المقامة ويجلسنا معه في السماويَّات (أف 2: 4-6). يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [العماد هو الصليب. ما قد حدث بالنسبة للمسيح في الصلب والدفن يصنعه العماد معنا، وإن كان ليس بذات الطريقة. لقد مات المسيح بالجسد ودفن، أما نحن فنموت عن الخطية ونُدفن... إن كنت تشاركه الموت والدفن، فبالأولى تشاركه القيامة والحياة.[412]]
عاشرًا: التمتع بالعضوية في جسد المسيح الواحد. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [الذين كانوا قبل عمادهم أسرّى الآن يتمتعون ببهاء الحرية، صاروا أعضاء الكنيسة سالكين في نور البرّ البهيّ بعد ما كانوا سائرين في طرق الضلال الحالك وظلام الخطيئة القاتم. حقًا إنهم الآن محررون، ليس ذلك فقط بل قديسون وأبرار، أبناء وورثة، إخوة المسيح ووارثون معه، أعضاء جسده الطاهر وهياكل للروح القدس. تأمل في العطايا الجزيلة والمواهب الثمينة التي يمنحها سرّ العماد! كثيرون يظنون إنه يغفر الخطيئة فقط، أما نحن فقد أحصينا له عشرة مفاعيل تجعل النفس في مركز سامٍ ومقام جليل لا يوصف[413].]
حادي عشر: تقديس تحركات العروس! إن كنا في المعمودية نتقبل العضوية في جسد المسيح الأقدس، فبهذا تتشكل النفس لتصير عروسًا مقدسة للرب، فتسمع صوت عريسها يقول لها: "فحمَّمتكِ بالماء، وغسلت عنكِ دماءَكِ، ومسحتكِ بالزيت... وجمُّلْتِ جدًّا جدًّا فصلحتِ لمملكةٍ. وخرج لكِ اسم في الأمم لجمالكِ، لأنه كان كاملاً ببهائي الذي جعلتهُ عليكِ..." (حز 16: 9-14). يقول القديس يعقوب السروجي: [المعمودية هي عروس الملك التي تحبل وتلد له، يسندها الابن الوحيد بروح أبيه. إنها خطيبة الشمس التي استضاءت بها الخليقة كلها، ودُعي العالم إلى النور بمحبة.]
ثاني عشر: التمتع بالاستنارة الروحية. في طقسنا المعاصر، قبل الاحتفال بعيد القيامة المجيد أو الفصح المسيحي، يُقرا الإنجيل الخاص بتفتيح عينيْ الأعمى في أحد التناصير، الأحد السابق لأحد الشعانين. وكأن العماد المقدس في حقيقته تفتيح لبصيرتنا الداخلية لمعاينة أسرار الحب الإلهي، فنقبل دخول المسيح نور العالم إلى أورشليمنا الداخلية لكي ننعم به بسرّ الفصح الحقيقي كسرّ استنارة يمس حياتنا الشخصية. على ضوء هذا نفهم كلمات الرسول بولس في (عب 6: 4-6) أن "الذين استنيروا مرة"، أي الذين نالوا سرّ العماد، وسقطوا لا يمكن تجديدهم مرة أخرى، أي لا تُعاد معموديتهم، لأن المسيح يسوع قد صلب مرة واحدة ولا تكرار للمعمودية[414].لهذا السبب دُعي عيد عماد السيد المسيح بعيد الأنوار، ولنفس السبب اعتاد المعمدون قديمًا أن يحملوا الشموع أو السرّج أو المشاعل بعد خروجهم من الجرن مباشرة. يقول القديس يوستين: [يسمى هذا الاغتسال -أي المعمودية -استنارة، لأن الذين يتعلمون هذه الأمور تستنير أفهامهم[415].]
10. متى بدأت المعمودية؟ وكيف؟
بدأت بواسطة يوحنا المعمدان بكونها معمودية للتوبة. وكان يقول للذين يتقدمون للمعمودية: "أنا أعمدكم بماء للتوبة، ولكن الذي يأتي بعدي هو أقوى مني الذي لست أهلاً أن أحمل حذاءه، هو سيعمدكم بالروح القدس ونار" (مت ٣: ١١)
بعد ذلك اعتمد بنفسه من يوحنا المعمدان، فقدسها. أخيرًا بعد قيامته أوصى رسله أن يذهبوا ويعلموا كل الأمم ويعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس (مت ٢٨: ١٩).
11. ماذا يُطلب من طالبي العماد؟
بالنسبة للبالغين يُطلب منهم الإيمان الحقيقي مع التوبة الصادقة، وأن يردد قانون الإيمان. عنما مضى نُخس الجميع في قلوبهم وقالوا لبطرس وسائر الرسل: "ماذا نصنع أيها الرجال الإخوة؟ فقال لهم بطرس: توبوا وليعتمد كل واحدٍ منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا فتقبلوا عطية الروح القدس" (أع ٢: ٣٧-٣٨). وجاء في إنجيل مرقس: "من آمن واعتمد خلص" (مر ١٦: ١٦).
12. لماذا نعمد الأطفال؟
الأطفال إذ يدخلون إلى مياه المعمودية يقتربون من سرّ العماد الذي قدمه ربنا بصليبه، فينعمون بالخلاص المجاني الذي لا فضل لإنسان فيه. فالطفل كالبالغ في المعمودية يُغرس كنبْت جديد في جسد الجماعة أو جسد المسيح المصلوب، فيصير له حق الاحتفال مع الجماعة بسرّ موت المسيح ودفنه وقيامته. فهل نضيع على الطفل فرصة الغرس والنمو ليشترك مع كنيسة المسيح في سرّ الخلاص المجاني؟!
ليس ممكنًا للإنسان الذي اختبر فاعلية المعمودية في حياته أن يحرم أولاده من مياه المعمودية الشافية. فالمسيحي يؤمن أنه لا فضل له في شيءٍ حتى في قبوله الإيمان. إنها نعمة الله الغنًية التي تغمره وتجتذبه، فكيف يحرم ابنه من التمتع بهذه النعمة العظيمة التي تسنده في تربيته لطفله بفكرٍ إيمانيٍ مسيحيٍ؟! إن اهتمام الكنيسة منذ العصر الرسولي بعماد الأطفال إنما يحمل إيمانًا بعمل النعمة الإلهية الغنية في حياة الناس، بغض النظر عن أعمارهم أو ظروفهم أو إمكانياتهم.
إن كانت المرأة غير المؤمنة مقدسة في الرجل، وأولادهما مقدسون (1 كو 7: 15)، هذا بالنسبة للرجل الذي يقبل الإيمان وهو متزوج وترفض زوجته الإيمان، فهي مقدسة فيه، ليس من حقه أن يتركها إلا إذا طلبت ذلك، فكيف يحرم الأولاد المقدسون من نوال سرّ العماد الذي يهب للنفس تجديدًا، على إيمان ومسئولية أحد والديهم؟! هذا وإن كان الكتاب يهتم بالأولاد ويقدم لهم وصايا مثل: "أيُّها الأولاد أطيعوا والديكم في الرب لأن هذا حقّ" (أف 6: 1)، فكيف نحملّهم مسئولية الطاعة ونحرمهم من العضوية في جسد الرب الذي يسندهم في تنفيذ وصيته؟!
يقول القديس غريغوريوس النزينزي: [هل لك طفل؟ لا تسمح للشر أن يجد له فيه فرصة، بل ليتقدس وهو رضيع وليتكرس بالروح منذ نعومة أظافره. إنكِ تخافين أيتها الأم من الختم بسبب ضعف الطبيعة لأنك ضعيفة الروح وقليلة الإيمان. أما حنة فقبل أن تلد صموئيل وعدت الله به (1 صم 1: 10)، وبعد ميلاده كرّسته له في الحال. وبالحُلة الكهنوتية ربّته، ولم تخَف من الضعف البشري بل وثقت في الله. سلّمي ابنك للثالوث القدوس فإنه حارس عظيم ونبيل[416].]
جاء الاعتراض على معمودية الأطفال انعكاسًا للنظرة الفردية المبالغ فيها، فالطفل وإن كان له كيانه الخاص، لكنه ليس بمنعزل عن الجماعة الكنسية المقدسة، بل هو عضو متفاعل مع الجماعة.
في العهد القديم كان الطفل الذكر يُختتن في اليوم الثامن من ميلاده، فإن كانت المعمودية هي ختان العهد الجديد لنوال البنوة لله، فلا يليق بنا أن نحرم أطفال العهد الجديد من هذه النعمة، ولا أن نحرم والدي الطفل من الالتزام بتقديم الإيمان السليم لأطفالهم بكل وسيلة ممكنة. يقول الرسول: "وبه أيضًا ختنتم ختانًا غير مصنوع بيدٍ بخلع جسم خطايا البشرية بختان المسيح" (كو ٢: ١١).
حول طقس العماد
13. هل للعماد زمان معين؟
في سفر أعمال الرسل قَبِل خِصْي كنداكة المعمودية على يَديّ فيلبس الرسول وهو في طريق رحلته إلى بلده، فقد حرص الرسل في بدء الكرازة بالمسيحية أن يقدموا المعمودية للمؤمنين في أي وقت، انتهازًا لكل فرصة لخلاص المؤمنين. وما نقوله عن الخِصْي نكرره بشأن كرنيليوس وأهل بيته (أع 10: 48) وسجَّان فيلبي والذين معه (أع 16: 33) الخ.
وفي القرن الثاني إذ انتشرت المسيحية في كثير من الدول ألزمت الكنيسة طالبي العماد بالدخول في فترة إعداد طويلة بحرص شديد ومهابة، وبالتالي ظهرت أيضًا مواسم معينة لخدمة المعمودية. فيحدثنا العلامة ترتليان عن الفصح (عيد القيامة) والعنصرة (عيد البنطقستي) كموسمين للعماد المقدس: [الفصح هو الوقت الذي فيه نحتفل بآلام المسيح والذي فيه نعتمد، فإنه ليس من الخطأ أن نفسر رمزيًا الحقيقة التالية وهي أنه عندما أراد الرب أن يحفظ الفصح قال لتلميذيه: يلاقيكما إنسان حامل جرة ماء (مر 14: 13)، فمن خلال علامة الماء أظهر موضع الاحتفال بالفصح. أما الوقت الأكثر اتساعًا لممارسة الحميم فهو فصل البنطقستي (العنصرة) حيث عرفت قيامة الرب بين التلاميذ ومُنحت نعمة الروح القدس وظهر رجاء مجيء الرب... ومع هذا فإن كل يوم بل وكل ساعة هي للرب. كل وقت مناسب للعماد. فإن كان هناك فارق في العيد لكن ليس الفارق في النعمة[417].]
هنا يُوضح لنا العلامة ترتليان عادة العماد المقدس في عيديّ الفصح والبنطقستي، لكن العماد في نعمته - كما يقول - لا يختلف أن يُتمم في عيد أو في غير عيد.
الآن في كنيستنا القبطية الأرثوذكسية فقد خصص يوم الأحد السابق لعيد الشعانين للعماد ودعي بأحد التناصير. أما سرّ ارتباط القيامة بالمعمودية فهو أن عيد قيامة الرب هو محور حياة الكنيسة ومركزها. قيامة السيد هي الصخرة التي تتكئ عليها الكنيسة لتعيش مطمئنة وسط دوامة هذا العالم، لا تخاف أمواجه أو عواصفه أو شروره، بل تحيا على رجاء القيامة مرتبطة بعريسها الذي لا يموت، مبّررة ومقدسة فيه. هذا الرجاء وهذا التبرير وهذا التقديس لا يمكن التمتع به إلا من خلال المعمودية التي فيها ندفن مع ربنا يسوع ونقوم، أي نقبل فصحه كفصحٍ شخصيٍ لنا. وكما يقول الرسول: "أم تجهلون أننا كلَّ مَنْ اعتمد ليسوع اعتمدنا لموتهِ. فدُفِنَّا معهُ بالمعموديَّة للموت حتى كما أُقِيم المسيح من الأموات، بمجد الآب، هكذا نسلك نحن أيضًا في جدَّة الحياة" (رو 6: 3-4).
لكن ما نريد أن نؤكده أن الآباء حذروا من التأخير في نوال سرّ العماد وأوصوا بعدم الانتظار حتى لعيد من الأعياد مادام قد حان الوقت المناسب لنوال العماد. يقول القديس باسيليوس الكبير: [لا يوجد وقت خاص للعماد، لأن عمر الإنسان كله للمعمودية. كل وقت هو وقت مقبول لقبول الخلاص سواء أكان بالنهار أم بالليل، كل ساعة ودقيقة ولحظة تصلح للمعمودية[418].]
14. لماذا كانت تُسجل أسماء طالبي العماد؟ وكيف؟
وصفت الراهبة الأسبانية اثيريا Etheria هذا الطقس كما شاهدته في أورشليم في القرن الرابع: [كان من يرغب في تقديم اسمه في عشية بداية الصوم الأربعيني يتقدم، فيقوم قس بتدوين الأسماء. وفي اليوم التالي، أي في بداية الصوم حيث تبدأ الأسابيع الثمانية وفي الكنيسة الوسطى المعروفة باسم الاستشهاد Martyrium، يجلس الأسقف على كرسي ويقود القس كل راغب في المعمودية واحدًا يلو الآخر إلى الأسقف. ويأتي الرجال مع أشابينهم والنساء مع أشابينهن. عندئذ يسأل الأسقف الذين جاءوا مع طالب العماد وخصوصًا جيرانه: هل يعيش بتقوى؟ هل يكرم والديه؟ هل يسكر ويكذب؟ فإن وُجد طالب العماد بلا لوم وشهد عنه الذين قدَّموه عندئذ يُسجل الأسقف اسمه بيده، أما إذا وَجد لومًا ضده في شيءٍ ما، فيقول له: "اذهب أَصلح حياتك وعندئذ تقدم للمعمودية[419].]
هكذا يمتزج تسجيل الأسماء بنوع من الاختبار حيث يُفحص فيه طالب العماد فحصًا دقيقًا في وجود الإشبين والجيران للتأكد من صدق نيّته وسيرته قبل تسجيل اسمه، على أن يعود الأسقف ويفحصه مرة أخرى قبيل عماده مباشرة.
دَعا القديس ديونسيوس الأريوباغي في كتابه "الرئاسة الكهنوتية" سجل الكنيسة هذا "سفر الحياة"، ورأى القديس غريغوريوس النيسي في هذا العمل إصبع الله نفسه تسجل أسماءهم، إذ يقول: [أعطوني أسماءكم لكي ما أكتبها بالحبر، ولكن الرب نفسه ينقشها على ألواح لا تفسد، يكتبها بإصبعه كما سبق فكتب شريعة العبرانيين[420].]
كانت الكنيسة تهتم أولاً بنيّة طالب العماد، فكما جاء في التقليد الكنسي للقديس هيبوليتس: [ليُمتحنوا من جهة السبب الذي لأجله جاءوا إلى الإيمان، وليشهد لهم الذين يُحضرونهم]، [ليتأكدوا من جهة صدق نيّة طالب العماد. إن كان عبدًا فليُنظر إن كان سادته يشتكون عليه]، [وإن كان متزوجًا ليُنظر إن كان يتمم مسلمات قانون السلوك المسيحي[421].] وفي حديث القديس كيرلس الأورشليمي لطالبي العماد: [إن كنت هاهنا بجسدك دون ذهنك فلن تنتفع شيئًا، فإنه حتى سيمون الساحر جاء يومًا إلى الجرن (أع 8: 13) واعتمد دون أن يستنير. فمع أنه غطس بجسده في الماء لكن قلبه لم يستنر بالروح. نزل بجسده وصعد، وأما نفسه فلم تُدفن مع المسيح ولا قامت[422].]
15. ما هي مدة تعليم الموعوظين؟
تسجيل أسماء الموعوظين راغبي العماد في بدء الصوم الكبير واختبارهم لا يعني بدء علاقتهم بالكنيسة، فإنهم غالبًا ما يكونوا قد بقوا تحت رعاية الكنيسة مدة ثلاث سنوات[423]، ينتقلون فيها من فئة إلى أخرى حتى تطمئن الكنيسة على حسن نيّتهم وجدّيتهم في طلب الخلاص، وتمسكهم بالإيمان وتُقوّى سيرتهم فينتقلون إلى آخر درجة من الموعوظين وهي "طالب العماد". هذا الانتقال يختلف من شخصٍ إلى آخر حسب غيرته ودراسته الفردية الخاصة، قبل أن ينضم إلى صفوف الموعوظين أو أثناءها. جاء في التقليد الكنسي للقديس هيبوليتس: [إن كان إنسان ما غيورًا مثابرًا حسنًا... فليُقبل، فليس الزمن هو الذي يحكم بل السلوك[424].] أما درجات الموعوظين فثلاث:
أ. السامعون: كان يُسمح لهم بحضور الوعظ وسماع فصول الكتاب المقدس، ثم يُخرجهم الشماس[425]. إنهم لا يتمتعون مع الراكعين بحضور صلوات قداس الموعوظين.
ب. الراكعون: يحق لهم حضور قداس الموعوظين، فيتمتعون بسماع الفصول من الكتب المقدسة والعظة ثم الصلاة الخاصة بالموعوظين[426] وهي جزء من الأواشي تُصلى بعد العظة، ثم يأخذون وضع اليد للبركة وهم ركوع.
ج. طالبو العماد: ويُدعَوْن بالمستنيرين أو الذين سيُعمدون.
لم تكن الكنيسة جامدة فإنها تسمح للموعوظ في أية فئة بنوال سرّ العماد متى كان في خطر الموت، كما ذكر القديس باسيليوس في رسالته إلى القنصل الروماني Anneheus الذي قَبِل المسيحية عن طريق زوجته، وكان في خطر الموت فعُمّد فورًا، ويقول القديس أبيفانيوس أسقف سلاميس بقبرص أن الموعوظ الذي آمن بالقيامة من الموت وسكن هذا الرجاء في قلبه كان يُعمد إذا تعرض للموت لكي لا يموت رجاؤه.
على أي الأحوال كانت فترة الصوم الكبير هي الفترة التي تُعبأ فيها الطاقة لتعليم الموعوظين يوميًا، إذ تقول الراهبة اثيريا: [العادة هنا أن يأتي الذين سيتعمدون كل يومٍ في فترة الصوم الكبير.]
يصف القديس كيرلس الأورشليمي في فترة الصوم كيف يجتمع الرجال معًا ليقرأ أحدهم بينما يُصغي الباقون، وتجلس الحدثات معًا يُلحِّن المزامير أو يقرأن، لكن بصوت خافت فتتحرك شفاههن دون أن يسمع أحد أصواتهن. كما تجلس النساء المتزوجات معًا ويصلين، وتتحرك أيضًا شفاههن دون أن تُسمع أصواتهن، لكي يُوهب لهن صموئيل وتلد أنفسهن (العواقر) الخلاص الذي هو "الله يسمع الصلاة (صموئيل)" إذ هذا هو تفسير اسم صموئيل[427].
16. من هم معلمو الموعوظين؟
كانت الكنيسة منذ نشأتها منطلقة للكرازة، تنفذ كلمات الرب: "مَنْ لا يجمع معي فهو يفرّق" (مت 12: 30، لو 11: 23). فالكل يشعر بمسئوليته نحو الشهادة للسيد المسيح، إن لم يكن بالكلام فبالسيرة الصالحة، وكما يقول العلامة أوريجينوس: [كل تلميذ للمسيح هو صخرة، فيه تكتمل الكنيسة الجاري بناؤها بيد الله[428].] ويُحمِّل القديس كيرلس الأورشليمي مسئولية تعليم الموعوظين أطفالاً كانوا أو بالغين على الآباء والأشابين، إذ يقول: [إن كان لك ابن حسب الجسد انصحه بهذا، وإن كنت قد ولدت أحدًا خلال التعليم فتعهده برعايتك[429].] لقد دخل القديس غريغوريوس العجائبي قيصرية الجديدة وبها سبعة عشرة مسيحيًا فقط، وحينما تنيح بسلام لم يكن بها سوى سبعة عشرة وثنيًا.
على أي الأحوال لم يكن يُحرم كاهن ما من خدمة الموعوظين المنظمة في الكنيسة، بل يقوم كل منهم بنصيب فيها. أما المرحلة الأخيرة من التعليم فغالبًا ما كان يقوم به الأسقف نفسه أو كاهن له قدرته التعليمية بالنسبة لهم.
17. ما هي مادة التعليم للموعوظين؟
أ. تقدم دراسات خاصة للذين كانوا من أصل يهودي تختلف عمن كانوا من أصل وثني، كل فئة لها ما يناسبها حسب ثقافتها ودراساتها السابقة وبيئتها.
ب. يقوم معلم (ديدسكالوس) بالقراءة لهم من الأسفار المقدسة وبعض الكتب الكنسية الهامة. وقد أشار العلامة أوريجينوس إلى هذه الأسفار، وهي غالبًا ما تمتاز بالاهتمام بالحياة السلوكية مثل إستير ويهوديت وطوبيا والحكمة[430]، كما أشار البابا أثناسيوس الرسولي إلى ذات الأسفار مع بعض الكتب الكنسية مثل الديداكية والراعي لهرماس.
ج. تُقدم لهم دراسات تأملية لاهوتية مبسطة تضم أهم العقائد المسيحية، ظهرت في شكل "قانون الإيمان للرسل[431]"، والذي كان أشبه بدستور للإيمان المسيحي، وقد صار نواة لقانون الإيمان الأثناسيوسي الذي وضعه مجمع نيقية المسكوني عام 325 م، وكمله مجمع القسطنطينية عام 381م. ويُعتبر هذا القانون ملخصًا شاملاً يُقدم للموعوظين مع شرح له لكي يفهمونه ويحفظونه.
جاء في القوانين (الدساتير) الرسولية: [على الموعوظين أن يتسلموا قبل المعمودية معرفة الله الآب والابن الوحيد والروح القدس، ونظام خلق العالم والإعلانات الإلهية، ولماذا خُلق الإنسان والعالم، ويتعلم من ناموس الطبيعة لكي يعرف الهدف الذي خُلق لأجله. ويتعلم كيف يعاقب الرب الخطاة بالماء والنار وكلّل قديسيه في كل جيل، مثل شيث وأنوش وأخنوخ ونوح وإبراهيم وملكي صادق الخ. ويتعلم تجسد المسيح وآلامه وقيامته وصعوده، وما معنى جحد الشيطان والدخول مع المسيح في عهد[432].] ويَظهر اهتمام الكنيسة بتسليم قانون الإيمان أن الأسقف بنفسه هو الذي يقوم بهذا العمل، فقد كتب الأسقف أمبروسيوس إلى أخته مرسيلينا: [في اليوم التالي، إذ كان يوم الرب، بعد الدرس والعظة، كما خرج الموعوظين، سلمت طالبي العماد قانون الإيمان في معمودية البازليكي[433].]
وكتب الأنبا يوحنا الأورشليمي للقديس جيروم: [العادة عندنا أننا نسلم التعليم بالثالوث القدوس بصورة عامة خلال الأربعين يومًا للذين سيتعمدون.]
د. بعد تسليم قانون الإيمان وشرحه يتسلم طالبو العماد الصلاة الربانية. وكما يقول القديس أغسطينوس أنه بعدما نعرف من نؤمن به نصلي إليه، فإنه كيف نصلي لمن لا نعرفه ولا نؤمن به؟!
ه. في الفترة الأخيرة يقوم المعلمون بتحفيظهم بعض التلاوات أي الصلوات القصيرة.
و. أخيرًا تُقدم لهم الكنيسة مائدة دسمة عن شرح طقس العماد والميرون وسرّ الإفخارستيا.
في اختصار يمكننا تقسيم مادة التعليم السابقة إلى قسمين رئيسيين: دراسة سلوكية وعقيدية مبسطة، ثم دراسة مبسطة لشرح أسرار الكنيسة.
18. ما هو الإعداد الروحي لنوال سرَ العماد؟
إعداد طالبي العماد لا يقف عند مجرد الاستماع إلى التعاليم وحفظ قانون الإيمان وبعض الصلوات، وإنما كما يقول العلامة ترتليان: [يجدر بالآتين إلى المعمودية أن ينشغلوا على الدوام بالصلوات والأصوام والمطانيات والأسهار، كل هذا مع الاعتراف بالخطايا السابقة[434].] كما جاء في الدساتير الرسولية: [ليصم من يتقدم للعماد قبل أن يعتمد[435].] ويقول القديس كيرلس الكبير: [هيئوا قلوبكم لقبول التعليم من أجل شركة الأسرار السمائية الخالدة. صلوا بأكثر مثابرة لكي يجعلكم الله مستحقين الأسرار السمائية الخالدة. لا تنقطعوا عنها نهارًا وليلاً، بل عندما يُطرد النوم من أعينكم فلتتحرر أذهانكم للصلاة. وإن ثار فيكم أي فكر معيب حوّلوا أذهانكم إلى التأمل في الدينونة فتذكرون الخلاص. قدموا أذهانكم كلها للدراسة حتى تحتقروا الأمور الدنيئة.]
طقوس ومراسيم العماد المقدس
19. ما هي طقوس ومراسيم العماد المقدس؟
العماد في الكنيسة الأولى غني بطقسه، عميق بمفاهيمه اللاهوتية، قوي بصلواته وفاعليته، لهذا أردت أن أجمع بعض التفاصيل الخاصة به في الكنيسة الأولى سواء في الشرق أو الغرب مع الإشارة إلى الطقس القبطي الحالي الذي يحمل روح طقس الكنيسة الأولى وعمقه الروحي واللاهوتي. حقًا توجد بعض الاختلافات الطفيفة في ترتيب الطقس من كنيسة إلى أخرى، لهذا وضعت الهيكل العام مع الإشارة إلى الاختلافات، كما حاولت بمشيئة الله تقديم المفهوم اللاهوتي والروحي لكل طقس بفكر إنجيلي آبائي.
أ. استعداد خادم السرّ. ب. فرز طالبي العماد.
ت. تقبل علامة الصليب. ث. التِلاوات الخاصة بطرد الأرواح الشريرة.
ج. خلع الثياب. ح. الدهن بالزيت.
خ. جحد الشيطان. د. سرّ الانفتاح.
ذ. الاعتراف بالإيمان. ر. تقديس المياه.
ز. سكب الميرون في المياه. س. الثلاث تغطيسات.
ش. غسل القدمين. ص. الدهن بالميرون المقدس.
ض. لبس الثياب البيضاء. ط. لبس الأكاليل والزنار.
ظ. وصية الإشبين. ع. حمل الشموع.
غ. أكل اللبن مخلوطًا بالعسل. ف. صلاة حل الزنار.
20. ما هي استعدادات خادم السرّ للقيام بالتعميد؟
يليق بخادم السرّ. أسقفًا كان أو كاهنًا، أن يشترك مع طالب العماد في هذا الاستعداد، فيقدم الصلوات مع الأصوام. وعندما يبدأ في إتمام السرّ يلزم أن يكون صائمًا، في الطقس القبطي الحالي على الأقل 9 ساعات، كما يصلي بثياب الخدمة الكهنوتية، هذا وإن كان حاليًا قد أهمل البعض هذا الأمر الأخير. يحدث الأب ثيؤدور طالب العماد، قائلاً: [يقترب منك الكاهن ليس مرتديًا ثيابه العادية... بل يلتحف بثوب من الكتان النقي البهيّ، فمظهره المفرح يشير إلى فرح العالم الذي تتحرك أنت نحوه في المستقبل، واللون المضيء يشير إلى البهاء الذي يكون لك في الحياة العتيدة[436].]
21. من يقوم بفرز طالبي العماد؟
يقوم الأسقف بنفسه باختبارهم قبل العماد مباشرة. جاء في التقليد الكنسي للقديس هيبوليتس: [عندما يُختارون يفرزون حتى يتقبلوا المعمودية. تُمتحن حياتهم لمعرفة إن كانوا قد عاشوا بتقوى وهم موعوظون، وإن كانوا قد أكرموا الأرامل وافتقدوا المرضى وتمموا كل عمل صالح[437].] ولا يقف الاختبار عند الجانب السلوكي، إنما يلزم التأكد من صدق إيمانه. وقد وصف العلامة أوريجينوس دقة الفحص الذي يليق بالكنيسة أن تقوم به من جهة الموعوظين سواء كانوا قد قبلوا الإيمان بطريقة أو بأخرى، حتى لا ينال أحد العماد دون التأكد من صدق نيته[438]. وقد شبه القديس كيرلس الأورشليمي طالبي العماد وهم يُفرزون بالمنضمين إلى صفوف الجندية[439]، يحاربون الشيطان.
22. ماذا غاية تقبل علامة الصليب؟
استخدم السيد المسيح يديه ليبارك الأطفال (مت 19: 13، 15). وعند صعوده أخرج السيد تلاميذه إلى بيت عنيا "ورفع يديه وباركهم" (لو 24: 50)، وحين فتح عيني الأعمى "وضع يديهِ على عينيهِ" (مر 8: 25) لتستنيرا. وفي شفائه المرضى وإخراج الشياطين كان يضع يديه "على كلّ واحدٍ منهم" (لو 4: 40)... ولعله إذ كان يستخدم يديه الاثنين بالنسبة لكل واحدٍ إنما لكي يباركه ويشفيه أو يحرره من الأرواح النجسة وهو يضع يديه عليه على شكل صليب، وإلا فلماذا يستخدم يديه بالنسبة لكل واحدٍ؟! على أي الأحوال يضع الكاهن يديه على طالب العماد لكي يهبه بركته السماوية واستنارة لعينيه الداخليتين وشفاءً من الخطية وتحررًا من الشيطان وكل جنوده... هذا هو عمل الله في المعمودية المقدسة. أما رشم علامة الصليب على جبهة طالب العماد فقد أشار إليها القديس أغسطينوس في كتاب "الاعترافات" عندما قُبل في الكنيسة[440]. ويعتبر القديس أغسطينوس هذا العمل "رشم علامة الصليب" أشبه بالحبْل بهم في أحشاء الكنيسة: [إنكم لم تولدوا بعد في المعمودية المقدسة، لكنكم بعلامة الصليب يُحمل بكم في أحشاء الكنيسة أمكم[441].] كما يقول عنهم إنهم يتباركون بعلامة الصليب والصلوات ووضع الأيدي، وأنهم وإن كانوا لم يتمتعوا بعد بجسد السيد المسيح لكنهم ينالون شيئًا مقدسًا. ولعله قصد بالشيء المقدس الخبز الذي يأكلونه، وان كان بنجهام Bingham يرى أنه ملح مقدس يتذوقه طالبو العماد كرمزٍ إلى أن المؤمنين هم ملح الأرض.
23. ما هو هدف التِلاوات لطرد الأرواح الشريرة؟
في الليتورجيات القديمة جميعها يُوجد خطان واضحان هما: طرد الأرواح الشريرة من طالب العماد والدخول به إلى مملكة المسيح. هذا ما نلمسه في ليتورجيات العماد القبطية والأرمينية والبيزنطية والإثيوبية وغيرها. تروي لنا إثيريا الراهبة الأسبانية[442] أن طالب العماد كان يخضع لطقس طرد الأرواح الشريرة طوال الصوم الكبير، كما يقول القديس غريغوريوس الثيؤلوغوس: [لا تحتقروا دواء طرد الشياطين، ولا تتعبوا من طول الصلوات، لأن هذه كلها امتحان لصدق النفوس وإخلاصها في طلب المعمودية باشتياق[443].] وقد وصف القديس يوحنا الذهبي الفم والأب ثيؤدور كيف يقف طالب العماد في خشية، إما منتصبًا باسطًا يديه أو راكعًا، وهو حافي القدمين، يقف على مسوح خشنة من الصوف كمن يصلي طالبًا من الله أن يرق لحالة العبودية التي سقط فيها تحت أسر إبليس وجنوده. يقول الأب ثيؤدور: [حينما تتلى الكلمات الخاصة بطرد الأرواح الشريرة قفوا بهدوء كامل كما لو كنتم بلا صوت، كمن هم في خوف ورعدة من الطاغي... حتى تثيروا شفقة القاضي عليكم. اخلعوا ثوبكم الخارجي ونعالكم لكي تُظهروا في أنفسكم حالة العبودية القاسية التي خدمتم بها إبليس زمانًا طويلاً... أما بالنسبة للكلمات الخاصة بطرد الأرواح الشريرة فإن لها سلطان أن تستميلكم بعد أن تقدم نفعًا عظيمًا لذهنكم فلا يبقى خاملاً وبلا عمل.] في الطقس القبطي يصلي الكاهن على الزيت ليدهن طالب العماد، قائلاً: [لكي تنظر إلى جبلتك، هذا الزيت، وتجعله أن يحل أعمال الشياطين وسحرهم ورقاهم...] وعندما يدهن قلبه ويديه وظهره يقول: [هذا الزيت يبطل كل مقاومة المضاد، آمين.]
24. لماذا تُخلع الثياب؟
يرى جان دانيلو أن طقس العماد حتى هذه اللحظة غالبًا ما كان يتم خارج حجرة المعمودية إذ يُعامل طالبو العماد كغرباء عن الكنيسة، إنما يبدأون دخولهم المعمودية بخلعهم الثياب ودهنهم بالزيت كطقسين يهيئان طالبي العماد للدخول في مياه المعمودية، فيدخل في العضوية الكنسية ويلبس الثياب البيضاء كمن دخل الفردوس وصار ابنًا للملكوت[444]. مادام طالب العماد لا يزال في صفوف الموعوظين يُحسب غريبًا عن جسد المسيح، لم يتذوق بعد الحياة الفردوسية. أما وقد دخل بين صفوف طالبي العماد في طريقه نحو الجرن المقدس، فقد انفتح أمامه الفردوس الإلهي، ورأى قبر المخلص المحيي، فيشتهي الدفن معه، ليقوم ابنًا لله حيًا ومقدسًا بالروح القدس. يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [ها أنتم الآن في بهو القصر، ستقادون حالاً للملك[445].] [حالاً سيفتح الفردوس لكل واحد منكم[446].]
25. لماذا يُدهن طالبي العماد بالزيت؟
ذكرت قوانين القديس هيبوليتس أن أحد الكهنة يقوم بمسح طالبي العماد بعد جحدهم الشيطان وقبل تغطيسهم وإعلان الإيمان، يدهنونهم بزيت لإخراج الشياطين[447]، ولتطعيمهم في الكنيسة شجرة الزيتون الدسمة عوض الزيتونة البرية. هذا ما أكده الآباء القديسون وأيضًا الطقس ذاته. جاء في خولاجي القديس سرابيون: [ندهن بهذا الزيت الذين يقتربون إلى الميلاد الجديد، سائلين الرب يسوع المسيح أن يهبهم سلطانًا للشفاء وإعطاء قوة لجسد الذين يعتمدون ونفوسهم وأرواحهم، لتتحرر أرواحهم من كل أثر للخطيئة والشر، وتكون لهم قوة الغلبة على الأرواح المضادة.]
26. ما هو سرّ اهتمام الكثير من الآباء وليتورجيات العماد بجحد الشيطان؟
إذ يخلع طالب العماد ثوبه يتجه نحو الغرب، أو تقف الأم أو الأب أو الإشبين حاملاً على ذراعه الأيسر الطفل، ويبسط طالب العماد أو إشبينه يده اليمنى كأنما يحدث الشيطان معلنًا جحده له ورفضه مملكة الظلمة بجسارة وعلانية. هذا الرفض كما يقول العلامة ترتليان يتم داخل جرن المعمودية[448]، أما حسب التقليد الرسولي للقديس هيبوليتس فيتم قبل دخول المياه[449]. أما مصدر هذا الطقس فكما يقول القديس باسيليوس الكبير هو التقليد، إذ يقول:
[إننا نبارك مياه المعمودية وزيت المسحة، كما نبارك المُعمد نفسه أيضًا.
أية وصايا مكتوبة علمتنا أن نفعل هذا؟! ألم نتعلم هذا من التقليد السرّي المقدس؟!
وأيضًا الدهن بالزيت، أية كلمة في الإنجيل علمت به؟! أين ورد تغطيس الإنسان ثلاث مرات؟
أي كتاب جاء بكل الأمور اللازمة للعماد وجحد الشيطان وملائكته؟ ألم يأتِ إلينا من التعليم السرّي الذي حافظ عليه آباؤنا في صمت دون أن (يكتب) كتعليمٍ عام؟.,, إذن لا تبحثوا الأمر بتطفل... لأنه كيف يحق تعميم تعليم الأسرار كتابة، هذه التي لا يُسمح لغير المعمدين حتى يتطلعوا عليها؟[450]]
يُعتبر هذا الأمر جزءً أساسيًا في طقس العماد، أشارت إليه كثير من كتابات الكنيسة الأولى وكشفت أيضًا عن مفهومه اللاهوتي الروحي. يقول العلامة ترتليان: [في الكنيسة تحت يد الأسقف نشهد أننا نجحد الشيطان وكل موكبه pomp وكل ملائكته[451].] وجاء في التقليد الرسولي للقديس هيبوليتس: [عندما يمسك الكاهن بمن يتقدم للعماد يأمره أن يجحد قائلاً: أجحدك أيها الشيطان وكل خدمتك وكل أعمالك[452].] ويرى جنجمان J. Jungmann أن كلمة "pomp" تشير إلى الموكب الخاص بأعياد الآلهة في القرون الأولى حيث كانت الأصنام تُحمل في موكب نصرة، فيظهر إبليس كغالب للعالم، وكأن الذين يعيشون في الخطيئة يسيرون في هذا الموكب كجنود له، وكأن طالب العماد يعلن تركه هذا المعسكر الشيطاني مجندًا لخدمة ملكوت الله[453].
ويترجم البعض كلمة "pomp" "بالمناظر الفخمة والمجد الزمني"، أو "المجد الباطل"، وقد شرح القديس يوحنا الذهبي الفم هذه الكلمة بقوله: [إذا قلت من كل قلبك أجحدك أيها الشيطان وكل مجدك الباطل، فإنك سوف تعطي حسابًا عن ذلك في يوم الدينونة... والأمجاد الباطلة الخاصة بالشيطان التي هي المسارح والملذات الشريرة، والتفاؤل بالأيام وبالفرص، وبالكلمات العفوية التي تقال للغير، وهي في الأصل لا تخصنا، وأيضًا التشاؤم من النذير. وإنني أسألكم ماذا يُعد في العالم فالاً (تفاؤلاً) أحيانًا عندما يترك إنسان منزله يرى رجلاً بعين واحدة أو أعرج يتشاءم. هذه هي أمجاد الشيطان الباطلة لأنها أًلاعيبهُ، فإن لقاء البشر لا يجعل يومنا سيئًا، وإنما ارتكاب الخطيئة يجعله هكذا[454].]
لقد امتنع المسيحيون عن كل أنواع اللهو، إذ قدمت في ذلك العصر تكريمًا للآلهة الوثنية، حتى الألعاب الرياضية كان أبطالها يتوجون باسم الآلهة.
أما كلمة "ملائكته"، فتعني رفضنا للشيطان وكل أتباعه:"هؤلاء الملائكة ليسوا شياطين بل أناس يخضعون للشيطان الذي يستخدمهم آلات له، إذ يجعلهم يُسقطون الآخرين[455]".
يشرح القديس كيرلس الأورشليمي هذا الطقس للمعمدين حديثًا، قائلاً: [ومع ذلك تؤمرون بالقول وذراعكم ممدود نحوه كأنه حاضر، قائلين: نجحدك أيها الشيطان. أريد أن أقول لكم إنكم تقفون ووجوهكم نحو الغرب فهذا أمر ضروري، مادام الغرب منطقة الظلام المحسوس، ومادام هو في الظلمة فتكون سيطرته على الظلمة... لقد وقف كل واحدٍ منكم وقال: "أجحدك أيها الشيطان"، أيها الظالم القاسي الشرير. بمعنى إني لا أخاف قوتك بعد الآن، فقد قهرك المسيح، إذ شاركني في اللحم والدم. بالموت داس الموت، حتى لا أكون تحت العبودية إلى الأبد. أجحدكِ أيتها الحية الخبيثة الماكرة. أجحدكِ بمؤامراتكِ التي تختفي تحت قناع الصداقة، إذ اخترعتِ كل مخالفة وكل عمل مارق لأبوينا الأولين. أجحدك أيها الشيطان الصانع لكل شر والمحرض عليه. وفي عبارة ثانية تقول: "وكل أعمالك"، لأن كل أعمال الشيطان هي خطيئة، يلزمنا أن ننبذها كمن يهرب من الظالم وأسلحته... ثم نقول: "وكل قوتك"، والآن فكل قوة الشيطان هي جنون المسارح وسباق الخيل والصيد وكل أمثال هذه الأمور الباطلة... بعد هذا نقول: "وكل خدماتك"، فخدمات الشيطان هي الصلاة في هياكل الأصنام وما يقدم من كرامات للأوثان التي بلا حياة...[456]]
ويرى الأب ثيؤدور المصيصي أن طالب العماد إذ يقف هكذا ليجحد الشيطان في حضرة الأسقف يكون كالمتهم الذي يعلن براءته أمام القاضي. فالشيطان يحاول أن يقيم الدليل ضدنا مدعيًا أنه ليس من حقنا أن نهرب من مملكته، مدعيًا أننا مِلك له، ننتمي إليه لأننا نسل آدم الذي سقط تحت سلطانه. [لهذا يليق بنا أن نسرع ونقف أمام القاضي ونقيم دعوانا أنه من حقنا ألا ننتمي للشيطان بل لله الذي خلقنا منذ البداية على صورته[457].]
لعله لهذا السبب وضعت الكنيسة إنجيل الأحد الثاني من الصوم الكبير عن "تجربة السيد المسيح" (مت 4: 1-11)، يحضره طالبو العماد في الصوم الكبير في قداس الموعوظين. إنه أول درس لهم عن المعمودية كغلبة على إبليس وتحرر من سلطانه. ولهذا السبب أيضًا كان طالبو العماد يُمسحون بالزيت بعد جحدهم الشيطان وقبل دخولهم مياه المعمودية، كعلامة على أنهم قد مُسحوا جنودًا ومحاربين ضد عدو الخير إبليس. إن كان الاعتراف بالإيمان هو دخول مع الله في ميثاق أو عهد جديد، فإنه يلزم أولاً جحد الشيطان، أي تمزيق العهد الذي أقمناه مع إبليس خلال الخطيئة.
ومما يجدر ملاحظته أن حربنا مع الشيطان لا تقف بجحدنا إياه وكل موكبه وجنوده وأعماله، وإنما نُمسح بالزيت المقدس لننال قوة ضده، وبعد المعمودية مباشرة نتمتع بمسحة الميرون لكي نحمل في داخلنا الروح القدس روح المسيح الغالب، يسندنا في جهادنا كل أيام غربتنا ضد الشيطان.
27. ما هو سرّ الانفتاح؟
يروي لنا القديس أمبروسيوس طقسًا يسميه "الانفتاح" يتممه الكاهن قبيل دخول طالب العماد الجرن، فيه يلمس الكاهن أذني طالب العماد وأنفه، وقد شرح لنا بنفسه ما يعنيه هذا الطقس:
[تحقق سرّ للانفتاح عندما لمس الكاهن آذانكم وأنوفكم؟ إنه بهذا يُشار إلى ما فعله ربنا يسوع المسيح في الإنجيل حين قُدم إليه إنسان أصم وأخرس (مر 7: 32)، فقد لمس أذنيه وفمه. لمس أذنيه لأنه أصم، والفم لأنه أخرس، وقال: إفثا التي تعني بالعبرية "انفتح"... لهذا يلمس الكاهن آذانكم حتى تنفتح لسماع ما فاله الكاهن وحديثه[458].] [[تقول: ولماذا يلمس الأنف؟... لكي تتقبلوا رائحة الصلاح الأبدي الذكية، فتقولون ما قاله الرسول: "إننا رائحة المسيح الذكيَّة لله" (2 كو 2: 15). بهذا يكون فيكم كمال رائحة الإيمان والتكريس الذكية[459].]
28. كيف يعلن طالب العماد اعترافه بالإيمان؟
يحوّل طالب العماد وجهه من الغرب إلى الشرق، معلنًا قبوله الانتساب لمملكة النور بعد جحده مملكة الظلمة، أي قبوله السيد المسيح بعد رفضه إبليس. وكما يقول القديس أمبروسيوس: [إنكم تتجهون نحو الشرق، فإن من يجحد الشيطان يتجه نحو المسيح ويراه وجهًا لوجه[460].] لقد نُسب للشيطان الغرب، إذ يملك في الظلمة. وكما يقول السيد المسيح نفسه: "هذه ساعتكم وسلطان الظلمة" (لو 22: 53). ويقول الرسول بولس: "فإن مصارعتنا ليست مع دمٍ ولحمٍ بل مع الرؤَساءِ مع السلاطين مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر مع أجناد الشرّ الروحيَّة في السماويَّات" (أف 6: 12)، ودُعيت جهنم الموضع الذي يستقر فيه إبليس وجنوده بالظلمة الخارجية. وعلى العكس نُسب للسيد المسيح الشرق، إذ هو شمس البرّ الذي ينير على الجالسين في الظلمة (ملا 4: 1، مت 1: 16)، وقد دُعي الرب باللابس النور كثوبٍ (مز 104: 2)، وهو سرّ استنارتنا (مز 27: 1، 43: 3)، ودُعي أولاده "أبناء النور" (لو 16: 8)، كما دُعيت وسائط الخلاص بأسلحة النور (رو 13: 12).
طالب العماد إذ ينظر إلى الشرق إنما ينظر إلى السيد المسيح نفسه الذي دُعي بالشرق (زك 6: 12) وشمس البرّ والعدل (ملا 4: 2). وبالنظر إلى الشرق نتطلع إلى الفردوس القديم الذي غرسه الله لنا في عدن نحو الشرق[461]، كما يلهب قلبنا بالشوق نحو مجيء السيد المسيح الذي صعد في المشارق ويأتي هكذا (مت 24: 27، أع 1: 11)، قائلين مع الأب ميثودسيوس من أولمبيا: [هلم نسرع جميعًا نحو الشرق، لنلتحف بالثياب البيضاء، ولنحمل مصابيحنا في أيدينا[462].]
ويلاحظ أن هذا الطقس بشقيه: التطلع إلى الغرب لجحد الشيطان ثم التطلع نحو الشرق لقبول السيد المسيح، الخط الرئيسي الواضح في كل ليتورجيات العماد في الكنيسة الأولى.
والاعتراف بالإيمان له مفاهيمه اللاهوتية الأساسية في التمتع بالعماد المقدس.
أولاً: دُعيت المعمودية المسيحية بالمعمودية باسم الرب يسوع (أع 8: 16؛ 19: 5)، حيث يلتزم المعمَد أو إشبينه إن كان طفلاً بإعلان إيمانه بربنا يسوع المخلص، لكي يقدر أن يقترب من سرّ الصليب ويدخل إلى شركة دفنه والتمتع بقوة قيامته. لهذا جاء الاعتراف بالمسيح يسوع ربنا المصلوب والقائم من بين الأموات كعنصرٍ أساسيٍ في كل قوانين الإيمان للمعمودية منذ نشأة الكنيسة. وكما يقول الرسول: "إن اعترفت بفمك بالربّ يسوع، وآمنت بقلبك أن الله أقامهُ من الأموات، خلصت" (رو 10: 9). واعتبر الرسول هذا الأمر هو حجر الزاوية في الإيمان المُسلم له: "فإنني سلَّمت إليكم في الأوَّل ما قبلتهُ أنا أيضًا: أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب، وأنهُ دُفِن وأنهُ قام في اليوم الثالث حسب الكتب" (1 كو 15: 3-4). وقد عرف الوثنيون ذلك، لهذا كان كل همهم أن يُلزموا المؤمنين أن يجحدوا مسيحهم.
ثانيًا: لما كانت المعمودية هي الباب المفتوح للدخول إلى العضوية في الجماعة المقدسة، لهذا يلزم الاعتراف بالإيمان الذي هو حجر الزاوية في بناء الجماعة المقدسة وسرّ وجودها.
ثالثًا: الاعتراف بالإيمان هو دخول في ميثاق إلهي أو توقيع عقد مع الله، يُسجل في سفر السماء. وفي هذا يقول الأب ثيؤدور المصيصي: [أن نقيم العقود والمواثيق مع الله ربنا بالاعتراف بالإيمان، خلال وساطة الكاهن نصير مؤهلين للدخول في بيته والتمتع برؤيته ومعرفته وسكناه وأن نُسجل في المدينة ونُحسب مواطنين فيها ونصير أصحاب ثقة عظيمة[463]]، كما يقول: [بالاعتراف بالإيمان تربط نفسك بالله بواسطة الأسقف، وتقيم ميثاقًا تتعهد فيه أن تثابر في محبة الطبيعة الإلهية[464].]
في الطقس القبطي الحالي يردد المعمد أو إشبينه بنود الإيمان علنًا وراء خادم السرّ، وذلك قبيل تغطيسه، أما في الكنيسة الأولى فكان المُعمد يُعلن إيمانه وهو واقف داخل مياه المعمودية، في شكل أسئلة يقدمها الكاهن أو الأسقف ويجيب عليها المعمد، كما ورد في قوانين القديس هيبوليتس[465].
29. ما هي بنود الاعتراف بالإيمان للمعمودية؟
ركزت الكنيسةالأولى على الإيمان بالآب والابن والروح القدس كما شمل غالبًا الاعتراف بالكنيسة الجامعة ومغفرة الخطايا. جاء في قوانين القديس هيبوليتس أن طالبي العماد يتوجهون نحو الشرق ويقولون: [أؤمن وانحني أمامك وأمام عظمتك أيها الآب والابن والروح القدس]، ثم ينزلون في المياه ويقفون فيها ووجوهم نحو الشرق. يضع كاهن آخر يده على رؤوسهم ثم يسألهم: "أتؤمنون بالله الآب ضابط الكل؟" يجيبون: "أؤمن"، ثم يغطسون للمرة الأولى.
وبعد الغطسة الأولى يُسألون: أتؤمن بيسوع المسيح ابن الله الذي وُلد من العذراء مريم بالروح القدس، والذي صُلب في عهد بيلاطس، والذي مات وقام في اليوم الثالث من بين الأموات، وصعد إلى السماوات وجلس عن يمين الآب، ويأتي ليدين الأحياء والأموات؟" ويعد أن يجيبوا "أومن" يغطسون للمرة الثانية.
عندئذ يُسألون: أتؤمنون بالروح القدس؟ يجيبون: "أؤمن"، ويغطسون للمرة الثالثة والأخيرة.
وفي كل غطسة يقول الكاهن: أعمدك باسم الآب والابن والروح القدس، وبعد ذلك يُدهنون بالمسحة المقدسة التي تعرف بالميرون Chrism، ويلبسون ثيابهم ويدخلون الكنيسة، ويتقبلون وضع الأيدي من الأسقف وقبلة السلام، وعندئذ يبدأ تقديم الإفخارستيا.
ويرى العلامة أوريجينوس في شرحه إنجيل يوحنا أن غياب أي بند من بنود الإيمان الأساسية هو فقدان للإيمان كله[466].
وفي الطقس القبطي الحالي، يردد طالب العماد أو أشبينه عبارات جحد الشيطان وراء الكاهن، قائلاً: [أجحدك أيها الشيطان، وكل أعمالك النجسة وكل جنودك الشريرة، وكل شياطينك الرديئة، وكل قوتك، وكل عبادتك المرذولة، وكل حيلك الرديئة والمضلة، وكل جيشك، وكل سلطانك، وكل بقية نفاقك. أجحدك. أجحدك. أجحدك.]
ثم ينفخ الكاهن في وجه طالب العماد وهو يقول ثلاث مرات: [أخرج أيها الروح النجس.]
بعد هذا إذ يحول وجهه نحو الشرق ويده مرفوعة إلى فوق يردد أيضًا مع الكاهن، قائلاً: [اعترف لك أيها المسيح إلهي، وبكل نواميسك المخلصة، وكل خدمتك المحيية، وكل أعمالك المعطية الحياة.]
ثم يلقنه الإيمان هكذا: [أؤمن بإله واحد، الله الآب ضابط الكل، وابنه الوحيد يسوع المسيح ربنا، والروح القدس المحيي، وقيامة الجسد، والكنيسة الواحدة الوحيدة المقدسة الجامعة الرسولية. آمين.]
ثم يردد ثلاث مرات: "آمنت". يتم هذا قبل دخوله المياه.
30. كيف يتم تقديس الماء؟
إذ تعمد السيد المسيح في نهر الأردن صار الرسل أيضًا يعمدون في الأنهار أو في مياه جارية. فيذكر العلامة ترتليان أن بطرس الرسول عمَّد الذين قبلوا الإيمان في نهر التيبر بروما [لأن الروح الواحد يقدس المياه في كل مكان، ويهب الروح قوة التقديس للمياه بالاستدعاء والصلاة.] إلا أن التعميد في الأماكن العامة كان يعرض المؤمنين والكهنة للكثير من المشاكل كما يعرض المقدسات لحملات التشهير من الوثنيين، لهذا اقتصر الأمر على التعميد في معموديات داخل الكنائس.
جاء في الديداكية التي ترجع بعض نصوصها إلى القرن الأول الميلادي: [أما عن العماد، فعمدوا هكذا: بعدما تعملون كل ما تقدم، عمدوا باسم الآب والابن والروح القدس بماء جارٍ (حيّ). فإذا لم يكن هناك ماء جاري فعمد بماء آخر. إذا لم تستطع أن تعمد بماء بارد فعمد بماء دافئ. إذا كنت لا تملك كليهما فاسكب الماء فوق الرأس ثلاثًا. باسم الآب والابن والروح القدس[467].]
ويقول القديس باسيليوس: [الأمور التي سلمت إلينا من تقليد الرسل... أن نبارك مياه المعمودية[468].] وقد تحدث الآباء كثيرًا عن تقديس مياه المعمودية باستدعاء روح الله القدوس والصلوات ورشم علامة الصليب، كما أفاضوا في الكشف عن فاعلية هذا العمل في حياة المعمدين، تقتطف هنا بعض العبارات: يقول العلامة ترتليان: [يحصل الماء على سرّ التقديس بالابتهال لله، إذ ينزل الروح في الحال من السماء، ويستقر على المياه، ويقدسها بنفسه، وإذ تتقدس المياه تتشرب قوة التقديس[469].]
يقول القديس كبريانوس: [يلزم أولاً أن تتطهر المياه وتتقدس بواسطة الكاهن لتحل فيها قوة المعمودية لغسل خطايا الإنسان الذي ينال المعمودية، إذ يقول الرب لحزقيال النبي: "وأرشُّ عليكم ماءً طاهرًا فتُطهَّرون من كل نجاستكم ومن كل أصنامكم أطهركم. وأعطيكم قلبًا جديدًا وأجعل روحًا جديدة في داخلكم" (حز 36: 25-26)[470].] ويقول القديس كيرلس الأورشليمي: [ عندما تنزلون في الماء لا تفكروا في المادة المجردة بل تطلَّعوا إلى الخلاص بقوة الروح القدس. فإنه بدونهما – كلاهما - لا يمكن أن تصيروا كاملين. ما أقوله هذا ليس من عندياتي، إنما هو كلام الرب يسوع صاحب السلطان في هذا الشأن. إنه يقول: "إن كان أحد لا يُولَد من الماءِ والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله" (يو 3: 5). فمن يعتمد بالماء ولا يكون متأهلاً للروح (بسبب سوء نيته) لا يتقبل نعمة الكمال. وأيضًا إن كان فاضلاً في أعماله ولم يتقبل الختم بالماء فلا يدخل ملكوت السماوات. هذا القول فيه جسارة لكنه ليس مني بل أعلنه يسوع[471].] ويقول القديس أغسطينوس: [نزع الكلمات (الخاصة بالتقديس) فتكون المياه مجرد مياه. أضف الكلمات إلى العنصر فيكون لك سرّ Sacramentum[472].]
جاء في خولاجي القديس صرابيون: [يا ملك كل الأشياء وربها، يا خالق الكون، لقد خلصت كل طبيعة بإرسال ابنك الوحيد، يسوع المسيح، وأعتقت خليقتك بمجيء كلمتك الفائق الوصف. تطلع الآن من السماء وانظر إلى هذه المياه، واملأها من الروح القدس. ليعمل فيها كلمتك الفائق الوصف، ويحوّل قوتها، وليملأ هذه الأشياء المخلوقة من نعمتك، حتى لا يكون السرّ الذي يتم الآن عديم الفاعلية في الذين سيولدون من جديد، بل ليملأ بنعمتك الإلهية جميع الذين سينزلون ويتعمدون[473].]
هكذا يظهر دور الثالوث القدوس في تقديس المياه. وإننا لا ننسى أيضًا دور رشم علامة الصليب في ذلك الأمر، فقد أوضح القديس أغسطينوس أن علامة الصليب تُرسم على مياه المعمودية، كما على زيت المسحة وعلى الإفخارستيا[474].
31. ما هي الصلوات التي تُقال عند سكب الميرون في المياه؟
في نهاية الصلوات الخاصة بتقديس المياه يسكب الكاهن الميرون ثلاث مرات على مثال الصليب ليقدس الماء وهو يقول: "باسم الآب والابن والروح القدس. مبارك الله الآب ضابط الكل. آمين". "مبارك ابنه الوحيد يسوع المسيح. آمين". "مبارك الروح القدس الباراقليط. آمين".
ثم يحرك المياه وهو يقول بعض فقرات من المزامير: "صوت الرب على المياه. إله المجد أرعد. الرب على المياه الكثيرة. الليلويا. صوت الرب بالقوَّة. صوت الرب بعظيم الجلال. الليلويا". (مز 29: 3-4)؛ "تعالوا إليه لتستنيروا ولا تخزى وجوهكم. تعالوا يا أبنائي واسمعوني لأعلمكم مخافة الرب. الليلويا". (راجع مز 34: 11) "جزنا في النار والماءِ ثم أخرجتنا إلى الراحة. الليلويا". (مز 66: 12) "انضح عليَّ بزوفاك فأطهر وأغسلني أكثر من الثلج. اصرف وجهك عن خطاياي وامح كل آثامي. الليلويا. قلبًا نقيًّا اخلق فيَّ يا الله، وروحًا مستقيمًا جدّده في أحشائي. الليلويا" (مز 50: 7، 9، 10) "الرب اختار صهيون ورضيها مسكنًا لهُ. الليلويا" (مز 132: 13).
إنه اختيار دقيق وعجيب يحمل في قوةٍ سرّ عمل الروح القدس في حياة المعتمد في هذه المياه التي تتقدس بالروح. لقد حملت المياه صوت الرب الذي يرعد في حياة الإنسان، محطمًا الشر ليقيم مملكته فيه من جديد. وفي المياه ينال المؤمن سرّ الاستنارة فلا يخزى وجهه بعد، ويصير ابنًا لله يسمع لوصاياه ويحمل مخافته لأبيه السماوي. يدخل المؤمن المياه فيجتاز نار الروح والمياه المقدسة ليعبر إلى راحة الفردوس الجديد. في هذه المياه يغتسل داخليًا فيصير نقيًا ويحمل القلب الجديد والروح الجديد. وفي هذه المياه يعلن الله اختياره للكنيسة "صهيون" ويقبل المؤمن عضوًا حيًا فيها.
حقًا إنه نص فريد يدخل بنا إلى كل أسرار المعمودية خلال المزامير بقوة وبساطة!
أما عادة سكب الميرون في مياه المعمودية بجوار مسح المُعمد به فهي عادة قديمة. يقول Stone أنها وجدت في مصر قبل نهاية القرن الخامس على الأكثر، كما وجدت في الغرب في القرن السادس[475]. وجاء في القديس ديونسيوس الأريوباغي: [يأتي (الأسقف) إلى أم التبني (الجرن) ويقدس المياه فيها بابتهالات مقدسة، ويكمل ذلك بسكب الميرون كلّي القدس فيها ثلاث مرات[476].]
32. متى بدأ العماد بالتغطيس؟
بدأت عادة التغطيس بالسيد المسيح نفسه الذي نزل نهر الأردن وصعد منه كقول الكتاب: "فلما اعتمد يسوع صعد للوقت من الماءِ" (مت 3: 16)، وقد مارست الكنيسة في الشرق والغرب العماد بالتغطيس، وقد بقيت الكنيسة الشرقية هكذا، أما الغربية فحتى أيام الأب توما الأكويني كانت تمارسه بالتغطيس. لقد دُعيت المعمودية "صبغة" لأن الكلمة اليونانية "Baptizen" تعني صبغة، والصبغ يتم بتغطيس الشيء تمامًا في مادة الصبغ. هذا والمعمودية في الحقيقة هي "تجديد"، يتم بالتعري الكامل عن الإنسان القديم وأعماله، لهذا تمارس المعمودية بالتغطيس حيث يتعرى الإنسان لكي يلبس الإنسان الجديد: [تصبحون عراة مثل آدم في الفردوس، مع الفرق أن آدم أخطأ، أما في المعمودية فيتعرى الإنسان لكي يتحرر من الخطيئة. آدم فقد مجده، أما من يأتي إلى المعمودية فيخلع الإنسان العتيق بسهوله كما يخلع ملابسه[477].] بالتغطيس يُغمر الإنسان بالمياه من كل جانب، هكذا يحيط الروح بنفسه من كل جانب بطريقة فائقة!
والتغطيس أيضًا ضروري، لأن المعمودية هي دفن مع السيد المسيح (رو 6: 4، كو 2: 12).
ولا تزال المعموديات القديمة في الشرق والغرب تشهد عن العماد بالتغطيس، إذ كانت متسعة، بعضها توجد به سلالم ناحية الشرق والغرب حيث ينزل طالب العماد على إحداها ومتمم السرّ على الأخرى ليضع يده على رأسه أثناء العماد بالتغطيس. والتغطيس ثلاث مرات إنما إعلان عن العماد باسم الثالوث القدوس، كما تشير إلى الدفن مع السيد المسيح ثلاثة أيام ليحمل المعمد قوة القيامة مع السيد المسيح (كو 2: 12).
يقول القديس جيروم: [إننا نغطس ثلاث مرات، لكن سرّ الثالوث واحد، لأننا لا نعتمد بأسماء ثلاثة آلهة بل باسم الإله الواحد، ورغم أننا نغطس ثلاث مرات تحت الماء إلا أننا نؤمن بمعمودية واحدة[478].]
33. هل نمارس عادة غسل القدمين أثناء العماد؟
يروي لنا القديس أمبروسيوس عن عادة كانت متبعة في ميلانو دون غيرها، وهي أن الأسقف أو الكاهن الذي يقوم بالعماد يتمنطق بعد أن يتمم العماد ويغسل قدميْ المُعمد[479]. وهي عادة غريبة لأن المعمد قد خرج من الجرن طاهرًا ولا حاجة له إلى غسل قدميه في ذلك الوقت. ربما يريد الكاهن أن يُعلن للمعمَّد أن الكنيسة تبقى تغسل قدميه خلال وجوده في العالم حتى بعد نواله المعمودية المقدسة.
34. هل يُدهن المُعمد حديثًا بزيت الميرون المقدس؟
ذكر القديس كيرلس الأورشليمي مقالاً كاملاً بخصوص "المسحة[480]" بزيت الميرون، يتم بعد العماد مباشرة كعمل سرّي مقدس. إننا نُدعى مسيحيين لأننا ندهن بمسحة الله[481]. يقول الشهيد كبريانوس: [ينبغي على من اعتمد أن يُمسح لكي يصير بواسطة المسحة ممسوحًا لله ويأخذ نعمة المسيح[482].]
يدهن الكاهن كل أعضاء الجسم إعلانًا عن تقديس كل الجسد والنفس بسكنى الروح القدس داخلنا، وذلك بعد أن يصلي قائلاً: ["أيها القادر وحده، صانع جميع العجائب، الذي لا يعسر عليك شيء، لكن إرادتك وقوتك فاعلة في كل شيء. أنعم بالروح القدس عند نضح الميرون المقدس. ليكن خاتمًا محييًا، وثباتًا لعبيدك، بابنك الوحيد يسوع المسيح ربنا، هذا الذي من قبله يليق بك المجد"... وبعد أن يرشم 36 رشمًا من أعلى الرأس حتى أخمص القدمين، يضع الكاهن يده عليه ويقول: "تكون مباركًا ببركة السمائيين، وبركة الملائكة. يباركك الرب يسوع المسيح، وباسمه". ثم ينفخ في وجه وهو يقول: "اقبل الروح القدس، وكن إناء طاهرًا من قبل ربنا يسوع المسيح ربنا، هذا الذي له المجد مع أبيه الصالح والروح القدس". هنا نلاحظ في الطقس القبطي تستخدم المسحة بالميرون المقدس مع وضع اليد للبركة والنفخة في وجه المُعمد.
35. لماذا يرتدي المُعمدون حديثًا الثياب البيضاء؟
دعا القديس كيرلس الأورشليمي جرن المعمودية "حجال العريس الداخلي"، في داخلها يناجي السيد المسيح النفس البشرية. لقد خطبها لنفسه عروسًا بعد أن غسلها وألبسها وزيَّنها بجماله فتصير ملكة، تحمل بهاء الملك في داخلها. لهذا إذ تخرج من المياه تلبس الثياب البيضاء البهية، التي هي الحلة الأولى التي قدمها الأب لابنه الراجع إليه (لو 15: 22)، لا بمعنى أنه توجد حلة ثانية وثالثة، لكنها دُعيت بالحلة الأولى من أجل بهائها وجمالها ومقامها وقيمتها، إذ هي لباس العُرس الأبدي، بدونها يُطرد المدعوون فلا يتمتعون بشركة عرس ابن الملك (مت 22: 13).
يشير الثوب الأبيض إلى انعكاسات إشراقات المجد الإلهي على الإنسان، إذ في تجلي الرب "صارت ثيابه بيضاء كالنور"، وفي السماء يلبس الأربعة وعشرون قسيسًا غير المتجسدين ثيابًا بيضاء (رؤ 4: 4)، وهكذا جموع الغالبين متسربلون بالثياب البيض (رؤ 7: 13)، كما أعطى للشهداء ثيابًا بيضاء (رؤ 6: 11)، وقد أشار الرب إلى ملاك كنيسة اللاودكيين أي أسقفها أن يتوب ويشتري لنفسه ثيابًا بيضاء (رؤ 3: 18). اللون الأبيض هو لون الحق الطبيعي كما يقول القديس إكليمنضس[483]، يشير إلى الحق كما إلى الطهارة والنقاوة والغلبة والنصرة[484]. يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [ترقص الملائكة حولكم، قائلة: مَن هذه الطالعة (بيضاء) مستندة على حبيبها؟! (نش 8: 5)[485].] في الطقس القبطي يبدأ الكاهن يُلبس المُعمد ثوبه ويقول: "لباس الحياة الأبدية غير الفاسد. آمين".
36. ما هو طقس لبس الأكاليل والزنار؟
أُهمل هذا الطقس حاليًا، لكنه لازال مطبوعًا في الكتب الحديثة الخاصة بطقس العماد. ولم يبق سوى شد وسط المُعمد بزنار. يقوم الكاهن بالصلاة على الأكاليل قبل أن يتوج بها رأس المُعمد، قائلاً:
"أيها الرب ضابط الكل أبو ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح، الذي كلل رسله القديسين الأطهار وأنبياءه وشهداءه الذين أرضوه بأكاليل غير مضمحلة، أنت الآن أيضًا بارك هذه الأكاليل التي هيأناها لنلبسها لعبيدك الذي اتحدوا بالعماد المقدس، لكي تكون لهم أكاليل مجد وكرامة. آمين. أكاليل بركة ومجد. آمين. أكاليل فضيلة وبرّ. آمين. أكاليل حكمة وفهم. آمين. قوهم لكي يكملوا وصاياك وأوامرك ويفوزوا بخيرات ملكوت السماوات بالمسيح يسوع ربنا، هذا الذي من قبله المجد..."
وإذ يضع الكاهن الأكاليل على رأس المُعمد بعد أن يشد وسطه بالزنار يقول: ضع أيها السيد الرب الإله على عبيدك أكاليل من السماء. آمين. أكاليل مجد. آمين. أكاليل إيمان غير مغلوب ولا مقاوم. آمين. أكاليل ثبات. آمين. أكاليل عدل. آمين. امنح عبيدك ليكونوا مملوئين من نعمة روحك القدوس، بالرأفات ومحبة البشر اللواتي لابنك الوحيد يسوع المسيح..."
هنا نتوقف قليلاً لنرى الطقس يقترب تمامًا من طقس سرّ الزواج، كما يًشد وسط العريس بزنار هكذا أيضًا من نال المعمودية، وكما يكلل العروسان يكلل الذين ينالون هذا السرّ وبصلوات على الأكاليل تكاد تكون واحدة. وكأن الكنيسة ترى في سرّيْ العماد والميرون دخول إلى العرس السماوي، فيُشد وسط العريس بالزنار علامة اتحاده الخفي بالعريس وبالكنيسة كعضو حيّ فيها، ويُتوج بالإكليل مع عروسه لأنهما قد صارا عروس الملك الحقيقي!
إن الإكليل الذي يقدمه لنا الله هو روحه القدوس الناري الذي يهبنا الشركة مع عريسنا، ويقدم لنا سرّ الغلبة والنصرة ضد الخطية، أي يقدم لنا إكليل الحياة الزوجية الروحية وإكليل النصرة. يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [لقد اشترك (التلاميذ) لا في النار التي للاحتراق، بل النار المخلصة، النار التي تحرق الخطيئة وتهب النفس أمانًا. هذه تحل عليكم الآن وتنزع عنكم خطاياكم، وتحرقها كالشوك فتضيء نفوسكم الثمينة وتنالون نعمة... لقد استقرت على الرسل مثل ألسنة نارية لتتوجهم بأكاليل روحية جديدة فوق رؤوسهم (أع 2: 3)[486].]
37. ما هي وصية الإشبين؟
إذ تمتع المُعمد بالعضوية في جسد السيد المسيح الأقدس صار ابنا لله والكنيسة، هيكلاً مقدسًا للروح القدس، له حق الشركة في العبادة الكنسية. لهذا تسلمه الكنيسة، إن كان طفلاً، في يديْ الإشبين أو الإشبينة ليلتزم أو تلتزم بتقديم اللبن الإيماني غير الغاش، وتوصيه الكنيسة بذلك.
38. ماذا يعني إقامة موكب يزف المعَمدين حديثًا وهم يحملون شموعًا منيرة؟
يشير هذا الموكب إلى الفرح الروحي بالنُصرة على إبليس وقواته، مع الاحتفال بالاستنارة الروحية. كان هذا الموكب له بهجته في القرون الأولى حيث ينال القادمين إلى الإيمان ويعتمدون في ليلة عيد القيامة. يا لها من فرحة الشعب كله! يرون بأعينهم كنيسة المسيح التي لا تشيخ، بل ككرمةٍ مخصبة دائمة الأثمار. يرون الثياب البيضاء، فيذكر كل منهم ثوبه المقدس الذي تسلمه يوم عماده، عربونًا للثوب السماوي. وإذ يتطلعون إلى الشموع أو المشاعل ترتفع أنظارهم إلى النور الحقيقي، متذكرين أنهم أبناء نور لا تليق بهم أعمال الظلمة.
لقد وصف لنا الآباء كيف كان الليل يختفي بظلامه أمام كثرة المشاعل والشموع حتى متى أشرقت شمس النهار لا يميز من بداخل الكنيسة الليل من النهار، إذ تكون الكنيسة أشبه بسماء منيرة.
يقول القديس كيرلس الأورشليمي[487] إن السماء ذاتها تتهلل، ويردد الملائكة القول: "طوبى للذي غُفِر إثمهُ وسًتِرَت خطيتهُ" (مز 32: 1). وفي طقس الكنيسة ينشد الشعب: "مستحق (أكسيوس)، مستحق، مستحق". ثم يدخل الكل إلى صفوف المؤمنين، فتمتلئ الكنيسة بهم، ويشترك الكل في فرحتهم بقيامة السيد المسيح التي وهبت البشرية قوة القيامة.
39. ماذا عن عادة أكل المعمدين حديثًا خليطًا من اللبن والعسل؟
بعد الخروج من الماء لم يذكر القديس كيرلس الأورشليمي شيئًا عما ذكره بنجهام[488] عن ممارسة المعمَّدين الجدد قبلة السلام وأكلهم خليطًا من اللبن والعسل. لقد ذكر ترتليان[489] عادة أكل اللبن المخلوط بالعسل. ولعل أكلهم اللبن يحمل رمزًا للبن التعليم النقي غير الفاسد الذي تقدمه الكنيسة لأولادها خلال إيمانها وطقوسها وعباداتها غذاء لنفوسهم. والعسل يشير إلى وصايا المسيح العذبة في فم أولاده، فهي أحلى من العسل وقطر الشهد.
40. ما هي صلاة حل الزنار؟
في الطقس القبطي غالبًا ما يقوم الكاهن بنفسه بمساعدة المُعمد في ارتداء الثوب الأبيض، كما يربط زنارًا حول صدره، ويضع على رأسه إكليلاً[490]. الثوب الأبيض يشير إلى الطبيعة الجديدة التي وُهبت له تحمل نقاوة ملائكية، والزنار يشير إلى ارتباط المعمد بالكنيسة كعضوٍ حيٍّ فيها، والإكليل علامة الغلبة والنصرة على الشيطان والتمتع بالأمجاد الإلهية.
وفي طقس الكنيسة الأولى، إذ يتناول المعمدون حديثًا، غالبًا في عيد الفصح المجيد، يبقون إلى اليوم الثامن في محيط الكنيسة بملابسهم البيضاء، وكأنه أسبوع الفرح بميلادهم الروحي الجديد، يسمى "أسبوع الثياب البيضاء".
هذا الطقس لم يتوقف في الكنيسة القبطية في بعض بلاد الصعيد، وإن كان قد أُهمل تمامًا في البلاد الكبرى خاصة في الوجه البحري. وقد احتفظت المخطوطات القديمة وكتب الطقس الحديثة بطقس يمارس في اليوم الثامن من العماد المقدس، حيث تصلي ليتورجية تسمى "حل الزنار". في هذه الليتورجية تقدم الكنيسة ذبيحة شكر لله الذي وهب المُعمد هذه النعمة العظيمة، وتطلب له ثباتًا ونموًا في النعم الإلهية. بعد الصلوات والتسابيح يستحم المعمد في المياه المُصلى عليها، وفيها يُغسل ثوبه الأبيض والزنار الذي كان مربوطًا به، ثم تلقى المياه في بحر أو نهر أو حقل طاهر.
اجتذبني هذا الطقس الجميل والبسيط في نفس الوقت، ورأيت أن أقدم مقارنة بينه وبين "طقس الحميم" في اليوم الثامن من ميلاد الطفل جسديًا، الذي وإن كنا نمارسه أحيانًا، لكن القراءات الواردة في الكتب الطقسية الحديثة تختلف عما وردت ببعض المخطوطات. وفي مقارنتي سأعتمد على مخطوط بدير القديس أنبا أنطونيوس (طقس 7)، نُسخ في 13 توت عام 1372ش (1655م) نقلاً عن مخطوط بمكتبة كنيسة العذراء حارة زويلة تاريخه سنة 1096ش (1379م).
أ. في اليوم الثامن من ميلاد الطفل جسديًا تقدم الكنيسة ليتورجية "حميم الطفل"، فيه تشكر الله من أجل المولود الجديد ويشترك الكاهن مع الوالدين في تسمية الطفل. وكأن الكنيسة تمارس أمومتها في حياة الإنسان منذ نعومة أظفاره حتى قبل نواله سرّ المعمودية، تشكر الله من أجل خلقته وتهتم حتى باختيار الاسم اللائق به. وفي اليوم الثامن من عماده تقدم ذبيحة شكر لله من أجل ميلاده الروحي، ومن أجل دخوله في العضوية الكنسية بكونه قد صار ابنًا لله وعضوًا في جسد السيد المسيح السري.
ب. في الطقس الأول يُقرأ البولس بعد صلاة الشكر دون الصلاة بمزمور التوبة (مز 50 "51")، أما في الطقس الثاني فيصلى هذا المزمور. ففي صلاة الحميم تقدم الكنيسة الليتورجية كذبيحة تسبيح وفرح بميلاده تنتظر دخوله إلى مياه المعمودية، أما في ليتورجية حل الزنار، فانه إذ دخل مياه المعمودية ونال الثوب الأبيض الداخلي يلتزم أن يحافظ على هذه النقاوة خلال أعمال التوبة غير المنقطعة.
ج. في ليتورجية الحميم تقرأ كلمات الرسول بولس عن ختان الجسد (في 1:3-9) الذي كان يتم في اليوم الثامن في العهد القديم، موضحًا إنه يليق بنا ألا نتكل على الجسد وبرّ الناموس بل على الإيمان بالمسيح يسوع برّنا الحقيقي. فإن كنا قد ولدنا حسب الجسد لكننا في حاجة إلى ولادة روحية جديدة لكي "نعبد الله بالروح ونفتخر في المسيح يسوع ولا نتكل على الجسد" (في 3: 3). أما في الطقس الثاني فتُقرأ كلمات الرسول عن تمتع الشعب بعبور البحر الأحمر تحت السحابة وتناولهم طعامًا واحدًا روحيًا وشرابًا من الصخرة التي هي المسيح (1 كو 10: 1-4). وكأن الكنيسة تعلن للمعمد أنه قد نال ما كان رجال العهد القديم يتمتعون بظلاله خلال الرموز. إنه لم يدخل البحر الأحمر، وإنما دخل المياه المقدسة الشافية، ولم يتحرر من عبودية فرعون، بل من سلطان إبليس، ولم يدخل تحت سحابة بل سكن الروح القدس فيه، ولم يأكل منًا، بل تمتع بالمسيح يسوع نفسه المن السماوي!
د. في الطقس الأول تطلب الكنيسة من الوالدين أن يسبحا الله على عطيته لهما ويقدما النذور الروحية والمحرقات والصلوات التي تسند طفلهما حتى ينمو في النعمة والقامة: "اذبح لله ذبيحة التسبيح، وأُوفِ للعلي نذورك. ادخل إلى بيتك بالمحرقات، واُقدم لك الصلوات التي نطقت بها شفتاي". وفي الطقس الثاني يطوبّ المزمور المُعمد من أجل عطية المغفرة التي نالها فيحافظ عليها: "طوباهم الذين غفرت لهم آثامهم، والذين سُترت خطاياهم. طوبى للرجل الذي لم يحسب له الرب خطيئة ولا وجد في فمه غش".
ه. في طقس الحميم يُقرأ فصل الإنجيل الخاص بختان السيد المسيح ودخوله الهيكل محمولاً على يديّ سمعان الشيخ، إذ انفتحت عيناه وأدرك الخلاص الذي قدمه الله لجميع الأمم (لو 2: 21-35). وكأن الكنيسة تؤكد للوالدين ضرورة ختان طفلهما روحيًا في المسيح يسوع، لكي يصير محمولاً على الأذرع الإلهية يتمتع بالسكنى في هيكل الرب، ويكون سرّ بركة للكثيرين. أما في طقس حل الزنار فيقرأ الإنجيل الخاص بمعمودية يوحنا (مت 3: 1-6) الذي هيّأ الطريق بالتوبة للرب، لكي يبقى المُعمد في حالة توبة مستمرة لكيلا يفقد ثمرة المعمودية.
و. في صلاة الحميم يطلب الكاهن من الله أن يبارك الطفل، وأن يهيئه للعماد المقدس:
[نسأل ونتضرع إلى صلاحك عن عبدك (فلان بن فلان). باركه بكل البركات السمائية، وبارك أيضًا ميلاده، وليطل عمره كنعمتك، حتى ينمو ويكثر ثلاثين وستين ومائة، وليفرح به أبواه ويسرا بميلاده مثل زكريا واليصابات اللذين وهبت لهما يوحنا النبي. وفي الزمن المحدَّد فليستحق حميم الميلاد الجديد لغفران خطاياه. أعده هيكلاً لروحك القدوس...]
أما في صلاة حّل الزنار فيشكر الله من أجل سرّ الاستنارة الذي ناله المُعمد، طالبًا أن يحفظه إلى الانقضاء في الإيمان المستقيم، ويؤهله للحياة الأبدية وملكوت السماوات بالمسيح يسوع ربنا:
[أيها السيد الرب إلهنا، مانح السلام والبركة... الذي باركنا وقدسنا وأضاء علينا بنور لاهوته، الذي جعل عبيده مستحقين أن ينالوا النور الذي من فوق، غير الموصوف، الذي لمسيحك يسوع مخلصنا. أنر عليهم بنور البركة، طهرهم، باركهم. جدّدهم بنعمتك من جهة المعمودية التي نالوها بقوة روحك القدوس المحيي... باركهم ببركتك، ثبتهم في إيمانك الأرثوذكسي إلى الانقضاء. ائت بهم إلى حد القامة والبلوغ. وليكونوا محروسين بين ملائكة صالحين إلى الانقضاء. املأهم من المعرفة ومن كل فهم... اجعلهم مستحقين الحياة الأبدية وملكوت السماوات بالمسيح يسوع ربنا..."
ز. في طقس الحميم يُرنم المزموران 148-149، ويشترك الطقسان في الصلاة الربانية وقراءة التحليل ورشم المياه ثم الترنم بالمزمور 150 والختام بالبركة بعد حميم الطفل أو المعمد.
41. لماذا لا تُعاد المعمودية؟
لأن المعمودية هي ميلاد جديد روحاني، فكما يُولد المرء جسديًا مرة واحدة، هكذا يكون ميلاده الروحي، وإن سقط في خطايا يمارس التوبة التي تُدعى ميلادًا جديدًا.
42. ما هو موقف الإنسان الذي يسقط في الخطايا باستهتار بعد عماده؟
يقول الرسول: "لأنه إذا كانوا بعد ما هربوا من نجاسات العالم بمعرفة الربّ والمخلّص يسوع المسيح يرتكبون أيضًا فيها فينغلبون، فقد صارت لهم الأواخر أشرّ من الأوائل" (٢ بط ٢: ٢٠). هذا لا يعني أنه لا خلاص لهم. لأن التوبة هي الطريق لإصلاح ما حلّ بنا ولو في النسمات الأخيرة.
43. ما هي معمودية الدم؟
يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [من لا ينال المعمودية لا يتمتع بالخلاص، اللهم إلا الشهداء الذين يتقبلون الملكوت حتى بدون ماء. لأنه عندما طُعن المخلص في جنبه لخلاص العالم بصليبه أفاض دمًا وماء، لكي يتعمد من هم في زمن السلم بالماء، ومن هم في وقت الاستشهاد بدمهم.
اعتاد الرب أن يدعو الاستشهاد عمادًا قائلاً: "أتستطيعان أن تشربا الكأس التي أشربها أنا، وأن تعتمدان (تصطبغان) بالمعمودية (الصبغة) التي اعتمد (أصطبغ) بها أنا؟! (مر 10: 38)[491].]
17. سرّ المسحة[492]
الميرون المقدس
1. ما هو عمل المسحة المقدّسة في حياة المؤمن؟
في سرّ العماد يتمتّع المؤمن بعمل الروح القدس في مياه المعموديّة، لينال الميلاد الجديد، ويحمل طبيعة الإنسان الجديد الذي على صورة خالقه. إنّه يولد كطفلٍ في حاجة إلى رعاية، الكنيسة، غير الغاش، لكنّه يبقى محتاجًا إلى النموّ والنضوج ليتهيّأ بالحق للعرس الأبدي، فتصير نفسه عروسًا تحمل مع كل يومٍ إشراقات بهاء عريسها، ملك الملوك. هذا ما تود كلمة الله وتعليقات آباء الكنيسة أن نختبره خلال ما يُدعى "سرّ المسحة".
يقول القديس مقاريوس الكبير: [إذ نتمم وصايا الرب بواسطة روحه، الذي وحده يعرف إرادة الله (1 كو 2: 11)، وإذ يكملنا الروح في نفسه (2 كو 12: 9)، وهو نفسه يكمل فينا (1 كو 13: 10، يو 14: 12) حينما نتطهر من كل نجاسات الخطيئة وعيبها، يأتي بنفوسنا إلى المسيح كعرائس جميلات طاهرات بلا دنس، فتستريح نفوسنا في الله في ملكوته ويستريح الله فينا إلى دهر الدهور[493].]
إلهنا الذي يود أن يقيم من شعبه مَلِكة سماويّة، تحمل أيقونة عريسها ملك الملوك يهبنا خبرة يوميّة لعمل الروح القدس الساكن فينا والذي نلناه في سرّ المسحة المقدّسة.
2. كيف مارس الرسل هذا السرّ؟
إذ كان الرسل يعمّدون يصلّون طالبين حلول الروح القدس على المعمّدين بوضع الأيدي عليهم (أع 8: 14-17؛ 19: 1-6). وكان الأساقفة أيضًا يضعون الأيادي على المؤمنين بعد عمادهم مباشرة لنوال عطيَّة الروح القدس.
وإذ تزايد عدد الراغبين في الانضمام إلى كنيسة المسيح، وأيضًا المولودين من عائلات مسيحيَّة صار الكاهن يقوم بمسح المعمّد حديثًا بزيت الميرون. وهي كلمة يونانيَّة وقبطيّة معناها "طيِب" أو "دهن". يُصنع هذا الطيب من عقاقير وأطياب كثيرة، يُقدَّس بكلمة الله والصلاة، ويقوم الأساقفة بإعداده.
يُمسح به المعمّد حديثًا على إشارة الصليب على ستّة وثلاثين عضوًا من أعضاء الجسم ليمتلئ كل كيانه بالروح القدس، ويصير مسيحًا للرب. غير أن هذه المسحة لم تبطل طقس وضع الأيادي بالنسبة للأساقفة. يُعرف سرّ الميرون أو المسحة Chrism في الغرب بسرّ التثبيت Confirmation. ومنذ بدء انطلاق الكنيسة عُرف باسم "ختم الروح"، يُوهب مع العماد.
إلى ماذا تشير المسحة على أعضاء الجسم؟ مسحة الجبهة تشير إلى تقديس الذهن، ومسحة الظهر إلى تقديس القلب والرغبات، ومسحة العينين والأذنين والشفتين إلى تقديس الحواس، مسحة اليدين والقدمين تشير إلى تقديس أعمال الإنسان المؤمن وتحركاته الخ.
3. ما هو دور كل من سرّ العماد وسرّ المسحة؟
نتمتّع في سرّ العماد بالميلاد الجديد وغفران الخطايا، وفي سرّ المسحة ننال الروح القدس ساكنًا فينا. ولمّا كان السرّان يتمّان غالبًا في وقتٍ واحدٍ، لهذا يتحدّث البعض عن سرّ العماد بمعنى واسع يضمّ معه سرّ المسحة.
وردت عبارة في كتابات العلامة أوريجينوس توضّح الاستخدام المحدّد والمتّسع معًا لكلمة "العماد". إذ يقول: [في أعمال الرسل يُعطى الروح القدس بوضع الأيادي في المعموديّة[494].]
هذا هو المعنى الواسع للعماد، حيث يضم السرين معًا. ويكمل بعد قليل: [كانت نعمة الروح القدس وإعلانه تُسلّم بوضع أيادي الرسل بعد العماد[495].] هنا المعنى المحدد للعماد. جاءت العبارتان تكمّلان بعضهما البعض، وتوضّح التمييز بين السرّين، مع ارتباطهما معًا.
يقول الأب ملشيادس Malchiades أسقف روما في القرن الرابع: [ينزل الروح القدس على مياه المعمودية فيعطي صحة في الجرن يهب كماله لكي يعطي براءة، وفي التثبيت يقدم ما هو أكثر، فينتج نعمة! في المعمودية تجددنا للحياة، أما بعد المعمودية فتقوَّينا للمعركة.
في المعمودية اغتسلنا، أما بعد المعمودية فصرنا أقوياء[496].] في القرن الثاني يقول العلامة ترتليان [توضع اليد علينا في البركة ويُستدعى الروح القدس... الذي يحل بإرادته من عند الآب على الأجساد التي تطهرت وتباركت[497].]
ويميز باسيوس Pacian أسقف Barcelona في القرن الرابع بين السرّين بقوله: [بالجرن تغسل الخطايا وبالميرون ينسكب علينا الروح القدس، هذان الأمران يتحققان بيد الأسقف وفمه، بهذا يولد الإنسان كله مرة أخرى ويصير جديدًا في المسيح[498].]
وأيضًا يميّز القديس أغسطينوس بين العماد والمسحة، الأول يدعوه "ميلادًا بالروح" والثاني "قوتًا بالروح". بالعماد يولد المؤمن بالروح، فيتقبّل غفران الخطايا. هذه الهبة الأولى تهيئ لعطايا أخرى للروح. إنّها تهب قبول الروح نفسه الذي به نتطهّر حيث نقبل العفو، ويسكن فينا لعمل البرّ ونموّه وكماله[499].
4. هل يتم العماد بدون عمل الروح القدس؟
يقول القديس كبريانوس: [لا يقدر الماء وحده أن يزيل الخطايا ويقدّس الإنسان، وإنّما فقط عندما يصاحبه الروح القدس... ليس من عماد حيث لا يوجد الروح القدس، فلا يمكن العماد بدون الروح.]
5. ماذا يعني وضع الأيادي والمسحة؟
وضع اليد علامة على نقل القوّة، ليس من شخصٍ إلى آخر، وإنّما من الله مصدر كل قوّة ونعمة إلى من تكرّس للعمل الإلهي. كما فعل موسى النبي، إذ أمره الرب أن يضع يديه على يشوع (عد 27: 18)، وكما فعل الرسل ليحلّ الروح القدس على المعمّدين (أع 8: 17-18) والذي دُعي بسرّ "ختم الروح" أو "سرّ التثبيت" أو "سرّ المسحة" موضوع حديثنا، وأيضًا في السيامات (أع 6: 6؛ 2 تي 1: 6؛ 1 تي 4: 14)، وفي طلب الحِلّ (1 تي 5: 22)، وفي مسحة المرضى (مر 16: 18)، واعتبر القدّيس بولس "تعليم المعموديّات ووضع الأيادي" من كلام بداءة المسيح (عب 6: 1-2)، أي ألف باء أو أحد الأساسيات في الحياة المسيحيّة.
استخدم الرسول بولس بخصوص مسحة الروح القدس في 2 كو 1: 21-22 أربع كلمات يونانيَّة: التثبيت والمسحة والختم وعربون الروح. يقول: "ولكن الذي يثبتنا معكم في المسيح، وقد مسحنا هو الله. الذي ختمنا أيضًا، وأعطى عربون الروح في قلوبنا".
يتحدّث العلامة ترتليان في القرن الثاني عن المسحة كعادة مستقرّة في أيّامه، وأنّها مرتبطة بالعماد، مع وضع الأيادي. إذ يقول: [بعد الخروج من مكان الغسل (أي من جرن المعموديّة بالتغطيس)، نُدهن بالكامل بالمسحة المغبوطة... تُجرى المسحة على الجسد، لكنّها تفيدنا روحيًا. بنفس الطريقة كما أن العماد في ذاته عمل مادي حيث فيه نغطس في الماء، لكن فاعليّته روحيّة، إذ نتحرّر من الخطايا. بعد هذا توضع اليد للبركة مستدعيًا وداعيًا الروح القدس (ليحلّ) خلال البركة[500].]
يقول القديس كبريانوس: [السامريّون الذين عمّدهم فيلبّس الشمّاس الذي أرسله الرسل، نالوا عماد الكنيسة القانوني، ولم يكن لائقًا أن يعمّدوا من جديد، وإنّما ما كان ينقصهم هو ما مارسه بطرس ويوحنا، أعني الصلاة التي قدّموها عنهم ووضع الأيدي، لكي يستدعوا الروح القدس وينسكب عليهم. والآن أيضًا يحدث هذا بيننا، الذين يعتمدون في الكنيسة ُيقدّمون لأساقفة الكنيسة وبالصلاة ووضع الأيادي يقبلون الروح القدس ويكملون بختم الرب[501].]
ويتحدّث القديس أغسطينوس عن وضع الأيادي والمسحة أيضًا في علاقتهما بعطيّة الروح القدس، كعطية من الله وليس من التلاميذ شخصيًا: [صلّى التلاميذ لكي يحلّ الروح القدس على الذين وضعوا عليهم أياديهم (أع 19: 6)؛ هم لم يعطوا الروح القدس[502].]
6. لماذا دُعيت المسحة ختم الله على النفس؟
كان الختم علامة عامة عن الملكية، فكان بعض المكرسين للآلهة الوثنية أحيانًا يسِمون أنفسهم بعلامة في جسدهم، تحمل اسم الإله الذي ينتمون إليه ويحتمون فيه. العماد بالروح هو العلامة غير المنظورة (الختم) لعدم الفساد في المسيح[503].
يقول القديس كبريانوس: ["ولا تحزنوا روح الله القدوس، الذي به خُتمتم ليوم الفداء" (أف 4: 30). "الذي فيه أيضًا أنتم إذ سمعتم كلمة الحق إنجيل خلاصكم، الذي فيه أيضًا إذ آمنتم، خُتمتم بروح الموعد القدوس. الذي هو عربون ميراثنا لفداء المقتنى لمدح مجده" (أف 1: 13-14). كما أن الرسولين بطرس ويوحنا بعد صلاة واحدة حلّ الروح القدس على سكّان السامرة بوضع الأيادي (أع 8: 14-17)، هكذا في الكنيسة أيضًا منذ ذلك الحين، ينال جميع المعمّدين الروح القدس، ويُختمون بختمه عند دعاء الكهنة ووضع أياديهم[504].]
كما يقول: [الذين يعتمدون في الكنيسة يتقدمون إلى مدبري الكنيسة (الأساقفة)، وبصلاتنا ووضع الأيدي يتقبلون الروح القدس ويتكملون بختم الرب[505].]
[انظروا كيف صرتم مشاركي اسم المسيح كهنوتيًا، وكيف أُعطى لكم ختم شركة الروح القدس[506].]
[كما أن الرسولين بطرس ويوحنا بعد صلاة واحدة حلّ الروح القدس على سكان السامرة بوضع الأيدي (أع 8: 14-17) هكذا في الكنيسة أيضًا منذ ذلك الحين ينال جميع المعمدين الروح القدس ويختمون بختمه عند دعاء الكهنة ووضع أياديهم.]
ويقول القدّيس مار أفرآم السرياني: [كما يطبع المالك على قطيعه علامة خاصة يتعرف بها عليه، خلالها تظهر أنها ملك له، هكذا يختم الروح القدس من له في المعمودية بواسطة مسحة الزيت المقدس التي يتقبلونها في العماد[507].] [قد ختمت جميع قواكم النفسيّة بختم الروح القدس... وقد وضع الملك عليكم رسالته، خاتمًا إيّاها بختم النار لكي لا يقرأها الغرباء ويحرّفوها[508].]
ويقول القديس ديديموس الضرير: [الروح القدس يهبنا بعلامته الخلاصية العودة إلى شبهنا الأول، لأن القطيع الذي لا يُميز بعلامة يكون غنيمة سهلة للذئاب، فلا يكون له عون الختم ولا يكون معروفًا كالقطيع الآخر من الراعي الصالح[509].]
يقول القديس أمبروسيوس: [يمسحك الله ويختمك المسيح. كيف ذلك لأنّك تُختم برسم صليبه وآلامه[510].] [قد قبلت الختم الروحي... حافظ على ما اقتبلت... فقد وسمك الله الآب بعلامة المسيح ربّنا وثبّتك وأعطاك الروح القدس[511].] [تذكروا أنكم قبلتم ختم الروح: "روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوة، روح المعرفة ومخافة الرب" (إش 11: 2).] [عندئذ يأتي الختم الروحي الذي سمعنا عنه في قراءات اليوم، لأنه بعد الجرن يتبقى قبول الكمال بحلول الروح القدس خلال استدعاء الكاهن[512].]
ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كما يُطبع الختم على الجند هكذا يُطبع الروح القدس على المؤمنين[513].]
ويقول القديس غريغوريوس النزينزي: [إن كنتم تحصنون أنفسكم بالختم فتُوسم نفوسكم وأجسادكم بالزيت (المسحة) والروح ماذا يمكن أن يحدث لكم؟! القطيع الموسوم بالعلامة لا يُسلب بمكرٍ بسهولة، أما القطيع الذي لا يحمل العلامة فهو غنيمة للصوص... يمكنكم أيضًا أن تموتوا في سلام. لا تخافوا من أن تحرموا من عون الله الذي يهبه لكم لأجل خلاصكم[514].]
7. ما هو ارتباط يد القدير باليد البشريَّة؟
فنّد القديس أغسطينوس بكل قوّة مقاومًا أيّة فكرة بأن الروح القدس يُوهب من رسول أو أسقف بذاته. يقول إن هذا الفكر غريب عن الكنيسة، فإن وضع اليد في المسحة كما الماء في المعموديّة وأيضًا وضع اليد في سيامة الكهنة هذه علامات خارجيّة تصحبها الصلوات لنوال مواهب الروح القدس من عند الله، وليس من إنسانٍ ما.
8. كيف يتمتع المؤمن بالنمو الروحي الدائم والنضوج؟
يقول القديس أغسطينوس: [يُطحن الموعوظون كالقمح خلال الصوم، ويعجنون بالماء في المعموديّة، ويتشكّلون كجسد المسيح، ويُخبزون بنار الروح القدس في الدهن بالمسحة.]
وجاء في صلوات الساعة الثالثة (الأجبيّة): [روحك القدّوس يا رب الذي أرسلته على تلاميذك القدّيسين ورسلك المكرّمين في الساعة الثالثة، هذا لا تنزعه منّا أيّها الصالح، لكن جدده في أحشائنا. قلبًا نقيًا أخلق فيّ يا الله، وروحًا مستقيمًا جدّده في أحشائي.]
ويقول القديس إيرينيؤس: الذين وضع (الرسل) أياديهم عليهم قبلوا الروح القدس الذي هو الطعام القوي للحياة (مقابل اللبن الذي قال القدّيس بولس أنّه أطعمهم به)[515].]
9. لماذا دُعي ها السرّ بالمسحة المقدسة؟
يقول القدّيس ثيؤفيلس الأنطاكي: [دُعي المسيحيّون بهذا الاسم، لأنّهم ممسوحون بزيت الله[516].]
ويقول القديس كبريانوس: [من اعتمد يلزم أن يُمسح أيضًا، لكي يصير بواسطة المسحة ممسوحًا لله ويأخذ نعمة المسيح[517].]
ويقول القديس أغسطينوس: [إن اسم المسيح من المسحة، فكل مسيحي يقبل المسحة، إنّما ذلك ليس للدلالة على أنّه صار شريكًا في الملكوت فقط، بل صار من المحاربين للشيطان.]
يقول القديس كيرلس الأورشليمي [بحق دُعيتم للمسيح، وعنكم قال الله: "لا تمسوا مسحائي، ولا تسيئوا إلى أنبيائي" (مز 15:105). جُعلتم مسحاء بقبولكم نموذج[518] الروح القدس. وكل الأشياء عُملت فيكم اقتداءً (بالمسيح) لأنكم صورة المسيح. هو اغتسل في نهر الأردن ونشر معرفة ألوهيته في الماء. وصعد من (النهر) وأضاء عليه الروح القدس في تمام وجوده وحلّ كذلك عليه. ولكم أنتم فشبه ذلك بعد أن صعدتم من الينابيع المقدسة صار لكم دهن شبه الذي مُسح به المسيح. وهذا هو الروح القدس الذي قال عنه المطوّب إشعياء في نبوته عن شخص الرب: "روح السيد الرب عليّ، لأن الرب مسحني" (إش 1:61). لأنه لم يُمسح المسيح من بشرٍ بزيتٍ أو دهنٍ ماديٍ، لكن الآب عيّنه من قبل ليكون مخلصًا للعالم أجمع، كما قال بطرس: "يسوع الذي من الناصرة، كيف مسحه الله بالروح القدس" (أع 38:10). صرخ داود النبي أيضًا قائلاً: "كرسيك يا الله إلى دهر الدهور، قضيب استقامة قضيب ملكك. أحببت البرّ وأبغضت الإثم من أجل ذلك مسحك الله إلهك بدهن الابتهاج أكثر من رفقائك" (مز 6:45، 7). وإذ صُلب المسيح ودفن وقام حقًا، أنتم في العماد حُسبتم جديرين أن تُصلبوا وتُدفنوا وتقوموا معه على مثاله: هكذا في الدهن أيضًا. وكما مُسح بزيتٍ مثاليٍ، زيت الابتهاج، لأنه منشئ الفرح الروحي، هكذا أنتم مُسحتم بدهن، إذ أصبحتم شركاء للمسيح وأتباعه...
لكن احذروا أيضًا لئلا تظنوه دهنًا بسيطًا، لأنه كما في خبز الإفخارستيا بعد حلول الروح القدس لا يصير خبزًا عاديًا بعد، بل جسد المسيح، هكذا هذا الدهن لا يكون دهنًا بسيطًا أو عاديًا بعد الصلاة، لكن هي موهبة المسيح بالنعمة وبحلول الروح القدس أصبح لائقًا لعمل طبيعته الإلهية...
وإذ يُرشم جسدك بالدهن المنظور تطهر نفسك بالروح القدس واهب الحياة.
ورُشمت على الجبهة كأنك تتخلص من العار الذي حمله الإنسان الأول معه في كل مكانٍ، وأنه بوجه مكشوف كما في مرآة ناظرين مجد الرب (2 كو 18:3). ثم على آذانك حتى تتقبل الآذان سريعًا سماع الأسرار الإلهية التي قال عنها إشعياء النبي: "أعطاني الرب أذنًا للسمع" (إش 50: 4). وقال سيدنا الرب يسوع المسيح: "من له أذنان للسمع فليسمع" (مت 15:11؛ مت 9:13، 43؛ مر 9:4، 23؛ لو 35:14). ثم على الأنف حيث تتقبل الدهن المقدس، فيمكنك أن تقول: "لأننا رائحة المسيح الذكية، لله في الذين يخلصون" (2 كو 15:2). بعد ذلك على صدرك، حيث "قد لبستم درع البرّ" (أف 14:6)، حتى تقدروا "أن تثبتوا ضد مكايد إبليس" (أف 11:6). لأن المسيح بعد عماده وحلول الروح القدس ذهب وغلب الشرير، هكذا أنتم أيضًا بعد العماد المقدس والمسحة السرية، إذ لبستم كل سلاح الروح القدس، لكي تقفوا ضد قوة الشرير وتقهروه قائلين: "أستطيع كل شيٍ في المسيح الذي يقويني" (في 13:4)[519].]
ويقول القديس أثناسيوس الرسولي: [نزول الروح عليه في الأردن إنّما كان نزولاً علينا نحن، بسبب لبسه جسدنا. وهذا لم يصر من أجل ترقي اللوغوس، بل من أجل تقديسنا من جديد، ولكي نشترك في محبته، ولكي يُقال لنا: "أما تعلمون أنكم هيكل الله، وروح الله يسكن فيكم؟" (1 كو 3: 16). فحينما اغتسل الرب في الأردن كإنسانٍ، كنّا نحن الذين نغتسل فيه وبواسطته. وحينما اقتبل الروح، كنّا نحن الذين صرنا مقتبلين للروح بواسطته. ولهذا السبب، فهو ليس كهارون أو داود أو الباقين، قد مُسح بالزيت هكذا، بل بطريقة مغايرة لجميع الذين هم شركاؤه، أي بزيت الابتهاج (مز 45: 7-8)، الذي فُسّر أنه يعني الروح، قائلاً: "كيف مسحه الله بالروح القدس" (أع 10: 38). متى قيلت عنه هذه الأشياء، إلا عندما صار في الجسد، واعتمد في الأردن، ونزل عليه الروح (مت 3: 16)؟ وحقًا يقول الرب لتلاميذه إن "الروح يأخذ مما لي" (يو 16: 14)، و"أنا أرسله" (يو 16: 7)، و"اقبلوا الروح القدس" (يو 20: 22). إلا أنه في الواقع هذا الذي يُعطي للآخرين ككلمة الآب وبهاءه، يُقال الآن أنه يتقدّس يسوع، وهذا من حيث أنه قد صار إنسانًا، والذي يتقدّس هو جسده ذاته[520].] [ما كان لنا أن نصير شركاء الروح القدس ولا أن نتقدس لو لم يكن اللوغوس المتجسد، الذي هو واهب الروح قد مسح نفسه بالروح لأجلنا، ولهذا فمن المؤكد أننا كنا نحن الذين قبلنا الروح القدس حينما قيل انه مُسح بالجسد. لأن جسده الخاص هو الذي تقدس أولاً، وإذ قيل عنه كإنسان، إن جسده قد نال هذا (الروح)، فلأجل هذا ننال نحن نعمة الروح آخذين إياها "من ملئه"[521].]
10. لماذا دُعيت المسحة المقدسة سرّ التثبيت؟
يقول الرسول بولس: "ولكن الذي يثبتنا معكم في المسيح، وقد مسحنا هو الله. الذي ختمنا أيضًا وأعطى عربون الروح في قلوبنا" (2 كو 1: 21-22). كما يقول القديس يوحنا الحبيب: "ومن يحفظ وصاياه يثبت فيه وهو فيه. وبهذا نعرف أنه يثبت فينا من الروح الذي أعطانا" (1 يو 3: 24). يقول القديس أمبروسيوس: [وَسمك الله الآب بعلامة المسيح ربّنا وثبّتك، وأعطاك الروح القدس عربون الخلاص كما يُعلّم الرسول[522].]
11. ما الفرق بين مسحة السيد المسيح ومسحة الميرون للمعمدين؟
استقر الروح على كلمة الله الذي تجسد لأجلنا بكونه واحدًا معه ومساوي له، فصار لنا الحق أن ينسكب فينا كمؤمنين كنعمة مجانية. يقول القديس أمبروسيوس: [(بالنسبة للسيد المسيح) استقر الروح عليه... بخصوصنا فإن سخاء المُعطي يعين بفيضٍ، أما بالنسبة له فيسكن فيه كمال الروح أبديًا. يسكب إذن حسبما يكفينا، وما يسكبه لا ينفصل ولا ينقسم، أما ما هو له فهو وحدة الكمال الذي به ينير بصيرة قلوبنا حسب قدرتنا على الاحتمال. أخيرًا نحن نتقبل حسب ما يتطلبه تّقدُم ذهننا، من أجل كمال نعمة الروح غير منظور، ولكنه يساهم فينا حسب إمكانية طبيعتنا[523].] كما يقول: [لداود الحق أن يصرخ، كإنسانٍ قد تجدد، "وسآتي إلى مذبح الله، إلى الله الذي يعطي فرحًا لشبابي" (مز 43: 4). كما قال قبلاً إنه شاخ وسط أعدائه... وهو يقول هنا إنه قد استعاد الشباب بعد طول شيخوخة وسقوط الإنسان. لأننا قد تجددنا بالتجديد الذي نلناه في المعمودية، وتجددنا خلال سكب الروح القدس، وسنتجدد أيضا بالقيامة، كما يقول في نصٍ آخر: "فيتجدد مثل النسر شبابك" (مز 103: 5) فاعلموا طريقة تجديدنا: "تنضح علَّي بزوفاك فأطهر، تغسلني فأبيَّض أكثر من الثلج" (مز 51: 9) وفي إشعياء: "إن كانت خطاياكم (حمراء) كالقرمز تبيض كالثلج" (إش 1: 18) ومن يتغير من الظلمة، ظلمة الخطية، إلى نور الفضيلة وإلى النعمة، إنما قد تجدد فعلاً. لهذا فإن ذاك الذي تلطخ قبلاً بالدنس الأحمق، يشرق الآن بسطوع أكثر بياضًا من الثلج[524].]
12. ما الفرق بين مسحة العهد القديم ومسحة العهد الجديد؟
جاء ذكر "المسحة" في الكتاب المقدّس لأول مرّة عندما رأى يعقوب في حلمٍ سلمًا منصوبًا على الأرض ورأسه يمس السماء، والرب واقف عليه وملائكة الله صاعدين ونازلين، قال: "ما أرهب هذا المكان، ما هذا إلاّ بيت الله! وهذا باب السماء!" ثم أخذ الحجر الذي وضعه تحت رأسه، وصبّ زيتًا على رأسه (تك 28: 12-18). جاءت المسحة تعلن تقديس الموضع وتكريسه ليكون "بيت إيل" أو "بيت الله". وأوصت الشريعة الموسويّة بمسح الملوك والكهنة وأماكن (الهيكل) والآنية المكرّسة لخدمة بيت الرب... غاية هذه المسحة أن الشخص أو الشيء يصير مُكرّسًا لله وحده. كان هذا كلّه عبر الأجيال رمزا يشير إلى مجيء المسيح الذي مسحه الآب بزيت البهجة (مز 45: 7) ليبشّر المساكين (إش 61: 1). فهو موضع سرور وبهجة الآب، لأنّه وهو الكلمة الإلهي والابن وحيد الجنس يتجسّد ليصالح البشريَّة كلّها مع الآب، فيبعث بالفرح السماوي على المساكين الذين حرموا من فيض بهجة الحياة السامية. مُسح السيد المسيح بزيت البهجة لكي نُمسح نحن فيه، بكوننا أعضاء جسده، فنُحسب مسحاء.
يقول القديس مار يعقوب السروجي: [جميع الصديقين صوَّروا المسحة وزيّنوها باستعلانهم. وصف كل واحدٍ منهم جمالها في الزمان الذي بلغه. وأتى موسى، ووضع المائدة في مسكن الزمان، وقدسها بدم الذبائح والزيت. بالزيت أعطى صموئيل المملكة لبني شعبه، وخدم إليشع أيضًا بالسرّ مسحة الملوك. أما المسيح فهو علة جميع الرتب المسيحية، وبه خُدمت جميع الأسرار النبوية... رسم سيد الغنم المسحة[525].]
13. ما دور كل من مسحة الكهنوت في العهد القديم ومسحة الميرون في العهد الجديد؟
أول ما عًرف عن مسحة الأشخاص في تاريخ الخلاص هو مسحة الكهنة، هرون وبنيه، (خر 29: 7). كان هرون كرئيس للكهنة في العهد القديم يلتزم أن يضع الصفيحة التي من ذهب نقي ونُقش عليها "قدس للرب" على جبهته دائمًا للرضا عن الشعب أمام الرب (خر 28: 36-38). كان رمزًا لرئيس الكهنة السماوي ربنا يسوع (رو 8: 34). في نفس الوقت لا يستطيع أن يدخل قدس الأقداس سوى مرة واحدة كل سنة بعد تقديم بائح عن نفسه وعن الشعب (لا 16: 34؛ عب 9: 7)، أما نحن إذ صرنا كهنة الرب في المسيح يسوع يهبنا برّضه كصفيحة على جباهنا وأذهاننا وحواسنا وكل طاقاتنا التي للجسد والنفس والروح، نقدم الصلوات والعبادة إذ لبسنا المسيح، هذا ما عبَّر عنه الكتاب، قائلاً: "من هو الذي يدين؟ المسيح هو الذي مات بل بالحري قام أيضًا الذي هو أيضًا عن يمين الله الذي أيضًا يشفع فينا" (رو 8: 34). "فمن ثم يقدر أن يخلص أيضًا إلى التمام الذين يتقدمون به إلى الله إذ هو حيّ في كل حين ليشفع فيهم" (عب 7: 25). وجعلنا ملوكًا وكهنة لله أبيه له المجد والسلطان إلى أبد الأبدين أمين (رؤ 1: 6). وجعلتنا لإلهنا ملوكا وكهنة فسنملك على الأرض (رؤ 5: 10). مبارك ومقدس من له نصيب في القيامة الأولى هؤلاء ليس للموت الثاني سلطان عليهم بل سيكونون كهنة لله والمسيح وسيملكون معه ألف سنة (رؤ 20: 6). وسنتحدث بمشيئة الله في شيء من الاستفاضة عن التمييز بين الكهنوت العام وسرّ الكهنوت في البند الخاص بسرّ الكهنوت.
14. ما هو عمل مسحة الميرون في المتمتع بسرّ العماد؟
أولاً: سكنى روح الله فيه. يقول الرسول: "أما تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم" (1 كو 3: 16).
ثانيًا: تدشين النفس والجسد وتكريسهما. يقول العلامة ترتليان: [يُغسل الجسد لكي تتطهّر النفس من الدنس (بالمعموديّة)؛ ويُمسح الجسد لكي تتكرّس النفس؛ يُرشم الجسد (بعلامة الصليب) لكي ما تُحفظ النفس؛ يُظلّل الجسد بوضع اليد لكي ما تستنير الروح، يتغذّى الجسد بجسد المسيح ودمّه، لكي ما تقتات النفس بالله. لا يمكن فصلهما (الجسد والنفس)... عندما يتّحدا معًا في أعمالهما[526].]
ويقول القديس كيرلس الأورشليمي: [يُعطى هذا الميرون للذين اعتمدوا حديثًا، وإذ يُمسح الجسد تتقدس النفس بالروح القدس[527].]
ويقول القديس أثناسيوس السكندري: [كذلك أيضًا بوضع أيدي الرسل كان الروح القدس يُعطى لمن وُلدوا ثانية... ومتى تمّ هذا إلا عندما جاء الرب، وجدّد كل الأشياء بالنعمة؟ فروحنا تجدّدت... يقول الله إن روحه هو الذي به تتجدّد أرواحنا[528].]
يقول القديس باسيليوس الكبير: [إنّنا خُتمنا بالروح القدس بواسطة الله. وكما نموت في المسيح لكي نولد من جديد، هكذا نُختم بالروح القدس لكي ننال بهاءه والصورة والنعمة التي هي بدون شك ختمنا الروحي. وبالرغم من أنّنا نُختم بشكل منظور على أجسامنا، إلا أنّنا نُختم روحيًا في قلوبنا بكل تأكيد، لكي يرسم الروح القدس فينا مثال الصورة السمائيّة[529].]
ثالثًا: تكريس النفس كعروس سماوية. العجيب في المزمور 45 حيث يتغنّى المرتّل بسرّ اتحاد السيّد المسيح بكنيسته أو زواجه بها، يرى الله الآب نفسه يقوم بالمسحة الإلهيَّة الفريدة غير المنظورة، فيقول: "مسحك الله إلهك بزيت (بدهن) الابتهاج" (مز 45: 7). وقد أخذت الكنيسة القبطيّة عن هذا المزمور المسياني الزيجي طقس دهن العروسين بالزيت أثناء سرّ الزيجة. لكي يدرك العروسين أن عرسهما إنما هو ظل للعرس السماوي.
رابعًا: التمتع بالإنارة العقليّة والحماية الإلهيَّة من إبليس وقوات الظلمة. "وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلمكم كل شيء، ويذكركم بكل ما قلته لكم" (يو 14: 26).
يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [إنّك تُحفظ بختمك (أي بالمسحة) من هجمات الشرّير الشرّيرة، هذا الذي بعمادك لم يعد له سلطان عليك. احفظوا هذه المسحة طاهرة، لأنّها تعلمكم كل شيء إذا لبثت فيكم كما سمعتم أقوال يوحنا الطوباوي (1 يو 2: 20، 27) الذي نطق بأقوالٍ حكيمة كثيرة في هذه المسحة، لأن الروح القدس حرز للجسد وخلاص للنفس[530].] ويقول: [الآن ينقش اسمك وتدعى للدخول إلى المعسكر (الروحي).] [يأتي كل واحدٍ منكم ويقدم نفسه أمام الله في حضرة جيوش الملائكة غير المحصية، فيضع الروح القدس علامة على نفوسكم. بهذا تُسجل أنفسكم في جيش الله العظيم[531].]
يقول القديس كبريانوس: [لقد أردت أن أحارب بشجاعة، واضعًا في ذهني السرّ sacramentum الذي لي، حاملاً سلاحّي التكريس والإيمان[532].] ويقول العلامة ترتليان: [لقد دعينا إلى جيش الله... عندما نجيب على كلمات السرّ Sacramentum [533].]
يقول القديس باسيليوس الكبير: [كيف يدافع عنك الملاك الحارس، كيف يحفظك من العدو، إن لم يكن قادرًا على رؤية ختم المسحة؟ ألا تعلم أن المُهلك عبر على بيوت المختومين بالدم في الأيّام الأولى لموسى المنقذ، وقتل أبكار البيوت التي لغير المختومين؟ الكنز غير المختوم يسرقه اللصوص بسهولة، والقطيع الذي لا يحمل علامة يُسرق بأمان.] ويقول القديس أمبروسيوس: [الروح القدس هو الذي يخلصنا من دنس الأمم! سامية هي هذه النعمة التي تغير غضب الوحوش إلى بساطة الروح[534].]
ويقول القديس أغسطينوس: [تمسك بما نلته، فإنه لن يتغير، إنه وسم ملكي![535]]
ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ليتنا لا ننزع عنا الختم الملوكي والعلامة الملوكية لئلا نُحسب مع غير المختومين، فلا نكون أصحاء، إنما يليق بنا أن نكون متأسسين بثبات على الأساس، فلا نُحمل إلى هنا وهناك.]
خامسًا: يهب تعزيات سماوية. "وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزيًا آخر، ليمكث معكم إلى الأبد" (يو 14: 16). يقول القديس مقاريوس الكبير: [فلنلتمس من الله أن يهب لنا أجنحة حمامة (مز 55: 6)، أي الروح القدس، لنطير إليه ونستريح، ولكي ينزع الريح الشرير ويقطعه من نفوسنا وأجسادنا، أي الخطيئة الساكنة في أعضاء نفوسنا وأجسادنا، لأنه هو وحده القادر على فعل ذلك[536].]
سادسًا: يشفع فينا. "وكذلك الروح أيضًا يعين ضعفاتنا، لأننا لسنا نعلم ما نصلي لأجله كما ينبغي، ولكن الروح نفسه يشفع فينا بأناتٍ لا ينطق بها. ولكن الذي يفحص القلوب يعلم ما هو اهتمام الروح لأنه بحسب مشيئة الله يشفع في القديسين" (رو 8: 26-27).
يعلق القديس أغسطينوس علي أنّات الروح القدس فينا، قائلاً: [لا يئن الروح القدس في ذاته مع نفسه في الثالوث القدوس، في جوهره الأبدي... إنما يئن فينا، أي يجعلنا نئن. فإنه ليس بالأمر الهين أن الروح القدس يجعلنا نئن، إذ يهبنا أن ندرك أننا غرباء نسلك في أرض غربتنا، ويعلمنا أن ننظر نحو وطننا، فنئن بشوق شديد[537].]
سابعًا: يعلن لنا الحق الإلهي. "روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله، لأنه لا يراه ولا يعرفه، وأما أنتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم ويكون فيكم" (يو 14: 17). يقول القديس أغسطينوس: ["أما أنتم فلكم مسحة من القدوس وتعلمون كل شيء" (1 يو 2: 20). هذه المسحة هي الروح القدس الذي فيكم، وهو الذي يكشف أسرار الله في القلب ويعلمنا ويذوقنا حلاوة العشرة معه، ويفتح أذهاننا فنتعلم كل شيء[538].]
سابعًا: حلول الثالوث القدّوس. يقول القديس أثناسيوس السكندري: [حينما يكون الروح فينا يكون الكلمة، الذي يمنح الروح، هو أيضًا فينا، وفي الكلمة يكون الآب نفسه[539].]
ثامنًا: يقدم مواهب روحية. "ولكن هذه كلها يعملها الروح الواحد بعينه قاسما لكل واحد بمفرده كما يشاء" (ا كو 12: 11). القديس غريغوريوس النيسي: [النفس التي لم تستنر ولا تجملت بنعمة الميلاد الجديد، لا أعرف إن كانت الملائكة تتقبلها بعد تركها الجسد! حقًا إنهم لا يستطيعون أن يتقبلوها مادامت لا تحمل الختم Asphragiston، ولا أية علامة خاصة بمالكها. حقًا إنها تصير محمولة في الهواء، وتتجول بغير راحة، دون أن يتطلع إليها أحد، إذ هي بلا مالك. إنها تطلب الراحة فلا تجدها؛ تصرخ باطلاً، وتندم بلا فائدة[540].]
وبقول القديس ديديموس السكندري: [لا يمكن لأحد أن يحصل على المواهب السماوية ما لم يتجدد بروح الله القدوس، ويدفع بختم قداسته، ولو كان كاملاً في حياة بلا عيبٍ في كل شيءٍ آخر[541].]
تاسعًا: للتبكيت على الخطية: "ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطية وعلى برِّ وعلى دينونة" (يو 16: 8). يقول: القديس يوحنا الذهبي الفم [يبكت "على خطية"؛ هذا يعني انه سيقطع كل أعذارهم، ويظهر أنهم عصوا عصيانًا فاحشًا[542].]
15. ماذا يعني "لا تُحْزِنُوا رُوحَ اللهِ الْقُدُّوسَ الَّذِي بِهِ خُتِمْتُمْ لِيَوْمِ الْفِدَاءِ؟
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إنه هو الذي يجعلنا قطيعًا ملوكيًا. هو الذي يفصلنا عن الأمور الماضية، ولا يسمح لنا أن نسقط في ما يعرضنا لغضب الله، فهل تحزنه؟
أنظر كيف أن كلماته مُحذرة، إذ يقول: "لأن من يرذل لا يرذل إنسانًا بل الله" (1 تس 4: 8)، ويقطع بذلك هنا: "لاَ تُحْزِنُوا رُوحَ اللهِ الْقُدُّوسَ، الَّذِي بِهِ خُتِمْتُمْ" (1 تس 4: 8). ليكن هذا الختم باقيًا على فمك؛ لا تحطم بصماته، فإن الفم الروحي لا ينطق بأمر كهذا.
لا تقل: "ماذا يعني إن نطقت بكلمة غير لائقة وشتمت إنسانًا، إنها كلا شيء!" إنه شر عظيم حتى وإن بدا لك كلا شيء... لك فم روحي، فلتفكر أية كلمات تنطق بها، وذلك حالما تتولد فيك...
أنت تدعو الله "أبًا"، فهل تهين أخاك في نفس الوقت؟!...
ليحفظ إله السلام ذهنك ولسانك ويحصنك بحصن منيع بمخافته، بربنا يسوع المسيح الذي له المجد مع الروح القدس إلى الأبد، آمين[543].]
ويقول القديس مقاريوس الكبير: [إذا جاء خادم إلى قصر الملك ليستخدم الأواني الموجودة هناك، يأخذ من الخيرات الخاصة بالملك، إذ لا يُحضر معه شيئًا، بل يخدم الملك بأواني الملك الخاصة.
هذا الخادم يحتاج هنا إلى حكمة كثيرة وبصيرة وتمييز، حتى لا يرتكب خطأ في الخدمة، كأن يحضر إلى المائدة الملوكية نوعًا من الأطباق غير الذي كان يجب أن يحضره.
وينبغي أن يرتب الأواني على المائدة بنظام من الأول إلى الآخر بالترتيب السليم، فإذا كان بسبب الجهل وعدم التمييز لا يخدم الملك بالنظام السليم وبترتيب، يفقد مكانه ومعيشته في القصر.
بنفس الطريقة فإن النفس التي تخدم الله بالنعمة والروح يلزمها أن تبصر كثيرًا ويكون لها معرفة لكي لا ترتكب خطأ في أواني الله، أي في خدمة الروح، بعدم حفظ إرادتها الخاصة في توافق مع النعمة[544].]
18. سرّ التوبة والاعتراف[545]
1. لماذا دُعي ربنا يسوع محب الخطاة والعشارين؟
تجسد كلمة الله ليُضمد النفوس التي جرحتها الخطية، يترفَّق بهم ويحنو عليهم، إذ هو الطبيب الحنون الذي فتح أبواب الفردوس أمام لصٍ حسبه البشر لا يستحق أن يعيش في العالم (لو 23: 43)، وقبل امرأة شريرة خرج كثيرون يحملون حجارة لرجمها (بو 8: 1-12). واستضاف نفسه عند رئيس للعشارين قاسي القلب محب للمال، رغم تذمُّر الجموع ضده (لو 19: 5)! يعرف كيف تذل الخطية الإنسان فيترفَّق بالخطاة، لا يُعاتِب ولا ينتهر إنسانًا مُنكسِر القلب. "لا يصيح، ولا يسمع أحد في الشوارع صوته. قصبة مرضوضة لا يقصف، وفتيلة مدخنة لا يطفئ" (مت 12: 19-20).
إنه يقف يقرع لعلنا نتحنَّن عليه، فنُعطِيه القلب الذي اشتراه بدمه، وإن لم نعطه، ما هو له، لا يُجبرنا بدخوله، بل يقف باكيًا كما وقف عند دخوله إلى أورشليم (لو 19: 41). في عذوبة يدعو النفس: " يا أختي، يا حبيبتي"، ثم يعود فيُشَجِّعها، فيكشف لها عن جمال داخلها المخفي عنها، قائلاً "يا كاملتي" (نش 5: 2). إنه يُشَجِّع نفوس المُنكسِرين بالرغم من نجاساتهم وشرهم.
بقدر ما كانت أحاديث الرب وأمثاله علنًا وخفية تدور حول الملكوت، كان أيضًا يؤكد ذلك الطريق: الحاجة إلى "التوبة"، فإنه لا معرفة للملكوت بغير "توبة". وبقدر رِقَّته نحو الخطاة التائبين ولطفه معهم، بدا قاسيا مع قساة القلوب غير الراغبين في التوبة. لقد ترفَّق بالخطاة والزناة واللصوص، لأنهم تاقوا أن يتوبوا، ووَبَّخ وانتهر الكتبة والفريسيين الذين أَصَرُّوا في عنادهم على عدم التوبة.
يليق بنا ألا نستهين بطول أناة الله، فنتهاون مع الخطية مُتَّكِلين على أن المُخَلِّص مُحِبٌ للبشر وغافر الخطايا. وكما يقول الرسول بولس: "أم تستهين بغنى لطفه وإمهاله وطول أناته غير عالم أن لطف الله إنما يقتادك إلى التوبة (رو 2: 4). يقول القديس باسيليوس الكبير: [من يُؤدَّب على خطاياه القديمة وينال المغفرة، فليُعِّد نفسه لغضبٍ أشد من الأول إن أخطأ ثانية... "ها أنت قد برئت، فلا تخطئ أيضًا، لئلا يكون لك أشر" (يو 5: 14)[546].]
2. ما هي الوصية التي قدمها السيد المسيح لتلاميذه عندما ظهر لهم بعد قيامته؟
قال لهم: "كما أرسلني الآب أرسلكم أنا" ولما قال هذا نفخ وقال لهم: "اقبلوا الروح القدس. من غفرتم خطاياه تُغفر له. ومن أمسكتم خطاياه أُمسكت" (يو ٢٠: ٢١-٢٣). لقد أعطاهم هذا السلطان لكي يعلن لهم أن العالم محتاج دومًا إلى التوبة والاعتراف. فلا يكف المؤمنون عن الاعتراف بإحسانات الربّ لهم ويعترفون أنهم خطاة يقدمون التوبة في كل صلاة ربانية، إذ يقولون: "واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن للمذنبين إلينا". بهذا يدعو السيد المسيح القائم من الأموات أن يترفقوا بالشعب فيترفق الربّ بهم.
3. ما هي أهم التزامات المؤمن التائب؟
أولاً: يشكر الله على بركاته وترفقه وعمله الخلاصي، فتكون له الدالة أن يطلب المغفرة.
ثانيًا: أن يعترف بأنه خاطي وعاجز عن التمتع بالحياة المقدسة بدون مراحم الله ونعمته المجانية.
ثالثًا: أن يترفق بالمخطئين إليه ويعفو عنهم فيفتح له المخلص طريق الخلاص.
رابعًا: انشغال المؤمن بالسماء وترقبه للعرس الأبدي وحبه لإخوته يرفع كل كيانه الداخلي كما بجناحي الروح القدس، فيتعرف على العريس السماوي الذي يُعَد له المجد الأبدي، كما يدرك حقيقة ضعفاته، ويتعرف على نعمة الله القادرة أن تُحَوِّل القلب من الفساد إلى عدم الفساد. بل وتُقيِم من القلب الترابي سماءً جديدة، ومن البشر شبه ملائكة.
التوبة لله والاعتراف أمامه في مخدعنا وفي حضرة الكاهن هما تغيير مسار للأعماق، كما للسلوك الخارجي. فيه نعترف بغنى حب الله الفائق فنقدم ذبيحة شكر، وفيه نعترف بضعفنا وشرّنا واثقين في عمله الخلاصي وإمكانياته أن يقيم من فسادنا حياة ملائكية مقبولة لدى الآب. هكذا نمارس غسلاً مستمرًا بروح الرجاء. "من غفرتم خطاياه تغفر له، ومن أمسكتم خطاياه أُمسِكِتْ" (يو 23:20).
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [التوبة هي الطريق الإنجيلي الذي تجتازه النفس عابرة إلى الملكوت.]؛ [عندما ترتكب خطية لا تنتظر حتى يتهمك إنسان آخر، إنما قبل أن تُتهم وتدخل في محاكمة، يليق بك أن تدين ما قد فعلته. عندئذ متى اتهمك آخر مؤخرًا، لا يكون الأمر خاص بالاعتراف، بل بإصلاح ما قدمته من اتهامٍ لنفسك... أخطأ بطرس خطية فاحشة بإنكاره للمسيح. لكنه أسرع وتذكر خطيته، وقبل أن يتهمه أحد أعلن عن خطأه وبكى بمرارة (مت 26: 69-75؛ مر 14: 66-72). بهذا غسل خطية جحوده[547].]
4. بأي خوفٍ ودموعٍ يلزم للنفس التي تعيش ببؤسٍ في خطايا كثيرة، وبأي رجاءٍ ونزعةٍ يلزمها أن تقترب من الرب؟
خلال أحداث تفجيرات الكنائس المتكررة في نهاية عصر الرئيس السابق حسني مبارك والسنوات التالية تأكد أدراكنا لمفهوم إنجيلنا وكتابات الآباء للتوبة أنها تدفع بالأكثر إلى جوٍ من السلام والفرح الحقيقي والشجاعة والرجاء وتحدي الموت، كما تبعث فينا شهوة خلاص كل البشرية، حتى الذين يضطهدون الكنيسة ويقاومون الإيمان. فالتوبة دعوة لخبرة عربون السماء والشركة مع محب كل البشر!
يفتتح القديس مار يعقوب السروجي ميمره عن "التوبة" بعبارات تكشف عن المفهوم الإنجيلي المفرح للتوبة، بكونها وإن صاحبتها الندامة والحزن على الضعف البشري، لكنها في حقيقتها هي لقاء عذب مع السيد المسيح نفسه وتمتع بإمكانياته العجيبة التي يقدمها للتائبين.
في هذه المقدمة، إذ يختبر القدِّيس حياة التوبة كرحلة تمتد العمر كله، يدعونا إلى الحديث الصريح مع المسيح، بكونه الباب العظيم المفتوح لكل البشرية، والطريق الذي يقودنا إلى أحضان الآب.
إنه يرى ابن الله المتجسد باسطًا يديه على الصليب ليحتضن التائب مع اللص اليمين، فيدخل به بكونه الباب (يو 10: 9)، ويسلك فيه بكونه الطريق (يو 14: 6)، وهو يرافقه في كل الطريق، يسير معه كما مع تلميذيّ عمواس، فيقول معهما: ألم يكن قلبنا ملتهبًا فينا، إذ كان يكلمنا في الطريق؟" (لو 24: 32).
يقول القديس مار يعقوب السروجي: [يا ابن الله افتح لي بحبك الباب العظيم؛ أنت هو الباب وطريق الحياة للسائرين فيك. أيها الصديق الصالح، معك أسير إلى الذي أرسلك؛ لأن الشرير بالتصاقه بالعالم صحبه كثيرون. بك أتقدم للحديث معك، يا معلم الحياة، لأن بدونك لا يستطيع إنسان أن ينظر أبيك[548].] طريق التوبة يرفع المؤمن عن طريق الإثم. مسيحنا يجتذبه إليه ويتحدث معه ويهبه حياته عاملة فيه، لكي بنعمته يرى جماله الإلهي الفائق. لا يخشى عدو الخير الذي يود أن يلتصق به كل أحدٍ، يخدع البشرية خلال محبة العالم الزائل.
يقول القدِّيس باسيليوس الكبير عن النفس: [يلزمها في المكان الأول أن تبغض طريق حياتها القديم الباعث على الأسى، وترتعد وتشمئز من مُجَرَّد ذكراه، إذ مكتوب: "أبغضت الإثم ومقته، أما شريعتك فأَحببتها" (مز 119: 163). ثانيا؛ تحسب التهديد بالدينونة الأبدية والعقاب مُعَلِّمًا للخوف، وتتعرَّف على زمن الدموع كزمن التوبة كما عَلَّمنا داود في المزمور السادس (مز 6: 7-9)، فتسلك هكذا في فيض الدموع، تغسل خطايانا خلال دم المسيح بعظمة مراحم الرب وكثرة حنوِّه، القائل: "إن كانت خطاياكم كالقرمز اجعلها تبيض كالثلج، وإن كانت كالدودي أجعلها بيضاء كالصوف" (إش 1: 18). وبعد أن تنال القوة والقدرة أن تسر الله، تقول: "عند المساء يبيت البكاء، وفي الصباح ترنُّم" (مز 30: 5) حوَّلت قرعات الصدر إلى فرح لي، حللت مُسحي، ومنطقتني فرحًا لكي يُرَنِّم لك مجدي (مز 30: 11-12). بهذا تقترب إلى الرب مُغنية بالمزامير، قائلة: "أعظمك يا رب، لأنك نشلتني، ولم تُشمِت بي أعدائي" (مز 30: 1)[549].]
5. من يشفي نفسي سواك أيها الطبيب فتخدمك؟
يطلب منّا مار يعقوب السروجي ألا نركز نظراتنا على جراحاتنا، بل على الطبيب الذي نزل إلينا من السماء، فندعوه أن ينزل إلى أعماق نفوسنا، ويفتقدها بنفسه. إنها مثل حماة بطرس سمعان المحمومة، تعجز عن أن تقوم من سريرها. تطلب النفس أن ينتهر حمى الخطية، فتتركها وتقوم تشهد له بروح الاستنارة والمعرفة (لو 4: 39). من يقدر أن يطرد أفكار الشر وينزع كل الأوجاع سواه. إنه يشتهي أن يشفي كل عليل مجّانًا بضمادة دمه!
يقول مار يعقوب السروجي: [يا ربي تسألك النفس المريضة أن تأتي إليها؛ ادخل وافتقدها، لتقوم وتخدمك كل يومٍ. حين شفيت حماة سمعان من مرضها، قامت لخدمتك؛ لأنها استندت على الصحة. لتصنع مع النفس المريضة مثل ما فعلت معها فتصّح بك؛ وتقوم على خدمة كلمتك باستنارة. أمسكت بيد تلك التي شفيتها من مرضها؛ بحبك امسك أفكار النفس، وأقمها من الأوجاع. أصابتني الخطايا مثل الأمراض لإنسانٍ عليلٍ؛ أيها الطبيب الذي أتى مجانًا، ضمائدك تتفاضل فيّ.]
6. من يٌقدِّس إرادتي الفاسدة؟
حقًا إن المؤمن يصارع بين الإرادتين، فهو في حاجة دائمة إلى نعمة المسيح حتى لا تميل إرادته إلى الشر! يشتاق أحيانًا إلى الإرادة الصالحة، لكنه في ضعف يمارس الخطأ، فتتغلب الإرادة الشريرة على الصالحة. ليقل المؤمن للرب: "بك يا سيدي انتصر، لأني أضعف من أن أنتصر بنفسي! عملك عجيب ومدهش!"
يعترف القديس مار يعقوب السروجي: [إني أشاء الصالحات، لكنني أميل إلى الشرور؛ وحيث أبغض الإثم، كل يوم أفعله. إرادتان تجاهدان فيّ، الواحدة مقابل الأخرى؛ وكل يوم إرادة الشرّ تغلب بنجاح. بك يا سيدي أغلب، لأني ضعيف جدًا أن أنال الغلبة؛ فإنه يكفي عملك المدهش ليغلب بنا.]
7. لقد قتلني الإثم، ودفنني في القبر، وأنتنت، فهل يقبل الله توبتي؟
يقول القدِّيس يوحنا الذهبي الفم إن عدو الخير يبذل كل الجهد لتظهر الخطية لذيذة وطريقها سهل، ومتى سقطنا وأردنا الرجوع إلى الله يُظهر طريق التوبة أنه صعب! يثير عدو الخير روح اليأس حتى لا نتلامس مع مسيحنا بكونه باب التوبة وطريقها ونهايتها! ليتنا لا نضطرب، فإننا وإن كنا عاجزين عن الدخول في المسيح، فهو يدخل فينا ويحملنا، إلى سماواته وملكوته! إن كان رب المجد قد أحيا لعازر الذي مات وأنتن، فهل يصعب عليه شفاء جراحاتنا؟
ما أروع ما صوّره القديس يعقوب السروجي عن الخاطي الذي يبدو ككسيحٍ أو مبتور الرجلين، فيهبه المسيح رجليه ليسير بهما. ويحمله على كتفيه ويسير به، حتى لا ينحرف يمينًا أو يسارًا! إنه يقول: [أيها الخاطي اهرب والتجئ إلى التوبة؛ ومن لا يدخل من ذاته هي تدخله... إن قتلك الإثم، وانغلق قبرك في وجهك، هو يقيمك ولو أنتنت مثل لعازر. لأن الذي يستطيع أن يحيي الموتى، أية جراحات يعسر عليه شفاؤها إلاَّ التي لم تطلبه... إن أخطأت لا يلومك، لأنه مملوء رحمة، إنه يلومك إذا لم تتب... إن تاب (الخاطي) يَصير أكثر جمالاً من الأبرار. لأن الراعي يحمله على كتفيه، ولا يحمل هؤلاء، ومن أجل ذلك يَصير جميلاً لأن نظره يختلط بالراعي.]
[خذ لك رجلَي الراعي أيها الخروف، وتعال إلى الحظيرة؛ لأن هذين اللذين لك كسرهما الإثم. من هو الذي يرفض هذا الحب من الهالكين؛ إلاَّ الذي يبغض نفسه ولا يذكرها... فإن لم يسند بالرجاء ذاك الذي سقط؛ كيف يقوم ويبلغ موضع الكمال؟]
8. ما هي فاعلية دموع التوبة في حياتنا؟
عمل الخطية الأول أن تفسد البصيرة الداخلية، فيفقد الإنسان رؤيته لله محب البشر، ولا يدرك الفساد الذي حلَّ به. بالحب تنهمر دموع التوبة فيفتح الرب بصيرة الإنسان، كما فتح السيد عيني المولود أعمى الذي اغتسل في بركة سلوام!(يو 9) بالدموع نرى الجمال الإلهي، ولا نطيق دنس الخطايا وفسادها. يقول القديس مار يعقوب السروجي: [تطالبني التوبة أن أقدِّم لها الدموع، لأنها محبوبة عندها جدًا. عندما تخدم النفس الخطايا تحطم حبها ولا تقدر أن تنظر، ولا أيضًا تبكي على فسادها... إن ُصوِّبت النفس نظرها إلى الله، تسرع الندامة وتفتح الأبواب المغلقة. وتنظر في الإثم الذي خدمته كيف أنه بغيض؛ وتبصر عيوبها التي لم تكن تنظرها عندما مارستها له.]
9. ما هي دالة دموع التوبة لدى الله؟
تشفع الدموع المتهللة المملوءة رجاءً ويقينًا أمام المخلص، فيسمع صوت النفس الخفي ويحول إرادتها الشريرة المحَّطمة إلى إرادة صالحة فعّالة. إن كانت الخطية تحطم الأفكار المقدسة وتطمرها كما في التراب، فدموع التوبة تشفع أمام واهب القيامة فيبعثها إلى الحياة، وتسترد النفس قوتها في الرب، وتختبر كلمات النبي: "ليقل الضعيف: بطل أنا!" (يؤ 3: 10) وتسترد جمالها الخفي، فتسمع صوت حبيبها يناجيها "كُلُّك جميل يا حبيبتي ليس فيك عيبة" (نش 4: 7).
يقول القديس مار يعقوب السروجي: [أيتها التوبة ... صوت حُرقتك يأتي بها إلى الله.... يرشقني الطاردون بسهام الإثم؛ وكمثل الحربة يُغرس الإثم فيَّ لأهتم به. حسن لك أيتها النفس أن تبكي من أجل هؤلاء، لأن أجرًا صالحًا يكون لإفراز دموعك.]
10. ما هي اللغة التي ينصت إليها الطبيب السماوي سوى دموع التوبة؟
الطبيب السماوي مُستعِد لشفاء جراحات النفس، وهو القدير والحكيم، أما لغة التفاهم معه فهي دموع الدموع القادرة أن تفجِّر ينابيع حبه الواهبة الغفران. ).
يقول القديس مار يعقوب السروجي: [ارفعي صوتك (أيتها الدموع) إلى الطبيب المملوء خيرات، لأنه هو القادر بالدواء أن يضمد جراحاتك. بضرورة الصوت يعلم الطبيب وجعكِ، وحسب الوجع يعطيك دواءً يعينك. مقابل الدموع تفيض المراحم من المتحنن؛ وحسب البكاء ينضح الحب من الغفران.]
11. لماذا تُدعى دموع التوبة معمودية ثانية؟
كثيرًا ما تحدث آباء الكنيسة عن عظمة المعمودية، فخشوا لئلا يتكل المؤمن على المعمودية ويشعر بعدم الحاجة إلى دموع التوبة لأنه صار ابنًا لله. لذلك أوضحوا أن دموع التوبة معمودية ثانية للتجديد اليومي المستمر لننسى ما هو وراء ونمتد إلى قدام (في 3: 13)، لعلنا نبلغ إلى قياس قامة ملء المسيح (أف 4: 13). هذه المعمودية العجيبة بالتالي:
أ. ينبوع مياهها البكاء، يصدر من أعماق المؤمن بعمل النعمة الإلهية.
ب. مياهها نقية تُنَظِّف الإثم باستحقاقات الدم الثمين، تقدمها الإرادة المقدسة.
ج. تُمارس كل يوٍم، خلال نعمة الله فتُصلح ما فسد ربوات المرات.
د. معمودية خفية، يشعر المؤمن التائب أن الأفعى عضته فيسرع بالتوبة إلى الطبيب القدير.
يقول مار يعقوب السروجي: [استحمي أيتها النفس الدنسة المتسخة بالشرور بهذه المياه النقية التي للبكاء واغتسلي... لا تُعطى لك معمودية ثانية؛ دموع الخاطي تقوم موضعها كل يومٍ. الإرادة الصالحة الموجودة تقدر كل يومٍ أن تقتل الإثم بالتوبة. عينا الخاطي هما كل يوم معمودية؛ وفي أي وقت يريد أن يفتحها ويَستحم ويطهر نفسه.
12. هل دموع التوبة هي تقدمة من لله؟
قبيل أحداث الصليب مباشرة عاتب السيد المسيح تلاميذه، قائلاً: "إلى الآن لم تطلبوا شيئًا باسمي. اطلبوا تأخذوا ليكون فرحكم كاملاً" (يو 16: 24)، ولم يحدد لهم ماذا يطلبون. فمن بين ما يليق بالمؤمن أن يطلب هي دموع التوبة. لا يبخل السيد المسيح على مؤمنيه بهذه العطية الثمينة.
ويرى مار يعقوب السروجي أن المؤمن يطلبها فينالها ليعود فيقدمها لمن وهبه إياها كأثمن تقدمة يعتز ربنا بها.
[لا يصعب على سيد الحب أن يعطي طالبيه؛ أعطه سببًا قليلاً، وخذ منه غِنى عظيمًا... أيها المذنب بالخطايا الدائمة والذنوب التي بلا حصر، كرِّس لله مياهًا قليلة، وهو يقبلها. هكذا يطلب من الأغنياء المذنبين: احضروا الدموع، وتعالوا خذوا جميع وثائق العفو عنكم... بكاء قليل هنا، هو رجاء للذي يخطئ، ففي الجحيم لا يجيبك أحد ولو طلبت بِوَلوَلةٍ... [سأل الغني نقطة ماءٍ صغيرة (لو 16: 24)... لم يأخذ الطلبة لأنه لم يستحقها؛ مع أنه لو سأل هنا بحرًا لأخذه بالسؤال؛ هناك تضرع من أجل نقطة ولم يعطوه.] قدَّمَت المرأة الزانية دموعها لخالق الأنهار والبحار فقبِلَ عطيتها كتقدمة ثمينة يعتز بها، مقدمًا المغفرة والتطهير، وخلَّد الرب ذكرى هذا الدموع كسّر إكليلها الأبدي. أما الغني الغبي الذي لم يقدم شيئًا، فطلب قطرة ماء يبل بها لسانه ولم تُعطَ له!
يقول مار يعقوب السروجي: [من هو ترى المرذول: الغني أم الزانية؟ فلأنها طرحت الدموع، تفاضل هنا ذكرها. أعطت المياه من حدقتيها بمحبةٍ لسيد جميع الأنهار؛ وأخذت التطهير به. ترى لو بكى ذلك الغني كمثل الزانية هنا؛ أما كان يأخذ بفيضٍ حين سأل؟ لو نصب عينيه هنا بالحب إلى لعازر؛ لتنعم بالخيرات التي في الملكوت.]
13. لماذا تخاف من مُحب الخطاة؟
يختم القديس ميمره عن التوبة بدعوة الخطاة للاكتفاء بمُحِب الخطاة، فإنه بقدر عدم قبوله للخطية يترفَّق بالخطاة ليحملهم على كتفيه، فلا يجسر الشر أن يقترب إليهم!
يقول مار يعقوب السروجي: [أنت أيها الخاطي طريقك سهلة إن تتب، وعندما تبلغ إليه لا يلتقيك بقسوة. للبار خوَّف، أما أنت فلا تخف عندما تتقدم إليه... إنه ترك الموجودين؛ وحملك أنت على كتفيه. مبارك هو الذي أتى، وبه دخل الخطاة، وبه تبرروا. له المجد من جميع خلائقه؛ إلى الأبد. آمين.]
14. هوذا الأيام تُسرع لتطردنا من العالم، فلماذا نؤجل التوبة؟
حياتنا في هذا العالم هي هِبَة من الله، حيث تُحسَب رحلة في رفقة الله، نُمارِس اليوم التوبة حتى نَعْبُر إلى المجد الأبدي. لا تؤجل توبة اليوم إلى الغد.
يقول مار يعقوب السروجي: [إذا ما دخلنا النهار يطرحنا الليل؛ يتركنا الليل ويعطينا النهار؛ ويخطفنا المساء من الصباح؛ ويرجع بنا الصباح إلى الليل. طريق مسرعة كي تلقينا للسفر؛ ولم تشأ إرادتنا أن ننتفع من ذلك، ولا تتفرس بإتقان لتسير قدام الطريق.]
ويقول القديس باسيليوس الكبير: [الحياة الحاضرة هي زمن التوبة وغفران الخطايا، وفي الحياة العتيدة يأتي زمن الدينونة العادلة[550].]
بعد الرحيل من هذه الحياة، لا توجد فرصة للأعمال الصالحة، حيث أن الله في طول أناته يمدنا بالحياة الحاضرة لممارسة الأشياء التي ترضيه[551].
15. كيف تعيننا الضيقات على ممارسة حياة التوبة؟
بينما كان رئيس الأساقفة باسيليوس يُعانِي من أمراض متوالية، كان يشعر بحاجته المستمرة لحياة التوبة. ففي عام 373م كتب إلى يوسابيوس أسقف ساموساطا: [إنها جلدات من الرب أن يزداد ألمي حسب استحقاقي. لهذا فإني أَتَقَبَّل مَرَضًا فوق مرضٍ، حتى إن نظر طفل إلى قوقعة (جسمي)، يشعر حتمًا بنهايتي، ما لم تتدخَّل رحمة الله، فتهبني بطول أناته زمنًا للتوبة. والآن كما كان يحدث كثيرًا قبلاً، يخلصني من شرورٍ تفوق الرعاية البشرية. هذا يحدث حسب مسرته لصالحي[552].]
16. هل من ضرورة للاعتراف أمام الله في مخادعنا، وأيضًا في حضور أب الاعتراف؟
غاية اعترافنا بخطايانا الالتقاء مع الله كطبيبٍ للنفوس. من لا يشعر بضعفاته وخطاياه لا يشعر باحتياجه للطبيب السماوي، وبالتالي لا يختبر حنوَّ الله. كثيرًا ما يظن الإنسان أنه يُحسَب إنسانًا تقيًّا، إذ لا يرتكب خطايا خطيرة مؤذية للآخرين. أما المؤمن الحقيقي فلا يُمَيِّز بين خطايا كبيرة وأخرى تافهة، لأن ما يشغله أن يكون أيقونة المسيح، سفيرًا للقدوس، ووكيلاً عن السماء التي بلا عيبٍ.
يقول القدِّيس باسيليوس الكبير: [من الضروري أن نعترف عن خطايانا للذين أُعطِي لهم تدبير أسرار الله. الذين أظهروا ندامة في القديم قدَّموها أمام القديسين. جاء في الإنجيل أنهم اعترفوا بخطاياهم ليوحنا المعمدان (مت 3: 6)، وفي سفر الأعمال اعترفوا للرسل الذين اعتمدوا بواسطتهم أيضًا (أع 19: 18)[553].]
كما يقول: [حين تنشغل بخطيةٍ ما، كن مُتَّهِمًا لنفسك، ولا تنتظر الآخرين أن يُقَدِّموا الاتهام. بهذا تصير أشبه بإنسانٍ بارٍ يتَّهِم نفسه في أول حديث له في المحكمة، أو تكون كأيوب الذي لم يَعُقه جمهور الشعب في المدينة عن الإعلان عن جريمته أمام الكل (أي 42: 1-6)[554].
17. لماذا يستخدم الله المحب للبشر التأديب؟
يكشف الله عن حُبِّه ورعايته لنا، ليس فقط حين يغفر، وإنما أيضًا حين يؤدِّب. فبتأديبه الأبوي ينقلنا من الطفولة المُدلّلة إلى النضوج. وبدون التأديب قد لا نشعر بخطورة الخطية، ولا نجاهد لأجل التمتُّع بالحياة المقدسة، فنفقد الغرض للتمتُّع بالنصرة ونوال الإكليل السماوي.
يقول القدِّيس باسيليوس الكبير: [يلزمنا أن نتعلَّم أنه بسبب بُعْدنا عن الرب، وعدم مبالاتنا بطُرقِه، سَبَّب الله لنا تلك الجراحات. إنه لا يطلب هلاكنا، بل بالحري يسعى أن يَرُدَّنا إلى الطريق السليم، وذلك كما يهتم الوالدان الصالحان بأطفالهما بحزمٍ، ينتهرانهم عندما يمارسون خطأ ما، لا لأنهما يطلبان أَذيَّتهم، بل بالحري يرغبان في قيادتهم من الإهمال الطفولي وخطايا الصِبَا لبلوغ اليقظة الناضجة[555].]
كما يقول: [إلى متى لا نطيع المسيح، الذي يدعونا إلى ملكوته السماوي؟... هذا هو وقت التوبة، وذاك هو وقت المكافأة. هذا وقت التعب والمَشقَّة، وذاك وقت نوال الأجرة. هذا وقت الصبر، وذاك وقت الراحة[556].]
18. كيف نقاوم الخطية بالعمل الإيجابي للتوبة؟
يميل القديس باسيليوس إلى الاهتمام بالأكثر بالعمل الإيجابي، وإن كان لا يتجاهل الحرص والاهتمام بالجوانب السلبية. يبرز العمل الإيجابي في مقاومة الخطايا بالآتي:
أ. عِوَض مقاومة الخطايا بمُجَرَّد محاولة الامتناع عنها، يبدأ المؤمن بطلب نعمة الله لاستبدال الطاقات التي تحوَّلت إلى آلات للشر كي تصير آلات بنَّاءة لحساب ملكوت الله. فمن يستخدم فكره أو لسانه في التجديف، يستخدمهما في الشكر والتسبيح لله. هكذا يجد في معالجته لأخطائه وضعفاته فرصة ليقتني نعمة الله للعمل لحساب ملكوت الله. والذي اعتاد على السرقة يُقَدِّم خيرات للمحتاجين والمتألمين، حاسبًا أن كل إمكانياته هبة من الله قَدَّمها له لحساب إخوته في البشرية.
يقول القديس باسيليوس الكبير: [الذي أخطأ في جسده يلتزم باستعمال الجسد في (الفضيلة المضادة). إنك جدَّفت، فعليك أن تُسَبِّح الله بفمك. إنك سرقت، فعليك أن تُعوِّض بعمل الخير. إنك شربت المُسكِر، فعليك أن تصوم. إنك تكبَّرت، فعليك أن تتواضع. إنك حسدت الغير، فعليك أن تُصَلِّي من أجل من حسدتَه. إنك ربَّما قتلت، فعليك أن تتحمَّل ألم الاستشهاد، وأن تُرهِقَ جسدك بالإماتة[557].]
ب. لا يُفسِد المؤمن وقته في انشغاله بماضيه أو هيامه في تصورُّات خيالية عن المستقبل، إنما يحيا حاضره في خبرة عربون الأبدية.
يقول القديس باسيليوس الكبير: [بالحق كل الحياة البشريَّة تقوم هكذا، لا تقتنع بما قد عبر، ولا تقتات على الماضي كما على المستقبل. إذ كيف يكون الإنسان في حال أفضل لو أن مِعْدَته كانت ممتلئة بالأمس بينما لا يجد اليوم ما يُشبِع جوعه كما يليق؟ بنفس الطريقة، فإن النفس لا تربح شيئًا بفضيلة الأمس ما لم يتبعها سلوك لائق اليوم[558].
ج. اهتمامه بالعمل الجماعي والعبادة الجماعية البنَّاءة.
يقول القديس باسيليوس الكبير: [إذ يبدأ اليوم في بزوغ الفجر ليجتمع الكل كما بفمٍ واحدٍ وقلبٍ واحدٍ، ويرفعون للرب مزمور الاعتراف (مز 50)، فيحسب كل واحدٍ منكم أن كلماته لتوبته هو[559].]
19. هل من خطوات عملية تسندنا في التمتع بحياة التوبة؟
أولاً: الالتجاء إلى الأطفال كي يصرخوا معنا إلى الله. ما أروع أن يشترك أطفالنا حين نُقَدِّم توبة جماعية كما فعل أهل نينوى.
يقول القديس باسيليوس الكبير: [آه، يا لانسجام التوبة! يا له من حزنٍ حكيمٍ وقويٍ!... أخذوا الأطفال الرُضَّع من أذرع أمهاتهم. وُضِع الأمهات في موضعٍ، والأطفال في موضعٍ آخر، يدعون بعضهم البعض، ويجيبون بأصواتٍ حزينة. يطلب الرُضَّع الجائعون مصدر لبنهم، بينما تُنخَس الأمهات بغريزة الأمومة، يصرخن نحو أطفالهن بأصوات مغمومة. يصرخ الرُضَّع الجائعون، فقد أمسكت بهم صرخات استغاثة مُرَّة، أما قلوب الأمهات، فكانت مُعَذَّبة بآلام العاطفة الطبيعية. لهذا فإن الكلمة المُوحى بها حفظت توبتهم نموذجًا جامعيًا عن كيفية الحياة. حزن الشيوخ بسبب التأديب الذي هُدِّدوا به، كانوا في مرارة، وهم في شيبتهم. وينوح الصبيان والصغار بأكثر حرقةٍ. يتنهَّد الفقراء، بينما نسي الأغنياء راحتهم، وارتدوا المسوح التي تليق بالحزانى. ترك ملك نينوى مجدَه وسموَّه مُتَّجِهًا نحو الخزي. ترك تاجه، ووضع ترابًا على رأسه، ونزع الثوب الملوكي واِلْتَحَفَ بالمسوح. ترك مجده العالي المجيد، وزحف على الأرض في مسكنةٍ. ترك الترف الخاص به كملكٍ، لكي يحزن مع الشعب. صار واحدًا منهم عندما رأى غضب سيد الكل (يونان 3: 6-10)[560].]
ثانيًا: الاقتداء بالطوباوي داود، الذي سكب الدموع على سريره (مز 6: 6).
ثالثًا: مساندة التوبة بالصوم. يقول القدِّيس باسيليوس الكبير: [لو مارست حواء الصوم، وتجنَّبت الأكل من ثمر هذه الشجرة، ما كُنَّا في حاجة إلى هذا الصوم لأنه "لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى" (مت 9: 12). فخطيتنا هي التي جلبت علينا المرض. فدعونا إذًا نُشفَى بالتوبة، غير أن التوبة بدون ممارسة الصوم هي باطلة "ملعونة الأرض بسببك. وشوكًا وحسكًا تُنبِت لك، وتأكل عشب الحقل" (تك 3: 17-18)[561].]
20. كيف يكون التعامُل مع الذين يتجنَّبون الخطايا الكبرى، ويتهاونون في الخطايا الأقل؟
يجيب القدِّيس باسيليوس الكبير: [أول كل شيء يلزم أن يُفهَم أن هذا التمييز لا أساس له في العهد الجديد. إعلان واحد قُدِّمَ عن كل الخطايا، عندما يقول الرب: "من يعمل الخطية، هو عبد للخطية" (يو 8: 34)... إن كان يمكننا بأمان أن نقول عن خطية صغيرة وخطية عظيمة، فتوجد شهادة لا تُقبَل، الجدال مع أحدٍ أن الخطية العظيمة هي التي تقتنص الشخص تحت سلطانها، بينما الصغيرة فهي التي لا تبلغ اليد العليا، وذلك مثل المصارعين، فإن الأقوى هو المُنتصِر، وأما الضعيف فهو المهزوم بواسطة الأعظم منه أيًا كان[562].]
21. كيف يمكن للشخص أن يبلغ إلى كراهية الخطية (مز 119: 163)؟
يجيب القدِّيس باسيليوس الكبير: [إن كان أحد مُقتنِعًا تمامًا بخطورة الشرور الكثيرة التي تُسَبِّبها الخطايا، فتلقائيًا وبدون أن يحثه أحد، وبنزعة داخلية يختبر الكراهية لها[563].]
22. كيف تقتنع النفس تمامًا أن الله يغفر لها خطاياها؟
يجيب القدِّيس باسيليوس الكبير: [عندما تلاحظ في داخلها نزعة ذاك القائل: "أبغضت الإثم ومقته" (مز 119: 163). عندما أرسل الله ابنه الوحيد لغفران خطايانا يغفرها لنا مادمنا نؤمن بدوره. يترنَّم القديس داود بالرحمة والحُكْم (مز 101: 1)، ويشهد بأن الله رحوم وعادل (مز 115: 5)، فمن الضروري يلزم أن تدخل فينا ما يقوله الأنبياء والرسل في العبارات الخاصة بالتوبة، أن أحكام برّ الله (مز 119: 62) ظاهرة، ورحمته كاملة في غفران الخطايا[564].]
23. كيف تتأكد النفس تماًما أنها تتطهَّر من الخطية؟
يجيب القدِّيس باسيليوس الكبير: [إن عرف الإنسان دافع داود القائل: "أبغضت الإثم ومقته" (مز 119: 163)، أو يعرف أنه يُتَمِّم وصية الرسول القائل: "أميتوا أعضاءكم التي على الأرض: الزنا، النجاسة، الهوى، الشهوة الردية، الطمع، الذي هو عبادة الأوثان، الأمور التي من أجلها يأتي غضب الله" ويضيف إلى ذلك كامتداد للحُكْمِ ضد كل خطية "على أبناء المعصية" (كو 3: 5-6)، حتى يستطيع القول: "قلب معوج يَبعدُ عني. الشرير لا أعرفه" (مز 101: 4). مرة أخرى، يتحقَّق الإنسان أن له مثل هذا الوازع، إن كان يحمل عاطفة برعدةٍ مثل ما يفعله القديسون. لهذا يقول داود: "رأيت الغادرين ومقتُّ، لأنهم لم يحفظوا كلمتك" (مز 119: 158). ويقول الرسول: "من يضعف وأنا لا
الآن أضعف؟ من يعثر وأنا لا ألتهب؟" (2 كو 11: 29)، إن كان بحسب حق الكلمة تسمو النفس فوق الجسد (مت 10: 28)، ونحن نهتم بالجسد، فنشمئز من كل قذارة ونكرهها ونتعاطف ونحزن قلبيًا عند رؤيتنا لجراحات أو لأذية تحلُّ بالجسد، فكم بالأكثر بالنسبة لما يحلّ بالخطاة. فإن المُحب للمسيح والمُحب لإخوته يتألم من أجلهم حين يرى نفوسهم مجروحة كما بوحوش مُفترِسة، وفي وحشية يتعرَّضون لهجمات شر مُمِيت. هكذا يقول داود: "قد أنتنت، فاحت حُبر ضربي من جهة حماقتي، لويت، انحنيت إلى الغاية. اليوم كله ذهبت حزينًا. لأن خاصرتي قد امتلأتا احتراقًا، وليست في جسدي صحة" (مز 38: 5–7). يقول الرسول: "أما شوكة الموت فهي الخطية" (1 كو 15: 56). لذلك عندما يعرف إنسان أن نفسه صارت في مثل هذا الوضع، من أجل خطاياه وخطايا الآخرين، يثق أنه يتنقَّى من الخطية تمامًا[565].]
24. ما هو موقف من يسقط في خطايا بعد عماده؟
قُدِّم هذا السؤال للقديس باسيليوس بسبب انتشار رأي أن من يمارس خطايا خطيرة بعد العماد لا رجاء له. وقد أَكَّد القديس أننا لا نفقد الرجاء مُطلَقًا مادامت توبتنا جادة ولها ثمرها اللائق بها ألا وهو الرجوع إلى الله الذي ينتظر الكل. يقول القديس أغسطينوس أنه مادام يوجد نَفَسْ واحد في الإنسان، فهذا معناه أن الله يترجَّى توبته، وإلا فلماذا لم يأخذ نفسه؟!
هل يسقط في اليأس مِنْ خلاصه من أُصطيد في كثرة من الشرور، فأخطأ بعد عماده؟ أو ما هو المقياس الذي فيه لا يزال يستمر الإنسان في رجائه في محبة الله للبشر خلال التوبة؟
يجيب القدِّيس باسيليوس الكبير: [إذ نقارن بين حنو الله الفائق أو ثفل عظمة رحمة الله وبين عدد الخطايا وثقلها فلا نجد موضعًا لليأس. أما إذا كان من المعقول أن الأخيرة تخضع للقياس والعدد، بينما استحالة قياس رحمة الله أو إحصاء حنوه، فلن يكون لليأس موضع قط. وإنما بمعرفة الرحمة وإدانة الخطايا، توجد مغفرة في دم المسيح كما هو مكتوب في (مت 26: 28). غير أنه توجد أماكن وطرق كثيرة خلالها نتعلَّم أنه يلزمنا ألا نيأس. تأملوا على وجه الخصوص مَثَل ربنا يسوع المسيح بخصوص الابن الذي أخذ ثروة أبيه وبَدَّدَها في الخطايا. فمن كلمات الرب نفسه نتعلَّم ما هو نوع الوليمة وعظمتها التي تليق بالتوبة (لو 15: 22-24). أَضِف إلى ذلك يقول الله بإشعياء: "إن كانت خطاياكم كالقرمز تبيض كالثلج، وإن كانت حمراء كالدودي تصير كالصوف" (إش 1: 18). لكن يجب أن نعرف أن هذا يتحقَّق فقط متى كانت توبتنا تستحق ذلك، إن صدرت عن كراهيتنا للخطية، كما هو مكتوب في العهدين القديم والجديد، وكانت تحمل ثمارًا لائقة بها[566].]
25. ما هي الثمار التي تُختبَر للتوبة الحقيقية؟
يجيب القدِّيس باسيليوس الكبير: [أسلوب أولئك الذين يتوبون، والنزعات التي لهؤلاء الذين ينسحبون من الخطية، وصراعهم من أجل الثمر اللائق بالتوبة (لو 3: 8) الذي قيل عنه في المواضع الخاصة بها[567] (وهي الرجوع إلى الله)[568].]
26. لماذا يوجد أحيانا نوع من كآبة القلب والندامة في مخافة الرب تحلّ على النفس دون مجهودٍ كبيرٍ، ويتم تلقائيًا، وفي مرات أخرى يوجد في النفس نوع من البلادة، حتى إن غصب الإنسان نفسه، لا يستطيع أن يشعر بأية ندامة للقلب؟
يجيب القدِّيس باسيليوس الكبير: [مثل هذه الندامة هي عطية من الله حيث تثير الرغبة، فتتذوَّق النفس عذوبة مثل هذه الندامة التي تُثَار، فتتبنَّاها (تتبنَّى النعمة الموهوبة لها). أو لتُبَرْهِن أن النفس قادرة خلال الغيرة الشديدة أن تكون في ندامة دائمة. بهذا فإن من يفقد هذه النعمة خلال تراخيه ليس له عذر. لكننا أحيانا نغصب أنفسنا (على الندامة)، ومع هذا نعجز عن اقتنائها، كدليلٍ على إهمالنا السابق في دفعاتٍ أخرى. فإنه يستحيل أن ينجح الإنسان في عملٍ بمُجرَّد أن يأتي إليه دون أن يعطيه عناية شديدة مع تدريب باجتهاد مع آخرين، ويظهر أن نفسه تشمئز من الرذائل والأهواء التي تعوق ممارسة ما هو لائق. وبحسب التعليم الذي نطق به الرسول القائل: "أما أنا فجسدي مبيع تحت الخطية، لأني لست أعرف ما أفعله. إذ لست أفعل ما أريده، بل ما أبغضه فإياه أفعل" (رو 7: 14-15). مرة أخرى يقول: "لست بعد أفعل ذلك أنا، بل الخطية الساكنة فيَّ" (رو 7: 17). يسمح الله أن يحدث هذا عينه معنا بهدفٍ صالحٍ، حتى أننا بواسطة الأمور التي تعاني منها النفس لاإراديًا، تدرك الأمور التي تسطو عليها، وإذ تتعرَّف على الطرق التي بها صارت مُستعبَدة للخطية بغير إرادتها (رو 6: 20) تصحو من جديدٍ، وتتحفَّظ من شباك إبليس (1 تي 3: 7؛ 6: 9)، كما تكتشف أن رحمة الله تحث على مساندة أولئك الذين بحقٍ يتوبون[569].]
27. ما هو موقفنا ممن يخفي خطاياه؟
يجيب القدِّيس باسيليوس الكبير: [ماذا نفعل مع من يدَّعي أن ضميره لا يدينه على خطايا يرتكبها. بهذا يكون هذا السؤال خاص بمن يُحَدِّث إنسانًا عن التوبة، وقد أخفي المُستمِع خطاياه، أو يحاول إخفاءها. يليق بروح التوصية لا العنف أن نُذَكِّره بكلمات الرب: "ليس مكتومٍ لن يُستعلَن" (مت 10: 26). "من فضلة القلب يتكلم الفم" (مت 12: 34).]
28. ماذا إن قال (الشخص): "إن ضميري لا يدينني"؟
يجيب القدِّيس باسيليوس الكبير: [يَحْدُث نفس الأمر أيضًا بالنسبة للأمراض الجسدية. إذ توجد أمراض كثيرة لا يُدرِكها من يُصَاب بها. ومع ذلك يثقون في تشخيص الطبيب أكثر من عدم شعورهم الشخصي بالمرض. هكذا أيضًا بالنسبة لأمراض النفس، أي الخطايا. إن كان أحد غير مُدرِكٍ لخطيته، فلا يدين نفسه، إلا أنه يجب أن يثق في هؤلاء الذين يستطيعون أن يروا حالته بأكثر وضوحٍ. هذا يُوَضِّحه الرسل القديسون الذين مع اقتناعهم بنزعتهم الصادقة نحو الرب، غير أنهم إذ سمعوا: "إن واحدًا منكم يسلمني" (مت 26: 21). فَضَّلوا أن يثقوا في كلمة الرب وأذعنوا لقوله، قائلين: "هل أنا هو يا رب؟" (مت 26: 22). أما القديس بطرس فيُعَلِّمنا بأكثر وضوح، فمع أنه في غيرة تواضعه رفض خدمة سيده وإلهه ومُعَلِّمه (أن يغسل قدميه)، إذ سمع كلمات الرب: "إن كنت لا أغسلك، فليس لك معي نصيب" (يو 13: 8)، اقتنع بالحق كما ورد في الكلمات، وقال: "ليس رجليّ فقط، بل أيضًا يديّ ورأسي" (يو 13: 9)[570].]
29. ماذا يلزم أن يفعل من يتوب عن خطية، ويعود فيسقط في ِنفس الخطية؟
يجيب القدِّيس باسيليوس الكبير: [من تاب مرة وارتكب نفس الخطية مرة أخرىِ، فليقتنع أولاً أمام نفسه أنه لم ينزع السبب الرئيسي للخطية، كما من جذرٍ فاسدٍ، لهذا بالضرورة ينبت نفس الشرور مرة أخرى. فيكون كمن يرغب في قطع أغصان شجرةٍ، تاركًا الجذر كما هو، وإذ يبقى الجذر في الأرض مخزونًا ينبت ذات (الخطية) بدرجة أقل. لذلك حيث توجد بعض الخطايا أصلها ليس فيها، إنما تصدر من خطايا أخرى، يلزم لمن يريد أن يُنَقِّي نفسه تمامًا من الخطية أن يقطع الأسباب الأولى ذاتها لهذه الخطايا. كمثال ِ لذلك، فإن النزاع والحسد (رو 13: 13) لا ينبعان من نفسيهما، وإنما من جذر العجرفة ومحبة المجد (الباطل)، فمن يطلب مجدًا من البشر يتبارى مع من له شهرة عظيمة تفوق شهرته، ويحسده عليها. لهذا من يسقط في يديّ رذيلة الحسد أو النزاع، ويعود فيسقط فيها مرة أخرى، فليُدرِك أن السبب البدائي هو محبة المجد التي تَكَلَّمنا عنها قبلاً. بهذا ليهتم بهذا المرض، إذ يحتاج إلى الشفاء منه، وذلك بما يناقضه، أي بالتواضع، حيث يقوم بخدمات بسيطة ممارسًا التواضع. بهذا إذ يتأسس في نزعة التواضع لا يعود يسقط في نتاج العجرفة ومحبة المجد[571].]
30. ما هو السلوك اللائق بالمؤمن التائب؟
قدم لنا الرسول بولس خمسة مبادئ للسلوك اللائق بأولاد الله التائبين:
أولاً: السلوك في المسيح. "فكما قبلتم المسيح يسوع الرب اسلكوا فيه." (كو 2: 6) من يقبل السيد المسيح يسلك فيه بكونه الطريق الإلهي، فيستطيع أن يجتاز العالم بقلبه وفكره، ويعبر كما إلى حضن الآب، لتستقر أعماقه هناك على رجاء قيامة الجسد والوجود الدائم في المجد الأبدي. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: ["اسلكوا فيه"، لأنه الطريق الذي يقودنا إلى الآب، وليس في الملائكة، فإنهم لا يقتدرون أن يبلغوا بنا إليه[572].]
ثانيًا: السلوك بالروح القدس. "أقول اسلكوا بالروح فلا تكملوا شهوة الجسد." (غل 5: 16)
يقول القديس أنبا أنطونيوس الكبير: [(الروح القدس) يحث (المؤمن) على الدوام أن يجاهد الجسد والروح، لكي ما يتقدسا على ذات المستوى، ويستحقا أن يرثا الحياة الأبدية بالتساوي.]
ويقول: [بهذه الطريقة يعتاد الجسد كله على كل صلاح، خاضعًا لقوة الروح القدس، فيتغير تدريجيًا، حتى أنه في النهاية يشترك، إلى حد ما، في سمات الجسد الروحي الذي نتقبله في قيامة الأبرار[573].]
ثالثًا: السلوك في المحبة. "اسلكوا في المحبة كما أحبنا المسيح أيضًا، وأسلم نفسه لأجلنا قربانا وذبيحة لله رائحة طيبة." (أف 5: 2) يشارك المسيحي السيد المسيح كهنوته (الكهنوت العام) بتقديم حياته ذبيحة حب عن الآخرين كسيده. هذه هي سمة "الإنسان الجديد" الذي لنا عوض "الإنسان العتيق" الفاسد.
يقول القديس أغسطينوس: [من يقطن في الحب يقطن في الله، لأن الله محبة (١ يو ٤: ١٦)[574].] [لقد دُعيت ابنًا، فإن رفضت الامتثال به لماذا تطلب ميراثه؟[575]]
رابعًا: السلوك كأولاد نور. "لأنكم كنتم قبلا ظلمة وأما الآن فنور في الرب اسلكوا كأولاد نور." (أف 5: 8) إذ بالحب العملي نتمثل بالله النور نحمل شركة طبيعته، فنُحسب "أَوْلاَدِ نُورٍ"، لا مكان لظلمة الموت فينا، بل ننعم بنور القيامة، خلال هذا المفهوم يوصينا الرسول أن نسلك عمليًا كأولاد للنور متمتعين بقوة القيامة وبهجتها في داخلنا، معلنة في حياتنا اليومية وسلوكنا الخفي والظاهر، تاركين أعمال الظلمة غير اللائقة بنا.
يقول القديس أغسطينوس: [إذ كنتم في الظلمة لم تكونوا في الرب، لكن إذ استنرتم فإنكم تضيئون بالرب وليس من ذواتكم[576].]
خامسًا: السلوك بحكمة مع مراعاة افتداء الوقت. "اسلكوا بحكمة من جهة الذين هم من خارج مفتدين الوقت." (كو 4: 5) يطالبنا الرسول بولس نحن أيضا أن نسلك مع الغير بحكمةٍ وبتدقيقٍ لكي نقتنيهم لحساب ملكوت الله. فبالسلوك اللائق يمكننا ان نشهد لمسيحنا، ونسحب القلوب إلى الصليب ليتمتع كثيرون بقوة الله للخلاص، وينفتح أمامهم باب الرجاء. كل لحظة من لحظات عمرنا لها تقديرها، يمكن أن تكون سرّ بركة أو مرارة وهلاك، لهذا يقول: "مفتدين الوقت".
31. هل يتعارض سكب دموع التوبة مع الشخصية المتسمة بالبشاشة؟
مع ما اتَّسمت به شخصية القديس باسيليوس المتألم من ابتسامة تحمل انعكاسًا للسلام الداخلي والفرح، غير أنه يدعو دموع التوبة دموع الحب. فالدموع عند القديس باسيليوس هي ذبيحة حب لله خلال التوبة والرغبة الكاملة أن يصير المؤمن أيقونة محبوبة للرب. ومن جانب آخر تُقَدِّم ذبيحة حب أخوي، إذ لا يكف قلب المؤمن عن التنهُّد ودموعه عن البكاء من أجل إخوته في البشرية، طالبًا خلاص كل أحدٍ إن أمكن. إنه يشارك مُخَلِّصه الذي يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى الحق يقبلون (١ تي ٢: ٤).
أجاب القدِّيس باسيليوس الكبير على السؤال: هل يجوز للإنسان أن يضحك؟ بأنه لا يقدر أن يفهم كيف يمكن لمسيحي صالح أن يضحك [خاصة عندما يرى كثيرين يُهِينون الله بكسْرِهم الناموس، واقترابهم للموت بالخطيَّة، إذ يليق به أن يحزن ويبكي على هؤلاء[577].]
كما يقول في عظته عن الشهيدة يوليطة: [عندما ترى أخاك ينوح في توبة عن خطاياه اِبكِ معه. هكذا خلال أخطاء الغير تربح نفسك من الخطأ. من يسكب الدموع الساخنة على أخطاء قريبه يبرأ هو بحزنه على أخيه. هذا هو حال القائل: "الكآبة امتلكتني من أجل الخطاة الذين حادوا عن ناموسك" (مز 118: 53)[578].]
أيضًا يقول: ["من أجلي حوَّلت نوحي إلى فرحٍ لي، مزقت مسحي، ومنطقتني بالفرح" (مز 30: 12). فرح الله لا يستقر في كل النفوس، بل في تلك النفوس التي بكت خطاياها بدموعٍ مستمرة، كمن مات لها عزيز لديها. مثل تلك النفس يُحَوِّل الله نوحها إلى فرح، والحزن نافع هنا... يبكي الأنبياء علينا، ويدعوننا لنبكي حتى نكتشف أخطاءنا في ضوء كلماتهم النبوية، عندئذ نبكي على هلاكنا، ونقمع جسدنا بالجهاد والتأديب. الإنسان الذي يسلك مثل هذا الطريق، تُمَزَّق مسوحه، ويلبس لباس العُرْس المُزيَّنة حتى لا يخرج خارج العُرْسِ (مت 22: 11-13)[579].]
32. ما الفرق بين "الحزن بحسب مشيئة الله" و"حزن العالم"؟ (2 كو 7: 10)؟
يجيب القديس باسيليوس الكبير: [الحزن بحسب مشيئة الله هو أن يحزن الإنسان على إهماله أو احتقاره وصية الله، كما يقول المزمور: "الحمية أخذتنى بسبب الأشرار تاركي شريعتك" (مز 119: 45). أما الحزن بمشيئة العالم فيحدث إذا كان ما يُسَبِّبه شيء بشري أو خاص بالعالم[580].
33. ما هو الحزن الذي يجب أن نتحمَّله لكي نستحق التطويب (مت 5: 4)؟!
يجيب القديس باسيليوس الكبير: [لقد أجبنا على هذا السؤال من قبل عندما تحدَّثنا عن "الحزن بحسب مشيئة الله" (2 كو 7: 11)، وهو عندما نحزن على خطايانا سواء كانت بسبب اهانة الله، وذلك لأن التعدِّي على الناموس يهين الله (رو 2: 23)، أو حين نبكي على هؤلاء الغارقين في خطر الخطية، لأن "النفس التى تخطىء هي تموت" (حز 18: 4)، فنقتدي بالقائل: "أنوح على كثيرين من الذين أخطأوا من قبل ولم يتوبوا"(2 كو 12: 21)[581].
34. هل من ضرورة للتلمذة؟
المسيحيَّة توجد حيثما تكون التلمذة، وتضعف وتخور وتصير جافة وثقيلة وخياليَّة حيثما تفقد "التلمذة". لهذا عندما أمر السيِّد تلاميذه بالتبشير أوصاهم قائلاً: "اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمِّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس، وعلِّموهم جميع ما أوصيتكم به" (مت ٢٨: ١٩-20). فالسيِّد في وصيَّته هذه طالبهم بتلمذة جيل جديد يحيا كما يحيون هم، مؤكِّدًا لهم أن التلمذة هي الطريق الأول للتعليم وحفظ الوصايا. بالتلمذة يشبع التلاميذ بروح الرب، وبالتلمذة انتقلت المسيحيَّة جيلاً بعد جيل. لذلك كان المسيحيُّون يدعون "تلاميذ" حتى دُعوا مسيحيِّين أولاً في أنطاكيَّة (أع 11: 26)، ولعلَّ ذلك كان سخرية من الوثنيِّين بنسبتهم إلى المسيح المصلوب.
فنحن وإن كنَّا "مسيحيِّين"، فلندرك أيضًا إنَّنا "تلاميذ". لست بذلك أقول إنَّنا "رسل أو رعاة" لكن يلزم لكل مسيحي أن يتصف "بالتلمذة" لربنا يسوع على يديّ راعيه. ويقوم سرّا العماد والتوبة بهذا الدور. فالإشبين وأب الاعتراف مسئولان أمام الرب عن المؤمن.
الاعتراف بهذا المفهوم هو تلمذة جيل جديد، يحيا بروح آبائه القدِّيسين، لربنا يسوع، أو هو شركة بين المعترف وأب الاعتراف في الرب، ليس لمدَّة ساعة أو أكثر في الأسبوع. إنَّما شركة دائمة، الأب يحتضن أولاده، ويفرح بلقائه معهم على الدوام بقدر الإمكان، ليس فقط جسديًا بل وروحيًا: في صلواته الخاصة وعلى المذبح. والابن يحب أباه ويصلِّي لأجله ويقتدي به، ويستشيره في كل صغيرة وكبيرة، متعلِّمًا منه خبرات حربه الروحيَّة ضد الشر، مقتديًا به في إيمانه وجهاده وسهره.
35. ما حاجتي إلى التلمذة على يد أب اعتراف وأنا عرفت الينبوع الذي يستقي منه أب الاعتراف وإرشاداته وتعاليمه؟! لقد حفظت الكتاب المقدَّس بل ودرسته أفضل من كثيرين من الآباء الكهنة!
مثل هذا الاعتراض يكشف لنا في هذا العصر العقلاني البحت ما اتسم به كثيرون من المسيحيِّين بالجفاف الروحي، فحِفظ كثيرون من الشباب عن ظهر قلب الكثير من نصوص الكتاب المقدَّس، مكتفين بهذه الدراسة العقلانيَة مع أن الكتاب المقدَّس لا يحفظ عقلانيا، إنَّما نحيا به ونعيش فيه، نتذوَّقه ونختبره. إننا في جيل يتسابق الكل فيه أن يكونوا معلِّمين لا تلاميذ، مبكِّتين الآخرين على خطاياهم، بينما يخفون أخطاءهم الشخصيَّة عن الأعين البشريَّة، متجاهلين كيف أن الكتاب المقدَّس ذاته، وإن كان قد علَّمنا بأن الإرشاد يكون بالروح القدس، لكنَّه يؤكِّد ضرورة التلمذة على يديّ أب اعتراف لنحيا معه في الرب.
ويشهد الكتاب عن شاول الطرسوسي أنه لما التقى بربنا يسوع رأسًا سأله: ماذا تريد أن أفعل؟ لم يجبه الرب بشيء سوى توجيهه إلى أب روحي هو حنانيا (أع 9: 12). وصموئيل العظيم بين الأنبياء، الأكثر حساسيَّة لسماع صوت الله من عالي الكاهن، تعلَّم وتدرَّب على يديّ عالي (1 صم 3: 10). وكرنيليوس الذي أعلن الرب له بواسطة ملاكه قبول صدقاته وصلواته، لم يقبل الملاك أن يرشده، بل طلب منه أن يستدعي بطرس الرسول ليرشده (أع 10: 5).
يقول الأنبا موسى: [الله لم يثقِّف صموئيل النبي، لا بالحديث المباشر، ولا بالمحاورة الإلهيَّة، بل سمح له بالذهاب إلى عالي الكاهن. لقد فضل الله أن يتدرَّب صموئيل – الذي استحق سماع صوت الله – على يدي عالي الكاهن حتى يختبر التواضع. وعندما نادى يسوع بولس ودعاه، فبالرغم من أنه فتح له طريق الكمال، لكنَّه استحق أن يوجِّهه إلى حنانيا، طالبًا منه أن يتعلَّم عنه طريق الحق، قائلاً له: "قم وادخل المدينة فيقال لك ماذا ينبغي أن تفعل" (أع ٩: ٦). لقد أرسله إلى رجل شيخ، معتبرًا أن ذلك أفضل من أن يتسلَّم تعاليمه منه مباشرة، لئلاَّ يصير بولس مثلاً سيئًا في الاعتماد على ذاته في التعليم... وقد علمنا الرسول بولس الهروب من الاكتفاء الذاتي في التعليم قدر المستطاع، لا بالكلام بل بالعمل، فيقول أنه ذهب بمفرده إلى أورشليم لهذا الهدف، أي ذهب إلى مجمع غير رسمي يعرض فيه على زملائه الرسل والسابقين عنه الإنجيل الذي يبشِّر به بين الأمم، ونعمة الروح القدس المصاحبة له بعلامات قويَّة وعجائب. إنه يقول: "وعرضت عليهم الإنجيل الذي أكرز به بين الأمم، ولكن بالانفراد على المعتبرين، لئلاَّ أسعى أو أكون سعيت باطلاً" (غل ٢: ٢). فمن هو هذا المكتفي بذاته. الأعمى الذي يتجاسر فيثق في أحكامه الخاصة وتمييزه الشخصي، بينما الإناء المختار يعترف باحتياجه للاجتماع والتشاور مع الرسل؟! رأينا إذًا أن الله لم يكشف لأحد طريق الكمال، طالما كانت له فرص التعليم من الآباء واختباراتهم، غير مكترث (الإنسان) بذلك القول الذي ينبغي علينا أن نهتم به جدًا، "اسأل أباك فيخبرك، وشيوخك فيقولوا لك" (تث ٣٢: ٧)[582].]
36. هل من مثال لصلاة من أجل التوبة؟
يقدم لنا القديس باسيليوس الكبير صلاته من أجل التوبة، تكشف لنا عن الآتي:
1. يُرَكِّز عينيه على فيض حُبِّ الله وحنوِّه، وليس على خطاياه وحدها.
2. يطلب من الله أن يهبه التوبة حتى لا ينحرف في توبته.
3. يمزج دموع التوبة بالفرح والشكر لغافر الخطايا.
4. يُعلِن عن اعتزازه بالله بكونه محبوب له حتى النهاية.
5. يطلب منه قوة ليتخلَّص من عدو الخير ووَحْل العالم.
6. لا يعد أنه يصنع الصلاح، بل يطلب من الله أن يهبه الصلاح.
v أيها السيد، إله الجميع، والأب الصالح بلا حدود! أيها الدائم الوجود والباقي (إلى الأبد).
أيها السابق للوجود قبل كل الدهور، أكثر مما بلا بداية.
أنت موجود دائمًا بلا تغير، لم يكن لك قط بداية، ولن تتوقَّف.
غير المُدرَك في الجوهر، وبلا حدود في العظمة، مُطْلَق في الصلاح، ومُتدفِّق بالطبيعة،
لا يُعَبَّر عن عمق قوتك وحكمتك. إني أباركك، إذ تتطلع بحنوٍ ورأفةٍ على بؤسي،
لأنك تُخَلِّصني من وَحْلِ العالم الحقود الباطل، المصنوع من القرميد[583].
تُخَلِّصني من شباك رئيس ظلمة هذا الدهر المتنوعة الكثيرة.
v أباركك يا رب، لأنك تُقَدِّم لي أنا الخاطي مراحم عجيبة،
وصرت المحبوب لي إلى النهاية في كل شيءٍ.
أنت هو المُرَبِّي والمُدَبِّر، الحارس والمُعِين، الملجأ والمُخَلِّص، الحصن لكل من النفس والجسد!
v أُبارِكك يا رب إذ تُظهِر لي أنا غير المستحق حُبَّك الوفير غير المحدود.
فمع أنني أُسَلِّم نفسي للشيطان بكَسَلِي يوميًا، إلا أنك تحرسني وتُخَلِّصني، وتنتزعني من فخاخي.
v أُبَارِكك يا رب إذ تمنحني قوة التوبة عن خطاياي،وتُظهِر لي ربوات الفرص لأرجع عن خبثي.
v أُبَارِكك يا رب، فمع كوني بلا قوة، إلا أنك تُقَوِّي ضعفي،
ولا تسمح لي بالسقوط تمامًا، إنما تبسط في الحال يدك المُعِينة من الأعالي، وتُرُدني إليك.
v ماذا أَرُد لك يا سيد، يا كلي الصلاح،
من أجل كل الصالحات التي تفعلها معي، ولا تزال مستمرًا في العمل من أجلي أنا الخاطي؟
v أية تشكرات أُقَدِّمها لك؟ لهذا أصرخ إليك من الفجر حتى المساء مثل السنونة،
ومثل العندليب أَتغنَّى بفرحٍ.
ولن أكف عن أن أُبَارِكك كل أيام حياتي، يا خالقي، المٌحسِن إليَّ، وحارسي.
v إني لست أهلاً أن أَتحدَّث معك يا رب، فإنني خاطي للغاية.
غير أنني أشكرك يا رب، إذ أنت طويل الأناة على معاصي، ولم تُعاقِبني حتى هذه اللحظة.
v أشكرك يا رب، فإنك لا تشاء موت الخاطي، مثلما يرجع ويحيا (حز 18: 23).
إنني مستحق أن أَتعذَّب كثيرًا، وأُطرَد من حضرتك. لكن حُبَّك الذي يحتملني أطال أناتك عليَّ.
v أشكرك يا رب وإن كنت عاجزًا عن أن أشكرك كما يليق باحتمالك لي.
ارحمني يا رب، ولتجعل حياتي مستقيمة حسب إرادتك.
قُدْني، إذ حنوّك يعرف ما هو أفضل لي. ككثرة رأفاتك اجعلني كاملاً في كل عملٍ صالح يسرّك،
ولتُحَرّرني من جسدي البائس. فمن عملك الرحمة وخلاصنا يا الله،
لك نُرسِل المجد والشكر والسجود، مع ابنك الوحيد، وروحك الكلي القداسة والصلاح واهب الحياة،
الآن وإلى الأبد وإلى دهر الدهور، آمين1.
19. سرّ الإفخارستيّا
1. ما هو سرّ الشركة في الإفخارستيا؟
هو سرّ اتحادنا نحن المؤمنين مع المخلّص بتناولنا جسده ودمه المبذولين، فيتقدس كل كياننا حتى جسدنا لينعم بالمجد الأبدي.
2. هل الإفخارستيا عمل ذبيحي؟
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [مهوبة حقًا هي أسرار الكنيسة! مهوب حقًا هو المذبح! لقد خرج من الفردوس ينبوع يبعث أنهارًا مادية، أما هذه المائدة فأخرجت ينبوعًا يبعث أنهارًا روحية، لا يُزرع على جوانبها شجر الصفصاف غير المثمر، بل تُزرع أشجا تصل إلى السماء، وتحمل ثمرًا دائمًا لا يفسد. إن كان أحد لفحه الحر، فليقترب من الينبوع، فتبرد حروقه، وينطفئ ظمأه، ويحمل راحة عوض الحروق التي سببتها السهام النارية لا الشمس. فإن بدايته في الأعالي ومصدره هناك، ومن السماء تفيض مياهه. كثيرة هي مجاري هذا الينبوع الذي يرسله المعزي. الابن هو الشفيع، لا يمسك فأسًا ليمهد لنا الطريق، إنما يفتح أذهاننا. هذا الينبوع هو نور يبعث أشعة الحق، تقف بجواره القوات السمائية في الأعالي تتطلع إلى جمال مجاريه، إذ هم قادرون بالأكثر على إدراك قوة الأمور الموضوعة عليه والبهاء الذي لا يُقترب منه. من يشترك في هذا الدم يقف مع الملائكة ورؤساء الملائكة والقوات العلوية، ملتحفًا بثوب المسيح الملوكي، له أسلحة الروح، لا بل يلتحف بالملك نفسه"[590].] ويقول [كثيرون يقولون الآن: إني أرغب في رؤية هيئته وملابسه ونعاله. آه! ها أنت تراه وتلمسه وتتناوله! حقًا أنت تريد ملابسه، وها هو يُعطي لك ذاته، لا لكي تراه فحسب، بل تلمسه وتتناوله وتقبله في داخلك[591].]
[عندما ترى المائدة معدة قدامك قل لنفسك: من أجل جسده لا أعود أكون ترابًا ورمادًا، ولا أكون سجينًا بل حرًا! من أجل هذا (الجسد) أترجى السماء، وأتقبل الخيرات السماوية، والحياة الخالدة، ونصيب الملائكة، والمناجاة مع المسيح! سُمّر هذا الجسد بالمسامير وجُلد، ولا يعود يقدر عليه الموت! إنه الجسد الذي لُطّخ بالدماء وطُعن، ومنه خرج الينبوعان المخلصان للعالم: ينبوع الدم وينبوع الماء![592]]
[عندما ترى الرب ذبيحًا، وموضوعًا على المذبح، والكاهن يقف مصليًا على الذبيحة، وكل المصلين قد اصطبغوا بالدم الثمين، هل تستطيع أن تقول إنك لا تزال بين الناس، وأنك واقف على الأرض؟!.... ألست على العكس قد عبرت مباشرة إلى السماء؟![593]]
[مادمنا قد صرنا سمائيين، وحصلنا على ذبيحة كهذه، فلنخف! يليق بنا ألا نستمر في زحفنا على الأرض، فإن من يريد منا ألا يكون بعد على الأرض يستطيع من الآن ذلك... إذ نقترب من الله، نصير في السماء، بل ماذا أريد من السماء إن كنت أرى رب السماء وصرت أنا نفسي سماءً؟!] [إنه يدعونا إلى السماء، يدعونا إلى مائدة الملك العظيم والعجيب، فهل نتردد بدلاً من أن نسرع إليها ونجري نحوها؟! أي عذر لنا؟ فإننا لا نقدر أن نلوم ضعفنا ونشتكي طبيعتنا، بل بالأحرى إهمالنا وحده هو سّر عدم استحقاقنا[594].]
3. لماذا يُعتبر سرّ الإفخارستيا عصب العبادة المسيحية؟
في سرّ الإفخارستيا ينطلق المؤمن مع أصدقائه السمائيين إلى الجلجثة، فيرى عريس نفسه السماوي يقدم له دمه مهرًا. فيذكر المؤمن موت عريسه المحييّ وقيامته، لا بالفكر والكلمات فحسب، وإنما بتناول جسده ودمه المبذولين من أجله، سرّ حياته ونموه الدائم.
في سرّ الإفخارستيّا يقدم لنا الروح القدس جسد الرب المصلوب القائم من الأموات ودمه الكريم، لكي نثبت فيه وهو فينا. به يصير لنا حق الدخول إلى العرش الإلهي، حاملين برّ المسيح، كأعضاء في جسده. يقول السيد المسيح: "لأن جسدي مأكل حق ودمي مشرب حق، من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيَّ وأنا فيه... فمن يأكلني فهو يحيا بي" (يو 6: 55-57).
في الذبيحة المقدسة تختفي الكنيسة، فتظهر حاملة قداسة المسيح وبرَّه. تصير عروسًا بلا عيب (نش 4: 7) للعريس القدوس. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [بهذه العطية تتزين نفوسنا وتتجمل[595].]
ويقول [به تتطهر النفس وتتجمل وتلتهب[596].]
كما يقول: [هذه المائدة هي عضد نفوسنا، ورباط ذهننا، وأساس رجائنا، وخلاصنا ونورنا وحياتنا... عندما ترى المائدة مُعدة قدامك، قل لنفسك: من أجل جسده لا أعود أكون ترابًا ورمادًا، ولا أكون سجينًا بل حرًا. من أجل هذا الجسد أترجى السماء وأتقبل الخيرات السماوية والحياة الخالدة، ويكون لي نصيب الملائكة وأناجي المسيح[597].]
[هذا الينبوع هو نور يبعث أشعة الحق، تقف بجواره القوات السمائية في الأعالي، تتطلع إلى جمال مجاريه... من يشترك في هذا الدم يقف مع الملائكة ورؤساء الملائكة والقوات العلوية، ملتحفًا بثوب المسيح الملوكي، له أسلحة الروح، لا بل يلتحف بالملك نفسه[598].]
4. هل يمكن التناول كل أسبوع؟
يعتذر البعض عن التناول أسبوعًا لسببين: الأول شعور الشخص أنه غير مستعد للتناول. في الواقع أن الاستعداد للتناول هو الشعور بعدم الاستحقاق مع الطلب الجاد لعمل نعمة الله خلال التوبة والصلاة. أما السبب الثاني فهو أن يخشى الإنسان أن يتحول التناول إلى عادة يمارسه في حرفية. ويُرد على ذلك أن التناول دواء الحياة، فمن يشعر بحاجته للدواء لا يتوقف عن التناول مع الصلاة ودراسة الكتاب المقدس والجهاد في ممارسة الوصايا الإلهية. هذا ينزع عنا الحرفية ويلهب قلوبنا بالحب الإلهي ومحبة الإخوة.
5. هل يجوز للشخص أن يتناول جسد الرب ودمه كل يوم؟
يتحدث القديس باسيليوس عن إقامة القداس الإلهي يوميًا، قائلاً: [إنه لأمر صالح ونافع أن يتناول الإنسان كل يومٍ، ويشترك في جسد المسيح ودمه المقدَّسين، لأن المسيح نفسه قال بوضوحٍ: "من يأكل جسدي ويشرب دمى فله حياة أبديَّة" (يو 6: 54)... أما عن نفسي، فإني بالحقيقة أتناول أربع مرات في الأسبوع في يوم الرب والأربعاء والجمعة والسبت، وفي الأيام الأخرى إن كنَّا نحتفل فيها بعيد أي قدِّيس[599].
كما يقول: [إن التناول حتى اليومي لجسد المسيح ودمه، هو أمر جميل ونافع، لأن السيِّد يُعلن بوضوح: "إن لم تأكلوا جسد ابن البشر وتشربوا دمه، فلا حياة لكم في أنفسكم[600]".]
ويقول القديس أغسطينوس: [خلال هذه الأيام يقوتكم المعلمون؛ يقوتكم المسيح يوميًا، ومائدته مُعدة أمامكم على الدوام. لماذا أيها السامعون ترون المائدة ولا تقتربون إلى الوليمة؟[601]]
6. لماذا نؤمن بالذبيحة الواحدة التي تقدم على مذابح متعددة؟
إنها ليست ذبيحة أخرى كما كان رئيس الكهنة يفعل؛ إنما نقدم على الدوام ذات الذبيحة، أو بالأحرى نتمم تذكار (أنامنسيس) الذبيحة. نؤمن بالمذبح الواحد، بالرغم من تعدده لأن جميعها هي القبر المقدس الواحد لجسد المسيح الواحد. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم [ألا تقدم الذبيحة يوميًا؟ نعم نقدمها... لكن هذا "أنامنسيس" (ذكرى) لموته، وهي ذبيحة وحيدة غير متكررة... الأنامنسيس هو علامة موته، فإن ما نقدمه هو ذات الذبيحة، فلا تُقدم اليوم ذبيحة وغدًا أخرى مغايرة. واحد هو المسيح في كل مكانٍ، كامل في كل موضعٍ، جسد واحد، فالذبيحة واحدة في كل موضع. هذه هي الذبيحة التي لا نزال إلى اليوم نقَّربها. هذا ما نعنيه بـ "أنامنسيس" للذبيحة[602].]
7. لماذا تُخلط الأباركة بماء في الكأس؟
لأنه عندما طُعن السيد في جنبه خرج دم وماء. هذا ويرى القديس أغسطينوس أن مزج الدم الإفخارستي بالماء يشير إلى أن الماء يرمز للبشر الذين يدخلون في شركة مع آلام المسيح.
8. كيف نستعد للتناول من جسد الربّ ودمه؟
بفحص ضمير الإنسان أمام الله وتطهيره بالتوبة. يقول الرسول: "إذًا أي من أكل هذا الخبز أو شرب كأس الربّ بدون استحقاق يكون مجرمًا في جسد الربّ ودمه. ولكن ليمتحن الإنسان نفسه وهكذا يأكل من الخبز ويشرب من الكأس. لأن الذي يأكل ويشرب بدون استحقاق يأكل ويشرب دينونة لنفسه غير مميز جسد الربّ" (١ كو ١١: ٢٧-٢٩).
9. ما هي فاعلية التناول من جسد الربّ ودمه؟
بالتناول من جسد الربّ ودمه يلتصق المؤمن بالسيد المسيح ويثبت فيه، وبه يصير شريكًا في الحياة الأبدية. يقول السيد المسيح: "الحق الحق أقول لكم إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه فليس لكم حياة فيكم. من يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية وأنا أقيمه في اليوم الأخير، لأن جسدي مأكل حق، ودمي مشرب حق. من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيّ وأنا فيه" (يو ٦: ٥٣-٥٦).
10. ما هي مشاعرنا ونحن نشترك في القداس الإلهي؟
أ. نطلب أن يهبنا الربّ روح مخافة الربّ، فندرك أننا في السماء أمام عرش الله المهوب.
ب. أثناء القراءات الكنسية نحسب أنفسنا أننا في وسط الجموع حيث يتكلم السيد المسيح نفسه معنا.
ج. في اختيار الحمل نتطلع إلى الثالوث، الآب أرسل ابنه إلينا، والابن يُسرّ أن يقدم نفسه ذبيحة لأجل خلاصنا، والروح القدس يود أن يقودنا في المسيح يسوع ويرفعنا كما إلى السماء.
د. وفي صلوات التقديس نحسب أنفسنا في العلية حيث كان السيد المسيح يقدس، ويهبنا جسده ودمه.
ه. في أثناء التوزيع نشعر أن يد المسيح تمتد لتهبنا جسده ودمه.
و. بعد التناول نحسب أننا أمام عرش الله نسبحه ونمجده مع الطغمات السماوية.
ز. عند الانصراف تنشغل بالحديث مع المخلّص الذي يقيمنا معه، ونود الالتصاق بنا كما اشتهت مريم المجدلية عندما تحدث معها واكتشفت أنه ليس البستاني كما كانت تظن بل هو الربّ.
11. هل تبقى الكنيسة تمارس القداس الإلهي حتى يوم مجيئه؟
يقول الرسول: "فإنكم كلما أكلتم هذا الخبز وشربتم هذه الكأس تخبرون بموت الربّ إلى أن يجيء" (١ كو ١١: ٢٦). بقوله: "تخبرون بموت الرب إلى أن يجئ"، يكشف الرسول عن الفكر الإنقضائي في حياة الكنيسة. فعمل الكنيسة الرئيسي هو شركة السيد المسيح في موته وترقبها المستمر لمجيئه الأخير لتشاركه مجده وتراه وجهًا لوجهٍ. نتمتع به هنا بتناولنا جسده ودمه، أما عند مجيئه فيحملنا إلى حضن أبيه، ونوجد شركاء مع المسيح في مجده، فنحقق مسرته ومسرة أبيه والروح القدس.
يقول القديس أمبروسيوس: [كلما قبلناه (بالتناول) نعلن موت الرب. بالموت نعلن غفران الخطايا. إن كان سفك الدم من أجل غفران الخطايا، فيليق بي دائمًا أن أقبله لكي يغفر دومًا خطاياي.]
[أنا الخاطي على الدوام أحتاج دومًا إلى علاج[603].]
12. ما هو ارتباط مائدة الإفخارستيا بمائدة التعليم؟
في الميمر الـ 59 عن الأسرار المقدسة يربط مار يعقوب السروجي بين التمتع بمائدة التعليم ومائدة الإفخارستيا، فمن يتناول من إحداهما لا يكف عن التناول من الأخرى، إذ يقول: [أيها المتميزون هلموا نتلذذ اليوم من التعليم، لأن طعمه أحلى من شهد العسل. هلموا واسمنوا من المائدة المملوءة حياة، لأنه لا فساد في أطعمتها لمن يستحقها.]
13. ما هو دور هذه الوليمة في حياة من يتناول منها؟
أولاً: الانفتاح على البشرية. إذ يتمتع المؤمن بهذه الوليمة يشتاق بدوره أن يدعو الشعوب إليها. يقول مار يعقوب السروجي: [خرجت (عروس الملك) إلى طرقات العالم لتجمع جميع الشعوب لتسعدهم... قامت في رؤوس الأسواق وزوايا الأرض لتدعو إليها المحافل والجموع إلى الوليمة[604].]
كما يقول: [من كان يقدر أن يذبح الابن قدام أبيه، لو لم يذبح هو نفسه بيديه قبل الآمه؟ ربنا هو الحبر الأعظم، والذبيحة الكاملة، ولهذا ذبح نفسه قدام أبيه... إنه ميت، وإذ هو ميت كان حيًا ولا يُعقب، وهو الكاهن والمحرقة وبحثه يفوق المجادلين. عرّفهم كيف يشربون كأس دمه، ويسقون منه الشعوب والعالم والبلدان... ختم بدمه العهد الجديد الذي صنعه ليكون لغفران الذنوب للعالم بأسره[605].]
ثانيًا: الاهتمام بالفقراء. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كثيرون يقتربون مع الفقراء إلى هذه المائدة المقدسة، ولكن عندما نخرج نبدو كأننا لم ننظرهم، بل نكون سكرى ونحتقر الفقراء، الأمور التي أُتهم بها أهل كورنثوس[606].]
ثالثًا: السلوك بروح الوحدة والحب. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ماذا يصير إليه الذين يشتركون فيه؟ جسد المسيح، وليس أجسادًا كثيرة، بل جسد واحد (أف 5: 30). فكما أن الخبز يتكون من قمح كثير ويصير واحدًا، فلا يعود يظهر القمح وإن كان بالحق موجودًا، لكن لا يظهر الاختلاف بسبب الاتحاد معا، هكذا نحن نرتبط معًا الواحد مع الآخر ومع المسيح... لذلك يقول: "لأننا جميعًا نشترك في الخبز الواحد" (1 كو 10: 17)... فلماذا لا نُظهر ذات الحب ونصير بهذا واحدًا؟[607]]
يقول القديس أغسطينوس: [بالخبز تتعلمون كيف يجب أن تعتزّوا بالوحدة. هل هذا الخبز مصنوع من القمح؟ أليس كذلك؟ بالأحرى من قمح كثير؟ على أي الأحوال، قبل أن يصير خبزًا كان هذا القمح مبعثرًا. لقد انضم إلى بعضه البعض في الماء بعد أن طُحن. فإنه ما لم يُطحن القمح ويُعجن بالماء لن يصل إلى ذاك الشكل الذي يُدعى خبزًا. هكذا أنتم أيضًا كنتم قبلاً تُطحنون كما بمذلة أصوامكم وسرّ جحد الشيطان. عندئذ جئتم إلى معمودية الماء. لقد عجنتم حتى تبلغون شكل الخبز. ولكن بدون النار لن يوجد خبز[608].]
رابعًا: عدم الاشتراك في موائد الأشرار. يقول الذهبي الفم: [لا تجري نحو الأمور المضادة. فإنك إن كنت ابن الملك ولك حق الاشتراك في مائدة أبيك... فهل تتركها وتختار مائدة المُدانين؟... بكل غيرة يسحبك ليس لكيلا تؤذيك مائدتهم، وإنما لأن في هذا يعيب مائدتك الملوكية المكرمة[609].]
خامسًا: السلوك بروح القوة. يقول الذهبي الفم: [ليتنا نعود من تلك المائدة كأسود تتنفس نارًا ترعب الشيطان، مفكرين في رأسنا وفي حبه الذي أظهره لنا... (يقول الرب) أردتُ أن أصير أخاكم، ومن أجلكم شاركتكم في اللحم والدم، وأعود فأعطيكم الجسد والدم لكي بذلك أصير قريبكم. هذا الدم يجعل صورة ملكنا متجددة فينا، تبعث جمالاً لا يُنطق به، ولا تدع سمو نفوسنا أن يُنزع منا، بل ترويه دائمًا وتنعشه... هذا الدم السري إن تناولناه بحق يطرد الشياطين، ويجعلهم بعيدين عنا، بينما يدعو الملائكة ورب الملائكة إلينا. فحالما يرون دم الرب تهرب الشياطين وتركض الملائكة معا... سُفك هذا الدم وجعل السماء سهلة المنال[610].]
يقول الشهيد كبريانوس: [الإفخارستيا هي حصن لمن يتناولها. إننا في احتياج إليها لكي نتسلح بحماية فيض الرب، الأمر الذي نرغب فيه ليجعلنا في أمان من الخصم.]
ويقول القديس أفرآم السرياني: [لم يستطع الملاك أن يلمس الجمرة النارية بأصابعه، إنما أحضرها قريبًا من فم إشعياء. لم يمسكها الملاك، ولم يلتهمها إشعياء، أما ربنا فسمح لنا أن نفعل هذا وذاك.]
سادسًا: صدور أنهار مياه حية. يقول الذهبي الفم: [بالحق مهوبة هي أسرار الكنيسة، مهوب بالحق هو المذبح. يصعد ينبوع من الفردوس... من هذه المائدة يصدر ينبوع يبعث أنهارًا روحية[611].]
سابعًا: احتضان مخلصنا. يقول الذهبي الفم: [لكي يتناولوه أيضًا، ويحتضنوه في كمال قلوبهم[612].]
ثامنًا: بلوغ ملكوت السماء. يقول الذهبي الفم: [يكون للذين يشتركون في (جسد الرب ودمه) رزانة النفس، وغفران الخطايا، وشركة الروح، وبلوغ ملكوت السماء، والدالة لديه، وليس للحكم والدينونة[613].]
تاسعًا: الشركة في التسبيح مع السمائيين. يقول الذهبي الفم: [كأن الإنسان قد أُخذ إلى السماء عينها، يقف بجوار عرش المجد، يطير مع السيرافيم، ويترنم بالتسبحة المقدسة[614].]
عاشرًا: تحويل القلب إلى بيت لحم. يقول القديس أمبروسيوس: [كل نفسٍ تتقبل الخبز النازل من السماء هي بيت الخبز، خبز المسيح، إذ تقتات ويتقوى قلبها بمؤنه الخبز السماوي الساكن فيها. لهذا يقول بولس: "نحن خبز واحد". كل نفسٍ أمينة هي بيت لحم، كما أنها تُدعى أورشليم، إذ يحل بها سلام أورشليم العليا وهدوءها التي هي السماء. هذا هو الخبز الحقيقي الذي بعد أن يُكسر إلى قطع يشبع كل البشرية[615].]
حادي عشر: تحدي الفساد والموت. يقول القديس كيرلس الكبير: [أشبع طعام المن حاجة الجسد زمانًا يسيرًا جدًا، أبعد ألم الجوع، لكنه صار بعدها بلا قوة، ولم يهب الذين أكلوه حياة أبدية. إذن لم يكن ذاك هو الطعام الحقيقي والخبز النازل من السماء. أما الجسد المقدس الذي للمسيح الذي يقوت إلى حياة الخلود والحياة الأبدية فهو بالحقيقة الطعام الحقيقي. لقد شربوا ماءً من صخرة أيضًا... وما المنفعة التي عادت على الذين شربوا لأنهم قد ماتوا (1 كو 10: 3-6). لم يكن ذاك الشراب أيضًا شرابًا حقيقيًا، بل الشراب الحق في الواقع هو دم المسيح الثمين، الذي يستأصل الفساد كله من جذوره، ويزيح الموت الذي سكن في جسم الإنسان.]
يُعلّق القدّيس كيرلّس الكبير على العشاء الأخير، قائلاً: [بأيَّة وسيلة يمكن للإنسان الذي على الأرض وقد اِلتحف بالمائت أن يعود إلى عدم الفساد؟ أجيب أن هذا الجسد المائت يجب أن يشترك في قوّة واهب الحياة النازلة من الله. أمّا قوّة واهب الحياة التي لله الآب فهي الابن الوحيد الكلمة، الذي أرسله إلينا مخلّصًا وفاديًا. كيف أرسله إلينا؟ يخبرّنا يوحنا الإنجيلي بكل وضوح: "والكلمة صار جسدًا وحلّ بيننا" (يو 1: 14)... عندما نأكل جسد المسيح المقدّس، مخلّصنا جميعًا، ونشرب دمه الكريم ننال الحياة فينا، إذ نكون كما لو أننا واحد معه، نسكن فيه وهو يملك أيضًا فينا... لا تشك فإن هذا حق مادام يقول بنفسه بوضوح: "هذا هو جسدي، هذا هو دمي" (مت 26: 26، 28)، بل تقبل كلمة المخلّص بإيمان، إذ هو الحق الذي لا يقدر أن يكذب[616].]
كتب في إحدى رسائله إلى نسطور: [لكي نعلن موت ابن الله الوحيد الجنس حسب الجسد الذي هو يسوع المسيح ونعترف بقيامته من الموت وصعوده إلى السماوات نقوم بالاحتفال بالذبيحة غير الدموية في كنائسنا. وبهذا نقترب من بركات روحانية مسيحية بل ونتطهر بالاشتراك في الجسد المقدس والدم الكريم اللذين للمسيح مخلص جميعنا. نحن نتناوله ليس مثل أي جسد (لأن الله يحرم مثل هذا) ولا مثل جسد إنسان مقدس يصاحب الكلمة (اللوغوس) ... لكنه جسد حقيقي للكلمة نفسه وبالحقيقة هو يعطي حياة.]
يقول القديس إكليمنضس السكندري: [يقول "كلوا هذا هو جسدي، هذا هو دمي" (مت 26: 26، 28). مثل هذا الطعام لائق، قد هيّأه الرب، مقدّما جسده وباذلاً دمه، فلا حاجة للأبناء بعد إلى شيءٍ لنموّهم، يا له من سرّ مدهش! إنّنا نتمتّع به لينزع الفساد الجسدي القديم، ولنأخذه عوض الطعام القديم. نتقبّله هو ما أمكن؛ نخفيه في داخلنا؛ وإذ ندّخر المخلّص في نفوسنا تتهذّب عواطف جسدنا[617].]
ثاني عشر: نعيش لذاك الذي مات لأجلنا وقام. يقول القديس باسيليوس الكبير: [تعلم إذن كيف يليق بك أن تتناول جسد المسيح، أي في ذكرى طاعته حتى الموت، حتى أن الذين يعيشون لا يعيشون بعد لأنفسهم، وإنما لذاك الذي مات لأجلهم وقام[618].]
ثالث عشر: الإعلان عن نفسه. يقول القديس أغسطينوس: [متى أعلن الرب عن نفسه؟ عند كسر الخبز (لو 24: 30-31)... لذلك عندما نكسر الخبز نتعرف على الرب، فهو لم يعلن عن نفسه إلا هنا على المائدة... لنا نحن الذين لم نستطع أن نراه في الجسد، ولكنه أعطانا جسده لنأكله. فإذا كنت تؤمن بهذا فتعال مهما كنت. وإذا كنت تثق فاطمئن عند كسر الخبز[619].] كما يقول الأب ثيؤفلاكتيوس: [تُفتح أعين الذين يتقبلون الخبز المقدس لكي يعرفوا المسيح، لأن جسد الرب يحمل فيه قوته العظيمة غير المنطوق بها.]
رابع عشر: إدراك سرّ الفصح المسيحي. يقول الأب ميليتو أسقف ساردس: [يتحقق سرّ الفصح في جسد الرب، فقد اقتيد كحملٍ، وذبح كشاةٍ، مخلصًا إيانا من عبودية العالم ومحررنا من عبودية إبليس كما من فرعون، خاتمٍا نفوسنا بروحه وأعضائنا الجسدية بدمه.]
خامس عشر: النمو الروحي المستمر. يقول القديس كيرلس الكبير: [اكتساب الحياة الروحية من خلال الإفخارستيا يتطلب اشتراكًا منتظمًا في السرّ. فالمؤمن يحتفظ بحياته الروحية، وينمو في الروح طالما استمر ارتباطه بالمسيح، ليس روحيًا فقط، ولكن أيضًا من خلال ممارسة عملية منتظمة للتناول من جسد المسيح ودمه، أما الاشتراك غير المنتظم في الإفخارستيا فقد يحرم المؤمن من الحياة الأبدية.]
14. ماذا يقدم العريس السماوي لمؤمنيه على مائدته؟
يعطي الختن (العريس) جسده للعروس لتتناوله؛ يقول مار يعقوب السروجي: [من رأى ختنًا مذبوحًا في الوليمة أو العرائس يأكلن عرسانهن؟ ابن الله صنع عملاً جديدًا في العالم لم يصنعه أحد سواه منذ الأزل. صفّ جسده ودمه في العُرس أمام المدعوين ليأكلوا منه ويحيوا معه بدون نهاية. ربنا هو مأكل ومشرب في وليمته، مبارك الذي أعطانا جسده ودمه، له التسبيح[620].]
15. هل هو جسد حقيقي ودم حقيقي؟
يقول مار يعقوب السروجي: [كان الرسل المختارون مهتمين بأن يصدقوا الابن لا أن يعقبوا أو يستفسروا مثل الجسورين. الخبز الذي كسره ودعاه جسده عرفوه جسدًا، نعم، وحسبوا بالحقيقة أن دمه كان يقطر[621].] ويقول القديس كيرلس الأورشليمي: [في قانا الجليل حوّل الماء مرة إلى خمر قريب من الدم. فهل لا يمكن تصديق أنه يقدر أن يحوّل الخمر دمًا؟ صنع هذا العمل المدهش بمعجزة عندما دُعي إلى عرس دنيوي، وعندما يهب "بني العُرس" (مت 9: 15) أن يتمتعوا بجسده ودمه، أفلا نعترف به بالأكثر؟[622]] [تحدث السيد نفسه بوضوح عن الخبز: "هذا هو جسدي" فهل يتجاسر أحد ويشك؟ إن كان هو نفسه ضماننا يقول: "هذا هو دمي"، من يتذبذب ويقول إنه ليس بدمه؟... بثقة كاملة نحن نشترك في جسد المسيح ودمه[623].]
ويقول العلامة أوريجينوس: [حتى ما يُدعى خبز الرب... ليس الطعام بل ضمير من يأكل بشكٍ يدنس ذاك الذي يأكل، لأن من يشك يُدان متى أكل، إذ يأكل بدون إيمان. وليس شيء طاهرًا لمن هو دنس وغير مؤمن، وذلك ليس في الشيء نفسه، وإنما بسبب دنسه هو وعدم إيمانه. هكذا ما يتقدس بكلمة اللَّه والصلاة لا يقدس من يستخدمه في طبيعته، لأنه لو كان الأمر كذلك لتقدس حتى ذاك الذي يأكل خبز الرب بدون استحقاق، ولا يصير أحد قط بسبب ذلك ضعيفًا أو مريضًا وأن ليس قليلون يرقدون. ففي حالة خبز الرب ينتفع به ذاك الذي يستخدمه بعقل غير دنس وضمير طاهر[624].]
ويقول القديس كيرلس الكبير: [لم يعرفوا جمال السرّ، ولا ذلك التدبير البديع جدًا الخاص به. إلى جانب ذلك فإنهم قد تناقلوا هذا الأمر مع أنفسهم، كيف يمكن للجسد البشري أن يغرس فينا حياة أبدية، كيف يمكن لشيءٍ من نفس طبيعتنا أن يهب خلودًا؟ وإذ يعرف المسيح أفكارهم، لأن كل شيء عريان ومكشوف لعينيه (عب ٤: ١٣)، فإنه يشفي أسقامهم أيضًا مرة أخرى، فيقودهم بيده بطرقٍ متنوعة إلى فهم هذه الأمور التي كانوا لا يزالوا يجهلونها بعد... إن كنتم تفترضون أن جسدي لا يستطيع أن يهبكم حياة، فكيف له أن يصعد إلى السماء كطائرٍ؟ لأنه إن كان لا يقدر أن يُحيي، لأنه ليس من طبيعته أن يحيي، فكيف سيحلق في الهواء، وكيف يصعد إلى السماء؟ لأن هذا أيضًا مستحيل. لكن ذاك الذي جعل الجسد الأرضي سماويًا، فسيجعله واهبًا للحياة أيضًا حتى إن كانت طبيعته تتحلل، فيما يختص بتكوينه الخاص.]
[يليق بالأبدي أن يعطي ما هو أبدي، لا أن يعطي تمتعًا بطعامٍ وقتي بالكاد يقدر أن يدوم لحظات قليلة... يليق بالذي نزل أن يجعل المشتركين في تناوله أسمى من الموت والاضمحلال.]
[إن كان بلمسة جسده المقدس وحدها يعطي حياة لجسد تحلل (في إقامة ابنة يايرس لو ٨: ٥٤؛ وإقامة الشاب وحيد أمه لو ٧: ١٢–١٤)، فكيف لا ننتفع نحن بأكثر غنى ببركة (التناول) التي نشترك فيها، إذ حين نتذوقها ننال واهب الحياة؟ لأنه سيتحول بالتأكيد إلى خيرنا الذاتي، أي الخلود.]
[يعطي جسد المسيح حياة لكل من يشترك فيه، لأنه يطرد الموت، حتى يأتي ويدخل إلى أناسٍ مائتين، ويزيل الفساد، إذ أن (جسد الكلمة) ممتلئ بالكامل بالكلمة الذي يبيد الفساد.]
[لا تشك في أن هذا حق، إذ قال بوضوح: "هذا هو جسدي"، إنما اقبل كلمات مخلصك بإيمان، إذ هو الحق الذي لا يكذب[625].]
[دع الذين بسبب حماقتهم يرفضون الإيمان بالمسيح يسمعون هذا:" إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه فليس لكم حياة فيكم" (يو 53:6). في الحقيقة أن كل من يتناول بلا اشتراك ولا تذوق الحياة في القداسة والبركة لا يقبل الرب يسوع خلال هذا السرّ المقدس. لأنه هو الحياة بالطبيعة بحسب ميلاده من الآب الحي (يو 57:6). علاوة على ذلك، جسده المقدس معطى حياة لأنه بطريقة لا يعبر عنها متحد بالكلمة (اللوغوس) الذي ينشئ الحياة في كل الأشياء[626].]
يقول القديس أغسطينوس: [قال لهم إنه سيصعد إلى السماء، حتمًا بكليته. "فإن رأيتم ابن الإنسان صاعدًا إلى حيث كان أولاً". عندئذ بالتأكيد على الأقل سترون أنه لا يكون ذلك بالطريقة التي تظنون أنه بها يوزع جسده. بالتأكيد عندئذ ستدركون أن نعمته لا تًستهلك بالأكل[627].]
ويقول: [هو نفسه "الخبز النازل من السماء"، الخبز الذي ينعش الناقصين ولا ينقص. خبز يمكن أن يُؤكل ولا يمكن أن يتبدد. هذا الخبز يشير إليه المن. فقد قيل "أعطاهم خبز السماء، أكل الإنسان خبز الملائكة" (مز ٧٧: ٢٤، ٢٥ LXX). من هو خبز الملائكة إلاَّ المسيح؟ ولكن لكي يأكل الإنسان خبز الملائكة، صار رب الملائكة إنسانًا. فإنه لو لم يصر إنسانًا ما كان له جسده، وإن لم يكن له جسده ما كنا نأكل خبز المذبح. لنسرع إلى الميراث، متطلعين إلى إننا قد قبلنا عربونا عظيمًا منه. يا إخوتي ليتنا نشتاق إلى حياة المسيح، متطلعين إلى أننا أمسكنا بعربون موت المسيح.]
يقول القديس هيلاري أسقف بواتييه: [بخصوص صدق الجسد والدم لا يوجد أي مجال للشك. فإنه الآن بإعلان الرب نفسه وإيماننا، هو جسد حقيقي ودم حقيقي. وما يؤكل ويشرب يعبر بنا لكي نكون في المسيح والمسيح فينا[628].]
يقول القديس أمبروسيوس: [السر الذي تتقبلوه هو من عمل كلمة المسيح. إن كانت كلمة إيليا لها القوة لتنزل نارًا من السماء (1 مل 18: 38)، ألا تحمل كلمة المسيح قوة أن تغير طبيعة العناصر؟]
يقول الأب يوحنا الدمشقي: [إن سُئلت: كيف يتغير الخبز إلى جسد المسيح، أجيب: الروح القدس يظلل الكاهن، ويعمل في العناصر بنفس الكيفية كما في رحم البتول مريم.]
16. أتريد أن ترى يسوع المسيح؟
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كثيرون يقولون: إنني أرغب في رؤية هيئته وملابسه ونعليه، آه، ها أنت تراه وتلمسه وتتناوله! أنت تريد ملابسه وهو يعطيك ذاته، لا لكي تراه فحسب، بل تلمسه وتتناوله وتقبله في داخلك[629].]
17. من يحوِّل القرابين إلى جسد الرب ودمه؟
يقول الذهبي الفم: [حتى الآن المسيح الملاصق لنا الذي أعد المائدة هو بنفسه يقدسها. فإنه ليس إنسان يحول القرابين إلى جسده ودمه، بل المسيح نفسه الذي صُلب عنا. ينطق الكاهن بالكلمات، لكن التقديس يتم بقوة الله ونعمته. بالكلمة التي نطق بها: "هذا هو جسدي" تتقدس القرابين[630].]
18. لماذا يقول: "لأنني تسلَّمتُ من الرَّب" (1 كو 11: 23) مع أنه لم يحضر العشاء الرباني؟
يقول الذهبي الفم: [قال هذا لكي تعرف أن المائدة الأولى لا تزيد عن تلك التي جاءت بعد ذلك. فإنه حتى اليوم الذي يفعل المائدة (السيد المسيح نفسه) ويسلمها كما فعل في ذلك الحين[631].]
19. ماذا يقصد الرسول بقوله "كأس البركة" (1 كو 10: 16)؟
هذا اللقب الذي نُطق به ليس بهينٍ. لأني عندما أدعوه "بركة" أقصد "الشكر"، وعندما أدعوه "الشكر" أكشف عن كنز صلاح اللَّه[632].]
20. لماذا قال السيد المسيح: "اصنعوا هذا لذكري Do this in my anamnesis"؟
يقول مار إفرام السرياني (على لسان السيد المسيح): [إني أدعوه جسدي، وهو بالحق هكذا. فإن أصغر جزء منه يقدر أن يقدس ألوف النفوس ويكفي أن يهب حياة لمن يتناول منه[633].]
كلمة "أنامنسيس" في اليونانية لا تعني مجرد التذكر أو الذكرى لأمر نتطلع إليه غائبًا عنا، بل تحمل إعادة دعوته أو تمثيله في معنى فعّال. الأنامنسيس يعني تذكر المسيح المصلوب القائم من الأموات، أو تذكر ذبيحته لا كحدث ماضي، بل تقديم ذبيحة حقيقية حاضرة وعاملة[634] أي ذكرى فعالة.
21. كيف يمكن للمائدة التي هي علة بركات كثيرة أن تصير علة دينونة (1 كو 11: 29)؟
يجيب الذهبي الفم هكذا:
أ. هذا ليس من طبيعته الذاتية، وإنما يقول الرسول بولس ذلك بسبب نظرة المتقدم إليها. فكما أن حضور المسيح حوَّل هذه البركات العظيمة والتي لا يُنطق بها إلى دينونة للذين لم يقبلوه، هكذا التناول المقدس يصير عقوبة أعظم للذين يتناولونه بغير استحقاق[635].
ب. هؤلاء يشبهون كاهنًا يسكب الدم، فيجعل من الموت ذبحًا لا ذبيحة. ومثل أولئك الذين ضربوا يسوع بالحربة على الصليب (يو 43:19). لم يفعلوا ذلك ليشربوا دمه بل ليسفكوه[636].
يقول القديس أغسطينوس: [أوجه إليكم الكلمات يا أيها الضيوف الكرام في هذا العيد: "من يأكل ويشرب بغير استحقاق، يأكل ويشرب دينونة لنفسه". أوجه حديثي إلى كل الذين هم هكذا، لكيلا يتطلعوا إلى الصالح الذي من الخارج ويحملون الشر في الداخل[637].]
[ماذا يعني تناوله بغير استحقاق؟ أن يتناول الإنسان باستخفاف واستهانة[638].]
22. هل يمكن التناول بدون توبة صادقة؟
يقول القدِّيس أمبروسيوس: [لا يجوز لأي شخص وهو في الخطية (متهاونًا)... أن يشترك في الأسرار... فإن داود يقول في مزموره: "على الصفصاف في وسطها علقنا قيثاراتنا... كيف نرنم ترنيمة الرب في أرض غريبة؟" (مز 137: 2، 4). إن كان الجسد لازال يقاوم الذهن، ولا يخضع لإرشاد الروح القدس، فإنه لازال في أرض غريبة، لم يخضع لكفاح المزارع، لهذا لن يحمل ثمار المحبة والاحتمال والسلام... فإذا كانت التوبة غير عاملة فيك، فخير لك ألاَّ تتقدم للأسرار، لئلا تحتاج إلى توبة عن هذه التوبة الغير العاملة، ولكنك محتاج إلى تلك الكلمات "انقضوا، انقضوا حتى الأساس منها" (مز 137: 7). ويواسي داود هذه النفس البائسة قائلاً: "يا بنت بابل الشقية". قال إنها شقية لأنها بنت بابل، حيثُ رفضت بنوتها لأورشليم أي السماء (وتمسكت بالخطية بابل أرض السبي). ومع ذلك فإنه يدعو لها بالشفاء، قائلاً: "طوبى لمن يكافئك مكافأتك التي جازيتنا، طوبى لمن يمسك أطفالك ويدفنهم عند الصخرة" (مز 137: 9)، أي يدفن أفكارها الفاسدة الدنسة المضادة للمسيح. فقد قيل لموسى: "اخلع نعليك من رجليك" (خر 3: 5). فكم بالأولى يلزمنا نحن أن نخلع من أرجلنا الروحية رباطات الجسد، وننظف خطواتنا من كل ارتباطات العالم؟!]
23. كيف نستعد للتناول من جسد الرب ودمه؟
1. جسد المسيح في الإفخارستيا يتطلب نقاوة النفوس لا الثياب الفاخرة. يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [يجب أن تكون مكسوًا بثياب. بالطبع لا يعني هذا أنك يجب أن تلبس ثيابًا بيضاء، لكن يجب أن تكون مكسوًا بالثياب البيضاء اللامعة الروحية، حتى تقول مع المطوّب "فرحًا أفرح بالرب...، لأنه قد ألبسني ثياب الخلاص، كساني رداء البرّ" (إش 61: 10)[639].]
سُئِل القديس باسيليوس بالنسبة لمن يتعرَّض لحلمٍ غير طاهر أو إفراز طبيعي، إن كان يمكن أن يتقدَّم للأسرار المقدسة، وجاءت إجابته أن من تمتَّع بالميلاد الجديد في المعمودية يليق به أن يرتفع بعمل الروح القدس فوق الطبيعة، يقول: [لكننا نتعلَّم حتى في العهد القديم الحكم الرهيب على من يقترب إلى المقدسات في عدم طهارة (لا 15: 31). الآن إذ يوجد هنا ما هو أعظم من الهيكل (مت 12: 6)، فإن الرسول بالتأكيد يؤدِّبنا بأكثر رهبة قائلاً: "إذ أي من أكل... أو شرب... بدون استحقاق... يأكل ويشرب دينونة لنفسه" (1 كو 11: 27، 29)[640].]
يقول القديس إكليمنضس السكندري: [لا يكون باستعدادات خارجية فحسب، وإنما بتهيئة النفس داخليا خلال ممارسة حياة الحب والطهارة الجسدية والقلبية، وأن يكون سلوكنا في حياتنا اليومية مطابقا لسلوكنا داخل الكنيسة. يليق بالرجال والنساء أن يذهبوا إلى الكنيسة في هدوء ونظام وسكون، وتكون فيهم المحبة الصادقة... وان يكونوا أطهارا بالجسد والقلب مؤهلين للصلاة لله.]
2. غسل اليدين وتطهيرنا من كل عمل خاطئ. يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [إنك ترى الشماس الذي يعطي الكاهن ليغتسل والكهنة الواقفين حول مذبح الله. أنه لا يعطيه الماء لأجل قذارة الجسد، لأننا لا ندخل الكنيسة بأجسام قذرة، لكن غسل اليدين يشير إلى ضرورة تطهيرنا من كل عملٍ خاطئٍ غير لائقٍ، لأن اليدين رمز الحركة، فبغسلهم يتضح أننا نقدم طهارة خلقتنا غير الملومة. ألم تسمع المطوّب يكشف هذا السرّ ويقول: "أغسل يديّ في النقاوة، فأطوف بمذبحك يا رب" (مز 26: 6)، إذ يرمز غسل الأيدي إلى الحصانة من الخطية[641].]
3. يرى القدِّيس باسيليوس الكبير أن السيد المسيح قدم لنا جسده ودمه المبذولين خلال طاعته لأبيه حتى الموت موت الصليب (في 2: 8). هكذا نحن نتأهل للتناول خلال ميلنا للطاعة[642]. كما يقول: [سلوكنا نحن الذين نتناول جسد الرب ودمه يلزم أن يكون فيه تذكار طاعة الرب حتى الموت، حتى أن الذين يعيشون لا يحيون لأنفسهم، بل لذاك الذي مات عنهم وقام[643].]
4. أيضًا يقول: [من يشترك في الأسرار المقدسة يلزمه أن يحمد الرب بالتسابيح[644].]
5. يقول القدِّيس باسيليوس: [ليذكر من يتقدَّم إلى التناول موت المسيح وقيامته، ويذكر أنه يجب أن يتحلَّى بنقاوة الجسد والروح، وأن يُعبِّر عمليًا عن الموت عن الخطيئة والعالم والذات بحياته مع الله ومع المسيح ربنا[645].]
6. لا يمكننا قبول وليمة المسيا، التناول من جسد الرب ودمه، إن لم ننصت أولاً إلى ما تعنيه هذه الوليمة خلال فهمنا الكتاب المقدس. وإذ ننعم بالوليمة، نبقى أيضًا في عوزٍ إلى سماع كلمة الله.
7. لتكن قلوبنا عُلية مرتفعة ومتسعة. يقول العلامة أوريجينوس: [لنصعد مع الرب، متحدين معه، إلى العُليّة... لتكن عُليّة بيوتنا متّسعة لتستقبل في داخلها يسوع كلمة الله، الذي لا يُدرَك إلا بواسطة من لهم الفهم العظيم... لتُعد هذه العُليّة بواسطة صاحب البيت الصالح ليأتي فيها ابن الله فيجدها مغسولة ونقية من كل خبث.]
كما يقول: [يلزمنا أن ندرك أنه لا يرتفع أحد إلى العُليّة ممن يهتم بالولائم والاهتمامات الزمنية، ولا يكون له مع يسوع نصيب في حفظ الفصح[646].]
24. هل يُمكن تقديم (الإفخارستيا) في بيت عادي؟
يجيب القديس باسيليوس: [حيث أن الكلمة (الكتاب المقدس) لا تسمح أن يُستخدَم إناء عادي في الأماكن المقدسة، هكذا لا يُسمَح للمقدسات أن تتم في بيت عام، فإنه حسب أمر الله في العهد المقدس لا يسمح بهذا أن يُعمَل (لا 10: 9-10). لكن الرب يقول: "هنا أعظم من الهيكل!" (مت 12: 6). ويقول الرسول: "أفليس لكم بيوت لتأكلوا فيها وتشربوا؟... ماذا أقول لكم؟ أأمدحكم على هذا؟ لست أمدحكم. لأنني تسلّمت من الرب ما سلّمتكم أيضًا" (1 كو 11: 22-23). بهذا نتعلَّم ألا نأكل ونشرب طعامًا عاديًا في الكنيسة، ولا نجلب إهانة على مائدة الرب في بيتٍ خاص، إلا عند الضرورة، فيختار الشخص مكانًا طاهرًا أو بيتًا باستقامة[647].
25. كيف يخدم الكاهن في المذبح؟
ثياب هرون أول رئيس كهنة في العهد القديم المتسمة بالبهاء وحلته المجيدة مع بقية الثياب تشير إلى السيد المسيح الذي يلتحف بكنيسته المقدسة التي بلا لومٍ كثوبٍ له يعكس بهاءه عليها ويُقَدِّسها. يرى القديس باسيليوس أن رئيس الكهنة في العهد القديم كان يرتدي ثوب الكهنوت، وقد ثُبِّتَت فيه جلاجل ورمَّانات من ذهب نقي (خر 28: 33؛ 39: 25)، فكلما تحرَّك، تُسمَع أصوات الجلاجل، فيذكر أنه في حضرة الربِّ، وأنه يليق به أن يشارك صراخ السمائيين في مهابةٍ مع شوقٍ عظيمٍ وحب لرؤية الله والتمتُّع بحضرته في هيكله المقدس. أما في العهد الجديد، فعوض الجلاجل، يتلو الكاهن المزامير، بكونها شركة مع السمائيين في حياة التسبيح المستمرة.
آ. تُوزَّع الجلاجل الذهبية والرمانات بالترتيب، فتكون كل من الجلاجل محاطة برمَّانة عن يمينها وعن يسارها. فإن كانت الجلاجل تشير بصوتها إلى الكرازة بإنجيل المسيح، فإنه يليق بالكارزين ألا يتوقَّف صوتهم وشهادتهم للحق الإنجيلي، ويطلبون من الله أن يهبهم ثمرًا روحيًا (رمَّانات).
ب. في مديح هرون الكاهن جاء في سفر يشوع بن سيراخ: "وأحاطه برمَّانات وجلاجل كثيرة من حوله" (سيراخ 45: 9-10). حتى إذا تحرَّك في القدس أو قدس الأقداس يُسمع صوت الجلاجل الذهبية، وكأنه في خدمته وسط البشر أو ممارسته العبادة يكرز بالعمل والصلاة.
ج. يشير الذهب إلى السمة السماوية، وكأن خدمته وعبادته وسلوكه تتَّسِم باللمسات السماوية.
د. يرى القديس باسيليوس أنه يليق بمن يشهد للإنجيل أن يكون كملاك الله، يتَّسِم بمخافة الرب. [لا يتكلم إكليريكي عند المذبح خارجًا عن ما تحتاج إليه الضرورة، لأن هرون ثُبِّتَت له جلاجل في ثيابه لأجل مخافة الملائكة. يجب أن تكون لنا المزامير على المذبح عوضًا عن الجلاجل التي لهرون... ولا يتكلم أحد جملة في الهيكل ولا حول المذبح، بل يجعلون لهم موضعًا خارجًا عن ذلك، يأكلون فيه، ويقسمون الخبز فيه. وإذا أتوا ليضعوا الخبز، وقام الصغير بتقسيم الخبز، لا يكون تذمُّر بين الاكليروس، ولا ينظر أحد من يُقسِّم (لا يراقبه) ولا يعثر أحد آخرين[648].]
هنا أذكر بذات الروح كان أبونا القمص بيشوي كامل في أيام الأعياد الكبرى يُصَمِّم أن يستلم الكاهن المُسَام حديثًا الذبيحة ويُلقِي عظة العيد. وكان في سلوكه اليومي يتعامل ببساطة كالأطفال وبحكمة، لا يشغل فكره بمن يتقدَّم بين الكهنة في الكرامة الزمنية.
26. كيف نحرص على قدسية الثياب الكهنوتية؟
يقول القديس باسيليوس: [الثياب التي يقدس بها لا تخرج خارجًا عن الكنيسة، بل تكون في الأماكن التي يكون فيها خدام الكنيسة، أو الموضع الذي فيه الكتب (الكنسية)، في مكانٍ يليق بالكهنوت مُتَّصِل بالمذبح. وتكون ثيابًا بيضاء[649]، ليست مصبوغة بألوانٍ، نازلة على أرجلهم، وعلى أكتافهم بلالين[650]. ولا يلبس أحد حذاءً وهو داخل المذبح[651].]
جاء في القانون ٣٧ لأبوليدس: "كل دفعة ينال الأسقف السرائر، يجتمع الشمامسة والقسوس إليه وهم لابسون ثيابًا بيضاء، أبهى من كل الشعب، مضيئين بالأكثر بأفعالهم الحسنة أكثر من الثياب".
حول الخطوط الرئيسية لليتورچيا القبطية[652]
27. ما هي سمات الليتورچيا المصرية؟
الشرق بصورة عامة، خاصة كنيسة مصر، بقي محافظًا على روح الليتورچيا الرسولية الآبائية. أما نص الليتورجية فلم يحدث فيه تغيير يذكر منذ القرن الخامس، الأمر الذي أعطى لدراسة الليتورچيا المصرية أهمية خاصة. يقول الأب جنجمان في كتابه The Early Liturgy "[653]: [في التكوين العام للقداس احتفظت الطقوس الشرقية بكثير من الملامح الأولى التي اختفت في الطقس الروماني... فبينما يتغير قداسنا من يومٍ إلى آخر، إذا بالشرق يكرر ذات الطقس بلا تغيير." ويقول الراهب الانجليكاني دكس[654]: "بلغت الخطوط الرئيسية لكل تقليد شرقي قمته في القرن الرابع، وكل تقدم بعد هذا لا يزيد عن كونه تعديل أو تكميل في التفاصيل. وفي القرن الخامس لم تدخل عناصر جديدة كما حدث في الغرب".
28. ما هي ليتورچيات الإفخارستيا التي تستخدمها الكنيسة القبطية في وقتنا الحاضر؟
1. ليتورچيا القديس باسيليوس الكبير: تختلف عن الليتورچيا البيزنطية التي تحمل ذات الاسم، وتمثل هذه الليتورچيا الخدمة العامة، حيث تُستخدم كثيرًا.
2. ليتورچيا القديس غريغوريوس (الثيؤلوغوس): غالبا ما تُستخدم في المناسبات والأعياد. صلوات هذه الليتورچيا تخاطب أقنوم "الابن". وهي ليست فريدة في هذا، بل توجد ليتورچيات أخرى على غرارها مثل ليتورچيات مصرية أخرى، وثلاث ليتورچيات أثيوبية، وليتورچيا القديسين آداي وماري السريانية، وليتورچيا القديس يعقوب السريانية.
3. ليتورچيا القديس كيرلس (مار مرقس): سجلها القديس كيرلس السكندري وكمل عليها، فحملت اسمه، وهي أقل انتشارًا من السابقتين.
29. ما هي الخطوط الرئيسية لليتورچيا الإفخارستيا القبطية؟
يمكن تقسيمها إلى ثلاث خدمات:
1. تقدمة الحمل: حيث يُختار الحمل من بين القرابين، ويقوم الكاهن برشمه مع الأباركة باسم الثالوث القدوس. كان طقس "تقدمة الحمل" جزء من ليتورچيا المؤمنين، لكن منذ قبل القرن الخامس صار هذا الطقس يُمارَس في بداية الليتورچيا كلها حتى يتهيأ الشعب لتجديد العهد مع الله خلال سماعهم كلمة الله وتمتعهم بالشركة في الأسرار المقدسة. وهي بدء انطلاق الرحلة، فيها تتعرف الكنيسة على حساب النفقة. فتلتزم بتقديم حياتها كلها في المسيح الذبيح، ذبيحة للرب الذي ذُبح من أجلها، والرب لا يقبل من كنيسته أقل من هذا: حياتها كلها... بل والرحلة تصير معوقة إن لم تدفع الكنيسة النفقة بكمالها.
2. ليتورچيا (قداس) الموعوظين: يغلب عليها الطابع الكرازي والوعظي دون أن تجاهل الجانب التعبدي. ينصت الموعوظون مع المؤمنين إلى القراءات والعظة مع بعض الصلوات القليلة التي ترفعها الكنيسة عنهم لكي يهبنا الله فهمًا وحكمة وإيمانًا. لهذا كان الموعوظون منذ العصور الأولى يتمتعون بليتورچيا الكلمة "قداس الموعوظين" كإعداد لتَقَبُّل الأسرار المقدسة. وإذ ينالون أسرار العماد والمسحة والتناول، يبقون محتاجين لسماع الكلمة أيضًا بلا انقطاع[655].
3. الليتورچيا (قداس) المؤمنين (أو الإفخارستيا أو الأنافورا)[656]: وهي عمل تعبدي، تحمل أيضًا اتجاهًا تعليميًا، فيها ترتفع الكنيسة بالروح القدس إلى السماء في حضرة الله في المسيح يسوع.
30. من الذي يتلو القراءات الكتابية؟
يهتم القديس باسيليوس بأن تكون القراءة حسنة، أي يلزم أن يُجِيد القراءة، وأن يكشف أسلوبه في القراءة عن خبرته العملية الروحية والسلوكية للإنجيل المقدس، وفهمه الإيمان باستقامة.
[إن كان الشمامسة يحسنون القراءة، فإنهم هم الذين يقرأون الإنجيل، وإن كانوا لا يعرفون أن يقرأوا (سواء من جهة النطق أو النحو أو عدم تمتعهم بالحياة بها)، يقرأ كبار الأناغنسطسيين (القارئين) المزامير. ويقرأ الشمامسة الإنجيل. ولا يقرأ إنسانٍ الإنجيل في الكنيسة أقل من شماس أو قسيس، لا يتعدَّى أحد طقسه.
وإذا كان أناس يدرسون في بيت ويقرأون الإنجيل، فليُوَبَّخوا من جهة القسيس (خشية إساءة الهراطقة هذه الاجتماعات). فإن كان ضروريًا فلا يُوَبَّخوا (أي إن كانت بإشراف الكنيسة)[657].]
31. من يقدم كلمة الوعظ؟
كان الوعظ مُرتبِطًا بالعمل الأبوي، حتى يشعر المستمعون أنه لا تُقدَّم لهم أوامر، إنما يُقَدَّم لهم حُب الله مُعلنًا خلال أبوة الكاهن.
[إذا أكملوا (قراءة) الإنجيل، فإن كان الأسقف حاضرًا، فليمسك الإنجيل بيده، ويخاطب الشعب في الفصول التي قُرِأت. وإن لم يكن الأسقف حاضرًا، وكان القس يعرف (أن يعظ)، فليتكلم... تُقَال صلاة تليق بفصل الإنجيل[658].]
32. ماذا يفعل المؤمنون بعد القراءات والعظة؟
تُقدم صلوات الأواشي وقانون الإيمان وصلاة الصلح. [يُصلي عن كل الكنيسة (الأساقفة والكهنة والشمامسة والشعب)، والطغمات كالملوك والعظماء، وعن نمو الثمار، وعن مرضى الشعب، وعن من هم في غُرْبة (المسافرين). بعد ذلك يُقَال قانون الإيمان والسلامة (أي صلاة الصلح مع الله ومع الناس)[659].] يستعد الكل لرفع قلوبهم إلى السماويات، والجلوس مع ربنا يسوع، لهذا تُعلِن الكنيسة مصالحة الله مع الناس في المسيح يسوع ومصالحتهم مع بعضهم البعض (صلاة الصلح).
لم يذكر الأواشي بحسب ترتيبها في القداس الباسيلي، ولعل ما يشغله هنا تأكيد أن الكنيسة، كهنةً وشعبًا، ترفع القلب للصلاة عن الكهنة جميعًا والشعب، واحتياجاتهم الروحية والجسدية (مثل شفاء المرضى والمسافرين المُتغرِّبين الذين لم يستطيعوا الحضور للقداس الإلهي، كما يطلبون عن الملوك والرؤساء وأصحاب السلاطين، فالكنيسة أم مُحِبَّة للجميع! تصلي حتى عن الزروع والثمار.
33. لماذا تُستخدم القبلة في القداس الإلهي؟
يمارس رجال الكهنوت والشعب حتى الأطفال القبلة المقدسة في القداس الإلهي، لتأكيد ممارسة الحب. يقول السيد المسيح: "فإن قدمت قربانك إلى المذبح، وتذكرت أن لأخيك شيئًا عليك، فأترك هناك قربانك قدام المذبح واذهب أولاً اصطلح مع أخيك، وحينئذ تعال وقدم قربانك" (مت 5: 23). فالقبلة صُلح ولهذا السبب هي مقدسة. وكما يقول المطوّب بولس: "سلِّموا بعضكم على بعض بقبلة مقدسة" (1 كو 16: 20). وأيضًا بطرس تحدث عن قبلة الإحسان (1 بط 3: 15).
وقد أكد القديس يوحنا الذهبي الفم أن القبلة مستعملة في الكنيسة منذ العصر الرسولي[660]. ويذكر العلامة أثيناغوراس أن قبلة السلام هي قبلة الإفخارستيا أو القبلة الرسولية في القداس المسيحي. أشار القديس يوستين[661]، من رجال القرن الثاني إلى القبلة الليتورچية كإعداد للإفخارستيا وخاتمة للصلوات السابقة لتقديس القداس.
يقول جريجوري دكس في كتابه The Shape of the Liturgy، لم تَعُد هذه القُبْلَة قائمة سوى في الكنيسة القبطية والكنيسة الأثيوبية. يقول القديس باسيليوس الكبير: [[ثم إذا فرغوا من هذا (قداس الموعوظين)، فليُخرِجوا الموعوظين. بعد ذلك فليؤمر الجمع أن يُقَبِّلوا بعضهم بعضًا، الذكور يُقَبِّلون بعضهم بعضًا، وأيضًا النساء يُقَبِّلن بعضهن بعضًا[662].] بهذه القُبْلَة يؤكد الحاضرون أنهم يودون أن يكونوا بالفعل "عائلة واحدة".
خلال صلاة الصلح أو الأسبسمس (القبلة) يحثنا الشماس أن يقَّبل كل واحدٍ منا الآخر، قائلاً: "صلوا من أجل السلام الكامل، والمحبة، والقبلة الرسولية". لا نستطيع أن ننعم بالمصالحة مع الله في المسيح يسوع، والسلام مع الثالوث القدوس ما لم نكن في سلام مع بعضنا البعض.
بهذه القبلة يؤكد الحاضرون أنهم يودون أن يكونوا بالفعل "عائلة واحدة". وبها أيضًا يعلن لمن يقدم قربانًا أن يصطلح مع أخيه أولاً.
جاء في الدسقولية السريانية[663] أن الشماس ينادي بصوتٍ عالٍ في لحظة التقبيل: "إن كان لأحد شيء على الآخر؟" وكأنه يقدم تحذيرًا أخيرًا، حتى متى وُجد شيء بين اثنين يقوم الأسقف بمصالحتهما.
يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [يصرخ الشماس عاليًا قائلاً: "قبِّلوا بعضكم بعضًا". لا تظنوا أن هذه القبلة عامة التي تقوم بين الأصدقاء، ليست هكذا. بل تمزج هذه القبلة النفوس ببعضها، وتحفظ لها غفرانًا عظيمًا. والقبلة علامة على أن نفوسنا قد اختلطت ببعضها، ومحت كل تذكر للأخطاء. لهذا قال السيد المسيح: "فإن قدمت قربانك إلى المذبح، وتذكرت أن لأخيك شيئًا عليك، فأترك هناك قربانك قدام المذبح واذهب أولاً اصطلح مع أخيك، وحينئذ تعال وقدم قربانك" (مت 5: 23). فالقبلة صُلح ولهذا فهي مقدسة، وكما يقول المطوّب بولس: "سلِّموا بعضكم على بعض بقبلة مقدسة" (1 كو 16: 20)، وأيضًا تحدث بطرس عن قبلة الإحسان (1 بط 3: 15)[664].] ويقول القديس أغسطينوس: [هي علامة السلام، فما تطهره الشفاه من الخارج يوجد في القلوب في الداخل![665]]
34. بماذا يبدأ صلاة قداس المؤمنين؟
[يقول الشماس: ليقف كل واحدٍ في طقسه. يقول الكاهن: الربّ مع جميعكم. ويجيب الشعب: ومع روحك. بعد ذلك يقول الكاهن: ارفعوا قلوبكم إلى الربِّ. يقول (الشعب): هي عنده.
ثم يقول: نشكرك يا رب. يقول الشعب: مستحق أيها البار.
ثم يبتدئ بالصلاة التي تليق كما حَدَّده لنا آباؤنا الرسل[666].]
35. هل يمكن الخروج قبل الانتهاء من قداس المؤمنين؟
ورد في القانون ٢: ٧ للرسل: "ويقف الشمامسة على أبواب الرجال لئلا يخرج أحد، ولا يفتحون الأبواب في وقت القداس الطاهر، ولو كان (القارع) على الباب مؤمنًا". [ولا يخرج أحد من بعد قراءة الإنجيل – بلا ضرورة – إلاَّ بعد أخذ القربان (التناول من جسد الربّ ودمه)[667].]
36. من له حق التناول؟
[يقول أول الشمامسة: من كان طاهرًا فليدنُ من الأسرار، ومن كان ليس طاهرًا فلا يدنُ، لئلا يحترق بنار اللاهوت. ومن كان قد أعثر صاحبه، من كان به فكر زنا، من كان به سكر نبيذ وغير منضبط، فليبتعد عن التناول. هكذا فليستعد الشعب للتناول لإبراء الإنسان...[668]"]
في القداس الباسيلي في الكنيسة القبطية، يُحَذِّر الكاهن الشعب قبل الاعتراف، قائلاً: "القدسات للقديسين"، ويجيب الشعب طالبًا أن يمد الثالوث القدوس يده لتطهيرنا وتقديسنا، إذ يقول: "واحد هو الآب القدوس، واحد هو الابن القدوس، واحد هو الروح القدس القدوس". لعل هذا ما يقصده قول القديس باسيليوس: "فليستعد الشعب للتناول لإبراء الإنسان" أو لشفائه روحيًا، وذلك خلال التوبة الصادقة. فإن كانت هناك عثرة لأحد، أو فكر نجس مُتسلِّط أو سلوك غير منضبط، نحتاج أن نطلب نعمة الله القدوس، فهو الطبيب السماوي، الذي وحده يقدر أن يشفينا ويُطَهِّرنا ويُقَدِّسنا.
يقول مار يعقوب السروجي: [من الله تصدر القدسات إلى القديسين، ولهذا يكرر الكاهن: القدسات بصوتٍ عالٍ. يقول: لتنزل القدسات وتحل في القديسين، فلا يقترب إلا من هو طاهر وقديس[669].]
37. بماذا تنشغل الكنيسة أثناء التناول من الأسرار المقدسة؟
تنشغل الكنيسة أثناء التناول من الأسرار المقدسة بالتسبيح بروح الكتاب المقدس. كانت الكنيسة تُحَذِّر من الترانيم التي يضعها الهراطقة لبث التعاليم الفاسدة. هذا ما فعله أريوس وأتباعه. قيل إن جاذبية النغم سحبت العامة، فكانوا يُغَنُّون بها في الأسواق العامة، مما دفع القديس أثناسيوس والعاملون معه أن يضعوا ترانيم بديلة، حفاظًا على الإيمان المستقيم.
[الذين يرتلون على المذبح، لا يرتلون بلذة (أي مُعجَبين بأصواتهم)، بل بحكمة. لا يرتلون خارجًا عن المزامير (أي خارجًا عن روح كلمة الله). وإذا قال قوم شيئًا وضعوه (ألَّفوه) وحدهم أو سمعوه من آخرين، وليس مكتوبًا في الأبسلطس (كتاب المزامير) فليخرجوا خارجًا.
إذا قرأ الأغنسطسيون في كتب غريبة، وينجسون مسامع الشعب، فليخرجوا خارجًا[670].]
38. ما هو دور الشعب في القداس الإلهي؟
يؤكد القديس باسيليوس الكبير شركة الشعب في القداس الإلهي، دورهم ليس مُجَرَّد الاستماع بل الشركة. لذلك تحرص الكنيسة ألاَّ ينفرد الكاهن مع الشمامسة في العبادة الليتورچية، إنما هي عبادة الكنيسة كلها. [بعد المزامير يجيب الشعب بكل قوته. وإن كان أحدًا مريضًا بجسده ولا يقدر أن يجيب (يشترك في المردات والتسبيح)، فليس عليه عيب. إن كانت له قوة (للشركة في العبادة) ويسكت، يصير وحده غير مستحق للبركة[671].]
39. ماذا يقول الكاهن والشعب أثناء التناول من الجسد والدم؟
[الذي يناول الجسد، يقول هكذا: "هذا هو جسد المسيح، هذا الذي بذله عن خطايانا"، ويقول الذي يتناول: "آمين". وأيضًا الذي يناول من الكأس، يقول: "هذا هو دم المسيح الذي أهرقه عنا"، ويجيب المتناولون: "آمين"[672].]
40. ما هي سمات الخبز المُقدَّم حملاً؟
يُعَلِّق القديس باسيليوس على ذبح خروف الفصح بكونه رمزًا لسرّ التناول (خر 12: 1-14):
[1. الشمامسة الذين يعدُّون القرابين، ويدخلون بها، فليتحفظوا ألاَّ يكون الخبز مكسورًا أو بائتًا من عمل الأمس أو محروقًا، أو فيه عيب، لئلا يكونوا في دنسٍ. لأن الخروف الذي ذُبِح في زمان العبرانيين في مصر، هو مثال لهذا السرّ...
2. قيل: "هكذا تأكلونه وأوساطكم مشدودة، وفي أيديكم عصيكم، وأحذيتكم في أرجلكم". هذا الكلام يخص أعضاء القلب؛ فيليق وسط القلب أن يكون مربوطًا بتركيز الحواس (على السرّ)، وبيده عصا الإيمان، وأرجله قائمة بحذاء السلام.
5. "لا يُقرب غريب ولا غير مُختتن ليأكل الفصح". هكذا أيضًا الإنسان الذي لم ينل المعمودية، وغريب عنا وموعوظ لم ينل تمام (العضوية الكنسية)، لا يقف حتى يعاين الفرح العظيم.
قيل "سبعة أيام تأكلون الفطير قبل أكل الخروف" (خر ١٢: ١٥-٢٠). الويل لنا، فإن هذا القول عار علينا. إن كان قد أمر بأن يؤكل خبز الطهارة (١ كو ٥: ٧-٨) سبعة أيام قبل ذبح الخروف، وهي بهيمة غير ناطقة، وضعت مثالاً لما سيكون، فما عسى أن تكون عقوبة من يجسر على تناول الحمل الكامل – المسيح – بينما لا يزال فيه (في الإنسان) خمير الشرّ الذي هو الزنا ومحبة النصيب الأكبر والبغضة والاغتصاب والسرقة، ولم يحزن على ذلك قبل أن يسعى إلى السرّ؟![673]]
يُقارِن القديس باسيليوس بين خروف الفصح والتناول من جسد الربِّ حمل الله ودمه:
1. يلزم أن يكون خروف الفصح بلا عيبٍ، ويلزم تقديم الحمل في القداس الإلهي طازجًا وليس مخبوزًا في اليوم السابق، ولا يكون مُحترِقًا.
2. يُشوَى بالنار، أي يُقَدَّم السرّ بنار الروحانية الملتهبة.
3. يأكلونه وأوساطهم مشدودة وفي أيديهم عصيهم وأحذيتهم في أرجلهم. الوسط المشدودة يشير إلى وسط القلب المربوط بتركيز الحواس، وبيده عصا الإيمان، وأرجله تسلك في السلام.
4. لا يشترك فيه غريب وغير مختون، أي لا يتناول من الأسرار من لم يتمتَّع بالمعمودية، أو لا يزال بعد موعوظًا.
5. لا يأكلون خبزًا به خمير، بل فطيرًا لمدة أسبوع قبل أكل خروف الفصح = لا يتناول أحد من جسد الربّ ودمه، إلاَّ بنزع خميرة الشرّ بالتوبة.
41. بماذا يحذر القديس باسيليوس الكهنة عند تناول دم المسيح؟
يُحَذِّر الكاهن من أن يشتهي شرب دم السيد المسيح بكونه خمرًا، فيملأ الكأس حتى حافته، حتى يتبقَّى في الكأس الكثير ليشربه. هذا ومن جهة أخرى امتلاء الكأس يعرضه أن ينسكب منه شيء على الأرض. يليق بالكاهن أن يمارس هذا السرّ بخوف الربّ ووقارٍ، ويُعطِي الكرامة للذبيحة المقدسة، حتى لا يتعرَّض للهلاك مثل ابني عالي الكاهن (١ صم ٢: ٢٩-٣٤)، ولئلا يكون مثل الملك بيلشاصر الذي شرب الخمر في أواني بيت الربّ المقدسة (دا ٥: 1-4)، أو مثل بني قورح وداثان وأبيرام الذين قدَّموا نارًا غريبة، ففتحت الأرض فاهها وابتلعتهم (عد 16: 24-32)[674].
42. ما هو شعور الكهنة والشعب عند التناول؟
الإفخارستيا دواء للكهنة والشعب كمرضى، فمن لا يشعر بمرضه لا يستحق التناول. يقول القدِّيس مار فيلوكسينوس: [عندما يوزع (الكاهن) الأسرار يصرخ قائلاً: "جسد الله يُعطى لمغفرة الخطايا، ودم ابن الله يطهر من كل خطية". إنه يعيد تلك الكلمات التي قالها الرب لتلاميذه عندما وزع الأسرار عليهم: "فيما هم يأكلون أخذ يسوع خبزًا وبارك وكسر وأعطى التلاميذ، وقال: "خذوا هذا هو جسدي". وأخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائلاً: اشربوا منها كلكم، لأن هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يُسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا" (مت 26: 26-28). وهكذا عندما نتوب نتقدم من تناول الأسرار التي لمخلصنا، نتقدم كخطاةٍ محتاجين، لأنه لا حاجة للدواء إلاَّ في حالة المرض، أو للشفاء إلاَّ لمن هو مريض، لأنه: "لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى" (مت 9: 12). فمن الواضح إذًا أن من يتقدم إلى الأسرار ينال غفرانًا عن الخطايا أيَّا كان هذا الشخص، كاهنًا أو من الشعب. فإذا لم يكن الروح القدس ساكنًا فينا لأننا خطاة، فبأي سلطان يستدعي الكاهن الروح القدس (في سرّ الإفخارستيا) وأن يقترب الشعب من الأسرار؟[675]]
43. ما هو ارتباط الإفخارستيا بترقب المجيء الأخير للسيد المسيح؟
قدمت لنا الديداكية نصًا للإفخارستيا، فيه طُلب أن تجتمع الكنيسة معًا من أقاصي الأرض في ملكوت اللَّه المُعد[676]، كما يسأل الشعب بحرارة الرب يسوع أن يأتي[677]. [أذكر يا رب كنيستك، خلصها من كل شر واجعلها كاملة في حبك، اجمعها من الرياح الأربع، هذه الكنيسة التي تقدسها في ملكوتك الذي أعددته لها. لك السلطان والمجد أبد الدهور. آمين. تعال أيها الرب، وليعبر هذا العالم. آمين. أوصنّا لإله داود! من كان مقدسًا فليقترب[678]].
[اسهروا على حياتكم، ولا تدعوا مصابيحكم تنطفئ، ولا أحقاءكم تنحل، بل كونوا مستعدين دائمًا، لأنكم لا تعرفون الساعة التي يأتي فيها ربنا.
يليق بكم أن تجتمعوا دائمًا وتطلبوا ما يخص نفوسكم، لأنه لا ينفعكم طيلة زمان إيمانكم إن لم تكونوا كاملين في اللحظة الأخيرة... عندئذ تظهر علامات الحق:
أولاً: علامة السماوات مفتوحة.
ثانيًا: علامة صوت البوق.
ثالثًا: قيامة الموتى، ليس جميعهم.
لكن كما قيل: سيأتي الرب ومعه جميع قديسيه، وسينظر العالم الرب آتيًا على سحب السماء[679].]
ما هو عمل الإفخارستيا في حياة المؤمنين معًا؟
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إننا نشترك في مائدة روحية، ليتنا أيضًا نشترك في الحب. فإن كان اللصوص إذ يشتركون معًا في الملح (والخبز) ينسون شخصياتهم (العنيفة). فأي عذرٍ لنا نحن الذين نتناول جسد الربّ باستمرار، ولا نقتدي بلطف اللصوص هذا مع بعضهم البعض؟ هذا وإننا لسنا نشترك في مائدة واحدة فحسب، بل ولنا مدينة واحدة أيضًا، وبيننا صداقة كافية. لنا نفس المدينة ونفس البيت والمائدة والطريق والباب ونحن من أصلٍ واحد لنا حياة واحدة ورأس واحد وراعي واحد وملك ومعلم واحد وديان واحد، وخالق واحد وأب واحد إد جميعنا نشترك معًا، فأي لوم نستحقه إن انقسمنا الواحد عن الآخر[680].]
20. سرّ الكهنوت
1. ما هو المفهوم الإنجيلي الكنسي لدرجات الكهنوت؟
كشف القديس باسيليوس الكبير عن المفهوم الإنجيلي الكنسي لدرجات الكهنوت. فهو كرئيس أساقفة لإيبارشية لها تقديرها وثقلها إن صحَ التعبير، يعتبر نفسه مساويًا لبقيَّة الخدام في الكنيسة، إن كانوا أساقفة أو كهنة أو شمامسة. فيحسب الشماس أخاه[681] وابنه المحبوب[682]، ويدعو الكاهن "المُحترَم جدًا"[683]...
2. ما هي حدود الأسقفية؟
يُشَدِّد القديس باسيليوس الكبير على أن يكون لكل مدينة أسقف. يكتب للأسقف أمفيلوخيوس ويشكره على اهتمامه بإيجاد أسقف لكنيسة إيطورية، ويقول له: [من المُفَضَّل أن يكون إنسانا مختبرًا، واحدًا ليوضع على رأس المدينة. ويأخذ على عاتقه مسئوليّة الإدارة وتفاصيلها. ولكن بشرط أن يكون خادمًا لله، عاملاً، لا يُخجِلنا في شيءٍ، ولا يبحث عن مصلحته الخاصة، بل مصلحة الكثيرين ليُخَلِّصَهم.] من المُرجَّح هنا أنه يتحدث عن أسقف المدينة الرئيسيّة، لأنه يتابع حديثه، ويقول: إذا صعب الأمر [فلنجتهد في إعطاء المدن الصغيرة أو القرى الرئيسيّة التي كان لها منذ القديم مراكز أسقفيّة، الرؤساء المناسبين، ومن ثم نُقِيم أسقف المدينة الرئيسيّة.]
3. ما هي السمة الرئيسية التي تؤهل المؤمن للعمل الكهنوتي والرعوي؟[684]
الحب الحقيقي هو الذي يؤهل المؤمن للعمل الكهنوتي والرعوي، لهذا اختص ربنا يسوع بعد قيامته معلِّمنا بطرس، بهذا السؤال: "يا سمعان بن يونا، أتحبُّني؟... ارع غنمي" (يو ٢١: 16). لقد عيَّن الرب حقيقة مفهوم حب رسوله له، وطبيعته، وهدف هذا الحب. فالحب الذي كان يصدر عن معلِّمنا بطرس قبل حلول الروح القدس، كان حبًا حسب طبيعته ومفهومه البشريِّين، بدليل أنه بمقتضى هذا الحب انتهر ربنا يسوع لكي لا يُسلِّم نفسه للصليب، كما في مكابرته بحبّه أراد أن يضع نفسه عن ربه، لكنَّه للأسف أنكره بقسمٍ ولعَن أمام جارية، وفي مرارة نفسه بكى بكاءً مرًا، مدركًا أن حبُّه لم يكن إلاَّ نفاية. وفي يوم الخمسين من قيامة الرب، بينما كان التلاميذ والرسل مجتمعين بنفسٍ واحدة حلّ عليهم الروح القدس شبه ألسنة نار (أع 2: 3-4)، فامتلأ بطرس كبقيَّة التلاميذ من روح هذا الحب الإلهي، الذي أعطاهم صورة الفادي الحقيقيَّة، والراعي الصالح نفسها. هذا هو الحب الإلهي، الذي كانوا منتظرين موعده، لينفِّذوا هذه الكلمات: "أتحبُّني... ارع غنمي".
فإذ حلَّ فيهم روح الحب أمكن أن يكون لهم حق الرسوليَّة والتبشير في المسكونة كلَّها، لرعاية غنم الرب، نفوس البشر، موضع حبُّه وهدفه. ما كان يمكن أن تكون للرعاية وجود، بدون هذا الروح، لأنها هي عمل الله "الحب" بمن اختارهم رعاة لشعبه، وهي تهدف أولاً وأخيرًا إلى نمو الرعاة والرعيَّة بحياة الحب الحقيقي، بالروح القدس، في شخص الفادي الحبيب.
فالراعي لا يقدر أن يتسلَّم عصا الرعاية، وهي الصليب، إلاَّ إذا لبس أولاً المسيح الحبيب، وإلاَّ سرعان ما تُثْقِل أتعاب الرعيَّة ظهره، وتعيِّي نفسه، فيتحوَّل إلى خادم متذمِّر يائس، يضيق بالخدمة وصاحبها، ويود الهروب منها. فإن كان ممَّن اختلسوها خلسة، فلا غرابة إذا أضحى أجيرًا أو لصًا، لا راعيًا. وإذا استهان بطول أناة الله ولم يتب، زحزحت النعمة منارته، وأخذ إكليله آخر، وأسرع بتهاونه إلى الدينونة الرهيبة (خر 34)، كما رسم الروح القدس لمن يستهين بمحبَّته.
السمات المطلوبة في المُرشَّح لأي درجة كهنوتية، في نظر القديس باسيليوس هي الآتي:
أولاً: أن يكون من الساكنين في بيت الله، الذين يعملون بغيرة مقدسة. [إذا كان قوم ساكنين في بيت الله، يجب عليهم أن يسعوا فيه بلا حسدٍ ولا عثرةٍ[685].]
ثانيًا: معرفة الكتاب المقدس. [لا يُسَام أحد قسًا وهو لا يعرف كلام الكتب جيدًا، وبالأكثر الإنجيل[686].]
ثالثًا: تشهد حياته لإيمانه العملي، إذ يقول: [الذي يُختَار ليكون أسقفًا يجب أن يكون رجلاً عفيفًا، بشوشًا، خائف (الربّ)، يجاهد عن المظلومين، لا يحابي أحدًا من الناس، بل يقول الحق. ولا يخشى غنيًا. ولا يكون محبًا للقنية، لأن هذه خطية تغري كل الناس، ولاسيما لمن هم في هذه الرتبة[687].]
رابعًا: عدم البهرجة في ملابسه. يليق بالأسقف أن يذكر الجياع والعراة بين شعبه، فلا يستطيع أن يعيش في ترفٍ.
خامسًا: يحمل روح الأبوة. [يجب على الأسقف أن يُقاتِل من أجل الحق حتى الموت. ويكون أبًا للأرامل والأيتام. ويتزيَّن بالنقاوة لكي يربح الناظرين إليه، ويُبَكِّت بلطفٍ، ويصعد وينزل، وكلامه حازم ومُملح. ولا يكون سكيرًا، ولا يحسد أحدًا. ولا يحب الذهب، ويحسب كل ما لهذا العالم لا شيء. ولا يكون محبًا لربحٍ باطلٍ، بل يهرب من كل زينة فارغة[688].]
سادسًا: غير متزوج من المحرمات ولا تزوج زيجة ثانية. من شروط المُرَشَّح لخدمة الكهنوت، أسقفًا كان أو قسًا أو شماسًا، ألا يكون قد سبق له الزواج من المحرمات حتى إن تاب (1 تي 3: 2-6).
4. ما هو عمل رئيس الكهنة السماوي في حياة كهنته وكرازتهم ورعايتهم؟
أولاً: يقيم منهم أبناء شبه سمائيين. يسكن فيهم، فيحملون الفكر السماوي، ويمارسون الحياة شبه السماوية. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إذ كان يرسلهم كمعلمين للعالم كله، لهذا جعلهم وهم بشر ملائكة، محررًا إياهم من كل اهتمام أرضي، حتى لا ينشغلوا إلا باهتمام واحد وهو التعليم، بل بالأحرى أراد أن يحررهم حتى من هذا الأمر بقوله: "لا تهتموا كيف أو بما تتكلمون" (مت 19:10)[689].] كما يقول: [من يرغب في اختبار الأمور الخاصة بعهد النعمة فسيجدها قليلة لكنها مخيفة ومملوءة رهبة. إنك ترى (في عهد النعمة) الرب كفديةٍ على المذبح، والكاهن يقف مصليًا للذبيحة، وكل المتعبدين يتلمسون ذاك الدم الثمين. إذن هل تتصور أيها الكاهن أنك لازلت من بين البشر، وأنك ما زلت على الأرض واقفًا؟! أما اجتزت إلى السماء باستقامة، قاطعًا كل فكرٍ جسدانيٍ بعيدًا عن الروح؟! ألست أنت الآن بروح مجردة عن الجسد وبعقلٍ نقيٍ تتأمل الأمور السمائية؟! آه! يا لها من أعجوبة! يا لعظم حب الله للإنسان! إن الجالس في الأعالي مع الآب يُحمل في تلك الساعة في أيدي الكل، ويعطي ذاته للراغبين في احتضانه ونواله!!... هل يمكن أن تزدري بهذه الأمور أو تفتخر عليها؟![690]] [يُكال الماء الخارج من الينابيع الطبيعية بالأواني والدلو، أما الماء النابع من الينابيع الروحية، فيُقاس بفهمنا ورغبتنا المتقدة ووقارنا، بهذا نقترب إليها. من يسلك بهذا الترتيب يحمل في الحال بركات لا تعد، حيث تعمل نعمة الله فيه بطريقة غير منظورة، وتخفف عبء ضميره، وتأتي به إلى أمانٍ وفيرٍ، وتعده بعد ذلك لكي ينسحب من شاطئ الأرض، ويحمل مرساة السماء. فإنه يمكن للإنسان الذي لا يزال يحتضن جسده ألا يكون له شيء يتعلق بالأرض، بل يضع أمام عينيه كل مباهج السماء ويتأملها بلا انقطاع[691].] [عظمة الكهنوت وكرامته يرتفعان فوق كل ما هو أرضي وبشري. إنه خدمة الملائكة، ولذلك وجب على الكهنة أن يكونوا أطهارًا كالملائكة. الكهنوت في التدبير القديم كان نبيلا ً ومهيباً، لكنه يُحسب تافهًا بلا معنى إن قورن بتدبير العهد الجديد. هنا الرب الإله نفسه يًقدم ذبيحة! يا لعجب محبة الله. ذاك الذي هو متوًج مع الآب في السماء، يسمح لنفسه في الذبيحة المقدسة أن تلمسه أيدي الجميع، وتراه أعينهم. عندما قدم إيليا ذبيحة، نزلت نار من السماء (1 مل 18: 38)، أما هنا فعند صلاة الكاهن، الروح القدس نفسه ينزل ليشعل النفوس بالذبيحة[692].]
ثانيًا: يقتدي بمخلصه محب البِشر. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [الكاهن بما أنه وكيل الله، يلزمه أن يهتم بسائر البشر لكونه أبًا للعالم كله[693].] ويحسب الشماس أو الخادم أنه أخ للعالم كله.
ثالثًا: يدرك أن السيد المسيح هو العامل في كهنته وخدامه. يدخل الكاهن إلى الهيكل، العرش الإلهي، ليس عن برٍّ فيه، ولا من أجل جهاده الذاتي، وإنما مختفيًا في ذاك الذي هو موضع سرور الآب، المسيا سرّ تقديسه. لهذا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [حين تنظر الكاهن مقدم الذبيحة، تأمل يد السيد المسيح ممتدة بنوعٍ غير ملحوظٍ[694].] كما يقول: [لنتشبه بأهل عرس قانا الجليل الذين دعوا المسيح إلى عرسهم، وأجلسوه في وسطهم (1 مل 18: 38)[695].]
تعد النعمة الإلهية الأنبياء والرسل والمبشرين والرعاة والمعلمين لهذه الدعوة الإلهية، وتعمل بهم، فإن أهملها أحدهم يسقط من دعوته. يقول العلامة أوريجينوس: [رعاية الخدام في الكنيسة يدركها الفشل ما لم يرعَ المسيح معهم[696].] كما يقول: [لكي تكون "معلمًا"، فهذه نعمة مجانية حسب عطية المسيح"، لذا فإنه من الواضح أن الراعي الذي يرعى قطيعه بحكمة، يحتاج إلى نعمة مجانية تعمل فيه. كيف يمكن أن يصير إنسان إنجيليًا، أو تكون قدماه جميلتين؟ مثل هذا يلزمه أن يهبه الله الجمال[697].] ويقول: [المهام الصحيحة للكاهن تكون ذات طبيعة مزدوجة. وهي أن يتعلم من الله خلال القراءة الدائمة في الكتاب المقدس والتأمل فيها؛ وأن يُعَلِم الشعب. ويلزم أن يُعَلِم ما تعلمه من الله، "لا من تلقاء قلبه الذاتي" (انظر حز 13: 2)، ولا من خلال فهمه البشري، بل ما يرشده إليه الروح القدس. هكذا نحن إذ نتأمل في (قصص العهد القديم)، فإننا نتذكرها نهارًا وليلاً، ونصلي على الدوام طالبين من الله أن يعلن لنا عن المعرفة الحقيقية لما نقرأه، وأن يظهر لنا كيف نحفظ الناموس الروحي في فهمنا كما في أعمالنا. هكذا ليتنا نتأهل للنعمة الروحية، ونستنير بناموس الروح القدس[698].]
هكذا تُعِدْ النعمة الإلهية الأنبياء والرسل والمبشرين والرعاة والمعلمين لهذه الدعوة الإلهية، وتعمل بهم، فإن أهملها أحدهم يسقط من دعوته.
رابعًا: الشعور بالحاجة إلى التعلم المستمر وأيضًا التعليم يرى القديس كبريانوس أنه يليق بكل مؤمن سواء كان من رجال الدين أو من الشعب ألا يتوقَّف عن التعلُّم المُستمِر، فإنه ليس أحد قادر أن يُعَلِّم دون حاجة إلى التعلُّم سوى الله نفسه. وجاءت رسالة القديس باسيليوس إلى أمفيلوخيوس أسقف أيقونية Iconium يمتدحه فيها، لأنه في تواضعٍ يريد وهو مُعَلِّم أن يتعلَّم من القديس باسيليوس. أما رئيس الأساقفة باسيليوس ففي تواضعٍ يحسب نفسه جاهلاً يطلب أن يتعلَّم. يقول القديس باسيليوس الكبير: [هذا هو حالي، فإنني أشكر الله، فغالبًا إذ أستلم رسالة منك أيها المجاهد، نصير أكثر تعلُّمًا وحكمة عما كنا عليه سابقًا، فبمُجرَّد إثارة أسئلة، نتعلم أشياء كثيرة لم نكن نعرفها. وباهتمامنا بالإجابة عليها تصير أشبه بمُعَلِّمٍ لنا. بالتأكيد في الوقت الحاضر، بالرغم من أنني لم أُعطِ اهتمامًا للنقاط التي تثيرها، ألتزم أن أجد إجابة دقيقة، وأن أُراجِع في ذهني ما أسمعه من الشيوخ، وبهذا أَتعلمَّ أن أكون في التزام مع دروسهم[699]]. [إنني مندهش تمامًا لرغبتك في التعلم بتواضعك. إنك مؤتمن على وظيفة المُعَلِّم، ومع هذا تتنازل أن تتعلَّم مني، أنا الذي يبدو بلا معرفة عظيمة. ومع ذلك إذ أنت مُقتنِع من أجل مخافة الرب، فتفعل ما يتردَّد آخرون أن يفعلوه. فإنني مرتبط من جانبي أن أبذل أكثر من طاقتي أن أسند غيرتك التقية والمهيأة لذلك[700].]
أما عن تعليم الشعب فيقول: [مثل الكباش التي تقود القطعان، هكذا قادة قطيع المسيح. إنهم يقودوهم نحو القوت المُزدهِر العطر للتعاليم الروحية، وترويهم المياه الحيَّة بمعونة الروح، تقيمهم وتقوتهم حتى يأتوا بثمرٍ. عندئذ تقودهم إلى الراحة والسلام من الذين ينصبون لهم شباك[701].]
خامسًا: لا يُثَقِّل على الشعب. يقول القديس باسيليوس الكبير: [لا يزد أحد من القسوس ثقلاً على الشعب خارجًا عن قوانين آبائنا الرسل[702].]
سادسًا: ليختبر الكاهن ما يُعَلِّم به. يليق بالكاهن أن يختبر عمليًا بما يكرز ويُعَلِّم، لأجل خلاص نفسه وخلاص من يخدمهم، ولكي لا يتعثروا فيه. يقول القديس باسيليوس الكبير: [إذا كان قس أو أسقف يُعَلِّم أناسًا، فليفتش نفسه قبل أن يتكلم لئلا يعثر نفوسًا كثيرة بتعليمه[703].]
سابعًا: أن يحسن الاستماع. يليق بالإكليريكي – أيًا كانت درجته – ألاَّ يحكم على أحدٍ دون أن يسمع منه، أي يعطيه الفرصة لعرض وجهة نظره. [لا يتكلم إكليريكي عن أحدٍ بسوءٍ قبل أن يسمع أولاً منه. لأنه مكتوب أن الذي يبدأ بالكلام قبل أن يسمع، فهذا جهل وعار[704].]
ثامنًا: أن يساند التائبين. الدور الأول للأسقف هو رعاية الخاطي، ومساندته بحنوٍ لأجل شفائه من الخطية. [إذا سقط شخص في خطية، واعترف بها وحزن، وكان متألم القلب، فليُعن من كبير الإكليروس أو من الأسقف، ويُعلَّم أن يتحفظ منها ويحزن على خطاياه الأولى (أم 18: 13)[705].]
تاسعًا: أن يكون رجل صلاة ويطلب صلوات الآخرين. يكتب القديس باسيليوس في رسالة إلى بعض الأساقفة عن اقتدار مفعول الصلاة في زمن التجارب في عضد الجسد الواحد، فيقول: [لأننا واثقون من أنه وإن لم تكونوا حاضرين بالجسد، مع هذا، بمعونة الصلاة أنتم تؤدون لنا فائدة أعظم في تلك الأوقات الأكثر صعوبة[706].]
عاشرًا: لا يتطلع إلى الأطعمة والزواج أنهما نجاسة. جاء في قوانين الرسل ٢:٢٥ "أي أسقف أو قس أو شماس أو واحد من الإكليروس تخلَّى عن الزيجة أو أكل اللحم أو شرب الخمر، ليس لأجل نسك، لأنها نجسة ناسيًا ما قيل إن كل الأشياء صالحة جدًا، فإما أن يكف عن ذلك وإلاَّ فليُقطَع ويُطرَد من الكنيسة". وجاء في قوانين الرسل ٢: ٣٧ "وصاروا سببًا لشك الجماعة". يقول القديس باسيليوس الكبير: [لا ينجس قس أو أسقف شيئًا من الأطعمة جملة، إلاَّ أن يتركه وحده لله[707].]
5. كيف أقام السيد المسيح تلاميذه الاثني عشر ورسله السبعين؟
تجسد كلمة الله ليحقّق ملكوت أبيه، ويدعو الناس إلى التوبة والإيمان بالإنجيل: "بعدما اُسلم يوحنا، جاء يسوع إلى الجليل يكرز ببشارة ملكوت الله، ويقول: قد كمل الزمان، واقترب ملكوت الله. فتوبوا وآمنوا بالإنجيل" (مر 1: 14-15). هذه الرسالة سلَّمها السيد المسيح بدوره إلى تلاميذه، ليعمل هو نفسه بهم. فأقام الاثني عشر "ليكونوا معه، وليرسلهم ليكرزوا" (مر 3: 14). وفي العشاء الأخير أوصاهم بمتابعة عمل التقديس الذي قام به في سرّ الإفخارستيا: "اصنعوا هذا لذكري" (لو 22: 19).
لا يزال السيد المسيح يقوم بعمل الكرازة والتقديس والرعاية خلال سرّ الكهنوت، الذي سلَّمه إلى الرسل والكنيسة، لنشر ملكوت الله بين البشر. فالكاهن هو أيقونة المسيح – رئيس الكهنة الأعظم – يتمتع بشرف الرعاية التي هي عمل السيد المسيح وحده، الراعي الصالح (يو 10: 11، 14).
تطلع أنبياء العهد القديم إلى ربنا يسوع بكونه الراعي (إش ٤٠: ١١؛ حز ٣٤: ٢٣؛ ٣٧: ٢٤؛ زك ١٣: ٧)، واختبره الرسل كأسقف لنفوسنا (١ بط ٢: ٢٥)؛ ورئيس الرعاة (١ بط ٥: ٤)؛ والراعي العظيم (عب ١٣: ٢٠). إنه في المسيح يسوع أب كل البشرية، ليس من أمرٍ يشغله سوى أن يحمل كل البشرية في قلبه ويدخل بهم في حضرة الله الآب ويرعاهم، مشتهيًا أن يرى الجميع العروس التي بلا عيب. يقول القديس غريغوريوس النيسي: [كيف لا أحبك يا من أحببتني بشدة؟! رغم أني سوداء، فقد وضعت حياتك من أجل خرافك (يو 13:15)، أنت راعيهم. ليس لأحدٍ حب أعظم من هذا، لأنك بذلت حياتك لتمنحني الخلاص.
قل لي إذًا أين ترعى؟ (نش 1: 7) عندما أجد مرعى خلاصك، حينئذ أشبع بالطعام السماوي؛ الذي بدونه لا يدخل أحد إلى الحياة الأبدية. وحين أجري إليك أيها الينبوع سوف أشرب من الينبوع الإلهي الذي جعلته يتدفق ليروي كل من يعطش إليك. إذ ضُرِب جنبك بالحربة للوقت خرج دم وماء (يو 34:19). ومن يشرب منه يصبح ينبوع ماء حيّ للحياة الأبدية (يوحنا 14:4).
إذا رعيتني ستجعلني أستريح بسلام خلال منتصف النهار في النور الخالي من الظلال. لأنه لا توجد ظلال في منتصف النهار، عندما ترسل الشمس أشعتها عمودية فوق الرأس. وستجعل ضوء منتصف النهار يُريح كل من أطعمته، وتأخذ أطفالك معك في فراشك (لو 7:11). لا يستحق أحد أن يأخذ راحة منتصف النهار إلا ابن النور والنهار (1 تس 5:5). الشخص الذي فصل نفسه من ظلمة الليل إلى الفجر، سوف يستريح في منتصف النهار مع شمس البرّ (ملا 2:4)[708].
6. كيف كان الرسل يقيمون قسوسًا في كل كنيسة؟
قيل: "وانتخبا لهم قسوسًا في كل كنيسة، ثم صليا بأصوام، واستودعاهم للرب الذي كانوا قد آمنوا به"، (أع 23:14). فلم يجد الرسولان بولس وبرنابا صعوبة في انتخاب قسوس لخدمة الكنائس هناك، خاصة وأنه لم يتم الاختيار بأوامر رسولية ملزمة، وإنما بشركة الشعب كله في الصوم والصلاة. استراحت نفسا الرسولين بسيامة قسوسٍ، واستودعا الشعب في كل مدينة، لا في أيدي الكهنة، وإنما "للرب"، فهو الراعي الحقيقي الخادم لكنيسته والمهتم بكل احتياجاته، والحافظ لها.
كان الكل حديثي الإيمان، ويصعب التحقق من إمكانية اختيارهم للصالحين للخدمة، لذلك تم الاختيار بروح الصوم والصلاة، معتمدين على عمل الروح القدس.
وكتب الرسول لتلميذه تيطس: "من أجل هذا تركتك في كريت لكي تكمل ترتيب الأمور الناقصة تقيم في كل مدينة قسوسًا كما أوصيتك" (تي 5:1). لابد وأنه كانت هناك أمور تُسلم شفاهًا من الرسل إلى تلاميذهم، ومن هؤلاء إلى خلفائهم يتسلمونها ويتشربون روحها دون أن تُسجل أو تُكتب. فالكتاب المقدس لم يسجل لنا كيفية إقامة الكهنة من أساقفة وقسوس وشمامسة ولا سجل لنا ترتيب الصلوات الجماعية ولا أخبرنا بالصلوات التي تُرفع في سرّ الزيجة الخ. وهذا ما ندعوه "التسليم الكنسي".
7. ما هو دور الكاهن (أو الأسقف) كأبٍ؟
في حديث العلامة أوريجينوس عن سلطان الكهنة، يؤكد أنهم آباء أطباء يعتنون بأبنائهم المرضى ويبذلون كل الجهد لشفائهم. إنهم ليسوا أباطرة وحُكّامًا بل آباء. يمكن للكهنة والمعلمين في الكنيسة أن ينجبوا أبناء، كما هو الحال بالنسبة للقائل: "يا أولادي الذين أتمخض بكم إلى أن يتصوَّر المسيح فيكم" (غلا 4: 19)؛ وفي موضع آخر يقول أيضًا: "لأنه وإن كان لكم ربوات من المرشدين في المسيح، لكن ليس لكم آباء كثيرون، لأني أنا ولدتكم في المسيح يسوع بالإنجيل" (1 كو 4: 15)[709]. يذكرنا أوريجينوس دائمًا بالقول: "من يُدعى للأسقفية، لا يدُعى للسيطرة، بل لخدمة الكنيسة كلها[710]".
يسمح الله للكهنة بالشعور بالضعف لكي ما يصيروا رحماء مع الضعفاء. فباكتشافهم خطاياهم الشخصية تصير معاملاتهم للخطاة أكثر احترامًا لكي يجتذبوهم إلى التوبة.
يقيم الناموس كهنة بشريين لهم ضعفاتهم، حتى كما أنهم يقدرون أن يقدموا قرابين عن أنفسهم، فهم يقدمونها أيضًا عن الشعب (لا 7). لكن ما هو مثير للإعجاب في مثل هذا الكاهن، ليس أنه لا يخطئ؛ فهذا أمر محال، بل أنه يدرك خطيته الشخصية ويشعر بها. فمن يظن أنه لا يخطئ لا يُصلح من شأن نفسه. ومن يضطرب ضميره بسبب ضعفاته يمكنه بأكثر سهولة أن يعفو عمن يخطئ[711].
8. ما هو دور الكاهن (أو الأسقف) كطبيبٍ؟
في إحدى عظاته عن المزامير، يُطلق أوريجينوس على الأساقفة لقب "أطباء"، يعرفون كيف يعالجون الجراحات[712]. كما يشير إلى ذلك السلطان العظيم للأساقفة بقوله، أن المسيح كان الطبيب العظيم الذي يستطيع الإبراء من كل مرض وضعفٍ. والآن، فرسولاه بطرس وبولس، على مثال الأنبياء، هم أيضًا أطباء. وعلى منوالهم يأتي من أقيموا في أعقابهم على شئون الكنيسة، وأعطيت لهم كذلك مواهب الإبراء من الجراحات. هؤلاء بالذات، هم الخُدام الذين أقامهم الله أطباء للنفوس في الكنيسة. فهو لا يريد موت الخطاة، بقدر ما ينشد توبتهم وهدايتهم[713].
9. ما هو مفهوم القيادة بالنسبة لرجال الكهنوت والوالدين والخدام وكل القادة؟
من مهام القادة، خلق روح القيادة في الآخرين خاصة في الأطفال والفتيان والشباب، فلا تتركز خدمة القائد في الشعور بالسلطة. يليق بالقائد أن يلاحظ أن الرب خاطب موسى، قائلاً: "مُر قدام الشعب، وخذ معك من تقدموا في العمر من شيوخ إسرائيل" (انظر خر 17: 5). لم يقدم موسى وحده الشعب إلى ماء الصخرة، بل كان معه شيوخ الشعب. ولم يعلن الناموس وحده بل أعلن عنه أيضًا الأنبياء والآباء والذين تقدموا في العمر[714].
10. ما هو دور الكاهن (أو الأسقف) كمقدم للذبيحة؟
يقول العلامة أوريجينوس: [الرسل وخلفاؤهم الكهنة، على طقس رئيس الكهنة الأعظم، يُدركون بإرشاد من الروح القدس، عن أي الخطايا يُقدِّمون ذبائحهم، ومتى يُقدِّمونها وكيف.]
11. ما هو دور الكاهن (أو الأسقف) كمفسرٍ للكتب المقدسة؟
يربط العلامة أوريجينوس بين عمل الكاهن كمقدم للذبيحة عن نفسه وعن الشعب ودوره الرئيسي كمعلمٍ. يوضح جوزيف تريج[715] Joseph W. Trigg كيف أن أوريجينوس كان يؤمن بأن المهام الرئيسية لكاهن العهد القديم هي القيام بالخدمات الطقسية، في حين أن التعليم هو رسالة كاهن العهد الجديد الأساسية. َفي افتتاحية تفسيره إنجيل يوحنا أوضح أن الكهنة مكرَّسون لدراسة كلمة الله، أما رؤساء الكهنة فتفوقوا في هذا المجال. ما من شك في أن تلك الدرجات تتوافق مع الرُتب الكنسية، فالكهنة وبالأخص رئيس الكهنة لهم أيضًا امتياز المثول أمام الله. وفي ذلك يقتفي أوريجينوس أثر إكليمنضس السكندري في اعتباره أن الكاهن شخصًا روحيًا. ولكن لحصول الكاهن على امتياز التقرب إلى الأسرار الإلهية يتحقق بادراك رسالته كمعلمٍ، فيتوسط لتوصيل كلمة الله إلى الآخرين.
يُحوِّل أوريجينوس الشريعة اليهودية الطقسية إلى توضيحٍ دعوة الكاهن كمعلم. فيرى في نزع الجلد عن الذبيحة، على سبيل المثال، رمزًا لاستبعاد المعنى اللغوي (الحرفي) عن كلمة الله، ويكون أخذ البخور النقي في اليد رمزًا للتمييز الدقيق في مجال الشرح والتفسير للفقرات الصعبة. كما يُفسر الذبيحة ذاتها بأنها تحريرًا مستمرًا للنفس من الجسد، مما يجعل من الممكن إدراك الحقائق العليا. وعلى ذلك، جاء الكهنوت اللاوي رمزًا لصفوة أخلاقية وثقافية من المعلمين المُلهمين في حقل دراسة الكتب المقدسة. ويبلغ هذا التحويل لأوريجينوس ذروته في تفسيره لثياب رئيس الكهنة على أن كل قطعة منها ترمز إلى إحدى المؤهلات الروحانية[716].
إذا كان الرسول مفسرًا ملهمًا، فهو أيضًا مثله مثل الكاهن يعلم بالدعوة، ومسئولاً عن توصيل كلمة الله إلى الناس على اختلاف مستويات تقدمهم الروحي. أوضح يسوع ذلك بجلاء في أمره لتلاميذه أن يسمحوا للأطفال أن يأتوا إليه (لو 18: 16)، معبرًا بذلك عن التزام المسيحيين الأكثر تقدمًا أن ينزلوا إلى البسطاء[717]. و"أعمال الرسول" هي في واقع الأمر "أعمال تعليم"، فعندما فوَّض يسوع تلاميذه، معطيًا إياهم سلطان وهب النظر للعميان وإقامة الموتى، كان في ذهنه إعادة النظر إلى من "أعمتهم" التعاليم الفاسدة وإقامة من "ماتوا" في خطاياهم[718]. فالرسولية ليست وظيفة رسمية، بل هي مهمة تتحقق بالعمل. وفي مناقشته لهذه النقطة، استشهد أوريجينوس بما جاء في رسالة بولس الأولي إلى كورنثوس 9: 2. "إن كنتُ لست رسولاً إلى آخرين، فإنما أنا إليكم رسول. لأنكم أنتم ختم رسالتي في الرب"[719].
يحتل الأساقفة مكانًا في التدبير الإلهي، حيث يقتسمون مسئولية رعاية إيبارشياتهم مع الأساقفة الملائكيين الذين يعاونوهم[720]. ونتيجة لهذه المسئوليات الفريدة، فقد أُعطي الأساقفة سلطانًا أكبر مما للمسيحي العادي، لذا ما يُتوقع منهم - من التزامات - في المقابل يكون أكثر[721].
12. ما هو دور الكاهن (أو الأسقف) والقدرة على التعليم؟
يقول أوريجينوس يجب أن يكون الكاهن قادرًا على توصيل ما يعرفه: "لا يكفي للكاهن أن يملك الحكمة والفهم، بل أيضًا تكون له المقدرة على توصيل ما يعرفه إلى الناس[722]". فالكاهن يرتدي "رداء التعليم" حين يُعلم المتقدمين في الإيمان، و"رداء الكلمة" لتعليم المبتدئين[723]. ففي تعليقه على ثياب الكاهن في داخل وخارج قُدس الأقداس يقول: [ترى هذا الكاهن العظيم في علمه، عندما يكون في الداخل، بين الكاملين، كما في "قدس الأقداس"، كيف يلبس "رداء التعاليم". فإذا خرج إلى من هم ليسوا بهذه المقدرة، يستبدله برداء الكلمة، ويعلم أمورًا أكثر بساطة، فيُعطي البعض "لبنًا" "كأطفال" (1 كو 3: 2-1)، وللضعفاء خضروات (رو 14: 2)، ولآخرين غيرهم يعطي الغذاء القوي. "وأما الطعام القوى فللبالغين الذين هم بسبب كثرة التمرين، قد صارت لهم الحواس مدربة على التمييز بين الخير والشر" (عب 5: 14). فبولس الرسول إذًا يعرف كيف يغير الثياب، فيستخدم رداء مع الشعب وآخر في خدمة المقدس[724].]
13. ما هو دور الكهنة (أو الأساقفة) كأعمدة للكنيسة؟
يقول أوريجينوس: [كما كانت خيمة الاجتماع في العهد القديم تربط بين الأعمدة عوارض متداخلة، فكذلك يعاون المعلمون في الكنيسة أعضاء شركاء من الجماعة، على أنهم اليد اليمنى لهم. لكن دع تلك الأعمدة مع قواعدها تُغشّى بالفضة، وخصِّص لكل عمود قاعدتين، إحداهما تعلوه، تسمى "بالتاج"، والأخرى توضع تحته كأساسٍ. دع الأعمدة تُغشّى بالفضة، إذ أن من يُبشرون بكلمة الله، سيتقبلون بواسطة الروح القدس "كلام الرب" الذي هو "كلام نقي كفضةٍ مصفاةٍ ممحصةٍ بالنار" (مز 12: 6). لكن عندهم الأنبياء كقاعدةٍ لتبشيرهم، أما العوارض التي هي بين الأعمدة، فكما قلت سابقًا، هم الأيادي اليمنى للعضوية الرسولية المتبادلة العطاء.
دع الستائر بعد خياطتها بحلقات، وتعليقها في دوائرٍ، وربطها بخيوطٍ، أن تُبسط بطريقة يكون البيت فيه ثمانٍ وعشرون ذراعًا، وعرضُه أربع أذرع (خر 26: 2). هكذا ليُضم البقية الباقية من جمهرة المؤمنين، ممن يتشبثون ويتعلقون بحبال الإيمان، إذ أن "الخيط المثلوث لا ينقطع" (جا 4: 12). هذا هو الإيمان بالثالوث القدوس، الذي به تتعلق الكنيسة وتقوى.
وفي اعتقادي أن الناموس كما جاءت به الأناجيل، يتميز بطول ثمان وعشرين ذراعًا وعرض أربع أذرع، التي تُمثل رواقًا واحدًا[725]. ففي العدد سبعة عادة، إشارة إلى الناموس لكثرة الأسرار المرتبطة بهذا الرقم. وعندما يقترن هذا الرقم بالعدد أربعة (الأناجيل) تصير الحصيلة ثمانية وعشرون.
وتلك الأروقة العشرة قد تم بناؤها لتضم العدد الكلي للكمال، وتشير إلى الوصايا العشرة في الناموس. أما مظاهر الإسمانجوني والأرجوان والقرمز والبوص المبروم، فتوضح الإنجازات المختلفة. فهي تكشف عن شققٍ (ستائر) وحجاب خارجي وداخلي، وكل ملابس الكهنوت المغشاة بالذهب والمرصعة بالجواهر[726].]
14. ما هي مسئولية الأساقفة في تلمذة جيل جديد من الأساقفة والكهنة؟
يقول العلامة أوريجينوس أن اختيار موسى ليشوع كخليفة له نموذجًا لما يكون عليه اختيار الأسقف[727]. هذا ويشهد التاريخ الكنسي كيف كان البطاركة يُعدون تلاميذهم ليكونوا قادة روحيين سواء كبطاركة أو أساقفة أو مديرين لمدرسة الإسكندرية الخ. يقول العلامة أوريجينوس: [ا مجال هنا لتصويت شعبي أو لقرابة عصبٍ، إذ يتم تسليم الحكم لمن اختاره الله، لرجلٍ فيه روح الله، ويضع وصاياه أمام عينيه. كان موسى يعلم بالخبرة الشخصية أن يشوع بارع في الناموس والمعرفة، مما يجعل بني إسرائيل يدينون له بالطاعة. وحيث أن هذه الأمور مفعمة بالأسرار، فلا يمكننا إغفال ما هو أثمن[728].]
[اليوم يتحدث (المسيح) في شعبنا، ليس هذا الشعب فقط، بل وشعوب أخرى على مستوى العالم. المسيح يُعلم، ويطلب أدواته التي يستخدمها بنشر تعليمه. إني أصلي أن يجدني مستعدًا لذلك، معلنًا له عن خضوعي[729].]
ويقول ج. و. تريج J. W. Trigg: [كما هو الحال مع الكهنة، فإن المؤهل الأسمى للرسل كان فهمهم العميق لأسرار الكتاب المقدس. "فالحقول التي ابيضت للحصاد"، التي طالب يسوع رسله أن يجنوها هي أسفار العهد القديم[730]. وفي مطالبته لهم بعبور بحر الجليل رمز لدعوته لهم بعبور المعنى اللغوي (الحرفي) إلى المعنى الروحي في تفسير الكتاب المقدس[731]. والصفة الأولي لمهمة الرسول كمعلمٍ ومفسرٍ للكتاب المقدس كانت واجبه في ممارسة التمييز. وهنا زوّد بولس، أعظم الرسل، وأوريجينوس بالمثل فيما يختص بالتمييز الرسولي، عندما استخرج بجسارة من مخازن "حكمة الله في سرّ، الحكمة المكتومة" (1 كو 2: 7)، فيما بين المسيحيين الروحيين. أما بالنسبة للبسطاء منهم فقد حكم أنه من الملائم أن لا يعرفوا شيئًا إلا يسوع المسيح، وإياه مصلوبًا (1 كو 2:2)[732]. كان أوريجينوس حريصًا فيما يختص بالرسل، كما هو الحال مع الكهنة، على استبعاد أي إيحاء يميز من أنجز مهامًا رسولية في الكنيسة بتولّي مراكز معينة. فالرسل هم من يقومون بأعمال الرسول، مثل إعادة النظر لمن أعمتهم التعاليم الفاسدة، وإقامة من ماتوا في خطاياهم إلى الحياة[733]. فالرسولية تتحقق بثمارها، أو كما قال بولس: "إن كنت لست رسولاً إلى آخرين، فإنما أنا إليكم رسول، لأنكم أنتم ختم رسالتي" (1 كو 9: 2)[734].]
15. ما هي نظرة الكهنة لخطايا الشعب؟ وما هو سلطانهم؟[735]
يقول أوريجينوس كما عرف الرسل كيف يستخدمون هذا السلطان، كذلك الكهنة الذين يتشبهون بهم، ممن هم على طقس المسيح رئيس الكهنة الأعظم، يعرفون معنى سلطانهم[736]. وفي مجال آخر، نجده بنفس هذا التأكيد، يقول في إحدى عظاته عن سفر اللاويين، إنه طبقًا لمشيئة المسيح الذي أرسى نظام الكهنوت في الكنيسة، يحمل الكهنة خطايا الشعب، وفي محاكاة لسيدهم الإلهي يمنحون عنها الغفران[737]
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يستلم (الكهنة) سلطانًا لا يقتنيه الملائكة ولا رؤساء الملائكة. لديهم السلطان أن يربطوا ويحلوا، أن يحلوا الخطايا أو يربطوها. أي سلطان أرضي هو كهذا؟ الرب يطيع خادمه، والقرار الذي يأخذه الأخير على الأرض يثبته الأول في السماء[738].]
16. كيف يراجع الكاهن حساباته حتى لا يفقد سلطانه؟[739]
يحذر القديس يوحنا الكهنة من إساءة استخدام كرامة الكهنوت: [لا تسئ استخدام الكرامة الكهنوتية، ولا تصر متعاليًا ومتشامخًا، بل احسب نفسك صغيرًا ووضيعًا[740].]
كما يقول: [أية طهارة تليق بذاك الذي يستدعي حلول الروح القدس على الذبيحة المقدسة، بينما تحوط الملائكة بالمذبح[741].]
يقول أوريجينوس: [ماذا انتفع إذا كنت شاغلاً للمكان الأول في الجماعة، وأملك شرف الرئاسة، إن لم يكن لي من الأعمال ما يجعلني مستحقًا لهذه الكرامة؟![742]]
يؤكد أوريجينوس في مناسبات كثيرة، أن شرعية السلطان الكنسي تعتمد على حالة الكاهن، فيقول: [إن كانت تقيده بشدة حبال خطاياه الشخصية، فلا مجال لممارسته لسلطان الحل والربط.] فالحق في مغفرة الخطايا المقترفة ضد الله، محفوظ [للمُلهم من يسوع، كما كان الرسل، ومن يمكن تمييزه من ثماره، أن تَقبَّل الروح القدس بداخله[743].] كما يؤكد أوريجينوس على أهمية السمات الروحية عند الأسقف، معتقدَا أن الأسقف الخاطئ يفقد سلطانه على مغفرة الخطايا. فيقول: [دعنا نتأمل في مغزى ما قيل لبطرس، ولأي بطرس بين المؤمنين: "سأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات" ( مت 16: 19). فمن يحكم بغير العدل، ومن لا يربط على الأرض بحسب مشيئة (المسيح)، تقوى عليه أبواب الجحيم. لكنها لن تقوى على من يحكم بالعدل، ويمتلك مفاتيح ملكوت السماوات، فاتحًا أبوابها أمام من كان محلولاً" على الأرض، حتى يصير أيضًا محلولاً وحرًا في السماء. ومغلقًا لها في وجه من حكم ضده بالعدل، بالربط على الأرض، فيصير أيضًا مربوطًا في السماء. فإن استخدم من يحصلون على رتبة الأسقفية هذا النص كما استخدمه بطرس، مؤكدين استلامهم مفاتيح ملكوت السماوات من المسيح، وأن ما يحلّونه على الأرض يكون محلولاً في السماء، وأن ما يربطونه على الأرض يكون مربوطًا في السماء، يكون زَعْمهم صادقًا، إذا ما عاشوا حياتهم بما يتفق مع ذلك... فلن تقوى عليهم أبواب الجحيم، في ممارستهم لسلطان الحَلّ والرَبْط. أما إذا كانوا مُقيدين بحبال خطاياهم، فلا محل لممارستهم لهذا السلطان[744].] ويُحذّر من القيام بِحَرْمان من أحاط الشك باقترافه للخطيئة، أو إذا كانت خفيَّة[745]. أما من كانت خطيئته فاضحة وظاهرة فلا مناص من طرده من الكنيسة. هذا مع التزام الحِرْص في هذا الشأن، خِشية أن نستأصل مع الزوانِ جُذور الحنطة أيضًا[746].
17. ما هي خطورة المجد الباطل على الأساقفة؟
يحيط بعض الأساقفة، وبخاصة في المُدن الكبيرة، أنفسهم بما يُبْعدهم، مثل الطغاة، عن رعيتهم بِقصدِ إرهابهم[747]. يقول أوريجينوس: [يمكنك قول نفس الشيء عن من يبتغي الأسقفية بحثًا عن تمجيد الناس لهم وتملقهم، أو طلبًا للكسبِ ممن يُقدِّمون العطايا مدفوعين بتقواهم. فأسقفٍ كهذا لا يشتهي عملاً صالحًا (1 تي 3: 1) بأي حالٍ. ولن يكون بلا لوم ولا اعتدال ولا سمو فكرٍ، إذ يسكره المجد ويتخمه إدمانه. وينطبق هذا القول أيضًا فيما يتعلق بالكهنة والشمامسة[748].]
وفي تعليق أوريجينوس على يشوع وسلوكِه في حُصوله على نصيبه في الميراث، بعد كل الأسباط، بل وبعد كالب، يقول: [لماذا جَعل من نفسه آخر الجميع؟ حتى يصير بالتأكيد أوَّلهم (مت 19: 30). لم يكن حصوله على إرثه بقرار منه بل من الشعب، كما ينص الكتاب المقدس، "أعطى بنو إسرائيل يشوع بن نون نصيبًا في وسطهم" (يش 19: 49). ولكن الآن "فهذه الأمور جميعها أصابتهم مثالاً (1 كو 10: 11). فكما قيل إنك أن سَلكتَ في تواضع، فسيزداد بذلك قدْرك، وتحرز استحسانًا من الرب (سيراخ 3: 17). وأيضًا: "إذا اختاروك عليهم رئيسًا فلا تستكبر، بل لتصر بينهم كواحدٍ منهم (سيراخ 32: 10)[749]. لذلك، فإن قدَّمنا صدَقَتنا أمام الناس. نحصل على مكافأتنا منهم (مت 6: 1-4). وبصفة عامة، كل من يعمل ويطلب مجدٍ من الناس، لن تكون مجازاته ممن يجازي من يعمل في الخفاء. فلذلك أيضا من تملكُ عليهم أفكار المجد العقيم أو محبة الكسب، فهم يتصرفون بدوافع مشبوهة. والتعليم الذي يُعدّ تعليمًا كنسيًا، إذا ما صار مستعبدًا بكلمات التملق، سواء باستخدامه كستار للجشع، أو حين يسعى أحد للمجد البشري كمعلم، فلن يكون فيما بعد تعليم "من وضعهم الله أُناسًا في الكنيسة: أولاً رُسُلاً، ثانيًا أنبياء، ثالثًا مُعلمين" (1 كو 12: 28). لك أن تقول الشيء نفسه، فيما يختص بمن يسعى للأسقفية طلبًا للكرامة البشرية، أو طمعًا في الربح من عطاء من تدفعهم تقواهم. فالأسقف من هذا النوع من المؤكد "لا يشتهي عملاً صالحًا" (1 تي 3: 1). ولن يكون أبدًا بلا لوم، حليمًا وضابطًا لنفسه". إذ قد أثمله المجد وانتفخ به. وينطبق هذا أيضًا فيما يتعلق بالكهنة والشمامسة[750].]
يقدم أوريجينوس صورة عن نفسه في عظاته وتفسيراته، كمثالٍ لاتضاع الإكليروس والمُعلمين:
1. كان يُرجِع الفضل في فهمه وإلمامه بالكتب المقدسة إلى نعمة الله، وليس إلى ذاته.
2. في مناسبات عديدة كان يُطالِب من يَشْهد اجتماعاته بأن يستمع أيضًا إلى من هم أكثر منه حكمة، وإلى من حباهم الله بنعمة فَهْم أكبر. إذ يقول: [ربما يوجد إنسان آخر أكثر حكمة مني، ويُحسب عند الله أهلاً أن يتمتع بالكشف والحكمة في التفسير وذلك بروح الله، وأن ينال عطية معرفة الكلمة بالروح (1 كو 8: 12). (فيقدم تفسيرًا أفضل مني، وإن كنت من جهتي بذلت غاية جهدي)[751].] [لعل الله يعطي من يختاره كلمات حكمة أكثر ثراء (مما لي)، ويهبه كلمة تدخل إلى الأعماق بنور المعرفة، فيكون تفسيري إذا ما قورن بمن هو مثل هذه المواهب، كشمعة في ضوء الشمس[752].]
يقدم أوريجينوس باتضاع خاتمة عن تفاسيره، قائلاً: [هذا هو أقصى ما يمكنني إنجازه، ليت من كان قادرًا على نوال نعمة أعظم لفهم هذه العبارة ينطق بكلمات أكثر وأفضل[753].]
[(لا يستطيع أحد أن يفسر بطريقة كاملة) ما لم يحل يسوع في ذهنه، هذا الذي كان على انفراد يُفسر لتلاميذه كل شيء (مر 4: 34)، فيفتح جميع حجرات الكنوز الخافية والمظلمة ويشرق بنوره عليها. فإنني حتى الآن لم أُوهب من العقل ما هو كافٍ وقادرٍ على الامتزاج بذهن المسيح، فأبلغ إلى المستوى المطلوب لهذه الأمور[754].]
18. كيف كان موسى مثالاً رائعًا في إقامة خليفة له؟
طالب أوريجينوس جميع رجال الإكليروس بالتواضع، مقتدين بموسى العظيم بين الأنبياء، هذا الذي لم يجسر أن يختار لنفسه خليفة، بل سأل الله ليختار من يصلح لهذا المركز. [لنُعجب بعظمة موسى، هذا الذي وهو يستعد للرحيل من هذه الحياة، صلى إلى الله لكي يختار قائدًا لشعبه. ماذا أنت فاعل يا موسى؟ أليس لك ابن من صلبك، جرشوم واليعازر؟! إن كانت تنقصك الثقة فيهما، فماذا عن أخيك، الرجل العظيم؟! لماذا لم تطلب من الله أن يجعل منهم قادة للشعب؟
ليت رؤساء الكنيسة عوض عن تعيين من ينتمي إليهم برباط الدم أو العلاقات الأسرية في وصاياهم، وعوضًا عن إرساء سلالات حاكمة في الكنيسة، يتعلمون الالتجاء إلى حكم الله، ويبتعدون عما تدفعهم إليه مشاعرهم البشرية، تاركين أمر تعيين خلفائهم في يديْ الله.
ألم يكن موسى قادرًا على اختيار قائدًا للشعب، يختاره بحكمةٍ وبقرارٍ سليم وعادل؟! من يقدر أن يختار قائدًا بحكمة أكثر من موسى؟ ومع ذلك لم يفعل. إنه لم يختر خلفًا له، ولا تجاسر أن يفعل ذلك، لِمَ لا؟ حتى يتفادى إعطاء من يجيئون بعده مثالاً يحثهم على التجاوزات. لنصغِ: "ليوكِّل الرب إله أرواح جميع البشر رجلاً على الجماعة، يعمل قائدًا لهم في كل الأمور، يقودهم في كل أعمالهم" (راجع عدد 27: 16-17). إن كان رجل عظيم مثل موسى لم يقدُم بنفسه على اختيار قائدٍ للشعب، وانتخاب من يخلفه، فمن هو إذن من بين شعبه، أو حتى من بين صفوف الكهنة يعطي صوته مندفعًا بعاطفةٍ بشريةٍ أو إغراءٍ مالي، ويظن أنه قادر على إبداء الرأي في هذا الشأن، إلا إذا تم ذلك خلال رؤيا يتمتع بها بالصلوات والتوسلات المقدمة لله؟[755]]
19. من هو الأسقف الحقيقي في نظر الله؟
يقول أوريجينوس: [كيف صارت الكنيسة إلى هذا الوضع المؤسف؟ هل يعجز الله عن تزويد كنيسته بالقادة الملائمين؟ لا يمكن. لكن الكنيسة أحيانًا تفشل في إعطاء مثل هؤلاء الموقع المناسب من الشرف والكرامة[756].] كما يقول: [كثيرًا ما يحدث أن يحتل من يتعامل بأسلوبٍ وضيع ودنيءٍ ومن تسيطر عليه الدنيويات مكانًا بارزًا ككاهن أو يتربّع على كرسي التعليم؛ بينما من يتصف بالروحانية والتحرر من الأرضيات فيحكم في كل شيء ولا يُحكم عليه من أحد، لا يشغل إلا درجة دنيا في الكهنوت أو يُستعبد لعامة الجمهور[757].]
20. لماذا قام موسى بإلباس هرون رئيس الكهنة وبنيه ثيابًا (لا 8: 7، 13)؟
يقول أوريجينوس: [حقًا لقد قيل: "صنع الرب الإله لآدم وامرأته أقمصة من جلد وألبسهما" (تك 3: 21). كانت تلك الأقمصة من جلدٍ مأخوذٍ عن حيوانات، فإن مثل هذه الأقمصة يلزم أن يلبسها الخاطي. قيل "أقمصة من جلد"، وهي رمز لحالة "القابلية للموت"، التي قبلها بسبب ضعفه الناشئ عن فساد الجسد. أما وقد اغتسلتَ من هذه الأمور، وتطهرتَ بواسطة ناموس الله، يُلبسك موسى ثوب عدم الفساد، فلا تظهر عورتك قط، ويبتلع الموت بواسطة الحياة[758]. ] كما قال: [يليق بالكاهن الذي يخدم المذابح الإلهية قبل كل شيء أن يتمنطق بالطهارة، فإنه لن يصير في وسعه تطهير القديم وإرساء ما هو جديدٍ ما لم يلبس الكتان (البوص المبروم). كثيرًا ما تحدثنا عن الثياب الكتانية، خاصة في معالجتنا للملابس الكهنوتية، بأن هذا النوع يحمل شكل الطهارة، على أن الكتان يعود أصله إلى الأرض حيث يُدرك دون مزجه بشيء آخر[759].]
21. ما هي أنصبة الكاهن في ذبيحة السلامة؟
يقول أوريجينوس: [أنصبة الكاهن في ذبيحة السلامة هي الصدر والساق اليمنى (لا 7: 31، 33)، إذ يليق به أن يتقدس قلبه وتتقدس أعماله. يُوضع "الشحم الذي فوق الصدر "فوق المذبح، وأما "الصدر ذاته فيكون لهرون وبنيه" (لا 7: 31). أظن أنه إذا قال إنسان أنه كاهن الله ولم يكن له الصدر (أو القلب مصدر الأفكار) مختارًا من بين كل أعضائه، فهو ليس بكاهنٍ.
هذه هي الساق التي للكاهن (لا 7: 33)، يأتي بها بنو إسرائيل إليه من أجل خلاصهم.
ففي هذه التقدمة، يكون الصدر والساق اليمنى للذبيحة هما نصيبًا للكاهن. هذا يحمل علامة أن صدر المُقدم أو قلبه الذي كان قبلاً مملوءًا بالأفكار الشريرة قد تحول إلى قبول الأفكار الصالحة بعمل الكاهن؛ فيصير نقيًا "قادرًا على معاينة الله". وعلى نفس النمط أيضًا الساق يحمل علامة العمل الشرير الفاسد الذي يتحول إلى عملٍ صالحٍ يتفق مع الله. هذه هي الساق اليمنى التي يُقال إنها من نصيب الكاهن[760].
أظن أن أداء الكهنة لوظائفهم شيء، وتعليمهم وتدريبهم على كل شيء أمر آخر. فإنه يمكن لأي شخص أن يتمم الخدمة الدينية، لكن قليلين هم الذين يتزيّنون بالأخلاقيات، ويتثقّفون بالتعليم، ويتعلّمون الحكمة، ويتكيّفون لإعلان حقيقة الأمور وشرح حكمة الإيمان، دون إغفالٍ لزينة الفهم، وسموّ الدفاع عن الحق المتمثل في "غطاء الرأس الذهبي" (خر 28:36-37؛ لا 8: 9) الذي يوضع على رأسه. فلقب الكاهن شيء، وكرامته حسب استحقاقات حياته وفضائله شيء آخر. لهذا السبب يليق بأي كاهن أن يمتحن نفسه كأنه أمام مرآة المقومات التي ينص عليها ناموس الله، وأن يجمع لنفسه درجات استحقاقاته، ما إذا كان قد تزيّن بحليّ الكهنوت الثمينة التي سبق أن شرحناها[761].]
22. هل يلزم ألا تفارق قلوب الكهنة السكنى في بيت الله؟
لا يغادر الكاهن بيت الله، بمعنى أنه يحب الحياة السمائية. يقول أوريجينوس: [إذا رغب إنسان أن يصير رئيس كهنة، لا بالاسم فقط بل بالاستحقاق، فليقتدي بموسى وهرون. ماذا قيل بشأنهما؟ لم يغادرا خيمة الرب. كان موسى في خيمة الرب على الدوام. ماذا كان عمله؟ إما أن يتعلم شيئًا من الرب أو أن يعلِّم الشعب[762].]
23. لماذا يلتزم الكاهن بحياة الصلاة الدائمة؟
يقول أوريجينوس: [ليت كاهن الكنيسة يصلي على الدوام حتى يصير لشعبه الذي تحت رعايته الغلبة على قوات عماليق غير المنظورة، الذين هم الشياطين التي تهاجم من ينشد حياة التقوى في المسيح[763].]
24. ما هو الكهنوت العام؟
يشير أوريجينوس في عظاته إلى الكهنوت العام لكل أعضاء الكنيسة. ويقول: [أتريد أن تعرف الفارق بين كهنة الله وكهنة فرعون؟ كان فرعون يمنح كهنته الأراضي، أما الله فيقول لكهنته: "أنا هو نصيبكم" (عد 18: 20). ألم تلاحظوا أن جميعكم كهنة الرب... لنستمع إلى ما يأمر به ربنا يسوع المسيح كهنته: "من لا يترك كل ماله لا يقدر أن يكون لي تلميذًا" (لو 14: 21). إني أقشعر عندما أنطق بهذه الكلمات، فألوم نفسي وأدينها. فإن كان المسيح يرفض أن يحسب من له شيء ولا يترك كل ماله تلميذًا له، فماذا نحن فاعلون؟ كيف يمكننا قراءة ذلك وتفسيره للشعب، نحن الذين ليس فقط نحتفظ بما لنا، بل ونشتهي نوال ما لم يكن لدينا قبل أن نأتي إلى المسيح؟ فإذا كان ضميرنا يتهمنا، هل في استطاعتنا أن ننافقه فيما كتب؟ إني لا أريد أن أضاعف من إحساسي بالذنب[764].]
كان أوريجينوس يقوم بتدريب من سيصيرون قادة في الكنيسة. لم يكن هو نفسه قد سيم كاهنًا بعد. ومع اشتياقه لنوال هذه النعمة، كان يحسب أعماله التعليمية أمورًا مقدسة، ونظر إليها على أنها تحمل صورة كهنوت هرون. لنتذكر أن القديس يوحنا في رؤياه للاثني عشر سبطًا المحصيين حول الحمل يمثلون الشعب المسيحي، مميزًا العذارى على جانب منهم كأبكار (أول ثمار) المؤمنين بالمسيح. إنهم الصفوة المفكرة، والمجموعة الصغيرة للتلاميذ الحقيقيين الذين بدراستهم للكتاب المقدس والتأمل فيه بيقظةٍ ومثابرةٍ، يحفظون نقاوة الجسد والفكر الذي يتميز بها الكاملون. هؤلاء يمكن دعوتهم لاويين أو كهنة إسرائيل، إذ هم يمارسون الكهنوت الداخلي[765].
[هل تعلم أن الكهنوت قد أُعطي لكم، أعني لكنيسة الله كلها ولشعب المؤمنين؟! استمعوا إلى بطرس وهو يقول للمؤمنين: "وأما أنتم فجنس مختار وكهنوت ملوكي، أمَّة مقدسة، شعب اقتناء" (1 بط 2: 9). إذن لكم الكهنوت، إذ أنتم جنس كهنوتي، يلزمكم تقديم ذبيحة التسبيح (عب 13: 15)، ذبيحة الصلوات، ذبيحة الرحمة، ذبيحة الطهارة، ذبيحة القداسة[766].]
[يخصص أغلبنا معظم وقته لأمور هذه الحياة، مكرسين لله أوقاتًا وأعمالاً قليلة جدًا. بهذا نشبه أعضاء الأسباط الذين لم يكن لهم مع الكهنة أكثر من معاملات قليلة، يمارسون واجباتهم الدينية في أقل وقتٍ ممكنٍ. أما الذين يكرسون أنفسهم للكلمة الإلهية، وليس لهم ما يشغلهم سوى خدمة الله، فليس بالأمر غير الطبيعي أن نسمح بدعوتهم لاويينا وكهنتنا بسبب الفارق في العمل بين الحالتين. أما الذين يمارسون مهامًا أكثر تمييزًا عن إخوانهم، فربما نحسبهم كرؤساء كهنة على رتبة هرون[767].]
[بالمعنى الأخلاقي، يمكننا النظر إلى رئيس الكهنة على أنه فهم التقوى والدين الذي يُمارس في داخلنا بالصلوات والابتهالات التي نجعلها تنهمر أمام الله، كنوعٍ من الكهنوت. فإن حدث منه تجاوز في أمرٍ ما، يقود هذا على الفور إلى "خطأ كل الشعب" ضد الأعمال الصالحة في داخلنا. فنحن لا نصنع أي عملٍ صالحٍ عندما يتحول الفهم - مرشدنا إلى الأعمال الصالحة - إلى الخطأ. لهذا فإن تصحيح هذا الوضع لا يمكن أن يتحقق بتقديم أية تقدمة أقل من "العجل المُسمن" ذاته. على نفس النمط لا يصير إصلاح الجماعة، أي تصحيح جميع الفضائل التي في داخلنا بأي شيء آخر غير تسليم المسيح للموت[768].]
[لتحرص على أن تكون هناك "نار على مذبحك" على الدوام. إن كنت ترغب في أن تصير كاهنًا للرب، كما هو مكتوب: "أما أنتم فتدعون كهنة الرب" (إش 61: 6)، وكما قيل أيضًا إنكم "جنس مختار وكهنوت ملوكي، أمَّة مقدسة، شعب اقتناء" (1 بط 2: 9)، إن أردت ممارسة كهنوت نفسك، لا تدع النار تغادر مذبحك. هذا أيضًا ما عمله الرب لرسله: "لتكن أحقّاؤكم ممنطقة، وسُرُجكم موقدة" (لو 12: 5). لتحرص إذًا على إبقاء نار الإيمان وسراج المعرفة موقدة على الدوام[769].]
[كما سبق أن قلنا مرارًا، يمكنك ممارسة العمل كرئيس كهنة أمام الرب في داخل هيكل روحك إذا أعددت ثيابك بغيرة ويقظة؛ وإن غسَلتك كلمة الناموس وطهَّرتك؛ إن أبقيت مسحة معموديتك ونعمتها بغير شائبة؛ إن اكتسيت بثوبيْ الحرف والروح؛ إن تمنطقت مرتين بحيث تكون طاهرًا في الجسد والروح؛ إن زينت ذاتك "بجبة" الأعمال وصدرة الحكمة؛ إن توَّجت رأسك بعمامة أو صحيفة ذهبية (لا 8: 9) لملء معرفة الله، هذا مع علمك أنك قد تكون خافيًا وغير معروفٍ من الناس، فأنت "هيكل الله وروح الله يسكن فيك" (انظر 2 كو 6: 16؛ 1 كو 3: 16)[770].]
[ألا تعرفون أنه قد أُعطي الكهنوت لكم وللكنيسة كلها ولجمهور المؤمنين؟!. لهذا يجب عليكم تقديم ذبيحة التسبيح لله (عب 13: 15)، ذبيحة صلاة، ذبيحة قداسة. لكن لكي تُقدم هذه الأمور باستحقاق يلزم أن يكون لكَ ملابس نظيفة تختلف عن ملابس عامة الناس، ويكون لك بالضرورة نار إلهية ليست غريبة عن الله، بل تلك التي يهبها الله لشعبه، والتي يقول عنها ابن الله: "جئت لألقي نارًا على الأرض، فماذا أريد لو اضطرمت؟!" (لو 12: 49). فإننا أن لم نستخدم هذه النار بل نستخدم نارًا أخرى، تلك التي تحول نفسها إلى "شبه ملاك نور" (2 كو 11: 5)، فسنعاني بلا شك مما عانى منه ناداب وأبيهود[771].]
25. ما هو منهج العلاقة بين رجال الإكليروس والشعب؟
ديمقراطية الكنيسة في العلاقة بين رجال الإكليروس والشعب، تتجلّى في الآتي:
ا. يقول أوريجينوس: "كل من يُدعى للأسقفية، لا يُدعى للسيطرة، بل لخدمة الكنيسة ككل[772]".
ب. يتحدث القديس إكليمنضس[773] وأوريجينوس[774] عن الكهنوت العام (الخاص بالشعب).
ج. يقول ر. كاديو أخبرنا هؤلاء المؤرخون أنه طبقًا لعددٍ من الإثباتات، فإن أقدَم ما جاء في أعمال القديس جيروم هي أن أسقف الإسكندرية منذ العصور الأولي للكنيسة كان يُقام من أحد أعضاء كهنة الإسكندرية. ويتم اختياره وتفويضه بواسطة الكهنة، بطريقة تماثل اختيار الإمبراطور بواسطة الجيش. هذه العادة البدائية، كما أخبرنا، قد أنهاها خلفاء البطريرك ديمتريوس. فصار انتخاب البطريرك وسيامته تتم على يد الأساقفة المجاورين حسب الأسلوب التقليدي، لكن لم يكون باختياره من بين صفوف الإكليروس السكندري[775].
ألقي أوريجينوس ضوءًا على انتخاب الأساقفة في أيامه. واستخدم فيرجسون عظاته عن سفر العدد 13: 4، لتوضح أنه في القرن الثالث كان يوجد على الأقل أربع طرق لانتخاب الأساقفة:
1. انتخاب شعبي.
2. تعيين من قبل الأسقف الحاكم (البطريرك).
3. تزكية لشخصٍ ما، أو تصديق على من ينتخبه الشعب.
4. انتخاب الكهنة له، وهذا ما يفضله أوريجينوس[776].
يؤكد أوريجينوس أن الأمر يتطلب تواجد الشعب في سيامة الكاهن، إذ أنهم يقومون بانتخابه[777].
تتطلب سيامة الكاهن تواجد الشعب، حتى يعلم الجميع ما يؤكد لهم أن الشخص المنتخب للكهنوت هو أبرزهم من بين كل الناس، وأكثرهم علمًا وقداسة، وأغناهم في كل فضيلة[778].
يقول إنه من اللازم أن يكون ذلك في قرارٍ علنيٍ لئلا يكون لأحد من الشعب رأي مختلف. ويبني هذا الرأي على حقيقة أن موسى "جمع كل الجماعة".
26. هل تعوق الأعمال الإدارية للكاهن تحرره الداخلي؟
ربط آباء الكنيسة بين إتمام أعمال الإدارة المنوطة بالأسقف والكاهن وبين تحررهم الداخلي التام من كل الاهتمامات الأرضية ومن الانغماس في كل ما يختص بمتطلبات الجسد. يعتبر القديس باسيليوس الكبير أن الذهن الذي يتشوَّش بالاهتمامات الدنيوية يصير عاجزًا عن رؤية الحقيقة[779]. لذلك طالب الفحص بتدقيق في السيامات حتى لا يُسام أحد يُمكن أن تعوقه الأعمال الإدارية عن تحرره الداخلي. يقول القديس باسيليوس الكبير:
[الذين تودع لديهم الكرازة بالإنجيل يلزم بعد الصلاة والطلبة أن يُساموا شمامسة أو كهنة، أناس بلا عيب، تُبحَث حياتهم الماضية، ويُوجَدوا أهلاً لذلك (مت 9: 37-38)[780].]
[يجب ألا نكون مُهمِلين بخصوص السيامات، فلا يُساموا بدون تشاورٍ بحرصٍ، فإن الذي لا يُفحَص يصير في خطرٍ. أيضًا يلزم أن نُعرض عمن يكتشف أنه ارتكب أي خطأ. فمن يكتشف هكذا لا يشترك في الخطية (بقبوله سيامة من هو غير مُؤهَّل لذلك)، ولا يتعثر الآخرون، بل بالحري يتعلَّمون أن يخافوا (1 تي 5: 22)[781].]
[من يُختَار (للسيامة) لا يقوم بالكرازة بالإنجيل من عنده، بل ينتظر أن يكون ذلك مقبولاً لدى الله، ويبدأ الكرازة عندما يُعيَّن لذلك، وبهذا يكرز لمن يُرسَل إليهم (مت 10: 5-6)[782].]
[من يُدعَى للكرازة بالإنجيل، يلزمه أن يطيع في الحال وبدون تأخير (لو 9: 55-60)[783].
[يلزم تعليم المؤمنين كل وصايا الرب التي في الإنجيل، وأيضًا الذين ينضمون إلينا خلال الرسل (مت 28: 19-20)[784].]
[من عُيِّن أن يكرز بتعاليم الرب، إن صمت بخصوص شيءٍ ما ضروري يُسر الله، يكون مُذنِبًا ويُطلَب منه دم الذين صاروا في خطر، سواء بارتكابهم ما هو ممنوع، أو عدم ممارستهم الصلاح الذي يلزم أن يفعلوه (لو 11: 52)[785].]
[لا يُسمَح لأحد أن يلزم آخرين أن يمارسوا ما لم ينجح هو في إتمامه (لو 11: 46)[786].]
[من يكرز بالكلمة (المسيح)، يلزم أن يُقَدِّم للبقية كمثالٍ لكل فضيلة بممارسته أولاً ما يُعَلِّم به (مت 11: 28-29)[787].]
[من يكرز بالكلمة (المسيح) يلزمه ألا يشعر بأنه في أمان ببرِّه الشخصي، بل يتحقَّق أن صار تَقَدُّم المؤمنين هو عمله الرئيسي والوظيفة المنوطة إليه (مت 10: 27-28)[788].]
[يلتزم الكارز بالكلمة (المسيح) أن يفتقد كل البلاد والمدن التي تحت رعايته (يو 6: 37-40؛ 1 تس 2: 19-20)[789].]
[يجب دعوة الكل لسماع الإنجيل، لكي يكرز بكل صراحةٍ، حتى يتأيَّد الحق، وإن كانت التكلفة هي المقاومة وقبول الاضطهاد حتى الموت (مت 10: 27-28)[790].]
[يليق بمن يحب الرب أن يهتم بكل محبةٍ وكل إعلانٍ عن الغيرة على الذين يُعَلِّمهم، حتى إن استدعى ذلك أن يثابر حتى الموت نفسه في تعليمه العلني والخاص (أع 20: 20-21)[791].]
[يليق بالكارز بالكلمة أن يكون لطيفًا ورحومًا، خاصة نحو الذين يعانون من آلام النفس (مت 9: 36)[792].]
[من اللائق أن نكون لطفاء ومهتمين حتى بالاحتياجات الجسدية للذين تحت رعايتنا (مت 15: 32)[793].]
[لا يليق بالكارز بالكلمة أن ينشغل بالأمور الصغيرة باسترخاء، بينما هو مُلتزِم بالغيرة التي يُظهِرها في الأمور العظمى (أع 6: 2)[794].]
[يلزمنا ألا نكون متباهين وكثيري الحركة عند تقديم كلمة التعليم، نُداهِن السامعين لأجل مسرتنا الذاتية وراحتنا، إنما يليق بنا أن نعمل كمن يتكلم عن مجد الله في حضوره (مت 23: 5-10)[795].]
[لا يليق بالكارز بالكلمة أن يُفسِد طاقته بالتعامل بغطرسةٍ وتشامخٍ مع الذين هم تحت رعايته، بل بالحري يحسب موقفه هو إبراز تواضعه نحوهم (مت 13: 13-14)[796].]
[لا يليق بنا أن نكرز بالإنجيل بروح النزاع والحسد أو المنافسة مع أي أحدٍ (في 1: 15-17)[797].]
[يليق بنا ألا نظن أننا ننال النجاح في الكرازة خلال طرقنا البشرية، بل يلزمنا أن نعتمد تمامًا على الله (2 كو 3: 4-6)[798].]
[مَنْ تُعهَد إليه الكرازة بالإنجيل، يليق به ألا يقتني شيئًا أكثر مما هو ضروري للغاية له (مت 10: 9-10)[799].]
[كمُعلِنين عن ملكوت السماوات عند دمار ذاك الذي يسيطر على من يموت في الخطية (مت 10: 7)[800].]
[كنموذج أو قانون للتقوى فيمن يُحَقِّقون كمال كل برًّ في الذين يتبعون الرب؛ وكبرهانٍ على الإثم في الذين يأثمون في المعصية، ولو كان في أصغر الأمور (في 3: 13-16)[801].]
[كما أن العين في الجسد تُمَيِّز الصالح من الشرير، هكذا يقودون أعضاء المسيح في الظروف التي تناسب كل واحدٍ (مت 6: 22)[802].]
[كرعاة لقطيع المسيح، لا يرفضون أن يبذلوا حياتهم من أجل القطيع إن استدعى الأمر كذلك، وذلك بهدف أن يُقَدِّموا لهم إنجيل الله (يو 10: 11)[803].]
[كأطباء يعتنون بأمراض النفس بحنوٍ عظيمٍ، حسب معرفتهم لتعليم الرب، ليردّوا لهم الصحة في المسيح مع المثابرة (رو 15: 1)[804].]
[كآباء ومُرَبِّين لأطفال، مولودين منهم، فإنهم بعاطفة حُبّ ملتهبة في المسيح ليس فقط يعلمونهم إنجيل الله، بل يقدمون لهم حياتهم (1 كو 4: 15)[805].]
[كعاملين مع الله، يُكَرِّسون أنفسهم بالكامل لحساب الكنيسة للعاملين وحدهم المستحقين لله (1 كو 3: 9)[806].]
[العاملون في كرم الله، الذين لا يغرسون شيئًا غريبًا عن الكرمة التي هي المسيح، لا يوجد فيهم شيء عقيم (بلا ثمرٍ)، بل بكل اجتهاد يرعون ما هو مناسب ومُثمِر (1 كو 3: 6)[807].]
[كمن يبنون هيكل الله، يُشَكِّلون كل نفسٍ، لكي ما توضع على أساس الرسل والأنبياء (1 كو 3: 10-11)[808].]
27. هل رعاية الإيبارشية تعوق الاهتمام بالعمل الكنسي العام؟
نجح القديس باسيليوس الكبير في محاكاة القديس أثناسيوس في اهتمامه بالعمل الكنسي الجماعي. هذا ما أوضحه صديقه القديس غريغوريوس النزينزي في مرثاته له التي كرز بها في جنازته. يليق بالأسقف الاهتمام بالعمل الكنسي العام بجانب رعايته الإيبارشية المؤتمن عنها.
يقول القدِّيس باسيليوس الكبير: [بالرغم من أنه يكفي تمامًا لمُعظَم الأشخاص أن يرعوا مسئولياتهم الخاصة، غير أن هذا لا يكفي لكم. على العكس، إنكم تبذلون رعاية عظيمة نحو كل الكنائس، كما بالنسبة للكنيسة الخاصة التي اؤتمنتم عليها من جهة التفكير والتدبير والكتابة، وفي كل مناسبة تُرسِلون أفضل المشيرين[809].] [عندما استقرت شئونه المحلية... زادت خطته الطموحة إلى أعلى مستوى، فبينما كان بقية الأساقفة يُرَكِّزون على شئونهم الخاصة بإيبارشياتهم، فإنه وهو معتدل في كل الأمور الأخرى لم يكن قادرًا أن يكون معتدلاً في هذا الأمر، إنما كانت رأسه منتصبة يلقي ببصيرته العقلية حوله، يُطوِّق العالم كله بحواجز حكمة الخلاص[810].]
28. ما هي أخطر السقطات التي يتعرض لها الكهنة والرعاة والخدام؟[811]
في الصلوات السرّية في بدء القداس الإلهي يرفع الكاهن قلبه، قائلاً: اقبل هذه الذبيحة عن خطاياي وجهالات شعبك، ناسبًا لنفسه الخطايا بينما يحسب خطايا الشعب ضعفات.
يحذر الكتاب المقدس العاملين في الكنيسة من حرب الشيطان، "يقول رب الجنود اضرب الراعي فتتشتت الغنم وارد يدي على الصغار (زك 13: 7). أخطر الخطايا التي يتعرض فيها الكاهن أو الخادم أو المعلّم أو المبشّر هي إن يخدع نفسه أو يكذب على نفسه. هذه الخطية التي تُترجم عمليًا في الآتي:
1. يعدّد القائد ما قد حققه من أعمال أو خدمات في تشامخ، لا أن يذكر ما فعله الله معه وفي خدمته. يقول القدِّيس باسيليوس الكبير: [لا تدع رتبة الكهنوت تجعلك في خيلاء، بل بالحري تجعلك متواضعًا، فإن الانحلال والخزي يُولَدان من التشامخ. كلما اقتربت من الرتب العليا للنظام الكهنوتي المقدس، يليق بك بالأكثر أن تتواضع، مُتذكِّرًا بخوفٍ مثال أولاد هرون معرفة الحياة المقدسة هي معرفة وداعة وتواضع. التواضع هو اقتداء بالمسيح. التعالي والتجاسر والوقاحة هي اقتداء بالشيطان. كن مُتمثِّلاً بالمسيح، لا بضد المسيح! بالله وليس بالمقاوم لله! بالسيد لا بالعبد الشارد! بالرحوم لا بالذي بلا رحمة! بالمحب للبشرية لا بعدوِّها! بشريكك في حجال العُرْسِ لا بساكن الظلمة. لا تكن توَّاقًا لاستغلال السلطة على الجماعة، حتى لا تضع على عنقك أثقال خطايا الآخرين[812].]
2. ما يشغله التطلع إلى عدد الذين يستمعون إليه لا أن يُقام ملكوت الله فيه وفي المخدومين.
3. يظن أن مواهبه وقدراته أعظم من الموقع الذي يخدم فيه فيبحث عن كنيسة أكبر أو اجتماعات أكثر عددًا، أو يشعر أنه فريد في خدمته لخدمات معينة مثل اجتماعات الشباب أو إعداد قادة روحيين. أو يحسب نفسه أقدر على القيام بمشروعات أو الحوار أو إصدار كتب أو تسجيل عظات لها فاعليتها.
4. يظن انه صاحب قلب ناري جذَّاب للحياة الروحية المتقدة بالغيرة المقدسة. فيتطلع الشخص إلى ما تطلبه أعماقه وهو الرغبة في إبراز قوة خدمته ومعرفته للحق الإلهي، فيرى في المخدومين وسيلة لتحقيق هدفه الشخصي، وليس أن يتلامس مع فكر الله وتقديره لأولئك الذين مات من أجلهم.
5. انشغال الخادم أن يكون له دوره القيادي خاصةً في وسائل الإعلام، أو أن يصارع في داخله ليكون له مركزه الخاص في المؤتمرات المحلية أو المسكونية.
6. يخدع الخادم نفسه حين يظن أنه مدعو للقيام بحركة تصحيح المسار يقودها بإمكانياته الفريدة.
7. يظن البعض أنهم ناجحون في خدمتهم بينما ما يشغلهم هو تزايد شهرتهم أو شعبيتهم.
أما علاج هذه الأمور فهو ممارسة الخدمة الحقيقية ليترنم مع الرسول، قائلاً: "مع المسيح صُلبت فأحيا لا أنا بل يحيا المسيح فيّ (غل ٢: ٢٠).
يرى القديس أغسطينوس أن دور الخادم هو أن يُوضع المتكبرون في مكانهم، ويقف اليائسون على أقدامهم، ويتصالح المنشغلون بالمنازعات، وينال المحتاجون عونًا، ويتحرر المضطهدون، وينال الصالحون عونًا، والأشرار يُحتملون، والكل يُحبّون[813].
يليق بالخادم ألاَّ يظن أن السيد المسيح محتاج إليه، أو أن الكنيسة ستتوقف بعدم وجوده، إنما هي نعمة الله التي وهبته مقعدًا يجلس عليه ليعمل مع كل أعضاء الكنيسة كأعضاء فريق عمل واحد. يقول النبي: "لا تطلب لنفسك أمورًا عظيمة" (إر ٤٥: ٥).
29. ما هو العلاج العملي الذي يُقدم للرعاة؟
بعد أن تحدث هارتمان عن السلبيات في حياة الرعاة the pastors، قدم العلاج العملي لبنيان روح الرعاية والكرازة، مركزًا على عاملين هامين:
أولا: القدرة على الالتقاء المستمر بالكتاب المقدس والاعتزاز به، وأن يُقدم الجانب العملي للحياة الإنجيلية للتمتع بالشركة في المسيح يسوع.
ثانيًا: نادى هارتمان بضرورة القراءة بكثرة فيما ورد في تاريخ الكنيسة، على حد تعبيره، أو الاهتمام بكتابات الآباء الأولين حسب تعبيرنا الأرثوذكسي.
لقد كتب: [لنقرأ بتوسع أحد المصادر النافعة للغاية والرائعة التي وجدتها لأجل نموي ككارزٍ وهو "تاريخ الكنيسة". حينما أتطلع على المخطوطات التي لأفضل عظاتي أقرأها لكتابات فقيرة بالنسبة للعظات الرائعة لأشخاص مثل القديس يوحنا الذهبي الفم (٣٤٩-٤٠٧) ... إنه أحد الكارزين العظماء في تاريخ الكنيسة. إنني أشجع بقوة قراءة عظاته وتفاسيره للكتاب المقدس. أقدم هنا إحدى عظاته عن عيد القيامة، حيث يتحدث عن القيامة المُحطِمة للهاوية:
"كانت الهاوية في انزعاج لأنها انهارت بالقيامة.
كانت في اضطراب لأنه سُخر بها.
كانت في اضطراب لأنها تحطمت.
كانت في اضطراب لأنها دُمرت تمامًا.
كانت في اضطراب لأنها صارت مسبية.
أخذت الهاوية جسدًا واكتشفت الله.
أخذت أرضًا وصارت في مواجهة السماء.
أخذت ما قد رأته، لكنها هُزمت بما لم تره.
أين شوكتك يا موت؟
أين غلبتكِ يا هاوية؟
المسيح قام، وأنت أيها الموت قد دُمرت تمامًا!
المسيح قام، والأشرار انحدروا.
المسيح قام، والملائكة تهللت!
المسيح قام، والحياة تحررت!
المسيح قام، والقبر فارغ من الميت الذي كان فيه.
لأن المسيح قام من الأموات،
وصار باكورة الراقدين.
له المجد والسلطان إلى أبد الأبد. آمين[814]".
هذا الطابع الذي للذهبي الفم في القرن الرابع بالقسطنطينية أفضل من الطابع الأمريكي الحديث. إنه أفضل من أفضل عظة لك ولي ... القراءة في تاريخ الكنيسة تهبك تواضعًا ويزودك بما يجعلك راعيًا فاضلاً وكارزًا حسنًا![815]]
30. هل يحتاج الأسقف إلى صلوات الشعب؟
أُفرز الرسول بولس من البطن لخدمة الكرازة، والذي دعاه الرب علانية وهو في الطريق إلى دمشق، والذي نال مواهب كثيرة، يشعر بحاجة شديدة لصلوات الشعب من أجله ليسنده الرب ليس فقط في جهاده الروحي، وإنما في كرازته بالإنجيل أيضًا، إذ يقول: "مصلين بكل صلاة وطلبة كل وقت في الروح وساهرين لهذا بعينه بكل مواظبة وطلبة لأجل جميع القديسين. ولأجلي لكي يُعطى لي كلام عند افتتاح فمي لأعلم جهارًا بسرّ الإنجيل (أف 6: 18-19).
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [نحن نصلي من أجل الأسقف، لكي ما يعلن كلمة الحق بنقاوة، ومن أجل الحاضرين، كما من أجل الإخوة في العالم كله[816].]
31. لماذا يسمح الله للكهنة والأساقفة أن يخضعوا لأهواء الحياة والضعف؟
كثيرًا ما أشار الذهبي الفم أن الله يسمح للكهنة والأساقفة أن يخضعوا لأهواء الحياة والضعف، حتى يتعلموا من ضعفاتهم أن يترفقوا بالخطاة، ويغفروا للآخرين. هذا ما حدث مع القديس بطرس في العهد الجديد وإيليا النبي في العهد القديم[817]. لكنه لا يقدم عذرًا لأخطاء الكهنة: [إن أخطأ كاهن فخطأه أعظم من غيره، وعقوبته تكون أشد[818].]
32. كيف يأخذ المؤمن المشتاق لحياة التكريس أن يسلك في طريق الخدمة أم الرهبنة؟
يحتاج أخذ القرار إلى نقاوة القلب، ويرى القديس باسيليوس أن سرّ نقاوة قلب المؤمن هو حرصه على بنيان نفسه خلال ممارسته للسكون والهدوء الروحي. يقول: "الهدوء هو بداية تنقية النفس[819]".
الهدوء لازم للمؤمن، خاصة لأخذ القرار السليم للتكريس. إذ يُدعَى أحد للكهنوت أو يشتاق إلى الرهبنة، يحتاج أن يجلس مع نفسه تحت قيادة روح الله القدوس في هدوء لأخذ القرار حسب مشيئة الله. يقول القدِّيس باسيليوس الكبير: [عندما لا تتبدَّد النفس في الأمور الخارجية، ولا تتناثر في العالم عبر حواسها، فإنها تعود إلى ذاتها وترتقي إلى التفكير بالله[820].]
33. ما هو سرّ نجاح رئيس الأساقفة يوحنا الذهبي الفم في عمله الرعوي؟
تبقى رعاية هذا الأب نموذجًا حيًّا يليق أن نقتدي به حتى هذا القرن بالرغم من معوقات الخدمة بسبب مرضه منذ صبوته المبكرة ومقاومة القصر الإمبراطوري له لأنه لم يداهن الإمبراطور والإمبراطورة ورجال القصر، ومقاومة بعض الأساقفة والكهنة والرهبان له لأنه كان لا يشترك في الولائم المُقامة في القصر الإمبراطوري، ولا أقام ولائم في مركز الإيبارشية للنبلاء والعظماء.
أحد العوامل الرئيسية في نجاحه نظرته لمفهوم الرعاية: فمن جانبٍ يطلب من الكاهن (وكل رجال الكهنوت) أن يكون أبًا لكل العالم، سواء للمؤمنين أو غير المؤمنين أو حتى المقاومين للكنيسة. فيليق بالكاهن أيًا كانت رتبته بل والمؤمن العلماني - إن صح التعبير- أن يتشبه بالله الذي يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يُقبلون (1 تي 2: 4). أما الجانب الآخر فهو نظرته للشعب، إذ كان يقول لهم: "أنتم الأسقف". فالطفل الصغير المُقدس للربّ يخدم الأطفال ويجتذبهم للإنجيل ويقبلونه بفرح. والسيدة تستطيع أن تخدم النساء اللواتي في الأسواق بروح الإنجيل، هؤلاء اللواتي يصعب على الأسقف أن يلتقي بهن ويتعامل معهن. إنه يريد أن يكون كل مؤمنٍ قائدًا روحيًا، أيًا كان جنسه أو سنه أو ثقافته أو مركزه الاجتماعي.
تبقى حياة الذهبي الفم درسًا عمليًا عبر الأجيال لرجال الكهنوت كما لكل مؤمنٍ حقيقي.
34. ما هو منهج مار يعقوب السروجي والقديس أفرآم السرياني عند وضع رثاء لكاهنٍ انتقل؟
كان القديس مار يعقوب السروجي يعتبر القديس أفرآم أباه الروحي وإن كان الأول وُلد بعد حوالي 70 عامًا من نياحة الثاني، وهما يحملان ذات الفكر والروح في كثيرٍ من كتاباتهما. في رثاثهما للكاهن المنتقل يراعيان الآتي:
أ. لا يهدفان إلى سرد أحداث أو تاريخٍ للكاهن المُنتقِل من العالم، بل ولا يذكران اسم الكاهن، ولا يفصحان عنه إن كان صاحب مرتبة قسّيسية أو أسقفية. فما يشغلهما لا أن يتحدثا عن شخص مُعيَّن، مهما كانت علاقتهما الشخصية به. إنما يشغلهما أن يكشفا عن دور الكاهن أو أي عضو في الكنيسة في حياة الكنيسة المُجاهِدة وهو في طريق عبوره إلى الفردوس، ليلتقي مع عريسه السماوي وجهًا لوجهٍ.
ب. مع ما يتمتَّع به الكاهن من وزنات ومواهب وإمكانيات للعمل لحساب ملكوت الله، يليق به أن يضع قدام عينيه إنه يأتي وقت تنطلق فيه نفسه من الجسد، ويقطن الجسد في القبر بين الأموات. إن كان السيد المسيح رب المجد، القدوس، الذي لم يلحق بجسده فساد قد شاركنا الموت، ودُفِنَ في القبر لكي يرقد بين الأموات، فيُنعم عليهم بشركة قيامته ومجدها وقوتها، فيليق بنا ألا نضطرب لموت الكاهن ودفنه.
ج. موت الكاهن لا يُحَطِّم حُبَّه لشعبه قطيع المسيح، فهو لا يكف عن الصلاة والطلبة من أجلهم، وهو في حضرة الرب نفسه.
د. موت الكاهن التقي يُضيف رصيدًا للكنيسة، إذ يصير لها من يصلي عنها في الفردوس، يسحب قلوب المجاهدين إلى السماء كمَسْكَن أبدي لهم.
ه. في تقديم أكثر من حوار بين الكاهن الراحل وإخوته الكهنة، وأيضًا مع شعبه الحبيب لديه، يكشف عن شعور عميق نحو الوحدة الأصيلة بين المجاهدين والراقدين في المسيح يسوع.
و. ميامرهما تحثنا على إدراك حقيقة جِنسيّتنا السماوية في المسيح السماوي، فلا نضطرب إن تجاهلنا العالم أو أخذ منا موقف العداوة، فإننا غرباء ونزلاء نسلك في رحلة مُمْتِعة ولذيذة وسط الضيق. إننا نعبر إلى الميناء السماوي المجيد.
ز. إن كان الكاتب يحثنا على الإيمان الحيّ، فإنه يليق ترجمته بالسلوك الروحي اللائق بأبناء الله، الأعضاء في جسد المسيح، فلا يكفوا عن الجهاد، مستندين على نعمة الله الفائقة.
21. سرّ الزواج
1. ما هو أول زواج تمّ؟
يحدثنا مار يعقوب السروجي عن أول زواج تمّ بين أبوينا الأولين آدم وحواء في الفردوس، فيقول:
[زيَّن (الرب) حواء العروس البتول وأعطاها لآدم، وفي مهرها قدَّم البحر واليابسة والهواء.
جمع كل العوالم إلى العرس العظيم الذي صنعه، فتزيَّن العروسان بأكاليلهما وثيابهما. ووشَّحهما بنورٍ بهيٍ وضياءٍ لائقٍ، وتركهما يتنعمان بين الأشجار.
كل الأشجار وثمارها أُعطت هدية، وابتهجت الجنة بالعروس والختن المحبوبَين.
كانت شجرة الحياة مخفية في خدر عدن العظيم، لتصير لعريسَي النور عندما يكتملان[821].]
2. ما هو مفهوم الزواج المسيحي؟
في هذا السرّ يوحِّد السيد المسيح العروسين فيه، ليختبرا ظل العرس السماوي وعربون الفرح الأبدي. يؤكد الروح القدس أن الزواج ليس عقدًا شرعيًا مجردًا، ولا عمل اجتماعي بحت، بل هو تمتع بعربون الملكوت. فالعريسان مدعوان بالروح القدس لا ليعيشا معًا وحدهما، بل يتمتعان معًا بالرب ويتذوَّقان الاتحاد معه.
يتطلع الله إلى الإنسان كملكٍ أو ملكةٍ، من أجله خلق هذا العالم الجميل قصرًا ملوكيًا له، ووهبه الحرية ليكون سفيرًا ووكيلاً له. وها هو يمد يده بنفسه ليقدس زواجه، فيقيم من بيته كنيسة مقدسة ووكالة السماء. يجعل من الرجل والمرأة جسدًا واحدًا، يحملان بزواجهما ظل الزواج السماوي بين السيد المسيح وكنيسته، دستور البيت هو الحب المتبادل وتقديم كل منهما الآخر عليه. "من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته، ويكون الاثنان جسدًا واحدًا. هذا السرّ عظيم، ولكنني أنا أقول من نحو المسيح والكنيسة" (أف 31:5-32).
غاية عمل السيد المسيح هو أن يلتصق بالبشريّة المؤمنة بكونها العروس السماوية. إنه عامل في حياة الكل: المتزوجين والبتوليين، الكبار والصغار.
يقول العلامة أوريجينوس: [الزواج عطية روحية، ولكن لا تكون هكذا إن تمت مع غير المؤمنين. لا يُعطى روح الله ليسكن في هؤلاء الذين هم غير مؤمنين[822].] العريسان مدعوان بالروح القدس لا ليعيشا معًا وحدهما، بل يتمتعان معًا بالرب ويتذوَّقان الاتحاد معه.
يقول العلامة ترتليان: [يا لجمال زواج المسيحيّين، إذ يصير الاثنان واحدًا في الرجاء وفي الرغبات وفي طريقة الحياة التي يتبعانها، واحدًا في الإيمان الذي يمارسانه.] كما يقول: [كيف يمكننا أن نصف الزواج بطريقة لائقة به، هذا الذي تنظمه الكنيسة وتقوّيه الذبيحة، وتضع البركة ختمها عليه، ويحضره الملائكة شهودًا، ويعلن الله موافقته عليه؟]
3. ماذا نعني بالقول إن الزواج من الله؟
"الحب الزوجي المسيحي" في حياة المؤمن هو "سرّ" يمارسه بمنظار إيماني حيّ، لا لمجرد إشباع غرائزه الجنسيّة، وإلا صار أشبه بزنا محلل كما يتخيل البعض، ولا لإشباع احتياجاته الاجتماعيّة البحتة، فيهدف إلى إنشاء بيت وإقامة أسرة خلال قانون الطبيعة، وإنما هو أولاً وقبل كل شيء قبول عمل إلهي في حياته لإشباعه من كل جانب في هذا الزمان ورفعه إلى رؤية أبديّة مفرحة. إن كانت السماء في جوهرها شركة حب وحياة وحدة في الله مركز السماء، فالحياة الزوجيّة الحقيقية في صميم كيانها هي وحدة حب زوجي، خلالها يصير الاثنان واحدًا. يقول القدّيس إكليمنضس السكندري:
[ذهب مخلّصنا إلى عرسٍ ليقدس أصل الحياة البشريّة.] [الزواج أعظم من أن يكون بشريًا، إنه مملكة مصغّرة هو بيت صغير للرب.] [من هم الاثنان أو الثلاثة المجتمّعون باسم المسيح، الذين يحل الرب فيهم؟ أليسوا الرجل وزوجته وطفلهما، لأن الرجل وزوجته، يتّحدان بالله.] [الزواج صورة مقدّسة يجب حفظها طاهرة مما يدنسها. يليق بنا أن نقوم مع المسيح من سباتنا، ونرجع لننام بشكر وصلاة.]
[قلوب الأحبّاء لها أجنحة... الحب يمكن أن يتحوّل إلى بغضة إن زحف إليه أسباب هامة لعدم الاحترام المتبادل.] [من يطلب اللذّة الجسديّة وحدها يحوّل الزواج إلى زنا.] [من هم الاثنان أو الثلاثة الذين يجتمعون معًا باسم المسيح فيحل الرب في وسطهم؟! (مت 18: 20) أليس هؤلاء هم الرجل وزوجته وابنهما فيرتبط الرجل والزوجة معًا بواسطة الله[823].]
ويقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [عندما يقول الحكيم: "توافق رجل مع امرأة هو من الرب" (راجع أم 19: 14)، فإنه يعني أن الله يؤسس الزواج، وليس أن الله هو يقوم بالتوفيق بيم كل رجل لتكون له امرأة. فإننا نرى رجالاً كثيرين ونساءً قد ارتبطوا معًا بالشر، حتى وإن كان رباطهم هو بشريعة الزواج، مثل هذه الحالات لا ننسبها لله[824].]
4. ماذا نعني بالقول إن الزواج سرّ مقدس؟
الزواج في المسيحية له قدسيته، والمضجع طاهر. فقد رفعت المسيحيّة الزواج إلى أعلى مستوى، إذ جعلت الوحدة تقوم بين الزوجين بالله نفسه، علي نفس مثال الوحدة بين المسيح والكنيسة (أف 5: 22-24)، ليس لإقامة بيت جديد، بل لتأسيس كنيسة مقدّسة يسكن الرب في داخلها ويستريح. بهذا يشعر المؤمن أن الزواج سرّ كنسي مقدّس، فيه يربط السيّد المسيح العروسين في اتحادٍ مقدّسٍ بنعمة الروح القدس، ليتذوّقا الاتحاد السرّي بين المسيح والكنيسة عروسه ويعيشا في بيتهما للرب جسدًا واحدًا بلا انقسام. لهذا يليق أن يُراعى في الزواج المسيحي الآتي:
أ. موافقة الأسقف[825].
ب. في نهاية القرن الثاني ارتبط سرّ الزواج بسرّ الإفخارستيا. يقول العلامة ترتليان: [كيف يمكن وصف سعادة هذا الزواج الذي توافق عليه الكنيسة، وتثبته الذبيحة، وتختمه البركة، ويتعرف عليه الملائكة، ويصدق عليه الآب؟[826]]
مع سماح السيد المسيح بالطلاق في حالة الزنا (مت 19: 9)، إلا أنه لم يكن يتم الطلاق تلقائيًا بمجرد حدوثه، إنما كانت تُعطي فرصة للندامة والتوبة مع الحرمان من العبادة الجماعية لمدة طويلة.
يقول القديس جيروم [الهراطقة وحدهم هم الذين يحتقرون الزواج، فيطأون وصية الله بأقدامهم، أما نحن فنصغي بكل بهجة إلى الكلمة التي قالها ربنا في مديحه للزواج. فإن الكنيسة لا تشجب الزواج، وإنما فقط تخضعه[827].]
5. لماذا افتتح السيد المسيح خدمته بحضوره في عرس قانا الجليل؟
يقول القدّيس أغسطينوس: [بحضور الرب العرس الذي دُعي إليه أراد بطريقة رمزيّة أن يؤكّد لنا أنه مؤسِّس سرّ الزواج، لأنه يظهر قوم قال عنهم الرسول أنهم مانعون عن الزواج (1 تي 4: 3)، حاسبين الزواج شرًا من صنع الشيطان[828].]
ويقول القديس كيرلس الكبير: [لم يأتِ لكي يشترك في العرس بل بالأكثر ليحقق معجزته، ويقدس بدء الميلاد البشري الذي يتعلق بالجسد. كان لائقًا بذاك الذي جاء لتجديد طبيعة الإنسان نفسها وتقديمها بكاملها إلى حالٍ أفضلٍ أن يقدم بركته ليس فقط لمن ولدوا بالفعل وإنما أيضًا يُعِدْ بالبركة للذين يولدون فيما بعد، مقدسًا مجيئهم في هذا العالم... بتقديس الزواج، لقد أزال الحزن القديم على الولادة[829].]
كما قال: [جاء (إلى العرس) لكي يقدس بداية ميلاده، أعني ميلاده حسب الجسد... أن يهيئ نعمة، مقدمًا إياها للذين سيولدون، ويجعل مجيئهم مقدسًا.]
[قيل للمرأة من قبل الله: "بالحزن سوف تحبلين" (تك 16:3). ألم تكن الحاجة بالأكثر إلى القضاء على هذا اللعنة أيضًا، وإلا كيف يمكننا أن نتفادى زواجًا مدانًا؟ لكن لأن المخلص هو محب البشر فإنه هو الذي يرفع هذه اللعنة، إذ هو فرح الكل وسعادتهم. لقد أكرم الزواج بحضوره لكي يزيل العار القديم الخاص بالحبل. لأنه إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة، الأشياء القديمة قد مضت. هوذا الكل قد صار جديدًا" (2 كو 17:5).]
[لم يأتِ المخلص إلى العرس بإرادته وحده، بل بدعوةٍ، أي برجاء وإلحاح أصوات القديسين (ي 2: 2)، ولكن الخمر فرغت ولم يعد لدى المحتفلين منها أي شيء، لأن الناموس لم يكمل شيئًا، ولم تعطِ الوصايا الموسوية الفرح، ولم يستطع الناموس الطبيعي المغروس فينا أن يخلصنا.]
6. ما هو دُعامة الحياة الزوجية؟
يقول الأب ثيوناس: [إنني لا أرفض رباط الزواج، لا بل أسلم به في حب أعظم، لأنني بهذا أشهد معترفًا لزوجتي التي عينها لي الرب وأكرِّمها، ولا أرفض الارتباط بها برباط الحب في المسيح الذي لا ينفك أبدًا[830].]
ويقول القديس باسيليوس الكبير: [أيها الرجال، أحبوا نساكم. (أف 5: 25). فقد كنتم غرباء عن بعضكم البعض، ولكنكم جُمعتم بشركة الزواج. لتكن هذه الرابطة الطبيعية، هذا النير الذي وضع عليكم بفعل البركة الزوجية، صلة وصل، تجمع فيما بينكم رغم المسافات[831].] وأيضًا: [كما أن الحية تفرغ سمها خارجًا احترامًا للزواج، كذلك على الزوج أن يتخلى عن جفاء طبعه اللاإنساني أحيانا احترامًا للرابطة الزوجية[832].]
7. كيف نفذ السيد المسيح الوصية: يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته (تك 2: 24؛ مت 19: 5)؟
يقول القدّيس أغسطينوس: [ترَك أباه، إذ أظهر ذاته كمن هو غير مساوٍ للآب بإخلاء نفسه وأخذ شكل العبد (في 2: 7) وترك أمُّه المجمع الذي منه وُلد حسب الجسد، ملتصقًا بامرأته أي كنيسته[833].]
8. ما هي نظرة الزوجين في إنجاب الأطفال؟
يقول القدّيس إكليمنضس السكندري [هكذا صار الإنسان على صورة الله يشترك في خلقه الإنسان[834].]
9. ما هو سرّ المساواة بين الزوج والزوجة؟
يقول القديس إكليمنضس السكندري: [يحمل الجنسان ذات الفضيلة. فإن كان إلهًا واحد، سيّدهما واحد، كنيسة واحدة، ضبط للنفس واحد، تواضع واحد، طعام مشترك، يحملان نيرًا متساويًا في زواجهما، يشتركان في التنفس والنظر والسمع والمعرفة والرجاء والطاعة والحب، حياتهما مشتركة، خلاص مشترك، حب مشترك، وتداريب مشتركة[835].]
ويقول القديس أمبروسيوس: [ليت الرجل يقود زوجته كربانٍ، يكرمها كشريكة معه في الحياة، يشاركها كوارثة معه في النعمة[836].] كما يقول: [الرجل بدون زوجته يحسب كمن هو بلا بيت[837].]
ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [المحبة من اختصاص الرجال، أما الخضوع فمن اختصاص النساء، فإن قدم كل إنسان ما يلتزم به تثبت الأمور، فالرجل بحبه للمرأة تصيره هي محبة له، والمرأة بطاعتها للرجل يصير وديعًا معها. لا تنتفخي لأن الرجل يحبك، فقد جعله الله يحبك لتطيعيه في خضوع بسهولة. لا تخافي من خضوعك له، لأن الخضوع للمحب ليس فيه صعوبة[838].] [اهتم بها بنفس العناية التي تعهد بها المسيح الكنيسة. نعم، حتى وإن احتاجت أن تقدم حياتك! نعم، وإن احتاجت أن تتقطع أجزاء ربوات المرات! نعم، لتحتمل أي ألم مهما كان ولا تمتنع[839].] [إن رأيتها تزدري بك وتأنف منك وتحتقرك، فتفكيرك العظيم تجاهها ومودتك ولطفك تقدر أن تخضعها لك، فإنه ليس شيء أعظم قوة في الاستمالة أكثر من هذه الرباطات، خاصة من الزوج والزوجة!... نعم فإنه بالرغم مما تعانيه من بعض الأمور من ناحيتها فلا تعنفها، لأن المسيح لم يفعل ذلك[840].]
يدعو القديس يوحنا الذهبي الفم الاثنين للحب المتبادل فيقول: [ليس هنا شيء يلحم حياتنا مع بعضنا البعض هكذا مثل حب الرجل وزوجته[841].] [امرأة شابه عاقلة كتومة وتقيّة أفضل من كل مال العالم. أخبرها بأنك تحبّها أكثر من حياتك، لأن هذه الحياة الحاضرة ليست شيئًا.
يقول العلامة أوريجينوس: [الزوج والزوجة هما واحد كما أن الخمر والماء هما واحد عند امتزاجهما معًا. كما أن الشريك غير المؤمن يفسد المؤمن. لهذا السبب فإن الذي لم يتزوج بعد يلزمه بكل حرص إما أنه لا يتزوج نهائيًا أو يتزوج في الرب[842].]
يقول القديس أغسطينوس: [نلاحظ أن في شريعة الزواج يخضع الرجل لنفس القواعد التي فرضت على المرأة. فعندما يحدث الرسول المرأة: "ليس للمرأَة تسلُّط على جسدها، بل للرجل" (1 كو 4:7)، يحدث الرجل أيضًا: "وكذلك الرجل أيضًا ليس له تسلط على جسده، بل للمرأة". فما دامت القواعد بينهما متشابهة، لذلك لا يجوز للمرأة أن تترك رجلها إلا لعلة الزنا كالرجل تمامًا[843].]
10. ما هو مفهوم خضوع الزوجة لرجلها؟
كثيرون يسيئون فهم العبارة الرسولية: "أَيُّهَا النِّسَاءُ (الزوجات) اخْضَعْنَ لِرِجَالِكُنَّ كَمَا لِلرَّبِّ" (أف 5: ٢٢)، فيحسبونها دعوة لخنوع المرأة واستسلامها، ولبث روح السلطة للرجل.
"الخضوع" في المسيحية ليس خنوعًا ولا ضعفًا، ولا نقصًا في الكرامة، هذا ما أعلنه كلمة الله المتجسد حين أعلن طاعته للآب وخضوعه له مع أنه واحد في الجوهر، رافعًا من فضيلة "الخضوع" ليجعلها موضع سباق لعلنا نبلغ سمة المسيح الخاضع والمطيع. والعجيب أن الإنجيلي لوقا يقول بأن "يسوع" كان خاضعًا للقديسة مريم والقديس يوسف النجار (لو 2: ٥١)، مع كونه خالقهما ومخلصهما، وخضوعه لم يعقه عن تحقيق رسالته التي غالبًا لم يدركاها في كمال أعماقها، إذ قال بتواضع وصراحة: "لماذا كنتما تطلبانني؟ ألم تعلما أنه ينبغي أن أكون في ما لأبي" (لو ٣: ٤٩). فالخضوع ليس استسلاما على حساب رسالة الشخص، ولا طاعة عمياء دون تفكير، وإنما اتساع قلب وقبول لإرادة الغير بفكر ناضج متزن.
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [أخضعهن لأجل الرب، لأن هذا الأمر يكرمهن... ولا أعني ذلك الخضوع كما لعبيد أمام سيدهم، وليس خضوع تحتمه طبيعتهن، بل هو لأجل الرب... لأنه يمكن للإنسان الذي يحب أن يكون قاسيًا بعض الشيء، وما يقصده إذن هو، لا تتشاجرا، لأنه ما من شيء أمَّر من ذلك الشجار وخاصة حينما يقع من جانب الزوج ضد زوجته... وإذ تجد الزوجة نفسها محبوبة، فإنها أيضا تحب وتخضع، فيبذل رجلها لأجلها ويرضخ. تأملوا كيف تسير الطبيعة نسقها: أن واحدًا يخضع والآخر يحب. لكن، إذ تخضع لكم زوجاتكم، لا يليق أن تستبدوا، وأنتن إذ يحبكن رجالكن لا تنتفخن متكبرات، وليت حب الرجل لا يصيب المرأة بالخيلاء، ولا خضوع الزوجة يجعل الزوج ينتفخ متغطرسًا... لا تخشين من خضوعكن، لأن خضوعكن لمن يحبكن لا يشكل صعوبة. ولا تخشوا الحب، إذ بالحب ترضخ لكم نساؤكم. وفي كلا الحالين يتوثق رباط (العلاقة الزوجية)[844].]
كما يقول: [المرأة بطاعتها للرجل يصير وديعًا نحوها... بالمحبة تزول كل مقاومة، فإن كان الرجل وثنيًا يقبل الإيمان سريعًا، وإن كان مسيحيًا يصير أفضل[845].]
11. ما هو مدى مسئولية كل شخصٍ عن حياته الروحية؟
يليق ألا يلقي باللوم على الطرف الآخر. يقول القديس أمبروسيوس: [هذا تحذير ألا يعتمد أحد على الآخر. فالتي خُلقت معينة تحتاج إلى حماية الأقوى. بنفس المعنى "الرجل رأس المرأة" (أف 5: 23) وبينما أعتقد أنه محتاج إلى معونة زوجته سقط بسببها. لهذا يليق ألا يضع حد حياته في يد آخر، ما لم يختبر أولاً فضيلته. ولا يدّعي أحد أنه يقوم بدور الحماية لمن يظن أنه أقل منه في قوته، بل بالأحرى يلزمه أن يشاركه نعمته الخاصة مع الآخر. خاصة بالنسبة للشخص الذي في وضع القوة الأعظم ويمارس دور المدافع[846].]
12. هل تطيع الزوجة رجلها إن طلب كسر الوصية الإلهية؟
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إن كان الأب أمميًا أو هرطوقيًا يلزمنا ألاَّ نطيعه (فيما يخالف الرب) إذ هو لا يأمر "في الرب"[847].] ويقول القديس أغسطينوس: [الزوج المسيحي يمكنه أن يترك زوجته دون لوم عليه حتى إن كانا قد تزوجا قانونيًا ما دامت ترفض الزوجة أن تعيش معه لأنه مسيحي[848].]
13. ما هو دور الزوجة كمعينة لرجلها؟
يقول القديس إكليمنضس السكندري: [لقد قيل في الكتاب المقدس أن الله أعطى المرأة معينة للرجل. في رأيي أنه من الواضح أنها تقدر أن تقوم بعلاج جميع متاعب زوجها في تدبير خدمتها، وذلك خلال سلوكها الحسن وقدرتها. فإن لم يخضع (متأثرًا بسلوكها) فإنها تسعى ما في استطاعتها أن تسلك في حياة طاهرة... آخذة في اعتبارها أن الله هو معينها والمساعد لها في سلوكها هذا، وأنه هو المدافع الحقيقي عنها، ومخلصها في هذه الحياة والحياة الأخرى (1 بط 3).
لتأخذ الله قائدًا لها ومرشدًا لها في كل أعمالها، حاسبة الوقار والبرّ عملها، ناظرة إلى إحسانات الله غايتها. بالنعمة يقول الرسول في رسالته إلى تيطس "كذلك العجائز في سيرة تليق بالقداسة غير ثالبات غير مُسْتَعْبَدات للخمر الكثير معلمات الصلاح. لكي ينصحن الحدثات أن يكن محبات لرجالهن ويُحْبِبْنَ أولادهن. متعقلات عفيفات ملازمات بيوتهن صالحات خاضعات لرجالهن لكي لا يُجدَّف على كلمة الله" (٢: ٣–5)[849]].
14. ما هو سرّ الجمال الحقيقي للزوجة؟
يرى القديس إكليمنضس السكندري أن الزينة الحقيقية للمرأة ليست التي من عمل الآخرين، أي الزينة الخارجية، بل التي تَتعب هي بنفسها فيها أي زينة الروح المجاهدة، إذ يقول: [لأن عمل أيديهن يَهَب لهن جمالاً خالصًا أكثر من كل شيءٍ، فيدرِّبْن أجسادهن ويزيِّن نفوسهن بمجهوداتهن وليس من عمل الغير. المرأة الصالحة تنسج بيديها ما تريد. فإنه غير لائق بمن قد تشكَّلت بصورة الله أن تتزين بالأمور التي تُباع في السوق، بل بعملها الداخلي[850].]
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [أتريدين أن تكوني جميلة؟ تسربلي بالصدقة. البسي العطف، توشحي بالعفة. كوني خالية من التشامخ. هذه كلها أوفر كرامة من الذهب. هذه تُصَيِّر الجميلة جزيلة البهاء وغير الجميلة جميلة. عندما تُغالين في التزين أيتها المرأة تكونين أشنع من العارية لأنكِ خلعتِ حسن الجمال... قولي لي لو أعطاكِ أحد ثوبًا ملكيًا فأخذتيه ولبستِ فوقه ثوب العبيد، أما يكون لك خزي يليه عذاب؟ قد لبستِ سيد الملائكة، أترجعين إلى الأرض؟ قولي لي لماذا تتزينين، هل لكي ترضي زوجك؟ افعلي هذا في منزلك[851]!] في اختيار الزوجة يقول: [لا تركضوا وراء الغنى والنسب وجمال الجسد، فتشوا عن جمال النفس[852].]
15. هل يلزم أن يكون الزواج من مؤمن أو مؤمنة؟
يقول القديس أغناطيوس النوراني: [يجب على المتزوجين والمتزوجات أن يجروا اتحادهم برأي الأسقف، لكي يكون الزواج مطابقًا لإرادة الله لا بحسب الشهوة[853].]
كما يقول القديس أمبروسيوس: [إذا كان لابد أن يعقد الزواج بحلة كهنوتية وبركة، فكيف يمكن أن يكون زواج حيث الإيمان مختلف؟![854]
في القرن الرابع أعلن قسطنطين أن الزواج المسيحي/ اليهودي غير شرعي، وفي عام 338م أعلن قانون مسيحي روماني أن الذين عقدوا زواجًا مع غير مسيحيين يعيشون في ولاية زانية[855]. يقول العلامة ترتليان: [إنهما يصليان معًا، ويصومان معا، ويعلمان ويحثان ويسندان بعضهما البعض. يشاركان بعضهما البعض متاعبهما والاضطهاد والانتعاش. يبتهجان بزيارتهما المرضى، ومساعدتهما المحتاجين وتقديم العطاء بسخاء. المسيح يفرح حين يسمع ويرى هذا يحدث[856].]
قد يعترض أحد معتمدًا على قول الرسول: "لأن الرجل غير المؤمن مقدس في المرأة والمرأة غير المؤمنة مقدسة في الرجل وإلا فأولادكم نجسون، وأما الآن فهم مقدسون" (1 كو 7: 14).
يجيب القديس يوحنا الذهبي الفم: [واضح أن المرأة التي ترتبط بعابد وثنٍ هي معه جسد واحد. حسنًا! هما جسد واحد، ومع ذلك لا تصير دنسة، بل طهارة الزوجة تغلب دنس الزوج... لأنه هنا يوجد رجاء أن العضو الضائع قد يخلص خلال الزواج... لكن الأمر هنا ليس بخصوص شخصين لم يجتمعا بعد (بالزواج) بل بخصوص الذين ارتبطوا فعلاً به. إنه لم يقل إن أراد أحد أن يأخذ له زوجة غير مؤمنة، بل قال: "إن كان أخ له امرأة غير مؤمنة" (1 كو 7: 12)... ماذا إذن هل اليوناني (الأممي غير المؤمن) مقدس؟ بالتأكيد لا، إذ لم يقل إنه مقدس بل قال إنه "مقدس في زوجته"، قال هذا لا ليعني أنه مقدس (في ذاته)، وإنما لكي يخلص المرأة تمامًا قدر المستطاع من مخاوفها ويقود الرجل لكي يرغب في الحق[857].]
16. هل يسلب أحد الزوجين الطرف الآخر في العلاقات الزوجية؟
يقول الرسول بولس: ليوفِ الرجل المرأة حقها الواجب وكذلك المرأة أيضًا الرجل... لا يسلب أحدكم الآخر إلا أن يكون على موافقة إلى حين، لكي تتفرغوا للصوم والصلاة، ثم تجتمعوا أيضًا معًا، لكي لا يجربكم الشيطان لسبب عدم نزاهتكم" (1 كو 7: 5). "
يقول القديس أغسطينوس: [ليس من الصعب بالنسبة للمتزوجين المخلصين أن يضعوا لمدة أيام ما تعهد به الأرامل والبتوليون القديسون أن يفعلوه كل أيام حياتهم، لهذا لتلتهب فيكم الغيرة، ولتُضبط الشهوات[858].]
ويقول العلامة أوريجينوس: [يلزم أن تتم أسرار الزواج بقدسيةٍ وبتريثٍ وليس بأهواء مشوشة[859].] كما يقول: [يسمح الله لنا بالزواج، إذ ليس كل إنسانٍ قادرًا على حالة السموّ المُلزم بالنقاوة المطلقة[860].] [إنك تمتنع عن زوجتك التي ارتبطت بها. تقول إنني لا أسيء إليها وتظن أنك تقدر أن تعيش عفيفًا في نقاوة أعظم. أنظر كيف تحطم زوجتك البائسة كنتيجة لتصرفك، فإنها عاجزة عن احتمال طهارتك! يجب أن تلتصق بها جسديًا، لا من أجلك وإنما من أجلها هي![861]]
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لست أخجل أن أنطق بهذا ما دام بولس لم يخجل من القول: "لا يسلب أحدكم الآخر" (1 كو 7: 5) فيبدو ما يقوله مخجل أكثر مما أقوله، ومع هذا لم يخجل. فإنه لا يهتم بالكلمات بل بالأعمال التي توضع في مكانها اللائق كما بسيوف[862].]
[لماذا هذا؟ لأن شرورًا عظيمة تصدر عن هذا النوع من الامتناع. لأن الزنا والنجاسة ودمار العائلات غالبًا ما يحدث بسبب هذا. فإن كان الرجال وهم لهم نساؤهم يتعرّضون لارتكاب الزنا فبالأكثر يسقطون إن نُزعت عنهم هذه التعزية... يمكنك أن تعيش مع زوجة وتهتم بالصلاة. ولكن بالعفة تصير الصلاة أكثر كمالاً. إذ لم يقل: "لكي تصلوا، بل قال: "لكي تتفرغوا للصلاة"، فما يتكلم عنه ليس بسبب دنس ما، وإنما للتفرغ أكثر... ألا ترون المعنى القوي الذي يقصده بأن العفة أفضل، ومع هذا فهو لا يُلزم الشخص العاجز عن بلوغها، لئلا يعترض أحد[863].]
17. ما هو دور السيد المسيح والكنيسة في الأسرة المسيحية؟
يقدر الزوجان أن يتذوّقا محبّة السيد المسيح عريسهما خلال حب الزوج لزوجته، ويدركان طاعة الكنيسة له خلال طاعة الزوجة لزوجها، ويختبر أبناؤهما أبوّة الله وأمومة الكنيسة خلال أبوّة أبيهم وأمومة أمهم. في البيت المسيحي الحقيقي يتذوّق الكل مفهوم شركة القدّيسين معًا في شخص المسيح. بمعنى آخر أن الحياة الزوجيّة المقدّسة تقدّم لكل أعضائها وللغير صورة للعلاقات السماويّة الخالدة.
يقول القديس أغسطينوس: [لدى الإنسان مسئولية من جهة أهل بيته، فمن الواضح أنه بحسب القانون الطبيعي والإنساني أنه على اتصال بهم بطريقة أسهل وأسرع من غيرهم، ليمارس اهتمامه بهم. هذا هو السبب الذي لأجله يقول الرسول: "إن كان أحد لا يعتني بخاصته، ولاسيما أهل بيته، فقد أنكر الإيمان، وهو أشر من غير المؤمن" (1 تي 5: 8). هذا هو الموضع الذي فيه يبدأ السلام العائلي[864].
18. ما هو دستور الأسرة الرئيسي؟
أولاً: الحب هو دستور الأسرة الرئيسي. يقول القديس باسيليوس الكبير: [لا يمكننا أن ندرك مدى الحب المتبادل بين صغار الحيوانات وكبارها ضمن العائلة الواحدة، إذ أن الله الذي خلقها شاء أن يعوض لها فقدان عقلها بحرارة عاطفتها. فكيف نفسر معرفة الحمل الصغير لأمه بلونها وصوتها من بين آلاف الخراف؟ وكيف يسرع إليها للرضاعة رغم شح أثدائها، ومع أنه يمر في طريقه أمام كثير من النعاج ذوات الحليب الوافر؟ ثم كيف تعرف الأم صغيرها من بين آلاف الحملان، مع أن للجميع صوت واحد ولون واحد ورائحة واحدة، بحكم حاسة شمنا نحن؟ بالحقيقة إن لها في ذلك ما هو أنحف بكثير وأشد حيوية من ذكائنا ولا نستطيع له تفسيرًا[865].]
كما يقول ["أيها الأولاد، أحبوا آباءكم. وأنتم أيها الآباء لا تغضبوا أولادكم" (أف 6: 4). أليس هذا ما تقوله الطبيعة؟ ان القديس بولس لا يعلم شيئا جديدا، وإنما يعمل على توثيق الربط الطبيعية. وإذا كانت اللبؤة تحب صغارها والذئب يدافع عن جراميذه، فماذا نقول عن الإنسان الذي لا يعمل بهذه الوصية ويخرق نظام الطبيعة بعينه؟ كالولد يحتقر شيخوخة أبيه، أو كالأب ينسيه زواجه الثاني بنيه الأوائل؟[866]]
ثانيًا: العفة والطهارة. يقول القديس جيروم: [كما يحب المسيح الكنيسة مقدسةً عفيفةً وبلا دنس، فليحب الأزواج أيضًا زوجاتهم في عفة. وليعلم كل أحد كيف يحفظ إناءه في قداسة وكرامة، وليس في دنس الشهوة الردية كالأمم الذين لا يعرفون الله "لأن الله لم يدعنا (يختارنا) للنجاسة، بل للتقديس عالمين أنكم قد خلعتم الإنسان العتيق بأفعاله ولبستم الإنسان الجديد الذي يتجدد (باستمرار) لمعرفة صورة ذاك الذي خلقه! (كو 3: 9-10)[867]]
ويقول القديس إكليمنضس الروماني: [لنوجه نساءنا إلى ما هو صالح حتى يظهرن شخصية طاهرة نُعْجَب بها، فيُظْهِرْن مشاعر التواضع الحقيقي[868].]
19. هل حياة البتولية مقدسة في الرب؟
السيد المسيح، كلمة الله المتجسد، يقدم لنا نفسه نموذجًا فريدًا. يقول القدّيس جيروم: [المسيح نفسه وإن كان في الجسد بتولاً، كان له في الروح زوجة واحدة، وهي الكنيسة.]
قدّم لنا التاريخ الكنسي صورة جميلة لأناسٍ تدرّبوا على العفّة في حياتهم الزوجيّة باعتدالهم في علاقاتهم الجسديّة، ومنهم من عاش بلا علاقات جسديّة برضا الطرفين. وقد خرجت عائلات بأكملها ملتهبة بالحب تمارس حياة البتوليّة والرهبنة بفرحٍ حقيقيٍ وبرضا واتفاقٍ مشتركٍ كما ذكر لنا آباؤنا ومعلّمونا على حد تعبير العلامة ترتليان[869].
يرى مار يعقوب السروجي البتولية هي حالة آدم وحواء قبل الخطيئة:
[سمو البتولية هو أعلى من كل الأعالي، وكل أعالي العالم موضوعة تحت رِجليها.
هي الدرجة الأولى التي قام فيها آدم، وتباهى بها قبل أن يأ كل من الشجرة،
في هذه الدرجة المجيدة والسامية والمملوءة جمالاً قامت حواء قبل أن تتكلم معها الحية...
البتولية تخطّت الأعالي، وطارت في الهواء، وعبرت الموضع بمركبة النار البهية...
جناحا البتولية عظيمان وسريعان، وهي تطير إلى عشّ السمائيين العالي.
هموم المسكن والأرضيات منزوعة عنها، لأنها لا تريد أن تسكن في العالم وتمكث فيه،
لا تفكر مطلقا في البنين ولا في البنات، لكنها تحب الاسم الحسن وتفتخر به،
هذا العالم ليس هو موضع البتولية، ولا تريد أن تُقيم فيه ورثة ليقتنوه،
نظر البتولية متجه إلى موضع العلى إلى بيت الملائكة الذين يَسْمَون على الزواج...
الدرجة السامية التي قام فيها آدم قبل أن يخطئ هي البتولية المختلطة مع الملائكة[870].]
يرى مار يعقوب السروجي أقصى جمال البتولية نجده في مريم
[أقصى حد جمال البتولية هو مريم التي صارت أما لمصوّر الأجنة في البطون،
حلّ في البتول، وأعطى إكليلا للبتولية ليتضح بأن طريقها هي أسمى من الدروب،
لا يوجد جمال يبلغ سمو البتولية، ولا منزل كان يستحقه إلا هي[871].]
يقول العلامة أثيناغوراس: [تجد بيننا رجال ونساء لم يتزوّجوا على رجاء أن يعيشوا أكثر التصاقًا بالله.] كما طالب القدّيس أغسطينوس[872] المسيحيّين الذين سموا في حياتهم الروحيّة، إن أمكن، أن يضبطوا أنفسهم في علاقتهم الجسديّة بالقدر الذي به ينجبون الأطفال، دون أن يتوقف نموّ حبّهم الزوجي يومًا ما. وهنا يجب علينا أن ندرك أنه لا يعني الامتناع عن العلاقات الجسديّة في ذاته قداسة، بل هو نوع من الصوم كمن يتنسّك في الطعام والشراب الخ. يقول القديس أغناطيوس الثيؤفورس: [البتولية ليست احتقارًا للزواج... لأن العلاقة بين الرجل والمرأة كعلاقة المسيح بالكنيسة[873].
ويقول القدّيس إكليمنضس السكندري: [الزواج وعدم الزواج، كل منهما له نوع مختلف من الخدمة والعمل لحساب الرب[874].]
كرَّس البعض حياتهم للعبادة بكامل حرية إرادتهم، لحبهم لله، ورغبتهم الحارة للاتحاد معه في أعماق متزايدة. يرى العلامة أوريجينوس في البتوليين إكليل زهور يزين الكنيسة البتول، وهم يحتلون المرتبة التالية للشهداء مباشرة[875]. إنه يقول: [البتولية تخلص من المتاعب الأرضية، وتتحرر بطهارتها، إذ هي تنتظر العريس الطوباوي[876].]
20. لماذا سمحت الشريعة الموسويّة بالطلاق؟
يقول القدّيس أغسطينوس: [لم تأمر الشريعة الموسويّة بالطلاق بل أمرت من يطلق امرأته أن يعطيها كتاب طلاق، لأن في إعطائها كتاب طلاق ما يهدِّئ من ثورة غضب الإنسان. فالرب الذي أمر قساة القلوب بإعطاء كتاب طلاق أشار إلى عدم رغبته في الطلاق ما أمكن. لذلك عندما سُئل الرب نفسه عن هذا الأمر أجاب قائلاً: إن موسى من أجل قساوة قلوبكم أذِن لكم (مت 19: 8)، لأنه مهما بلغت قسوة قلب الراغب في طلاق زوجته، إذ يعرف أنه بواسطة كتاب الطلاق تستطيع أن تتزوّج من آخر، يهدأ غضبه ولا يطلّقها. ولكي ما يؤكّد رب المجد هذا المبدأ، وهو عدم طلاق الزوجة باستهتار جعل الاِستثناء الوحيد هو علّة الزنا. فقد أمر بضرورة احتمال جميع المتاعب الأخرى (غير الزنا) بثبات، من أجل المحبّة الزوجيّة ولأجل العفّة. وقد أكّد رب المجد نفس المبدأ بدعوته من يتزوّج بمطلَّقة زانيًا[877].]
21. هل يجوز الزواج الثاني للأرمل أو الأرملة أو المُطلق أو المُطلقة؟
لم يكن آباء الكنيسة الأولون يستحبون زواج المطلقين حتى في حالة زنا الطرف الآخر مادام لا يزال على قيد الحياة، ولا زواج الأرامل، وإن كانت الكنيسة لم تدن هذا الزواج الثاني. إنه ليس ممنوعًا لكنه غير مستحب. يليق بالأرملة أن تكرس حياتها للرب. في عام 150م كان عدد الأرامل المكرسات للخدمة في روما 150 أرملة[878]. يقول هرماس: [إن ماتت زوجة أو زوج والآخر تزوج فهل هذا خطية؟ لا، لكن إن بقي بدون زواج ينال كرامة أعظم ومجدًا أفضل في عيني الرب[879].]
يقول القديس جيروم [إذ أعلنت المرأة السامرية المذكورة في الإنجيل أن رجلها الذي كان معها هو السادس، انتهرها الرب لأنه لم يكن زوجها. من جانبي أعلن مرة أخرى بكل حرية أن الزواج الثاني digamy لا تشجبه الكنيسة، ولا حتى الزواج الثالث trigamy، ويمكن للمرأة أن تتزوج زوجًا رابعًا... أو عدد أكبر ما دام الزواج شرعيًا... لكن وإن كان الزواج الثاني غير مشجوب إلا أنه غير مستحب... "كل الأشياء تحل لي ولكن ليس كل الأشياء توافق" (1 كو 12:6)[880].
22. هل يجوز للرجل أن يعيش مع زوجته إن زنت ورفضت التوبة عن زناها؟
يقول هرماس: [إذا اكتشف (الزوج) أن (زوجته) تزني، ورفضت أن تتوب، فإنّه يكون شريكًا معها في زناها وخطيّتها إن عاش معها[881].]
23. ما هي نصائح القديس يوحنا الذهبي الفم للوالدين في تربية أولادهم؟
يتطلع القديس يوحنا الذهبي الفم إلى دور الآباء في تربية أطفالهم أنه عمل مقدس، يمارسه الآباء ليقدموا لله ذبائح شكر موضع سروره وبهجته. يؤكد أنه لا يطلب أن يمارس كل طفلٍ الحياة الرهبانية أو أن يُعد لها، إنما يعلم الآباء أبناءهم أن "يكونوا وقورين (في الرب) من شبابهم المبكر"[882]. إذ يدعوه عملاً مقدسًا، يجعل من الوالدين أن يقتربا إلى أطفالهما لا منذ ولادتهم بل وهم في البطن كما إلى مقدسات إلهية، بروح التقوى، مسنودين بروح الله القدوس، ليقدموا لله ما يليق بهم. إنهم عطية الله، وكلاء عن هذه العطية الفائقة. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:
[أن يكون (للمؤمن) أطفال هذا يمس الطبيعة، أما تربيتهم وتعليمهم في الفضائل فهو أمر يخص الفكر والإرادة.] [لا أعني بالالتزام بالتنشئة هو ألا يُترك الأطفال يموتون جوعًا فحسب، كما يقف كثيرون عند هذا الحد بخصوص أطفالهم، فإن هذا تعلنه الطبيعة نفسها كما بصوت عالٍ، ولا يحتاج إلى كتبٍ أو سننٍ لتعليمه. إنما ما أتكلم عنه هو الاهتمام بقلوب الأطفال والتقوى. هذا واجب مقدس، من ينتهكه يرتكب بصورة ما جريمة قتل للأطفال.]
[هذا الالتزام يخص الآباء كما الأمهات أيضًا. يوجد آباء يضحون بكل شيءٍ لكي يؤَّمنون لأطفالهم معلمين للتمتع بالملذات، ويجعلون منهم ورثة أغنياء. أما أن يصير الأولاد مسيحيين ويمارسون التقوى، فلا يبالون كثيرًا بهذا. يا للعمى الذي يُحسب جريمة! إنه إهمال سخيف، مسئول عن الارتباك الذي يجعل المجتمع في مرارةٍ. لنفترض أنك تُعد لهم ممتلكات عظيمة. فإنهم إن كانوا يجهلون كيف يسلكون في حياتهم، فحتمًا لن تدوم هذه الممتلكات معهم. إنها ستتبدد، وتهلك مع أصحابها، ويصير ميراثًا غاية في الخطورة!]
[سيكون أبناؤك في غنى بما فيه الكفاية على الدوام، إن تقبلوا منك تنشئة صالحة، قادرة أن تدبر حياتهم الأخلاقية وسلوكهم. هكذا ليتك لا تجاهد لتجعلهم أغنياء، بل لتجعلهم أتقياء، سادة على أهوائهم، وأغنياء في الفضائل. علمهم ألا يفكروا في احتياجات مخادعة، فيحسبون أنهم يُكرمون حسب مستواهم الزمني (العالمي المادي). راقب بلطفٍ تصرفاتهم، ومعارفهم وأصدقاءهم، ولا تتوقع أية رحمة تحل من عند الله إن لم تتمم هذا الواجب.]
ركَّز القديس يوحنا الذهبي الفم على النقاط التالية:
أولاً: لا تشغلنا ممتلكاتنا عن تربية أبنائنا. [إننا نهتم بممتلكاتنا من أجل أبنائنا، أما أبناؤنا أنفسهم فلا نبالي بهم قط! أية سخافة هي هذه؟! شكّل نفس ابنك باستقامة، فينال كل ما تبقَى بعد ذلك، فإنه متى كان بلا صلاح لا ينتفع شيئًا من الغنى، أما متى كان صالحًا فإنه لا يصيبه ضررًا من الفقر.]
ثانيًا: لا نوبخهم كمنبوذين بل كأبناء. [ليتنا لا نمنعهم من عمل ما هو مقبول بل مما هو ضار، ولا نتهاون معهم كمنبوذين بل كأبناء[883].] [لا تغيظوا أولادكم كما يفعل الكثيرون بواسطة حرمانهم من الميراث، أو التبرؤ منهم، أو معاملتهم بتصلفٍ كأنهم عبيد لا أحرار.]
ثالثًا: تعليمهم حب الحكمة الحقيقية. [إن علمناهم من البداية حب الحكمة الحقيقية، ستكون لهم ثروة أعظم وأفضل مما يجلبه الغنى. إن تعلم طفل التجارة أو نال تعليمًا عاليًا في مهنة مربحة للغاية، هذا كله يُحسب كلا شيءٍ إن قورن بفن التخلي عن الغنى. إن أردت أن تجعل طفلك غنيًا علمه هذا. أن يكون بالحقيقة غنيًا فلا يشتهي الممتلكات العظيمة، ولا يحيط نفسه بالثروة، بل لا يطلب شيئًا!]
رابعًا: قدم له الأمور العظيمة لا التافهة. [لا تسأل كيف يمكنه أن يتمتع بعمرٍ طويلٍ هنا، بل كيف يتمتع بحياة أبدية لا نهائية في الحياة العتيدة. لا تجاهد لتجعل منه خطيبًا بارعًا... لست أقصد أن التعليم الزمني بلا قيمة وأن نتجاهله، وإنما يلزم ألاَّ نرتبك به في مبالغة!]
خامسًا: سلِّمه في يديّ الرب! [لماذا ترفضون الاقتداء برجال ونساء العهد القديم القدِّيسين؟ أخبروني، خاصة أنتن أيتها الأمهات، فلتفكرن في حنة كمثالٍ، اُنظرن ماذا فعلت. لقد أحضرت ابنها الوحيد صموئيل إلى الهيكل حينما كان لا يزال طفلاً!... (1 صم 1: 28) أوْدعيه في يديّ ذاك القادر أن يجعله عظيمًا. ومن هو هذا؟ الله!... لتخجلوا أيها الرجال أمام حكمة هذه المرأة.]
سادسًا: لتقتدوا بالآباء المهتمين بأبنائهم. [لتقتدوا بأيوب الذي كان يهتم باستمرار بأبنائه، ويقدم ذبائح لأجل الرحمة عن أي فعل خاطئ ربما ارتكبوه خفية (أي 1: 5). لتقتدوا بإبراهيم الذي لم يشغل نفسه بطلب الغنى مثل انشغاله بحفظ كل عضوٍ في بيته شريعة الله، فشهد الرب له. "لأني عرفته لكي يوصي بنيه وبيته من بعده أن يحفظوا طريق الرب ليعملوا برَّا وعدلاً" (راجع تك 18: 19).]
سابعًا: الاهتمام المبكر بتربية الطفل. يطالب الذهبي الفم شعب الله أن يبكروا في تربية أطفالهم قدر المستطاع. فإن الطفل في بدء حياته يكون أكثر استعدادًا لقبول التوجيه[884]. فإن تأخر الشخص في بدء التربية يصعب تغيير شخصية الطفل وتوجيهها إلى ما هو أفضل[885].
[إن كان الرسول يأمرنا أن نهتم بالآخرين أكثر من اهتمامنا بأنفسنا، وإن كنا نُحسب مخطئين متى أهملنا ما هو لنفعهم، ألسنا بالأكثر نكون مخطئين إن كان هذا يخص من هم قريبين منا؟ سيقول لنا الرب: "ألست أنا الذي أعطيت لهؤلاء الأطفال مكانًا في عائلتكم؟ ألست أنا الذي عهدت بهم لرعايتكم، وجعلتكم سادة وحراسًا وقضاة عليهم؟ لقد أعطيتكم سلطانًا كاملاً عليهم. سلمتهم بالكامل لأيديكم من أجل تنشئتهم. ستخبرونني أنهم لم يريدوا أن يحنوا رقابهم للنير، وأنهم طرحوه عنهم. لكن هذا كان يُمكن تجنبه من البداية ذاتها. كان يليق بكم أن تحنوا نفوسهم الصغيرة تحت نير الالتزام، وتعودوهم على ذلك، وتعلموهم هذا، وتضمدون الجرح في بداية انفتاحه. كان يليق بكم أن تقتلعوا الزوان عندما بدأ يظهر حول النبات، وما كان يليق بكم أن تنتظروا حتى تتعمق جذوره، فصار لا يمكن ضبط الأهواء وترويضها بتقويتهم تدريجيًا خلال تكوينهم ونموهم.]
[الأبناء الخاضعون والمخلصون لله في طاعتهم لشريعته يجدون مصدر فيض للسعادة حتى في هذه الحياة الزمنية. الرجل الفقير مع أخلاقيات مسيحية يوحي للآخرين بتقديم الوقار له والحب. بينما من كان له قلب شرير منحرف، لن يُنقذك كل غناك من غضب كل أحد حولك وبغضه لك.]
[الشاب الذي تهبه نشأة صالحة ليس فقط يتمتع بتقدير عام، وإنما سيصير عزيزًا جدًا لك أنت أيضًا. سيكون التصاقك به ليس عن انجذاب طبيعي مجرد، وإنما لثمرة فضائله. لهذا فإنك في شيخوختك تتقبل منه ثمرة خدمات محبته البنوية. سيكون عونًا لك. وكما أن الذين لا يوقرون الرب يستخفون بوالديهم، فإن الذين يوقرون الله، أب كل البشر، سيقدمون كل احترامٍ للذين أعطوهم الحياة.]
24. ما هي أهم النصائح العملية التي يقدمها القديس يوحنا الذهبي الفم للوالدين؟
أولاً: اختيار اسم الطفل. يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن أول درس يقدمه الوالدان لطفلهما هو اختيار اسمه، فقد عالج هذا الموضوع في شيء من الإطالة، مطالبًا ألا يُدعى الطفل باسم أحد أفراد الأسرة، بل باسم أحد الشهداء أو الرسل أو الأساقفة[886]. وكأنه أراد من الوالدين أن يدركا أن طفلهما ينتسب للأسرة السماوية أكثر مما لهما أو لعائلتهما. فالطفل يعتز باسمه الذي ناله ليتشبه بالشهداء والرسل والأساقفة، مقدمًا قلبه بالكامل مُكرسًا للرب. بناء على هذه النصيحة يرى البعض أن أول هدية تقدم للطفل في عيد ميلاده (أو عماده) هي أيقونة القديس الذي يحمل الطفل اسمه.
ثانيًا: تعليمه الرضا والقناعة. يقول الحكيم: "القليل مع مخافة الرب خير من كنزِ عظيم مع همٍ. أكلة من البقول حيث تكون المحبة خير من ثورٍ معلوفٍ ومعه بغضة" (أم 15: 16-17).
ثالثًا: توجيهه نحو الأسفار المقدسة. يجني الوالدان أول ثمرة من هذا التوجيه، حيث يدربهما الكتاب المقدس على الطاعة للوالدين. فيجد الوالدان في أبنائهما روح الوداعة والطاعة لهما.
[لما كان تقديم النصح للأبناء ضروريًا يوجه الرسول خطابه إلى الآباء، قائلاً: "وأنتم أيها الآباء... ربوهم بتأديب الرب وإنذاره" (أف 6: 4). أتريد أن يكون ابنك مطيعًا؟ ربِهِ من البداية على تعليم الرب وتهذيبه. لا تظن أنه ليس من الضروري أن يصغي الطفل إلى الأسفار المقدسة، فإن أول ما يسمعه منها هو: "أكرم أباك وأمك" (خر 20: 12)، وفي الحال تبدأ تجني مكافأتك. لا تقل إن الكتاب المقدس للرهبان، هل أريد أن أجعل ابني راهبًا؟ ليس من الضروري أن يكون راهبًا. اجعله مسيحيًا!]
رابعًا: تسليمه في يدي الرب! [أودعيه في يديْ ذاك القادر أن يجعله عظيمًا. ومن هو هذا؟ الله! أودعت حنة صموئيل في يدي الله. لم يكن رئيس الكهنة عالي قادرًا بالحقيقة أن يشَّكله، فقد فشل في تشكيل ابنيه. إنه إيمان الأم وغيرتها جعلا كل شيء ممكنًا.]
خامسًا: إدراك اهتمام الله نفسه بتربية الأبناء. هذه النفوس ثمينة في عينيه. فهو الذي خلق في الوالدين الأبوة والأمومة، خلال هذا الدافع "الوالدية" يشعر كل من الأب والأم بالالتزام بتربية الطفل.
[يعطي الله نفسه اهتمامًا عظيمًا بتربية الأبناء. هذا هو السبب الذي لأجله وضع مثل هذا الانجذاب الطبيعي في الوالدين نحو أطفالهما، وذلك لكي يضع الوالدين في مركز يُلزمهما برعاية أطفالهما بالضرورة. لقد شرع قوانين خاصة بهذا الاهتمام، وأسس أعيادًا تأمرنا أن نوضح معانيها لأبنائنا. فلخص معنى الفصح في التعليم التالي: "وتخبر ابنك في ذلك اليوم قائلاً: من أجل ما صنع إليّ الرب، حين أخرجني من مصر" (خر 13: 8). صنع نفس الأمر بخصوص الشريعة. فعندما تحدث عن البكر أضاف مرة أخرى: "ويكون متى سألك ابنك غدًا قائلاً: ما هذا؟ تقول له: بيدٍ قوية أخرجنا الرب من مصر، من بيت العبودية. وكان لما تقسى فرعون عن إطلاقنا، أن الرب قتل كل بكرٍ في أرض مصر، من بكر الناس إلى بكر البهائم، لذلك أنا أذبح للرب الذكور من كل فاتح رحم، وأفدي كل بكرٍ من أولادي" (خر 13: 14-15). خلال هذا كله يأمره الله أن يقود أطفاله إلى معرفة الله. حتى بالنسبة للأطفال أنفسهم أمرهم الله كثيرًا بخصوص الوالدين، مكافئًا المطيعين ومجازيًا العاصين، حتى يجعلهم في موضع أكثر اعتزازًا عند الوالدين.]
سادسًا: تقدير قيمة الطفل وقدراته. يتطلع القديس الذهبي الفم إلى الطفل في تقديرٍ عجيبٍ واعتزازٍ به، فيرى في الأطفال فلاسفة في تكوينهم، مصارعين في تداريبهم، ومواطنين يتشكلون ويتهيأون للسكنى الأبدية في السماء[887]. يرى القديس في الطفل مدينة ذات أبواب أو مداخل كثيرة. فالنفس يقطنها حكّام أو قضاة صالحون، وأيضًا أشرار غير موقرين. لذا يحتاج الطفل إلى نواميس تضبط التصرفات الخاطئة. فالتسيب يقود إلى دمار المدينة[888]. أما أبواب المدينة التي تحتاج إلى حراسة فهي الحواس الخمس: اللسان (التذوق والكلام) والنظر والشم واللمس والسماع[889].
سابعًا: الحنو والتحذير من العقوبات البدنية! يقول الشهيد كبريانوس: [إن أردت بالحق أن تحب أطفالك، إن أردت أن تظهر لهم عذوبة الحب الكامل الأبدي، يلزمك أن تكون بالأكثر مترفّقًا، لكي بأعمالك البارة تستودع أطفالك مع الله.]
ويرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الأب الحكيم (أو الأم) يلزمه أن يكف عن الاستخدام المستمر للعقوبة البدنية، أو ما يدعوها بالعصا. فإن استخدام العصا يقود الطفل إلى الاستخفاف بها وعدم المبالاة بالعقوبة، كما لا تولد فيه محبة الفضيلة[890]. ويقول القديس أغسطينوس: [التوبيخ يجب أن تسبقه الرحمة لا الغضب[891].
ثامنًا: ليكن تعليم الطفل وتدريبه حسب قدراته[892].
تاسعًا: التعليم بالقدوة.
عاشرًا: الاهتمام باختيار من لهم تأثير على الطفل.
حادي عشر: الاهتمام بتقديس حواس الطفل. جاء في تعليم الاثني عشر رسولاً: [مجد الآباء قداسة أبنائهم.]
ثاني عشر: اهتمام الوالدين بتوجيه طفلهما نحو نقاوة القلب الداخلي[893].
ثالث عشر: عدم السماح للطفل بالذهاب إلى المسارح[894]، وتشجيعه على الزواج المبكر.
رابع عشر: عدم بث مفاهيم خاطئة في أذهان الأبناء.
خامس عشر: اهتم بخلاص أولادك! [إن كنا نحاسبهم عما تعلموه في المعاهد العالمية، فلماذا لا نسألهم عما سمعوه في بيت الرب؟]
سادس عشر. تشجيع الأبناء على التكريس. [الأبناء القديسون الذين يكرسون قلوبهم وحياتهم يكونون سندًا لآبائهم. فمن أجل داود النبي بارك الرب ابنه سليمان وبعض أحفاده كحزقيا الملك، وأيضًا كان صموئيل النبي الذي جاء ثمرة صلوات أمه هو سرّ بركة أيضًا لأمه.]
سابع عشر: ربِ ابنك فلا يربه الزمن! [إن جاهد الآباء الصالحون ليقدموا لأبنائهم تربية صالحة، لا نحتاج إلى شرائع وقضاة ومحاكم ولا إلى عقوبات. فالذين ينفذون العقوبات، وُجدوا بسبب عدم وجود أخلاقيات فينا.]
ثامن عشر: تهيِّئهم للزواج المقدَّس. [لنأخذ لهم زوجات في سنٍ مبكر، حتى يتحدوا مع عرائسهم بأجسام طاهرة غير فاسدة.]
25. بماذا ننصح الأبناء؟
يقول القديس چيروم: [لتطيعي والديك ممتثلة بعريسك[895].]
ويقول العلامة أوريجينوس: [لنتعلم يا أحبائي الخضوع لوالدينا... خضع يسوع وصار قدوة لكل الأبناء في الخضوع لوالديهم أو لأولياء أمورهم إن كانوا أيتامًا... إن كان يسوع ابن الله قد خضع لمريم ويوسف، أفلا أخضع أنا للأسقف الذي عينه لي الله أبًا؟!... ألا أخضع للكاهن المختار بإرادة الله؟![896]]
في رسالة كتبها القديس چيروم إلى أم وابنتها قام بينهما نزاع، جاء: [كان الرب يسوع خاضعًا لوالديه، لقد احترم تلك الأم التي كان بنفسه أبًا لها. لقد كرم أباه حسب التبني هذا الذي كان المسيح نفسه يعوله! حقًا، إنني لا أقول للأم شيئًا، لأنه ربما يكون في كبر سنها أو ضعفها أو وحدتها ما يعطيها عذرًا كافيًا، لكنني أقول لكِ أيتها الابنة: هل منزل أمك أصغر من أن يحتملك، هذه التي لم تكن بطنها صغيرة عن حملك؟![897]]
وكتب إلى لئيتا يرشدها في تربية ابنتها جاء فيها: [كوني مدرسة لها، نموذجًا لما تريدين أن تكون عليه في طفولتها... لا تفعلي أنتِ أو والدها شيئًا مما إذا قلدتكما فيه تكون قد ارتكبت خطية... بسيرتكما تعلماها أكثر مما تعلمانها بوصاياكما[898].]
كما يقول: [يأمرنا الكتاب المقدس بطاعة والدينا، ولكن من يحبهم أكثر من المسيح يخسر نفسه[899].]
يقول القديس أغسطينوس: [لكنك تقول إنني أخشى غضب من هم أعلى مني، اعمل كل وسيلة ألاَّ تغضبهم حتى لا تُغضب الله. يا من تخاف أن تكدر من هم أعلى منك، انظر عما إذا كان هناك إله أعلى من الذي تخاف تكديرهم، فبكل وسيلة لا تغضب الأكبر منك... والدك ووالدتك هما أول من هم أكبر منك، فإن كانا قد علماك الحق وأحضراك إلى المسيح، فلتسمع لهما في كل شيء، وينبغي طاعتهما في كل أمر. ليتهما لا يوصيان بما يخالف من هو فوقهما حتى يُطاعا.]
كما يقول: [حقًا يليق بالأب ألاَّ يغضب عندما يُفضل الله عنه! ولكن عندما يأمر الأب بما لا يناقض الرب فيلزم الاستماع إليه كما لله، لأن طاعة المرء لأبيه أمر إلهي[900].]
ملاحظة
إن كانت هذه هي نظرة الكنيسة للزواج، فما هي نظرتها للرهبنة؟ هذا ما سنجيب عنه بعد الحديث عن الأسرار الكنسية بشيئة الرب.
22. سرّ مسحة المرضى
1. لماذا تحدث الرسول يعقوب عن سرّ مسحة المرضى؟
الكنيسة كعروسٍ تشارك المريض آلامه، فيصلّي الكهنة مع الشعب وعائلة المريض من أجله، لينال شفاء نفسه وجسده أيضًا. "أمريض أحد بينكم، فليدعُ قسوس الكنيسة، فيصلوا عليه، ويدهنوه بزيت باسم الرب، وصلاة الإيمان تشفي المريض، والرب يقيمه، وإن كان قد فعل خطية تُغفر له" (يع 14:5-15).
في سرّ مسّحة المرضى لا يزال السيّد المسيح نفسه ينحني على المرضى ليسكب عليهم محبته الإلهية والتصاقه بالإنسان المربض المتألم.
تطلب الكنيسة بروح عريسها أن يشفي أولادها، لكنها تقدم مشيئته لا مشيئتنا البشرية الذاتية، فقد يكون لخير المريض، بالرغم من مغفرة خطاياه، أن يبقى في المرض لأجل تزكيته أو تأديبه أو بحكمة إلهيّة أخرى كما حدث مع بولس الرسول في مرضه. "فقال لي تكفيك نعمتي، لأن قوتي في الضعف تكمل. فبكل سرور أفتخر بالحري في ضعفاتي لكي تحلّ عليّ قوة المسيح" (2 كو 12: 9). لذلك تصلي الكنيسة قائلة:
[يا من أقام ابن الأرملة وابنة الرئيس من الموت لما أمرهما بالقيام، وأقام لعازر من بعد موته بأربعة أيام من الجحيم بسلطان لاهوته، أقِمْ عبدك هذا من موت الخطيّة، وإن أمرتَ بإقامته إلى زمان آخَر، فامنحه مساعدة ومعونة لكي يُرضيك في كل أيام حياته.
وإن أمَرْتَ بأخذ نفسه فيكون ذلك بيد ملائكة نورانيين يخلصونه من شياطين الظلمة – انْقُلْه إلى فردوس الفرح ليكون مع جميع القديسين بدمك الذي سُفِكَ من أجل خلاصنا الذي به اُشتريتنا لأنك أنت رجاؤنا...]
٢. ماذا يرى آباء الكنيسة في قول يعقوب الرسول: "أمريض أحد بينكم؟ فليدعُ شيوخ الكنيسة فيصلوا عليه ويدهنوه بزيت باسم الرب، وصلاة الإيمان تشفي المريض، والرب يقيمه، وإن كان قد فعل خطية تُغفر له. اعترفوا بعضكم لبعض بالزلات، وصلوا بعضكم لأجل بعض، لكي تشفوا" (يع ٥: ١٤-١٦)؟
يرى العلامة أوريجينوس أنه يليق بالمؤمن أن ينشغل بالتمتع هو وإخوته بالحياة المقدسة في الربّ ونوال غفران خطاياه، ففي عظاته على سفر اللاويين (١-١٦) يعدد بعض المناسبات التي يستغلها المؤمن للتمتع بهذه العطية:
أولا: عندما نتمتع بالمعمودية ننال غفران الخطايا (مر ١: ٤).
ثانيًا: إن سمح الله لنا بآلام الاستشهاد ننال المغفرة.
ثالثًا: إذ نقدم عطاءً للمحتاجين فهو مغفرة الخطايا، إذ يقول الربّ: "بل أعطوا ما عندكم صدقة، فهوذا كل شيءٍ يكون نقيًا لكم" (لو ١١: ٤١).
رابعًا: ننال مغفرة الخطايا إن كنا نغفر خطايا إخوتنا، إذ يقول الربّ المخلّص نفسه: "فإنه إن غفرتم للناس زلاتهم، يغفر لكم أيضا أبوكم السماوي. وإن لم تغفروا للناس زلاتهم، لا يغفر لكم أبوكم أيضا زلاتكم" (مت ٦: ١٤-١٥).
خامسًا: يُقدم لنا غفران الخطايا بقوله: "فليعلم أن من ردّ خاطئًا عن ضلال طريقه، يخلِّص نفسًا من الموت، ويستر كثرة من الخطايا" (يع ٥: ٢).
سادسًا: تُغفر الخطايا حيث يوجد فيض من الحب، وذلك كقول الربّ نفسه: "قد غُفرت خطاياها الكثيرة لأنها أحبت كثيرًا" (لو ٧: ٤٧). ويقول الرسول: "لتكن محبتكم بعضكم لبعض شديدة، لأن المحبة تستر كثرة من الخطايا" (١ بط ٤: ٨).
سابعًا: مغفرة الخطايا خلال الندامة، وإن كان ذلك يتم بصعوبة ومجهود، حيث يغسل الخاطي فراشه بدموعه (مز ٦: ٧).
ثامنًا: يقدم يعقوب الرسول الفرصة للمريض أن يدفعه المرض ليستدعي كهنة الكنيسة ويضعوا أياديهم عليه ويدهنوه بزيت باسم الربّ، وصلاة الإيمان تشفي المريض، كما تُغفر له خطاياه (يع ٥: ١٤-١٥).
هكذا يرى العلامة أوريجينوس أن المؤمن الحكيم، وإن كان يطلب شفاء جسده، مسلّمًا حياته الزمنية في يدي مخلّصه ليعمل ما فيه خيره. ما يشغله هو التمتع بأبديته، فيجد في مرضه الفرصة سانحة أن يقدم توبة صادقة ويعترف طالبًا من الربّ غفران خطاياه.
ويميز القديس يوحنا الذهبي الفم في مقاله بخصوص الكهنوت المسيحي بين محبة الوالدين لأبنائهم حسب الجسد، ومحبة الكاهن لابنه حسب الروح. فالوالدان ينشغلان ألاَّ يُغضب ابنهما أصحاب المراكز العالية والسلطة، لأن هذا ليس فيه نفع للابن، أما الكاهن فما يشغله أن يقيم مصالحة بين الابن المريض لا مع الحكام والملوك بل مع الله نفسه.
ويرى الأب قيصريوس أسقف Arles أن يعقوب الرسول يدعو المؤمنين أن يلجأوا إلى الكنيسة عندما يعانون من الأمراض وليس إلى السحرة والعرافين، لأن الكنيسة تطلب للمؤمن شفاء جسده وخلاص نفسه.
3. ماذا نلمس في الأسرار الكنسية المفرحة؟
تكشف الأسرار الكنسية عن محبة الله الفائقة.
v تقيم من المؤمن ابنًا خاصًا لله (في سرّ المعمودية).
v وهيكلاً لروحه القدوس قائد حياته واهب النصرة (في سرّ الميرون).
v وتهبه مائدة سماوية لينمو (في سرّ الإفخارستيّا).
v وتغسله من كل دنسٍ لينمو في القامة، ويصير أيقونة المسيح (في سرّ التوبة والاعتراف).
v ويتمتع بمشاركة المسيح عمله الكهنوتي (في سرّ الكهنوت).
v وتقيم من بيته وكالة السماء (في سرّ الزواج).
v وأخيرًا إن تألم يجد السيد المسيح ينحني بالحب ليحتضنه، كل الأعضاء تتألم معه وتصلي لأجله (في سرّ مسحة المرضى)!
هذا هو سرّ الحب الإلهي، أو سرّ العرس السماوي.
23. الكنيسة القبطية والحركة الرهبانية
1. هل النسك (التقشف أو الزهد) في الكنيسة القبطية إنجيلي؟
تعرف الكنيسة القبطية باتجاهاتها النسكية، ليس فقط بسبب انطلاق الحركات الرهبانية فيها، وإنما كملامح تمس حياتها كلها وعبادتها. قامت هذه الاتجاهات ليس بكون النسك هدف في ذاته، ولا على أساس أن الجسد بطبيعته شرير، وإنما يحمل فكرًا إنجيليًا سماويًا.
"لأنه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟" (مت 16: 26).
"بع كل مالك، ووزع على الفقراء... وتعال اتبعني" (مر 10: 21؛ لو 18: 22).
"اُقمع جسدي واستعبده، حتى بعد ما كرزت للآخرين، لا أصير أنا نفسي مرفوضًا" (1 كو 9: 27).
هذا الفكر الإنجيلي وجد استعذاب عند الأقباط الذين التهبت قلوبهم بمحبة الأبدية.
2. ما هي غاية الحياة النسكية عند الأقباط؟
بينما ارتبطت أغلب الحضارات القديمة بالحياة الزمنية، فكانوا يسعون وراء الملذات الوقتية، إذا بالفكر المصري يُبتلع بالعالم الآتي. فكان المصريون القدماء يعتقدون فيما يسمى بالقيامة، أي في إمكانية عودة الميت إلى الحياة أبديًا إن مورست بعض الطقوس. لهذا يلزم تحنيط الأجساد في مقابر مختومة، حتى لا يقدر أحد أن يزور القبر ويسكن فيه غير النفس.
لذلك كانت المقابر تزود بكل احتياجات الحياة اليومية من ملابس وطعام وشراب وأوانٍ وسكاكين وكراسي وأسلحة ومركبات وحلي للنساء وأدوات لعب للأطفال.
عندما قبل الأقباط المسيحية ازداد شوقهم للعالم الآتي، والتهب حنينهم إليه، لكن على أساس إنجيلي. فعوض انشغالهم بعودة الأرواح إلى الأجساد المحفوظة في المقابر، اشتهوا أن ترتفع أرواحهم وأفكارهم وقلوبهم لتنعم بالحياة السماوية حتى وهم بعد بأجسادهم يسلكون على الأرض. بمعنى آخر، شوقهم للعالم الآتي دفعهم لممارسة الحياة النسكية على أساس إنجيلي.
3. ما هو الدافع للنسك عند الأقباط؟
النسك في الكنيسة القبطية ليس غاية في ذاته يشتهى المؤمنون بلوغها، إنما هو تجاوب عملي للمحبة الإلهية. فإن كان ربنا قد قدم حياته لأجلنا، يليق بنا نحن من جانبنا أن نتوق إلى تقديم حياتنا ذبيحة حب من أجل الله. إننا نزهد الملذات الزمنية كعلامة عن شوقنا الداخلي للتمتع بالنعيم الأبدي خلال الحياة الجديدة في المسيح يسوع. المؤمنون خاصة الرهبان لهم هدف واحد ألا وهو التمتع بملكوت الله الداخلي كعربون لملاقاة الله وجها لوجه في الحياة الأبدية.
4. ما هو ارتباط النسك بالحياة الكنسية؟
كثيرا ما تحدثت عن النسك في الكنيسة القبطية ومفاهيمها اللاهوتية وحياتها التعبدية وسلوكها. لذا اكتفي هنا بإبراز النقاط التالية:
1. أثر الحياة النسكية على الكنيسة القبطية واضح في عبادتها، فالألحان طويلة لكنها ممتعة ومبهجة للنفس، أصوامها كثيرة تتعدى النصف سنة سنويًا، ليتورجياتها تتركز حول انتظار مجيء السيد المسيح (بفكر اسخاتولوجى).
2. عُرفت الكنيسة القبطية بكثرة عدد شهدائها حتى يتطلع البعض إلى بقائها كعمل إلهي معجزي. مدن بأسرها استشهدت، وكان الشهداء يواجهون مضطهديهم بفرحٍ إذ ينتظرون التمتع بإكليل الاستشهاد.
3. كان للفكر النسكي الروحي أثره على اللاهوت الإسكندري، إذ حمل اتجاها خلاصيًا، فتركز اللاهوت في التمتع بالخلاص (سوتيريولوجي). اللاهوت ليس موضوع أفكار فلسفية للمباحثات بقدر ما هو متعة لتذوق عمل الله الخلاصي في حياة المؤمن.
4. الحياة النسكية لا تعني معاداة الجسد وحواسه وطاقاته، وإنما بالحري التطلع إليه بقدسية خاصة كمعينٍ للنفس.
5. إن كانت الحياة النسكية قد مهدت الطريق لبدء انطلاق الحركات الرهبانية بكل صورها من نظام الوحدة، ونظام الجماعات، ونظام الشركة، فإن هذه الحركات كانت تهدف إلى حياة الاتحاد مع الله، بصورة أو أخرى. لهذا فهم المؤمنون الوحدة لا بمعنى العزلة عن الناس بل الوحدة مع الله. فالراهب حتى وإن عاش في البرية وحده لا يعتزل بقلبه البشرية، بل يحملهم بالحب في قلبه، يصلي من أجلهم، ويئن مع أنينهم، مشتاقًا نحو خلاص الكل.
6. قاوم كثير من الآباء المصريين المبالغة في النسك، خاصة إن كان بدون إفراز (تمييز) أو بدون حكمة.
5. كيف بدأت الحركات الرهبانية في مصر؟
من مصر انطلقت كل النظم الرهبانية المنتظمة إلى العالم كله، وذلك في القرن الرابع، لترد قلب الكنيسة إلى الحياة الداخلية بعد أن قبلت الدولة المسيحية، وانفتح باب الإمبراطور أمام الأساقفة والكهنة. غير أن هذه النظم التي أسسها الأقباط لم تظهر خلال خطة كنسية مُسبقة، إنما ظهرت إلى النور خلال حب طبيعي التهب بقوة في قلوب كثير من المسيحيين الأوائل.
1. في العصر الرسولي، مارس كثيرون النسك بغية التمتع بكمال الإنجيل.
2. أشعل الاتجاه الإسخاتولوجي (الأخروي) في الكنيسة شوق المؤمنين نحو مجيء عريسهم، فاستحسن بعض المؤمنين أن يعيشوا في حياة البتولية مكرسين كل أوقاتهم للعبادة كتهيئة لوليمة العرس السماوي. وفي القرن الثاني، كانت العذارى المسيحيات في سميرنا وكورنثوس يسرن في مواكب الليتورجية خلف الكهنة، أمام الأرامل. كذلك وُجدت جماعات كثيرة من العذارى في الإسكندرية وفي مدن كثيرة من العالم، وكانت المقالات الخاصة بالبتولية تمثل جزءًا حيًا من كتابات الآباء في الثلاثة قرون الأولى.
3. شعر بعض العذارى والنساك بالحاجة إلى جو روحي معين، فكانت العذارى يعشن معًا واستحسن الرجال ترك المدن ليعيشوا في أكواخ بسيطة في القرى، وكانوا يُدعون "مكرسون". وإذ شعر البعض بالعطش نحو الحياة الملائكية هربوا إلى البرية، ولم نعرف منهم إلا القليل مثل القديس الأنبا بولا السائح الذي عاش قرابة تسعين عامًا في البرية (حوالي 250-341م).
4. بظهور القديس أنبا أنطونيوس تأسست الحركة الرهبانية، وأُعتبر أب الرهبنة في العالم كله، وإن كان قد سبقه كثيرون، ذلك لعلاقته الوثيقة بقادة الكنيسة خاصة البابا أثناسيوس الذي كتب عنه للعالم الروماني. ولأنه فتح مغارته بعد حوالي عشرين عاما من العزلة التامة ليتتلمذ على يديه قادة رهبان، ويحاور الفلاسفة ببساطة إيمانه، ويستقبل الحكام، كما كان للقديس دوره الحي في الكنيسة فنزل اللي الإسكندرية يسند الشهداء ويقف ضد الأريوسية.
5. ظهر القديس باخوميوس أب الشركة الذي شعر أن نظام التوحد لا يناسب كل راغبي الرهبنة، فأقام جماعة رهبانية داخل أسوار الأديرة، وقد مدحه المتوحدون على ذلك.
6. أقام القديسون أنبا مقاريوس الكبير وأنبا أمون وغيرهما نظام الجماعات في منطقة وادي النطرون. حيث جاء كثيرون من أنحاء العالم يمارسون الحياة النسكية على أرض مصر، ويكتبون عنها لينقلوا الفكر إلى الخارج. هذا ويلاحظ أن قادة هذه الأنظمة الثلاثة لم يتعصبوا لأنظمتهم، بل كانوا يتزاورون ويمتدح كل منهم النظامين الآخرين.
7. قامت الحركة الرهبانية النسائية جنبًا إلى جنب مع حركة الرهبنة للرجال، وساهم الرهبان في بناء أديرة النساء. وظهرت قيادات نسائية لها دورها الفعال مثل الأم سارة والأم ثيؤدورة. كما تخفى بعض النساء المصريات والأجانب في زي رجال وعشن حياة ناسكة في أديرة الرجال وغلبن بنسكهن وجهادهن وروحانياتهن الكثيرين.
6. من هم أهم القيادات الرهبانية؟
1. القديس بولا الطيبي (رئيس السواح): كتب سيرته القديس جيروم عام 374 أو 375م. نشأ في شمال الصعيد، نال قسطا وافرًا من العلوم اليونانية والمصرية، وإذ بلغ السادسة عشرة من عمره نال قسطًا وافرًا من الميراث عن والديه. وفي أثناء اضطهاد داكيوس (حوالي سنة 250م) انطلق إلى البرية بعد أن تعرض لرغبة أخيه بطرس في اغتصاب ممتلكاته. وإذ بلغ من العمر المئة والثلاثة عشرة سنة يمارس الحياة الملائكية وهو على الأرض التقى به القديس أنطونيوس، حيث ناداه الأنبا بولا باسمه، وصارا يتحدثان عن عجائب الله ويسبحانه. عند الغروب نزل غراب كان مستقرًا على نخلة والقى خبزة كاملة أمامهما، مع أنه كان قد اعتاد أن يلقى نصف خبزة للقديس أنبا بولا. في اليوم الثالث صرف الأنبا بولا الأنبا أنطونيوس ليُحضر له ثوب القديس أثناسيوس الذي وهبه إياه، لكي يكفنه به. وإذ عاد الأنبا أنطونيوس وجد الأنبا بولا راكعًا كمن يصلي، وأخيرًا اكتشف أنه قد رقد. جاء أسدان وحفرا في الرمل حتى يدفن القديس بولا.
2. القديس أنطونيوس الكبير: ولد حوالي سنة 251م في مدينة كوما (قمن العروس) بمصر الوسطى. في الثامنة عشرة من عمره، إذ سمع الإنجيل: "إن أردت أن تكون كاملاً فاذهب وبع أملاكك وأعطِ الفقراء. وتعال اتبعني" (مت 19: 21)، قام ببيع ممتلكاته وأودع أخته في بيت العذارى، وسكن في كوخٍ يتتلمذ على يدي رجل قديس. بعد فترة رحل إلى الصحراء الغربية ليجاهد بنفسه في قبرٍ منحوتٍ في جانب الجبل. وفي سن الخامسة والثلاثين استقر على الضفة الشرقية من النيل في منطقة بسبير، حيث عاش متوحدًا، فجاء كثيرون يطلبون التلمذة. انطلق إلى البرية الداخلية بجبل القلزم ليعيش في هدوءٍ. لكن محبته الداخلية ألزمته بزيارة الإسكندرية ليسند الشهداء عام 316م، ويسند البابا أثناسيوس ضد الأريوسية عام 352م. جاء إليه كثيرون يتتلمذون على يديه. وتنيح عام 352م.
3. القديس باخوميوس (الأنبا باخوم أب الشركة): وُلد بصعيد مصر حوالي سنة 290م، وقبل المسيحية في مدينة إسنا بالصعيد بسبب كرمهم وحبهم للأعداء، فترك الجيش واعتمد حوالي سنة 307 في "شينوفسكيون". تتلمذ على يدي القديس أنبا بلامون المتوحد، حتى ظهر له ملاك وأرشده لتأسيس نظام الشركة. كان قائدًا ناجحًا محبًا لخلاص النفوس، فأسس أديرة كثيرة بصعيد مصر بنظام دقيق مُحكم، كما أنشأ دير للراهبات تحت قيادة أخته. ترجمت أصول نظامه إلى اليونانية واللاتينية؛ استخدمها الأنبا باسيليوس الكبير، كما اُستخدمت في بلاد الغال في القرن الخامس، تبناها بندكت أب الرهبنة الغربية وقيصريوس أسقف أرل.
4. القديس آمون: عاصر الأنبا أنطونيوس، ولد حوالي سنة 275م، ولما بلغ الثانية والعشرين من عمره ألزمه عمه بالزواج، فعاش مع زوجته في نتريا كناسكين، وبعد 18 سنة طلبت منه زوجته أن ينفرد عنها، فخرج إلى جبل نتريا والتف حوله كثيرون، فأسس نظام الجماعات جنبا إلى جنب مع الوحدة. نظام الجماعات هو نظام وسط فيه لا يلتزم الرهبان بالشركة اليومية في العبادة معًا والطعام وإنما يومي السبت والأحد فقط. غالبا ما كانوا يسكنون في قلالٍ أو مغائرٍ متقاربة، حول كنيسة في الوسط.
5. القديس مقاريوس الكبير: (حوالي سنة 300م-390) مؤسس رهبنة الجماعات ببرية الإسقيط، زار القديس أنطونيوس على الأقل مرتين. ألزمه والده بالزواج، لكن الله سمح بانتقال زوجته البتول. سكن في كوخ بقرية يمارس الحياة النسكية حوالي عشرة سنوات تحت مشورة أحد النساك. تاق إلى الوحدة فسكن في الإسقيط. وكان يرافقه شاروب. عاش محبا للعبادة والنسك بقلبٍ متسع بالحب فتتلمذ على يديه كثيرون، فجاء إلى البرية شرقيون وغربيون للتلمذة.
6. القديس شنودة رئيس المتوحدين: كان أبا (رئيسًا) للدير الأبيض في أتريب بصحراء طيبة لأكثر من 56 عاما (القرن الرابع/الخامس)، قاد 2200 راهبًا، و1800 راهبة. دعي رئيس المتوحدين إذ مارس الوحدة من حين إلى آخر، كما شجع رهبان ديره على الانسحاب نحو البرية بعد ممارستهم حياة الشركة. في سنة 431 رافق القديس كيرلس الكبير في مجمع أفسس المسكوني. اشتهر بحركة تحرير الأدب القبطي من كل ثقافة هيلينية، ولم يسمح لأجنبي أن يلتحق بجماعاته، لذا حُسب قائدًا سياسيًا ومصلحًا اجتماعيًا بجانب عمق روحانياته.
7. القديسة الأم سارة: وجدت أول جماعة رهبانية نسائية في العالم في مدينة الإسكندرية على نحو القديسة سينكليتيكىي، وحفظ البابا أثناسيوس سيرتها وتعاليمها، كما أسس القديس باخوميوس ديرين للراهبات، وظهرت راهبات متوحدات في البرية. وجاء إلى مصر بعض أمهات دير أجنبيات مثل القديسة ميلانيا الكبرى (سنة 374) وحفيدتها ميلانيا الصغرى (سنة 418). هذا ولا نتجاهل القديسة مريم المصرية التي تابت في أورشليم، وعاشت 48 سنة في البرية عبر الأردن لم ترً وجه إنسان سوى القديس سوزيما مرتين في السنتين الأخيريتين من حياتها.
كثير من الراهبات نلن عطية القيادة الحقيقية والتمييز الروحي، منهن القديسة سارة التي قيل عنها إنها عاشت 60 عامًا بجوار النهر لم ترفع عينيها قط لتنظره. لها أقوال كثيرة حفظت مع أقوال آباء البرية.
8. القديسة إيلاريا: في القرن الرابع، ابنة الإمبراطور زينون، هربت إلى شيهيت حيث مارست الحياة النسكية في زي راهب، ولما أصيبت أختها تيؤبستا بروحٍ شريرٍ أرسلها شيوخ البرية إليها لتصلي عليها دون أن يعرفوا أنها فتاة. فصلت عليها طوال الليل وكانت تقبلها، وإذ شفيت أخبرت الإمبراطور عن الراهب (ايلاري) الذي شفاها وكان يقبلها فانزعج. وإذ دعاها إلى القصر كشفت له أمرها أنها ابنته بعد أن وعدها ألا يعوقها عن العودة إلى مغارتها.
9. سينكليتيكي القديسة. يعدّها بعض المؤرخين ندًا للقديس الأنبا أنطونيوس كوكب البرية، فكما كان الأنبا أنطونيوس أبًا لجميع الرهبان، كانت سينكليتيكي أمًا لتلك المجموعة المتناسقة من العذارى المتبتلات، اللاتي جعلن من وادي مصر الخصيب مقرًا للنعمة الإلهية. وُلدت من أبوين شريفين استقرا في الإسكندرية ليكونا على مقربة من مدرستها العظيمة، وكانا قد أنجبا ولدين وبنتين فأرادا أن يثقفانهم بأسمى أنواع الثقافة التي لم تكن متوفرة سوى في مدرسة الإسكندرية. فُجعت هذه الأسرة بوفاة أصغر إخوة سينكليتيكي في صباه، أما الأكبر فقد انتقل إلى عالم الخلود ليلة زفافه، وكان من أثر الصدمتين أن اندفعت سينكليتيكي إلى التفكير والتأمل في مباهج العالم ومفاتنه في نظرها سرابًا خادعًا.
ظلت سينكليتيكي مداومة على أصوامها وصلواتها ونسكها وتعبدها في بيت أبويها إلى أن انتقلا إلى عالم النور، وعند ذاك وزّعت أموالها على الفقراء وأخذت أختها وذهبت إلى مقبرة العائلة حيث عاشت بضع سنوات، وفي تلك الفترة ضاعفت أصوامها وصلواتها وتأملاتها.
جاء لزيارتها عدد غير قليل من الشابات. البعض منهن لمجرد رؤيتها وأخذ بركتها، والبعض الآخر مستفسرات عن حل مشاكلهن. وكان من الطبيعي أن تتأثر بعضهن بقدوتها ويمكثن معها ويشاركنها حياة النسك والتأمل.
تركت مقبرة العائلة وأخذت زميلاتها ليعشن معًا في مبنى خارج المدينة، وكرست حياتها لخدمتهن صائرة قدوة وصورة حية لما تنادي به من تعاليم، ولذلك أحبتها زميلاتها وأخلصن الولاء لها وأطعنها عن رضى وحبور. تزايد عدد الشابات اللواتي خضعن لرياستها سنة بعد الأخرى، وكان بعضهن يقضين معها فترة من الزمن يعدن بعدها إلى بيئتهن ليحملن إلى أهلهن النعمة المنعكسة عليهن من حياة سينكليتيكي.
بلغت القديسة الثمانين من عمرها وكانت حتى ذلك الوقت تتمتع بصحة تامة، وفجأة أصيبت بمرض مزعج، فقد غطت القروح جسمها من قمة الرأس إلى أخمص القدم حتى أفقدها القدرة على النطق. تضاعف ألم القروح بحمى عالية موجعة فكان صبر القديسة شبيهًا بصبر أيوب إذ تحملت كل ما أصابها برضى وطول أناة. وقبل انتقالها بثلاثة أيام رأت جمهورًا من الملائكة ومعهن عدد من العذارى، وتقدموا إليها قائلين: "إننا أتينا لندعوكِ فتعالي معنا". وما أن سمعت هذه الكلمات حتى تبدّل حالها فبدت كشخصٍ جديدٍ إذ اكتنفها نور بهي، وعاشت بعد ذلك ثلاثة أيام كاملة استنار الراهبات خلالها بالنور السماوي المنعكس عليهن من رئيستهن المريضة، ثم انتقلت إلى كنيسة الأبكار.
لقد أراد البابا أثناسيوس الرسولي أن يبين عظمة قداسة هذه الراهبة المكرّسة فكتب سيرتها هو بنفسه، فبذلك يكون قد كتب سيرة الأنبا أنطونيوس بوصفه أبًا للرهبان كما كتب سيرة القديسة سينكليتيكي بوصفها أمًا للراهبات.
7. ما هو أثر الرهبنة المصرية على العالم المسيحي؟
الرهبنة القبطية كأعمق حركة إنعاش روحي حدثت في تاريخ الكنيسة، جذبت رهبان من بلدان كثيرة، فجاء إلى مصر يونانيون ورومان وكبادوكيون وليبيون وسريان ونوبيون وأثيوييون وغيرهم.
في اختصار شديد كان للرهبنة القبطية أثرها على العالم المسيحي:
1. قام البابا أثناسيوس بنشر الفكر الرهباني أثناء نفيه في تريف (336-337)، وعندما هرب إلى روما سنة 339. كما كتب "حياة أنطونيوس" سنة 357 الذى انتشر في العالم.
2. تُرجم النظام الباخومي إلى اليونانية بواسطة بالاديوس وإلى اللاتينية بواسطة جيروم. زار القديس باسيليوس الأديرة الباخومية ( 337-358) وتأثر بها.
3. قوانين الأب بندكت (480-550) استقاها من النظام الباخومي.
4. إذ عاش القديس يوحنا كاسيان سبع سنوات في مصر سجل كتابية الشهيرين عن الرهبنة القبطية: "المناظرات"، "الدساتير".
5. عاش الأب أوغريس البنطي (346-329) الذي احتل مركزًا رئيسيًا في تاريخ المسيحية الرومانية، كراهبٍ في منطقة نتريا لمدة عامين، وفي منطقة القلالي لمدة 14 عامًا.
6. قام القديسان جيروم (342-450م ) وروفينوس (345-410) بزيارة مصر.
7. قضى بالاديوس أسقف هيلينوبوليس ومؤرخ الرهبنة الأولى سنوات كثيرة مع رهبان مصر، وتتلمذ على يدي الأب أوغريس، ووضع كتاب: "التاريخ اللوسياكى" حوالي سنة 419م.
8. تتلمذ مار أوجين على يدي القديس باخوميوس، وأسس ديرًا في نصيبين ببلاد فارس، كما ترجم القوانين الباخومية إلى الفارسية والسريانية في منتصف القرن الرابع. بحسب التقليد الكلداني قيل أن سبعين راهبًا مصريًا قاموا بمساعدته في إنشاء عدة أديرة هناك.
9. تتلمذ القديس هيلاريون من غزة على يدي أنبا أنطونيوس وحين عاد إلى بلاده مارس الحياة النسكية.
10. تهذب القديس أبيفانيوس أسقف سلاميس بقبرص (حوالى 315-403) بالفكر الرهباني القبطي.
11. حوار سلبيكوس ساويرس حوالي 430 م، سجل ما رآه الرحالة بوستيميان في زيارته إلى مصر عام 399 مقدما نظرة رائعة للرهبنة المصرية.
12. زارت الراهبة الإسبانية إثيريا (ايجريا) مصر في القرن الرابع.
13. زارت الأم القديسة ميلانيا الكبرى الرومانية برية مصر.
14. أقام القديس يوحنا الذهبي الفم في أحد الأديرة الباخومية في صعيد مصر، من سنة 373 حتى 381م.
8. ما هي الحركة الرهبانية القبطية اليوم؟
لعل أحد ملامح الكنيسة القبطية الأرثوذكسية اليوم هو التزايد المستمر في راغبي الالتحاق في الحياة الديرية، حتى بدأ التفكير في تعمير الأديرة التي خلت من الرهبان. أديرة الرجال منتشرة في المناطق الصحراوية، أما أديرة النساء ففي داخل المدن.
اهتم البابا كيرلس السادس بتعمير دير القديس مار مينا بجوار الإسكندرية. كما اهتم البابا شنودة الثالث بتعمير دير القديس الأنبا بيشوي بوادي النطرون، حيث أقام فيه مقرا بابويًا لحبه الشديد للرهبنة، يقضي فيه قرابة نصف الأسبوع بانتظام.
هذا وقد التحق بالأديرة رهبان من الشبان الذين هاجروا إلى أمريكا وكندا وأستراليا بعد أن نجحوا في حياتهم العملية.
[1] In Luc. ch 3.
[2] رؤيا يوحنا اللاَّهوتي، 1979م، ص 21.
[3] Commentary on Luke, Sermon 98.
[4] Comm. on the Songs of Songs, book 2:6 (ACW).
[5] Commentary on the Song of Songs 3.14; ACW 26.239, 245.
[6] الرسالة السادسة والعشرون.
[7] In Luc. hom 38:5.
[8] راجع للكاتب نبذة: ليكن طفلك قائدًا!، 2015.
[9] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate 33:7.
[10] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate 13:10.
[11] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate 13:12.
[12] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate 14:3
[13] نشيد الأناشيد للقديس غريغوريوس أسقف نيصص، تعريب الدكتور جورج نوّار، عظة 11.
[14] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate 13:17-18.
[15] Sermon on N.T. Lessons, 41:7-8.
[16] تفسير رسالة بولس الرسول إلى العبرانيين للقديس يوحنا الذهبي الفم. ترجمة د. سعيد حكيم يعقوب، مراجعة د. چورچ عوض، ٢٠١٠، ص ١٧٩.
[17] تفسير رسالة بولس الرسول إلى العبرانيين للقديس يوحنا الذهبي الفم. ترجمة د. سعيد حكيم يعقوب، مراجعة د. جورج عوض، ٢٠١٠، ص ١٣٨-١٣٩.
[18] Mike Aquilina: The Way of the Fathers, Indiana 2000, article 65.
[19] Letter 204:6.
[20] PG 42: 781.
[21] St. Chrysostom: Praise to Maximus, 3.
[22] PG 52: 402
[23] St. Basil the Great, PG 30: 149.
[24] PG 71: 209.
[25] P.L. 26: 633.
[26] On Ps. 89.
[27] On Ps. 50.
[28] In Ioan. tr 11: 10.
[29] An anonymous Paschal homily in the tradition of Origen; Thomas Halton, p. 87.
[30] Origen: De Principiis, Pr. 4.
[31] Commentary on Matthew 14:1.
[32] Epistle 118.
[33] Epistle 66. (to St. Athanasius) PG 36:549.
[34] Letter 70 to Damasus, Bishop of Rome.
[35] Letter 90 to the Most Holy Brothers and Bishops of the West.
[36] Epistle 203 to Bishops of Pontus.
[37] Hom. in Psalm 32 (33):3.
[38] ميمر 95 على تناول الأسرار المقدسة (راجع الأب بول بيجان – دكتور سوني بنهام). ملاطيوس برنابا، قصيدة لمار يعقوب السروجي الملفان في تناول الأسرار المقدسة، في المجلة البطريركية 34 (1985) 164-168، 214-219
[39] In Jos. hom. 7:6; Jean Daniléou: Origen, NY, 1955, p. 8.
[40] In Jos. hom. 7. PG 12:861, 244.
[41] PG 12:244.
[42] De Principiis, Pr. 4.
[43] Jaroslav Pelikan: The Christian Tradition, 1. The Emergence of the Catholic Tradition (100-600), Chicago, 1971, p. 112.
[44] In Matt. Hom 77: 5.
[45] Hom. Laz. 6. PG 48:1037-8.
[46] In Hebr. Hom. 34:8.
[47] In Hebr. hom 30: 2.
[48] In Ioan 78: 41.
[49] In Acts. hom 37.
[50] Charles Bigg: The Christian Platonists of Alexandria, Oxford 1913, p. 180-181.
[51] In Lev. hom. 3:3 (cf. G.W. Barkley - Frs. of the Church).
[52] Jean Daniélou: From Shadows to Reality, Studies in the Biblical Typology of the Fathers, Newsman Press, 1960, p. 106.
[53] Comm. on Matt., book 2:13.
[54] In 2 Tim. hom 6.
[55] Homilies on St. John, Hom. 23:2.
[56] In Eph. hom 7.
[57] Contra Celsus 4:28; N.R.M. De Lange: Origen and the Jews: Studies in Jewish-Christian Relations in Third-Century Palestine, 1976, Cambridge, p. 76.
[58] Contra Celsus 7:26.
[59] Comm. John Frag. 144.
[60] ترجمة وإعداد رهبان دير القديس أنبا مقار: حياة المسيح المقدسة وآلامه وموته وقيامته وصعوده وكهنوته السماوي من أجلنا بحسب تعليم القديسين أثناسيوس الرسولي وكيرلس الكبير، 1004م، ص 92.
[61] تجسد الكلمة 25: 6 (حياة المسيح... ترجمة رهبان دير القديس أنيا مقار ص 93.)
[62] الدفاع عن هروبه 13.
[63] راجع تجسد الكلمة 7: 5.
[64] ضد الأريوسيين 2: 7 (دير القديس الأنبا مقار: حياة المسيح المقدَّسة وآلامه وموته وقيامته وصعوده وكهنوته السماوي من أجلنا بحسب تعليم القديسين أثناسيوس الرسولي وكيرلس الكبير، 1994 ص 107.)
[65] Ibid p 137 (see also Hom. On Heb. 17: 3). Fr. Malaty: Christ in the Eucharist.
[66] ضد الأريوسيين 2: 7 (دير القديس الأنبا مقار: حياة المسيح المقدَّسة وآلامه وموته وقيامته وصعوده وكهنوته السماوي من أجلنا بحسب تعليم القديسين أثناسيوس الرسولي وكيرلس الكبير، 1994 ص 107.)
[67] In Num. hom 3.
[68] تفسير الرسالة إلى العبرانيين 3: 1 P.G. 74: 969-972.
[69] تفسير يوحنا 17: 9-11. PG 74: 595-508
[70] تفسير الرسالة إلى العبرانيين 7: 27 PG 74: 976.
[71] تفسير الرسالة إلى العبرانيين 4: 14 PG 74: 972-973.
[73] تفسير الرسالة إلى العبرانيين 2: 17 PG 74: 963.
[74] تفسير الرسالة إلى العبرانيين 8: 2 PG 74: 977.
[75] تفسير الرسالة إلى العبرانيين 8: 2 PG 74: 977.
[76] تفسير الرسالة إلى العبرانيين 4: 14 PG 74: 973.
[77] دير القديس الأنبا مقار: حياة المسيح المقدَّسة وآلامه وموته وقيامته وصعوده وكهنوته السماوي من أجلنا بحسب تعليم القديسين أثناسيوس الرسولي وكيرلس الكبير، 1994 ص 116 الخ.
[78] الإيمان القويم إلى الملكات 40. PG 74: 973.
[79] الكنز في الثالوث 21. PG 75:361.
[80] ضد نسطور 3: 1.
[81] تفسير يوحنا 16: 23-24. PG 74:460-461
[82] تفسير الرسالة إلى العبرانيين 9: 24. PG 74: 985.
[83] للاستزادة راجع دير القديس الأنبا مقار: حياة المسيح المقدَّسة وآلامه وموته وقيامته وصعوده وكهنوته السماوي من أجلنا بحسب تعليم القديسين أثناسيوس الرسولي وكيرلس الكبير، 1994.
[84] راجع للكاتب ماذا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم عن: الكنيسة، 2007.
[85] R.P. Lawson: Origen, The Song of Songs, Commentary and Homilies, p. 7.
[86] Comm. on Cant. 11:8 (ACW 26:149; tr. R.P. Lawson).
[87] In Hebr. hom 14: 3.
[88] In Eph. Hom. 3.
[89] In Eph. Hom. 5.
[90] To those who had not Attended the Assembly.
[91] Sunday Sermons of the Great Fathers, vol. 1, p. 113.
[92] Homilies on Col., Hom. 7.
[93]In Hebr. hom 7: 1.
[94] P.G. 52: 402.
[95] In Matt. hom 54:7.
[96] In Matt. hom. 18:8.
[97] In 1 Cor. Hom., 27 : 5.
[98] In 2 Tim. Hom. 6 : 5
[99] In Acts hom 45.
[100] In 1 Thess. Hom.11.
[101] In Luc Ser 81.
[102] In 1 Tim. hom 1. (ترجمة سعاد سوريال المحامية)
[103] In 1 Tim. hom 11. (ترجمة سعاد سوريال المحامية)
[104] نشيد الأناشيد للقديس غريغوريوس أسقف نيصص، تعريب الدكتور جورج نوّار، 1993، عظة 1.
[105] In 1 Tim. hom 2. (ترجمة سعاد سوريال المحامية)
[106] In Matt. hom. 19:7.
[107] Adv. Jovan 2:33.
[108] Baptismal Instructions, 1:30, 31.
[109] في الكهنوت، أحاديث عن الزواج والرسائل إلى أولمبيا تعريب الأسقف استفانوس حداد، 1982، ص 225.
[110] In Matt. hom. 49:4.
[111] Baptismal Instructions, 7:14.
[112] In Matt. hom., 19:7.
[113] In Matt. Hom. 2:1.
[114] St. Chrysostom: In Colos. Hom 9.
[115] In Matt. hom. 39:4.
[116] In 1 Cor. Hom., 15 : 3
[117] In Eph. hom. 1.
[118] In 2 Cor. Hom. 9:3.
[119] Homily on Genesis 25:24 (FC 82:143).
[120] Sermon 155:4, On the Ten Virgins.
[121] راجع الميمر 75 على ربنا ويعقوب وعلى الكنيسة وراحيل وعلى ليئة والجماعة (راجع نص بول بيجان والدكتور بهنام سوني).
[122] راجع الميمر 75 على ربنا ويعقوب وعلى الكنيسة وراحيل وعلى ليئة والجماعة (راجع نص بول بيجان والدكتور بهنام سوني).
[123] تفسير المزمور 45 (44).
[124] Epistle 22; 1.
[125] Sermon 81: 3.
[126] Cassian: Conf. 3: 6.
[127] راجع للكاتب: القديس يوحنا الذهبي الفم العظة الثانية عن أتروبيوس.
[128] راجع للكاتب: القديس يوحنا الذهبي الفم العظة الثانية عن أتروبيوس.
[129] راجع للكاتب: القديس يوحنا الذهبي الفم العظة الثانية عن أتروبيوس.
[130] راجع للكاتب: القديس يوحنا الذهبي الفم العظة الثانية عن أتروبيوس.
[131] ربما يقصد سرجيوس بولس (أع ١٣: ١٢).
[132] راجع للكاتب: القديس يوحنا الذهبي الفم العظة الثانية عن أتروبيوس.
[133] راجع للكاتب: القديس يوحنا الذهبي الفم العظة الثانية عن أتروبيوس.
[134] راجع للكاتب: القديس يوحنا الذهبي الفم العظة الثانية عن أتروبيوس.
[135] يفسر القديس يوحنا الذهبي الفم الشعب هنا ليس الناس الذين نتعامل معهم بل الشر الذي نحيا فيه.
[136] Paedagogus. 2: 1;
[137] ربما يشير إلى المذبح حيث توضع الساعة أمام المذبح.
[138] مقتطفات من العظة الأولى عن أتروبيوس.
[139] On Prayer 11:2.
[140] Against Celsus 8:75; in Jer. hom. 11:3.
[141] On Prayer, 31:5; Rowan A. Greer: Origen, p. 27.
[142] مقتطفات من العظة الثانية.
[143] مقتطفات من العظة الثانية.
[144] In Num. hom 3: 1.
[145] In Num. hom 3.
[146] On the Gospel of St. John, tr. 6:2.
[147] Duties of Clergy 2: 28 (137).
[148] Commentary on Matthew, Book 12:13 (Cf. ANF).
[149] N.R.M. De Lange: Origen and the Jews: Studies in Jewish-Christian Relations in Third-Century Palestine, 1976, Cambridge, p. 80.
[150] De Principiis 4:2 (Henri De Lubac).
[151] In Luc. hom. 32:6 (Thomas K. Carroll; Messages of the Fathers of the Church).
[152] Comm. on John, book 6:38.
[153] Comm. on John, book 6:38.
[154] Contra Celsum 3:27.
[155] R. Cadiou: Origen, Herder Book Co., 1944, p. 313.
[156] Against Celsus, 3:9; Carl A. Volz: Life and Practice in the Early Church, Minneapolis, 1990, p. 97.
[157] عن القداس الإغريغوري بتصرف.
[158] St. Jerome: Epistle 58:3.
[159] St. John Chrysostom: Conc. Stat. 17:11.
[160] Homilies on Josh., 3.
[161] Unity of the Church, 8; Epistle 75:4.
[162] Epistle 40 to Cornelius.
[163] Epistle 43 to Antonius.
[164] Epistle 42 to Cornelius.
[165] Ephes. 5.
[166] Trall. 7.
[167] Against Celsus 6:48; in Matt. 14:17.
[168] Contra Cels. 6,48 ANF.
[169] Festal Letters 5:4; 7:3.
[170] In Lib. Issu Nave 3:5 (Battenson, p. 3360-7).
[171] In Josh. hom 3:5.
[172] In Gen. hom. 2:5.
[173] In Matt. hom. 11:3; PG 13:908 A.
[174] De Oratione 27:14; Koetschau, 373, 14.
[175] In Num. hom. 5:2; see also 25:2.
[176] A. Harnack, Lehrbuch der Dogmengeschichte (4 ed. rev.; Tuebingen: J. Mohr, 1909), p. 439 sq.; Ernest Latko: Origen’s Concept of penance, Laval 1949, p. 69.
[177] In Gen. hom. 1:7.
[178] Homilies on Leviticus 9:9 (Cf. Frs. of the Church)
[179] Homilies on Leviticus 11:3 (Cf. Frs. of the Church)
[180] Unity of the Church, 6.
[181] Homilies on Leviticus 7:2. (See Frs. of the Church)
[182] Homilies on Leviticus 7:2. (See Frs. of the Church)
[183] Homilies on Leviticus 7:2. (See Frs. of the Church)
[184] PG 13:1524.
[185] Homily on Genesis 10.1 (Heine, 157)
[186] Ibid. 10.3 (Heine, 162-63)
[187] Ibid., 13.3 (Heine, 378)
[188] Homily on Exodus 12.2 (Heine, 369)
[189] Homily on Genesis 12.4(Heine, 180-81).
[190] Homily on 1 Samuel 28,1.
[191] Hom. on Jer. 4:3; Joseph Wilson Trigg: Origen, SCM Press, 1985, p. 177-178.
[192] On Gen. Hom., 10:1; On Jer. Hom., 18:7-10; Carl A. Volz: Life and Practice in the Early Church, Minneapolis, 1990, p. 115.
[193] In Gen. hom. 10:1.
[194] In Gen. hom. 10:1.
[195] Sermons, 214:11.
[196] Sermons for Christmas and Epiphany (ACW), 13:2.
[197] Sermon 216:5.
[198] Converts and the Creed, 213:7.
[199] Feast of the Nativity, 195:2.
[200] نشيد الأناشيد للقديس غريغوريوس أسقف نيصص، تعريب الدكتور جورج نوّار، عظة 5. (بتصرف)
[201] Philad. 9.
[202] Rom. 7
[203] Ephes. 13.
[204] Book of steps 1:3.
[205] In Luc Ser. 90.
[206] In Luc 13: 10-17.
[207] In Luc. hom 34:7.
[208] Ep 43 to Antonius.
[209] Unity of Church 6.
[210] In Luc 15: 11- 32.
[211] In Luc 15: 11-32.
[212] In Luc 12: 8- 10.
[213] Comm. on the Songs of Songs, book 3:13 (ACW).
[214] Commentary on Matthew, Book 12:11 (Cf. ANF).
[215] In Exod. hom 7:12.
[216] Fr. T. Y. Malaty: The Church 1991, p. 7-8.
[217] Comm. on Cant. Cant. 2[Bettenson: Early Christian Fathers, 1956, p. 338-9].
[218] راجع الكاتب: الخط الاجتماعي عند آباء الكنيسة الأولى، 2005.
[219] In Jer. hom. 9.2; In Jos. hom. 8.7.
[220] Quasten, Patrology, vol 2, p. 82.
[221] F.F. Osborn: The Philosophy of Clement of Alexandria, Cambridge 1957, p. 5.
[222] H.B. Swete: Patristic Study, London, 1902, p. 48
[223] Cf. Neander: Church History, vol. 2, p. 11-12.
[224] Osborn, p. 5.
[225] Paedagogus 1:1.
[226] Popycarp, 6: 1.
[227] Martyr, Polycr., 11: 4.
[228] Octavius, 9: 2.
[229] Aristides, Apal. 15 (Suriac version).
[230] Sozomen: H. E. 6: 34.
[231] De Principiis 2: 2: 4.
[232] Paedagogus 1: 7 PG 8: 313.
[233] Paedagogus, 1: 12.
[234] Origen: De Principiis, 1, Praef., 5.
[235] Paedagogus 1: 7.
[236] Id. Fragments 5 (44).
[237] Paedagogus 3: 11 ترجمة فيلوباترون.
[238] الرسالة إلى أهل فيلبّي، فصل 12.
[239] Letter 97 to the Senate Tyana.
[240] Apology 1: 14.
[241] Apology 1: 29.
[242] جاءت كلمة "ديداكية" Didache عن الحروف اليونانية الأولى لعنوان عمل يسمى "تعليم الرب للأمم بواسطة الاثني عشر رسولاً". وهي تعتبر أهم وثيقة بعد كتابات الرسل، تكشف لنا عن الحياة الكنسية الأولى من كل الجوانب: السلوكي والليتورچي والتنظيمي.
[243] الديداكية 1: 1-4.
[244] في رسالة برناباس طريق للنور والآخر للظلمة.
[245] On the Duty of the Clergy, 1:28:130.
[246] Sermons on New Testament Lessons, 45:7.
[247] نقلاً عن كتاب: الإيمان والإباحة إعداد القمص تادرس يعقوب ملطي وماجد سامي سوس المحامي، 1998، ص 10 الخ.
[248] راجع الموعظة على الجبل للقديس أغسطينوس، ترجمة: القمص تادرس يعقوب ملطي، ك 1، في 63.
[249] In Ezech. Hom. 5:4.
[250] In Lev. Hom. 2:1.
[251] On Ps. 15:22.
[252] In Iudic. Hom 9: 1.
[253] 1 Clement of Rome, 55:3-6.
[254] راجع سيرتها في الفصل الخاص بها في كتاب القديس يوحنا الذهبي الفم، 1980.
[255] Chap, 46, 54.
[256] Chap. 55.
[257] Dial. 17.
[258] Laus. His. 56.
[259] David C. Ford: Women and Men in the Early Church. The Full Views of St. John Chrysostom St. Tikhon Seminary Press, 1996.
[260] Stromata 4: 8.
[261] Suppl. 35.
[262] Paed. 2: 10.
[263] Strom. 7:15.
[264] Thomas Halton: The Church (Message of the Fathers of the Church, vol. 4, p. 21.)
[265] Jean Daniélou: Origen, N Y, 1955, p. 27.
[266] In Lev. hom. 1:2 (G.W. Barkley - Frs. of the Church).
[267] In Luc. hom 1:35.
[268] Eric G. Jay: The Church, vol 1, London 1977, p. 60.
[269] Strom. 7:17.
[270] Paed. 1:4.
[271] Strom. 7:17.
[272] Strom. 7:17.
[273] Strom. 7:6.
[274] Exhort. to Heath., ch g.
[275] Paed. 1:5.
[276] Paed. 1:6.
[277] Lebreton, vol 2, P 376.
[278] Irenaues: Adv Haer.
[279] Strom. 7:5.
[280] Strom. 4:26.
[281] Paed 3:12.
[282] Paed. 1:6.
[283] Exhort. to Heath. A. N Frs, vol 2, P 195; Cf. Strom. 6:8; 5:26; 6:14, 7:2, 7:6; 7:11.
[284] Strom. 7:11, 14.
[285] Stromata 7:17.
[286] In Jos. hom. 21:1.
[287] راجع الكاتب: دراسات في التقليد الكنسي والأيقونات -الكنيسة بيت الله، ملبورن أستراليا، 1977.
[288] Hermas: Shepherd vis 3: 4: 4: 2.
[289] Adv. Hear 3: 24: 1.
[290] St. Cyril of Alexandria: Thesaurus 34. PG 75: 609; In Joan. 11: 2 PG 74: 452, 3.
[291] Cf. Shepherd vis 2: 4: 1.
[292] Ad. Haer 5: 32: 2; 5: 34: 1
[293] راجع الكاتب: دراسات في التقليد الكنسي والأيقونات -الكنيسة بيت الله، ملبورن أستراليا، 1977.
[294] J. Rykwert: Church Building (faith & fact books) P 9, 10.
[295] In Exod. Hom 9.
[296] De Principiis
[297] الكاتب: القديس يوحنا الذهبي الفم: رسالتك في الحياة، أكتوبر 67 ص 21.
[298] Origen, In Exod. Hom 13.
[299] Ibid. hom 9.
[300] Atya A. S.: History of Eastern Christianity, p 136.
[301] Rykwart: Church Building. P 63.
[302] Atya P 27.
[303] Apostolic Constitutions 2, 57 (61).
[304] St. Clement of Alexandria: Strom. 7.
[305] Origen: Hom 5 in Number. Ch 4.
[306] Tertullin: Apology 16; Ad Nationes 13.
[307] القس تادرس يعقوب: القديس كيرلس الأورشليمي. سيرته، مقالاته للموعوظين، مقالاته عن الأسوار.
[308] Origen: On Prayer 32; Hom 5 in Numb, ch 4; Quasten: Patrology vol 2, p. 68; Danielou: Origen. N.Y. 1955. P 29
[309] Connolly R. H. Didascalia Apostolorum. 1929. P 119 -120; Cibson M.: Horae Semiticae II; The Didascalia Apotolorum. London 1903.
[310] منارة الأقداس للروم ص 19.
[311] Butler: The Ancient Churches of Egypt.
[312] Zvegintzov: Our Mother Church.
[313] Rahner: Greek Myths & Christian Mystery, London 1963. P 85 - 6.
[314] Cope: Symbolism in the Bible & The Church, London 1959. P 35.
[315] De Aticher 29; Quasten: Patrology vol 2, p. 213.
[316] ST. Clement of Alexandria, Protrepticus 12: 118, 4.
[317] Davies: The Origin & Development of Early Christian Church Architecture P. 36.
Oxford Dictionary of the Christian Church. P. 123
[318] ST. Chrysostom: hom. In Acts 9: 6 PG. 60: 48.
[319] PG. 46:581.
[320] القداس الإلهي: القديس باسيليوس (صلوات قبل التناول).
[321] Origen: against Celsus 8: 17, 18.
[322] ST. Clement of Alexandria: Miscellainies, book 7.
[323] القمص منقريوس عوض الله: منارة الأقداس ح 1 ص 54.
[324] Dix: The Shape of the Liturgy, ch. 12.
[325] W. H. Freestone: Sacrament reserved, 1917, p. 207- 8.
[326] Leorid Ouspensky: The meaning of Icons, Basle, 1952.
[327] Fr. Malaty: Christ in the Eucharist, P 440, 441.
[328] Bulgagov: The Orthodox Church, p. 162.
[329] 17. Leorid Ouspensky, p. 27
[330] To the Martyr Theodorus. PG. 46: 737.
[331] Proof to Jews that Christ is God, 9. PG. 48: 826.
[332] See E. L. Sukenik: Ancient. Synag. In Palestine & Greece 1930. p. 27.
[333] H.E. 7: 18 PG 20: 680.
[334] Aziz Atia: A History of Eastern Christianity, p. 243,244 Eusib. H. E. 1: 13;John Damasc.: Expos. of Orthod. Faith 4: 16; Evagrius: Illust. 4: 37.
[336] Laundy: Monumental Christianity, London 1889, p. 233
[337] Ibid.
[338] ST. Jerome: In Mat. 1: 8.
[339] . PG. 94: 1249 cd. 1890, vol 1.
[340] Danielou: Origen.
[341] Brooklyn Museum: Pagan & Christian Egypt, p. 10.
[342] K. Wessel: The Coptic Art, p. 160, 161.
[343] Butler, vol. 1, p. 53.
[344] Cawthra Mulock: The Icons of Yuhanne & Ibrahim the Scribe, London 1946, p. 12.
[345] Wessel, p. 232, 233.
[346] Smith: Early Christian Iconography. 146 – 150.
[347] ST. Gregory of Nazianzus: Resurrection, 52.
[348] Tertullian: De Bapt. 1.
[349] Origen: In Matt. 5.
[350] Child & Colies: Christian Symbols, 1971, p. 192.
[351] ST. Augustine: In Joan., hom 120. PL 35: 1935.
[352] Grabar: Christian Iconography, London 1969.
[353] Tertullian: Resurrection 13.
[354] Tertullian: De Corono 3, PL 2: 80.
[355] Edward Syndicus: Early Christian Art, 1962, p. 103.
[356] Rebe de L’Orient Chretien, 1910, p. 209.
Danielou: A History of Early Christian Doctrine, vol 1, ch 19.
[357] Goldsmith: p. 39.
[358] Ferguson G.: Signs & Symbols in Christian Art, N.Y. 1955, p. 270.
[359] Bayley H.: Last Sanguage of Symbolism, 1951, vol 2, p. 127.
[360] Johannes Tryer: The Cross as Symbol and Ornament, Philadelphia 1961, p. .60.
[361] PG. 67: 689.
[362] Watts: Catalogue of Chalices.
[363] Watts, p. 5, 6.
[364] St. Justin: Apology 65; St. Irenaeus: Ad. Haer. 2,3 ; St. Clem. Alex.: Paedag. 2:2:20.
[365] St. Cyprian: Epistle 63: 13.
[366] Khs – Burmester: The Egyptian or Coptic Church.
[367] Butler, wol. 2, p. 50.
[368] Davies , p. 356.
[369] Justin: Apology 1: 12, Tertul. Apology 41, 42, 30; Clem Alex. Paedag Lib. 21. Origen: In Levit, hom 12; Exhort. ad Martyr 45.
[370] Hamman: Baptism, P 12.
[371] Hermas: The Shepherd.
[372] Odes Of Solomon 11: 9 – 10; 15: 8 ; 21: 2, 25: 8 ; 1: 1-2. Bernard: Odes of solomon, p 72 , 78 , 90 , 167 , 44. Danielou: Hist. Of Early Christ. Doctrine, p 326, 7.
[373] PG 39: 692 B.
[374] In Gen. Hom. 13: 4.
[375] In Rom. Com. 5.
[376] In Jer. Hom. 2: 3.
[377] In Cant. Com. 2.
[378] Davies J.: Early Christian Church, 1965, p 203.
[379] Dict. of Liturgy & Worship. See Baptistery & Font.
[380] De Sacr. 3: 1: 1.
[381] Ibid 2: 7: 23.
[382] Ep. Ad Rom 10: 4.
[383] Paed 1: 25: 3, Strom 7: 14: 1.
[384] Hermas: The Shepherd, vision 3.
[385] O’ Brien: A Hisory of the Mass and its cermonies.
[386] Mishana is the oral law of the Hebrews, consists of various traditions respecting the Law of Moses. The Mishana and Gemara (or a commentary on mishana) form the Talmud, of which there are two binds, i.e., that of Jerusalem and that of Babylon.
[387] Butler: Ancient Churches of Egypt, vol. 2, p 81.
[388] تفسير المزمور 29.
[389] راجع للكاتب: الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر، 2003 الطبعة الثانية.
[390] Cf. Catena Aurea.
[391] Fr. Malaty: School of Alexandria Book two, Origen, 1995, p. 883.
[392] D. Stone: Holy Baptism, London 1905, and p. 12.
[393] للمزيد من الأمثلة راجع للكاتب: الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر، 2003 الطبعة الثانية.
[394] Ecol. Proph 7.
[395] Ep. 69:6.
[396] J. Daniélou: The Bible and The Liturgy, ch 6.
[397] In Jos. hom 6:4-6.
[398] In Jos. Hom 1:3.
[399] كمال البرهان على حقيقة الإيمان، ص 131.
[400] In Epis. Ad Rom. Hom 2.
[401] ميمر عن المعمودية المقدسة (مخطوط بدير الأنبا أنطونيوس نسخ عام 1488 ش).
[402] Epis. 7.6.
[403] Sheph. Sim 9:6:3.
[404] De pudic 9:9.
[405] In 2 cor hom 3:7.
[406] Enchir. Patr. 712.
[407] F. j. doelger: Sphragis, Poderborn 1911, p 32 ,33.
[408] In Joan. hom 19.
[409] مقال 3: 16.
[410] للمؤلف: الله مقدسي، ص 52.
[411] De Baptismo 5.
[412] In Joan. hom 25.
[413] To The Catechamens.
[414] سنعود لتوضيح ذلك في نهاية الكتاب " الأسئلة ".
[415] Apology 1:16.
[416] On Baptism.
[417] De Baptismo 19.
[418] عظة 13 على المعمودية.
[419] Per. Eth. 45.
[420] PG 46:417 B.
[421] Dix: Apost. Trad. Of Hipp. 23, v 1-2. 4,6.
[422] Protech. 1,2.
[423] Apost. Const. 8:32.
[424] Dix 28, v 2.
[425] قوانين مجمع نيقية 14.
[426] الأحكام الرسولية 6:8.
[427] Protech. 14. PG 33:356 A.
[428] G. Foster: Why the Church? P 22.
[429] Cat. Lect. 15:18.
[430] In Num., hom 27:1.
[431] قمت بترجمته ونشره والتعليق عليه مع الديداكية السابق الإشارة إليها.
[432] Apost. Const. 7:39.
[433] Epist 20.
[434] De Baptismo 20.
[435] Apost. Const. 7:22.
[436] Whitacker: Documents of the Baptismal Liturgy, P 47, 48.
[437] Dix 30.
[438] Contra Celsus 3:51.
[439] Cot. Lect. 1:3; 3:3; 4:36; 21:24.
[440] Confes. 1:11.
[441] De Symbole Sermon De Catechumens.
[442] De Peccotorum merelties 2:42.
[443] عظة المعمودية (15).
[444] J. Daniélou: The Bible and the Liturgy, P 35, 36.
[445] PG 33:333 A.
[446] PG 33:357 A.
[447] Can 119:106-148.
[448] The Chaplet 3; The Shows 4.
[449] E. C. Whitaker, p. XIII.
[450] St. Basil: The Holy Spirit 27.
[451] Chaplet 3.
[452] Dix 34. V 9.
[453] The Early Litturgy, P 80.
[454] To The Catach. Hom 2.
[455] Theodore of Mops: Hom. Cat. 13:7.
[456] Myst. Hom. 1:4-8.
[457] Hom. Cat. 12:19.
[458] De Sacramentis 1:2.
[459] Ibid 1:3.
[460] J. Daniélou: The Bible and the Liturgy, P 31.
[461] St. Basil: De Spir. Sanct. 27.
[462] Mart. Polyc. 9:3.
[463] Whitacker, P 46.
[464] Cat. Hom 13:1.
[465] Canon of Hip., can 19:106-148.
[466] In Ioan. Evang. 32:16.
[467] الديداكية 1:7-3.
[468] De Spiritu Scanto 27:16.
[469] De Baptismo 4.
[470] Epist. 70:1.
[471] Cat. Lect. 3:3,4.
[472] In Io. Tract 80:3.
[473] Euchology of Serapion 19:1, 2.
[474] In Ioa. Evang. Tract. 118:5.
[475] D. Stone: Holy Baptism, P 169.
[476] Ecc. Heir. 27.
[477] St. Chrys: In Col., hom. 6.
[478] تفسير رسالة أفسس 4:2..
[479] De Sacr. 3:5; De Myst. 31,32.
[480] Myst. Hom. 3:1.
[481] Ad. Antolycum 1.
[482] Epis. 70:2; 73:9.
[483] Clem. Alex: Instructor.
[484] للمؤلف: سفر الرؤيا، طبعة 1969، ص 99، 100.
[485] Cat. Lect. 3:16.
[486] Cat. Lect. 17:15.
[487] مقال 1.
[488] Bingham: Antiq. 12: 4 & 5 & 6.
[489] Tert: The Chaplet 3.
[490] للأسف اختفى طقس وضع الإكليل على رأس المعمد، بالرغم من وجوده مطبوعًا حتى في الكتب الحديثة، مما يدل أنه كان يمارس في مصر إلى وقت قريب.
[491] مقال 3: 10.
[492] راجع الكاتب: سرّ المسحة، الميرون المقدس، 2010.
[493] عظة 9:19.
[494] De Principiis 1;2:1.
[495] De Principiis 1:2:7.
[496] S.T. 3:62:1. اقتبسها الأب توما الاكويني
[497] De Baptismo 6, 8.
[498] Serm. De Bapt., Sec 6.
[499] Cf. Sermon 71:19, 33.
[500] De Baptismo, 7-8.
[501] Epistle 73:8.
[502] De Trinitate, 15:26.
[503] Jerome Bible, p 344.
[504] Letter 73 against Heretics.
[505] Epist. To Jubianus, Bishop of Mauretania 73:9.
[506] رسالة 73 ضد الهراطقة، عظة 33:8.
[507] Enchir. Patr. 712
[508] تعليم الإيمان، 5.
[509] PG 39:717 B.
[510] Sacraments 6 :2 :7.
[511] Sacraments, 7.
[512] De Sacr. 3,2,8.
[513] P.G. 61: 418.
[514] PG 36:364; 36:377 A.
[515] Adv. Haer. 4:63.
[516] To Autolycus, 1:12.
[517] Letter, 70.
[518] الكلمة اليونانية "نموذج" لا تعني نموذجًا رمزيًا، بل كما ورد في عب 24:9.
[519] مقال 21 (الأسرار 3): 1-4.
[520] Adv. Arian., 1:12:47. ترجمة مركز دراسات الآباء بالقاهرة
[521] الرسالة ضد الآريوسيين 1:1: 50.
[522] On the Sacraments, 7.
[523] Of the Holy Spirit 1:8:93.
[524] Prayer of David, Book 4:9:35.
[525] ميمر "على تجديد الهيكل".
[526] De Resurrectione Carnis, 8.
[527] Protech. 21.
[528] Ad Serapion 1:6,9.
[529] On the Holy Spirit, 1:6:79.
[530] Sacr. 3:7.
[531] PG 33: 428 A.
[532] De Lapsis 13.
[533] Ad Martyr 3.
[534] St. Ambrose: On the Holy Spirit, 2:107.
[535] تفسير يوحنا، مقال ١٦.
[536] عظة 3:2.
[537] In 2 Tim. hom 6.
[538] St. Augustine: 10 Homilies on 1st Epistle of St. John.
[539] Ad Serapion 1:30.
[540] P.G. 46: 424 C.
[541] De Trinitate 2: 12.
[542] Homilies on St. John, 78:1.
[543] In Eph. hom 14.
[544] راجع عظات القديس أنبا مقار الكبير، ترجمة مؤسسة القديس أنبا أنطونيوس لدراسات الآباء، عظة 15: 5.
[545] راجع للكاتب: عذوبة التوبة وجمال طريقها عند القدِّيس مار يعقوب السروجي، يناير 2011؛ القديس باسيليوس الكبير، جزء 2، باب 15 التوبة والاعتراف عند القديس باسيليوس الكبير.
[546] Morals, Rule 11: 2.
[547] Discourses: Against Judaizing Christians, 8:3:3-4.
[548] راجع ميمر لمار يعقوب السروجي بدير القديس مقاريوس على التوبة.
[549] Regulae brevius tractatae, 10.
[550] Morals, Rule, 1:2.
[551] Morals, Rule, 1:5.
[552] Letter 136 to Eusebius bishop of Samosata.
[553] Regulae brevius tractatae, 288.
[554] On Humility.
[555] In the Time of Famine and Drought, 2.
[556] Reg Fus. Introduction, 1.
[557] الأب الياس كويتر المخلصي: القديس باسيليوس الكبير، منشورات المكتبة البولسية، بيروت، 1989، ص 70.
[558] Letters, 42:1.
[559] Mike Aquilina: The Way of the Fathers, Indiana 2000, article 426.
[560] In the Time of Famine and Drought, 3.
[561] الصوم المقدس للقديس باسيليوس الكبير، ترجمة دكتور جورج عوض ودكتور سعيد حكيم، عظة 1.
[562] Regulae brevius tractatae, 293.
[563] Regulae brevius tractatae, 11.
[564] Regulae brevius tractatae, 12.
[565] Regulae brevius tractatae, 296.
[566] Regulae brevius tractatae, 13.
[567] Regulae brevius tractatae, 5, 10.
[568] Regulae brevius tractatae, 14.
[569] Regulae brevius tractatae, 16.
[570] Regulae brevius tractatae, 301.
[571] Regulae brevius tractatae, 289.
[572] Homilies on Colossians, homily, 6.
[573] Epistle 1, Philokalia 16, 17, 20.
[574] Ep. 148: 5.
[575] Ser. on N.T. 64: 3.
[576] Ser. on N.T. 17: 5.
[577] Short Rules 31.
[578] PG 31:257 D.
[579] تفسير المزمور 30 (29).
[580] Regulae brevius tractatae, 192.
[581] Regulae brevius tractatae, 194.
[582] Cassian: Conferences, 2:14-15.
[583] ما يُطلَى به كالجصِّ ونحوه (يونانية).
1Cf. Nikolaos S. Hatsimikolaou: An Anthology of Patristic Prayers, Holy Cross Orthodox Press, Massachusetts, 1988, p. 53-55.
[584] Didache: ch. 14.
[585] القمص باخوم المحرقي (نيافة الأنبا غريغوريوس) القيم الروحية... في سر القربان جراسيموس مسرة: الأنوار في الأسرار. بيروت 1788، ص 145. St. Ignatius: Ep. to Phil. 4. St. Justin: Ep. to. Trypho 117. St. Irenaeus: Ad Heraes. 4: 17: 5; 4: 18: 6. Cyril of Jerusalem 5: 8. St. Augustine: Ep. 68: 9.
[586] St. Ignatius: Ep. to Eph. 5: 2, to Trall. 7: 2, to Phil 4.
[587] I Clem. 44.
[588] Pseudo – Athansius: Dispt. Cont. Arian. 17. & Tert.: De Exhort. Constit., ch 10.
[589] St. Augustine: City of God 10: 6, 23. Sermon 829 to the Newly baptized..
[590] In Ioan. hom 46:4.
[591] In Matt. hom., 82:4.
[592] On 1 Cor. Hom.24.
[593] In Eph. hom. 3.
[594] In Eph. hom. 3.
[595] In Mat, hom 50: 3.
[596] In Joan, hom 46: 6.
[597] In 1 Cor, hom 24.
[598] In Joan, hom 46: 3.
[599] Epistle 93:7-10 to the Patrician Caesarea, concerning Communion.
[600] De baptismo 10:6, 54.
[601] Sermons on New Testament Lessons, 82:1.
[602] Jean Danielu: The Bible You the Liturgy, p p 137 (see also Hom. On Heb. 17: 3).
[603] The Sacraments 4:6:29.
[604] ميمر 95 على تناول الأسرار المقدسة 219.
[605] الميمر 53 ب على الصلب، الفصل ب: لليل الثلاثاء؛ الميمر 52، على آلام مخلصنا وصلبه ودفنه وقيامته، قبطي.
[606] In 1 Corinth., hom. 27:7.
[607] In 1 Corinth. hom. 24:4.
[608] Sermon 227 FC 38:107.
[609] In 1 Corinth., hom. 24:5.
[610] Homilies on St. John, Hom. 46:3.
[611] Homilies on St. John, Hom. 46:4.
[612] In Loan hom 46.
[613] The Liturgy of St. John Chrysostom, prayer offer the Epiclesis.
[614] للمؤلف: المسيح في سفر الإفخارستيا، 1973، ص 441.
[615] Letter to Priests, 45, FC 26:263.
[616] In Luc. Ser 142.
[617] Paed 1:6.
[618] Catena Aurea.
[619] Ser. 235.
[620] ملاطيوس برنابا، قصيدة لمار يعقوب السروجي الملفان في تناول الأسرار المقدسة، في المجلة البطريركية.
[621] الميمر 53 ب على الصلب، الفصل ب: لليل الثلاثاء؛ الميمر 52، على آلام مخلصنا وصلبه ودفنه وقيامته، قبطي.
[622] مقال 22: 2.
[623] On the Mysteries, Lecture 1:2.
[624] Commentary on Matthew, 11:14.
[625] In Luc hom 142.
[626] Commentary on The Gospel of John, IV, 2, ed. P. E. Pusey, Oxford, 1872, 1,518.
[627] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate 27: 3.
[628] On The Trinity, Book 8:14.
[629] In Matt. hom 82:4.
[630] Cf. Catena Aurea.
[631] In 1 Corinth., hom. 27:5.
[632] In 1 Corinth., hom. 24:3.
[633] Mimre 4 on the Passion.
[634] Jean Danielu: The Bible You the Liturgy, p 136-7; Fr. Dix Gives many examples from the O.T. & N.T. (Dix p 161). راجع للكاتب: المسيح في سفر الإفخارستيا
[635] In 1 Cor., hom., 28:2.
[636] In 1 Cor., hom. 27:6.
[637] Sermons on New Testament Lessons, 40:1.
[638] Sermons, 227.
[639] مقال 22: 8.
[640] Regulae brevius tractatae, 309.
[641] مقال 23: 2.
[642] Regulae brevius tractatae, 172.
[643] Morals Rule 21:3.
[644] The Morals Rule, 21.
[645] On Baptism.
[646] In Matt 26،18.
[647] Regulae brevius tractatae, 310.
[648] دير السيدة العذراء (السريان): القديس باسيليوس الكبير، ٢٠٠٣، ص ٥٤٠.
[649] لبس الثياب البيضاء يذّكرهم بالحياة السماوية، فكثيرًا ما يظهر الملائكة بثيابٍ بيضاء (مر ١٦: ٥).
[650] بلين Amice: يلبسه الأسقف. وهو غطاء للرأس والكتفين ويلتف من تحت الإبط ليكون بهيئة صليب على الصدر وعلى الظهر.
[651] دير السيدة العذراء (السريان): القديس باسيليوس الكبير، ٢٠٠٣، ص ٥٤١.
[652] للاستفاضة يمكن الرجوع إلى لكاتب: المسيح في سرً الإفخارستيا، الكتاب الثالث: طقوس القداس الإلهي في الكنيسة القبطية.
[653] P. 211, 221.
[654] Fr. Dix: The Shape of the Liturgy, p. 546.
[655] راجع للكاتب: المسيح في سرَ الإفخارستيا".
[656] َAnaphora means “lift up” , for the church is ascended to heaven through the celebration of the Eucharist.
[657] دير السيدة العذراء (السريان): القديس باسيليوس الكبير، ٢٠٠٣، ص ٥٤٢.
[658] ربما يقصد أن القديس يطلب من المتكلم أن يرفع قلبه بصلاة صغيرة يطلب فيها من الله أن يهبه هو والسامعين أن يشرق بنوره المعرفة عليهم ويهبهم الحق الصادق في الربّ.
[659] دير السيدة العذراء (السريان): القديس باسيليوس الكبير، ٢٠٠٣، ص ٥٤٣.
[660] مقال ٢٤ في تفسير رسالة كورنثوس الأولى.
[661] Apology 1: 67. See also Apost. Terminal. 4: 1
[662] دير السيدة العذراء (السريان): القديس باسيليوس الكبير، ٢٠٠٣، ص ٥٤٣.
[663] Dix 109, 106. Syrian Didache 2: 45
[664] On Myster. 5:3.
[665] P. L. 38, 1101 A.
[666] في القداس الباسيلي في الكنيسة القبطية، يقول الشماس: "قفوا بخوف من الله...".
[667] دير السيدة العذراء (السريان): القديس باسيليوس الكبير، ٢٠٠٣، ص ٥٤٤.
[668] دير السيدة العذراء (السريان): القديس باسيليوس الكبير، ٢٠٠٣، ص ٥٤٤-٥٤٥.
[669] الميمر 42 على تناول الأسرار المقدسة ليوم سبت "الحواريين" (راجع نص بول بيجان والدكتور بهنام سوني).
[670] دير السيدة العذراء (السريان): القديس باسيليوس الكبير، ٢٠٠٣، ص ٥٤٥.
[671] دير السيدة العذراء (السريان): القديس باسيليوس الكبير، ٢٠٠٣، ص ٥٤٥.
[672] دير السيدة العذراء (السريان): القديس باسيليوس الكبير، ٢٠٠٣، ص ٥٤٦.
[673] دير السيدة العذراء (السريان): القديس باسيليوس الكبير، ٢٠٠٣، ص ٥٤٧-٥٤٩.
[674] راجع دير السيدة العذراء (السريان): القديس باسيليوس الكبير، ٢٠٠٣، ص ٥٥٢.
[675] حول سكنى الروح القدس للقدِّيس مار فيلوكسينوس، 2003 ترجمة نانسي جرجس.
[676] ديداكية 4:9؛ 10: 5,
[677] ديداكية 10: 6.
[678] Didache 10:5-6.
[679] Didache 16:1-2, 6-7.
[680] Homilies of St. John Chrysostom on the Gospel according to St. Matthew, vol. 10, p.218, Christian Literature.
[681] Epistle 265:3.
[682] Epistle 156:2.
[683] Epistle 271:3.
[684] راجع للكاتب: الحب الرعوي، الطبعة الثانية، 2005، ص 12.
[685] القسم الثالث، بند ٣٨ (دير السريان، القديس باسيليوس، 2003، ص 495).
[686] القسم الثالث، بند ٨٩، (دير السريان، القديس باسيليوس، 2003).
[687] القسم الثالث، بند ٣٨ (دير السريان، القديس باسيليوس، 2003).
[688] القسم الثالث، بند ٣٩، (دير السريان، القديس باسيليوس، 2003).
[689] In Matt. hom. 32:7.
[690] للمؤلف: الحب الرعوي، 1965، ص 46، 47.
[691] Baptismal Instructions, 7:11.
[692] De Sacerd otio , Book 3: 4 ff .
[693] الحب الرعوي، 1965، ص 546.
[694] الحب الرعوي، ص 27.
[695] أحاديث عن الزواج: الحديث الأول (منشورات النور).
[697] Comm. on Eph. 17 on 4:11 ff.
[698] In Lev. hom. 6:6.
[699] Letter 188 to Amphilochius, concerning the Canons.
[700] Letter 199 to Amphilochius Canonica Secunda, 1.
[701] Homily on Psalm 28:2. PG 29:284.
[702] القسم الثالث، بند ٥١، (دير السريان، القديس باسيليوس، 2003).
[703] القسم الثالث، بند ٦٢، (دير السريان، القديس باسيليوس، 2003).
[704] القسم الثالث، بند ٦١، (دير السريان، القديس باسيليوس، 2003).
[705] القسم الثالث، بند ٩٣، (دير السريان، القديس باسيليوس، 2003).
[706] PG. 32:741B.
منشورات دير مار ميخائيل – نهر بسكنيتا الراهب غريغوريوس (إسطفان): سرّ الكهنوت، 2012، ص ١٩٦-١٩٧.
[707] القسم الثالث، بند ٥٢، (دير السريان، القديس باسيليوس، 2003).
[708] نشيد الأناشيد للقديس غريغوريوس أسقف نيصص، تعريب الدكتور جورج نوّار، 1993، عظة 2.
[709] Homilies on Leviticus 6:6. (See Frs. of the Church)
[710] In Isa. hom. 6; PG 13.239; Thomas Halton, p. 21.
[711] In Lev. hom. 2:3 (cf. G.W. Barkley - Frs. of the Church).
[712] Ernest Latko: Origen’s Concept of penance, Laval 1949, p. 78.
[713] In Psalm. 37 hom 1:1 PG 12:1369; Ernest Latko: Origen’s Concept of penance, Laval 1949, p. 74.
[714] In Exodus hom. 11:2 (Cf. Ronad E Heine- Frs. of the Church, vol. 71.)
[716] Church History 50 (1981: The Charismatic Intellectual: Origen’s Understanding of Religious Leadership, p. 111-112.
[717] Comm. on Matt. 15:7.
[718] In Isaiah hom. 6:4.
[720] De Principiis 1:8:1; In Luke hom. 12:3.
[721] In Jerm. hom 11:3; Fragm. 50.
[722] In Lev. hom. 6:4.
[723] In Lev. hom. 4:6.
[724] Homilies on Leviticus 4:6. (See Frs. of the Church)
[725] Atrii. The word occurs again in this and the next section, each time in a context which suggests that it has reference to the "curtains" of Exod. 26.1-2 which were ten in number and 26 x 4 in dimensions. The word in the LXX at Exod. 26, 1-2 is aulaia which the Vulgate renders cortina. Perhaps Rufinus connected aulaia in Origen's text with aule, which would be correctly rendered at atrium. Another possibility is that Origen himself connected the two words and used a form of aule. Fortier translates the word as "vestibule."
[726] In Exodus hom. 9:3 ( Cf. Ronad E Heine- Frs. of the Church, vol. 71.)
[727] Church History 50 (1981): The Charismatic Intellectual: Origen’s Understanding of Religious Leadership, p. 115.
[728] In Num. hom. 22:4; Church History 50 (1981): The Charismatic Intellectual: Origen’s Understanding of Religious Leadership, p. 116.
[729] In Luc. hom. 32:2.
[730] Comm. on John 13:47.
[731] Comm. on Matt. 11:5.
[732] See Comm. on John 13:18; Hom. on Lev. 4:6.
[733] Hom. on Isa. 6:4.
[734] Comm. on John 32:17; Joseph Wilson Trigg: Origen, SCM Press, 1985, p. 142.
[735] Ernest Latko: Origen’s Concept of penance, Laval 1949, p. 72 f.
[736] On Prayer 28; PG 11:527-530.
[737] In Lev. hom. 5:3 PG 12:451
[738] De Sacerdotio , Book , 5: 10
[739] Ernest Latko: Origen’s Concept of penance, Laval 1949, p. 72 f.
[740] Jn . cor , homioly , 0: 3 Pg61: 85 .
[741] Ibid 5: 6
[742] In Ezek. Hom. 5:4. PG 13:707.
[743] R. Cadiou: Origen, Herder Book Co., 1944, p. 315.
[744] Ernest Latko: Origen’s Concept of penance, Laval 1949, p. 70.
[745] Ernest Latko: Origen’s Concept of penance, Laval 1949, p. 102.
[746] In Josue Homilia 21:1 PG 12:928; Ernest Latko: Origen’s Concept of penance, Laval 1949, p. 102.
[747] Comm. on Matt. 16:8; Church History 50 (1981) : The Charismatic Intellectual: Origen’s Understanding of Religious Leadership, p. 116.
[748] Commentary on Matthew, Book 11:15 ( Cf. ANF).
[749] In Jos. hom. 24:2.
[750] Commentary on Matthew 11:15; Thomas Halton, p. 21.
[751] Comm. on Matt. 15:37 (Drewery).
[752] Comm. on Matt. 16:13.
[753] Comm. on Matt. 16:17.
[754] Comm. on Matt. 14:11.
[755] In Num. hom. 22:4 (Robert B. Eno - Massage of the Frs. of the Church, p. 84.)
[756] The Charismatic Intellectual: Origen’s Understanding of Religious Leadership, p. 116-117.
[757] In Numb. hom. 2:1 Church History 50 (1981) : The Charismatic Intellectual: Origen’s Understanding of Religious Leadership, p. 118.
[758] Homilies on Leviticus 6:2. (See Frs. of the Church)
[759] Homilies on Leviticus 4:6. (See Frs. of the Church)
[760] Homilies on Leviticus 5:12. (See Frs. of the Church)
[761] Homilies on Leviticus 6:6. (See Frs. of the Church)
[762] Homilies on Leviticus 6:6. (See Frs. of the Church)
[763] Homilies on Leviticus 6:6. (See Frs. of the Church)
[764] In Gen. hom. 16:5.
[765] R. Cadiou: Origen, Herder Book Co., 1944, p. 310.
[766] Homilies on Leviticus 9:1; Thomas Halton, p. 146.
[767] In Joan. 1:3 PG 14:25; R. Cadiou: Origen, Herder Book Co., 1944, p. 310.
[768] In Lev. hom. 2:3 (cf. G.W. Barkley - Frs. of the Church).
[769] Homilies on Leviticus 4:6. (See Frs. of the Church)
[770] Homilies on Leviticus 6:5. (See Frs. of the Church)
[771] Homilies on Leviticus 9:1 (Cf. Frs. of the Church).
[772] In Isa. hom 6 PG 13:239.
[773] St. Clement of Alexandria: Who is the Rich Man that shall be Saved?
[774] In Lev. hom. 9:1.
[775] R. Cadiou: Origen, Herder Book Co., 1944, p. 317-8.
[776] F. Ferguson: “Origen and the Election of Bishops.” Church History 43 (1974), 27-30, 32.
[777] Ep. 48 ad Amun.
[778] SC 286, 279; Thomas Halton, p. 21
[779] PG. 32:224C-225A.
منشورات دير مار ميخائيل – نهر بسكنيتا الراهب غريغوريوس (إسطفان): سرّ الكهنوت، 2012، ص 261.
[780] Morals, Rule 70:1.
[781] Morals, Rule 70:2.
[782] Morals, Rule 70:3.
[783] Morals, Rule 70:4.
[784] Morals, Rule 70:6.
[785] Morals, Rule 70:7.
[786] Morals, Rule 70:9.
[787] Morals, Rule 70:10.
[788] Morals, Rule 70:11.
[789] Morals, Rule 70:12.
[790] Morals, Rule 70:13.
[791] Morals, Rule 70:19.
[792] Morals, Rule 70:20.
[793] Morals, Rule 70:21.
[794] Morals, Rule 70:22.
[795] Morals, Rule 70:23.
[796] Morals, Rule 70:24.
[797] Morals, Rule 70:25.
[798] Morals, Rule 70:27.
[799] Morals, Rule 70:28.
[800] Morals, Rule 80:13.
[801] Morals, Rule 80:14.
[802] Morals, Rule 80:15.
[803] Morals, Rule 80:16.
[804] Morals, Rule 80:17.
[805] Morals, Rule 80:18.
[806] Morals, Rule 80:19.
[807] Morals, Rule 80:20.
[808] Morals, Rule 80:21.
[809] Letter to Athanasius, 69:29.
[810] Panegyric 41:30.
[811] Cf. Hartman, D. (2017). Lies Pastors Believe: 7 Ways to Elevate Yourself, Subvert the Gospel, and Undermine the Church. Bellingham, WA: Lexham Press.
[812]On Renunciation of the World, (Frs. Of the Church, volume 9, p. 30-31).
[813] St. Augustine Sermon 340: 1.
[814] John Chrysostom, “Hell Took a Body and Discovered God,” http://www.christianitytoday.com/ct/2000/aprilweb-only/13.0b.html..
[815] Hartman, D. (2017). Lies Pastors Believe: 7 Ways to Elevate Yourself, Subvert the Gospel, and Undermine the Church (pp. 20–22). Bellingham, WA: Lexham Press p. 20-22.
[816] In 2 Cor. , homily 2: 8 ; De incomprehensibili 3: 6; Deprophetarum obscuritaite , homily 2: 5, In Ephes. Homily 3: 5, in John , homily 78: 4
[817] Jn 2 Tim. , honily 2: 2-3, Jo. Homily 87:4, Jo homily 87: 4.
[818] Jn matlh , hamily 26: 6; 76: 6; De Virginitate , 24 .
[819] PG. 32:225C-228A.
منشورات دير مار ميخائيل – نهر بسكنيتا الراهب غريغوريوس (إسطفان): سرّ الكهنوت، 2012، ص ١8٩.
[820] PG. 32:228 A.
منشورات دير مار ميخائيل – نهر بسكنيتا الراهب غريغوريوس (إسطفان): سرّ الكهنوت، 2012، ص 88.
[821] الميمر 8، على رجوع آدم، قبطي، الميمر 72 على خلقة آدم وحياة الموتى (راجع نص بول بيجان والدكتور بهنام سوني).
[822] Commentary on 1 Cor. 3:34:42-45.
[823] Strom 3:10.
[824] Homilies on Rom., 23:1.
[825] Ignatius: To Poly carp, 5: 2.
[826] Tertullian: To Wife, 2: 6.
[827] Letter 48:11.
[828] In Ioan 9:2.
[829] Exposition on St. John PG 73:276.
[830] Cassian: Conf 21: 9.
[831] Hexaemeron 7:5.
[832] Hexaemeron, 8.
[833] PL 15:1639.
[834] Paed 2:10.
[835] Paed 1:4.
[836] Ep. 63.
[837] On Paradise 11: 50.
[838] للمؤلف: الحب الزوجي، ١٩٨٤، ص 39.
[839] In Eph. Hom 20.
[840] In Eph. Hom 20.
[841] In Eph. Hom 20.
[842] Commentary on 1 Cor. 3:36:2-5..
[843] Sermon on the Mount 1:16:43.
[844] Homilies on Col., Hom. 10.
[845] الحب الأخوي، 1964، صفات الأزواج المحبين ص ٣٥٨، ٣٦٠.
[846] Paradise 4:25.
[847] In Eph. hom 21.
[848] Questions of Dulcitius,1.
[849] Stromata or Miscellanies 4 : 29.
[850] Instructor 3: 11.
[851] مختصر عن "الحب الأخوي"، 1964، ص ٢٦٢.
[852] أحاديث عن الزواج: الحديث الثالث (منشورات النور).
[853] Ad. Polyc. 5.
[854] Ep. to Wegelius 19, 23: 7.
[855] Carl A. Volz: Faith and Practice in Early Church, 1983, p. 187.
[856] Tertullian: To Wife, 2: 8.
[857] In 1 Corinth., hom. 19:4.
[858] Lent 209:3.
[859] On Prayer 2:2.
[860] In Gen. 3:6; 5:4.
[861] Commentary on 1 Cor. 3:33:23-25.
[862] In 1 Thess., hom. 5.
[863] In 1 Corinth., hom. 19:3.
[864] City of God, 19:14
[865] Hexaemeron, 9:4.
[866] Hexaemeron, 9:4.
[867] Against Jovinianus 1:16.
[868] رسالة القديس إكليمنضس الروماني ص ٦.
[869] Ad Uxorem 1.
[870] الميمر 205 على البتولية والزنى وزواج الأبرار.
[871] الميمر 205 على البتولية والزنى وزواج الأبرار.
[872] Sermons On N.T.
[873] Ad Polycarb 5:1.
[874] Miscellanes 3:12:79.
[875] In Epis. Ad Rome 9: 1.
[876] Commentary on 1 Cor. 3:39:51-52.
[877] Ser. on Mount 1:39.
[878] Carl A. Volz: Faith and Practice in Early Church, 1983, p. 83.
[879] The Shepherd 4:4.
[880] Letter 48:18.
[881] Hermas: The Shepherd, Commandment 4:1:5.
[882] The Upbringing of Children and Vainglory, chapter 19.
[883] In 1Tim hom 9.
[884] The Upbringing of Children and Vainglory , ch 20.
[885] The Upbringing of Children and Vainglory , ch 21.
[886] The Upbringing of Children and Vainglory, ch 47.
[887] The Upbringing of Children and Vainglory, ch 38-39.
[888] The Upbringing of Children and Vainglory, ch 23-26.
[889] The Upbringing of Children and Vainglory, ch 27-37.
[890] The Upbringing of Children and Vainglory, ch 30.
[891] الحب العائلي، ١٩٧٠، ص ٤٣.
[892] The Upbringing of Children and Vainglory, ch 52.
[893] The Upbringing of Children and Vainglory, ch 66-74.
[894] The Upbringing of Children and Vainglory, ch 77.
[895] راجع للمؤلف: إنجيل لوقا (تفسير ٢: ٤٩).
[896] راجع للمؤلف: إنجيل لوقا (تفسير ٢: ٤٩).
[897] للمؤلف: الحب العائلي، ١٩٧٠، ص ٦٣، ٦٤.
[898] للمؤلف: الحب الأخوي، ١٩٦٤، ص ٢٨٧.
[899] Ep. to Heliodorus.
[900] Ser. on N.T. lessons; on the Psalms 71: 1.

