كاتيكزم الكنيسة القبطية - الجزء الثاني
العقائد المسيحية
كاتيكيزم
الكنيسة القبطية الأرثوذكسية
Catechism of the Coptic Orthodox Church
الجزء الثاني
العقائد المسيحية
طبعة تمهيدية 2018
إعداد
القمص تادرس يعقوب ملطي
الشماس بيشوي بشرى فايز
كنيسة الملكة القديسة مريم والأمير تادرس
ساوث برانزويك – نيو جيرسي
كنيسة الشهيد مارجرجس
سبورتنج - الإسكندرية
باسم الآب والابن والروح القدس
الله الواحد، آمين
ملاحظة:
تعريب العنوان عن الإنجليزية "كاتيكيزم" وعن الفرنسية "كاتيشيزم"
المحتويات
1. ماذا تعني كلمة عقيدة Dogma؟ وما هي غايتها؟
2. ما هي السمات الرئيسية في العقائد المسيحية؟
3. هل الإيمان بالعقائد الإلهية يتنافى مع النمو في المعرفة؟
2 (أ) قانون الإيمان وبدء القوانين الكنسية
2. ما هو قانون الإيمان للرسل Symbolum Apostolicum؟
3. كيف تطور قانون الإيمان الكنسي؟
2 (ب) حول قانون الإيمان القبطي الأرثوذكسي
1. ماذا تعني الكنيسة بقانون الإيمان؟
3. ماذا قدم لنا آباؤنا في العصور الوسطى؟
4. ما هو ارتباط قانون الإيمان بالصلاة الربانية؟
5. ما هو دور قانون الإيمان في الغنى الداخلي؟
1. ما هو مدي ارتباط قانون الإيمان بالاستعداد لنوال العماد وحفظ الإيمان الأرثوذكسي؟
2. ما هي بنود قانون الإيمان الحالي؟
البند الأول: "بالحقيقة نؤمن بإله واحد."
3. لماذا يُفتتح قانون الإيمان بالقول: "بالحقيقة نؤمن"؟
4. لماذا يبدأ بتأكيد الإيمان بالله الواحد؟
5. ماذا يعني أننا نؤمن بالله الواحد؟
البند الثاني: "الله الآب، ضابط الكل (البانتوكراتور)، خالق السماء والأرض، ما يُرى وما لا يُرى."
6. كيف نميز بين أبوة الآب للابن وأبوته للمؤمنين؟
7. لماذا يُدعى الله الضابط الكل (البنتوكراتور)؟ وماذا تعني كلمة بانتوكراتور أو ضابط الكل؟
8. لماذا نعنز بالله كخالق الكل؟
9. لماذا وضعت الكنيسة بند "خالق السماء والأرض"؟
11. كيف ننتفع بألقاب السيد المسيح؟
12. لماذا يعلن قانون إيماننا أنه ابن الله الوحيد؟
13. لماذا نردد بإيمان "به كان كل شيءٍ" (أي خالق)؟
14. كيف نقول: "نزل من السماء"، وهو حاضر في كل مكان؟
16. لماذا قيل إنه نزل من السماء لأجلنا؟
17. ماذا يقول الكتاب المقدس عن تجسد ابن الله بالروح القدس من العذراء مريم؟
18. ماذا يُقصد بالتجسد والتأنس؟
19. كيف يوجد في المسيح طبيعة واحدة؟
20. لماذا ورد في قانون الإيمان: "تجسد بالروح القدس ومن مريم العذراء"؟
البند الخامس: "تأنس وصلب عنا على عهد بيلاطس بنطس"؟
22. لماذا التزم السيد المسيح بالصمت عند محاكمته دينيًّا ومدنيًّا؟
البند السادس: تألم وقبر وقام من بين الأموات في اليوم الثالث كما في الكتب.
23. لماذا أشار قانون الإيمان إلى آلام المسيح؟
24. ما أهمية ذكر "على عهد بيلاطس بنطس" في صدر قانون الإيمان؟
25. كيف تحول الصلب من كونه مذلة إلى كرامةٍ ومجدٍ؟
26. ما هو سرّ كرامة الموت والدفن مع المسيح؟
29. لماذا نزل السيد المسيح إلى الجحيم؟
30. لماذا يرفض اليهود قيامة السيد المسيح؟
البند السابع: وصعد إلى السماوات، وجلس عن يمين أبيه،
31. ما هو رأي الغنوصيين في الصعود؟
32. هل بصعوده ترك السيد المسيح العالم؟
البند الثامن: وأيضًا يأتي في مجده ليدين الأحياء والأموات، الذي ليس لملكه انقضاء
33. ماذا يعني يوم الرب العظيم في فكر الكنيسة؟
34. ماذا يطلب السيد المسيح منا؟
35. ما هو دور الروح القدس في حياتنا؟
36. لماذا دُعي الروح القدس بـالمحيي؟
البند العاشر: "وبكنيسة واحدة مقدسة جامعة (كاثوليكية) رسولية".
37. ما هو مفهوم جامعية الكنيسة؟
البند الحادي عشر: "ونعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا".
البند الثاني عشر: "وننتظر قيامة الأموات".
39. ما هي مصيرنا حين تزول الأرض؟
البند الثالث عشر: "وحياة الدهر الآتي".
2. هل يلغي الإيمان عطية العقل؟
5. هل تجاهل الكتاب المقدس الحديث عن سمات جوهر الله؟
6. إن كان الله روح، فلماذا يصف الكتاب المقدس لله أعضاء جسدية مثل قلب الله وعينا الرب وأذناه ويداه؟
7. مادام الله حاضر في كل مكانٍ، فلماذا يُقال عنه إنه يسكن في السماء أو في الكنيسة أو في المؤمن؟
8. هل يمكن للإنسان أن يعرف جوهر الله؟
9. ماذا يقول الكتاب المقدس عن عجز الإنسان في معرفة جوهر الله؟
10. هل يشهد الكتاب المقدس بإمكانية الإنسان أن يعرف الله؟
11. ما معنى "لا يراني أحد ويعيش"؟
12. لماذا دعا الله نفسه "يهوه" (خر 3: 14-15)، عندما سأله موسى النبي عن اسمه؟
13. لماذا يؤكد الكتاب المقدس وحدانية الله، ليس إله غيره (2 صم 7: 22)؟
15. كيف يحمل كل هذه السمات وما يماثلها، ومع هذا ندعوه بسيطًا؟
16. لماذا يستخدم الكتاب المقدس تعبيرات بشرية عن الله؟
17. ما علاقة السمات الإلهية الخاصة بوجوده الإلهي؟
18. ماذا يعني أن الله فيه كل الكفاية؟
19. ماذا يعني أنه بلا بداية ولا نهاية؟
20. ماذا تعني سمة الله غير المتغيرة؟
21. ماذا يعني حضور الله الدائم؟
22. ماذا يعني أنه غير المنظور وغير المدرك؟
24. ما هي سمة "الكلي الحكمة" عند الله؟
26. ما هي سمة القداسة الإلهية؟
27. ما هي سمة الحب الإلهي والحنو؟
28. ماذا طلب موسى من الله في أول لقاء معه خاص بالخدمة؟
29. هل ترى الملائكة الله قدر احتمالها؟
31. من يستطيع أن يُعبر عن الحب الإلهي؟
1. ما هو التعليم الخاص بالثالوث القدوس؟
2. كيف قدَّم لنا السيد المسيح عقيدة الثالوث القدوس؟
3. ما هي الصيغ الأولى الثالوثية؟
4. ما هو موقف العهد القديم والعهد الجديد من الإيمان بوحدانية الله والثلاثة أقانيم؟
5. هل أورد الكتاب المقدس العقيدة الثالوثية بوضوح؟
6. لماذا قام العهد القديم بالتركيز على أقنوم الآب؟
7. ما هو تعليم العهد الجديد عن الثالوث القدوس، مع وحدانية الجوهر؟
8. كيف يمكننا أن نقبل الإيمان الثالوثي بالرغم من أن الله بسيط؟ ألا يتعارض هذا الإيمان مع الوحدانية؟
9. ماهي الآيات التي استخدمها منكرو لاهوت المسيح؟
10. كيف كان الله محبًا منذ الأزل؟
12. كيف نفهم وحدة الثالوث القدوس؟
13. هل للابن مشيئة يُمكن أن تتعارض مع مشيئة الآب؟
14. ما هو أثر الإيمان الثالوثي على حياتنا اليومية؟
15. ما هي التشبيهات التي قدمها الآباء للثالوث القدوس؟
16. ما هو مفهوم السمات الأقنومية؟
17. ما هو دور السمات الأقنومية بخصوص هوية الجوهر الإلهي؟
18. ما هي السمات الجوهرية المشتركة في الثالوث القدوس؟ وما هي السمة الخاصة بكل أقنوم؟
21. هل يمكن الفصل بين الآب والابن؟
22. هل يرى الابن الآب في كماله؟
25. لماذا يدعو إشعياء يسوع مخلصًا؟
27. هل الروح القدس أقنوم إلهي أم مجرد قوة تسند المؤمنين؟"
28. كيف نعرف أن الروح القدس ينبثق من الآب؟
29. لماذا استخدم بعض الآباء تعبير: "الروح القدس منبثق من الآب بالابن؟
30. هل يعمل أيضًا الروح القدس في كل أحدٍ حسب حاجته؟
31. هل ينفصل الروح القدس عن الآب والابن؟
١. متى خُلقت الطغمات السماوية؟
٢. ما هي غاية التأمل في الخليقة؟
٣. هل تجاهل الآباء الدراسات العلمية المعاصرة لهم؟
4. هل يعرف الإنسان لماذا خلق الله المسكونة وكيف خلقها؟
5. ماذا نعرف عن دور الله في الخلقة؟
6. ما هي شهادة الكتاب المقدس والتقليد المقدس لخالق الكل؟
7. هل حدث تغيير في الله بدعوته الخالق؟
8. ما هو دور ابن الله في عمل الخلقة؟
9. ما هو ارتباط الخلقة بالزمن؟
10. هل كانت خطة الخلقة في ذهن الله منذ الأزل؟
11. لماذا اختار الله موسى ليعان له عن الخلقة ويتعرَّف على أسراره الإلهية؟
12. ما معنى "كانت الأرض خربة وخالية (غير منظورة) (تك 1: 2)؟
13. ما معنى "روح الله يرف على وجه المياه" (تك 1: 2)؟
14. لماذا بدأ الله بخلقة النور؟
15. لماذا يكرر سفر التكوين: "رأى الله ذلك أنه حسن" (راجع تك 1: 4، 10، 12، 21، 25)؟
16. لماذا أمر بوجود مياه في الطبقات العليا ومياه تحت الأرض ومياه تتجَمَّع في البحار والأنهار؟
17. ما هي حكمة الله في قوله في اليوم الثالث "لتنبت الأرض" (تك 1: 11)؟
18. إن كنا نُبهَر بجمال الشمس، كم بالأكثر بجمال خالقها شمس البرِّ؟
20. لماذا خلق الله الزحَّافات التي في الأنهار والبحار والبحيرات؟
21. ماذا نتعلم من السمك المهاجر؟
22. كيف نتعلم حتى من الكائنات الصغيرة المُحتقرة؟
23. كيف ننتفع من خلقة حيوانات البرية؟
24. ماذا يقصد الكتاب بقوله: "ورأى الله ذاك أنه حسن" (تك 1: 10)؟
25. هل يمكن للعالم أن يوجد بدون خالقه؟
26. هل يقدر أحد أن يصف قيمة النفس البشرية سوى الخالق؟!
1. ماذا قدم الله لآدم عند خلقته؟
2. هل كان الفردوس الذي قدمه الله لأدم ماديًّا أم روحيًّا؟
3. ما هي شجرة الحياة التي كان يليق بآدم في الفردوس أن يأكل من ثمرها؟
5. لماذا خلق الله حواء من ضلع آدم؟
6. ما هي صورة الرب التي وُهبت لآدم؟
7. ما هو دور النفس في حياة الإنسان؟
8. لماذا وهب الله الإنسان حرية إرادة النفس؟
10. كيف تتقدس عطية العقل والتمييز؟
11. ماذا يطلب الأصل من الصورة؟
12. من يقدر أن يصف ثمن النفس الحاملة صورة الخالق؟
13. هل صورة الله قابلة للنمو أو التقلص؟
14. ما هو القصر الملكي الذي أُعده الله لآدم وحواء؟
15. ملكان أم عروسان في جنة عدن؟
16. كيف كان حال آدم وحواء في الفردوس؟
17. هل استخف أدم وحواء بجسديهما؟
18. ماذا رأى آدم في أعضاء جسمه وحواسه وعواطفه؟
19. هل النفس البشرية سيدة الجسد؟
20. هل الجسد شريك للنفس في كل شيءٍ؟
21. هل الإنسان خليقة مائتة وخالدة معًا؟
22. هل خُلق الإنسان قابلاً للموت أم خالدًا؟
24. هل يتحيّر السمائيون في الإنسان؟
25. الإنسان لا يقدر أن يرى نفسه فكيف يدعوه الله لرؤيته؟!
26. هل يتمتع الإنسان بالشركة في صلاح الله؟
27. من هو أسعد كائن على وجه الأرض؟
28. هل الإنسان كائن دائم النمو هنا وفي الدهر الآتي؟
2. هل العناية الإلهية هي من عمل الثالوث القدوس؟
3. ما هي علاقة العناية الإلهية بالنعمة الإلهية؟
4. ماذا يقول الكتاب المقدس عن العناية الإلهية؟
5. كيف تلامس آباء الكنيسة مع رعاية الله؟
7. ما هو عمل العناية الإلهية في حياتنا؟
8. ما هي العناية الإلهية في الفكر الكنسي السكندري؟
9. ما هو مدى العناية الإلهية للكون؟
10. ماذا يعني أن الله يدبر أمور العالم؟
11. ما هو دور العناية الإلهية في خلقتنا؟
12. لماذا وضع الله صانع الخيرات وصية لآدم وحواء في الفردوس؟
13. ما هو مدى العناية الإلهية في حياة الإنسان؟
14. هل تشمل العناية الإلهية الحيوانات؟
15. هل تتوقف العناية الإلهية عن العمل؟
16. ما هي غاية العناية الإلهية في كل كيان الإنسان؟
17. ماذا يطلب الإسكندريون من العناية الإلهية؟
18. ما هو موقف الملائكة الأبرار والأشرار من العناية الإلهية؟
19. لماذا يؤكد الله دور الإنسان مع اعتماده على العناية الإلهية؟
20. ماذا تقدم لنا العناية الإلهية؟
21. هل عناية الله عامة لكل البشر أم تخص كل شخصٍ؟
22. هل التأديب يتعارض مع العناية الإلهية؟
23. ما هي خطورة تجاهل عناية الله؟
24. هل معرفة الرسل هنا مثل معرفتهم في الحياة الأخرى؟
25. هل تدرك الطغمات السماوية الله ويمكنها الدنو منه؟
27. كيف يكشف لنا الله عن عنايته بنا؟
1. كيف نميز بين النعمة الإلهية والعناية الإلهية والتدبير الإلهي كضابط الكل؟
3. ما هو أول عمل للنعمة الإلهية؟
4. هل نعمة الآب والابن والروح القدس واحدة؟
5. هل توجد حدود لنمو عمل النعمة؟
6. هل النعمة خاصة بجماعةٍ معينة؟
7. لماذا لم يأتمن ربنا النعمة على خليقةٍ ما؟
8. هل ينال الجميع ذات القدر من النعمة الإلهية؟
9. هل نحتاج للنعمة الإلهية بعد توبتنا ونوالنا العماد؟
10. هل من ضرورة للنعمة بالنسبة للمجاهدين؟
12. ما هو عمل النعمة الإلهية في حياة الإنسان؟
13. ما هو دور النعمة بعد سقوط الإنسان؟
14. ما هو دور الناموس؟ وما هو دور النعمة؟
15. ماذا قدمت لنا النعمة بعد سقوط الإنسان؟
أولاً: النعمة الإلهية تهبنا فهم كلمة الله
ثانيًا: نعمة القيامة والغلبة على الموت
رابعًا: نعمة شركة الطبيعة الإلهية (2 بط 1: 4)
خامسًا: نعمة اقتناء حياة المسيح ورائحته الذكية وسماته
سادسًا: نعمة ميراث ملكوت السماوات
سابعًا: نعمة التمتع بمعرفة الحق الإلهي
ثامنًا: نعمة الثبوت في الآب والابن
الحادي عشر: النعمة والتمتع بغنى الفضائل
الثاني عشر: التمتع بأمومة النعمة
الثالث عشر: النعمة دواء الخطاة
الرابع عشر: بالنعمة نتحدى الملائكة الأشرار
الخامس عشر: النعمة والتمتع بعطية الروح القدس
السادس عشر: النعمة والتمتع بالسلام
السابع عشر: الفردوس ومياه النعمة
1. لماذا لم يستبعد الله الشيطان؟
6. أليس انحراف الهدف هو الذي يؤذي الإنسان؟
8. هل الأذى يصيب الظالم أم المظلوم؟
12. ماذا احتمل أيوب المجرب؟ (للقديس يوحنا الذهبي الفم)
13. كيف جلب علينا أكل آدم وحواء من شجرة معرفة الخير والشرّ الموت؟
14. لماذا دُعيت الشجرة "شجرة معرفة الخير والشر"؟
15. ما هو الموت الذي حلّ على آدم وحواء بسبب عصيانهما الله؟
16. لماذا لم يسمح الله لآدم وحواء بالأكل من شجرة الحياة؟
17. هل فقد آدم وحواء الرجاء في الخلاص بعد سماعهما الحكم كثمرة لعصيانهما؟
20. ما هو موقف الله من الإنسان بعد عصيانه للوصية الإلهية؟
21. لماذا لم يكتفِ الله بأن يُقدِّم الإنسان توبةً عن خطيته؟
22. ما هو التدبير الإلهي لخلاصنا؟
23. كيف يعمل الثالوث القدوس معًا فينا؟
24. ما هو دور كل أقنوم في حياتي؟
25. لماذا صدر الحكم على الإنسان: "موتًا تموت"؟
26. كيف أفسدت الخطية رؤية الإنسان لله؟
27. ماذا وراء قصة الأقمصة من الجلد؟
28. كيف هيأت الذبائح الدموية لذبيحة العهد الجديد؟
29. ما هو الوعد بالخلاص الإلهي والتنبؤ بمجيء المخلّص عبر الأجيال؟
30. ما هو مفهوم المصالحة مع الله؟
10 ربنا يسوع المسيح مخلص العالم
1. لماذا أصرَّت الكنيسة أن تعتبر كتاب العهد القديم جزءًا لا يتجزَّأ من الكتاب المقدس؟
2. كيف شهد الناموس للسيد المسيح؟
3. لماذا يعاتب القدّيس بولس الرسول شعبه اليهودي؟
4. ما هو الموضوع الرئيسي لأنبياء العهد القديم؟
5. ما هي أهم النبوات الخاصة بتجسد الكلمة من نسل الملك داود من سبط يهوذا؟
6. ما هي أهم النبوات الخاصة بميلاد السيد المسيح؟
7. ما هي أهم النبوات الخاصة بالأسبوع الأخير للسيد المسيح على الأرض؟
8. ما هي أهم النبوات الخاصة بقيامة السيد المسيح؟
9. ما هي أهم النبوات الخاصة بصعود السيد المسيح إلى السماء؟
10. ما هي أهم النبوات الخاصة بعمل السيد المسيح كنبي؟
11. ما هي أهم النبوات الخاصة بعمل السيد المسيح ككاهن؟
12. ما هي أهم النبوات الخاصة بألوهية السيد المسيح؟
13. ما هي العلامات التي تؤكد أن المولود من القديسة مريم هو المسيَّا المخلّص المُنتظر؟
14. هل عرف البعض أن المولود من العذراء هو المسيَّا المخلّص؟
15. ما هي تعاليم المسيح الرئيسية؟
16. ما هي الآيات التي صنعها يسوع المسيح؟
17. كيف قدم السيد المسيح الخلاص؟
18. كيف خلصنا موت السيد المسيح على الصليب من الخطية واللعنة والموت؟
19. هل هذا الخلاص يتمتع به جميع الناس؟
20. لماذا دعا القديس مار يعقوب السروجي صليب السيد المسيح مركبة إلهية؟
21. كيف صُلب السيد المسيح مع أن حياته وتعاليمه ومعجزاته شهدت لقداسته؟
22. لماذا يذكر قانون الإيمان أنه تألم وصلب ودفن؟
23. كيف يتألم ويُصلب ويدفن وهو الإله؟
24. ماذا يعني أن يسوع المسيح صُلب لأجلنا؟
25. لماذا أعلن السيد المسيح عن قيامته لخاصته وحدهم؟
26. أين ورد الحديث عن قيامته في اليوم الثالث؟
27. لماذا أظهر السيد نفسه خلال أربعين يومًا من يوم قيامته؟
28. هل شهد الكتاب المقدس عن صعوده؟
29. كيف جلس يسوع المسيح عن يمين الآب؟
30. ماذا يقول الكتاب المقدس عن مجيء المسيح الثاني؟
32. ماذا يقول القديس كيرلس الكبير عن شفيعنا ومخلصنا؟
11 ألقاب المخلص وأسماؤه تشهد لأعمال حبه!
1. لماذا دُعي اسمه عجيبًا (إش 9: 7)؟
3. لماذا دُعي يسوع "المسيّا الملك المصلوب"؟
4. لماذا دُعي يسوع "الرب يهوه"؟
5. لماذا دُعي يسوع "كلمة الله"؟
6. لماذا دُعي يسوع "قوة الله وحكمة الله"؟
8. لماذا دُعي يسوع ملك الملوك؟
9. لماذا دُعي يسوع ابن الله وابن الإنسان؟
10. لماذا دُعي يسوع آدم الجديد (الثاني)؟
12. لماذا دُعي يسوع ذبيحة خطية؟
13. لماذا دُعي يسوع رئيس الكهنة السماوي؟
14. لماذا دُعي يسوع الشفيع الواحد؟
15. لماذا دُعي يسوع رأس الجسد؟
16. لماذا دُعي يسوع الصديق العجيب؟
17. لماذا دُعي يسوع المعلم الصالح؟
18. لماذا دُعي يسوع الراعي الصالح؟
20. لماذا دُعي يسوع الباب والبواب؟
22. لماذا دُعي يسوع نورًا ونارًا؟
23. لماذا دُعي يسوع السامري الصالح (لو 10: 25-37)؟
24. لماذا دُعي يسوع صورة الله غير المنظور؟
25. لماذا دُعي يسوع اللؤلؤة الكثيرة الثمن؟
26. لماذا دُعي يسوع الكرمة الحقيقية (يو 15: 1)؟
29. لماذا دُعي يسوع عريس النفوس؟
31. لماذا دُعي يسوع السلام والبرّ؟
32. لماذا دُعي يسوع الألف والياء؟
33. لماذا دُعي يسوع البداية والنهاية، الأول والآخر؟
36. لماذا دُعي يسوع لباس البرّ؟
37. لماذا دُعي يسوع العبد المتألم؟
1. ما هو دور الروح القدس في تمتعنا بالخلاص الإلهي؟
2. ما هي أهداف السيد المسيح من حديثه في اليوم الأخير من عيد المظال عن حلول الروح القدس؟
3. ما هو تعليق الإنجيلي يوحنا على هذا الوعد الإلهي؟
6. ماذا يعني: من آمن بي كما قال الكتاب تجري من بطنه أنهار ماء حي (يو 7: 38)؟
7. لماذا لا ينال المؤمن النطق بكل لغات الأمم عند عماده وتمتعه بالروح القدس؟
8. هل كان السيد المسيح محتاجًا لحلول الروح القدس عليه أثناء عماده في نهر الأردن؟
9. ما هي علاقة الروح القدس بالسيد المسيح كمخلص؟
10. ما هو دور الروح القدس في العهدين، القديم والجديد؟
11. هل يشهد الكتاب المقدس أن الروح تحدث بواسطة الأنبياء؟
13. كيف نصير شركاء في الروح القدس؟
14. ما هي أهم العطايا والمواهب التي يهبها الروح القدس؟
15. ما هو الإيمان كأحد مواهب الروح القدس (1 كو 12: 9)؟
16. من يتحدى رياح الخطية العنيفة وظلمة الشيطان؟
18. من يقدم لنا تعزيات سماوية أثناء جهادنًا ومعركتنا مع إبليس الشرس؟
19. كيف نفسر إرسالية كبير بيت إبراهيم كرمز لارسالية الروح القدس؟
20. ما هو دور الروح القدس في حياة الكنيسة بعد صعود السيد المسيح إلى السماء؟
21. ما هو عمل الروح القدس في حياة المؤمن؟
22. هل كان التلاميذ في حاجةٍ إلى معلمٍ آخر يعزيهم؟
23. من الذي أرسل الروح القدس الآب أم الابن؟
24. هل يتمتع الكل بالروح القدس بذات القدر؟
25. ماذا يعني الرسول بقوله: "لا تطفئوا الروح" (1 تس 5: 19)؟
27. ماذا يعني قول السيد المسيح عن الروح القدس: "ومتى جاء ذاك يبكت العالم... على برّ" (يو 16: 8)؟
28. ماذا يعني قول السيد المسيح عن الروح القدس: "ومتى جاء ذاك يبكت العالم... على دينونة" (يو 16: 8)؟
29. ما هو مفهوم الحرية التي يهبها لنا الروح القدس؟
30. ماذا يقدم الروح القدس للنفس خلال صحبته لها؟
31. متى يحلّ ربيع القيامة، ويًعلن المجد الخفي؟
32. ماذا تقدم لك كل من نار الروح القدس ونار العالم؟
33. هل تستقر نفوسنا في الروح القدس ويسكن الروح القدس فينا؟
34. هل حُرم الإنسان من أجنحة للطيران؟
35. هل كان (آدم وحواء) قبل السقوط لابسين مجد الله عوضًا عن ثوبٍ؟
36. هل تتمتع الطغمات السماوية بالروح القدس؟
37. هل دعوة الروح القدس بالقوة الإلهية (أع 1: 8) يتنافى مع كونه أقنومًا إلهيًا؟
38. ما هو دور الروح القدس في تجديد الكنيسة؟
39. ما هو دور الروح القدس في التقديس المستمر والثبوت في القدوس؟
40. ما هو دور الروح القدس في تكريس القلب لله؟
1. العقائد المسيحية
1. ماذا تعني كلمة عقيدة Dogma؟ وما هي غايتها؟
استخدمت الكلمة اليونانية (عقيدة) δογμα في العهد الجديد لتعني القرار الذي أخذه الرسل بقيادة الروح القدس في مجمع الرسل (أعمال 16: 4). غايتها أن يسلك المؤمنون في طريق الخلاص، الذي تحرص الكنيسة على السلوك فيه عبر التاريخ دون انحراف. تقوم هذه العقائد في الكنيسة الأرثوذكسية أساسًا على الكتاب المقدس والتقليد المقدس الرسولي. حجر الزاوية فيها هو السيد المسيح الذي ربط اليهود (العهد القديم) بالأمم، بالكشف عن عمل الثالوث القدوس في خلاص الإنسان، وسلوكه في الرب ونموه في المعرفة المقدسة وترقبه لمجيء الرب في اليوم الأخير.
2. ما هي السمات الرئيسية في العقائد المسيحية؟
أولاً: العقائد المسيحية ليست أفكارًا مجردة للجدال والحوار الجاف، بل للحياة والسلوك في المسيح يسوع، والتمتع بعربون الأبدية ونحن بعد على الأرض. هذا الإيمان المسيحي تختبره الكنيسة عمليًا وتفَّسره المجامع المقدسة المحلية والمسكونية. حقًا توجد مدارس للفكر اللاهوتي، توضح بأسلوب أو آخر العقائد الإيمانية، يلزم ألا تعارض ولا تتجاهل الكتاب المقدس والتقليد المقدس. هذه التفاسير أو التوضيحات تُدعى "آراء لاهوتية."
ثانيًا: كل عقيدة مسيحية صادقة تمس أعماق النفس والقلب والفكر، دون تجاهل لدور الجسد والسلوك الظاهر. بهذا يتلامس المؤمن مع الحق الإلهي، إذ خُلق الإنسان من نفس وجسد.
ثالثًا: الكنيسة هي المفسر للحق الإلهي والحارس له، والحريصة على خلاص أبنائها وحثهم على الشهادة لإنجيل المسيح، وتقديم الثالوث القدوس محب البشر لكل إنسانٍ. يقول أبينا بطرس الرسول: "عالمين هذا أولاً: أن كل نبوة الكتاب ليست من تفسير خاص، لأنه لم تأتِ نبوة قط بمشيئة إنسانٍ، بل تكلم أُناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس" (2 بط 1 :20 – 21).
رابعًا: هذه العقائد كنسية، تحفظها الكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة (الكاثوليكية) الرسولية.
كلمة (جامعة أو كاثوليكية)، لا تعني مجرد تجميع الكنائس من مناطق مختلفة، إنما هي الكنيسة التي تضم المؤمنين من آدم إلى مجيء الرب الأخير. وهي لا تتعصب لمذهبٍ معين، إذ يقول الرسول عن الكنيسة: "ولبستم الجديد الذي يتجدد للمعرفة حسب صورة خالقه، حيث ليس يوناني ويهودي، ختان وغرلة، بربري وسكيثي، عبدٌ حرٌ، بل المسيح الكلُّ وفي الكلٍّ." (كو 3: 10-11)
خامسًا: كثيرون اشتهوا التعرف على الحق الإلهي برغبة صادقة، فكشف لهم الرب عن الطريق بإعلانات متنوعة. نذكر على سبيل المثال الخصي الأثيوبي، أرسل له الرب فيلبس ليرشده ويبشره (أع 8: 35). وكرنيليوس قائد مئة من الكتيبة التي تُدعى الإيطالية، وهو تقي وخائف الله مع جميع بيته، وكان يصلي إلى الله في كل حينٍ، فأرسل الله له ملاكًا، وسأله: "والآن أرسل إلى يافا رجالاً واستدعِ سمعان المُلقّب بطرس... هو يقول لك ماذا ينبغي أن تفعل" (أع 10: 5-6).
3. هل الإيمان بالعقائد الإلهية يتنافى مع النمو في المعرفة؟
يدعونا الرسول بولس إلى النمو في الإيمان كما إلى في المعرفة. فالإيمان الحىّ ينمو مع المعرفة، والمعرفة الصادقة تنمو مع الإيمان. بالإيمان يدرك المؤمن معرفة الإعلان الإلهي. يقول الرسول: "لأجل تكميل القديسين لعمل الخدمة، لبنيان جسد المسيح. إلى أن ننتهي جميعنا إلى وحدانية الإيمان ومعرفة ابن الله، إلى إنسانٍ كامل؛ إلى قياس قامة ملء المسيح" (أف 4: 12–13).
يبلغ المؤمن الصادق في إيمانه إلى معرفة هذا الإيمان مستخدمًا قدراته الفكرية المقدسة في الرب؛ يتعرف على الإيمان ويتلامس معه ويقبله وينمو فيه ويتعرف على الحق الإلهي خلال خبرته العملية الشخصية مع الثالوث القدوس في كنيسة الله المقدسة. هكذا لا يتعارض الإيمان مع القدرات العقلية حتى بالنسبة للأمور التي لا يدرك العقل طبيعتها كما هي. فالروح القدس قائد الكنيسة ينير المؤمن، بل ويسمع قول الرب: "أنتم نور العالم" (مت 5: 14). فلا نعجب من قول الرسول: "بل قَدِّسوا الرب الإله في قلوبكم، مستعدين دائمًا لمجاوبة من يسألكم عن سبب الرجاء الذي فيكم، بوداعةٍ وخوفٍ" (1 بط 3: 15). إذ نتعرّف على العقائد الإيمانية السليمة ونتفهمها نشهد لها بحياتنا وفي عبادتنا، ونغلق الباب على ظهور الهراطقة الذين يفترسون الرعية.
2 (أ) قانون الإيمان وبدء القوانين الكنسية
1. كيف بدأت القوانين الكنسية؟
نزل كلمة الله الأزلي إلينا متجسدًا لكي يقيم منا كنيسة متحدة به، تحيا فيه، وتحمل صورته. وهكذا إذ وهبنا العضوية في جسده الأقدس، أي في الكنيسة المتحدة به، ندخل حياته ونمارس سلوكه السماوي، ونكتشف ملكوته داخلنا. لقد صبغ كنيسته بصبغة سماوية، ودخل بها إلى "الحياة الفائقة الطبيعة" خلال اتحادها به، لا كحياة خيالية تسجلها الكتب أو يعظ بها خدام الله، لكنها "خبرة واقعية في المسيح" الذي جاء إلينا في واقعنا الأرضي. فإن كانت الحياة المسيحية هي حياة شبه سماوية لكنها تُمارَس على الأرض، إذ لم يدخل بنا الله إليها كمن هو منعزل في السماء، بل نزل الكلمة الإلهي واتحد بناسوتنا، وعاش على الأرض، وخضع لقوانينها ومارس طقوس العبادة فيها وهو الأبدي المعبود! لقد أعطانا عربون الأبدية خلال واقع الزمن، فنجلس في السماويات ونحن بعد على الأرض.
هكذا عاشت الكنيسة في عصر الرسل كما في عصر الآباء الأولين، تسلك بروح سماوي واقعي، تحمل سمة الإسخاتولوچية (الأخروية) والواقعية في نفس الوقت. تعلن في غير توقف حنينها نحو اللقاء الأبدي مع الرب وجهًا لوجه في الفردوس دون تجاهل للحياة الزمنية المقدسة في المسيح يسوع.
انعكس هذا كله في حياة الكنيسة، في عبادتها وكرازتها وسلوكها، إذ كانت تود أن تدخل بالعالم كله إلى "الأبدية". تنطلق بكل نفسٍ إلى ما وراء الزمن وتفتح كل بصيرةٍ لمعاينة ملكوت الله الذي لا يُعبَر عنه بلغة ولا تحده قوانين ولا يخضع لنظم بشرية. لكنها في نفس الوقت لا تتجاهل واقعنا كأناسٍ نحمل جسدًا ونسلك على وجه الأرض. قدمت لنا الكنيسة إيمانها في عبارات وقوانين لكي تدخل بنا إلى ما وراء العبارات والقوانين. من أجل هذا يليق بنا أن ندرس معًا، تحت قيادة الروح القدس، قوانين الرسل كما سجلتها لنا الكنيسة الأولى: كيف بدأت؟ وكيف تطورت؟ وما هي غايتها؟
2. ما هو قانون الإيمان للرسل Symbolum Apostolicum؟
يقول القديس هيلاري[1]، نحن ملتزمون أن نتكلم بأمورٍ لا يُنطق بها، وعوض هيام الإيمان الفكري المجرد نلتزم أن نعهد أمور الدين إلى مخاطر التعبير البشري. لقد سأل السيد المسيح تلاميذه عن إيمانهم فيه فاعترف بطرس أنه "هو المسيح ابن الله الحيّ" (مت ١٦: ١٦). ولعل هذه الشهادة قدمت الفكرة الرئيسية لإيجاد قانون إيمان كنسي يعلن عن السيد المسيح المخلص. مرة أخرى جمع السيد تلاميذه وأعطاهم سلطانًا للكرازة والتعليم والعماد قائلاً: "اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس" (مت ٢٨: ١٩)، مقدمًا لهم صيغة قانون الإيمان الثالوثي الخاص بالعماد. هكذا سجل لنا العهد الجديد صيغة الإيمان بالمسيح وصيغة الإيمان الثالوثي، هاتان الصيغتان هما جوهر إيمان الكنيسة.
يقول F. L. Cross[2] إن قانون الإيمان الرسولي Apostolic Creed يخص فترة ما بعد الرسل، لكنه سمي رسوليًا لأن عناصره جميعها تعبر عن الإيمان في عصر الرسل.
يقدم لنا علم الباترولوچي الكثير من صيغ قوانين الإيمان التي جاءت خلال كتابات الآباء الشرقيين والغربيين، نذكر منها ما ورد في كتابات أيريناؤس أسقف ليون سنة ١٨٠ م؛ والعلامة ترتليان بقرطاجنة سنة ٢٠٠ م؛ وكبريانوس أسقف قرطاجنة سنة ٢٥٠ م؛ ونوفتيان بروما سنة ٢٥٠ م؛ وأوريجينوس بالإسكندرية سنة ٢٥٠ م؛ وغريغوريوس أسقف قيصرية الجديدة سنة ٢٧٠ م؛ ولوتيانوس بانطاكية سنة ٣٠٠ م؛ ويوسابيوس أسقف قيصرية سنة ٣٢٥ م؛ ومارسيليوس بأنقرا سنة ٣٤٠ م؛ وكيرلس الأورشليمي سنة ٣٥٠ م؛ وأبيفانيوس أسقف قبرص سنة ٣٧٤ م؛ وروفينوس بقبرص سنة ٣٩٠ م؛ والقانون الوارد في القوانين الرسولية Apostolic Constituitions.
امتازت النصوص الشرقية عن الغربية أنها بصورة عامة أطول وأكثر تغييرًا، لها جانب ميتافزيقي (علم ما وراء الطبيعة)، وتشمل عددًا من التعبيرات التعليمية ردًا على الهرطقات المنتشرة في الشرق.
3. كيف تطور قانون الإيمان الكنسي؟[3]
أ. إذ انطلقت الكنيسة في عصر الرسل تكرز وتبشر العالم بالخلاص، كان لزامًا أن يعترف كل موعوظ بإيمانه جهرًا في صيغة مختصرة قبلما يتقبل العضوية في جسد المسيح، أي قبيل عماده مباشرة. وذلك كما فعل الخصي الأثيوبي (أع ٨: ٣٧) حين أعلن رغبته في العماد معترفًا "أنا أؤمن أن يسوع المسيح هو ابن الله". ظهر "قانون الإيمان الكنسي" كصيغة خاصة بالمعمودية، يعترف بها طالب العماد معلنًا قبوله الحق ودخوله "الحياة في المسيح يسوع".
ب. إذ ظهرت غنوصيات غير أرثوذكسية تنادي بالثنائية، تحتقر المادة وتشوه حقيقة التجسد الإلهي، لم يعد "قانون الإيمان" في صورته الأولى كافيًا، إنما يلزم الاعتراف بـالحبل بالسيد المسيح بالروح القدس، وولادته من العذراء مريم، وتألمه في عهد بيلاطس بنطس وموته ودفنه وصعوده (وليس كما عَلّم الغنوصيين أنه اختطف إلى السماء من على الصليب أو قبيل صلبه)، وأن الروح القدس حالّ في الكنيسة. يظهر هذا الأثر بصورة واضحة في قانون الإيمان للقديس هيبوليتس المستعمل في العماد، إذ كان طالب العماد يُسأل ثلاثة أسئلة ويجيب عليها[4]: ينزل (طالب العماد) في الماء، ويضع المُعَمِد يده على رأسه، قائلاً: أتؤمن بالله ضابط الكل؟ يقول الذي يُعتمد: أؤمن. عندئذ يعمده (يغطسه) واضعًا يده على رأسه. بعد ذلك يقول له: أتؤمن بيسوع المسيح ابن الله، الذي وُلد بالروح القدس من العذراء مريم، وصُلب في عهد بيلاطس بنطس ومات وقام من الأموات في اليوم الثالث وصعد إلى السماوات وجلس عن يمين الآب هذا الذي يأتي ليدين الأحياء والأموات؟ وإذ يقول: أؤمن، يغطسه مرة أخرى. وأيضًا يقول له: أتؤمن بالروح القدس وبالكنيسة المقدسة وقيامة الجسد؟ فيقول المُعمَد: أؤمن، فيُغطسه المرة الثالثة.
ج. إذ بدأت الهرطقات تنتشر لم يعد "قانون الإيمان" خاصًا بطالبي العماد فقط، إنما صارت الحاجة ملحة لاستعماله الكنسي في العبادة الليتورچية والعبادة الخاصة. بدأت المجامع المسكونية تضع قانون الإيمان لأهداف دفاعية وتعليمية. ففي مجمع نيقية وُضع قانون الإيمان يحارب الأريوسية.
فإنه وإن اقترب من قانون الإيمان الأورشليمي الخاص بالعماد قديمًا، لكنه أضاف إلى الفقرة الثانية الخاصة بالسيد المسيح هذه الصيغة: "نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، واحد مع الآب في الجوهر". هذه الصيغة لا يستطيع الأريوسيون أن ينطقوا بها، فتفرزهم عن المؤمنين. بهذا قدم مجمع نيقية للكنيسة صيغة لاهوتية مبسطة تعلن إيمان الكنيسة، يعترف بها المسيحيون ويترنمون بها ويصلونها، وليست اختبارًا لطالبي العماد فقط.
وفي المجمع المسكوني الثاني بالقسطنطينية في عام 381م بسبب إنكار مقدونيوس الذي كان بطريركًا للقسطنطينية ألوهية الروح القدس دون أن ينكر ألوهية السيد المسيح، أُضيف إلى قانون الإيمان النيقوي صيغة خاصة بالروح القدس: "الرب المحيي، المنبثق من الآب، نسجد له ونمجده مع الآب والابن، الناطق في الأنبياء..." بهذا صار قانون الإيمان ملخصًا للإيمان الأرثوذكسي أكثر منه اعترافًا يردده طالبو العماد.
2 (ب) حول قانون الإيمان القبطي الأرثوذكسي
1. ماذا تعني الكنيسة بقانون الإيمان؟
كل مؤسسة في العالم سواء كانت تعليمية أو اجتماعية أو صناعية أو تجارية يلزم أن يوضع قانونها التأسيسي، يوضِّح هدفها وتنظيمها وإمكانياتها. أما كنيسة الله فهي جسد المسيح، مؤسسها هو الله نفسه الذي هو "ليس إله تشويش" (1 كو 14: 33)، بل يُقيم من المؤمنين جسد المسيح، كقول الرسول: "وأما أنتم فجسد المسيح وأعضاؤه أفرادًا" (1 كو 12: 27). غاية الكنيسة أن يعمل الله فيها وبها ليحقق إرادته، إذ "يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون" (1 تي 2: 4). أما إمكانياتها فهي النعمة الإلهية التي تعمل في المؤمنين العاملين في غيرة مقدسة. وكما يقول الرسول: "أنا تعبت أكثر منهم جميعهم، ولكن لا أنا بل نعمة الله التي معي" (1 كو 15: 10).
2. ما هي غاية قانون الإيمان؟
أ. تأكيد وحدانية الله حتى لا يسقط أحد في عبادة الأوثان.
ب. الإيمان بالثالوث القدوس العامل لأجل بنيان ملكوت الله داخل كل إنسانٍ مُخلِص في حياته ومشتاق للعبور إلى الأبدية، مع وحدانية اللاهوت.
ت. إدراكنا لمحبة الله لنا والإمكانيات التي يقدمها لنا للعمل لحساب ملكوته.
ث. تقديس العقل البشري وكل الإمكانيات والمواهب والقدرات والطاقات التي فينا، والسمو به للتجاوب مع نعمة الله الفائقة.
ج. حفظ إيماننا من الانحرافات والبدع.
ح. بث روح الرجاء فينا وفي العاملين معنا والذين هم حولنا.
خ. الكشف عن غاية حياتنا على الأرض ونحن منطلقون نحو الحياة الأبدية.
د. إدراكنا لخطة الله في حياتنا وفي كل البشرية.
ذ. في الليتورجيات يصلي الشعب مع رجال الكهنوت معَا قانون الإيمان بصوتٍ مرتفعٍ.
3. ماذا قدم لنا آباؤنا في العصور الوسطى؟
تقدم لنا مكتبات أوربا فيض من مخطوطات الأقباط باللغتين القبطية والعربية تكشف عن غنى الكنيسة القبطية في اللاهوتيات في العصور الوسطى، هذا ما دفعني لتقديم مثالاً لاهتمامهم بالكتابة في قانون الإيمان.
ارتبط اسم الكاهن أبو المجد بن يؤانس بمنية بني خصيب (حاليًّا المنيا) الذي تنيح عام 1357م، بشرحه لقانون الإيمان في حوالي 50 صفحة قطع كبير. كتبه بناء على طلب الأنبا غبريال أسقف قوص بقصد الرد على يهودي انتقد قانون الإيمان، قائلاً: من أين أتيتم بهذا النص؟ ولماذا أدرجتموه بين كتب الكنيسة؟ لهذا يحتوي الكتاب على مجموعات من النصوص الواردة في العهد القديم لتثبيت كل بند من بنوده.
هذا العمل يختلف في هدفه عن ثلاثة أعمال قبطية عن قانون الإيمان في العصور الوسطى لساويرس بن المقفع، حوالي عام 940م، وأبو البركات بن كبَّر في بدء الفصل الثاني من دائرة المعارف الخاصة به، والثالث أيضًا لأبي البركات نفسه في نفس المرجع (عام حوالي 1310م). مقتبسات أبي البركات غالبًا من العهد الجديد. هذه المراجع كما يقول الدكتور الأب سمير خليل إنها تكمل بعضها البعض بطريقة لائقة[5].
النص كما ورد في أبي المجد بن يؤنس[6] هو:
أ. نؤمن بإله واحد: هذا النص مُقتبس من التوراة ومن إشعياء وإرميا والإنجيل.
ب. الله الآب ضابط الكل (البانتوكراتور) خالق كل شيء، ما يرى وما لا يرى. مُقتبس من زكريا وناحوم وأسفار الملوك.
ت. ورب واحد يسوع المسيح. مُقتبس من إشعياء وسليمان وميخا.
ث. نور من نور، إله حق من إله حق. مُقتبس من إشعياء وإرميا وداود.
ج. من أجلنا نزل من السماء. مُقتبس من داود، وإشعياء واسدراس (عزرا) وإرميا وداود، ونبي آخر لم يّذكر اسمه.
ح. تجسد بالروح القدس من العذراء مريم. مُقتبس من إشعياء وحزقيال وناحوم وصفنيا وزكريا ودانيال.
خ. تألم ودُفن في القبر. مُقتبس من إشعياء وعاموس ويونان وزكريا ويوئيل وإرميا وحزقيال ودانيال وأيوب واسدراس الكاهن (عزرا) وداود.
د. قام من الأموات في اليوم الثالث. مُقتبس من داود وإشعياء واسدراس الكاهن (عزرا).
ذ. صعد إلى السماء، وجلس عن يمين الآب في الأعالي. مُقتبس من داود وزكريا ودانيال.
ر. وسيأتي ثانية في مجده ليدين الأحياء والأموات. مُقتبس من إشعياء وسليمان وداود وملاخي وإرميا.
ز. نؤمن بالرح القدس، الرب المحيي، الناطق في الأنبياء. المقتبس من إشعياء ويوئيل وإرميا وحزقيال.
س.ونعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا. مُقتبس من إشعياء وحزقيال.
ش.وننتظر (ونترجى) قيامة الأموات وحياة الدهر الآتي. مُقتبس من إشعياء وحزقيال وملاخي.
4. ما هو ارتباط قانون الإيمان بالصلاة الربانية؟
نجد عاملاً مشتركًا في العبادة في الكنيسة القبطية وهي تلاوة الصلاة الربانية وأيضًا قانون الإيمان في جميع الليتورجيات الخاصة بالمعمودية والإفخارستيا والزواج والخطبة والجنازات وفي العبادة الشخصية مثل صلوات السواعي (الإجبية)، فما الارتباط ببنهما؟
في كل عبادتنا الجماعية والشخصية ما يشغلنا أن نتهيّأ لمجيء السيد المسيح الأخير ومرافقته لننطلق معه إلى السماء، بكوننا العروس المتهللة المتحدة بعريسها السماوي. بالصلاة الربانية نرفع قلوبنا إلى الآب السماوي بروح الفرح بالصلاة التي علمنا إياها العريس نفسه، الابن الوحيد الجنس المتجسد، فهي بالحق موضع سرور الثالوث القدوس، متى قُدمت من القلب بفكرٍ سماوي وإيمانٍ مستقيمٍ غير منحرف. هذا هو دور قانون الإيمان أيضًا حينما نتلوه بروح الصلاة. فغاية الصلاة وقانون الإيمان أن نصير العروس المرتفع قلبها دومًا بالصلاة مع التمسك بالإيمان المستقيم غير المنحرف. هذا الفكر الذي لا يفارقنا سواء في الكنيسة أو البيت أو حتى في العمل ومع الأصدقاء، يليق أن يدركه الطفل والشاب حتى الشيوخ. إذ يقول الرسول: "لأنكم جميعًا أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع (لو 3: 26).
5. ما هو دور قانون الإيمان في الغنى الداخلي؟
في الكنيسة الأولى كان بعض اليهود وأيضًا الأمم الراغبون في الانضمام للكنيسة يُطالَبون بالحضور في دراسات خاصة بطالبي العماد. لم تكن هذه الدراسات لمجرد تقديم معلومات، وإنما كانوا يتمتعون بمفاهيم الإيمان والصلاة الربانية والسلوك في المسيح يسوع الخ. لكي يدركوا الغنى الذي يتمتعون به خلال المعمودية والشركة مع الثالوث القدوس.
كان أهل البيت يعتمدون مع من ينال المعمودية كما حدث مع حارس السجن بفيلبي (أع 31: 31، 34) وكرنيليوس (أع 10: 48). فلماذا كان المؤمن يعتمد معه أهل بيته؟ كان دور المؤمن كإشبين لأطفاله أن يقودهم كأبٍ إلى الغنى الذي نالوه في طفولتهم بالعماد. دوره الرئيسي أن يشرح عمليًا ما قاله السيد المسيح لتلاميذه: "ملكوت الله داخلكم" (لو 17: 21). للأسف بعض المؤمنين يركّزون في تربيتهم لأطفالهم على نقدهم لتصرفاتهم الخاطئة، عوض إبراز محبة الثالوث القدوس لهم وعمله فيهم.
أذكر في أثناء خدمتي بلوس أنجيلوس، زارتني باكرًا جدًا سيدة تعاني من بعض الظروف المادية وكانت متهللة للغاية سألتها عن سبب فرحها، فقالت لي إن ابنها الصغير جاء إليها في الصباح الباكر وأيقظها، وقال لها: "أنا أغنى إنسان في العالم" دُهشت للغاية، وظنّت أنه رأى حلمًا في نومه أنه صار غنيًّا جدًا. سألته: لماذا تقول هذا؟ أجابها: "أنا أغنى إنسان، لأنكِ أنتِ أمي!" لم تصدق نفسها، وامتلأت بهجة وجاءت تخبرني بما قاله لها ابنها.
شعرتُ أن ما قاله هذا الطفل الصغير يليق بكل مؤمنٍ أن يشعر به أنه أغنى كائن على وجه الأرض، لأنه صار ابنًا لله وهيكلاً مقدسًا وروح الرب يسكن فيه (1 كو 3: 16).
لست أعني بذلك لا نوجه أطفالنا على أخطائهم، وإنما أن نبدأ التعامل مع أطفالنا وهم رُضع بكشف أعينهم عن الغنى الذي في أعماقهم.
أحسب أنه يليق بنا في دراستنا لقانون الإيمان أن نركز على الغنى الذي نتمتع به في أعماقنا، خلال عمل الثالوث القدوس. هذا ما أراده الرسول بولس بقوله: "فإن كل شيء لكم... وأما أنتم فللمسيح، والمسيح لله" (1 كو 3: 21، 23). فنحن هنا على الأرض نتمتع بعربون ميراثنا الأبدي. إنه سرّ غنانا وسعادتنا. يقول القديس كيرلس الكبير: [أولئك الذين بسبب الجهل قللوا من قيمة اقتناء الإيمان المستقيم ممجدين حياتهم بسبب أعمال الفضائل، يشبهون أناسًا ذوي ملامح حسنة في وجوههم، ولكن نظرة عيونهم مصابة بتشويه وحوَل. وينطبق عليهم قول الله بصوت إرميا إلى أمة اليهود، أي أورشليم: "لأن عينيك ليستا مستقيمتين وقلبك ليس صالحًا" (أنظر إر 22: 17). لذلك من الضروري – قبل أي شيء آخر – أن يكون لكم ذهن سليم في داخلكم، وأن تهتموا بالأسفار المقدسة التي تخاطبكم قائلة: "لتنظر عيناك باستقامة" (أم 4: 25 LXX)، لأن الابتعاد عن استقامة التعاليم المقدسة لن يكون له شيء آخر سوى أن تنام نوم الموت[7].]
2 (ج) تفسير قانون الإيمان
1. ما هو مدي ارتباط قانون الإيمان بالاستعداد لنوال العماد وحفظ الإيمان الأرثوذكسي؟
اهتم كثير من آباء الكنيسة بشرح قانون الإيمان أو أجزاء منه، خاصة الذين كانوا يهيؤون طالبي العماد، وأيضًا الذين كانوا يواجهون بعض البدع، مثل القديسين كيرلس الكبير وكيرلس أسقف أورشليم وأغسطينوس.
جاء في القوانين (الدساتير) الرسولية: [على الموعوظين أن يتسلموا قبل المعمودية معرفة اللَّه الآب والابن الوحيد والروح القدس، ونظام خلق العالم والإعلانات الإلهية، ولماذا خُلق الإنسان والعالم، ويتعلم من ناموس الطبيعة لكي يعرف الهدف الذي خُلق لأجله. ويتعلم كيف أن الله عادل... ويكلّل قديسيه في كل جيلٍ، مثل شيث وأنوش وأخنوخ ونوح وإبراهيم وملكي صادق الخ. ويتعلم تجسد المسيح وآلامه وقيامته وصعوده، وما معنى جحد الشيطان والدخول مع المسيح في عهدٍ[8].]
ويَظهر اهتمام الكنيسة بتسليم قانون الإيمان أن الأساقفة كانوا يهتمون أن يقوموا بهذا العمل بأنفسهم، فقد كتب الأسقف أمبروسيوس إلى أخته مرسيلينا: [في اليوم التالي، إذ كان يوم الرب، بعد الدرس والعظة، كما خرج الموعوظون، سلمت طالبي العماد قانون الإيمان في معمودية البازليكي[9].]
كذلك يفتتح الأسقف أغسطينوس مقاله عن "قانون الإيمان لطالبي العماد"، قائلاً: [استلموا يا أولادي دستور الإيمان الذي يُدعى قانون الإيمان... وإذ تتقبلوه، اكتبوه في قلوبكم، ورددوه كل يومٍ قبل النوم وقبل الخروج. تسلّحوا بقانون إيمانكم. إنه قانون لا يكتبه الإنسان لكي يقرأه بل لكي يردده، حتى لا ينسى ما قد تسلمه بعنايةٍ. سجلوه في ذاكرتكم.]
ويقول القديس كيرلس الأورشليمي: [عندما تتعلم "الإيمان" والاعتراف به، اُطلب هذا الإيمان وحده الذي تُسلِمه لك الكنيسة الآن. احتفظ بهذا الذي يشيد به الكتاب المقدس بقوةٍ... لا تكتبه على ورق بل انقشه بذاكرتك على قلبك... إنني أرغب في تقديمه لك كعونٍ يسندك كل أيام حياتك.]
وكتب الأنبا يوحنا الأورشليمي للقديس جيروم: [العادة عندنا أننا نسلم التعليم بالثالوث القدوس بصورة عامة خلال الأربعين يومًا للذين سيتعمدون.]
الاعتراف بالإيمان هو دخول في ميثاق إلهي أو توقيع عقد مع اللَّه، يُسجل في سفر السماء. وفي هذا ويقول الأب ثيؤدور المصيصي: [أن نقيم العقود والمواثيق مع اللَّه ربنا بالاعتراف بالإيمان، خلال وساطة الكاهن نصير مؤهلين للدخول في بيته والتمتع برؤيته ومعرفته وسكناه وأن نُسجل في المدينة ونُحسب مواطنين فيها ونصير أصحاب ثقة عظيمة[10]]. كما يقول: [بالاعتراف بالإيمان تربط نفسك باللَّه بواسطة الأسقف، وتقيم ميثاقًا تتعهد فيه أن تثابر في محبة الطبيعة الإلهية[11].]
2. ما هي بنود قانون الإيمان الحالي؟
يمكننا تقسيم قانون الإيمان إلى ثلاثة عشر بندًا:
أ. بالحقيقة نؤمن بإله واحد،
ب. الله الآب، ضابط الكل، خالق السماء والأرض، ما يُرى وما لا يُرى.
ج. نؤمن بربٍ واحدٍ يسوع المسيح، ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوي للآب في الجوهر، الذي به كان كل شيء.
د. هذا الذي من أجلنا نحن البشر، ومن أجل خلاصنا، نزل من السماء وتجسد بالروح القدس ومن مريم العذراء.
ه. تأنس وصلب عنا على عهد بيلاطس بنطس.
و. تألم وقبر وقام من بين الأموات في اليوم الثالث كما في الكتب.
ز. وصعد إلى السماوات، وجلس عن يمين أبيه،
ح. وأيضًا يأتي في مجده ليدين الأحياء والأموات، الذي ليس لملكه انقضاء.
ط. نعم نؤمن بالروح القدس، الرب المحيي المنبثق من الآب. نسجد له ونمجده مع الآب والابن، الناطق في الأنبياء.
ي. وبكنيسة واحدة مقدسة جامعة رسولية.
ك. ونعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا.
ل. وننتظر قيامة الأموات.
م. وحياة الدهر الآتي.
ن. آمين.
البند الأول: "بالحقيقة نؤمن بإله واحد."
3. لماذا يُفتتح قانون الإيمان بالقول: "بالحقيقة نؤمن"؟
أ. في تلاوة قانون الإيمان يلزمنا أن ندرك أن الإيمان ليس مشاعر مجردة فحسب، وإنما هو تمتع بالمعرفة في حياتنا العملية. كما يليق بالمؤمن ألا يتوقف عند المعرفة البشرية متجاهلاً دور النعمة الإلهية التي تقدس العقل وتعمل في حياة المؤمن ليختبر أمورًا تسمو فوق العقل البشري، فيختبر الحياة الكنسية المتهللة والحكيمة.
ب. بقوله "نؤمن" بصيغة الجمع سواء أثناء الليتورجيات أو في صلوات المخدع، يليق بالمؤمن أن يدرك أن قانون الإيمان ليس من تأليف الشخص المصلي، إنما يعلن عن قبول الإيمان الكنسي الجماعي. سرّ تقدم المؤمن أنه عضو حيّ في كنيسة الله الجامعة.
ت. نقول: "نؤمن" وليس "نعرف"، لأن الإيمان يسبق المعرفة، كما أن الإيمان يلزم أن يمس حياتنا، بينما قد تقف المعرفة عند أمورٍ لا تمس حياتنا. الإيمان يعطي لحياتنا معنى وسعادة وصبرًا واستمرارية، وفي نفس الوقت يكشف عن التزاماتنا وتجاوبنا عمليًا مع من نؤمن به. نؤمن بالله ليس خلال مناقشات فلسفية نظرية، إنما خلال حياة حب مشترك بيننا وبين خالقنا، وبيننا نحن البشر وبعضنا البعض. إيماننا يحثنا على التلاقي والتفاعل مع خالقنا الذي ليس صادرًا عن كائن يسبقه، لأنه أزلي. ونثق فيه لأنه أبدي، وليس مثل الكائن البشري له بداية كما لحياته على الأرض نهاية.
4. لماذا يبدأ بتأكيد الإيمان بالله الواحد؟
لكي يحفظ المؤمنين من الانحراف إلى عبادة الأوثان. يقول القديس كيرلس الكبير: [قال الآباء بإله واحد لكي يهدموا ضلالة الآلهة، تابعين الأسفار المقدسة من كل جهة، ومظهرين جمال الحق لكل إنسانٍ يُسمى تحت الشمس. هذا ما فعله موسى الحكيم جدًا أيضًا بكل وضوحٍ: "اسمع يا إسرائيل، الرب إلهنا رب واحد" (تث 6: 4؛ راجع خر 20: 3؛ إش 44: 6)[12].]
5. ماذا يعني أننا نؤمن بالله الواحد؟
هذا يعني أننا نتفاعل مع الله الموجود في كل مكانٍ ومع سماته، فنسلك في الرب. يميز يعقوب الرسول بين إيمان إنسان الله وبين إيمان الشيطان بالله. "أنت تؤمن أن الله واحد حسنًا تفعل، والشياطين يؤمنون ويقشعرون. ولكن هل تريد أن تعلم أيها الإنسان أن الإيمان بدون أعمال ميت (يع ٢: ١٩-20)؟! كما يقول الرسول بولس: "الإيمان العامل بالمحبة" (غل ٥: ٦).
يقول القديس أغناطيوس النوراني: [يوجد الله الواحد الذي أعلن عن نفسه بيسوع المسيح ابنه، الذي هو كلمته (اللوغوس)، ليس منطوقًا به بل جوهري. لأنه ليس صوتًا لأداة نطق، بل أقنوم مولود بالقوة الإلهية[13].]
يتحدث القديس مار يعقوب السروجي عن الإله الواحد غير المنعزل في سماواته كما يظن البعض، بل عامل في خليقته المحبوبة لديه، فيقول:
[الله حال بقوته داخل الخليقة، ويحركها لتكون قائمة بذاتها.
هو ساكن فوق العلو وتحت الأعماق وداخل العالم وخارجه وبكل الجوانب.
كمثل النفس حالة وساكنة داخل الأعضاء، في الرأس والرجلين وفى كل الحواس وهي كما هي...
ليس ثمة موضع في الجسد لا تكون النفس فيه.
بالنفس الأعين تنظر، والأيادي تلمس، والفم ينطق، والشم يستنشق، والأذن تسمع.
وبدون النفس ليس ثمة حواس، ولا يتحرك عضو إلا بها.
هكذا الخليقة قائمة بالله، ومنه تبدو، وعليه تستريح بالكمال.
به يختلج العلو والأعماق بانضباط، وأيضًا الأقطار والجهات وساكنوها.
به تنير الأضواء بسلطانها، الشمس بإشراقها والقمر بتغيره، والثريا والكواكب تتحرك في سبلهم.]
ويقول القديس كيرلس الكبير: [الله السخي جدًا لا يحتقرنا نحن الذين نجاهد جائعين إلى خيراته[14].]
البند الثاني: "الله الآب، ضابط الكل (البانتوكراتور)، خالق السماء والأرض، ما يُرى وما لا يُرى."
أولاً: الله الآب.
6. كيف نميز بين أبوة الآب للابن وأبوته للمؤمنين؟
إذ كان ربنا يسوع يتحدث عن الآب يقول: "أبي" (يو 8:38)، كما دعا مؤمنيه أن يساهموا معه في هذه العلاقة، فنقول في الصلاة الربانية "أبانا" (مت ٦: ٩). لكن بنوة الابن الوحيد الجنس فريدة، إذ هو واحد مع الآب في ذات الجوهر، بنوته أزلية طبيعية. أما بنوة المؤمنين للآب فهي هبة لهم بالنعمة الإلهية صار لنا هذا الحق بكوننا أعضاء جسد يسوع المسيح. لقد ميّز السيد المسيح بين بنوته وبنوتنا بقوله: "أبي وأبيكم" (يو ٢٠: ١٧)، ولم يقل "أبانا".
يقول القديس غريغوريوس النزينزي إن أقنومي الآب والابن لهما هذان اللقبان دون تصور لفكرٍ جسديٍ حتى في أذهاننا. الأبوة والبنوة هنا علاقة حب فريدة لا يمكن تصورها. الآب مصدر والابن مولود منه في ذات الجوهر. يقول القديس أثناسيوس: [يجب تحاشي كل فكر جسدي في هذه الأمور[15].]
الله الواحد هو حب بلا شهوات جسدية، ولا يخضع لجنسٍ ما. أما آلهة اليونانيين والرومان فيسقطون في شهوات ويُحسبون ذكورًا وأناثًا، بل ويُمكن أن يدخلوا في صراع وحروب فيما بينهم.
إن كانت كلمة آب تشير إلى علاقة في الأصل منذ الأزل، فهذا يعني أن الابن أزلي مع الآب. فبدون ابن لا يوجد أب، وبدون آب لا وجود للابن. يقول العلامة ترتليان: [الآب يلزمه وجود الابن، والابن يلزمه وجود الآب[16].] فعندما نعترف أن الله أب أزلي، ندرك في أذهاننا أيضًا أن الابن أزلي حقيقةً.
يقول القديس أغسطينوس: [لنا وَالدَان ولدانا على الأرض للشقاء ثم نموت. ولكننا وجدنا وَالدينْ آخرين. فالله أبونا والكنيسة أمنا، ولدانا للحياة الأبديّة. لنتأمل أيها الأحباء أبناء من قد صرنا؟ لنسلك بما يليق بأبٍ كهذا... وجدنا لنا أبًا في السماوات، لذلك وجب علينا الاهتمام بسلوكنا ونحن على الأرض. لأن من ينتسب لأبٍ كهذا عليه السلوك بطريقة يستحق بها أن ينال ميراثه[17].]
ويقول القديس كيرلس الكبير: [يُلقّب الآب ضابط الكل لكي بذكرهم الآب يظهرون الابن معه الذي به هو الآب قائم معه وكائن معه دائمًا[18].]
كما يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [أب كامل ولد ابنًا كاملاً، وسلم كل شيء للمولود، إذ قال: "كل شيء قد دُفع لي من أبي" (مت 11: 27)، وتمجد بواسطة الابن الوحيد، إذ يقول الابن: "أِكرِم أبي" (يو 8: 49)، وأيضًا: "كما إني أنا قد حفظت وصايا أبي وأثبت في محبته" (يو 15: 10). لذلك فنحن نقول مع الرسول: "مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح أبو الرأفة وإله كل تعزية" (2 كو 1: 3). ونحني ركبنا لدى الآب الذي منه تُسمى كل أبوة ما في السماوات وما على الأرض (أف 3: 14-15). فنمجده مع الابن الوحيد، لأن "الذي ينكر الابن ليس له الآب أيضًا ومن يعترف بالابن، فله الآب أيضًا" (1 يو 2: 23)، عالمين أن "يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب" (في 2: 11)[19].]
يليق بنا أن نعتز بلقب الآب، إذ هو يُسر بأن ندعوه "أبانا"، إذ بالمعمودية صرنا أولادًا لله والكنيسة. نتهلل دومًا بقبولنا البنوة لله وتجاوبنا معها، لذلك يؤكد الرسول: "والآن أيها الأولاد اثبتوا فيه... إن علمتم أنه بار، فاعلموا أن كل من يصنع البرّ مولود منه" (1 يو 2: 28-29). "اُنظروا أيَّة محبة أعطانا الآب حتى نُدعى أولاد الله... كل من يثبت فيه لا يخطئ. كل من يخطئ، لم يبصره ولا عرفه. أيها الأولاد لا يضلكم أحد. من يفعل البرّ، فهو بار، كما أن ذاك بار... من يفعل الخطية فهو من إبليس، لأن إبليس من البدء يخطئ... كل من هو مولود من الله لا يفعل خطية، لأن زرعه يثبت فيه، ولا يستطيع أن يخطئ، لأنه مولود من الله. بهذا أولاد الله ظاهرون، وأولاد إبليس. كل من لا يفعل البرّ، فليس من الله" (1 يو 3: 1–10).
7. لماذا يُدعى الله الضابط الكل (البنتوكراتور)؟ وماذا تعني كلمة بانتوكراتور أو ضابط الكل؟
يشير هذا التعبير إلى قدرة الله في تدبير كل الحياة وتحقيق إرادته فيها.
الله الواحد هو مصدر القوة لكل المخلوقات السماوية والأرضية. سلطانه يهب أمانًا للحرية البشرية ولا يهددها. سلطانه متناغم مع حبه، كلي القدرة في مرافقته للبشرية وفي تقديسه المؤمن، وأيضًا وهو في القبر بين الأموات. لا يُمكن أن تًقارن قدرته مع قدرة كائن آخر، وإلاَّ كان إلهًا وثنيًا.
نعتز بأبينا الضابط الكل ونختفي فيه، فلا نخاف من كل قوات الظلمة ولا تجد الخطية لها موضعًا فينا، ولا يحرمنا الموت من الميراث الأبدي.
8. لماذا نعنز بالله كخالق الكل؟
إذ نعلن خلال قانون الإيمان أن الله هو خالقنا، يليق بنا أن نلتصق به فنحيا حسب إرادته المقدسة، ونحن في طريقنا إلى الاستقرار في الأحضان الإلهية. يقول القديس كيرلس الكبير: [لا يمكن المقارنة بين الخالق والمخلوق، وبين غير الحادث (أي ليس له بداية) والحادث (الذي له بداية)، ولا بين الطبيعة الخاضعة لنير العبودية والطبيعة المزينة بكرامات السيادة والمالكة لمجدٍ إلهي لا يُوصف وأعلى من مجد العالم[20].] يمكننا معرفة الله عن طريق أعماله. يقول القديس باسيليوس الكبير: [ليكن بهاء هذه الأشياء المنظورة مدعاة لنا لفهم غير المنظور والذي هو فوق كل جمالٍ أرضيٍ. ولترفعنا روعة هذه المحسوسات المحدودة إلى إدراك السامية عمن هو سرمدي غير محدود ذو جبروت يتخطى مدارك عقولنا وإفهامنا[21].]
9. لماذا وضعت الكنيسة بند "خالق السماء والأرض"؟
الله الكلي القدرة والكلي الصلاح خلق السماء والأرض وكل ما فيهما صالح. لم يكن الغنوصيون قادرين على إدراك أن كل ما خلقه الله صالح، فحسبوا أن الجسد والمادة والجنس والزواج وإنجاب الأطفال من صنع إله شرير أو إله أقل من الإله السامي، وأن الخلاص يتحقق بالهروب من العالم المادي بواسطة حكمة سرّية. هذا ما دفع الكنيسة أن تضع هذا البند في قانون الإيمان لكي ما يتطلع المؤمنون إلى كل الخليقة أنها صالحة. وهذا ما أوضحه الإنجيلي بقوله: "به كان كل شيءٍ" (يو ١: ٣). يتساءل الغنوصيون: لماذا توجد شرور كثيرة في العالم؟ وتأتي إجابتهم: إنها من صنع إله شرير! هكذا يتطلع الغنوصيون إلى العالم أنه سجن شيطاني، وفي نظرهم كل العالم المادي شرّ بما فيه الجسد البشري، ويسعون للخلاص منه.
عوض إدراك أن الشرّ مصدره الإرادة الشريرة غير المقدسة ينادون بتحطيم كل ما هو مادي لأنه شرير، عوض المناداة أن الظلمة هي نتاج غياب النور، والشرّ هو ثمر انحراف الإرادة وإساءة استخدام المادة في الطريق المستقيم. يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [إن اختار شخص أن يغلق عينيه في موضع فسيح به نور النهار، فإن عجزه عن النظر ليس خطأ في الشمس[22].]
لو أن إنسانًا ضرب شخصًا بمصباحٍ منير، فليس المصباح ولا قوة يديه شرّا، إنما الشرّ في إرادة الشخص الذي أساء استخدام المصباح كما أساء قدرة يديه التي هي عطية من الله. وجود شرور كثيرة في العالم ليس علتها الخالق الصالح إنما انحراف البشر وحاجتهم إلى الشفاء. هذا هو الفارق بين المسيحية والغنوصية. يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [رب قائل يعترض: إن كان جوهر اللاهوت لا يقع تحت الحواس، فلماذا نتحدث في هذه الأمور؟ نعم، هل لأنني لا أستطيع أن أشرب النهر كله يكون هذا سببًا في ألا أستقي منه باعتدال قدر ما يناسبني؟! هل لأن عيني تعجزان عن استيعاب أشعة الشمس في كمالها لا أنظر إليها قدر ما احتاج؟! وإذا دخلت حديقة عظيمة ولم أقدر أن آكل كل ثمارها هل تريد مني أن أخرج منها جائعا؟! إذن، لأسبح الله خالقنا وأمجده، إذ وُهبت لنا وصية إلهية تقول: "كل نسمة فلتسبح الرب" (مز 6:150). إنني أسعى الآن لأقوم بتمجيده دون أن أصفه، عالما أنه بالرغم من عجزي عن القيام بتمجيده حسبما يستحق، لكن حتى هذا السعي هو من الأعمال التقوية. ويشجع الرب يسوع ضعفي بقوله: "اللٌه لم يره أحد في أي زمان (يو 1: 18)[23]".]
البند الثالث: "نؤمن بربٍ واحدٍ يسوع المسيح، ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوي للآب في الجوهر، الذي به كان كل شيءٍ.
10. لماذا نؤمن بربنا يسوع؟
أولاً: الإيمان بيسوع المسيح يعتبر مركز الإيمان المسيحي. كانت الكرازة تبدأ بالحديث عن الربّ يسوع Kyrios Iesous، يقول الرسول بولس: "إن اعترفت بفمك بالربّ يسوع" (رو ١٠: ٩). كما يقول: "ليس أحد يقدر أن يقول يسوع ربّ إلاَّ بالروح القدس" (١ كو ١٢: ٣).
إذ أعلن توما عن إيمانه بعد أن طلب أن يراه بعد القيامة ويلمس بيديه جراحاته، قال: "ربي وإلهي" (يو 20: 28). وفي نهاية رؤيا يوحنا الحبيب أعلن الرائي عن مدى شوق الكنيسة لمجيء ربنا يسوع، قائلاً: "آمين، تعال أيها الرب يسوع" (رؤ 22: 20).
ثانيًا: هذا الإيمان يدفعنا إلى علاقة شخصية وولاءٍ صادقٍ له. محور الإيمان الرئيسي الشعور أن كل كياني الروحي والنفسي والجسدي هو التمتع بالمخلّص الإلهي ربنا يسوع. هذا الإيمان الشخصي يحملني لحياة الشركة مع السمائيين والقديسين، إذ يقول الرسول: "لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض (أي السمائيون والبشر حتى الشياطين تجثو له في رعبٍ ومذلةٍ)، ويعترف كل لسانٍ أن يسوع المسيح هو ربّ لمجد الله الآب" (في ٢: ٩-١١).
ثالثًا: الولاء لربنا يسوع يفتح الباب لكل المؤمنين للتمتع بروح الأخوَّة الصادقة، فليس يهودي ويوناني، ولا حر وعبد (غل 3: 28).
إذ ردَّ الرسول بولس العبد الهارب أنسيموس إلى سيده فليمون كتب إليه: "لأنه ربما لأجل هذا افترق عنك إلى ساعةٍ لكي يكون لك إلى الأبد، لا كعبدٍ فيما بعد، بل أفضل من عبدٍ أخًا محبوبًا ولاسيما إليَّ، فكم بالحريّ إليك في الجسد والربّ جميعًا" (فل ١٥-١٦).
بدأت مدرسة الإسكندريّة كمدرسة للموعوظين[24] Catechumens تضم طالبي العماد من أمم ويهود لتعليم الإيمان المسيحي، تُقدّم لهم دراسات تؤهّلهم لنوال سَّر المعموديّة. فتحت المدرسة أبوابها أمام الجميع، يلتحق بها أناس من ديانات مختلفة وثقافات متباينة وذوي مراكز اجتماعيّة مختلفة وأعمار متفاوتة...، "كان التعليم بها جامعيًا وموحّدًا، لا يميز بين الطبقات أو الظروف، بين العبيد أو السادة"[25]، في وقت كان العبد رخيصًا، يُباع كالسلعة ويُشترى!
كتب القديس غريغوريوس أسقف نيصص عدة مقالات عن تحرير العبيد، ليس معتمدًا على حقوق الإنسان في الحرية، إنما على التزام البشر جميعًا للخضوع لسيدٍ واحدٍ، رب واحد لا يستعبد أحدًا بل يدعو الكل إلى الحرية[29]. وفي عظة له على عيد قيامة السيد المسيح، حث القديس غريغوريوس أسقف نيصص السادة على تحرير عبيدهم كما حررنا السيد المسيح بقيامته من عبودية الخطية.
[الآن هل تحرر المسجونون، وعُفي عن المدينين، وعُتق العبيد بإعلان صالح ولطيف من قبل الكنيسة؟!... لقد سمعتم أيها السادة، أعطوا اهتمامًا لقولي كقولٍ صادقٍ.
لا تهينوني لدى عبيدكم، متطلعين إليّ اليوم كعظة بليغة باطلة.
انزعوا الألم عن النفوس المتضايقة، كما ينتزع الرب الموت عن الأجساد.
وحولوا عارهم إلى كرامةٍ، وضيقهم إلى فرحٍ، وخوفهم من أن يتحدثوا إلى انفتاحٍ.
أحضروا المطروحين في الزوايا كما من قبورهم،
اجعلوا جمال العيد يزهر كزهرة فوق كل أحدٍ[30].]
يليق بكل البشر الولاء ليسوع المسيح الذي وهبنا البنوة لله الآب خلال عمل روحه القدوس في المعمودية. بهذا جاء انهيار العبودية ليس خلال ثورة على السادة، إنما انفتح الباب بالإيمان بربوبية يسوع المسيح.
11. كيف ننتفع بألقاب السيد المسيح؟
دُعي يسوع: كلمة "يسوع" في العبرية تعني "الله يخلص". أعطى رئيس الملائكة جبرائيل هذا الاسم للقديسة مريم "ها أنتِ ستحبلين وتلدين ابنًا وتُسميه يسوع" (لو 1: 31). وظهر ملاك الرب ليوسف في حُلم، قائلاً: "يا يوسف ابن داود، لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك، لأن الذي حُبل به فيها بالروح القدس، فستلد ابنًا وتدعو اسمه يسوع، لأنه يخلص شعبه من خطاياهم (مت 1: 20-21).
هذا الاسم يُعبر عن شخصه وعن رسالته. فمن جهة شخصه فهو خلق آدم على صورته كشبهه (تك 1: 26-27)، وقد فقد آدم هذه الصورة وفسدت طبيعته بسبب خطيته إذ عصى الوصية. وأنه ليس أحد في السماوات أو على الأرض قادر أن يغفر الخطايا إلا الله. ليس اسم آخر تحت السماء به نخلص (أع 4: 12؛ 9: 14؛ يع 2: 7). لذلك يسوع الذي هو الله يخلص؛ صار بتجسده إنسانًا يجمع المؤمنين به ويهبهم المغفرة (يو 3: 18؛ أع 2: 21؛ 5: 41؛ رو 10: 6-13).
دُعي أيضًا المسيح أو المسيّا Messiah أي الممسوح.
في العهد القديم كان الملوك والكهنة وأحيانًا الأنبياء، هؤلاء الثلاث فئات يُحسبون "مسحاء الرب". لم يكن يجوز للملك الممسوح الذي من سبط يهوذا أن يمارس الكهنوت، لأنه ليس من نسل هرون الذي من سبط لاوي. ومتى مُسح الملك لا يجوز لإنسانٍ آخر أن يُقام ملكًا إلا إذا فسد الملك وصار مرفوضًا من الله، كما حدث مع شاول الملك (1 صم 16: 1).
أما السيد المسيح فهو ملك الملوك (رؤ 17: 14)، أقام المؤمنين ملوكًا وكهنة لله أبيه (رؤ 1: 6؛ 5: 10). وهو نفسه رئيس الكهنة السماوي (عب 7: 26) الذي وحده بلا خطية، لا يحتاج إلى تقديم ذبائح عن نفسه مثل هرون (عب 5: 3). وفي نفس الوقت يُعلن لمؤمنيه أسرار ملكوته السماوي، ويهبهم اختبار عربون السماويات. جاء هذا الملك الإلهي السماوي لا ليُخدم بل يخدم ويبذل نفسه فدية عن كثيرين (يو 3: 31). خدمته تتمثل في قبولهم بروحه القدوس حياة الشركة فيه، فيحملون سماته.
مُسح ليُعلن ملكوته على الصليب (أع 2: 36)، الأمر الذي تمتع به اللص الذي على اليمين فشهد له: "اذكرني يا رب متى جئتَ في ملكوتك" (لو 23: 42).
يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [إنه يُدعى "الباب" (يو 1: 7، 9). لا تأخذ المعنى الحرفي للكلمة كمادة خشبية، بل المعنى الروحي. إنه "باب حيّ" يميز الداخلين فيه.
ويُدعى "الطريق" (يو 14: 6) لا أن يُداس بالأقدام، بل لكي يقودنا للآب السماوي.
يُدعى “الحمل" (يو 1: 29؛ إش 53: 7، 8؛ أع 8: 32) لا كغير عاقلٍ، بل لأن بدمه الثمين يطهر العالم من خطاياه، ويقف صامتًا أمام جازيه.
هذا الحمل دُعي مرة بـ "الراعي" إذ يقول: "أنا هو الراعي الصالح" (لو 10: 11). هو حمل من جهة ناسوته، وراعي بالحب المترفق الذي للاهوته. هل تريد أن تعرف حملان عاقلة؟ اسمع المخلص يقول للرسل: "ها أنا أرسلكم كحملانٍ بين ذئاب" (مت 10: 10، 16).
إنه يُدعى "أسدًا" (تك 49: 9؛ رؤ 5: 5)، ليس مفترسًا للبشر، بل لكرامة شخصه الملوكية وثباته وقوته. لقد دعي أسدًا، لأنه يقف قبالة الأسد المقاوم الذي يزأر ملتمسًا أن يفترس من يخدعهم (1 بط 5: 8). لأن المخلص في مجيئه لم يغير وداعة طبيعته، بل بكونه "الأسد الخارج من سبط يهوذا" (مز 118: 22) يخلص المؤمنين ويطأ على المقاوم.
يُدعى "حجرًا"، ليس بلا حياة أو مقطوع بيدٍ بشرية، بل "حجر الزاوية الرئيسي" (إش 28: 16)، من يؤمن به لن يخزى[31].]
12. لماذا يعلن قانون إيماننا أنه ابن الله الوحيد؟
شهد له الآب السماوي في عماده كما في تجلّيه، ففي عماده قيل: "وإذا السماوات قد انفتحت له... وصوت من السماوات قائلاً: "هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررت" (مت 3: 17). وفي تجلّيه على جبل تابور قيل: "وفيما هو يتكلم إذا سحابة نيّرة ظللتهم وصوت من السحابة، قائلاً: "هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررت. له اسمعوا" (مت 17: 5).
وعندما "قال لهم وأنتم من تقولون إني أنا؟ أجاب سمعان بطرس وقال: "أنت هو المسيح ابن الله الحيّ. فأجاب يسوع وقال له: طوبى لك يا سمعان بن يونا، إن لحمًا ودمًا لم يُعلن لك، لكن أبي الذي في السماوات" (مت 16: 15-17).
لقد ميّز السيد المسيح بين بنوته الطبيعية الأزلية للآب (يو 29: 17)، وبين بنوتنا نحن له بالنعمة (مت 5: 48)، إذ يقول: "أبي وأبيكم" (مت 5: 48؛ يو 20: 17). وبعد قيامته وصعوده يقول القديس يوحنا الحبيب: "ورأينا مجده مجدًا كما لوحيدٍ من الآب مملوء نعمة وحقًا" (يو 1: 14).
يقول القديس كيرلس الكبير: [لكي لا يُظهر أنهم ينسبون إليه اسمًا مشتركًا مثل الاسم الذي يُمكن أن يُنسب إلينا نحن أنفسنا، لأننا نحن نُدعى أيضًا أبناء (غل 4: 6)، فبكل فطنة وصفوه بتلك الأسماء... قالوا: إنه "مولود غير مخلوقٍ، مدركين أنه من جهة الجوهر لا يُصنّف مع المخلوقات، بل بالحري أكّدوا بيقينٍ أنه مولود من جوهر الله الآب خلوًا من زمنٍ وبطريقة تفوق الإدراك، "في البدء كان الكلمة" (يو 1:1)... مثل ولادة النور من النور. وهكذا نحن نقول: إن الابن في الآب، والآب في الابن (يو 14: 9-10)، وتبعًا لذلك فهو من نفس الجوهر مع الآب... فالولادة ليست جسمانية وبسيطة، وتفهم على أنها منه وفيه، وأن كل منهما موجود بأقنومه الخاص، لأن الآب هو أب وليس ابنًا، والابن هو المولود وليس هو أبًا[32].]
13. لماذا نردد بإيمان "به كان كل شيءٍ" (أي خالق)؟
خلق الله الآب كل شيء بابنه، بكونه حكمة الله وقوته (١ كو ١: ٢٤)، وكلمته الأبدي (يو ١: ٣). سبق أن تحدثنا عن الآب الخالق، وهنا نشير إلى الابن "به كان كل شيءٍ." يقول يوحنا الإنجيلي: "كل شيءٍ به كان، وبغيره لم يكن شيء مما كان" (يو 1: 3).
جاء الحرف "به" يحمل معنى بواسطته ومن خلاله وفيه، فقد خلق وبقي مدبرًا لخليقته معتنيًا بها وحافظًا لها. هذا ما عبر عنه الرسول بولس: "فإن فيه خُلق الكل"... به وله قد خلق... وفيه يقوم الكل" (كو 1:16-17). "حامل كل الأشياء بكلمة قدرته" (عب 1: 3). "لأننا به نحيا ونتحرك ونوجد" (أع 17: 28). يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الإنجيلي يركز على وحدة العمل الخاص بالخلقة بين الكلمة والآب، لإظهار لاهوت الكلمة ومساواته للآب. بالقول: "وبغيره لم يكن شيء مما كان" يؤكد أن دور الكلمة في الخلق أساسي، بدونه استحالة تحقيق الخلقة أو استمرارها.
يقول القديس كيرلس الكبير: ["كل شيء به كان، وبغيره لم يكن شيء مما كان". لأننا نؤمن أن كل شيءٍ قد خُلق بواسطة الابن لا نستطيع أن نحسبه كواحدٍ من الكل (المخلوقات)، بل هو غيّرها تمامًا، لأنه ليس ضمن الطبائع المخلوقة، بل نعترف أنه وحده بالطبيعة الإله الحق.] كما يقول: [لم ينل قوة من آخر لكي يخلق، وإنما هو قوة الله الآب، الابن الوحيد، الذي يعمل كل شيءٍ مع الآب والروح القدس. لأن كل شيءٍ من الآب بالابن، لأنه لو خلق الابن منفصلاً عن الآب لما استطاع الابن أن يقول: "أنا في الآب والآب فيّ" (يو 10:14).]
البند الرابع: "هذا الذي من أجلنا نحن البشر، ومن أجل خلاصنا، نزل من السماء وتجسد بالروح القدس ومن مريم العذراء."
14. كيف نقول: "نزل من السماء"، وهو حاضر في كل مكان؟
حقًا إنه حاضر في كل مكانٍ، فهو على الدوام في السماء وعلى الأرض، لكنه هو غير منظور على الأرض، ظهر عليها بتجسده، لذا قيل: "نزل من السماء". يقول السيد نفسه: "ليس أحد صعد إلى السماء إلاَّ الذي نزل من السماء ابن الإنسان الذي هو في السماء" (يو ٣: ١٣).
15. هل ترك السماء؟
بعدما قدم لنا قانون الإيمان وحدانية الله كي لا نسقط في تعدد الآلهة، بل نثق في الله الواحد القدير ضابط الكل، قدم لنا أقنوم الآب بكونه أبًا لابنه الوحيد الجنس منذ الأزل، واحد معه في الجوهر، يهبنا البنوة له بالنعمة الإلهية، الآن يعلن لنا عن نزول الابن من أجلنا. قيل عنه: "سيأتي الله ظاهرًا ولن يصمت" (مز 49: 3 LXX).
وكما يقول القديس كيرلس الكبير: [من عادة الأسفار المقدسة أن توضح ما يعلو على أفكارنا بكلمات مناسبة لنا. ولذلك قال الرب حينما كان يتحدث مع التلاميذ القديسين: "خرجتُ من عند الآب وقد أتيت إلى العالم، وأيضًا أترك العالم وأذهب إلى الآب" (يو 16: 28). وأيضًا: "أنتم من أسفل، أما أنا فمن فوق" (يو 8: 23). وبالرغم من أنه كائن في أعلى الأعالي، وهو بحسب الجوهر فوق الكل مع أبيه، إذ أنه متوَّج معه بوحدة الطبيعة، فهو "لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله، لكنه أخلى نفسه أخذًا صورة ٍ عبدٍ، صائرًا في شبه الناس، وإذ وُجد في الهيئة كإنسانٍ وضع نفسه" (في 2: 6-8). لأن الكلمة هو الله أخذ جسدنا ومع ذلك بقي إلهًا... لم يأخذ جسدًا بلا نفس كما ظن بعض الهراطقة، بل بالحري تُحييه نفس عاقلة... احتمل الولادة بحسب الجسد من امرأة، وجاء في شكلنا، وهذا هو معنى أنه تأنس... إنه رب القوة في ضعف الجسد. وفي قياس (قامة) بشريته كان يملك ما هو فوق كل الخليقة خاصًا به. لأنه ما كان عليه قبل التجسد كان خاصًا به ولا يُمكن أن يُفقد، لأنه كان إلهًا، وهو الابن الحقيقي، والوحيد الجنس، والنور، والحياة، والقوة. أما ما لم يكن عليه، فإنه يُرى أنه قد أخده مضافًا من أجل التدبير (التجسد)... يقول يوحنا الحكيم: "الكلمة صار جسدًا" (يو 1: 14). وهو صار جسدًا ليس لأنه تغيّر إلى طبيعة الجسد بانتقالٍ أو تحولٍ أو تغير، ولا لأنه تعرض لاختلاطٍ أو امتزاجٍ في الجواهر كما يثرثر بعض الناس، لأن هذا مستحيل، إذ هو بالطبيعة غير متغير ولا متحوِّل[33].]
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [عندما يقول إن المسيح "خرج" من عند الآب، لا تتخيل تغيرًا في المكان كما يحدث مع الناس. لا تُفهم "أنا أتيت" بلغة الحركة، وإنما بخصوص التجسد[34].]
ويقول القديس هيلاري أسقف بواتييه: [يقول من عند الله خرجت"، مبلغًا أن طبيعته هي ذاتها كما هي التي أعطيت له بميلاده... "خرجت من عند الآب، وأتيت إلى العالم" العبارة الأخيرة تشير إلى تجسده، والأولى إلى طبيعته[35].]
16. لماذا قيل إنه نزل من السماء لأجلنا؟
إنه لم ينزل من أجل فئة معينة من البشر، وإنما من أجل بني البشر ليخلِّصهم من الخطية ومن اللعنة التي حلّت بسبب الخطية وأيضًا من الموت. يقول القديس يوحنا: "الخطية هي التعدّي، وتعلمون أن ذاك أُظهر لكي يرفع خطايانا، وليس فيه خطية" (١ يو ٣: ٤-٥).
17. ماذا يقول الكتاب المقدس عن تجسد ابن الله بالروح القدس من العذراء مريم؟
عندما دُهشت العذراء مما بشرها به رئيس الملائكة جبرائيل، سألته: "كيف يكون هذا وأنا لست أعرف رجلاً؟ فأجاب الملاك وقال لها: الروح القدس يحلّ عليكِ وقوة العليّ تظللكِ، فلذلك أيضًا القدوس المولود منكِ يُدعى ابن الله" (لو ١: ٣٤-٣٥).
18. ماذا يُقصد بالتجسد والتأنس؟
يأخذ ابن الله لنفسه جسدًا في أحشاء القديسة العذراء مريم، ويصير جنينًا بدون خطية، ويصير إنسانًا دون أن يكف عن كونه إلهًا. يقول الإنجيلي: "الكلمة صار جسدًا" (يو ١: ١٤). هذا الإله المتأنس يشفع في البشرية، مقدمًا نفسه ذبيحة عنهم. ولكي يؤكد الرسول بولس أنه صار إنسانًا حقيقيًا وليس جسدًا خياليًا كما ادعى الغنوصيون، قال: "لأنه يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس الإنسان يسوع المسيح" (١ تي ٢: ٥).
19. كيف يوجد في المسيح طبيعة واحدة؟
يوجد في المسيح طبيعة واحدة من طبيعتين دون انقسام ولا امتزاج ولا اختلاط، هي طبيعة الكلمة المتأنس، وقد رفضت الكنيسة الفكر النسطوري الذي يجعل من المسيح شخصيتين، كما ترفض الفكر الأوطاخي الذي نادى بأن الناسوت تلاشى في اللاهوت.
خلال اللقاءات غير الرسمية والرسمية التقت الأسرتان الأرثوذكس الخلقدونيون مع الأرثوذكس غير الخلقدونيين وكلاهما يرفض الفكر النسطوري والفكر الأوطاخي. كما أوضح الاثنان رفض الانقسام أو الامتزاج بين اللاهوت والناسوت.
20. لماذا ورد في قانون الإيمان: "تجسد بالروح القدس ومن مريم العذراء"؟
كان لولادات معجزية كثيرة بصماتها على تاريخ شعب الله، منها وعد الله لإبراهيم وسارة بميلاد إسحق (تك ١٢: ١٧)، وحنة بميلاد صموئيل النبي (١ صم ١: ١-٢٠)، ولمنوح وامرأته العاقر بميلاد شمشون (قض ١٣: ٢-٣)، ولزكريا الكاهن واليصابات بميلاد يوحنا المعمدان (يو ١: ٥: ٢٥). أما حبل فتاة بتول بسيطة بميلاد يسوع مخلّص العالم فاق كل الوعود الإلهية السابقة وغيرها، لقد حملت البتول هذا الوعد الذي يمس خلاص العالم في جسدها. في البشارة بالتجسد قال الملاك جبرائيل: الروح القدس يحلّ عليكِ، وقوة العليّ تظللكِ" (لو ١: ٣٥).
تعدد الآلهة دعا إلى مجيء الابن ليبطل هذا الفكر. يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [هل جاء الابن باطلاً؟ أم جاء لكي يُخبر عن الآب؟! لقد عرفت ما هو الدافع لمجيء الابن الوحيد من العرش عن يمين الآب فإذ هم احتقروا الآب جاء الابن يُصلح الأمر. إذ به خُلق كل شيء التزم أن يحضر "الخليقة" بأسرها كتقدمة لرب الكون! لاق به أن يضمد الجراحات، لأنه أية جراحات أشر من أن يُعبد الحجر عوض الله؟![36]]
21. هل من ضرورة لتجسده؟
أ. ما كان يمكن أن يتمتع إنسانٌ ما بالخلاص من خطاياه، ويلتحق بالبرّ الحقيقي الذي يُسر به الله ما لم يتجسد ابن الله الواحد مع الآب في الجوهر، ويبذل نفسه عن الخطاة. وكما يقول بولس الرسول: "فليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح يسوع أيضًا، الذي إذ كان في صورة الله لم يَحسب خلسة أن يكون معادلاً لله، لكنه أخلى ذاته آخذًا صورة عبدٍ، صائرًا في شبه الناس، وإذ وُجد في الهيئة كإنسانٍ، وضع نفسه، وأطاع حتى الموت موت الصليب" (في 2: 5-8).
بتقديمه ذبيحة الصليب قدم أيضًا ذبيحة الطاعة لمشيئة الآب، عِوض خطية العصيان التي ارتكبها آدم الأول. يقول الرسول: "لذلك عند دخوله إلى العالم يقول: ذبيحة وقربانًا لم تُرد، ولكن هيّأت لي جسدًا. بمحرقات وذبائح للخطية لم تُسر. ثم قلت هانذا أجيء في درج الكتاب. مكتوب عني: لأفعل مشيئتك يا الله" (عب 10: 5-17).
ب. بالتجسد وبذله لحياته قدم الحب الإلهي في أسمى صورة، إذ يقول: "هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية، لأنه لم يرسل الله ابنه إلى العالم ليدين العالم بل ليُخلص به العالم" (يو 3: 16-17).
ت. لتعليمنا؛ إن كنا بآدم ورثنا فساد الطبيعة البشرية وضعف الإرادة والعجز عن التمتع بالحياة المطوّبة، جاء كلمة الله المتجسد لا ليرد لنا جنة عدن، وإنما لكي يحول ما ورثناه من آلام وضيقات ومرارة إلى ما هو لبنياننا وتطويبنا وإعدادنا للمجد الأبدي. يقول السيد المسيح (آدم الجديد): "احملوا نيري عليكم وتعلموا مني" (مت 11: 29). لقد قبل مسيحنا نير آلامنا، وحوّلها من آلام بسبب الخطية إلى آلام بسبب الحب، فصارت آلامنا التي حملها بهيّة ومباركة، وإذ يدعونا أن نحمل نيره تصير حياتنا مطوّبة. هكذا يعلمنا عمليًا بأن نقبل نيره المُفرح، الأمر الذي لا يستطيع كائن ما سواء كان سماويًّا أو أرضيًّا أن يقدمه لنا.
بنفس الفكر جاء تلاميذ يوحنا المعمدان وأخبروا يسوع بأن رأس يوحنا قُدّم على طبق لابنة هيروديا (مت 14: 12)، لم يعلن عن شيءٍ بل انصرف إلى موضع خلاء منفردًا (مت 14: 13).
بتجسده قدم لنا مثالاً عمليًا لمعالجة الكوارث والاضطهادات، ألا وهو أن ننطلق إلى موضع خلاء سواء في كنائسنا أو بيوتنا لننفرد مع الله القادر وحده أن يعالج هذه الكوارث حسب مسرته الإلهية. إنه المعلم الفريد، آدم الجديد!
ث. بتجسده أقام الكنيسة جسده، فنقتدي بالرأس من جهة حبنا لبعضنا البعض وتواضعنا وخدمتنا. لهذا يقول: "هذه هي وصيتي أن تحبوا بعضكم بعضًا كما أحببتكم" (يو 15: 12). مرة أخرى عندما غسل أقدام تلاميذه، قال لهم: "فإن كنت وأنا السيد والمعلم قد غسلت أرجلكم، فأنتم يجب عليكم أن يغسل بعضكم أرجل بعض لأني أعطيتكم مثالاً حتى كما صنعت أنا بكم تصنعون أنتم أيضًا" (يو 13: 14-15).
ج. التمتع بشركة الطبيعة الإلهية (2 بط 1: 4). كما يقول البابا أثناسيوس الرسولي: "صار كلمة الله إنسانًا، لكي يصير الإنسان إلهًا[37]."
البند الخامس: "تأنس وصلب عنا على عهد بيلاطس بنطس"؟
22. لماذا التزم السيد المسيح بالصمت عند محاكمته دينيًّا ومدنيًّا؟
إذ هاجم الفيلسوف اليوناني صلسس Celsus الإيمان المسيحي، طُلب من العلامة أوريجينوس الرد عليه، فكتب: [يسوع دائمًا يُتهم زورًا، ولم يوجد وقت لم يُتهم فيه... ولازال صامتًا أمام هذه الاتهامات ولا يجيب بصوته. إنما جعل دفاعه في حياة تلاميذه الحقيقيين، حياتهم تصرخ بالحقائق الصادقة وترد على كل الاتهامات الكاذبة[38].] لم يسجل لنا السيد كتبًا، ولا قدم إجابات على الأسئلة السلوكية، لكنه قدم طريق حياة استلمها تلاميذه منه عمليًا، سواء كانت ممارسة الحب أو المشاركة في الاحتفال بالأعياد بأسلوبٍ روحي لائق أو المغفرة لمقاوميه وصالبيه، وأسلوب التعليم حتى قبوله للموت، لم يطلب من تلاميذه أن يدرسوا حياته وعظاته بل بالحري أن يشاركوه حياته وآلامه وصلبه.
قدم ربنا يسوع المسيح الإجابة على الاتهامات الباطلة في حياة تابعيه كي يتلمذوا الآخرين. لقد استلمت الكنيسة هذا المبدأ لذلك اهتمت بشركة القديسين.
البند السادس: تألم وقبر وقام من بين الأموات في اليوم الثالث كما في الكتب.
23. لماذا أشار قانون الإيمان إلى آلام المسيح؟
لم يُشر قانون الإيمان إلى عصيان آدم وحواء وسقوطهما، إنما أشار إلى ما قدمه آدم الثاني من أجل خلاص البشرية. فما يشغل كنيسة المسيح هو خلاص الإنسان، واسترداد أيقونة الله فينا خلال آلام السيد وصلبه. "إلى خاصته جاء، وخاصته لم تقبله" (يو ١: ١١).
لم يورد قانون الإيمان شيئًا عن خدمة السيد المسيح ومعجزاته، إنما ركَّز على رفض العالم له! فغاية قانون الإيمان لا أن يسجل تاريخ حياة ربنا يسوع على الأرض، إنما أن يلهب قلوبنا بالحب نحو الله والناس، فنسرع إلى قراءة الأناجيل الأربعة وبقية أسفار الكتاب المقدس.
بقوله "تألم"، لخص كل الأحداث من ميلاده إلى قيامته. فقد تألم وهو رضيع إذ طلب هيرودس قتله، وأيضًا حتى بعد موته طلب الكهنة ختم القبر وحراسته لئلا يسرق تلاميذه جسده ويدّعون أنه قام. لخَّص الرسول حياة السيد بقوله: "لأنه فيما هو قد تألم مجرّبًا يقدر أن يعين المجرَّبين" (عب ٢: ١٨). وأوضح الرسول بطرس أن السيد المسيح تألم لأجلنا بالجسد (١ بط ٤: ١) حتى لا يسقط المؤمنون في الغنوصية التي صوَّرت السيد المسيح أنه ليس بإنسانٍ حقيقيٍ. ويؤكد الرسول بولس أننا "ورثة الله ووارثون مع المسيح. إن كنا نتألم معه لكي نتمجد أيضًا معه" (رو ٨: ١٧).
24. ما أهمية ذكر "على عهد بيلاطس بنطس" في صدر قانون الإيمان؟
ذُكر اسم الوالي لتأكيد حقيقة صلب المسيح تاريخيًا. قصة آلام السيد المسيح وصلبه في عهد بيلاطس بنطس هي قصة واقعية، يعيشها المؤمنون في حياتهم اليومية وتبقى مُعاشة إلى يوم مجيء الربّ الأخير.
25. كيف تحول الصلب من كونه مذلة إلى كرامةٍ ومجدٍ؟
قيل عن السيد المسيح: "أخلى نفسه آخذًا صورة عبد صائرًا في شبه إنسان، وإذ وُجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب" (في ٢: ٧-٨). لذلك كان أتباعه المؤمنون به أول شعب في تاريخ البشرية يحسبون المذلة فضيلة، لأنها ليست صادرة عن إثم ارتكبه المصلوب، بل عن حبٍه نحو كل بني البشر. لذلك يدعونا الرسول أن يكون لنا فكر المسيح (في ٢: ٥)، نجحد الكرامة الزمنية ونستعبد أنفسنا بالحب للآخرين. كان يُنظر إلى الصلب أنه أبشع من الموت، لأنه يحمل لعنة الله والناس على المصلوب. قدم المرتل مزمورًا خاصًا بالمذلة: "إلهي، إلهي، لماذا تركتني... أما أنا فدودة لا إنسان، عار عند البشر ومحتقر الشعب. كل الذين يرونني يستهزئون بي. يفغرون الشفاه، وينغضون الرأس" (مز ٢٢: ١، ٦-٧).
إن كان السيد المسيح قد صار عبدًا خلال محبته لنا، فيليق بنا أن نردد مع الرسول القائل: "عبد يسوع المسيح" (رو ١: ١)، حاسبين العبودية للمسيح أسمى كرامة في العالم. لقد غيَّر الصليب مفاهيم العالم، فصار الكثيرون يفضلون أن يَخدموا عن أن يُخدموا (مر ١٠: ٤٥). بالصليب أنزل الأعزاء عن الكراسي ورفع المتضعين (لو ١: ٥٢).
26. ما هو سرّ كرامة الموت والدفن مع المسيح؟
بموته المخزي الذي أراده الربّ نال لحسابنا كرامة عظيمة، "لذلك رفعه الله أيضًا وأعطاه اسمًا فوق كل اسم" (في ٢: ٩). إذ نقبل موته فينا، يُقال عن جسدنا: "يُزرع في هوانٍ ويُقام في مجدٍ، يُزرع في ضعف ويُقام في قوة، يُزرع جسمًا حيوانيًا ويُقام جسمًا روحانيًا" (١ كو ١٥: ٤٣-٤٤). موته حوَّل ظلمة القبر إلى نورٍ، ووهبنا النُصرة على قوات الظلمة.
[لم يزدرِ بالطبيعة البشرية، ولم يتعالى عليها... إذ صار طفلاً بين الأطفال قدَّس الأطفال... وإذ صار شابًا بين الشباب صار مثالاً للشباب الناضجين وقدَّسهم للربّ... أخيرًا إذ جاء حتى إلى الموت ليصير بكرًا بين الأموات؛ صار متقدمًا في كل شيءٍ (كو ١: ١٨)[39].]
27. لماذا مات السيد المسيح؟
ليعلن مشاركته الكاملة لطبيعتنا: يرى القديس غريغوريوس النيسي، أن الطبيعة البشرية تنحصر في أمرين الميلاد والموت، فمن يشارك أحدهما دون الأخر لا يُحسب أنه شاركنا في طبيعتنا. يقول القديس: [الميلاد يجعل الموت ضروريًا. ذاك الذي قرر أن يشاركنا في بشريتنا يلزمه أن يشاركنا في كل ما يخص طبيعتنا. الآن الحياة البشرية محصورة في حدّين، فإن جاز في أحدهما دون الآخر، يكون قد حقق نصف هدفه فقط... طبيعتنا كلها لابد أن ترجع بالموت. هكذا انحنى إلى موت جسدنا ومدّ يده كما إلى المنبطحين. لقد اقترب إلينا ليبلغ إلى الاتصال (بنا) بالموت[40].]
في المسيح يسوع شاركنا الله تمامًا، فلا يقدر أن يسحبنا أحد من الشركة معه. فإن كنا نتألم معه فسنتمجد معه (رو ٨: ١٧)، فإن كنا نموت معه فسنقوم أيضًا معه. بموتنا معه يزول ضعفنا البشري وندخل إلى حياته الغالبة للموت. موته جعلنا نتحدى معه الموت. يقول الرسول: "فإني متيقن أنه لا موت ولا حياة... تقدر أن تفصلنا عن محبة الله التي في المسيح يسوع ربنا" (رو ٨: ٣٨-٣٩). لم نعد نخشى الموت، لأننا نجد مسيحنا الذي رافقنا في كل حياتنا ينتظرنا ويُرحب بنا.
28. لماذا دُفن في قبرٍ؟
يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [بحق وُضع في قبرٍ منحوتٍ في الصخر، لكن الصخور تشققت مرتعبة بسببه! لقد نزل إلى أسافل الأرض ليخلص الأبرار[41].] [أخبرني، هل ترغب في أن يتمتع الأحياء وحدهم بنعمته ولا ترغب في أن ينالوا حريتهم من هم مسجونون مع آدم منذ زمان طويل؟! لقد أعلن إشعياء النبي بصوتٍ عالٍ عن أمورٍ كثيرة تخصه، ألاّ تريد أن ينزل الملك ويخلص رسوله؟! أيضًا داود وصموئيل وكل الأنبياء كانوا هناك، ويوحنا نفسه القائل خلال تلميذيه "أنت هو الآتي أم ننتظر آخر" (مت 11: 3)، أما ترغب أن ينزل ويخلص أمثال هؤلاء؟![42]]
29. لماذا نزل السيد المسيح إلى الجحيم؟
يقول المرتل: "إن فرشتُ (نمتُ) في الهاوية فها أنت" (مز ١٣٩: ٨) نزل السيد المسيح إلى الجحيم وحرر الذين سُجنوا فيه، إذ بسط يديه واحتضنهم، فلم يعد للجحيم سلطان عليهم أن يحتفظ بهم لأن أبوابه قد تحطمت. قبل ربنا يسوع بشريتنا حتى إلى موتنا ليهبنا الحياة الجديدة فيه. بموته نزل ابن الله إلى الموت وأعلن الحياة الأبدية التي ننعم بها خلال اتحادنا به.
كان اليهود يقيمون المدافن خارج المدن لأنهم يحسبون أن من يلمس ميتًا يتدنس، والآن في المسيح يسوع يعتز المسيحيون برفات القديسين ويقبِّلونها ويمارسون التسبيح لله. يتحدث القديس يوحنا الذهبي الفم عن مقابر القديسين، قائلاً: "مقابر فيها حياة، مقابر ناطقة"[43].
ويقول القديس أثناسيوس: [فإن من ينظر إلى حية تطأ تحت قدم شخصٍ، خاصة إن كان يعرف جسارتها السابقة، لا يشك في أنها ميتة وقد فقدت قوتها تمامًا، ما لم يكن مختل العقل وليس فيه أي إحساس جسدي سليم. ومن يرى أسدًا يلعب به أطفال ولا يدرك أنه ميت أو فاقد كل قوته؟ هكذا أيضًا فإنك تستطيع أن ترى هذا بعيني الحق، إذ صار الموت ألعوبة ومحتقرًا بواسطة المؤمنين بالمسيح، فلا يعود أحد بعد يشك أو يطلب برهانًا أن الموت قد صار بالمسيح عدمًا وفساد الموت قد انتهى وتوقف[44].]
حسب الطبيعة جميعنا في طريقنا من الميلاد إلى الموت، ولكن بالنعمة نحن راحلون في اتجاه عكسي. فإننا إذ بدأنا في المعمودية حيث نُدفن مع المسيح، ونحن في طريقنا إلى الحياة الأبدية. إننا نتألم ونموت لنتمجد أيضًا معه. يقول الرسول: "مدفونين معه في المعمودية التي فيها أُقمتم أيضًا معه بإيمان عمل الله الذي أقامه من الأموات (كو 2: 12).
30. لماذا يرفض اليهود قيامة السيد المسيح؟
يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [لكن الذي نزل إلى طبقات الأرض السفلي قام أيضًا. يسوع الذي دفن بالحق قام في اليوم الثالث. وإن ضايقك اليهود في هذا، اسألهم: هل يخرج يونان من جوف الحوت في اليوم الثالث ولا يقوم المسيح من الأرض في اليوم الثالث؟! إن كان الميت بلمسه عظام إليشع عاد إلى الحياة، أفليس بالأولى جدًا على خالق البشرية أن يقوم بالآب؟![45]
البند السابع: وصعد إلى السماوات، وجلس عن يمين أبيه،
31. ما هو رأي الغنوصيين في الصعود؟
يعتقد الغنوصيون بالثنائية في الخليقة، فيرون أن خالق الأرواح هو الله الصالح أما خالق المادة خاصة الجسد فهو إله شرير. هذا دفعهم إلى حذف قصص ميلاد المسيح وصعوده، لأنهم يرون أنه جاء يخلص البشر من الجسد المادي الشرير. لقد أكد الكتاب المقدس قصة الصعود (مر 16: 19؛ لو 24: 51؛ أع 1: 9-11). نادى بعض المعلمين المتأثرين بالغنوصية بأن صعود السيد المسيح روحي، لأن المخلص ليس له جسد. لهذا اهتم آباء الكنيسة الأولى بتأكيد تجسد الكلمة، وقيامة جسده، وصعوده جسديًا.
32. هل بصعوده ترك السيد المسيح العالم؟
صعود السيد المسيح إلى السماء لا يعني غيابه عن العالم. جلس عن يمين الآب بكونه رب المسكونة، رب السماء والأرض. لاهوته يملأ السماء والأرض. حينما يجتمع المؤمنون معًا يكون حاضرًا معهم (أف 1: 20-2). يقول المرتل: "أين أذهب من روحك؟... إن صعدت إلى السماوات فأنت هناك. وإن فرشت (نمت) في الهاوية فها أنت" (مز 139: 7-8). إذ جالس عن يمين الآب العظيم. بصعوده بالجسد إلى السماء، صار بكرًا لنا في قيامته وفي صعوده.
صعوده إلى السماء فتح الباب لقلوبنا أن تراه وتتمتع بحضوره، أما من يرفضه، فيحرم نفسه من التمتع بنوره. يقول الإنجيلي: "وهذه هي الدينونة. أن النور قد جاء إلى العالم، وأحب الناس الظلمة أكثر من النور، لأن أعمالهم كانت شريرة" (يو 3: 19). من جانب السيد المسيح فهو مملوء نعمة وحقًا (يو 1: 14)، لكن من لا يقبل النعمة يحرم نفسه من الحق ومن النور.
يكشف آباء الكنيسة عن الله الواحد الذي هو النور بلا ظلمة. يرى القديس مار إسحق السرياني أن كل البشرية تلتقي بالرب في يوم الدين (مت 25: 32)، البعض يفرح بالنور الإلهي، ويستعذبون الحب الإلهي، وغير المؤمنين يتعذّبون لأنهم حرموا أنفسهم من الحب الإلهي، وصار النور مبكّتًا لهم، أو يدينهم[46].
ويرى القديس مار إسحق أن الذين في الجحيم يذوقون المرارة بجلدات الحب المرفوض منهم، قائلاً: إنه ليس من مرارة أقسى من جلدات الحب.
البند الثامن: وأيضًا يأتي في مجده ليدين الأحياء والأموات، الذي ليس لملكه انقضاء
33. ماذا يعني يوم الرب العظيم في فكر الكنيسة؟
كان مجيء السيد المسيح القادم والأخير يشغل ذهن الكنيسة الأولى في تمتعها بكلمة الله وفي عبادتها وفي إرشاداتها. بكون هذا الحدث القادم هو بلوغ بالتاريخ البشري إلى قمته، حيث يظهر السيد المسيح على السحاب، ويحمل كنيسته التي تضم جميع المؤمنين من آدم إلى آخر الدهور إلى حضن الآب، للتمتع بشركة الأمجاد الأبدية. إنه يوم الرب العظيم كما يدعوه الكتاب المقدس حيث تنفتح عيون السمائيين والأرضيين لاكتشاف قمة الحب الإلهي الفائق المُقدم للبشرية المقدسة، والتي تدخل في شركة مع السمائيين على مستوى فائق أبدي، ويتهلل السمائيون والأرضيون بهذا الحب الإلهي الذي يوحِّد الجميع معًا.
سبق فرأى بطرس الرسول مجد الرب في تجليه على جبل تابور، فالتهب قلبه بسرعة بمجيء هذا اليوم المُفرح، حيث نسكن في "أرض الأحياء" مع كافة القديسين الأحياء بالروح، ويتمتع المؤمنون بالمجد الأسنى. إنه يقول: "فبما أن هذه كلها تنحل، أي أناسٍ يجب أن تكونوا أنتم في سيرة مقدسة وتقوى، منتظرين وطالبين سرعة مجيء يوم الرب الذي به تنحل السماوات ملتهبة، والعناصر محترقة تذوب، ولكننا بحسب وعده ننتظر سماوات جديدة وأرضًا جديدة يسكن فيها البرّ" (2 بط 3: 12-13). يقول القدِّيس مار أفرآم السرياني [احذروا يا إخوتي أن يعدم أحدكم هذا الميراث السعيد. فإنه، ها هو على الأبواب! نزل النور إلينا فأنارنا، وقرَّبنا إليه، وأصعدنا معه. نزل إلينا فصار من أجلنا مثلنا، ليجعلنا مثله. من لا يموت نزل إلى المائتين، وإذ جعلهم غير مائتين ارتفع إلى الآب، وسيجيئ بمجد أبيه المبارك، يدين الأحياء والأموات. صار لنا طريق حياة مملوءة نورًا ومجدًا، لكي نسلك نحن في النور إلى الآب[47].]
يقول الشهيد كبريانوس: [يا له من يوم عظيم ذاك الذي يعطينا فيه السيد مكافأة الإيمان والإخلاص! كيف سيكون المجد؟ وكم يكون فرح الدخول إلى حضرة الله عظيمًا. أن نتشرف بقبول الفرح الذي للنور الأبدي والخلاص في حضرة المسيح الرب إلهنا! إننا نتقابل مع إبراهيم وإسحق ويعقوب وكل البطاركة والرسل والأنبياء والشهداء. في بهجة الخلود الذي سيُمنح لنا نقبل هناك ما لم تره عين، ولم تسمع به أذن، ولم يخطر على قلب بشرٍ. ]
يقول العلامة أوريجينوس [يُقدم حساب الحياة كلها بأكملها بدقةٍ فيما يُدعى بملكوت السماوات الذي يشبه ملكًا حيث نقف أمام كرسي المسيح للحكم، وينال كل واحدٍ ما قد فعله في الجسد إن كان خيرًا أو شرًا. وإذ يتم الحساب يقدم فيه كل كلمة بطالة نطق بها البشر (مت ٣٦:١٢)، وكل كأس ماء بارد قُدم للشرب باسم تلميذٍ (مت ٤٢:١٠)[48].]
34. ماذا يطلب السيد المسيح منا؟
ما يطلبه منا هو أن نقبله ونتعرف عليه، يقول القديس إكليمنضس الإسكندري: [اقبل المسيح، اقبل البصيرة، اقبل نورك، لكي تعرف الله والإنسان حسنًا. "حلوً هو الكلمة الذي يهبنا النور، أنه "أثمن من الذهب والحجارة الكريمة، وأشهى من العسل وقطر السهاد" (مز 10:19)[49].] [كل لقب من ألقابه لا يعبر بمفرده عنه، لكنها كلها معًا تشير إلى قدرة القدير... يتبقى لك بعد ذلك أن تدرك غير المُدرك، وذلك بنعمته الإلهية، بواسطة الكلمة وحده الصادر عنه[50].]
البند التاسع: نعم نؤمن بالروح القدس، الرب المحيي المنبثق من الآب. نسجد له ونمجده مع الآب والابن، الناطق في الأنبياء.
35. ما هو دور الروح القدس في حياتنا؟
أحد ثمار دخول الخطية في حياة البشر، أن البشرية الجاحدة اتّحدت معًا على تحدّي الخالق، وظنّوا أنهم قادرون أن يسخروا بالله الذي جلب طوفانا في أيام نوح. "وقال بعضهم لبعض: هلم نصنع لِبنًا ونشويه شيًّا... هلم نبنِ لأنفسنا مدينة وبرجًا رأسه بالسماء، ونصنع لأنفسنا اسمًا لئلا نتبدد على وجه كل الأرض... وقال الرب: ... هلم ننزل ونبلبل لسانهم، حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض" (تك 11: 1-7). وإذ قدم كلمة الله المتجسد نفسه ذبيحة من أجل خلاص العالم، حلّ الروح القدس على التلاميذ وكل الحاضرين، ليُقيم مجتمعًا جديدًا يجمع البشرية، لا باتحادهم معًا خلال العودة إلى لسانٍ واحدٍ، إنما بعمله في حياتهم، فيتمتعوا بروح الحب والوحدة، ويتقدّسوا ليحملوا صورة الله. هذا هو عمل الروح في الكنيسة الجامعة التي تضم كل الشعوب والألسنة، وبهذا تتحقق خطة الله نحو البشر.
هذا ما أدركه الرسول بولس، فقال: "لأننا جميعًا بروحٍ واحدٍ أيضًا اعتمدنا إلى جسدٍ واحدٍ، يهودًا كنا أم يونانيين، عبيدًا أم أحرارًا، وجميعنا سُقينا روحًا واحدًا" (1 كو 12: 13). هكذا كما كان الروح القدس يرف على وجه المياه، فتحولت الأرض الخربة والخاوية (تك 1: 2) إلى أرض مشرقة ومثمرة وعالمٍ حسن جدًا في عينيّ الله، هكذا صار روح الله يرف على وجه المياه بالمعمودية ليهب البشرية البنوة لله، ويصير المجتمع البشري ورثة الله ووارثون مع المسيح (رو 8: 17).
يقول القديس باسيليوس الكبير عن الروح القدس: [يشبه شعاع الشمس الذي يقدم نعمته لمن يتمتع به كما لو كان الروح حاضرًا له وحده، ومع ذلك ينير الأرض والبحر ويمتزج بالهواء[51].]
ويقول القديس كيرلس الأورشليمي: [صعد يسوع إلى السماوات وتمم الوعد، إذ قال لهم: "وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزيًا آخر" (يو 14: 16). لهذا كانوا جالسين متطلعين إلى مجيء الروح القدس، وإذ حلّ يوم البنطقستي أيضًا في مدينة أورشليم هذه... نزل الروح القدس من السماء، الذي هو حارس الكنيسة ومقدسها، ومدبر الأرواح، ضابط العواصف الثائرة، الذي يرد الضالين إلى الحق ويحكم المقاتلين ويكلل المنتصرين.
نزل لكي يلبس الرسل القوة ويعمدهم، إذ يقول: "ستتعمدون بالروح القدس ليس بعد هذه الأيام بقليلٍ". لم تكن هذه النعمة جزئية، بل هي قوته في كمالها، لأنه كما أن الذي يغطس في المياه ويعتمد تغمره المياه من كل جانب، هكذا هم اعتمدوا بالروح القدس بالكمال...
ولماذا تتعجب؟! خذ مثالاً واقعيًا وإن كان فقيرًا وعامًا، لكنه نافع للبسطاء. إن كانت النار تعبر من خلال قطعة حديد فتجعلها كلها نارًا، هكذا من كان باردًا صار محترقًا، ومن كان أسودًا صار لامعًا، فإن كانت النار التي هي جسم هكذا تخترق الحديد وتعمل فيه بغير عائق وهو جسم أيضًا، فلماذا تتعجب من الروح القدس أن يخترق أعماق النفس الداخلية؟[52]]
36. لماذا دُعي الروح القدس بـالمحيي؟
يقول القديس أثناسيوس الرسولي: [يُدعَى روحًا محييًا، لأنه يقول: "الذي أقام يسوع من الأموات سيحيي أجسادكم المائتة أيضًا بروحه الساكن فيكم" (رو 8: 11). والرب هو الحياة نفسها، وهو "بادئ الحياة" كما قال بطرس (أع 3: 15)، بل والرب نفسه قال: "الماء الذي يعطيه يصير فيه ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية... قال هذا عن الروح الذي كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه" (يو 4: 14؛ 7: 39). ولكن المخلوقات كما قيل، تنال الحياة به. فذلك الذي لا يأخذ الحياة، بل هو نفسه الذي تؤخذ منه، ويحيي المخلوقات، فأية قرابة يمكن أن تكون بينه وبين الأشياء المخلوقة؟ كيف يمكن أن يكون من بين المخلوقات التي تنال الحياة به من الكلمة؟[53]]
ويقول القديس أمبروسيوس: [عندما كان الروح يرف على وجه المياه (تك 1: 2)، كانت الخليقة بلا نعمة، ولكن بعد أن خلق الكون خضع لعمل الروح القدس، فنال جمال تلك النعمة التي استنار بها العالم. ولكن النعمة التي نالتها الخليقة لا تدوم بدون الروح القدس. هذا ما أعلنه النبي بقوله: "تنزع روحك، فترتاع وتعود إلى التراب، ترسل روحك، فيخلقون وتجدد وجه الأرض" (مز 104: 29-30). وهو لا يعلم فقط بأن أي مخلوق ليست لديه فرصة الحياة بدون الروح القدس، بل أيضًا الروح القدس هو خالق كل الخليقة. لكنني إذا تأخرت في البرهنة على هذا الأمر، فالسبب سوف يظهر بعد قليل. فالبرهان الواضح هو أنه لا يوجد شيء خلقه الروح القدس ويقدر على البقاء محتفظًا بكيانه بدون عمله أو فعله، ونحن نعني بذلك الملائكة ورؤساء الملائكة والعروش والرئاسات[54].]
البند العاشر: "وبكنيسة واحدة مقدسة جامعة (كاثوليكية) رسولية".
37. ما هو مفهوم جامعية الكنيسة؟
في مياه المعمودية ينزع الروح القدس روح الانقسام. فيليق بكنيسة المسيح، الرب الواحد، أن يكون لها الإيمان الواحد، والروح القدس الواحد، عاملاً فيها بالرغم من اختلاف اللغات والثقافات. لا تستطيع الحواجز الاجتماعية أن تحرم مؤمنًا مستقيمًا من عضويته في الكنيسة الجامعة. تعدد اللغات والثقافات لن ينزع جامعية الكنيسة.
هذه الجامعية يشعر بها المؤمن في أعماقه، فالروح القدس يقدس النفس والجسد والعقل والعاطفة وكل طاقات المؤمن ومواهبه. هذه السمة الكنسية لا يستطيع حتى الموت أن يحطمها، فالمؤمنون الذين رحلوا عنّا صاروا لنا سحابة شهود ليست بعيدة عنّا ولا غريبة عنّا. يقول الرسول بولس عنها: "لذلك نحن أيضًا إذ لنا سحابة من الشهود مقدار هذه محيطة بنا..." (عب 11: 1).
إذ يقول الرسول: "أقامنا معه" (أف 2: 6)، أي صارت لنا الحياة المقامة في المسيح يسوع، نجتمع معًا، الذين رحلوا مع المجاهدين، بل ومع القادمين في الأجيال المقبلة. إننا عائلة واحدة، العروس المقدسة للعريس السماوي.
يليق بنا متى أدركنا وجود انقسام في المجتمع البشري أو العائلة البشرية نطلب بقلبٍ ملتهبٍ حبًا من الروح القدس أن يعمل في القلوب وأن نحقق كلمات الرسول: "مجتهدين أن تحفظوا وحدانية الروح برباط السلام، جسد واحد، وروح واحد، كما دُعيتم أيضًا في رجاء دعوتكم الواحد، رب واحد، إيمان واحد، معمودية واحدة، إله وآب واحد للكل الذي على الكل وبالكل وفي كلكم. ولكن لكل واحدٍ منّا أُعطيت النعمة حسب قياس هبة المسيح" (أف 4: 4-7).
البند الحادي عشر: "ونعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا".
38. ما هي غاية المعمودية؟
نردد في قانون الإيمان: "ونعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا".
إذ سقط بعض الكهنة والعلمانيين في إنكار الإيمان أثناء فترات الاستشهاد، أراد البعض بالتوبة أن يرجعوا إلى العضوية الكنسية، فتساءل البعض: "ما هو موقف المؤمن الذي قام بتعميده كاهن أنكر فيما بعد الإيمان؟ هل تُعتبر معموديته باطلة؟ وما موقف المؤمن الذي أنكر الإيمان وأراد الرجوع إلى الإيمان المسيحي، هل تُعاد معموديته؟
كثيرًا ما ورد في كتابات القديس أغسطينوس: "يلزمنا ألا نيأس مطلقًا من أي شخص كان[55]." وجاءت الإجابة في قانون الإيمان "وبمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا"، أي لا يجوز إعادة المعمودية عند رجوع إنسانٍ إلى الإيمان. أضيفت هذه العبارة إلى قانون الإيمان في عام 381م في المجمع المسكوني الثاني بالقسطنطينية.
يقول القديس مار اسحق السرياني: "كما تلقى حفنة رمل من اليد في بحر عظيم، هكذا خطايا كل جسدٍ إن قورنت بفكر الله. وكما أن المجرى الذي يفيض لا يعوقه قدر كف يدٍ من الطين، هكذا رحمة الخالق لا تقوفها خطايا خليقته[56]."
البند الثاني عشر: "وننتظر قيامة الأموات".
39. ما هي مصيرنا حين تزول الأرض؟
اهتم قانون الإيمان بإبراز أهمية حياتنا هنا على الأرض، فإن الله هو خالقنا ومخلصنا ومقدسنا كي نكون سفراء عنه في هذا العالم. أما غاية وخاتمة قانون الإيمان فهي: "وننتظر قيامة الأموات".
إن كان كلمة الله أخذ جسدنا ليرد له كرامته، ويقيم الروح القدس من جسدنا هيكلاً لله يسكن فيه، ففي يوم الرب العظيم تقوم أجسادنا من الموت وتشارك النفس مجدها. ما أكدته الأناجيل المقدسة هو قيامة السيد المسيح، وتأكيد أن القبر كان فارغًا، أما كيف تمت قيامته فلم تشرحها. وما أوضحه الرسول بولس أن السيد المسيح بكر الراقدين، وأن جسدنا يشبه بذرة تُدفن وتقوم شجرة مثمرة. لا يمكن لإنسانٍ أن يرى في البذرة التي تُدفن صورة للشجرة التي تنبت منها إلا الزارع. يقول أيضًا إن الجسد المائت يُزرع ويقوم غير مائت في المسيح يسوع. ودعا الرسول ذلك أنه "سرّ" (1 كو 15: 51). "كلنا نتغير في لحظة، في طرفة عين عند البوق الأخير" (1 كو 15: 51، 52).
في يوم الرب العظيم سيقوم المؤمنون بكونهم أعضاء في جسد المسيح الواحد". هنا ندرك عمق محبة المسيح للبشرية بكونها عروسه السماوية وجسده.
البند الثالث عشر: "وحياة الدهر الآتي".
40. ما هي حياة الدهر الآتي؟
إنها الحياة الأبدية التي لا تُوصف، تحدث عنها القديس يوحنا الإنجيلي: "وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته" (يو 17: 3)؛ "فيه كانت الحياة" (يو 1: 4). "أنا هو القيامة والحياة، من آمن بي ولو مات فسيحيا، وكل من كان حيًّا وآمن بي فلن يموت إلى الأبد" (يو 11: 25-26). أينما وُجد المؤمن يتمتع بحضور السيد المسيح في حياته، حتى في موته يجد المسيح يستقبله ويُرحب به. يرى في الموت انطلاقة إلى المسيح مصدر الحياة.
البند الرابع عشر: "آمين".
41. ماذا تعني كلمة "آمين"؟
إنها توقيع المؤمن على هذا القانون، لا بيده بل بكل كيانه الداخلي. يقول الرسول بولس: "لأن كلامنا لكم لم يكن نعم ولا، لأن ابن الله يسوع المسيح الذي كُرز به بينكم بواسطتنا أنا وسلوانس وتيموثاوس لم يكن نعم ولا، بل قد كان فيه نعم. لأن مهما كانت مواعيد الله فهو فيه النعم وفيه الآمين لمجد الله بواسطتنا" (2 كو 1: 18-20).
3 الإيمان بالله ومعرفتنا له
1. هل من ضرورة للإيمان بالله؟
يُعلن القديس مار يوحنا أن "الله محبة" (1 يو 8:4). ويريد الله أن يكون قريبًا جدًا من البشر ليجعلنا واحدًا معه، يسكن في نفوسنا مانحًا إيانا القدرة على شركة مجده، بمعنى آخر يعلن الله عن ذاته للبشرية، لا للانشغال بمجادلات نظرية فلسفية، ولا لكي يفرض سلطانه عليهم، وإنما لكي يجتذبهم إليه، كما يجتذب الأب البشري أولاده. إننا نجد في أبينا السماوي نبع الحياة والخلود والمسرة الأبدية والمجد. في رسائله الفصيحة كتب القديس أثناسيوس: [التأمل في الله وكلمته (اللوغوس) الصادر عنه فيه إشباع للذين يسمعونه، فبالنسبة لهم يقوم مقام كل طعام. فالملائكة لا يقتاتون إلا برؤية وجه الآب والمخلص الذي في السماء[57].]
2. هل يلغي الإيمان عطية العقل؟
"سرّ" في المسيحية لا يعني أن يتقبل المؤمن عقائد غامضة دون فهمٍ، أو أن هذه العقائد غير مقبولة عقليًا؛ فعندما نتحدث عن الأسرار الإلهية الخاصة بجوهر الله وطبيعته وأعماله، إنما نعني أن الله يعلن لنا عن هذه الأمور بكوننا كائنات عاقلة، واهبًا إيانا الاستنارة الإلهية التي تكشف لنا عن المعرفة الإلهية التي هي بحق فائقة السمو. تبقى عقولنا عاجزة عن استيعاب هذه الأسرار طبيعيًا دون تدخل نعمة الله وإعلانه. فالسرّ لا يضاد العقل الإنساني، لكنه بدون معونة الله يبقى فائقًا بعيد الإدراك.
خلقنا الله كائنات عاقلة لا كائنات بهيمية. وهو يعلن لنا عن ذاته وعن أعماله لا ليلغي عقولنا، ولكن ليسمو بها، فتقبله طبيعتنا البشرية وتتعرف على أسراره.
"أُعطيَ لكم أن تعرفوا سرّ ملكوت الله" (مر 11:4). "إذ عرفنا بسرّ مشيئته حسب مسرته التي قصدها في نفسه" (أف 9:1).
الله الذي يحب البشر ككائنات عاقلة، تحدث مع موسى "كما يكلم الرجل صاحبه" (خر 11:33) وهو يشتاق أن يدخل في حوارٍ مع كل مؤمنٍ.
اقتبس هنا بعض عبارات القديس إكليمنضس السكندري التي تعلن أن المسيحية تسمو بعقل الإنسان ولا تلغيه بالإيمان وبإعلان الله له، إنما تزيده حكمة.
[ترتفع النفس إلى الله، فتتدرب على الفلسفة الحقيقية وتسرع إلى قريبها في الأعالي، متخلية عن شهوات الجسد كما تترك التعب والخوف[58].]
[الإنسان الخالد هو تسبحه رائعة لله، يتأسس في البرّ، حيث تُنقش فيه أحكام الحق. لأنه أين يمكن أن يُكتب الحق إلا في نفس حكيمة؟[59]]
ويوضح القديس إكليمنضس أن المعرفة البشرية لازمة لفهم الأسفار المقدسة لكن ليس بدون معونة الله[60].
3. لماذا يُدعى الله ثيؤس؟
يقول ج. ل. بريستيج Pristige [61]إن بعض آباء الكنيسة الأولى أمثال إكليمنضس وديونسيوس الإسكندريين قد تبعوا هيرودوت[62] في ربطه بين ثيؤس "الله" وتثيمي "التدبير". يقول القديس إكليمنضس: [دُعي الله ثيؤس لأنه وضع أساس التأسيس والتنظيم كمدبر[63].]
يقول أرسطو، إن الله هو المحرك الأول، الذي حرك العالم وتركه. مقابل هذا نحن نؤمن بأن الله هو الحب اللانهائي، حركة محبته نابعة من داخله خلال علاقة الثالوث القدوس الأزلية فيما بينهم. وقد استعلن حب الله بخلقته العالم، ولا تزال هذه المحبة فعَّاله، لن تبطل قط حتى مجيء المسيح الثاني.
ويؤكد الآباء الإسكندريون بقوة أن الله وهو غير مُدرَك، يعتني بالإنسان خلال محبته الفريدة، لأن ملكوت محبته السماوي يتأسس في أعماق نفس الإنسان (لو 21:17). قدرة الله هي تلك المحبة الدائمة الحركة. يقول البابا أثناسيوس: [الله في وجوده الذاتي يحتضن كل شيءٍ، ولا يحويه شيء، في صلاحه وقوته فهو في الكل لكنه خارج الكل من جهة طبيعته اللائقة به[64].]
4. ما هي سمات الله الواحد؟
يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [إنه الله (الآب)، واحد وحيد غير مولود، بلا بداية ولا تغيير، ليس فيه تنوع، ليس مولودُا من آخر، ولا يعقبه آخر، لم يبدأ في زمن للحياة ولا ينتهي قط.
إنه صالح وعادل في نفس الوقت، فإن سمعت من شخصٍ هرطوقي ينادي بوجود إله عادل وآخر صالح[65] تذكر في الحال سهام الهراطقة المسمومة. إذ يتجاسر البعض في كفرٍ أن يقسموا الله الواحد. وقال البعض إن واحد خالق للنفس وآخر إله الجسد[66]. وهذا التعليم غامض وشرير. لأنه كيف يمكن لإنسان أن يصير خادمًا للسيدين، بينما يقول ربنا في الإنجيل: "لا يقدر أحد أن يخدم سيدين؟!" (مت 6: 24؛ لو 6: 13)
يوجد الله، واحد وحيد، خالق للنفوس والأجساد، واحد هو خالق السماء والأرض، صانع الملائكة ورؤساء الملائكة. هو خالق لكثيرين، لكنه أب لواحدٍ وحيدٍ قبل كل الدهور، الابن الواحد الوحيد ربنا يسوع المسيح، الذي به خلق كل شيء، ما يُرى وما لا يُرى (يو 1: 3؛ كو 1: 16)[67].]
5. هل تجاهل الكتاب المقدس الحديث عن سمات جوهر الله؟
لقد تحدث عنه أنه روح: "الله روح، والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا" (يو 4: 24).
سرمدي (أزلي، أبدي): "من قبل أن تُولد الجبال أو بدأت الأرض والمسكونة منذ الأزل إلى الأبد أنت الله" (مز 90: 2؛ راجع رؤ 4: 8؛ رو 16: 26).
صالح: ليس أحد صالحًا إلا واحد وهو الله (مت 19: 17). "الرب حنّان ورحيم، طويل الروح وكثير الرحمة. الرب صالح للكل، ومراحمه على كل أعماله" (مز 145: 8، 9).
العالِم بكل شيء: الله أعظم من قلوبنا ويعلم كل شيءٍ" (1 يو 3: 20). "يا لعمق غنى الله وحكمته وعلمه، ما أبعد أحكامه عن الفحص، وطرقه عن الاستقصاء" (رو 11: 33).
عدل الله: "لأن الرب عادل، ويحب العدل، المستقيم يبصر وجهه" (مز 11: 7) "ليس عند الله محاباة" (رو 2: 11).
القدير: "لأنه ليس شيءٍ غير ممكنٍ لدى الله" (لو 1: 37).
حاضر في كل مكانٍ: "أين أذهب من روحك؟ ومن وجهك أين أهرب. إن صعدت إلى السماوات فأنت هناك، وإن فرشت في الهاوية فها أنت" (مز 139: 7-8).
6. إن كان الله روح، فلماذا يصف الكتاب المقدس لله أعضاء جسدية مثل قلب الله وعينا الرب وأذناه ويداه؟
يستخدم الكتاب المقدس اللغة التي يستخدمها البشر لتصل إليهم الرسالة مفهومة لديهم، فقلب الله يعني حنوّه ومحبته، وعينا الله وأذناه تشير إلى معرفته لكل شيءٍ، ويداه تشيران إلى قدرته.
7. مادام الله حاضر في كل مكانٍ، فلماذا يُقال عنه إنه يسكن في السماء أو في الكنيسة أو في المؤمن؟
سكناه في السماء يشير إلى مجده الأبدي، وفي الكنيسة يشير إلى قبوله العبادة المقدسة، وفي المؤمن يشير إلى عمله في حياة المؤمن الداخلية. وحضوره متى اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمه (مت 18: 20) يشير إلى اعتزازه بحياة الشركة بين المؤمنين في الرب.
8. هل يمكن للإنسان أن يعرف جوهر الله؟
الإنسان هو المخلوق الوحيد في السماء وعلى الأرض قيل عنه إنه خُلق على صورة الله كشبهه (تك 1: 26-27). لأجله خلق الله العالم، كما غرس له جنة في عدن (تك 2: 8). لذلك وهبه إمكانية التعرّف عليه، لكن يبقى جوهر الله غير موصوف ولا يمكن إدراكه.
إن كان الإنسان يعجز عن رؤية روحه أو نفسه، مع تأكده من وجودها، فكيف يستطيع رؤية الله خالقه، ويُدرك جوهره الإلهي؟!
قال أحد الفلاسفة للقديس أثناسيوس: "أرني إلهك فأؤمن بوجوده". أجابه القديس: أرني نفسك وأنا أريك إلهي!
9. ماذا يقول الكتاب المقدس عن عجز الإنسان في معرفة جوهر الله؟
يقول الرسول: "الذي وحده له عدم الموت، ساكنًا في نورٍ لا يُدنى منه، الذي لم يره أحد من الناس، ولا يقدر أن يراه، الذي له الكرامة والقدرة الأبدية. آمين" (1 تي 6: 16).
10. هل يشهد الكتاب المقدس بإمكانية الإنسان أن يعرف الله؟
أولاً: خلال الخليقة المُبهرة. يقول الرسول بولس: "إذ معرفة الله ظاهرة فيهم، لأن الله أظهرها لهم. لأن أموره غير المنظورة تُرى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته حتى أنهم بلا عذرٍ" (رو 1: 19-20).
ثانيًا: وهب الله الإنسان ناموسًا بالفطرة. "الذين يُظهرون عمل الناموس مكتوبًا في قلوبهم، شاهدًا أيضًا ضميرهم وأفكارهم فيما بينها مشتكية أو محتجة" (رو 2: 15).
ثالثا: إذ يتطلع الإنسان إلى معاملات الله معه ومع إخوته في البشرية في الماضي، يدرك أن الله لا يترك الإنسان وحيدًا، بل يهتم به في الوقت المناسب. هذا يحثه أن يتسلح بالله كأبٍ قديرٍ ومحبٍ وحكيمٍ.
رابعًا: من جانبٍ آخر، إذ يتأمل المؤمنون في معاملات الله معهم يدركون أن الله وضع خطة في حياتهم، فيترنمون: "يا لعمق غنى الله وحكمته وعلمه. ما أبعد أحكامه عن الفحص وطرقه عن الاستقصاء. لأن من عرف فكر الرب أو من صار له مشيرًا؟!" (رؤ 11: 33-34)
خامسًا: تمتع أناس الله الأبرار باللقاء معه ورأوه في مجده، ونظروه جالسًا على العرش. وحاولوا التعبير عن سمات الله، فدعوه الديّان والقدير والطويل الأناة والحق والرحوم الخ. وإذ تجتمع كل هذه الأسماء معًا يقول القديس إكليمنضس الإسكندري إن الله فوق كل اسمٍ! عبّر الرسول بولس عن ذلك، فإنه إذ اختطف إلى السماء الثالثة (2 كو 12: 2) قال: "كما هو مكتوب ما لم تر عين ولم تسمع أذن، ولم يخطر على بال إنسانٍ ما أعدّه الله للذين يحبونه" (1 كو 2: 9)، فكم بالأكثر يكون ذاك الذي أعدّ هذا المجد؟!
يُدعى الله: النور والحق والحياة والقدير وكلّي الكمال الخ. هذه الألقاب لا تكشف عن جوهر الله غير المًدرك، إنما أُعطيت لنا كي نتعرف عليه قدر ما نستطيع بسبب ضعفنا كبشرٍ، أو كخليقةٍ عاجزة عن معرفة جوهر الخالق.
سادسًا: الإعلان الإلهي أو الوحي الإلهي: يعلن الله أسراره الإلهية وخطّته نحو الإنسان محبوبه، لأنبيائه خلال الرؤى أو الأحلام المقدسة، تارة خلال الرموز وأخرى علانية. وذلك حسبما فيه بنيان وخلاص للبشرية. سنترك الحديث عن الإعلان الإلهي في بندٍ خاص به.
11. ما معنى "لا يراني أحد ويعيش"؟
يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [يستحيل علينا أن نتطلع إلى الله بعينٍ بشرية، لأن غير الجسدي لا يقع تحت الأعين الجسدية. وقد شهد الابن الوحيد - ابن الله نفسه – قائلاً: "الله لم يره أحد في أي زمان" (يو 1: 18). فإن فهم أحد مما ورد في حزقيال (حز 1: 28) إنه رأى الله، فإنه ماذا يقول الكتاب المقدس؟ إنه رأى "شبه مجد الله"، وليس الرب ذاته كما هو في حقيقته، بل شبه مجده. وبمجرد رؤيته شبه مجد الله، وليس المجد ذاته، سقط على الأرض مرتعدًا. فإن كانت رؤية شبه المجد تملأ الأنبياء رعدة، فبالتأكيد إن حاول أحد رؤية الله ذاته يموت، وذلك كالقول: "الإنسان لا يرى وجهي ويعيش" (خر 33: 20).
من أجل هذا فإن الله بحنو رحمته بسط السماوات أمام لاهوته لكيلا نموت. لست أقول هذا من عندي بل هو قول النبي: "ليتك تشق السماوات وتنزل من حضرتك، تتزلزل الجبال (وتذوب) (إش 64: 1).
نراه خلال أعماله لماذا تتعجب من سقوط دانيال عند رؤيته شبه المجد، إن كان دانيال عند رؤيته جبرائيل - الذي هو ليس إلا مجرد خادم الله - ارتعب للحال وسقط على وجهه ولم يجسر النبي أن يجيبه بالرغم من أن الملاك نفسه، جاء على شبه ابن بشر؟! (راجع دا 10: 9، 16، 18) إن كان ظهور جبرائيل أرعب الأنبياء، فهل يرى الإنسان الله كما هو ولا يموت؟![68]]
12. لماذا دعا الله نفسه "يهوه" (خر 3: 14-15)، عندما سأله موسى النبي عن اسمه؟
لأنه هو الكائن في السماء وعلى الأرض وفي كل المسكونة، وهو كائن في وسط شعبه ولا يُمكن مقارنته بكائنٍ آخر!
13. لماذا يؤكد الكتاب المقدس وحدانية الله، ليس إله غيره (2 صم 7: 22)؟
لو وُجد أكثر من إله لانفتح المجال للمقارنة بينهم، وبالتالي لمَا كان الله مطلق في كماله. وأيضًا لو وجد أكثر من إله، لما كان الله غير مُدرك ويستحيل التعبير عن جوهره.
يؤكد القديس إكليمنضس السكندري: [الله واحد، وهو وراء الواحد، فوق الواحد ذاته! أي لا يخضع لرقمٍ واحدٍ[69].]
يرى القديس أثناسيوس السكندري أن وحدانية الله يشهد لها نظام المسكونة وانسجامها معًا. لو وجدت آلهة كثيرة لما كانت المسكونة في انسجام.
إذ يظن بعض الفلاسفة أنه يوجد آلهة كثيرة، اعتقدوا في قيام حروب بين الآلهة، ووُجد مجد باطل لهذه الآلهة الكاذبة، وهذا لا يليق بالله الكلي الكمال.
14. ما هي سمات الله؟
قدم لنا الكتاب المقدس أسماء لله من الجانب الإيجابي لنتمتع بسماته عاملة فينا، كما قدم أسماء ضد الجانب السلبي حتى نحذر من السقوط في السلبيات الهدّامة.
من الجانب الإيجابي، يُدعى: الصالح، والقدوس، والنور، والحياة الخ.
ومن الجانب السلبي يُدعى: الذي لا يموت، غير المحدود، غير المُقترب منه. مع هذا سنراه وجهًا لوجه ليس كما هو في جوهره، إنما قدر ما يحتمل ضعفنا نحن المحدودون الخ وحسب نعمته العاملة في خائفي الرب. حتى نستطيع أن نعرفه ونتهلل به إلى الأبد. ندرك أنه عظيم لكننا لا ندرك قياس عظمته. نراه حاضر على الدوام دون أن نعرف كيف ذلك؟
15. كيف يحمل كل هذه السمات وما يماثلها، ومع هذا ندعوه بسيطًا؟
مع إدراكنا هذه السمات التي تلهب نفوسنا بحبه الفائق، لا يمكننا القول إن جوهره يتكون من عناصر كثيرة، أو يوجد عناصر خارجية ترتبط بجوهره البسيط.
يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن السيرافيم والكاروبيم الحاملين العرش لا يحدّون جوهره، إنما يتعرفون عليه خلال مجده وأعماله الإلهية قدر ما يستطيعون.
16. لماذا يستخدم الكتاب المقدس تعبيرات بشرية عن الله؟
يعلن الله عن نفسه لنا نحن البشر باللغة التي يمكننا أن ندركها، حتى ندخل في علاقات حب معه، ولأجل بنياننا، فعندما يُقال عنه أنه ندم على الشر الذي كان يهدد به، لا يعني وجود شر فيه، ولا تغيير في قدراته. إنما يريد أن نصير أيقونة حيّة له، فالغضب الإلهي لا يحمل انفعالاً كالبشر، إنما للضغط علينا كي نتحرك نحن بنعمته، فنتمتع بحبه ورعايته، وننطلق من الخوف من العدل الإلهي إلى التأمل في الرحمة الإلهية، دون أن يتغير.
إذ نطلب نعمته ننالها، فنتحرك لنتعرف على طبيعته الأزلية، وهي الحب والرحمة والحنان مع العدل الإلهي. الأمر الذي أعلنه لنا كلمة الله المتجسد، فندرك أن الحب في الله قائم منذ الأزل بين الثالوث القدوس، في الجوهر الواحد. وبعمل الروح القدس فينا ندركه عمليًا في حياتنا على الأرض. وتبقى معرفتنا هذه جزئية تنمو فينا، فنحسب أنفسنا أطفالاً في حضن الله، ننعم بحبه الذي لا يُعبّر عنه ولا يُوصف ولا يُقاس. عبّر الرسول بولس عن هذا في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس (13: 9).
17. ما علاقة السمات الإلهية الخاصة بوجوده الإلهي؟
يمكننا أن نميز السمات الإلهية التي تخص الوجود الإلهي دون العلاقة بالخليقة. فالله كائن قائم بذاته، كلي الكمال، لا يخضع للمكان والزمان، غير منظور، لا يستمد وجوده من آخر، بلا بداية ولا نهاية. هو هو أمس واليوم وغدًا بلا تغيير، إنه كامل في كل سماته، لا يحتاج إلى الخليقة للكشف عن سماته.
18. ماذا يعني أن الله فيه كل الكفاية؟
الله فيه كل الكفاية في داخله، لا يحتاج إلى من يخدمه أو يتعبد له أو يمجده. إنما نحن نحتاج أن نخدمه ونعبده ونمجده، إذ ندخل في علاقة معه بواسطة عمل نعمته فينا، فتفيض علينا بالحياة المقدسة والفرح الداخلي والشبع. "لأننا به نحيا ونتحرك ونوجد" (أع ١٧: ٢٨).
19. ماذا يعني أنه بلا بداية ولا نهاية؟
إنه لم يُخلق بواسطة كائن آخر، ولم يبدأ في وقتٍ معين. وليس له نهاية، ولا يوجد من يخلفه. كل زمن العالم في نظره شطرة من الثانية متى قورنت بأبديته. بالنسبة له لا يوجد ماضي وحاضر ومستقبل بل الكل حاضر على الدوام. يقول الرسول: "إن يومًا واحدًا عند الربّ كألف سنة، وألف سنة كيومٍ واحدٍ" (٢ بط ٣: ٨؛ مز ٩٠: ٤).
بدأ الزمن عندما خلق الله العالم المنظور. لهذا ما يشغل الله بالنسبة للبشرية هو تمتعها بالحياة الأبدية خلال عمل الخلاص.
20. ماذا تعني سمة الله غير المتغيرة؟
الله المطلق في سماته لن يزيد ولن ينقص، بل يبقى كما هو بلا تغيير. يقول في ملاخي النبي: "لأني أنا الربّ لا أتغير" (مل ٣: ٦). أحبنا الله أولا" (١ يو ٤: ١٩)، ولم يبدأ حبه بعد صلب المسيح من أجلنا. يقول الرسول: "ولكن الله بيَّن محبته لنا، لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح من أجلنا" (رو ٥: ٨).
21. ماذا يعني حضور الله الدائم؟
حضور الله الدائم لم يبدأ بالخلقة ولا بوجود العالم المحدود. حضوره لا يُحصر بأماكن محدودة أو مادية، فهو فوق كل مكان. حضور الله الدائم لا يحمل معنى امتزاج وجوده الإلهي بالعالم المادي. حضوره في العالم لا يعني أن جزءًا من لاهوته في موضعٍ ما وجزء آخر في موضع آخر. إنه حاضر بالكمال في كل المسكونة ولا يُمكن لموضعٍ معين أن يحده. حضوره الدائم بكماله في كل موضع يكشف عن معرفته الكاملة، وقدرته الكلية، وجوهره الذي لا يُمكن أن يُوصف أو يُحد.
22. ماذا يعني أنه غير المنظور وغير المدرك؟
ليس لله جسد يُمكن أن يُنظر ويُلمس. لم يستطع الأنبياء أن يروا الله إلاَّ في حدود ما سمح لهم به، خلال القليل جدًا من بهاء مجده الإلهي. إنه لا يُرى كما هو عليه، بل حسب ما يريد أن يعلن لكل شخص لبنيانه. "ليس أحد يعرف الابن إلاَّ الآب... ومن أراد الابن أن يعلن له" (مت ١١: ٢٧).
23. ما هو سبق معرفة الله؟
يعرف الله كل شيءٍ يحدث خارجًا عنه، ليس فقط ما يخص الكائنات العاقلة أي الطغمات السمائية والبشر، بل كل ما يحدث في العالم المنظور وغير المنظور. يعرف ما سيحدث في المستقبل بكل تفصيلٍ وذلك قبل أن يخلق الزمن، ليس خلال تقدم في المعرفة، وإنما خلال جوهره البسيط. كما يرى الماضي والمستقبل كأنهما حاضر أمامه.
معرفته لا تُلزم البشر والملائكة أن يفعلوا ما يعرفه، فهو يقدس حرية إرادة الكائنات العاقلة. إنه ليس مسئولاً عما يفعلونه كأنه هو السبب في ممارستهم هذه الأشياء.
كل الأمور معروضة أمامه بكل دقةٍ وفي وضوحٍ.
24. ما هي سمة "الكلي الحكمة" عند الله؟
الله الكلي الصلاح وكلي الحكمة. يحدثنا القديس إكليمنضس السكندري عن صلاح الله، ليس أنه صالح فحسب يقدم الخيرات، ولكنه يحوّل الشرور إلى صلاح. هذا ما أدركه يوسف وكشف عنه لإخوته، قائلاً لهم: "لا تخافوا، لأنه هل أنا مكان الله؟! أنتم قصدتم لي شرًّا، أما الله فقصد به خيرًا لكي يفعل كما اليوم، ليُحيي شعبًا كثيرًا" (تك ٥٠: ١٩-٢٠). حوَّل الله كل الشرور الموجهة ضد ابنه القدوس لتقدم للبشرية طريق الخلاص خلال آلام السيد المسيح وصلبه وموته ودفنه.
25. ما هي سمة القدرة الإلهية؟
الله كلي القدرة، يُعلن بقدرته أبوته للبشرية، وحكمته في قيادتنا، ومسرته في خلاصنا.
يكشف عن قدرته العجيبة أنه يهبنا كمال الحرية لنسأل ونطلب ونقرع باب مراحمه، مؤكدًا لنا: "كل من يسأل يأخذ، ومن يطلب يجد، ومن يقرع يُفتح له" (مت ٧: ٨).
26. ما هي سمة القداسة الإلهية؟
الله في قداسته لم يعرف الخطية (2 كو 5: 21)، يحب البرّ والصلاح، ويحتقر الخطية. تعمل قدرته الفائقة لتقديس سائليه. الله بطبيعته الكاملة قدوس، ومصدر القداسة لكل من يطلبه.
في قداسته وحده قادر أن يدين، لأنه فاحص القلوب والكلى، سيدين كل الأمم والشعوب بغير محاباة. في يوم الربّ العظيم سيدين الأحياء والأموات.
27. ما هي سمة الحب الإلهي والحنو؟
الله محبة (١ يو ٤: ٨)، طويل الأناة يعطي فرصة للتوبة حتى في اللحظات الأخيرة من حياة الخطاة كما فتح أبواب الفردوس لديماس اللص اليمين. إذ سقط الإنسان الأول عوض التوبة لام الله الذي خلق حواء وهي قدمت له الثمرة الممنوعة؛ قابل الربّ هذا التصرف بتقديم حياته ذبيحة عن آدم وبنيه! بمحبته يبقى أمينًا في وعوده لنا بالرغم من عدم أمانتنا (رو ٣: ٣).
28. ماذا طلب موسى من الله في أول لقاء معه خاص بالخدمة؟
طلب موسى من الله أن يتعرف على اسمه. فقد كان موسى أول قائد لشعب الله في العهد القديم، وكنائب عنهم أعلن له الله عن اسمه أنه "يهوه" أي "الذي يكون". وماذا يعني تعبير: "الذي يكون"؟ يعني أنه موجود، يعمل لحساب شعبه المختار وذلك على خلاف الديانات اليونانية التي غالبًا ما كانت تتطلع إلى الله بكونه الكائن المتعالي جدًا عن شئون العالم.
29. هل ترى الملائكة الله قدر احتمالها؟
يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [رب قائل يعترض: ماذا إذن، ألم يُكتب: "إن ملائكة الصغار كل حين ينظرون وجه أبي الذي في السماوات؟" (أنظر مت 18: 10). نعم لكن الملائكة ترى الله ليس كما هو، بل قدر ما تحتمل. إذ يقول يسوع المسيح: "ليس أن أحدًا رأى الآب إلاّ الذي من الله، هذا قد رأى الآب" (يو 6: 46)[70].]
30. ماذا يُقصد بكماله مطلق؟
يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [إنه ليس عظيمًا في حبه المترفق وقليلاً في الحكمة، بل له قوة متساوية في الحكمة والحب المترفق. لا يُرى من ناحية معينة فيه دون أخرى، بل كله عين وكله إذن وكله ذهن[71]. إنه ليس مثلنا يُدرك من جانب دون آخر. فإن مثل هذا تجديف لا يليق بجوهر الله الذي يعرف الأمور قبل كونها. قدوس وقدير، يفوق الكل في الصلاح والعظمة والحكمة. لا يمكننا أن نخبر عن بداية له أو شكل أو مظهر، إذ يقول الكتاب: "لم تسمعوا صوته قط، ولا أبصرتم هيئته" (يو 5: 37). وكما قال موسى: "احتفظوا جدًا لأنفسكم، فإنكم لم تروا صورة ما (يوم كلمتكم)". فإذ يستحيل تمامًا رؤية شكله، كيف تفكر في الاقتراب من جوهره (خر 33: 20)؟![72]]
يحدثنا القديس أغسطينوس في هذا الشأن قائلاً: [لا تستسلموا للتفكير بأنكم ترون لله وجهًا جسديًا، لئلا بتفكيركم هذا تهيئون أعينكم الجسدية لرؤيته فتبحثون عن وجه مادي لله... تنبهوا من هو هذا الذي نقول له بإخلاص: "لك قال قلبي... وجهك يا رب أطلب" (1 كو 3: 17)... لتبحثوا عنه بقلوبكم. يتحدث الكتاب المقدس عن وجه الله وذراعه ويديه وقدميه وكرسيه وموطئ قدميه... لكن لا تحسبوا أنه يقصد بها أعضاء بشرية. فإن أردتم أن تكونوا هيكل الله، فلتكسروا تمثال البهتان هذا.]
31. من يستطيع أن يُعبر عن الحب الإلهي؟
عندما سُئل القدِّيس يوحنا سابا عن سبب عدم كتابته عن الأسرار المخفية، قال إنَّه يشبه صبيًا صغيرًا، إذا ما دخل إلى بيت أبيه، يقدّم له أبوه كل ما هو ثمين. وأمّا عندما يخرج إلى أصدقائه الأطفال، فلا يعطيهم إلاَّ بعض الأمور البسيطة ليقدّمها لهم.
تجاسرت لأتكلَّم عن "الحب الإلهي"، فإذا بي أتكلَّم عن "الله"، لأن "الله محبَّة" (1 يو 4: 8). هكذا وجدت نفسي أتجاسر لأكتب عن أمور لا يسوغ لضعفي أن ينطق بها، ولا يقدر لسان بشري أو حتى ملائكي أن يعبِّر عنها، لأنَّه من يقدر أن يفحص أعماق الله إلاَّ روح الله (1 كو 2: 1-11)!
يقول الرسول بولس: "وأنتم متأصِّلون ومتأسِّسون في المحبَّة (في الله)، حتى تستطيعوا أن تدركوا مع القدِّيسين ما هو العرض والطول والعمق والعلوّ، وتعرفوا محبَّة المسيح الفائقة المعرفة، حتى تمتلئوا إلى كل ملء الله" (أف 3: 18-19).
يقول القدِّيس يوحنا الذهبي الفم: [ماذا أفعل؟! إنَّني إنسان، وأنطق بلغة بشريَّة، لساني من الأرض، لذلك اَلتمس العفو من ربِّي، فإنِّي لا أستخدم تلك التعبيرات الخاصة بالروح من قبيل الاستهتار، بل لفقر مصادري الناجم عن ضعفي وطبيعة لساني البشري. تراءف عليَّ يا رب، فإنَّني لا أنطق بهذه الكلمات من قبيل الوقاحة، بل لأنَّه ليس لديّ إمكانيّات غير هذه. ومع ذلك فإنَّني لست بقانعٍ تمامًا بمعاني كلماتي، إنّما أُحلِّق متساميًا بأجنحة فهمي.]
يقول الشيخ الروحاني (القدِّيس يوحنا سابا): [من شاء أن يتكلّم عن محبَّة الله، فهو يبرهن على جهله، لأن الحديث عن هذه المحبَّة الإلهيَّة غير ممكن البتّة.]
[عجيبة هي أيضًا المحبَّة! هي لغة الملائكة، ويصعب على اللفظ ترجمتها! المحبَّة اسم الله الكريم، من يستطيع أن يفحصها أو يحدّها؟!] [ليس من يقدر أن يخبر بمحبَّتك كما هي يا أبانا الصالح، أولئك الذين أشرقْت فيهم وهم لا يعرفون!]
[ليس لنا يا ربِّي أن نتكلّم من الذي لنا عن الذي لك، لكن أنت تتكلَّم فينا عنك، وعن كل ما هو لك، كما يحسن لك. أشرق فيهم يا رب نور معرفتك، لينظر ويعلم أولئك الذين هم في حضنك أنَّهم مستورون.] [أرني (يا الله) بلد الحب لأتكلَّم عنه كما يستطيع ضعفي! اُسكب فيّ يا رب نعمتك برحمتك لأتكلَّم عنها! ألهب قلوب محبِّيك، فيخرجوا في طلبها!]
يقول القدِّيس أغسطينوس: [إلهي، تُرى أين أجد لسانًا يقدر أن يعبِّر عن المجد اللائق بك من أجل نعمتك المجّانيّة؟! خلقتني إذ لم أكن؛ وأوجدتني بإرادتك؛ ومن قبل أن أوجد، كان لك المجد اللائق بعظمتك... أنت هو المجد الحقيقي، فليس لي إذن أن أدعو خليقتك لتخبر بعظائمك.
يصغُر القلب عن أن يحوي عظائمك، ويعجز النطق عن أن يحدّها، ولا يقدر السمع أن يدركها... هذه كلّها تفنى، أمّا عظائمك فباقية إلى الأبد... الفكر له بدايته ونهايته، والصوت لا يلبث أن يتبدّد صداه، تسمعه الأذن ثم لا يلبث أن ينتهي، أمّا عظمتك فباقية إلى الأبد.
تُرى من يقدر أن يسبِّحك ويمجّدك كما يليق بعظمتك؟! لذلك أعود فأكرِّر أن مجدك دائم لا يتغيّر. أيها المجد الأبدي، يا الله إلهي، ينبوع كل مجدٍ راسخٍ، بدونك أعجز عن أن أمجِّدك، لأن خارجًا عنك ليس إلاَّ المجد الباطل. إذن، أَسرِعْ إليّ فأمجّدك! حقيقة من أنا حتى أرفع اسمك؟! أنا لست إلاَّ ترابًا ورمادًا، كلبًا ميّتًا ونتنًا، دودة حقيرة، جثّة هامدة قابلة للفساد...
نعم، من أنا حتى أمجّدك، أيّها السيّد الفائق، الملك الأبدي، الله، الذي نسمة فمه أفضل آلاف المرّات من الكائنات الأرضيّة. فهل للظلمة أن تمجّد النور، أم الموت يُسبِّح الحياة؟!... يا الله إلهي، تمجَّد أنت بحسب قدرتك ولانهائيّة حكمتك، واتساع حنانك.
تمجَّد في رحمتك الحقيقيّة، وعطفك اللانهائي وكمالك الأبدي، وعظمة لاهوتك.
تمجَّد في جلال قدرتك الفائق، ومحبَّتك المترفّقة التي دفعتك لخلقتنا يا إلهي، يا حياة قلبي.]
4 الثالوث القدوس
1. ما هو التعليم الخاص بالثالوث القدوس؟
الله واحد في الجوهر الفريد غير المنقسم ولا منفصل؛ ثالوث من جهة الأقانيم التي تتميز فيما بينها، وهي أقانيم أزلية لا بداية لها، خاصة بجوهرٍ واحدٍ، ولهم إرادة واحدة.
قيل: "إله وآب واحد للكل، الذي على الكل، وبالكل، وفي كلِّكم" (أف 4: 6). "على الكل" يشير إلى الآب الذي هو مصدر الكل، "وبالكل" يشير إلى الابن أو "قوة الله وحكمة الله" (1 كو 1: 24)، "وفي كلِّكم" يشير إلى الروح القدس الذي يكمَّل الكل ويقِّدِس الكل.
2. كيف قدَّم لنا السيد المسيح عقيدة الثالوث القدوس؟
لم يتحدث معنا كلمة الله المتجسد بألفاظ لاهوتية، ولم يضع لنا صيغة إيمان ثالوثي بطريقة لاهوتية مباشرة، إنما أعلن لنا عن الثالوث القدوس خلال أعماله الخلاصية، وفيما يلي أمثلة لتوضيح ذلك:
أ. يعلن ربنا يسوع عن الآب كمحب البشر الذي أرسل ابنه الوحيد ذبيحة لخلاص العالم (يو 16:3) ويسألنا أن ندعوه "أبانا" (مت 9:6) حتى نثق في محبته الأبوية، إذ يعطينا أكثر مما نسأل.
ب. عندما يعلن ربنا يسوع عن علاقته بالآب، إنما يفعل هذا لنفعنا، فيقول: "الآب يحب الابن، وقد دفع كل شيءٍ في يديه، الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية" (يو 35:3، 36)؛ كما يقول: "أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل" (يو 17:5)؛ ويقول: "الذي رآني فقد رأى الآب" (يو 9:14).
ت. يعلن يسوع المسيح عن لاهوته من خلال أعماله لحسابنا. إنه يظهر ذاته كخالقٍ، إذ حوّل الماء خمرًا في عرس قانا الجليل (يو 1:2-12) ليهبنا الفرح الروحي. وبكونه الخالق يهب البصر للمولود أعمى (يو 1:9-12)، ويُسَّكن البحر والرياح (مر 35:4-41)، ويطرد الشياطين والأرواح الشريرة (مر 23:1) لكي يحيا أحباؤه في سلام. يعلن أيضًا عن نفسه كغافر الخطايا (مر 2:9-46؛ لو 48:7) ويقدم نفسه لنا بكونه الحياة والحق والقيامة والخبز النازل من السماء وأيضًا الطريق والباب والطبيب والعريس الخ، لنجد فيه شبعًا لكل احتياجاتنا.
ث. يقدم لنا الروح القدس بكونه المعزي الآخر والمعين (يو 26:14) الذي يسكن فينا (يو 17:14) والذي يعلمنا كل شيءٍ (يو 26:14) الذي يبكت العالم على الخطية (18:16) ويهب قوة الشهادة للمسيح (أع 8:1).
3. ما هي الصيغ الأولى الثالوثية؟
أعلن السيد المسيح عن ألوهية الآب والابن والروح القدس بصراحة خلال أعمالهم لأجل خلاصنا.
أ. قبل صعوده إلى السماوات أمر تلاميذه أن يعمدوا المؤمنين باسم الآب والابن والروح القدس (مت 28: 19). أعطاهم صيغة للعماد في بساطة دون ذكر كلمة "أقانيم"، إذ تكمن غايته في أن يهب المؤمنين نعمة الأقانيم بالمعمودية. ويقبل الموعوظون خلال المعمودية أبوة الله (الآب)، والعضوية في جسد السيد المسيح، وسكنى الروح القدس في إنسانهم الداخلي.
ب. من أهم العبارات الخاصة بالعقيدة الثالوثية في العصر الرسولي هي التي للقديس بولس: "نعمة ربنا يسوع المسيح ومحبة الله وشركة الروح القدس مع جميعكم" (2 كو 14:13). يشهد الرسول للثالوث القدوس لكي يعلن عن النعمة الإلهية والمحبة والشركة، فيتقبل المؤمنون الله العامل فيهم ليصيروا شركاء الطبيعة الإلهية (2 بط 3:1). واضح أن غاية نظام الكنيسة الأساسي في العصر الرسولي هو الشهادة خلال عبادتها أن الله أرسل كلمته يسوع المسيا، ومات وقام من الأموات في اليوم الثالث، وصعد إلى السماوات، وسيعود في المجد لنقوم معه ونتمتع بحضرة أبيه. وأرسل أيضًا روحه القدوس في كنيسته ليُعد ملكوته السماوي، ويهيئها للعرس الأبدي. بمعنى آخر إيمان الكنيسة الرسولية إيمان ثالوثي صرف، له أثر على كرازتها وعبادتها وسلوكها.
4. ما هو موقف العهد القديم والعهد الجديد من الإيمان بوحدانية الله والثلاثة أقانيم؟
يؤكد العهدان القديم والجديد الإيمان بالإله الواحد، لكن العهد القديم يعالج هذه المسألة بنظرة سلبية، إذ كان هدفه أن يمنع المؤمنين من عبادة الأوثان، الآلهة الجامدة، ومن ممارسات رجاسات الأمم المرتبطة بالعبادة الوثنية (2 مل 2:21؛ 2 أي 3:28). أما العهد الجديد فيشهد للإله الواحد بمنظار إيجابي، لأنه لا يُعلن عن وحدانية الله فحسب، وإنما يعمِّق إيماننا بالله الواحد بإبراز الإيمان الثالوثي، الذي في حقيقته لا يتعارض مع الوحدانية بل يؤكدها، بإعلانه عن بعض الأسرار التي لله الواحد وعلاقته بالبشر؛ وبدون الإيمان الثالوثي تظل الوحدانية غامضة. يعتبر الإيمان الثالوثي طريقًا أساسيًا لخلاصنا، ويمس حياتنا العملية وعلاقتنا بالله ومستقبلنا الأبدي. هذا الإيمان لا يتعارض مع العقل الروحاني، بل بالأحرى يُشبعه ويرفعه للتأمل في الأسرار الإلهية بفرحٍ.
يرى القديس غريغوريوس النزينزي[73] أن العهد القديم أعلن عن الآب علانية، وعن الابن خلال النبوات. وأعلن العهد الجديد عن الابن، وأوحى بلاهوت الروح القدس. وهكذا جاء الإعلان عن الثالوث تدريجيًا، لئلا يصير الشعب أشبه بأناس تثقّلوا بطعام أكثر من طاقتهم، وقدّموا نور الشمس لأعينهم الضعيفة جدًا عن رؤيته، لئلا يحدث خطر فقدان حتى ما هو في حدود طاقتهم، وإنما كما يقول داود بالتدريج يصعدون ويتقدمون وينمون من مجدٍ إلى مجدٍ، فيشرق نور الثالوث على الذين يستنيرون.
5. هل أورد الكتاب المقدس العقيدة الثالوثية بوضوح؟
أ. أُعلن الثالوث القدوس عند عماد ربنا يسوع (يو 27:1-33)، كما تتم معموديتنا باسم الأقانيم الثلاثة كقول القديس متى (مت 9:28). وردت هذه العقيدة في بركة القديس بولس في (2 كو 14:13)؛ وذكر الأقانيم الثلاثة أيضًا في (يو 16:14؛ أف 18:2؛ 1 بط 21:1، 22) الخ.
ب. أعمال وألقاب ربنا يسوع المسيح والروح القدس في الكتاب المقدس تشهد عن ألوهيتهما.
ت. أحد أضواء العهد القديم الثلاثة تقديسات (قدوس، قدوس، قدوس) الواردة في رؤيا إشعياء (3:6)، وارتباطها بالعبارة القائلة: "من يذهب من أجلنا؟" (8:6). وأيضًا تُفهم الأقانيم من صيغة الجمع باستخدام كلمة "ألوهيم" (جمع) عن الله، وتكرارها حتى في فقرة واحدة (تث 4:6). كما استخدمت في بعض العبارات مثل: "قال الله نعمل الإنسان على صورتنا" (تك 26:1)، وأيضًا "هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض" (تك 7:11).
ث. كان العهد القديم يُعدّ العالم للإيمان بالثالوث القدوس، لكن لم يُعلن عن الثالوث لأن غالبية الأمم كانت ساقطة في الاعتقاد بتعدد الآلهة. وتعرض إسرائيل للانحراف نحو العبادة الوثنية، فكانوا أحيانًا يعبدون آلهة الأمم، ويسقطون في رجاساتهم حتى بعد نصرتهم على هذه الأمم.
ج. كان الله يُعدّ شعبه إسرائيل لكي يتجسد كلمة الله من اليهود، خاصة وأنهم إن قورنوا بالأمم المحيطة بهم يُحسبون خائفي الرب. فامتاز إسرائيل في العهد القديم بظهور كثير من الأتقياء وخائفي الرب، وكثير من الأنبياء الذين تمتعوا بإعلانات إلهية خاصة بمجيء مخلص العالم.
6. لماذا قام العهد القديم بالتركيز على أقنوم الآب؟
أبرز العهد القديم أن الله أب يحب خائفيه ويتراءف عليهم، فقيل: "لأنه مثل ارتفاع السماوات فوق الأرض قويت رحمته على خائفيه... كما يتراءف الأب على البنين، يتراءف الرب على خائقيه" (مز 103: 11، 13). أُشير إلى الله أنه أب شعب إسرائيل (تث 32: 6؛ مل 2: 10؛ إش 63: 16؛ 64: 8)، ليس لأنه يتجاهل الأمم، وإنما ليُعدّ العالم كله لقبول كلمة الله المتجسد، مخلص العالم.
لا نستطيع أن ننكر أن بعض الأمميين اهتموا بخلاص نفوسهم مثل راعوث المؤابية وراحاب الزانية الكنعانية، اللتان ذُكرتا في نسب السيد المسيح (مت 1)، فكانت الأولى رمزًا لقبول الأمم الإيمان بالمخلص، والثانية رمزًا لفتح باب الخلاص للخطاة (الزناة) الذين يرجعون لله ويؤمنون بالمخلص، ويتمتعون بالعضوية الكنسية.
ففي العهد الجديد، أعلن الله الآب أنه أب لجميع الذين يقبلونه ويؤمنون به دون تمييز بين اليهود وغيرهم من الشعوب. فخلال الرجوع إلى أبيهم، يسمعون صوته، قائلاً: "لأن ابني هذا كان ميّتًا فعاش، وكان ضالاً فوجد" (لو 15: 24). جاء العهد الجديد يكشف سرّ الثالوث القدوس لليهود كما للأمم.
7. ما هو تعليم العهد الجديد عن الثالوث القدوس، مع وحدانية الجوهر؟
أ. قيل للقديسة مريم عند بشارتها بواسطة رئيس الملائكة جبرائيل: "الروح القدس يحلّ عليك، وقوة العلي تظللك، فلذلك أيضًا القدوس المولود منكِ يُدعى ابن الله" (لو 1: 35).
ب. في عماد السيد المسيح أُعلن عن الثالوث القدوس بوضوح، فالذي تعمد هو الابن المحبوب الذي يُسرّ به الآب كما شهد له الآب من السماء، والروح القدس حلّ عليه في شكل حمامة (مت 3: 16017؛ مر 1: 9-11؛ لو 3: 22).
ت. عندما تجلّى السيد المسيح على جبل تابور، ظهر الروح القدس كسحابة منيرة، وشهد الآب: "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت، له اسمعوا" (مت 17: 1-8).
ث. في الصلاة الوداعية تحدث السيد المسيح عن الروح القدس كمعزٍّ آخر، وأنه يرسله من عند الآب (يو 14: 16-17، 26).
ج. في الوصية الأخيرة التي أعطاها السيد المسيح قبل الصعود أعلن عن وحدانية جوهر الله، إذ طلب أن يعمدوا المؤمنين باسم (بالمفرد) الآب والابن والروح القدس (مت 28: 19-20).
ح. الأقانيم الثلاثة لهم معرفة متساوية لأنهم واحد في ذات الجوهر.
خ. أعلن المجمع المسكوني الأول بنيقية عام 325م، خلال دراسة الكتاب المقدس والتقليد الكنسي أن يسوع المسيح "ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، واحد في ذات الجوهر، الذي به كان كل شيءٍ".
8. كيف يمكننا أن نقبل الإيمان الثالوثي بالرغم من أن الله بسيط؟ ألا يتعارض هذا الإيمان مع الوحدانية؟
يتهم البعض المسيحية بأنها تفتقر إلى البساطة؛ بمعنى آخر يتهمونها بالتعقيد لأنها تؤمن بثلاثة أقانيم في جوهر إلهي واحد. إنهم يتطلعون إلى هذه العقيدة كما لو كانت سرًا يمكن أن يُفهم على أنه نوع من تعدد الآلهة، لهذا يدعون أنه لا حاجة إلى قبوله. لكننا نلاحظ أن أغلب الديانات التي ترفض هذه العقيدة وفي نفس الوقت تؤمن بإله واحد مطلق، هي نفسها تؤمن بأسرار إلهية كثيرة لا يستطيع العقل آن يستوعبها في ذاته، فتتحدث عن يديّ الله ووجهه وعرشه الخ. بالرغم من إيمان الكل أن الله هو روح بسيط لا جسم له، ولا يمكن لعرشٍ أن يحده. ومع هذا يقبلون هذه التعبيرات كأسرار في معتقداتهم، وان كان بقبولها يمكن إساءة فهمها. بنفس الفكر نقول إن إيماننا بالثالوث القدوس هو سرّ أعلنه الله نفسه إلى البشر ويمكن للعقل أن يدركه بالنعمة الإلهية، ويتعرف على هذا الإيمان بكونه يؤكد وحدانية الله ويفسرها.
لا يجحد الإيمان الثالوثي بساطة الله، إنما إنكار هذا الإيمان يشوه بساطة الله، للأسباب الآتية:
أ. تؤمن كثير من الأديان أن كلمة الله أزلية، لأن الله لم يكن بدون كلمته حتى قبل وجود الزمن (يو 1:1)، بل وتعتقد بعض الأديان أنه حتى الكلمات والحروف التي لكلمة الله أزلية أيضًا. بدون الإيمان بالثالوث القدوس في جوهر إلهي واحد، تكون أزلية كلمات الله أو أقواله تعني أن الله لم يكن بسيطًا، إذ يكون متحدًا مع كلماته أزليًا. لكن بحسب إيماننا، كلمة الله ليس "خارج" الله، إنما هي ذات كلمته الأزلي المولود منه كولادة النور من النور، كائن معه في ذات الجوهر، أي أنه واحد مع الأب في ذات جوهره الإلهي (ousia).
يؤمن كثير من غير المسيحيين أن كلمة الله أزلية معه، وأنها أعلنت للأنبياء كعلامة عن محبة الله للبشر، وأن هذه الكلمة لا تتعارض مع بساطة الله، أما نحن فنقول بأن الكلمة "اللوغوس" ليس خارج الله، بل هو واحد معه أزليًا. فالله ليس كالإنسان بل هو كائن أزلي، ومن ثم كلمته "اللوغوس" كائن سرمدي مع الآب كشعاع النور. يقول القديس أثناسيوس الرسولي: [كلمة الله واحد لا يتغير، كما هو مكتوب: "كلمة الله ثابت إلى الأبد" (مز 89:119)[74].]
ب. لا يتعارض الإيمان الثالوثي مع بساطة الله، لأننا لا نؤمن بثلاثة جواهر إلهية بل بجوهر إلهي واحد، ولكي ندرك هذا السرّ الإلهي يمكننا القول بأن الجوهر الإلهي موجود حقًا منذ الأزل، هذا الوجود "الكينونية" هو وجود عقلاني أزلي أي له (عقل) أو (حكمة) أو (لوغوس)، مولود من كينونته وليس خارجًا عنه وليس له جوهر إلهي آخر. لهذا عندما ندعو الكائن الإلهي "الآب" والكلمة "الابن" نؤكد أن الابن هو كلمة الله، حتى لا يسيء أحد اللقبين كما لو كان للآب والابن جوهرين منفصلين، ولئلا يظنوا أننا نعتقد بإلهين؛ فإننا نؤمن بإله واحد. بساطة الله لا تعني وجود الله دون كلمته أو عقله أو حكمته، حاشا أن يوجد الله غير عاقل!
بالنسبة لأثيناغوراس[75]، مدير مدرسة الإسكندرية، قال إن الله الأزلي له عقل Logikos، اللوغوس كائن فيه أزليًا، لذلك فالابن باعتباره اللوغوس لم يأتِ إلى الوجود بل هو أزلي.
هذا الكيان الإلهي، أو "الآب" حيّ أزلي، له حياته منبثقة منه وليست خارجًا عنه. تتميز "الكينونة" عن "الحياة"، لكنهما ليسا منفصلين، وليس لهما جوهران إلهيان، لأن "الحياة" خاصة بالكائن ذاته. يقول القديس ديونسيوس الإسكندري: [من الضروري الإيمان بالكائن العاقل الحي، جوهر واحد بسيط أزلي، لأن الثلاثة غير منفصلين ولم يوجد أحدهم قبل الآخرين. إنهم كالنار التي لها لهيب ونور وحرارة في ذات الوقت. هكذا نفهم أن الوحدانية غير متجزئة إلى ثالوث، بالعكس يجتمع الثالوث دون فقدان للوحدانية[76].]
ج. الله فريد في كل شيءٍ، حتى عندما يتحدث عنه الكتاب المقدس بكونه "الله الواحد"، فإن هذا لا يعني خضوعه لقواعد حسابية، إذ هو ليس بمحدودٍ. بمعنى آخر، يلزمنا أن نفهم لفظ "واحد" هنا ليس رقمًا من بين الأرقام، إنما يعني "وحدة" لا يُنطق بها. لا يُمكن أن تختبر الوحدانية أو تفهم على إنها ترقيم، لأن هذا يجعل الله كائنًا جامدًا يخضع تحت العدد. لهذا السبب يقول أثيناغوراس[77] إن الله واحد، لكنه ليس كفردٍ بشريٍ مخلوقٍ وقابل للموت، مركب وقابل للانقسام (إلى أجزاء)؛ فإن الله غير مولود ولا متغير ولا قابل للتجزئة، فهو لا يتكون من أجزاء. ويقول القديس إكليمنضس: [إن الله واحد، يتعدى الواحد، وفوق الوحدانية ذاتها[78]. [
9. ماهي الآيات التي استخدمها منكرو لاهوت المسيح؟
أ. يقول السيد المسيح: "لأن أبي أعظم مني" (يو 14: 28)، لأنه تجسّد وأخذ صورة عبد. يقول الرسول: "الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله، لكنه أخلى نفسه آخذًا صورة عبدٍ، صائرًا في شبه الناس، وإذ وُجد في الهيئة كإنسانٍ وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب" (في 2: 6-8).
ب. "الحق الحق أقول لكم لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئًا إلا ما ينظر الآب يعمل، لأن مهما عمل ذاك، فهذا يعمله الابن كذلك (يو 5: 19). هذه العبارة لا تعني اعتماد الابن على الآب كمن هو أقل منه، إنما تعلن عن مساواتهما وتناغم عملهما معًا، وأن لهما إرادة واحدة، وسلطان واحد في كل شيءٍ، إذ لهما جوهر واحد مع الروح القدس، يشتركوا معًا في العمل.
ت. يقول السيد المسيح: "وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته" (يو 17: 3). هذه العبارة لا تنفي مساواة الآب والابن، لأن قوله: "أنت الإله الحقيقي وحدك" يُقصد بها رفض الآلهة المزيفة.
ث. أشار السيد المسيح إلى نفسه أنه "ابن الإنسان" (مت 8: 20؛ 9: 6؛ 11: 19 الخ.) لقد أراد تأكيد أنه بالحقيقة قد تأنس، لأن الغنوصيين ادعوا أنه بلا جسد حقيقي، إنما ظهر كمن له جسد.
ج. يقول الرسول: "بِكر First Born كل خليقة" (كو 1: 15). لم يقل: "أول المخلوقات"، إنما بكر First Born فهو المولود من الآب قبل كل الخلقة.
10. كيف كان الله محبًا منذ الأزل؟
كيف كان الله خالقًا، محبًا، صانع سلام منذ الأزل، قبل خلقه الكون؟ هل كان الخلق ضروريًا حتى تُنسب إليه هذه الألقاب؟ يجيب بعض المفكرين الذين لا يؤمنون بالثالوث القدوس عن هذه الأسئلة قائلين: إن لله هذه الألقاب والخصائص الأزلية "بالقوة" لا "بالفعل"، أما بعد الخلق فظهرت بالفعل. هذا يعني إن الخلق كان ضروريًا ليحقق الله به سماته الخاصة بالحب والسلام والرحمة الخ. فتصير بالفعل (أو بالعمل) بعد أن كانت بالقوة فقط.
قبولنا للإيمان الثالوثي أنه ثلاثة أقانيم في جوهر إلهي واحد يجعل حلّ هذا الأشكال سهلاً، لأن كل هذه الخصائص إنما تتركز في سمة واحدة وهي "المحبة". بالحب خلق الله الكائنات السماوية والأرضية. إنه رحوم وصانع سلام ورؤوف الخ. لأنه يحب الإنسان. يقول الكتاب المقدس: "الله محبة" (1 يو 8:4)، الحب السرمدي. فإن الآب يحب الابن، ولم يكن هناك زمان لم يحب فيه الآب الابن. فالحب كخاصية إلهية هو حب أزلي بالقوة كما بالفعل، لأن الحب هو الله ذاته الذي يحب منذ الأزل وإلى الأبد؛ لم يكن في حاجة إلى خليقته لكي تكشف عن خصائصه. تحدث ربنا يسوع المسيح إلى أبيه الأزلي، قائلاً: "لأنك أحببتني قبل إنشاء العالم" (يو 24:17).
أُعلنت لنا العلاقة التي بين الثالوث القدوس الأزلية والمطلقة خلال معاملات الله معنا، خاصة خلال عمله الخلاصي. وقبل تسليمه لنفسه صلى ربنا يسوع المسيح للآب لحسابنا، قائلاً: "كما أنت أيها الآب فيَّ وأنا فيك، ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا... وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني، ليكونوا واحدًا كما إننا نحن واحد... وعرفتهم اسمك، وسأعرفهم، ليكون فيهم الحب الذي أحببتني به، وأكون أنا فيهم" (يو 21:17-26).
خارج الإيمان الثالوثي إن قلنا إن الله يحب منذ الأزل ننسب له الأنانية، أي يحب نفسه، حاشا لله! هكذا بالنسبة للسلام فإننا نتساءل: مع من كان الله في سلام منذ الأزل؟ وهكذا توجد أسئلة كثيرة لا إجابة لها إلا في الإيمان بالثالوث القدوس في جوهر إلهي واحد.
التعليم الثالوثي يقوم على فهم كتابي لجوهر الله بكونه الحب، فلا يكون الله واحدًا منفردًا ولا منعزلاً، إنما يوجد الآب مع الأقنومين الآخرين في جوهر واحد. يجب التمييز بين الواحد المنفرد والواحد (في وحدانية). التعليم الثالوثي لا يتحدث عن الله في وحدانية معتزلة مطلقة جامدة. ولا عن كائنات ثلاثة منفصلة؛ بل هو واحد في جوهره، له حركة سرمدية في الداخل والخارج لاتحاد أقنومي.
11. كيف يكون لله ابن؟
أ. كل جوهر فعَّال لابد أن يلد شيئًا، فالنار تلد ضوءًا وتعطي حرارة. والعنصر المشع يعطي طاقة نووية، والعقل البشري السليم يلد أفكارًا حكيمة. هكذا لا يمكن أن يكون الله كائنًا جامدًا، فإن الابن مولود منه منذ الأزل، وهو النور المولود من النور. فالنور الذي لا يلد نورًا هو ظلام! [79]
يقول القديس ديونيسيوس السكندري: [كُتب أن يسوع المسيح هو "بهاء مجده ورسم جوهره..." (عب 3:1)، "صورة الله غير المنظور" (كو 15:1)، كما أن الكلمة هي صورة العقل غير المنظور. لكن بهاء النور أزلي، (فالابن) ذاته بالتأكيد أزلي، لأنه كما أن النور موجود دائمًا فواضح إن البهاء أيضًا يوجد معه على الدوام. فبوجود البهاء يفهم وجود النور، وبالتالي لا يوجد نور لا يعطى نورًا... من ثم فالبهاء يشرق قدامه منذ الأزل، ومولود منه على الدوام، يسطع في حضرته، إذ هو الحكمة، القائل: "كنت عنده صانعًا، وكنت كل يومٍ لذته، فرِحةً دائمًا قدامه" (أم 30:8). فالآب إذن أزلي، والابن كذلك أزلي، لأنه نور من نور[80].] ويقول البابا أثناسيوس الرسولي: [لو كان جوهر الله غير مثمر في ذاته بل هو عقيم – كما يدعون – فيكون كنورٍ لا ينير، وكنبعٍ جافٍ، أفلا يخجلون عندما يتحدثون عن قوته وطاقته الخالقة بينما ينكرون ما هو بالطبيعة؟[81]] كما يقول: [لله أيضًا كلمته... ليس خارجًا عنه بل من ذاته. إن كان لله قوة الإرادة وفعَّال، فإرادته فعالة وقادرة على خلق الأشياء التي ستوجد؛ وكلمته فعّال وعامل، هذا الكلمة بالتأكيد يجب أن يكون هو إرادة الآب الحية، والطاقة الجوهرية، والكلمة الحقيقي الذي فيه يتأسس كل شيءٍ ويدبر حسنًا[82].]
ويقول العلامة أوريجينوس: [ماذا نظن في النور سوى الله الآب؟ ألم يكن بهاؤه (عب 30:1) حاضرًا معه؟ يستحيل تصور نور دون بهاء. إن كان هذا حقًا، فإنه لم يكن يوجد زمن فيه الابن ليس ابنًا[83].]
ب. تكشف ولادة الابن الأزلية عن طبيعة الله الكائن المحب، الذي في حبه اللانهائي يلد الابن، مقدمًا له ذات جوهره الإلهي بكونه واحدًا معه. إنه حب فريد، أن "الكائن" يهب ذات جوهره. هذا الحب اللانهائي قد اُستعلن لنا ولكن بما يناسبنا.
ت. يُدعى الأقنوم الثاني "الابن" تأكيدًا لوحدانية الجوهر مع الآب؛ ولئلا يُفهم أنه منفصل عن الآب، كما لو كانا جوهرين وإلهين، دُعي "كلمته" و"حكمته". بهذا نفهم بنوته بمفهومٍ غير بشري.
يقول القديس أثناسيوس: [يلزم عدم مقارنة الولادة الإلهية بتلك الولادة الطبيعية لدى البشر، وعدم اعتبار الابن جزءً من الله، كما لا تتضمن الولادة أي نوع من العواطف مهما كانت؛ فالله ليس إنسانًا. بالنسبة للبشر يلدون من هو متغير. أما بالنسبة لله فالأمر غير هذا، لأن الله لا يتكون من أجزاء، ولا يتغير؛ فالابن لا يجعله يتجزأ.
هذا ثابت في الكتاب المقدس وواضح ومُعلن فيه. فإن كلمة الله هو الابن، والابن هو كلمة الله وحكمته. الكلمة أو الحكمة ليس مخلوقًا ولا هو جزء ممن هو كلمته، وليس نسلاً يمكن بدوره أن يتناسل. يوجد بالكتاب المقدس اللقبان معًا، فيتحدث عن "الابن" ليعلن عن الميلاد الطبيعي الحقيقي الكامن في جوهره، ومن ناحية أخرى لئلا يظن أحد إن هذه البنوة تشابه التناسل البشري، بينما يشير إلى جوهره يدعوه أيضًا الكلمة والحكمة والبهاء، ليعلمنا أن هذا الميلاد غير قابل للتغيير، أبدي، لائق بالله[84].]
يليق بنا ألا نتطلع إلى الله بمنظارٍ ماديٍ، فإنه ليس كائنًا بشريًا أو مخلوقًا. عند سماع لقبي الآب والابن لا يعني هذا إن الله تزوج وأنجب إلهًا آخر، إذ لا وجود للجنس في جوهر الله.
يلد الآب الابن كما تلد الشمس أشعتها أو كما يُولد العقل من نفس الإنسان، والبهاء من النور. هذه الأمثلة وغيرها قاصرة عن التعبير عما هو إلهي.
12. كيف نفهم وحدة الثالوث القدوس؟
وحدة الثالوث القدوس فريدة، ليست كامتزاج السوائل والمواد، ولا كوحدة نفس الإنسان بجسده، ولا كاتحاد لاهوت المسيح بناسوته.
كل أقنوم يملأ الأقنومين الآخرين وهو مُحتوى فيهما لكنه متمايز عنهما. يقول القديس أثناسيوس: [كيف يمكن للواحد أن يكون محتويًا في الآخر، والآخر فيه؟ "أنا والآب واحد" (يو 10: 30) ويضيف: لكي تعرفوا: "أنى أنا في الآب، والآب فيّ" (يو 10:14). علاوة على هذا يقول: "الذي رآني فقد رأى الآب" (يو 9:14). المعنى واحد في هذه العبارات الثلاث. لأن من يعرف أن الآب والابن هما واحد يدرك أيضًا أن الابن في الآب والآب في الابن، لأن لاهوت الابن هو ذات لاهوت الآب في الابن. ملء لاهوت الآب حال في كيان الابن، والابن هو الله الكامل. لاهوت الابن ونمطه ما هو إلا لاهوت الآب ونمطه. هذا ما قاله: "آنا في الآب". وهكذا "الله كان في المسيح مصالحًا العالم لنفسه" (2 كو 19:5). لأن خاصية جوهر الآب هي للابن الذي فيه تصالحت الخليقة مع الله[85]. [
كما يقول: [الثالوث القدوس المبارك غير قابل للتجزئة وهو واحد في ذاته. فإذا ما ذكرنا الآب نعني ضمنيًا الابن الكلمة، كما نعني أيضًا الروح القدس الذي في الابن. وإذا ذكرنا الابن فإن الآب في الابن والروح القدس ليس خارج الكلمة، لأنه توجد نعمة واحدة تتحقق من الآب بالابن في الروح القدس[86].]
ويقول القديس هيلاري أسقف بواتييه عن وحدانية الثالوث القدوس: [جعل المسيح رسله يعمدون باسم الآب والابن والروح القدس، أي الاعتراف بالخالق والابن الوحيد الجنس والعطية. لأن اللَّه الآب هو واحد، منه كل شيءٍ؛ وربنا يسوع المسيح الابن الوحيد الذي به كان كل شيء (1 كو 8: 6) هو واحد؛ والروح عطية اللَّه لنا، الذي يتخلل كل شيء هو أيضًا واحد (أف 4: 4). هكذا الكل قد تعظّم حسب القوى التي لهم والمنافع التي يمنحونها، القوة الواحدة التي منها الكل، الابن الواحد الذي به كل شيء، العطية الواحدة التي تهبنا رجاء كاملاً. لا يمكن أن يوجد نقص في هذا الاتحاد السامي الذي يحتضن الآب والابن والروح القدس، غير محدود في سرمدية، مثاله في صورة تعبر عنه، وتمتعنا به في العطية[87].]
13. هل للابن مشيئة يُمكن أن تتعارض مع مشيئة الآب؟
بالنسبة لوحدة الثالوث القدوس في المشيئة الإلهية، يقول ج. ل. بريستيج G. L Prestige: [يلاحظ أوريجينوس[88] إن مشيئة الله قائمة في مشيئة الابن وأن مشيئة الابن لا تنحرف قط عن مشيئة الآب. لا توجد مشيئتان بل مشيئة واحدة، تتحقق هذه المشيئة الواحدة بكلمات ربنا القائل: "أنا والآب واحد". ويكرر العلامة أوريجينوس[89] القول بأن الآب والابن "متمايزان" pragmata موضوعيًا، لكنهما واحد في الاتفاق والانسجام وتحقيق القصد. يتبع أثناسيوس[90] أوريجينوس في تأكيد مشيئة واحدة تصدر عن الآب قائمة في الابن بحيث يُرى الابن في الآب، والآب في الابن[91].]
ويقول Prestige أيضًا: [كما أن الله واحد في المشيئة فهو واحد في العمل أو "الطاقة". يرجع هذا التعليم إلى أثناسيوس، حيث يمثل جانبًا من براهينه على لاهوت الروح القدس. هكذا يعرض هنا الفكر بإسهاب[92]، قائلاً إن الآب هو نور، والابن هو بهاء هذا النور، والروح القدس الذي هو الوكالة الذي به تنال البشرية استناراتها (المعرفة) يلزم أن يكون متمايزًا في الابن. فعندما نستنير، فالمسيح نفسه الذي في الروح هو ينيرنا، إذ يقول القديس يوحنا: "المسيح هو النور الحقيقي الذي ينير كل إنسانٍ" (يو 1: 9). بالمثل الآب هو النبع، والابن يُدعى النهر الذي يفيض من هذا النبع، ويقول الكتاب المقدس أيضًا إننا نستقي من الروح. بارتوائنا من الروح نستقي من المسيح نفسه. مرة أخرى المسيح هو الابن الحقيقي، لكننا بالروح نصير أبناء، وننال روح التبني. من هذا يستنتج[93] (أثناسيوس) أنه يوجد ثالوث كامل قدوس، يعبر عنه بالآب والابن والروح القدس، لا يحوي شيئًا غريبًا صادرًا من منبع خارجي. بطبيعته يحوي ذاته بذاته، دون تجزئة، طاقته واحدة، إذ يعمل الآب في ثبات بالكلمة في الروح القدس. على هذا فوحدة الثالوث القدوس محفوظة، لهذا يكرز بإله واحد في الكنيسة، هذا الذي هو فوق الكل وبالكل وفي الكل. فوق الكل هو الآب الأصل والمنبع، وبالكل بالكلمة، وفي الكل بالروح القدس[94].]
يدافع القديس ديديموس الإسكندري عن مشيئة الثالوث القدوس الواحدة[95]. ويؤكد القديس كيرلس[96] وحدة عمل الثالوث القدوس؛ فالآب يعمل بالابن في الروح القدس؛ كذلك يعمل الابن بكونه قوة الآب، لأن كيانه (الأقنومي) هو من الآب وفي الابن، والروح القدس يعمل لأنه روح الآب والابن. يقول القديس كيرلس الكبير:
[واهب الروح الإلهي المحيي هو الابن المولود من اللَّه، الذي يشارك الحياة، ويتقبل الطبيعة الإلهية الكاملة من الآب؛ والذي فيه الابن والروح المحيي، يقوم الأخير بخلق الحياة للذين ينالونه[97].]
[في الطبيعة الإلهية الواحدة الثلاثة أقانيم المتمايزون يتحدون في جمالٍ سامٍ واحد؛ ونحن أيضًا نتشكل بقبولنا ختم بنوي بالابن في الروح[98].]
[شكرًا للروح، إذ نتشكل حسب جمال الابن الإلهي الفائق، نشترك في الطبيعة الإلهية[99].]
[يمنحنا الابن كمال رائحة الذي ولده (الآب). به وفيه نتقبل رائحة معرفة اللَّه، ونغتني بها[100].]
ويقول القديس إيريناؤس: [بخصوص عظمته لا يمكن معرفة الله... أما بخصوص حبه فهو معروف دومًا بكلمته... وبالروح الذي يحتضن الإنسان ويهبه سلطة إلى مجد الآب[101].] كما يقول: [الآب يُعلن، والروح حقًا يعمل، والابن يخدم[102].]
ويقول القديس أمبروسيوس: [ليس من أمر ما مستبعد، فالابن له ذات الإرادة التي للآب[103].]
14. ما هو أثر الإيمان الثالوثي على حياتنا اليومية؟
للإيمان دور أساسي في عبادتنا وعلى مفاهيمها واشتياقاتنا وفي سلوكنا. هنا بعض الأمثلة لذلك.
أ. يجب أن نميز بين الوحدانية التي تقوم على الإيمان الثالوثي والوحدانية المطلقة التي قامت في مواجهة تعدد الآلهة. فالإيمان بتعدد الآلهة تأسس غالبًا على الصراع بين هذه الآلهة، مما كان له أثره على حياة الإنسان الداخلية، حيث يجد الإنسان في الصراع نموذجًا لحياته؛ فيمارسه الإنسان ليس فقط ضد الآخرين، وإنما حتى ضد نفسه. فالوحدانية كانت لازمة لفهم العهد القديم حسنًا، لمنع الناس من السقوط في تعدد الآلهة، لكن إن فهمنا الوحدانية خارج الإيمان الثالوثي نظن في الله كائنًا جامدًا ومخيفًا، ذا سمات مطلقة، يخلق هذا الإيمان نوعًا من "الفردية والانعزالية"، إذ يتطلع المؤمن إلى الله كمثالٍ له، فيراه الوحيد الذي لا يُدنى منه، كمن هو معتزل في سماواته، لا تقوم فيه أية حركة. أما الإيمان بالوحدانية خلال سرّ التثليث فيقدم نموذجًا إلهيًا للمؤمنين عن "وحدة الحب". فيحثنا على ممارسة الحب على أثر خطوات الثالوث القدوس وخلال عمله فينا.
ب. في هذا السرّ نتعرف على "الأبوة والبنوة" في معانيهما اللانهائية، فالآب يلد الابن كما يُولد النور من النور، مقدمًا له ذات جوهره. هذه العلاقة الفريدة لا يمكن أن توجد خارج الله، أقصد أن للآب والابن جوهر واحد بسيط. خلال هذه العلاقة نتمتع بالتبني لله، إذ نقبل الآب أبانا باتحادنا معه في ابنه الوحيد. خلال هذا السرّ لا تُحصر علاقتنا بالله في دائرة ضيقة كعبيد مع سيدهم، إنما يقبلنا أولادًا له )رو 15:8-23؛ أف 5:1).
خلال هذه العلاقة الجديدة نتمتع بحركة حب إلهي لا تتوقف، مترجين لا أن ننال منافع من الله في هذا العالم الحاضر أو حتى في الدهر الآتي، بل نقتنى الله نفسه، نرث أحضانه كمسكنٍ أبديٍ لنا. بمعنى آخر يحول الإيمان الثالوثي علاقتنا بالله من علاقة منفعة ذاتية إلى شركة حب متبادل.
ت. يهبنا الإيمان الثالوثي فهمًا متسعًا للكمال، إذ يتساءل البعض: كيف يمكن أن يكون الآب كاملاً في سماته وهو لا ينفصل عن الابن والروح القدس (أي يشاركانه سماته)؟ ونفس الأمر بالنسبة للابن والروح القدس. نجيب أن الكمال الحقيقي لا يُستعلن خلال الاكتفاء الذاتي الانعزالي، وإنما خلال حركة الحب الأزلي في الله والعلاقات المتبادلة اللانهائية.
يبلغ الإنسان الكمال لا بتمجيد ذاته ولا باكتفائه بذاته، وإنما خلال الوحدة مع الغير القائمة على الحب. الإنسان الكامل ليس هو من يغذي الذات (الأنا) ego من أجل اقتناء مجدٍ باطلٍ ونفعٍ لحسابه، بل هو ذاك الذي يحب الغير ويقبل حبهم له دون مقابلٍ.
4. للإيمان الثالوثي أثره على كل الحياة البشرية حتى خلال العبادة:
أ. في العهد القديم لم يكن المؤمنون قادرين على قبول الإيمان الثالوثي الذي يؤكد الوحدانية الحقيقية. كان لهذا النقص أثره على عبادتهم، إذ تطلعوا إلى الله ككائنٍ لا يُدنى منه، يعبدونه خشية أن يغضب عليهم. أما في العهد الجديد إذ قبل المؤمنون الإيمان الثالوثي تعرفوا على الله الذي يعلن حبه باحتضانه للبشرية واجتذابهم إلى الحضن الأبوي لينعموا بأسراره ويشاركونه أمجاده. لم يعد البشر مجرد آلات تخدم الله بطريقة آلية، إنما هم أبناء محبوبون يتمتعون بالأسرار الإلهية.
ب. يستأصل الإيمان الثالوثي كل جذور الأنانية، فإذ نرفع صلواتنا يجتذبنا الإيمان إلى الثالوث القدوس، الحب السرمدي، فنصلي من أجل خلاص كل البشرية بقلبٍ متسعٍ منفتحٍ!
ت. للإيمان الثالوثي أثره حتى على حياتنا الاجتماعية، فإذا اخترنا الزواج نترجى في الأسرة أن تكون أيقونة المحبة الثالوثية، يجد المؤمن مسرته في مسرة الغير، ويعمل كعضوٍ في الجسد لأجل بنيان الأسرة كلها. بهذا المنظار تكون الأسرة وحدة حب حقيقي، فيها يشتاق كل عضوٍ أن يعطي لا أن يأخذ! من جانب آخر إن اخترنا الحياة الديرية نقدم قلبًا مفتوحًا نحو الكنيسة كلها بل ونحو العالم أجمع، هذا ما نعلنه خلال سجودنا المستمر وصلواتنا الدائمة من أجل كل البشر!
15. ما هي التشبيهات التي قدمها الآباء للثالوث القدوس؟
اهتم الآباء بتوضيح هذا السرّ، لأن اللغة البشرية قاصرة عن أن تعبر عنه؛ ولم تقدم الطبيعة كلها مثالاً لوجود جوهر واحد في ثلاثة أقانيم متمايزة. عندما نقدم بعض الأمثلة لتوضيح هذا السرّ الإلهي نفترض مسبقًا أن جميعها لا تفسره إلا جزئيًا، أي من جوانب معينة دون الأخرى، حتى يمكن لعقلنا قبوله. للتعرف على هذا السرّ نحتاج إلى النعمة الإلهية التي تهبنا الشركة مع الثالوث القدوس، أي الشركة مع الآب في ابنه بالروح القدس.
أ. خُلق الإنسان على صورة الله (تك 27:1؛ 2:5)، نفسه موجودة كائنة عاقلة وحيّة. النفس واحدة، إلا أن كيانها متمايز عن عقلها وأيضًا عن حياتها، ولا ينفصل الثلاثة عن بعضهم البعض.
ب. وعد الله أن يحفظ كنيسته، قائلاً: "وأنا يقول الرب، أكون لها سور نارٍ من حولها وأكون مجدًا في وسطها" (زك 5:2). للنار ثلاث خواص ذاتية تشبه الأقانيم: لهيب ونور وحرارة منبعثة عنه، لكنها ليست أقانيم، لأن الواحدة لا تملأ الآخرين. من خلال النور يمكننا أن نتعرف على النور، وهكذا أيضًا من خلال الحرارة.
ت. للشمس كيان ككوكبٍ، وهي تولد أشعة وتبعث حرارة ومع هذا فهي شمس واحدة. ندعو الكوكب نفسه شمسًا وأيضًا أشعته تُدعى هكذا، وكذلك الحرارة.
ث. التفاحة: يُشبه الله بالتفاحة، إذ قيل: "كالتفاح بين شجر الوعر كذلك حبيبي بين البنين" (نش 3:2). للتفاحة ثلاث خواص: مادتها التي نأكلها وطعمها ورائحتها، ويمكننا التعرف على التفاحة من طعمها أو رائحتها.
16. ما هو مفهوم السمات الأقنومية؟
الله البسيط في جوهره هو ثلاثة أقانيم والجوهر واحد. أقنوم الآب يقدم لنا الأبوة التي ننالها باتحادنا مع الابن الوحيد الجنس، الابن بالطبيعة، فننعم بالبنوة بالنعمة الإلهية ونختبر أبوة الآب التي تخصنا كأبناء له، كما نتمتع ببنوة الابن التي تهبنا حق التبني للآب. ويقدم لنا الروح القدس المنبثق من الآب البنوة للآب، ويقدسنا ويجددنا على الدوام فنحمل أيقونة الابن المحبوب لدى الآب. هكذا يعمل الثالوث القدوس فينا على الدوام ليهيئنا للميراث الأبدي والحياة الأبدية الخالدة.
إن كانت الأقانيم الثلاثة لها جوهر واحد، فإن السمات الأقنومية لا تفصل أي أقنوم عن الأقنومين الآخرين، وهي ليست جزءًا من الجوهر، إنما هي طرق الوجود الأزلي. فالآب هو العلّة وهو غير مولود، والابن مولود من الآب أزليًا، والروح القدس منبثق من الآب أزليًا. هذه التعبيرات الثلاثة: العلة والولادة والانبثاق لا تُفهم بأسلوب بشري مادي. فالآب هو آب منذ الأزل لم يكن موجودًا بدون الابن، والابن بولادته ليس أقل من الآب، وإنما كولادة النور من النور.
يترجم البعض كلمة ينبثق "يصدر عن... أو يشرق من..."
لم يوجد وقت ما كان فيه الآب بدون الابن أو بدون الروح القدس، فالولادة والانبثاق من الآب لم يتما في وقتٍ ما. الابن مولود من الآب، والروح القدس منبثق منه دون انفصالهما عن الآب.
الابن ليس جزءًا من الآب، بل هو صورة كاملة وتامة وهو بهاء الآب. لذلك يُدعى الابن "اللوغوس" أو الكلمة الصادر عن العقل. قيل عنه إنه ضياء الآب أو بهاؤه الذي يصدر عنه، لكن بدون انفصال عنه.
ولادة الابن لم تصدر عن إرادة ما، بل هي ولادة طبيعية أزلية. هذا لا يعني أن الآب لا يريد الابن، بل ولادته طبيعية أزلية، فالآب منذ الأزل يحب الابن (يو 3: 35). بهذا سمة الحب في الله لم تكن تحتاج إلى ممارسة خارجًا عنه، فهو محب قبل خلقة السماء والأرض.
لا نستطيع أن ندرك كيف تتم ولادة البهاء من النور، فكم بالأكثر يعجز عقلنا البشري عن إدراك كيفية ولادة الابن من الآب الأزلية؟! وما نقوله عن ولادة الابن الأزلية من الآب، هكذا أيضًا نقوله عن انبثاق الروح القدس الأزلي من الآب.
17. ما هو دور السمات الأقنومية بخصوص هوية الجوهر الإلهي؟
تعلن السمات الأقنومية عن العلاقة بين الأقانيم الثلاثة، وأنه لا يوجد انفصال الواحد عن الآخرين، وفي نفس الوقت يوجد تمييز واضح لكل أقنوم، فلا يُقال عن الآب أنه الابن أو الروح القدس الخ. لأننا بهذا نسقط في بدعة سابيليوس Saballianism التي نادت بأن الله ظهر بكونه الآب وأخذ شكل الابن خلال عمل الخلاص ويأخذ شكل الروح القدس في إتمام العماد... ففي نظر سابيليوس أن الأقانيم هم ثلاثة أشكال لأقنومٍ واحدٍ.
بقولنا وجود جوهر واحد وثلاثة أقانيم لا نستطيع القول إن كل أقنوم هو جزء من الجوهر الواحد.
كل أقنوم كامل وليس جزءًا من الجوهر، ولا ينفصل عن الأقنومين الآخرين المتميّزين.
18. ما هي السمات الجوهرية المشتركة في الثالوث القدوس؟ وما هي السمة الخاصة بكل أقنوم؟
الأقانيم الثلاثة لهم سمات مشتركة مثل بلا بداية، ولا نهاية، يتسم كل منهم بالحب والصلاح والقداسة والخلق والعناية الإلهية، وكلي القدرة، والحضور في كل موضع، ولا يمكن وصفه، والعالِمْ بكل شيء.
أما عن السمة الخاصة بكل أقنوم، فيقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [هكذا لا يمكن لخاصية أقنوم الآب أن تنتقل إلى الابن أو إلى الروح القدس. إنها خاصية الآب أنه موجود بدون علة، وهذا لا ينطبق على الابن والروح، فإن الابن خرج من عند الآب (يو 28:16)، ويقرر الكتاب أن "الروح ينبثق من اللَّه، من الآب" (يو 26:15)[104].] ولن ينفصل أي أقنوم عن الأقنومين الأخرين، لأن الجوهر واحد.
استخدم القديس أبيفانيوس عبارة إن الروح القدس ينبثق من الآب ويأخذ من الابن[105]، وإنه من ذات جوهر الآب والابن[106]. ويقرر القديس غريغوريوس أسقف نيصص أن الروح ينبثق من الآب ويأخذ من الابن[107].
19. من هو الآب؟
يقول Prof. Maximos Agiorghoussis: [إنه ليس "قوة فائقة للطبيعة" عمياء، ولا هو نوع من إله الفلاسفة "المحرك الأول الذي يحرك كل شيءٍ ويبقى هو بلا حركة" (أرسطو)؛ أو المثال الفائق الخيالي (أفلاطون)؛ إنما هو إله الإعلان الشخصي، خالق العالم ومدبره، خاصة البشر، هو أب حنون لأولاده وبناته، الذي يدخل معهم في عهدٍ، بكونه إلهًا لهم وهم يكونون له شعبًا مختارًا. [
بالرغم من أن لاهوتي الإسكندرية الأوائل تحدثوا عن عدم تغير الله وتنزهه عن العواطف البشرية[108] إلا إنهم ركزوا على أبوته الحقة من خلال الحب الذي لا يُعبر عنه بلغة بشرية كما لو كانت له مشاعر وعواطف بشرية. يقول العلامة أوريجينوس: [علاوة على هذا، ألا يختبر الآب إله الكون كله المشاعر والأحاسيس إذ هو طويل الأناة وكثير الرحمة؟! لأن "الرب إلهك يحملك في طرقك كما يحمل الإنسان ابنه." (تث 31:1)[109]]
20. من هو اللوغوس أو الابن؟
يسوع بالنسبة للمسيحيين الذين من أصل يهودي هو مخلص العالم كله من الخطية. يقدم القديس إكليمنضس السكندري ربنا أنه "يسوع الشافي أجسادنا ونفوسنا[110]." إنه الطبيب الإلهي القادر وحده أن يخلصنا من نتائج الخطية.
ربما يسأل البعض: هل من ضرورة لكلمة الله نفسه أن يتجسد ليفدينا ويشفي طبيعتنا البشرية؟
ا. "بالعصيان اختار الإنسان الموت" (تك 17:2) عوض الحياة. علَّم الله آدم طقس الذبيحة الحيوانية علامة عن الحاجة إلى سفك دم لخلاصه (عب 2:10). وكان هذا رمزًا لذبيحة ربنا يسوع الفريدة.
ب. كان من الضروري لخلاصنا أن يتجسد كلمة الله نفسه ليموت لحسابنا ليس فقط لأنه وحده قادر أن يفي العدل الإلهي بل وبكونه الخالق يقدر أن يجدد طبيعتنا البشرية. إنه الله القدير الذي يهبنا النصرة على الموت والأرواح الشريرة؛ وهو السماوي القادر أن يرفعنا إلى سماواته لنرث المجد الأبدي كأبناء الله (رو 8: 15، 21؛ 4:9) ونصير على مثال الله.
ت. المسيح الرب. لأن طبيعته أو جوهره من نفس طبيعة أو جوهر الآب[111]. الابن سرمدي، ميلاده من الآب بلا بداية، يقول القديس إكليمنضس السكندري: [ليس الآب بدون ابن، بل هو كائن معه؛ إنه آب الابن[112].] الابن واحد جوهريًا مع الآب مادام الآب فيه وهو في الآب[113].
ث. بخصوص طبيعة ربنا يسوع المسيح كلمة الله المتجسد أصر التقليد الإسكندري على تأكيد وحدانية الرب مؤكدًا الوحدة الحقيقية بين اللاهوت والناسوت دون انفصال ولا امتزاج[114].
المعلم الإلهي في حبه للمؤمن لانهائيًا يتخلل إلى كل حياته، مهتمًا حتى بأصغر أموره. يقول القديس إكليمنضس الإسكندري: [كما أن الشمس لا تنير السماء وحدها بل وتنير العالم كله، وأيضًا تشرق على البرّ والبحر، ترسل أشعتها خلال النوافذ والشقوق الصغيرة إلى الأماكن الداخلية؛ هكذا يتدفق الكلمة إلى كل موضع، متطلعًا إلى دقائق الأعمال لحياة الإنسان[115]. [
يقول العلامة أوريجينوس إن الابن يُولد من الآب لا بعملية انقسام بل بذات الطريقة التي بها تولد الإرادة من العقل؛ إذ يقول: [ابن الله الوحيد هو حكمته القائمة جوهريًا. كيف يظن أحد إن الله الآب يمكن أن يوجد في أي وقت دون ولادة الحكمة؟ يليق بنا أن نؤمن أن الحكمة لا بداية لها... لقد دُعي "الكلمة" لأنه مفسرّ أسرار عقل الله... محظور علينا الظن الخاطئ بأن الآب قد ولد الابن الوحيد الجنس بذات الطريقة التي يلد بها إنسان إنسانًا، أو حيوان حيوانًا، فإنه يوجد فارق عظيم. واضح أن الآمر ليس هكذا، إذ لا يوجد في الوجود مثيل لله لا في الإدراك ولا في الفكر. لهذا لا يستطيع الفكر البشري أن يدرك كيف يكون الله غير المولود أبًا للابن الوحيد الجنس. إنه ميلاد سرمدي لا يتوقف شعاع يتولد من نور. فإنه لم يصر الابن خارجًا عنه بتبني الروح، إنما هو الابن بالطبيعة. هو وحده الابن بالطبيعة، لذا دُعي "الابن الوحيد". يجب الحذر حتى لا يسقط أحد في تلك الخرافات السخيفة التي لأولئك الذين يتصورون نوعًا من الأعضاء “prolations”، أو أجزاء في الطبيعة الإلهية، ويقسمون كيان جوهر الآب. بالأحرى (الولادة) هنا كحركة الإرادة الصادرة (المولودة) عن العقل دون بتر جزء منه أو انفصال عنه أو تقسيمه، هكذا بطريقة مشابهة يمكن التفكير في ولادة الابن من الآب[116].[
21. هل يمكن الفصل بين الآب والابن؟
يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [فإذ ننطق باللقب "الآب" يوحي لنا ضمنًا أن نفكر في "الابن". وهكذا من يدعو "الابن" يفكر ضمنًا في "الآب"[117]. لأنه إن كان الآب فهو أب الابن، بالتأكيد الابن هو ابن الآب. لذلك في حديثنا في قانون الإيمان نقول "نؤمن بإله واحد، الآب القدير خالق السماء والأرض ما يرى"، نكمل "نؤمن بربنا يسوع"، قد يظن أحد في سخافةٍ أن الابن يأتي في المرتبة الثانية في السماء وعلى الأرض، لهذا قبلما نبدأ بدعوتهما نقول: "نؤمن بالله الآب"، فإذ نفكر في "الآب" للحال نفكر في الابن، إذ لا يوجد فصل بين الآب والابن[118].]
22. هل يرى الابن الآب في كماله؟
يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [نحن نؤمن بإلهٍ واحدٍ، الآب غير المفحوص، غير المنطوق به، الذي "لم يره أحد من الناس" (1 تى 6: 16)، بل "الابن الوحيد هو خبَّر" (يو 1: 28)، لأن "الذي من الله يرى الآب" (يو 6: 46)، هذا الذي ترى الملائكة وجهه على الدوام في السماوات (مت 18: 10) حسب درجة كل منهم. أما استنارة وجه الآب (في كماله) فتبقى في نقاوتها للابن مع الروح القدس[119].]
كما يقول: [عندما تسمع "ابن" لا تحسبه أنه مُتبنى، بل ابنًا بالطبيعة، الابن الوحيد، ليس له أخ. من أجل هذا يُدعي "الوحيد الجنس"، إذ ليس له أخ من جهة شرف اللاهوت ونسبته للآب. ونحن لا ندعوه "ابن الله" من عندياتنا، بل الآب دعي المسيح (دون غيره) ابنه وما يدعوه الآباء لأبنائهم هو اسم حق...
مرة أخرى أقول عند سماعك عن الابن لا تفهم هذا في معنى غير لائق، بل هو ابن بالحق. إنه ابن بالطبيعة بلا بداية، لم يأتِ من حالة العبودية إلى التبنّي، أي ينتقل إلى حالة أعظم، بل هو ابن أبدي مولود بنسب لا يُفحص ولا يُدرك. وبنفس الطريقة عند سماعك "البكر" لا تفكر في هذا الأمر بمستوى بشري، لأن البكر في البشر له إخوة آخرون[120].]
23. هل الآب يوصينا بالابن؟
يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [الآب يغضب عندما يُستهان بالابن الوحيد. فإن الملك يحزن لمجرد إهانة أحد جنوده. أما إن احتقر أحد ابنه الوحيد، فمن يقدر أن يطفئ غضب الآب من أجل ابنه الوحيد؟![121]]
24. ما هي أهم أسماء المسيح؟
سبق أن تحدثنا عن بعض أسماء المسيح أثناء حديثنا عن قانون الإيمان. (راجع السؤال 11. كيف ننتفع بألقاب السيد المسيح؟)
25. لماذا يدعو إشعياء يسوع مخلصًا؟
يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [يوجد رب واحد يسوع المسيح، اسم عجيب، سبق أن أخبر به الأنبياء بطريقة خفية. إذ يقول إشعياء النبي: "يأتي المخلص، ومعه مكافأته" (إش 62: 11).
كلمة "يسوع" في العبرية معناها "مخلص". فإن العطية النبوية، إذ سبق فرأت روح القتل عند اليهود وأنهم ضد الرب، حجب اسمه عنهم، لئلا إذا عرفوه من قبل يدبرون ضده فورًا. لكنه دُعي صراحة "يسوع"، ليس فقط من الناس بل ومن الملاك الذي لم يأتِ من ذاته، بل بسلطان الله. قال ليوسف: "لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك، لأن الذي حُبل به فيها هو من الروح القدس، فستلد ابنًا، وتدعو اسمه يسوع" (مت 1: 20). وفي الحال ذكر سبب اسمه قائلاً: "لأنه يخلص شعبه من خطاياهم"[122].]
26. من هو الروح القدس؟
عمل المسيح الخلاصي هو أساس عمل الروح القدس في الكنيسة، يهبنا الشركة مع الآب في المسيح المصلوب. وفي نفس الوقت بدون الروح القدس: "ليس أحد يقدر أن يقول يسوع رب" (1 كو 3:12) وبدونه لا تقدر الكنيسة أن تنعم بحضرة المسيح كرأس لها. لذلك يقول الرب: "خير لكم أن أنطلق لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي" (يو 7:16). لذلك يلزم أن يفهم التاريخ الكنسي أنه عمل الروح القدس، إذ وُلدت الكنيسة كجسد المسيح في يوم العنصرة ولا تزال تتغذى على الروح القدس الذي يقودها ويرشدها ويقدسها ويعينها في العبادة والكرازة، يُحي جسد الكنيسة ويبنيه.
استخدم آباء الكنيسة الإسكندريون ألقاب الروح القدس لإثبات لاهوته، وأيضًا أعماله.
يقول القديس ديديموس أن الذي يملأ كل المخلوقات يلزم أن يكون من جوهر يختلف عن كل الخلائق[123]. ويقول القديس أثناسيوس: [لو كان الروح القدس مخلوقًا لا يمكن أن تكون لنا به شركة مع الله، لأننا بهذا نتحد مع خليقة غريبة عن الطبيعة الإلهية. إن كان (الروح القدس) يجعل البشر إلهيين، فإن طبيعته دون شك هي طبيعة الله[124]. ويقول القديس كيرلس[125] إن الروح القدس هو ذاك الذي يبرر الخطاة ويكمل المختارين، يعمل ما هو من اختصاص الطبيعة الإلهية الفائقة المجد وحدها، كما يقول إن كان الروح الذي يجعلنا آلهة هو من طبيعة مختلفة عن طبيعة الله لفقدنا كل رجاءٍ[126].
27. هل الروح القدس أقنوم إلهي أم مجرد قوة تسند المؤمنين؟"
إذ وبخ القديس بطرس حنانيا قال له: "يا حنانيا لماذا ملأ الشيطان قلبك لتكذب على الروح القدس، وتختلس من ثمن الحقل؟ أليس وهو باقٍ كان يبقى لك؟! وكما بيع ألم يكن في سلطانك؟! فما بالك وضعت في قلبك هذا الأمر؟ أنت لم تكذب على الناس بل على الله" (أع ٥: ٣-٤).
أكد السيد المسيح أن الروح القدس هو أقنوم إلهي، إذ يقول: "لأن الروح القدس يُعلِّمكم في تلك الساعة ما يجب أن تقولوه" (لو 12:12). يقول القديس كيرلس الكبير: "كأنه يقول إنه معلم يسكن فينا". كما دعاه السيد المسيح: "معزٍّ آخر (يو 14: 26)، يقودنا إلى كل الحق (يو 16: 13). لقد أرسله الابن وهو منبثق من الآب".
في عام 381 انعقد المجمع المسكوني الثاني في القسطنطينية لمواجهة هرطقة مقدونيوس الذي أنكر لاهوت الروح القدس.
28. كيف نعرف أن الروح القدس ينبثق من الآب؟
يقول السيد المسيح: "ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب، روح الحق الذي من عند الآب ينبثق" (يو ١٥: ٢٦).
29. لماذا استخدم بعض الآباء تعبير: "الروح القدس منبثق من الآب بالابن؟
يؤكد هذا التعبير أن الروح القدس منبثق من الآب أزليًا، كما أن الابن مولود منه أزليًا. أما قوله: "بالابن through the Son"، فلا يعني أن الابن أقل من الآب، وإنما هو منبثق من الآب كأقنوم إلهي، ومُرسل من الابن يهب الاستنارة والمعرفة للأسرار الإلهية، وبه ننعم بكمال عمل الخلاص من تقديس وتجديد مستمر.
30. هل يعمل أيضًا الروح القدس في كل أحدٍ حسب حاجته؟
يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [بالحقيقة عظيم وكلي القوة في مواهبه وعجيب هو الروح القدس! انظروا كم عدد الجالسين هنا الآن؟! كم نفس حاضرة منا؟! إنه يعمل كما يلائم كل واحدٍ، إذ هو حاضر في الوسط، ينظر إلى طبيعة الكل وإلى عقله وضميره وحديثه وفكره وعقيدته! بالحقيقة قد أطلت الحديث ومع ذلك فهو قليل إذ أسألكم أن تفكروا بعقلٍ مستضيءٍ كم مسيحي يوجد في هذه الأسقفية، وكم عددهم في ولاية فلسطين كلها، ثم انتقلوا بعقولكم إلى الإمبراطورية الرومانية، وبعد هذا فكروا في كل العالم... أسألكم أن تأخذوا في اعتباركم كل أمة، والأساقفة والكهنة والشمامسة والمتوحدين والبتوليين والعلمانيين أيضًا. انظروا إلى حارسهم العظيم، وإلى موزع المواهب عليهم. كيف يهب في كل العالم لواحد عفة، ولآخر بتولية دائمة، ولآخر عطاء، ولآخر فقر اختياري، ولآخر قوة إخراج الأرواح المقاومة؟! وكما أن النور بلمسة من إشعاعاته يهب ضياء لكل الأشياء، هكذا يضيء الروح القدس لمن لهم أعين. أما إذا لم يكن أحد قد أخذ نعمة بسبب عماه، فلا يلوم الروح، بل يلوم عدم إيمانه هو[127].]
31. هل ينفصل الروح القدس عن الآب والابن؟
يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [الآب معطي كل نعمةٍ خلال الابن مع الروح القدس. مواهب الآب ليست إلا مواهب الابن ومواهب الروح القدس. لأنه يوجد خلاص واحد، قوة واحدة، إيمان واحد، إله واحد الآب، ورب واحد ابنه الوحيد، وروح قدس واحد المعزي.
يكفي لنا أن نعرف هذا، وليس لكم أن تسألوا بشغفٍ عن طبيعته أو جوهره. لأنه لو كًتب عن هذا لتحدثنا عنه، أما وأنه لم يُكتب عنه، فليس لنا أن نخاطر فيه. إنه يكفي لخلاصنا أن نعرف أنه يوجد الآب والابن والروح القدس[128].]
ويقول القديس كيرلس الكبير: [خلاصنا حقيقة هو من عمل اللاهوت الواحد. وإن كان ما قد تحقق من أجلنا أو تم في الخليقة، الأمر الذي يبدو أنه يُنسب لكل أقنوم، فإننا نؤمن أن كل الأشياء هي من اللَّه بالابن في الروح القدس[129].]
5 الخالق العجيب حافظ المسكونة
تساؤلات حول الخليقة
لا نعجب أن يبدأ الكتاب المقدس بالحديث عن أيام الخليقة الستة Haexameron، وكما يقول القديس باسيليوس أن اليوم هنا لا يعني ٢٤ ساعة، لأن الشمس والقمر خُلقا في اليوم الرابع، إنما كل يومٍ يعني حقبة زمنية لا نعرف مداها. هذا ويختم الكتاب المقدس حديثه عن السماء الجديدة والأرض الجديدة (رؤ ٢١: ١).
اهتم كثير من آباء الكنيسة الأولى بالحديث عن الله الكلي الحب الخالق الذي يقدم لنا نعمته الإلهية ورعايته الربانية وحفظه للمسكونة التي يعمل فيها على الدوام معلنًا محبته ورعايته وخطته نحو خليقته التي يحفظها.
توجد تساؤلات كثيرة حول علاقة الله بالخليقة، وما هي خطته من نحوها، نذكر منها التالي:
أ. لماذا لم يعلن لنا الله عن زمن خلقة الطغمات السماوية وكيف خُلقت؟
ب. لماذا لم يكشف الله عن كل أسرار الخليقة؟
ت. ما هو موقف المؤمن من الفلسفات والأبحاث العلمية الخاصة بالخليقة؟
ث. ما هو مصير هذا العالم المنظور، أي الأرض والشمس والقمر وكل الكواكب؟
ج. ماذا نعني بالله ضابط الكل المدبر لكل أمور المسكونة؟
ح. هل يشغل الله عدد شعر الإنسان (مت ١٠: ٣٠؛ لو ١٢: ٧)؟
خ. لماذا خلق الله أشياء تبدو بلا نفع، وبعضها ضار كالحشائش السامة والحيوانات المفترسة والثعابين السامة والعقارب؟
د. لماذا يسمح الله بوجود كوارث طبيعية مثل الزلازل والفيضانات والأعاصير والحرائق في الغابات تمتد إلى مساحات كبيرة؟
ذ. كيف يفسر آباء الكنيسة ستة أيام الخليقة؟
ر. هل من علاقة بين أيام الخلقة وبنياننا الروحي؟
١. متى خُلقت الطغمات السماوية؟
الكتاب المقدس ليس كتاب تأريخ العالم، وإنما غايته تحقيق إرادة الله المملوءة حبًا لنا، ومساندتنا لاسترداد صورة الله فينا التي فقدها آدم وحواء، وأن يُلهب قلوبنا بالحب نحوه، وأن ندرك أننا مدعوون للانضمام إلى خورس السمائيين والتمتع بالأمجاد السماوية. لهذا أبرز الكتاب المقدس أن الطغمات تهللت عندما خُلق الإنسان (أي ٣٨: ٧) على صورة الله، كما أبرز أن الملائكة أرواح خادمة مُرسلة للخدمة للعتيدين أن يرثوا الخلاص (عب ١: ١٤). فهي خُلقت قبل الإنسان.
٢. ما هي غاية التأمل في الخليقة؟
أولاً: الإيمان بالله، ورعايته للخليقة، وتحقيق إرادته الحكيمة المملوءة حبًا وصلاحًا. يترنم المرتل، قائلاً: "السماوات تحدث بمجد الله، والفلك يخبر بعمل يديه" (مز ١٩: ١). يقول القديس باسيليوس الكبير: [إذا ما تطلَّعتَ إلى السماوات، ولاحظت نظامها، فأنت على الطريق نحو الإيمان، فهي تُعلِنُ لك ذاك الذي صنعها. وإن فتحتَ عينيك على جمال الأرض من جديد، فبدورها تتحوَّل إلى براهين على الإيمان بالله. إيماننا به لا يعتمد على معرفة تأتي من عيوننا الجسدية المُجرَّدة، إنما على قوة العقل التي تجعل الأمور التي لا يمكننا رؤيتها منظورة لنا خلال المنظورات. إن نظرت إلى صخرة، فهي تكشف لك عن مظهر من مظاهر قُدْرَة صانعها، وهكذا النملة والذبابة والنحلة. كثيرًا ما تكشف لك أصغر المخلوقات عن حكمة الخالق. بالحقيقة الذي نشر السماء، وملأ مساحات البحر اللانهائية، هو بذاته الذي غرس للنحلة شوكة رقيقة، مثل الأنبوبة ليسري داخلها سُمَّها... لا تَسمَح لعدم الإيمان بالتسرُّب إليك أبدًا، ولا تقل أبدًا إنها الصدفة، أو هكذا وُجِدَتْ. إذ لا وجود لشيءٍ بلا نظامٍ، ولا وجود لشيء غير مُحَدَّد. ولا وجود للصدفة، ولا وجود لأحداث وقعت مصادفة للكائنات[130].]
ويقول القدِّيس إيرينيؤس: [تنبع كل الأشياء من الله. وحيث أن المخلوقات عديدة ومتنوِّعة، فهي قد تثبَّتَ وتتناغم مع الخليقة كلها. ومع ذلك فحينما نلاحظها على اِنفراد نجدها متناغمة في تقابلها، كالقيثارة التي تتكوَّن من العديد من المقاطع المتقابلة. لكنها في النهاية تعطي نغمة متَّصلة من خلال المقاطع التي تفصل الواحد عن الآخر. لكن يجب ألاَّ ينخدع الباحث عن الحقيقة بالفواصل التي تفصل بين المقطع والآخر أو يتصوَّر أن السبب في ذلك يرجع إلى مُلحن أو آخر، بل عليه أن يثق أنه يوجد كائن واحد قد صنعها جميعًا ليثبت المهارة والجودة وجمال العمل بأكمله.
أولئك الذين يستمعون إلى النغمة يلزمهم أن يُسبحوا الصانع ويمجِّدوه وليظهروا عجبهم بعمله. فتارة يقدِّم لهم مقطوعة عالية، ومرَّة أخري ناعمة. ليدركوا الفرق بين هذه النغمات المتباينة. وليدركوا الطبيعة الخاصة للبعض الآخر، وحينئذٍ يتساءلون عما يهدف كل منها، وعن سبب التباين.
فلا نيأس أبدًا من تطبيق دورنا في الحياة، ولا نحبط الخالق. ولا نلقي إيماننا بالله الواحد الذي خلق الموجودات ولا نجدف على الخالق[131].]
ثانيًا: الرد على بعض الأخطاء التي سقط فيها بعض الفلاسفة مثل الادعاء أن السماء والأرض وُجدا عفويًا أو مصادفةً أو تلقائيًا[132]. وادعى البعض أن العالم مساوي لله، وُجد معه منذ الأزل، ونادى أتباع ماني بأن الأرض والسماء المنظورة المادية هما من صُنْعِ الشياطين وقوات الظلمة، فهي شريرة بطبيعتها. ونادى بعض الغنوصيين بأن العالم من صُنْعِ الإله الخالق Demiurge وهو في نظرهم إن لم يكن إلهًا شريرًا فهو أقل من الكائن الأعظم خالق الروح لا المادة.
ثالثًا: الانطلاق في رحلة إلى أعماق النفس: يؤكد القدِّيس باسيليوس أنه في دراسة الخليقة يلزم الانطلاق في رحلة إلى أعماق النفس، ليكتشف المؤمن العالم المُصَغَّر الأروع بكثير من العالم الخارجي. يؤكد القدِّيس أن التعرُّف على السماء غير المنظورة أسهل من تعرُّف الإنسان على أعماقه. الإنسان الداخلي هو عالم خاص وثمين يلزم الدخول فيه بروح الله القدوس، فنعرف أنفسنا وننمو في معرفة الله. كثيرًا ما تحدَّث القدِّيس عن الحاجة إلى تعرُّف الشخص على حقيقة نفسه، لا على ما هو حَوْلَه، أو ما يملكه. يقول القدِّيس باسيليوس: [لا تبحث عن الخارج... إنما اعبرْ إلى الداخل، إلى الأماكن المَخْفِيَّة في نفسك، وهناك تتعلَّم: "في البدء كان الله" في نفسك، كما في عالمٍ مُصَغَّرٍ، فستكتشف الحكمة العظيمة لذاك الذي خلقك[133].]
كثيرًا ما يُكَرِّر القدِّيس باسيليوس أن الإنسان مَرْكَز المسكونة، يجد في العالم احتياجاته المادية[134]، كما يقيم من العالم مدرسة تُهَذِّب سلوكه. نذكر على سبيل المثال الآتي[135]:
1. كما تُعطِي الشمس نورًا، هكذا بَدَّدَ القديسون في العصور القديمة ظلمة الجهالة[136].
2. كما ينمو القمر فيصير بدرًا ويضمحل، هكذا ينجح البشر في الفضيلة كما يفشلون بالتتابع[137].
3. تكتشف بعض الحيوانات بالغريزة الفصول المُقبِلة وتستعد لها، هكذا يليق بالمسيحيين أن يترقَّبوا الأبدية ويتعجَّلوها[138].
4. تسير الحيوانات مَحْنِية الظهر، تتطلع إلى الأرض وإلى بطنها، أما الإنسان فخُلِقَت رأسه إلى فوق ليهتم بالسماويات لا الأرضيات[139].
5. يجد الإنسان في الخليقة مدرسة تُدَرِّبه على سلوكه مع إخوته البشر خلال تطلُّعه لتصرُّفات الخليقة غير العاقلة[140]. من الأمثلة التي أشار إليها القديس باسيليوس الآتي:
أ. سلوك الغربان مع اللقلق باستضافة الغرباء[141].
ب. تصرُّف اللقلق بنبلٍ مع والديه اللقلق العجوز، يُعَلِّم التزام الأبناء بآبائهم في شيخوختهم[142].
ج. يتعلَّق الخفّاش ببعضه البعض كسلسلة، يُقَدِّم حبًا طبيعيًّا.
د. لا تتعدَّى حيتان السمك حدود المنطقة البحرية التي تُلزِمها بها الطبيعة، فتُقَدِّم مثالاً للذين يُحَرِّكون العلامات ليغتصبوا جزءًا من حقل جارهم[143].
هـ. لملكة النحل حُمة، لا تستخدمها للانتقام لنفسها، فتُعَلِّمنا أن نكون لطفاء مع الغير[144].
و. تبقي اليمامة أرملة بعد موت الذكر، كمثال يلزم أن يقتدي به الذين يطلبون الزواج الثاني بعد موت الطرف الآخر[145].
٣. هل تجاهل الآباء الدراسات العلمية المعاصرة لهم؟
في دراستنا لمدرسة الإسكندرية رأينا أنها وإن ركَّزت على تفسير الكتاب المقدس إلاَّ أنها كانت تقدم دراسات في كثير من الدراسات العلمية والفلسفية المعاصرة لها. وبنفس الروح أراد القدِّيس باسيليوس أن يُقَدِّمَ لجمهور المُستمِعين تفسيرًا كتابيًا لخلقة العالم يحمل فكرًا فلسفيًا وعلميًا مُبَسَّطًا، يمكن للعامة أن يتابعوه. ساعده في ذلك دراساته الفلسفية وثقافته اليونانية العلمية، استخدمها بهدفٍ كرازي إنجيلي. قَدَّمَ ما هو لبنيان شعبه من جهة خلاصهم، مع عدم تجاهُل الجانب العلمي المُعاصِر له. فقد أراد أن يُقَدِّم تفسيرًا روحيًا لقصة الخليقة حسبما وردت في سفر التكوين، حتى يتلمسوا الخالق.
استخدم القدِّيس باسيليوس نفسه ما يليق من كتابات أفلاطون وأرسطو والرواقيين وغيرهم. إنه يقبل ما هو نافع ومفيد منها لبنيان نفوسنا[146]. وقد انشغل كثير من الدارسين للتعرف عن أثر الفلاسفة اليونانيين على أفكار باسيليوس الخاصة بالكوزمولوجي cosmology (علم الكونيّات).
يُخطِئ من يظن أن اعتماد القدِّيس على الفكر الكتابي ورفضه الاعتماد على الحكمة البشرية المُجرَّدة فيه رفض للدراسة العلمية، سواء بالنسبة للخليقة أو غيرها، خاصة وأنه سَجَّل مقالاً يتحدَّث فيه بوضوح للشباب أن يَقْبَلوا ما هو نافع في الدراسات العلمية والفلسفية.
التطور العلمي الحديث السريع والمستمر يؤكد لنا أن الإنسان الذي عاش منذ آلاف السنين مدعو للتقدم، لقد وهب الله الإنسان عقلاً جبارًا يعطش إلى المعرفة المستمرة. كلما نال معرفة أسرار الطبيعة ازداد عطشًا لمعرفة أعظم وأكثر عمقًا، وحسب نفسه أنه لا زال على شاطئ المعرفة.
4. هل يعرف الإنسان لماذا خلق الله المسكونة وكيف خلقها؟
يبقى الإنسان مع تقدمه في العلم والمعرفة يفترض نظريات بخصوص الخليقة، سرعان ما يستبدلها بنظريات أخرى. بعض كبار الباحثين ظنوا أنه توجد قوة مجهولة وراء هذه الخليقة المنظورة وغير المنظورة. وقام بعض المؤمنين بعمل إحصائيات لكبار الباحثين الذين أنكروا وجود الله الخالق، وفي الفترات الأخيرة من حياتهم أدركوا عجزهم عن الوقوف أمام الخالق عند موتهم ومفارقتهم لهذا العالم، فآمنوا بما ورد في الكتاب المقدس.
5. ماذا نعرف عن دور الله في الخلقة؟
إن كان الله قد خلق العالم في زمن معين، فقد سبق الله فعرف أنه سيخلق العالم بخطةٍ معينةٍ، ليس عن إلزام طبيعي بل بكامل حرية إرادته، وليس بعوامل خارجية، إنما خلال صلاحه اللانهائي ومحبته وحكمته وعنايته الإلهية التي تعطي سلامًا وفرحًا للخليقة العاقلة السماوية والبشرية متى تمتعوا بنعمته واستناروا بروحه القدوس وتذوقوا عذوبة الحياة المطوَّبة، واختبروا عربون الحياة الأبدية.
6. ما هي شهادة الكتاب المقدس والتقليد المقدس لخالق الكل؟
أ. افتتح العهد القديم السفر بقوله: "في البدء خلق الله السماوات والأرض" (تك ١: ١).
ب. يقول داود النبي في سفر المزامير: "لتخشَ الربّ كل الأرض، ومنه ليخف كل سكان المسكونة. لأنه قال كن فكان. هو أمر فصار" (مز ٣٣: ٨-٩).
ت. يقول إرميا النبي: "صانع الأرض بقوته، مؤسس المسكونة بحكمته، وبفهمه بسط السماوات. إذا أعطى قولاً تكون كثرة مياه في السماوات، ويصعد السحاب من أقاصي الأرض. صنع بروقًا للمطر وأخرج الريح من خزائنه" (إر ١٠: ١٢-١٣).
ث. يقول العلامة ترتليان: [إنه وُضع مشروع كقانون الإيمان أنه لا يوجد سوى الله الواحد وليس معه آخر؛ هو خالق العالم وموجد الكون من العدم بواسطة كلمته[147].]
7. هل حدث تغيير في الله بدعوته الخالق؟
منذ الأزل "الله محبة"، حبه كامل ومشترك بين الثالوث القدوس، دون الحاجة إلى مخلوقات قام بخلقها. كان الله كاملاً حتى قبل الخلقة، أما دعوته الخالق والمدبر للخليقة وسيد الخليقة فهذه جميعها صدرت عن طبيعة الحب دون أن تضيف إليه شيئًا، بجانب صلاحه وقداسته.
كان الله حرًا ولازال، كان له أن يخلق أو لا يخلق. لم يتحرك الله للعمل بواسطة آخر خارج جوهره، بل الله يفعل ما يسرّه بحرية إرادته.
8. ما هو دور ابن الله في عمل الخلقة؟
يقول الإنجيلي يوحنا: "كل شيءٍ به كان، وبغيره لم يكن شيء مما كان" (يو ١: ٣). كل عمل إلهي بخصوص خلقة العالم يصدر من الآب بالابن ويكمل بالروح القدس[148]. لن يتم عمل إلهي بواسطة أقنوم دون الأقنومين الآخرين، بل هو عمل الثالوث القدوس معًا في وحدة وليس خلال ثلاثة أعمال منفصلة عن بعضها البعض.
9. ما هو ارتباط الخلقة بالزمن؟
بدأ الزمن مع بدء الخلقة، وبعد زوال المسكونة لا يعود يوجد زمن بل نتمتع بالحياة الأبدية وبالمجد الذي أعدَّه الربّ لنا.
10. هل كانت خطة الخلقة في ذهن الله منذ الأزل؟
بالرغم من أن عمل الخلقة تحقق في الزمن، غير أن خطة الخلقة منذ بدايتها حتى زوال المسكونة كانت في الذهن الإلهي قبل كل الأجيال. فالخليقة ليست مشاركة لله في أزليته.
أما تسمية الله أنه الخالق والمدبر والمعتني بخليقته ورب الخليقة، هذه لم تسبب تغييرًا في جوهر اللاهوت، لأن منذ الأزل الله محبة، وخطة الخليقة المنظورة وغير المنظورة إنما هي تعبير عن محبة الله وصلاحه التي لم تكن قط خاملة منذ الأزل.
لقد خلق المسكونة بإرادته الحرة، ولم يخلق شيئًا أو كائنًا شريرًا. في كل مرحلة من الخلقة قيل: "ورأى الله (ذلك) أنه حسن (تك ١: ٤، ١٠، ١٢، ١٨، ٢١، ٢٥، ٣١). هذا التعبير (أنه حسن) يكشف أن الله لم يخلق شيئًا عن احتياج له أو لنفعه، وإنما من أجل الصلاح وبدافع الحب. لم يُلزم البشر على الصلاح بل وهبهم حرية الإرادة، لأنهم على صورة الله. وإذ أساءوا هذه العطية قدم وعدًا لأبراره لعلاج الأمر: "فبما أن هذه كلها تنحل، أي أناس يجب أن تكونوا أنتم في سيرة مقدسة وتقوى؟ منتظرين وطالبين سرعة مجيء يوم الربّ الذي به تنحل السماوات ملتهبة والعناصر محترقة تذوب، ولكننا بحسب وعده ننتظر سماوات جديدة وأرضًا جديدة يسكن فيها البرّ" (٢ بط ٣: ١١-١٣).
العالم الحاضر حسن جدًا لكنه ليس كاملاً، لهذا سيعبر ويتحقق الوعد الإلهي بالسماء الجديدة والأرض الجديدة. "السماء والأرض تزولان، ولكن كلامي لا يزول" (مت ٢٤: ٢٥).
11. لماذا اختار الله موسى ليعان له عن الخلقة ويتعرَّف على أسراره الإلهية؟
أ. تَمَتَّع موسى بالشركة مع الله والأُلفة معه، فتأهل أن يراه وجهًا لوجه ويتعرف على أسراره.
ب. استهان موسى بالقصر الملكي، ونزل إلى الشعب يشاركه مذلَّته. يقول الرسول: "بالإيمان موسى لما كبر أبى أن يُدعى ابن ابنة فرعون، مفضلاً بالأحرى أن يُذل مع شعب الله على أن يكون له تمتع وقتي بالخطية، حاسبًا عار المسيح غنى أعظم من خزائن مصر، لأنه كان ينظر إلى المجازاة" (عب 11: 24-26). هكذا لن يعرف المؤمن أسرار الله ما لم يشارِك المتألمين والمحرومين والذين ليس لهم من يسأل عنهم.
ج. هروبه إلى البرية لمدة 40 عامًا قَدَّم له فرصة للتأمل في الخليقة، والتعرَّف على خالقها.
د. . لم يخضع موسى للضعف، ففي سن الثمانين رأى الله خلال العليقة الذي لم يره أحد قط.
هـ. قيل عنه: فتهذب موسى بكل حكمة المصريين وكان مقتدرًا في الأقوال والأعمال" (أع 7: 22). لم يستهن موسى بحكمة المصريين، هكذا يمكننا أن ننتفع بكل ما هو حولنا.
و. اكتشف موسى أن الله هو خالق المسكونة من العدم، لا تُشارِكه المادة أزليته. وأن الله هو الجمال القادر أن يهبنا جمالاً، فيصير كل ما فينا "حسنًا جدًا".
ز. اكتشف أن الثالوث القدوس هو العامل في الخليقة: فالآب قال. وبالابن تَمَّتْ الخلقة. والروح القدس يرف على وجه الغمر ليُقِيم عالمًا بديعًا.
12. ما معنى "كانت الأرض خربة وخالية (غير منظورة) (تك 1: 2)؟
يقول القديس باسيليوس: [كانت الأرض غير منظورة لسببين: ربما لأنه لم يكن قد خُلِقَ بعد الإنسان الذي يستطيع رؤيتها، أو لأن الأرض كانت مغمورة بالمياه فلا يمكن رؤيتها. لأن الله لم يكن قد أمر المياه بعد أن تجتمع في أماكنها التي أطلق عليها فيما بعد بحارًا... ولأن النور لم يوجد بعد، والأرض تُحِيط بها ظلمة[149].]
13. ما معنى "روح الله يرف على وجه المياه" (تك 1: 2)؟
يقول القديس باسيليوس: [يُقصَد بروح الله أي الروح القدس، الذي هو الأقنوم الثالث المُكَمِّل للثالوث القدوس. كيف كان روح الله يتحرَّك على وجه المياه؟ أجاب على هذا السؤال أحد الآباء السريان... قائلاً إن معنى كلمتي "كان يرفّ" تعنيان أنه كان يعطي قوة وحياة لطبيعة المياه، تمامًا كما يفعل الطائر عندما يرقد على البيض بجسمه، لمنحه بالدفء قوة وحيوية. هذا المَثَل يُقرِّب لنا الصورة بقدر المستطاع. كان روح الله يُعِدّ طبيعة المياه لتصبح ملائمة، لتعيش فيها الكائنات الحيّة. وهذا دليل كاف لكل من يتساءل عمّا إذا كان روح الله قد قام بدورٍ فعَّال في خلقة العالم[150].]
14. لماذا بدأ الله بخلقة النور؟
يقول القديس باسيليوس الكبير: [أول كلمة نطق بها الله خلقت طبيعة النور (تك 1: 3)، جعلت الظلام يتلاشى... وأعطت لجميع الكائنات مظهرًا حلوًا ومجيدًا... كلمة واحدة من الخالق أعطت في لمح البصر النور للعالم... لم يمدح الله النور من أجل جمال منظره، وإنما بالأكثر من أجل فائدته المستقبلية، لأنه حتى ذلك الحين لم تكن توجد أعين لتحكم على جمال منظره[151].]
15. لماذا يكرر سفر التكوين: "رأى الله ذلك أنه حسن" (راجع تك 1: 4، 10، 12، 21، 25)؟
قال هذا ليس من أجل المظهر الخارجي، وإنما من أجل أنه كان كاملاً وتامًا من الناحية الفنية، ويحقق رسالته مع بقية الخليقة[152]. هكذا صلاح الإنسان في تحقيق رسالته والعمل مع الآخرين.
16. لماذا أمر بوجود مياه في الطبقات العليا ومياه تحت الأرض ومياه تتجَمَّع في البحار والأنهار؟
تمّ ذلك بحكمةٍ فائقةٍ لصالح الإنسان. جميعها تسَبِّح الله وتُمَجِّده "سبِّحي الرب من الأرض يا أيتها التنانين. وكل اللجج" (مز 148: 7). هذا ويرفض القديس باسيليوس تفسير المياه التي في الطبقات العليا أنها تشير إلى قوات الخير، والتي في أعماق البحار إلى قوات الشرّ.
17. ما هي حكمة الله في قوله في اليوم الثالث "لتنبت الأرض" (تك 1: 11)؟
أولاً: قال ذلك قبل خلقة الشمس، لكي يقتنع الذين يعبدون الشمس أنها ليست مصدر الحياة.
ثانيًا: سمح بذلك قبل خلقة الحيوانات حتى تجد طعامًا لها[153].
ثالثًا: في اليوم الثالث أنبتت الأرض أعشاب وأشجارٍ روحيةٍ نافعةٍ ومُبهِجةٍ. إن رأيتَ العشب في الحقول، فَكِّر في طبيعة البشر، وتَذَكَّر المقارنة التي قام بها إشعياء الحكيم: "كل جسدٍ هو عشب، وكل صلاح هو كزهر الحقل"[154].
رابعًا: نطلب من الله أن يعمل في أرضنا الداخلية، ليكسوها بنباتات وأشجار روحية نافعة.
خامسًا: أوجد النباتات بسماتها المُتبايِنة وثمارها المتنوعة، حتى يعتزَّ كل إنسان بما يهبه له الله دون أن يحسد الآخرين أو يتشامخ عليهم. حتى النباتات السامة لها منافعها وغاياتها.
سادسًا: يجيب القدِّيس باسيليوس على السؤال: لماذا خلق الله مع النباتات المُفِيدة نباتات سامة؟ [خلق الله الإنسان ووهبه العقل، يقدر أن يُمَيِّزَ ما يفيده مما يضره، بينما أعطى الحيوانات بالغريزة أن تأكل ما هو نافع لها، ولا تأكل ما هو مميت. بعض الطيور والحيوانات تأكل هذه النباتات ولا يُصيبها أذى. يستخدم الإنسان بعض النباتات الخطرة للتخدير وعلاج بعض الأمراض المستعصية[155].
يليق بنا كمؤمنين أن نتشبَّه ببعض النباتات. [مثل زيتونة خضراء في بيت الرب" (مز 52: 8). لا تفقد أبدًا رجاءك، بل زيِّن إيمانك بزهرة الخلاص. تشبَّه إذن بالنبات في خضرته الدائمة، وتنافسه في أثماره، إذ تُرَى في كل يومٍ مملوء حنانًا، تُعطِي صدقة وفيرة[156].]
يختم القديس باسيليوس الكبير عظته عن خلق النباتات بقوله: [إذ تلقَّت الطبيعة الأمر الإلهي الأول، تستمر بغير توقُّف عبر الأزمنة وحتى انقضاء الدهر. لذا هلم نسرع إذ لدينا الوقت أن نثمر ونمتلئ بصالح الأعمال، فنكون أغصانًا مُثمِرة في بيت الله (مز 92: 13)، فننجح في يوم دينونة إلهنا باسم ربنا يسوع المسيح الذي له المجد والقدرة إلى أبد الأبد، آمين.[157]]
18. إن كنا نُبهَر بجمال الشمس، كم بالأكثر بجمال خالقها شمس البرِّ؟
يقول القديس باسيليوس: [إن كانت الشمس وهي قابلة للانحلال جميلة جدًا وعظيمة... وتسلك في توافق تام وتَناسُب أكيد مع الكون، وبجمال طبيعتها تلمع مثل العين اللامعة في وسط الخليقة، والإنسان لا يَمِلُّ من التأمل فيها، فكم يكون جمال شمس البرِّ؟ وإذا كان الإنسان الضرير يعاني الآلام من عدم رؤيته الشمس المادية، فكم يكون مقدار الحرمان للخاطئ الذي لا يَتَمَتَّع بالنور الحقيقي؟[158]
19. ماذا نتعلم من القمر؟
يبدو لنا القمر متغيِّرًا من وقت إلى آخر، تارة نراه بدرًا وأخرى هلالاً وثالثًا كمن هو مختفي أو مظلم. يقول القديس باسيليوس الكبير: [يُذَكِّرنا منظر القمر بتَقَلُّب البشر، فيجدر بنا ألا نفتخر باحتياجات هذه الحياة، ولا نُمَجِّد قوتنا، فتَحْمِلنا مظاهر الغِنَى الوقتية إلى الاهتمام بأجسادنا المُعَرَّضة للتغيير. بالأحرى يجب علينا أن نهتم بالروح، فصلاحها ثابت لا يَتَغَيَّر. فأنت تحزن، لأن القمر يفقد عظمته تدريجيًا، ألا تحزن بالأحرى على روح كانت لها كل الفضائل، ثم فقدتها كلها لإهمالها، إذ أن مشاعرها مُتغيِّرة، وأهدافها غير ثابتة. وما يقوله الكتاب هو حق، "الجاهل يَتَغَيَّر كالقمر"[159].]
20. لماذا خلق الله الزحَّافات التي في الأنهار والبحار والبحيرات؟
يقول القدِّيس باسيليوس الكبير: [تزيَّنَت الأرض بالنباتات، والسماء بالنجوم والنيِّرين كعينين لها. يبقى أن تتزيَّن المياه! لذا صدر الأمر (تك 1: 20)، فصارت الأنهار والبحيرات مُثمِرة، فاضت بنتاجها الطبيعي، وتمخَّض البحر بالكائنات السابحة، ولم تُكَسِّل المياه عن عملها حتى في الطين والمستنقعات... كل مخلوق يسَبِّح سواء على سطح المياه، أو يغوص إلى العمق، له طبيعة الزحَّافات، إذ هو يجر ذاته في المياه. ولبعض الحيوانات المائية أرجل تَمْشِي، خاصة البرمائية، كعجل البحر والكابوريا والتمساح وفَرَس النهر والضفادع، فقد أُعطِيَتْ كلها القدرة على السباحة[160].]
21. ماذا نتعلم من السمك المهاجر؟
يقول القدِّيس باسيليوس الكبير: [توجد أسماك رُحَّل، فإذا جاء موعد تكاثُرها رحلت، هذه من خليج، وتلك من آخر، تدفعها غريزة طبيعيَّة عامة، مُسرِعة إلى البحر الأسود. فترى هذه الأسماك، إبّان رحيلها، كالسيل يتدفَّق في البوسفور نحو البحر الأسود. من حَرَّك مسيرتها؟ وأين الملك الذي يصدر لها الأمر بالرحيل؟ والأوامر التي عُلِّقَتْ في الساحات العامة، وعَيَّنَتْ موعد السفر؟ وأين القادة؟ إنك ترى العناية الإلهيَّة تُتَمِّم كل شيءٍ، وتعتني بأدنى الخلق. فالسمك لا يُقاوِم القوانين الطبيعية التي وضعها الله، أما نحن البشر فإنَّنا نُخالِف تعاليمه. فلا تحتقر الأسماك لأنها خرساء وغير ناطقة، وخف أن تكون أقلّ تَعَقُّلاً منها حينما تُخالِف أوامر خالقك. استمع إلى الأسماك، لا ينقصها غير النطق، وسلوكها يقول لك: إن حِفْظ الجنس يَحْمِلنا على مباشرة هذا السفر الطويل. ليس عندها إدراك، بل شريعة طبيعيَّة راسخة كل الرسوخ في غريزتها تدفعها إلى ما يجب أن تعمله. فتقول: هلم بنا إلى البحر الأسود... إن ماءه أعذب من ماء سواه، والشمس فوقَه أقل حرارة فلا تمصّ ماءه الحلو كله، لهذا يصعد السمك في الأنهار ويبعد عن البحار، ويُفَضِّل البحر الأسود ليستقبل ويربِّي فيه صغاره، ومتى قضى هناك مأربه، عاد جميعًا أدراجه، لماذا؟ كأنه بمسلكه يقول لنا: "البحر الأسود قليل الأعماق، عُرْضَة للعواصف العنيفة، قليل الملاجئ، وكثيرًا ما تقلبه الرياح الهوجاء رأسًا على عقب، وتُعَكِّره أكوام من الرمال. وهو فوق ذلك بارد شتاءً، لِمَا يُصَبُّ فيه من الأنهار العظيمة"، فيهجره السمك، بعد ما أفاد منه صيفًا، ويُعَجِّل العودة إلى دفء المياه العميقة، والمناطق التي بها دفء الشمس، فيستريح في بحر هادئ بعيدًا عن ريح الشمال العاتية. تقطع السمكة البحار كلها بحثًا عن بعض منافعها، وأنت ماذا تقول، إذا كنت تعيش في التواني والكسل؟ فلا يحتج أحد بالجهل، فإن فينا ذهنًا طبيعيًا يُظهر لنا لياقة الخير وينفِّرنا من الأفعال المُضِرَّة[161].]
22. كيف نتعلم حتى من الكائنات الصغيرة المُحتقرة؟
يروي لنا القدِّيس باسيليوس القصة التالية التي تدفعنا للوقوف أمام عمل الله العجيب. [سمعت يومًا رأيًا قاله لي إنسانٍ يعيش بالقُرْبِ من البحر، وهو أن بالبحر قنفذ صغير مُحتقَر ينبِّئ الملاَّحين (بحالة البحر)، بالهدوء والعاصفة. إذا شعر القنفذ مُقَدَّمًا بأن عاصفة قادمة، ينزل تحت صخرة كبيرة، ويمسك بها كمرساة، فيُدفَع بعُنفٍ، وهو في مأمنٍ بعد أن يستخدم ثقله لمقاومة الأمواج فلا تلعب به. وإذ يرى الملاَّحون هذه العلامة، يدركون أنهم مُهَدَّدون برياح صاخبة عنيفة، فاضطرابات الهواء التي لا يستطيع مُنَجِّم أو فَلَكيّ أن يُفَسِّرها بالنجوم، يمكن للقنفذ أن يُلهَم بذلك السرِّ. إنه الرب سيد البحر والريح، هو وحده جعل هذا الحيوان الصغير يدل على حكمته العظيمة... إن كان الله لا يترك القنفذ بدون عنايته، فهل لا يعتني بك أنت؟![162]]
23. كيف ننتفع من خلقة حيوانات البرية؟
يتحدث القديس باسيليوس في العظة التاسعة من عمله "ستة أيام الخليقة" موضحًا الآتي:
أ. الإنسان كائن سماوي رأسه في القمة مع استقامة ظهره يتطلَّع بسهولة إلى السماء، أما الحيوان فجسمه منحني يتطلَّع إلى الأرض وإلى بطنه. لذا يليق بنا أن نتذكَّر أننا مواطنون سمائيون.
ب. تشترك الحيوانات في عدم وجود عقل وإرادة حُرَّة، ومع هذا يليق بنا أن نتعلَّم من بعضها: فالغزال رقيق، والنملة مُجتهِدة، والكلب شاكر وأمين ووفي في صداقته، والفرس شجاع في المعارك.
ت. تَعْرِفُ بعض الحيوانات التغييرات الجوية، فإذ يقترب وقت الربيع تقترب نحو الأبواب تنتظر الخروج.
ث. غالبًا ما يفتح القنفذ فتحتين عند أطراف جحره، فإذا هَبَّت الريح من الشمال يغلق الفتحة من الشمال والعكس بالعكس.
ج. تهتم الحيوانات بصغارها أو بوالديها العاجزين عن الحركة، بينما لا نجد هذا أحيانًا في البشر.
24. ماذا يقصد الكتاب بقوله: "ورأى الله ذاك أنه حسن" (تك 1: 10)؟
في خلقه العالم كل ما خلقه الله في ذلك الحين كان طاهرًا وجميلاً وغير مؤذٍ.
25. هل يمكن للعالم أن يوجد بدون خالقه؟
كل المخلوقات في حاجة إلى الخالق، كما يحتاج الطفل إلى المرضعة. في حديث بديع يقارن القديس مار يعقوب السروجي بين عناية الأم برضيعها وعناية الخالق بمحبوبه الإنسان، إذ يقول:
[يحتاج الطفل إلى المرضعة ليحيا منها، ويحتاج المخلوق إلى الخالق ليقوم به.
لو تركت الأم الطفل عندما تلده، لكان من الأصلح له ألا يأتي إلى الولادة منها.
ورب العالم لو تركه بعد خلقته لتلاشى، وكان من الأفضل له لو لم يوجد من البداية.
إنه لا يتركه، فالمرأة لا تترك طفلها، وإن نسيته، فالله لا ينسى خليقته أبدًا (إش 49: 15)[163].]
26. هل يقدر أحد أن يصف قيمة النفس البشرية سوى الخالق؟!
ليس
من إنسانٍ مهما بلغت حكمته ومعرفته وعلمه وتقواه أن يرى نفسه his soul مع أنه
متأكد من وجودها، وتقديرها على المستوى السماوي، ويصعب بل يستحيل أن يضع لنفسه
العاقلة حدودًا ومقاييس جسدانية مادية. عند لقائنا برب المجد يسوع على السحاب، يجتمع
المؤمنون معًا كعروسٍ سماوية مقدسة مرتدية برّ العريس السماوي، موضع دهشة
السمائيين وحبهم. سنقف في دهشةٍ كيف لم نستطع ونحن في العالم أن ندرك حقيقة نفوسنا
التي يهتم بها الله نفسه ويسكب بهاءه عليها، وتسكن معه في أورشليم العليا أشبه
بإحدى الطغمات السماوية الفائقة الجمال.
6 سمو الإنسان عند خلقته
كثيرًا ما يدعونا آباء الكنيسة الأولون أن نقف معهم في دهشة أمام حقيقة الإنسان ككائنٍ هو أعجوبة الأعاجيب إن صح القول. نقف بفرحٍ وتهليلٍ، مع الاعتزاز لا بما نقتنيه فحسب، وإنما ما وهبنا الله بكوننا بشر، ويبقى يهبنا حتى يدخل بنا إلى الأمجاد السماوية. فأحد العوامل الرئيسية لتمتع المؤمن الحقيقي بشخصية سوية، إدراكه مدى سموه عند خلقته وبعد استرداد ما فقده.
1. ماذا قدم الله لآدم عند خلقته؟
ا. قال الثالوث القدوس: "نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا" (تك 1: 26)، ليتذوق الشركة معه.
ب. أقامه ملكًا له سلطان على سمك البحر وطير السماء وعلى كل الأرض (تك 1: 26).
ت. جبل الله آدم من تراب الأرض (تك 2: 7)، لكي يعيش متواضعًا مع اعتزازه بكونه إنسانًا.
ث. غرس الرب الإله لآدم جنّة في عدن شرقًا (2: 8)، فيشعر أنه في قصرٍ ملوكي.
ج. قدم له وصية سهلة للغاية لكي يتجاوب مع محبة الله بالطاعة له.
ح. خلق له حواء معينة نظيره، تشاركه التمتع بالحضور الإلهي (تك 2: 22).
خ. بارك الرب اليوم السابع وقدّسه حتى يقدِّس الإنسان يومًا للعبادة (تك 2: 3) فتتبارك كل أيام حياته.
د. الإنسان خليقة الله المحبوبة لديه جدًا.
هـ. أوجد له شجرة الحياة في جنة عدن. يرى مار أفرآم القديسين في هذه الحياة يمثلون الحياة في الفردوس. إذ يقول: [مجمع القديسين يحمل شبهًا للفردوس، فيه يقطفون من ثمرة ذاك الواهب الحياة للجميع (أي السيد المسيح)[164].] كما يقول: [ليس بين القديسين من هو عارٍ، لأنهم يرتدون المجد، وليسوا متغطين بأوراق الشجر، ولا هم واقفون في عارٍ، إذ يجدون الثوب الذي كان لآدم وحواء، خلال ربنا[165].] يؤكد القديس أفرآم كما أن آدم كان كاملاً في كل شيءٍ وهو في جنة عدن قبل السقوط هكذا الفردوس الآخروي لا يمكن أن يدخله إلاَّ من تمتع بنفسٍ طاهرة وجسد مُقام من الأموات[166].
2. هل كان الفردوس الذي قدمه الله لأدم ماديًّا أم روحيًّا؟
كان الفردوس بالنسبة للجسد ماديًّا ومسكنًا منظورًا ومباركًا، أما بالنسبة للنفس فكان تمتعًا بنعمة الله وتأملاً روحيًا في المخلوقات[167].
3. ما هي شجرة الحياة التي كان يليق بآدم في الفردوس أن يأكل من ثمرها؟
كانت شجرة، إذ يتمتع بها آدم يشبع جسده ويتبارك خلال الطاعة لله، فلا يُصاب بأمراض ولا يتسلط عليه الموت. يرى القديس مار أفرآم السرياني أنه كان في جنة عدن شجرتان في وضعين مختلفين في جنة عدن، واحدة تمثل قدس الأقداس والثانية تمثل القدس. شجرة معرفة الخير والشر هي البوابة التي تقود إلى شجرة الحياة[168] (تك 2: 17؛ 3: 22).
4. لماذا خلق الله حواء لآدم؟
أولاً: لكي تشعر أنها ليست غريبة عنه، بل هي من عظامه.
ثانيًا: يشعر كل من آدم وحواء أن كل طرف محتاج للطرف الآخر.
ثالثًا: كي يختبر كل منهما المحبة للطرف الآخر.
5. لماذا خلق الله حواء من ضلع آدم؟
أولاً: لكي يتعرفا على الله خالقهما والمحب لهما.
ثانًا: "كي يشعر كل منهما أنه مدعو للشركة مع السمائيين، لأن النفس هي روح لا جسد، كما يشعران أن الأرض ليس غريبة عنهما لأن جسديهما من تراب الأرض.
ثالثًا: ليمجدا الله فتتهلل نفسيهما.
6. ما هي صورة الرب التي وُهبت لآدم؟
يقول القديس باسيليوس الكبير: [انتبهوا لأنفسكم، ليس لما هو لكم ولا لما يحيط بكم، وإنما لأنفسكم بالذات، لأنه يوجد فارق بين هذه الأمور. فالنفس هي ذاتنا، هي نحن وهي صورة الله فينا. وما لنا فهو جسدنا وحواسنا المتعلقة بالنفس؛ وأما ما يحيطنا فهو الغنى ومختلف طيِّبات الحياة[169].] ويقول القديس إكليمنضس السكندري: [بالحقيقة الإنسان عزيز في عينيّ الله، لأنه صنعة يديه؛ فقد أوجد الله الأعمال الأخرى في الخلق بكلمة أمر (أمرَ فكانت)، أما الإنسان فخلقه بنفسه، بيديه، ونفخ فيه من عنده. ما قد شكَّله الله وأوجده على مثاله، خلقه بنفسه لاشتياقه إليه[170].] يقول الرسول بولس: "تلبسوا الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البرّ وقداسة الحق" (أف 4: 24).
يعاني الإنسان من الفراغٍ مادام يحمل هذه الصورة التي لا تعرف الاستكانة، بل تتحرك دومًا في تقدمٍ لا ينقطع، لكي تنال من فيض الأصل، فتزداد الصورة بهاءً وجمالاً. يؤكد الكتاب: "هذا كتاب مواليد آدم، يوم خلق الله الإنسان، على شبه الله عمله، ذكرًا وأنثى خلقه وباركه" (تك 5: 1-2). ربما يشير هنا إلى نوع من التبني، وقد أوضح لوقا البشير ذلك في عرضه لنسب السيد المسيح، قائلاً: "ابن آدم، ابن الله" (لو 3: 38).
ويقول العلامة أوريجينوس: [لاحظ كيف يوجد في خلق الإنسان أمر سامي جدًا لا نجده في خلق آخر، فخلق الله الإنسان على صورته ومثاله، الأمر الذي لا نجده في خلق السماء أو الأرض أو الشمس أو القمر.] وأيضًا [الذي صُنع على صورة الله هو إنساننا الداخلي غير المنظور، غير الجسدي، غير المائت ولا الفاني. بهذه السمات الحقيقية تتصف صورة الله وبها تُعرف[171].]
ويقول القديس اسحق السرياني: [الإنسان الذي يتأهل لرؤية نفسه أعظم ممن يُظن أنه أهل لرؤية الملائكة... ومن يُحسب أهلاً لرؤية خطيته، أعظم ممن يقيم الأموات بصلواته[172].]
كثيرًا ما يستخدم القديس مار يعقوب السروجي تعبير "إن آدم صورة الله النبيلة"، ليعبر بها عن الطبيعة البشرية قبل السقوط. يقول[173] إن الله أعطى النفس جمالاً لتكون أسمى من المخلوقات. وهبها الحرية والعقل والحكمة والفكر والحواس المملوءة تمييزًا. فمن كلماته:
[لقد صوَّر جميع الكائنات في أشكالها، ولم يرسم له صورة إلاَّ على آدم. الأرض واسعة، والسماء عالية، والشمس بهية، والقمر جميل، ومسيرة العساكر مجيدة. عندما صنع كل هذا الجمال، لم يُسمع أن الرب صنع شيئًا على صورته، ماعدا آدم، صورة (الابن) الوحيد، ولأجله سُميَ صورة الله[174].]
[ترك الله رؤساء الملائكة ليرسم صورته وشبهه في النفس البشرية. لقد زينها بجمالٍ فاقت به جميع المخلوقات[175].] [صورته جعلتهم يقتنون الدالة، لكي يتضرعوا إليه بلا خجل بواسطة (صورته) الخاصة[176].] [يا ابن الله اُنظر إلى النفس، فتمتلئ من جمالك. لا تبتعد يا رب، لأنك إن ابتعدت عنها هلكت[177].]
[لا الفردوس ولا لثماره الروحية صار صورة للكائن العظيم يوم خلقه.
لم يصور صورته على مركبة السمائيين، ولا على الأجنحة، ولا على العجلات الناطقة.
شبهه ليس مصورًا على الكاروبيم ولا على السيرافيم ولا في الجموع ولا في صفوف اللهيب.
لم يشأ أن يُصَور على لهيب آل جبرائيل، ولا على روح آل ميخائيل المملوء عجبًا.
ترك في الأعالي كل الأركان العالية، وجعل له نفس الإنسان شبهًا وصوّر عليها صورته[178].]
7. ما هو دور النفس في حياة الإنسان؟
يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [اعرف أن لك نفس سيدة ذاتها، هي أسمى أعمال الله، خُلقت على صورة خالقها. خالدة، إذ وهبها الله الخلود. إنها كائن حيّ عاقل غير فاسدٍ، إذ وهبها الله هذه النعم. لها سلطان أن تفعل في حرية ما تشاء[179]، فأنت لا تخطئ حسب (تاريخ) ميلادك، أو ترتكب الزنا بمحض الصدفة، ولا تُجبَر على ارتكاب الفجور حسب سير النجوم[180] كما ينطق البعض بكلمات فارغة[181].]
8. لماذا وهب الله الإنسان حرية إرادة النفس؟
يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [تتمتع النفس بحرية الإرادة. ومع أن الشيطان يقدر أن يقترح عليها، لكن ليس له سلطان يلزمها بشيءٍ بغير إرادتها. إنه يصور لك فكر الزنا، فإن أردت قبلته، وإن لم ترد تحتقره. لأنك لو كنت زانيًا قهرًا لما أعد الله جهنم؟! وإن كنت صانع برّ بالطبيعة وليس بإرادتك لما أعد الله أكاليل مجد لا يُنطق بها؟! فالغنم وديع، لكنه لا يكلل على وداعته، لأنها ليست باختياره بل بحكم الطبيعة[182].]
9. كيف نسترد صورة الله فينا؟
يليق بنا أن نتطلع إلى عطية الله لنا، أي صورته، كوزنة ثمينة يلزمنا ألا نستهين بها. أما وقد أفسدنا هذه العطية، لم يتركنا الذي أحبنا في فقداننا لها، فنزل إلينا وحقق الخلاص بتقديم ذاته ذبيحة عنا، ورد لنا الصورة. يليق بنا ألا نتهاون بعد بهذه الصورة الثمينة. هذا ما أكده السيد المسيح بقوله: "أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله" (مت 22: 21؛ مر 12: 17؛ لو 20: 25). يقدّم لنا العلاّمة أوريجينوس تفسيرًا رمزيًا لكلمات السيِّد هذه، إذ يقول: [يحمل الإنسان صورتين؛ الأولى استلمها من الله عند الخلقة... والأخرى صورة الإنسان الترابي (1 كو 15: 49) التي أخذها بسبب عصيانه وخطيَّته عند طرده من الفردوس وقد أغراه "رئيس هذا العالم" (يو 12: 31). كما أن العُملة أو الفلس بها صورة لسلطان هذا العالم، هكذا من يتمّم أعمال رئيس الظلمة (أف 6: 12) يحمل صورته. لذلك يأمر يسوع بإرجاع هذه الصورة ونزعها عنّا حتى نتقبّل الأصل الذي عليه خُلقنا مشابهيّن لله. بهذا نرد ما لقيصر لقيصر وما لله لله... بنفس المعنى يقول بولس: "كما لبسنا صورة الترابي، سنلبس أيضًا صورة السماوي" (1 كو 15: 49). فالقول "أعطوا ما لقيصر لقيصر" إنّما يعني: اتركوا صورة الترابي، اِلقوا عنكم الصورة الأرضيّة لتنعموا بصورة الإنسان السماوي، عندئذ تعطون ما لله لله[183].]
يقول مار يعقوب السروجي: [كل واحدٍ منا نفسه هي وزنته، تحمل فيها صورة اللاهوت العظمى.
لا تطمرها في أهواء الشهوات السمجة، فتفسد الصورة العظمى الموجودة على النفس.
ذاك الديان يطالب بصورته منك، فأخرج وأعطه، لئلا تُشوه صورته من قبلك.
لو لم تكسب ربحًا مثل الوكيل (لو 16: 2)، فأعِد إليه الشيء الذي أعطاك ولا توسخه.
كما أن صورة الملك مطبوعة جيدًا على الدينار، النفس مطبوعة بصورة اللاهوت العظمى.
ولو فسدت الصورة البهية الموجودة على النفس، ستُرذل من قبل الله ولن تُقبل.
الرب الذي صوّر فينا صورته العظمى، ليدافع حنانه العظيم عنا في اليوم الأخير، وينجِّنا[184].]
10. كيف تتقدس عطية العقل والتمييز؟
إذ نحمل صورة الله ندرك أن الله وهبنا العقل البشري، وقدم له عطية التمييز، لنطلب معرفة الله، حتى في عبادتنا له. كما يقول العلامة أوريجينوس: [كما أن العين بطبيعتها تطلب النور والبصر، والجسد برغباته الطبيعية يطلب الطعام والشراب، هكذا العقل له رغبته الطبيعية أن يعرف حق الله، ويبحث في علل الأشياء؛ هذه الرغبة التي هي من عند الله[185].] ويقول مار يعقوب السروجي: [من يأتي إلى الكنيسة، لا يأتي بدون تمييز مثل الحيوانات التي لا فهم لها. لا يزور أحد عيادة الطبيب كنوعٍ من العادة، ما لم يجبره المرض لزيارته طلبًا للشفاء[186].]
في إبداع يحدثنا القديس مار يعقوب السروجي عن سمو العقل في حياة الإنسان، فيشبهه وهو في رأس الإنسان أي في العلو بالله الساكن في الأعالي، أي في السماوات. إذ يقول: [أتقن (الله) المخ بيتًا للعقل، ليجلس هناك في الطابق العلوي مثل الله[187].] كما يحذرنا من التهاون في تقديسه، والانحراف نحو اتباع الشهوات الجسدية التي تظلم العقل، وتنحط بالنفس لتصير في عبودية للجسد، حتى تبدو كأنها جسدية. [يظلم العقل بالشهوات لئلاَّ يفهم... فمن أكثر من طعامه، أنزل نفسه لتصير جسدًا[188].]
11. ماذا يطلب الأصل من الصورة؟
يطلب حق الحوار بين الصورة والأصل، والحديث مع الله بدالةٍ والدخول معه في عهدٍ. يقول مار يعقوب السروجي: [رسم (الله) عليه صورته، وجعل عليه شبهه، وربط محبته بصورته، وقوَّى جبلته برحمته، وأقام عهدًا مع شَبهه، وجعل هذا سيدًا للخليقة. ومدَّ له طريقًا إليه منذ ذلك الحين، وجعله أليفًا، بحيث كلما تكلم معه، يتكلم مع صورته، وكلما ظهر له يكون قد ظهر على شبهه، ولأجل هذا السبب يتكلم مع جنسنا بلغتنا[189].]
12. من يقدر أن يصف ثمن النفس الحاملة صورة الخالق؟
خالق الإنسان الذي وهبنا أن نحمل صورته، هو وحده يستطيع أن يُقيِّم النفس. لذلك عندما سقطت النفس في الفساد قدَّم خالقها حياته مبذولة ليهبها عدم الفساد. إنه يدعونا أن نتخلى عن كل شيءٍ من أجلها. يؤكد السيد المسيح لنا تقديره لها بقوله: "ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟" (مر 8: 36) أراد منا أن نهتم بأنفسنا لا بما لنا. يقول القديس مار يعقوب السروجي: [وضع الخالق كل العالم في كفّ واحد، والنفس في كفٍ واحدٍ؛ فكف النفس أرجح من كف المخلوقات.
هو يعرف كيف أن اللؤلؤة هي أفضل، ولا أحد يقدر أن يصف أثمانها سواه (مت 13: 46).
وضعها إزاء كل العالم، ووضع لها الأثمان، لأنها أفضل من كل العالم ولا يشبهها...
العالم سيسقط والنفس لن تنحل معه؛ العالم عشب والنفس هي صورة اللاهوت.
كل العالم يزول كظل المغيب، والنفس لا تزول لأنها صورة الكائن العظيم.
إن اقتنى الإنسان العالم كله وخسر نفسه، ماذا يملك لو صارت نفسه ليست ملكه؟[190]]
[أعطاها ابن الله صورته عندما خلقها، ولبس صورتها من البطن عندما خلصها.
يقول لنا: ما هو ثمنها، وكم هي حسنة، لا يعرف أحد ما هي النفس سواه.
كان يقول عندما كان يُعلم في الجماعات: كيف أن نفس الإنسان أفضل من المقتنيات (مت 13: 46)![191]]
13. هل صورة الله قابلة للنمو أو التقلص؟
لم يخلق الله الإنسان كائنًا جامدًا إستاتيكيًا لا حركة فيه، وإنما أقامه يحمل حركة ديناميكية دائمة، ليغرف من انعكاسات بهاء الله عليه. فحينما قالت القديسة مريم: "تُعظم نفسي الرب" (لو 1: 46)، لا تعني أنها تضيف إلى الله عظمة جديدة، إنما تأخذ من عظمة الله، فتسمو نفسها، وتنطلق من مجدٍ إلى مجدٍ، ففي تعظيمها لله، تتمتع هي بالسمو. هذا ما نسأله من الله كلما صلينا الصلاة الربانية فعندما نقول: "ليتقدس اسمك"، فإن اسم الله القدوس لا يحتاج إلى تقديس، إنما يتمتع المُصلي بقداسة اسم الله، فتتجلَّى قداسته في حياة المتعبِّد لله. يعلق العلامة أوريجينوس على كلمات القديسة مريم، قائلاً إن الله غير متغير، لكن صورته فينا تتعاظم أو تتناقص. [كما أن صورة الرب تتعظم وتتألق بأعمالي وأفكاري وكلماتي، وبهذا يتمجد الله، هكذا عندما نخطئ تصغر صورته فينا وتبهت.]
14. ما هو القصر الملكي الذي أُعده الله لآدم وحواء؟
يرى القديس غريغوريوس النيسي أن الله خلق العالم بكل إبداعه كقصرٍ عظيمٍ أعده لآدم وحواء كملكٍ وملكةٍ. وأنه قدم للإنسان كل إمكانية السعادة والسلطة على الخليقة التي أوجدها من أجله.
في مقاله "مقارنة بين الملك والراهب[192] Comparatio regis et monachi" يكشف القديس يوحنا الذهبي الفم عن منهجه المسيحي ألا وهو إدراك المؤمن، راهبًا كان أو كاهنًا أو من الشعب أنه يتطلع إلى نعمة الله العاملة فيه، فتجعله ملكًا صاحب سلطان أعظم وأقوى من ملوك كثيرين.
يحكم الملك شعوبًا وجيوشًا. أما الراهب (أو المؤمن الحقيقي)، فيسيطر على الغضب والحسد والطمع والشهوات الدنيئة وكل جمهرة الأهواء. من يحكم البشر بينما يحكمه الغضب والطمع والشهوات الدنيئة، نادرًا ما يستطيع أن يكون حاكمًا صالحًا.
يحارب الراهب (أو المؤمن) الشياطين ويغلبهم بالعون الإلهي، ويتَّوج بواسطة المسيح. بينما يحارب الملك البرابرة فقط، ليكسب أراضٍ وكنوزٍ أو لإشباع مطامعه أو عطشه نحو السلطة.
عندما يأتي وقت الوفاة، فالموت مخيف للملك، أما الراهب (أو المؤمن) فلا يقلق منه نهائيًا. إن عانى أحدهما موتًا عنيفًا، يموت الراهب كشهيدٍ ويذهب إلى السماء، وأما الملك فبالحقيقة يستسلم لسيف منافسه. بعد الموت يدخل الراهب الصالح إلى مجد الرب وبهائه، أما الملك، إن كان صالحًا ينال كرامة أقل درجة وبركة.
15. ملكان أم عروسان في جنة عدن؟
جاءت قصة خلق حواء تحمل رمزًا لقيام الكنيسة عروس المسيح كلمة الله المتجسد، التي من أجلها أخلى ذاته ليلتصق بها، وينطلق بها إلى سماواته. يعلق القديس أغسطينوس على قول الرسول: "هذا السرّ عظيم، ولكنني أقول من نحو المسيح والكنيسة" (أف 6: 32)." [نحن معه في السماء بالرجاء، وهو معنا على الأرض بالحب[193].]
كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إذ أقام المسيح معنا عقدًا عيَّن لي مهرًا، لا من المال بل بالدم، هذا المهر هو عربون الأمور الصالحة: "ما لم ترَ عين، ولم تسمع إذن، ولم يخطر على بال إنسان" (1 كو 2: 19). عين لي الأمور التالية مهرًا: الخلود، وتسبيح الملائكة، والخلاص من الموت، والتحرر من الخطية، وميراث الملكوت العظيم، والبرّ، والتقديس، والخلاص من الشرور الحاضرة، واكتشاف البركات المقبلة. عظيم هو مهري... جاء وأخذني، وعين لي المهر، قائلاً لي: أعطيك غناي. هل فقدت الفردوس؟ أرده لك... مع ذلك فهو لم يعطني المهر كله هنا؛ لماذا؟ يقول: لكي أعطيه لك عندما تدخل الموضع الملوكي. هل أنت أتيت إليَّ؟ لا، بل أنا الذي جئت إليك... لا لكي تمكث في موضعك، إنما آخذك معي، وأرجع بك. فلا تطلب مني المهر وأنت هنا في هذه الحياة، بل كن مملوءًا رجاءً وإيمانًا[194].]
16. كيف كان حال آدم وحواء في الفردوس؟
يا لبهجة الخليقة الأرضية، بل والعالم كله حين خُلِقَ آدم ثم حواء، وكأن الاثنين قد صارا في جنة عدن يرتديان ثياب العرس التي تحمل بهاءً نورانيًا فائقًا!
يقول القديس مار يعقوب السروجي: [وقف العروسان بحلة النور التي كانا يرتديانها، وكان العالم بأسره مبتهجًا بهما بهداياه. ضحك النهار إزاء العريس، وأهداه كل ضوئه لينعم به... فتح الفردوس أبوابه العالية ليدخل العروسان ويفرحا هناك في خدر التطويبات الذي كان مُعدّا[195].]
17. هل استخف أدم وحواء بجسديهما؟
يقول القديس چيروم: [قيثارتنا إنما هي جسدنا ونفسنا وروحنا يعملون معًا في توافقٍ، لتقدم أوتارها جميعًا النغم![196]]
18. ماذا رأى آدم في أعضاء جسمه وحواسه وعواطفه؟
يقدم لنا القديس مار يعقوب السروجي صورة رائعة للجسد، نقتطف من كلماته الآتي:
[وضع صائغه عيني النور على قمة التاج، ليتطلع إلى المخلوقات المحيطة به كما من العلو.
وأتقن له في الأسفل رِجلين للركض كالمركبة، وبواسطتهما يمشي حيثما شاء أن يسير.
وأتقن في جانبيه يدَين وفيهما الأصابع العشر، وبها يستولي على البحر واليابسة وكل العالم.
وأتقن المخ بيت العقل ليكون هناك، ويسكن في الطابق العلوي مثل الإله.
وصنع له حَنَكا ليفحص الأطعمة، ووضع فيه طعمًا ليميز الحلو عن المر.
وفتح له الشم ليكون سبيلاً للروائح، وبه يدرك (مميزًا) الرائحة النتنة عن اللذيذة.
ونقب السمع، وأحاطه بنمط الحلزون، لتدور فيها الأصوات وتدخل بلذة.
في صدره القلب المجتمعة فيه كل الأفكار، ليوزع كل الكنوز كما من خزينةٍ عظمى.
في فمه الكلمة، وفي شفتيه تمييز الأصوات، والجبين للرمز، وزين البؤبؤين بالجفنين.
وضع في عضو السمّ والغضب كالنار ليلتهب بها ضد الإثم عندما يُقترف.
وضع في (عضو) آخر أن يكون قابلاً للحزن ويندم على الشرور عندما تُصنع.
أعطى للآخر أن يستعمل البشاشة ليفرح ويبتهج وجهه عندما يُفعل الصلاح.
حكيم العوالم ركّب وصفّ وظيفة مختلفة في كل عضو في صورة الجمال عندما أتقنها[197].]
[عندما خلق الخالق الفم، وضع فيه الصوت والكلمة ليتحرك للتسبيح.
هكذا يجب على كل من شعر بوجود الخالق أن يسبّح الرب الذي خلقه.
ليس فم الإنسان مسلطًا ليستخدم الأخبار التافهة والكلمات غير اللائقة.
عندما خلق الخالق الفم أتقنه لتسبيحه، وليس ليلفظ أمورًا باطلةٍ[198].]
[جسدك منتصب لئلا يكون منحنيًا كالحيوانات التي تسجد أمامك.
لقد مدَّك وجعلك مستقيمًا، ورفع أنظارك إلى العلو، لترى كيف أن مكانك جميل، فتتأمل فيه.
أدر وجهك نحو مكانك الأول، لأن هذا المكان الساكن فيه ليس لك.
ها إن مظهر جسدك يصرخ أنك لست أرضيًا.
إنك غريب ومستوطن في هذا المكان، فلا تفكر بما ليس هو ملكك...
لماذا تشبه البهيمة بأعمالك؟ إنها لا تفكر إلاَّ بما هو للبطن.
لا تتشبه (بالحيوانات) المنحنية والساجدة لك، لئلاَّ تصير كالبهيمة وتشبهها[199].]
19. هل النفس البشرية سيدة الجسد؟
يقول مار يعقوب السروجي: [طبيعة النفس عظيمة وجميلة بخلقتها... عندما تُعتبر سيدة الجسد ولا يأمرها. وتديره بالقداسة دون أن يعصى أوامرها، وعندما تتنقى من كل النزوات الجسدية، تنظر وترى روحيًا الأسرار الخفية. فإن اجتاز أمامها ملاك لا يُخفى عليها. ترى الملائكة والأبالسة وجهًا لوجه[200].]
20. هل الجسد شريك للنفس في كل شيءٍ؟
الجسد شريك للنفس في أخطائها كما في توبتها. إن فسدت الإرادة يصير الجسد ثقلاً على النفس ليحطمها، وإن تقدَّست الإرادة يسند الجسد النفس حيث يمارس بجسده القراءات والأصوام والمطانيات والبذل. فيحقِّق الجسد شهوات الروح المقدّسة، ويعتز بهذه الشركة التي تبلغ به إلى شركة المجد الأبدي مع النفس. يقول القديس غريغوريوس النيسي: [ليس الجسد هو مصدر الشر، إنما حرية الاختيار (الإرادة الحرة)[201].] كما يقول: [الجسد هذا أداة الروح... العامل في صحبة النفس[202].]
21. هل الإنسان خليقة مائتة وخالدة معًا؟[203]
يميز القديس يعقوب السروجي بين ثلاث فئات من المخلوقات: مخلوقات بطبعها مائتة، كالحيوانات، لا حرية لها، وأعمالها لا تؤثر على طبيعتها، سواء كانت صالحة أو شريرة. هذه المخلوقات نهايتها الموت. ومخلوقات بطبيعتها الخلود، وهي الملائكة والشياطين، هم أحرار كالبشر. وخليقة مائتة وخالدة معًا، وهي آدم، إذ كان له أن يختار حسب إرادته أن يحيا أبديًا أو يموت. إنه مائت ولا مائت.
يرى القديس يعقوب السروجي أن الجسد لا يستطيع أن يعيش وحده، كذلك لا تستطيع النفس أن تعيش في العالم وحدها. هذا الرأي سبقه فيه العلامة أثيناغوراس مدير مدرسة الإسكندرية في القرن الثاني.
يرفض أثيناغوراس المعتقد الأرسطاطولي الذي يقول بأن النفس ملازمة للجسد، ولا يمكن أن تنفصل عنه، وهنا يقترب أثيناغوراس في آرائه من آراء أفلاطون. إلاَّ أن أثيناغوراس يختلف عن أفلاطون، فهو يرى أن الحقائق المتواجدة في الإنسان لا يمكن أن تكتمل بدون مساندة كلا من الجسد والنفس معًا، فالاثنان يشتركان في تكوين كائنٍ واحدٍ، وهذا الكائن الواحد تُسند إليه كل الأفعال[204]. أما أفلاطون، فيرى الإنسان كروحٍ يستخدم الجسد. هكذا اختلف أثيناغوراس عن أفلاطون، فالأول يرى الإنسان نفسًا وجسدًا وحدة واحدة، ما يصدر عنه يشترك فيه النفس والجسد معًا، أما الثاني فيرى الإنسان مجرّد نفس تستخدم الجسد[205]...
يرى أثيناغوراس في أعضاء الجسد آلات خلالها تتم الأفعال، وبها تظهر الأفكار والأقوال؛ لكنها تشترك مع النفس في المسئوليّة. لهذا لا تقوم العبادة الكاملة بغير شركة الجسد مع النفس، ولا تكون الدينونة عادلّة إن لم تقع على الاثنين[206].
22. هل خُلق الإنسان قابلاً للموت أم خالدًا؟
انقسم الآباء السريان إلى ثلاثة مواقف بالنسبة للإجابة على هذا السؤال.
الموقف الأول: لثيؤدور أسقف المصيصة ونرساي وآباء المدرسة النسطورية، هؤلاء يرون أن الله خلق الإنسان قابلاً للفساد. جاءت الوصية ليمارس الإنسان حريته، ويعرف أنه قابل للموت.
الموقف الثاني: موقف أصحاب الطبيعة الواحدة مثل القديسين سويروس الأنطاكي وفيلوكسينوس أسقف منبج، يعتقدون أن الله خلق آدم خالدًا بطبعه، وحُكم عليه بالموت بعد الخطية، فورثت البشرية الموت من آدم، وصرنا بالطبيعة مائتين كميراثٍ من أبينا آدم. يرى بعض الدارسين إن القديس يعقوب السروجي أخذ ذات الرأي. فهو يرى في الإنسان الذي اِنصب فيه كل الجمالات يحمل الخلود. وإن السيد المسيح حين تجسد نزل إلى حالة آدم الأولى قبل السقوط في الخطيئة. جاء في سفر الحكمة: "لم يصنع الله الموت، ولا يُسر بهلاك الأحياء" (حك 1: 3). ويقول الرسول: "بإنسانٍ واحدٍ دخلت الخطيئة إلى العالم، وبالخطيَّة الموت" (رو 5: 12).
الموقف الثالث: موقف القديس مار أفرآم السرياني وديؤدور الطرسوسي وثيؤفيلس الأنطاكي. يقول أصحاب هذا الموقف إن الإنسان بطبعه ليس مائتًا ولا خالدًا. لو كان خالدًا من بدء خلقته لكان هو الله نفسه، ولو كان مائتًا بخلقته لحسبنا أن الله هو سبب موته. بهذا فإن الإنسان بكامل حريته يختار الخلود أو الموت. يرى بعض الدارسين أن القديس يعقوب السروجي أخذ أيضًا بهذا الرأي. فإذ كانت طبيعة آدم جميلة وكاملة، فلأنها خالدة وقابلة للموت معًا، مؤلَّفة من نفس كالملائكة، ومن جسد كالحيوانات. ومتمتعة بالحرية، لها أن تميل بها إلى حيث تشاء. وهذا من إبداع الخالق أنه خلق كائنًا لا يموت، إن أراد[207]. يقول: [جبل آدم وأعطاه أن يحيا فوق الموت، أما قبوله مشورة الشرير، فهذا بمحض إرادته[208].]
23. من يغرس فردوس نفسي؟
إن كان الله قد هيأ الأرض كقصرٍ للإنسان الملك، وأعد جنة عدن ليعيش مع حواء كعروسيْن متهللين، فإنه يريد أن يحمل الإنسان جنة أجمل وأكثر ثمرًا في أعماقه، فأقام نفسه فردوسًا مثمرًا بغنى نعمته الفائقة. يقول القديس يعقوب السروجي:
[النفس هي أرض ذلك الفردوس المباركة، لا تقبل فيها زرعًا مسروقًا ليس خاصًا بها...
لا تقبل فيها الكبرياء ولا الحسد، الشتلة الشريرة، لئلا تصير غريبة عن الله.
لا يسكن فيها الحقد والضغينة والغضب، لئلا تفسد أرض النفس المملوءة جمالاً...
لا تكن فيها الخطايا السمجة التي تدنسها، لئلا تحترق كأرض السادوميين.
لا تنبت فيها هذه الزروع، وقود النار، لئلا تحترق مع الزارع الذي زرعها.
لتكن نفسك كفردوس عدن العظيم، فتُنبت وتُخرج شتلة صالحة تحمل الثمرات[209].]
يذكر المرتل آلتين موسيقيتين هما القيثارة والكينارة ذات العشرة أوتار، ليعلن أنه يليق بالإنسان كموسيقارٍ فريدٍ أن يسبح الله ويعزف التسابيح بكل كيانه بجسده كما بنفسه؛ بلسانه كما بقلبه، جهارًا كما سرًا. يسبح الصديقون الرب بأجسادهم التي يقدمونها ذبيحة حية مقبولة (رو 12: 1). يقول القديس أغسطينوس: [ليته لا يفكر أحد في الآلات الموسيقية التي للمسارح، فالأمر هنا يشير إلى أمورٍ داخليةٍ، كما قيل في موضع آخر: "فيّ يا الله أرد لك التسبيح".]
تشير القيثارة إلى الجسد المقدس الذي يمجد الله، يشكره ويسبحه لا باللسان فحسب، بل وبكل كيان الإنسان: الجسد بحواسه الخمس والنفس بحواسها أو قدراتها الداخلية الخمس. وكأن رقم 10 في الكينارة ذات عشرة أوتار يشير إلى الجسد والنفس والعقل والعواطف والأحاسيس الخ. الكل يسبح الله بتناغمٍ وانسجامٍ بقيادة الروح القدس، خلال الطاقات والقدرات المنظورة وغير المنظورة. يقول القديس جيروم: [أجسادنا ونفوسنا هي قيثارتنا تعمل في تناغم معًا بكل أوتارها في لحن![210]]
فسّر القدّيس إكليمنضس السكندري المزمور 150 الذي تسبحه الكنيسة أثناء التناول بطريقة رمزية جميلة، فيها قدّم الكنيسة المقامة من الأموات خلال عريسها القائم من الأموات كأداة موسيقيّة، حيّة يلعب عليها الروح ليخرج تسبحة حب صادق لله.
[في الخدمة الإلهيّة يترنم الروح... "سبّحوه بصوت البوق"، لأنه بصوت البوق يقيم الأموات. "سبّحوه بالمزمار"، فإن اللسان هو مزمار الرب. "سبّحوه بالقيثارة"، هنا يقصد الفم الذي يحرّكه الروح كالوتر. "سبّحوه بطبول ورقص"، مشيرًا إلى الكنيسة التي تتأمّل القيامة من الأموات خلال وقع الضرب على الجلود (إشارة إلى الأموات، حيث تُصنع الطبول من جلد الحيوانات الميتة). "سبّحوه بالأوتار والأرغن"، يدعو جسدنا أرغنًا، وأعصابه هي الأوتار التي يضرب عليها الروح، فتعطي أصوات بشريّة منسجمة. "سبّحوه بصنوج حسنة الصوت": يدعو اللسان صنجًا، إذ يعطي الصوت خلال الشفتين. لذلك يصرخ إلى البشريّة، قائلاً: "كل نسمة فلتسبح اسم الرب"، لأنه يعتني بكل مخلوق يتنفّس. حقًا إن الإنسان هو آلة السلام[211].] حسبَ مار يعقوب السروجي نفسه قيثارة، تبقى أوتارها صامتة بلا نفع، ما لم يُحرك الرب أصابعه عليه كقيثارته الخاصة، لينشد تمجيدًا لائقًا به. إنه ليس في حاجة إلى تسابيحنا، إنما بتسبيحنا له نتمجد نحن![212]
24. هل يتحيّر السمائيون في الإنسان؟
في تصويرٍ عجيبٍ يرى القديس مار يعقوب السروجي الطغمات السمائية وهي تُمجِّد الله خالقها تدهش لعمل الخلقة. لقد أُعدت الورود لعمل تاجيْن للعروسين، وكل الخليقة استعدت لتقديم هدايا لهما، حتى الشمس تشرق وتغرب وهي تترقب مجيء العروسيْن المجهوليْن لهما، وأيضًا القمر والأيام والليالي تعْبُر والعروسان لم يحضرا بعد. الأشجار بكل ثمارها والكروم بعناقيدها تنتظر من يقطفها، حتى الأسماك تلعب في المياه تترقب من يصطادها... كل الخليقة تتساءل: متى يأتي العروسان! [[كانت العساكر السماوية منذهلة بذلك الإتقان، لأنها لم تكن تعلم لمن هو...
هوذا المخلوقات تحمل المهر والهدايا لتقدمها للعريس والعروس اللذين لم يكونا مصنوعَين... الشمس تشرق وتأتي وتروح لأجله، والقمر مسرع ليغيّر الأزمنة لأجله.
كانت الأيام والليالي تتعاقب، وتفتش على آدم، وآدم ليس بين الأشجار.
الدار مشيدة، ولا ساكن ليسكنها، وكثر المُقتنى ولا مالك ليتسلط عليه.
النور حسن، ولا ناظر ليتفرس فيه، والبقعة جميلة، ولا ساكن ليشتهيها.
تتناثر الأثمار من الأشجار ولا (يوجد) من يأكلها، والجفنات جميلة بعناقيدها، ولا (يوجد) قاطف. تلعب الأسماك في الأنهار، ولا (يوجد) صياد، وتنتظر البرية لترى الوارث وليس موجودا ليرثها. الجنة مفتوحة وتنتظر أن يدخل البستاني، وتنتظره الأثمار الشهية ليقطفها[213].]
25. الإنسان لا يقدر أن يرى نفسه فكيف يدعوه الله لرؤيته؟!
يا للعجب الإنسان مدعو لرؤية الله غير المنظور. "طوبى للأنقياء القلب، لأنهم يعاينون الله" (مت 5: 8). الله روح، فلا يقدر الجسد على معاينته، لهذا تجسد ابن الله ليهبنا الميلاد الجديد الروحي، فنرى ذاك الذي لا يُرى (عب 11: 27)، ونحيا به. هو وحده يفتح الختوم (رؤ ٥: ٩) لنتعرف على أسرار الله الآب[214]. يقول مار يعقوب السروجي: [نفس الإنسان مثل المرآة الجميلة، فإذا نُظفت تنظر وترى بها حتى الخفايا. أما إذا حملت الغبار والوسخ، أي الاهتمام، فلن ترى حتى ذاتها كيف إنها سمجة[215].]
26. هل يتمتع الإنسان بالشركة في صلاح الله؟
يقول القديس غريغوريوس النيسي: [مادام الإنسان هو عمل الله، الذي جاء به إلى الوجود بصلاحه، فلا يُعقل أن نتصور الله يخلقه محاطًا بالشر، الصلاح هو علة وجوده... خلق الله الإنسان ليشاركه في صلاحه الفريد، ويعضده بقدرة طبيعية على كل نوعٍ من الكمال، حتى إذ يكون متمثلاً بالله، ينجذب إلى مثيله[216].] ويقول القديس مار يعقوب السروجي: [نجني من الشرير، لأن قوتك عظيمة. لا تسلمني إلى العدو ليحاربني بدون عونك، لكنك تنتصر عليه بي أنا الضعيف! لا يبتعد عني عونك الخفي، أي قوتك التي لا تجربني، لأنني تيقنت إني ضعيف. ليكن الصراع كله صراعك، وأنت تنتصر، وكل انتصارات المنتصرين هي انتصاراتك. فانتصر أنت، لأن النصر يليق بك. أما أنا فلا تُدخلني في التجربة. نجني من العدو الذي يخاصمني، ولا أقدر أن انتصر عليه بدون عونك... استلم المعركة، وخذ النصر اللائق بك. نجني منه!... بالمراحم نجني من الشيطان الذي يحاربني، لأنه بك تليق كل الانتصارات، وإليك تُنسب[217].]
27. من هو أسعد كائن على وجه الأرض؟
هذا ما يشعر به بحق من يتلامس مع الله مصدر الفرح الحقيقي.
يقول القدِّيس أغسطينوس: [من يقتني الله فهو سعيد[218].] كما يقول: [تبعية الله هي الرغبة في السعادة، وبلوغ الله هو السعادة عينها[219].] ويقول القديس مار يعقوب السروجي: [تغتني النفس بالله متى أحبته، فتأكل وتشرب منه عندما تتبعه... ولأن موسى أطال التطلع إليه استنار جدًا، فشرب منه إلى أن أضاء مثل النهار. تأكل النفس من الله وتشبع منه، حتى أن الجسد ذاته يعيش بدون همٍّ (مت 6: 26-34). عاش موسى أربعين يومًا منقطعًا عن الطعام والشراب دون أن يجوع[220].] [أكل الخبز ثقل وكسل؛ أما كلمة الحياة، فتربِّي أجنحة للنفس لتطير بها[221].] [عندما يؤكل الخبز يثقل على آكليه؛ أما العلم فيجهِّز النفس بالأجنحة لتطير[222].]
28. هل الإنسان كائن دائم النمو هنا وفي الدهر الآتي؟
يقول القدِّيس أغسطينوس: [هب لي أن أكون دائم النمو في تذكرك، وفي إدراكك، وفي حبي لك، حتى تبلغ بي إلى الكمال[223].] ويقول القديس باسيليوس الكبير: [افحص تصرفاتك كل يوم، وقارنها بأحداث اليوم السابق وجاهد نحو التقدم. تقدم في الفضيلة لتصير في صحبة الملائكة. اقضِ وقتك في خلوة، لا لأيام وشهور، بل لعدة سنوات، تسبح ربك بالأغاني، ليلاً ونهارًا، مقتديًا بالشاروبيم. إن بدأت هكذا، وانتهيت هكذا مسافرًا في الطريق المستقيم إلى وقت قصير لامتحانك، فإنك بنعمة الله تدخل الفردوس بسراج نفسك المنير ببهاءٍ، لتفرح مع المسيح إلى أبد الأبد. آمين[224].] ويقول القديس مار يعقوب السروجي: [لا يستطيع من يسعى في إثر الكمال ويتمسك بالصعود إلى السماء، ويتطلع إلى درب العلو، أن يتوقف في علوٍ واحدٍ، ظانًا أنه اكتمل في عمله، ولم يعد في حاجةٍ إلى الصعود إلى درجة أخرى، لكنه يسرع يوميًا ليرتفع إلى أعلى، إلى أن يفتح له الموت الباب ليبلغ إلى ميناء القديسين[225].]
29. أية ذبائح يقدمها الإنسان؟
يرى القديس مار يعقوب السروجي أن الله أقام آدم كاهنًا، يقدم له ذبائح الشكر والتسبيح بيدين نقيتين ونفسٍ طاهرةٍ. لكن إذ تلوثت طبيعته، فقدت سمة الكهنوت، لعله يقصد الكهنوت العام الذي صار للمؤمن ليقدم ذبائح الشكر والتسبيح والصدقة وكل ممارسات العبادة الشخصية والأسرية. [منذ البداية عندما خلق الرب آدم، جعله كاهنًا ليقوم على خدمته[226].]
7 العناية الإلهية[227]
1. ما هي العناية الإلهية؟
ورد في سفر التكوين أن الله خلق العالم في ستة أيام واستراح في اليوم السابع (تك 2:2)، ليس بمعنى أنه ترك العالم للقوانين الطبيعية ولم يعد مكان للعالم في فكر الله وتحت رعايته. هذا الفهم اعتقد به أرسطو، القائل إن الله حرك العالم وتركه يتحرك بحسب قوانين الطبيعة.
لقد استراح الله في اليوم السابع، لأنه رأى كل شيء حسنُا جدًا، فحسب كمن سُرّ بهذا العالم، وبقي يرعاه ويعتني به.
يبرز الكتاب المقدس بعهديه عناية الله بكل كبيرة وصغيرة في العالم، خاصة في حياة الإنسان، غير أن عنايته وخطته خاصة بالنسبة للمؤمنين غالبًا ما تكون غير مدركة للبشر.
2. هل العناية الإلهية هي من عمل الثالوث القدوس؟
تبرز العناية الإلهية في عمل الثالوث القدوس معًا، من أجل خلاص الإنسان ونموه في حياة التقوى وفي المعرفة وتمتعه بالميراث الأبدي. لقد أحب الله الآب الإنسان وبذل ابنه الوحيد من أجله، وسُرّ الابن أن يُصلب ويموت من أجله ليهيه الحياة المُقامة. والروح القدس يقدِّس ويجدّد ويقدم مواهب حتى يتشكّل المؤمن فيحمل أيقونة العريس السماوي.
إذ اشترك الثالوث القدوس في الخلقة يبقى الثالوث يرعى الخليقة التي أوجدها. يترنم المرتل، قائلاً: "من مثل الرب إلهنا الساكن في الأعالي، الناظر الأسافل (المتواضعين) في السماوات وفي الأرض. المقيم المسكين من التراب، الرافع البائس من المزبلة... في بيت أم أولاد فرحانة" (مز 113: 5-9).
وفي العهد الجديد يقول السيد المسيح: "أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل" (يو 5: 17). كما يقول: "أليس عصفوران يباعان بفلسٍ، وواحد منهما لا يسقط عن الأرض بدون أبيكم. وأما أنتم فحتى شعور رؤوسكم جميعها محصاة. فلا تخافوا أنتم أفضل من عصافير كثيرة" (مت 10: 29-31).
3. ما هي علاقة العناية الإلهية بالنعمة الإلهية؟
ما كان يشغل آباء مدرسة الإسكندرية هو محبة الله العجيبة لبني البشر. لقد سبق أن أصدرت ثلاثة كتب بأوتوا، كندا عن مفاهيم مدرسة الإسكندرية وهي: الله، والنعمة الإلهية، والعناية الإلهية. الآن أود أن أبرز العلاقة بين النعمة الإلهية والعناية الإلهية.
أولاً: انشغل آباء الكنيسة بالنعمة كما بالعناية الإلهية، ولا يمكننا فصل إحداهما عن الأخرى. لأن غاية النعمة أن يدرك المؤمن أنه لن يسترد صورة الله فيه بدون النعمة. وغاية العناية الإلهية أن يرافق الله المؤمن في كل حياته حتى في أثناء نومه لينطلق به إلى الأحضان الإلهية. فحب الله للإنسان عجيب حتى من قبل خلقته إذ هو موضوع نعمة الله وعناية الله لنا.
ثانيًا: النعمة تحفظ الإنسان ألاَّ ينحرف سواء بالسلوك غير اللائق بأبناء الله أو بتهدئة ضميره خلال الالتزام بالسلوك الظاهري والاهتمام بالجانب الأخلاقي الحسن دون التمتع بالحياة الدائمة والتجديد والنمو في معرفة الله والانطلاق من مجدٍ إلى مجدٍ خلال تذوقه عذوبة عربون السماء وهو بعد في الجسد في هذا العالم. وفي نفس الوقت تكشف لنا النعمة عن عناية الله بنا في تقديسه لنا، وفي سلوكنا في غربتنا في هذا العالم حتى نلتقي مع الربّ وجهًا لوجه.
ثالثًا: تكشف لنا العناية الإلهية، كيف خلق الله الأرض وما عليها والبحار وكل الطبيعة حتى ما يبدو لنا تافهًا، وذلك من أجل بنياننا ونمونا في المعرفة والقداسة. إنه يعتني بكل الخليقة فكم بالأكثر بخلاص الإنسان؟!
4. ماذا يقول الكتاب المقدس عن العناية الإلهية؟
يقول السيد المسيح: "انظروا إلى طيور السماء، إنها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلى مخازن، وأبوكم السماوي يقوتها، ألستم أنتم بالحريّ أفضل منها؟!" (مت ٦: ٢٦). إن كان الله يعتني بطيور السماء، كم بالأكثر تكون عنايته بالإنسان؟
يتغنى المرتل بعناية الله الفائقة به فيقول: "أقول للربّ ملجأي وحصني إلهي فأتكل عليه. لأنه ينجيك من فخ الصياد ومن الوبأ الخطر. بخوافيه يظللك وتحت أجنحته تحتمي ... لا تخشى من خوف الليل، ولا من سهم يطير في النهار..." (مز ٩١: ٢-٥).
5. كيف تلامس آباء الكنيسة مع رعاية الله؟
رأى القديس يوستين في النبوات برهانًا أكيدًا لرعاية الله لنا، وقد تحققت النبوات الخاصة بالخلاص المجاني على الصليب.
يقول القديس أثناسيوس الرسولي: إن كلمة الله الكامل والقدير [يبسط قواته في كل موضع، ويهب استنارة للمنظورين وغير المنظورين، لكنه يهب حياة وحصانة للكل وبالكل ولكل واحد.]
يرى القديس إيرينيؤس أنه يليق بالكائنات العاقلة أن تعرف المعتني بها والذي يدبر أمورها[228].
يشِّبه القديس يوحنا الذهبي الفم الله بنهرٍ ينقسم إلى فروعٍ كثيرة ليروي كل الأرض، وأنه لا يوجد أحد لا ينتفع بعناية الله[229].
6. ما هو حفظ الخليقة؟
الله المهتم بحفظ المخلوقات وضع قوانين طبيعية لتحقيق ذلك. يقول المرتل: "ما أعظم أعمالك يا رب، كلها بحكمة صُنعت. ملآنة الأرض من غناك... كلها إيّاك تترجّى لترزقها قوتها في حينة. تفتح يدك فتشبع خيرًا (مز 104: 24-28). حقًا إن بعض النباتات والحيوانات والطيور تنقرض، أما المؤمنون فيعيشون مع الله إلى الأبد.
7. ما هو عمل العناية الإلهية في حياتنا؟
في العهدين القديم والجديد تعمل العناية الإلهية حتى في الأمور التي تبدو لنا تافهة في حياتنا، فلا نشعر أن أمرًا ما يحدث لنا مصادفة. فالله يهب زنابق الحقل جمالاً فائقًا. وهو يطعم الطيور والحيوانات، فكيف لا يقوت بني البشر. لقد ميَّز الإنسان عن كل الخليقة الأرضية، إنه يُعد له ملكوت السماوات.
رعايته العامة للخليقة الأرضية تبقى إلى حين، أما الخاصة بأبراره المؤمنين فأبدية.
8. ما هي العناية الإلهية في الفكر الكنسي السكندري؟
قام العديد من قدامى الفلاسفة أمثال فيلون وشيشرون وسينيكا وابيكتيتوس ومرقس أوريليوس وآخرين بالتأمل في الكون بقوانينه الجبارة وقدراته وجماله الخ. فآمنوا بعناية الله للكون كحقيقةٍ واقعية لكنهم غالبًا ما حسبوها قاصرة على خلق الكون بقوانينه الطبيعية، حاسبين أن الله قد تركه بعدما خلقه، تحكمه قوانينه! غير أن آباء الإسكندرية الذين تطلعوا إلى الفلسفة بكونها هبة إلهية تعلن الحق جزئيًا، وليس في كماله، آمنوا بالعناية الإلهية من مفهوم كتابي لا فلسفي، أعني أن العناية قد شملت كل الخليقة بوجه عام، والإنسان بوجه خاص. وأنها قد فاقت وتجاوزت الزمان والمكان، فقد اهتمت بأمر الإنسان حتى قبل خلقته، أي عندما كان في فكر الله! هذه العناية الإلهية لا تزال تهتم بشئون الإنسان على الأرض، وستستمر في عملها حتى في الدهر الآتي. إنها تحتضن المؤمنين، بل وحتى المخلوقات غير العاقلة. ويُستعلن هذا من خلال مراحم الله الرقيقة وعطفه علينا وتأديبه لنا؛ في الأحداث السارة والمحزنة. ترتبط العناية الإلهية بالنعمة الإلهية، التي تجلّت في تجسد كلمة الله وصلبه وقيامته لنتمتع بالبنوة لله، ونتأهل للميراث الأبدي.
9. ما هو مدى العناية الإلهية للكون؟
يؤكد القديس إكليمنضس السكندري أكثر من مرة تنزيه الله وسموه عن الكون، ربما ليوضح الهوة القائمة بين جوهر الله وطبيعته وجوهر الكون وطبيعته، إذ يقول: [حديث الإنسان بالطبيعة قاصر وعاجز عن أن يعلن عن الله... لا أعني جوهره لأن هذا مستحيل، وإنما أقصد قوة الله وعلمه[230].]
إذ يشرح القديس إكليمنضس تلك الهوة بين الله والخليقة، يعلن في نفس الوقت أن الله ليس بعيدًا عن العالم، خاصة عن أرقى خليقته، أعنى الإنسان. فقد خلق الله الكون من أجل حبه للإنسان كنعمةٍ من عنده؛ وبذات الدافع لا يزال يعتني بكل شئون الكون؛ فهو يتدخل في عالمنا من أجل حبه اللانهائي وأبوته السماوية لنا.
يعتقد القديس إكليمنضس أن الكون برهان ساطع على عناية الله. وكما يقول Floyd W.E.G.: [إن دليل إكليمنضس على وجود العناية الإلهية، إذا ما كانت هناك حاجة إلى دليل ـ هو استخدام حوار لاهوتي يقوم على نظام الكون وتنسيقه. فهو يحاجج بأنه حتى في النظرة السطحية جدًا للعالم يوجد ما يضاد مهاجمي التعليم الصحيح[231].]
ويعبر القديس إكليمنضس عن العلاقة الوطيدة بين الله والكون، قائلاً: [البعيد للغاية قد صار قريبًا جدًا. يا له من أمر عجيب لا يدرك، "العليّ إله من قريب، يقول الرب" (إر 23: 23)... هو قريب جدًا بفضل قوته (عناية) التي تهيمن على كل ما هو تحت سلطانه[232].]
يتحدث القديس أثناسيوس عن تنزيه الله فيؤكد أيضًا حضوره، قائلاً: [الله في الكل وفى كل جزءٍ... هو يحوي كل شيءٍ ومع الكل[233].] يعلن القديس أن الله بصلاحه ونعمته ليس ببعيدٍ عن أي أحد منا، لأننا فيه نحيا ونتحرك ونوجد (أع 17: 28). كما يقول: ]اللوغوس في الآب إذ ولده، أما المخلوقات فلأنها خارجة عنه تتصل به، لكنها غريبة عنه، تتصل بحرية اختيارها. الابن هو بالطبيعة واحد مع الذي ولده؛ أما من هو خارج عنه وقد صار ابنًا فإنه ينتسب إلى الأسرة. من ثم يضيف موسى على الفور: "لأنه أي شعب هو عظيم له إله قريب منه كالرب إلهنا؟" (تث 4: 7 الترجمة السبعينية)؛ وفى موضع آخر قيل: "أنا إله قريب" (إر 23: 23 الترجمة السبعينية)[234]، فبالنسبة للمخلوقات يقترب منها مع كونها غريبة عنه، أما بالنسبة للابن، بكونه ابنه الخاص به، فهو لا يقترب منه، بل هو فيه[235].]
يا لمحبة الله العجيبة! نحن الذين كنا غرباء، صرنا ملتصقين بالله المنزه بفضل صلاحه ونعمته!
أوضح القديس إكليمنضس السكندري أن الله الصالح لن يكف عن صنع الصلاح، وإلا توقف عن كونه إلهًا صانع خيرات[236]. يقول بأن الكون يشبه فأسًا لا قوة لها في حد ذاتها، لكنها تحتاج إلى يد الله ليستخدمها في العمل اللائق لتحقيق غاية وجوده. [كما أن الفأس لا تقطع ما لم يستخدمها أحد، كذلك المنشار بدون إنسان لا ينشر؛ لأنهما آلتان لا تعملان من تلقاء ذاتيتهما، لكن لهما خواص مادية تحقق عملهما بمساعدة الحطاب الذي يستخدمهما، هذا أيضًا ما يُقصد بالعناية الإلهية[237].]
لنستعير كلمات القديس مقاريوس الكبير، الذي عبَّر عن حلول الله في حياتنا الروحية، قائلاً: [إن كنت تبحث عن الرب في العمق، هناك تجده. إن كنت تفتش عنه في المياه، هناك تجده "صانعًا عجائب" (خر 15: 11). إن كنت تطلبه في الجب، فهناك تجده بين أسدين يحرسان دانيال البار. إن طَلَبْتَه في النار، تجده هناك ينقذ عبيده. إن بحثت عنه أعلى الجبل، تراه مع موسى وإيليا. إنه في كل مكان؛ تحت الأرض وفوق السماوات وفى داخلنا أيضًا[238].]
10. ماذا يعني أن الله يدبر أمور العالم؟
الله الكلي الصلاح يعتني بالإنسان ويهيّئ له الفرص كي يتمتع بالحياة المقدسة، فيحقق خطة الله نحوه، ويتمتع بالميراث الأبدي.
يعطينا الله الفرصة كي نسأل ونطلب ونقرع، فنشعر بحبه ومسرته أن يهبنا أكثر مما نسأل وفوق ما نطلب. خلال تعاملنا معه نتلامس مع حنوّه وحكمته وقداسته.
الله في رعايته طويل الأناة لا يتوقف عن تقديم الفرص للخطاة كي يرجعوا إليه حتى في اللحظات الأخيرة من حياتهم. نسمعه دومًا يقول: "رأيي يقوم، وأفعل كل مسرّتي" (إش 46: 10).
يشبِّه كل من القديسين ثاؤفيلس الأنطاكي ويوحنا الذهبي الفم الله بقائد سفينة يبحر إلى ميناء السلام ليكشف عن حكمته وإرادته المقدسة ليعبر بمؤمنيه إلى ميناء السلام. لن يحدث شيء ما في العالم قضاءً وقدرًا أو مصادفةً، إنما عناية الله تسبق وترى وتعرف ما سيحدث. فلا يحدث شيء مصادفة كما يظن البعض.
11. ما هو دور العناية الإلهية في خلقتنا؟
إننا مدينون لله صانع الخيرات بحبه لنا حتى من قبل أن نوجد! يعلن القديس إكليمنضس السكندري، أن الإنسان هو أشرف المخلوقات، وأعزها لدى الله، كان في فكره قبل الخليقة. ففي محبته اللانهائية خلق الكون لأجل الإنسان، ثم خلق الإنسان على صورته ومثاله ليتذوق الشركة معه. إنه يقول: [الإنسان بالحقيقة هو عزيز في عيني الله، لأنه صنعة يديه؛ فقد أوجد الله الأعمال الأخرى في الخلق بكلمةٍ (أمر فكانت)، أما الإنسان فخلقه بيديه، ونفخ فيه من عنده[239].]
يقول أوريجينوس: [ليس أحد - سواء كان يهوديًا أو أمميًا - خالٍ من هذا الناموس الذي في البشر بالطبيعة. فقد أعطى الله الإنسان كل المشاعر والأحاسيس التي يستطيع بها أن يصارع لأجل بقائه في الفضيلة ونموه فيها. بجانب هذا غرس الله فيه قوة العقل، به يدرك ماذا ينبغي أن يفعل وماذا يتجنب. وهب الله هذا للجميع على حد سواء[240].]
12. لماذا وضع الله صانع الخيرات وصية لآدم وحواء في الفردوس؟
لم تكن هذه الوصية حملاً على آدم وحواء، بل هبة قُدمت لهما بفضل عنايته الإلهية. كيف؟
أ. خلق الله الإنسان على مثاله، أي يحمل طبيعة الحب، يشتاق أن يحب ويُحَب من الآخرين. لقد أشبعه الله بحبه الخاص الشخصي، وكان الإنسان محتاجًا أن يُعِّبر عن استجابته لحب الله بالحب. لذا جاءت الوصية طريقًا به يُمكن لأبوينا الأولين أن يعلنا عن حبهما العملي لخالقهما.
ب. بدون الوصايا لا يختبر الإنسان واحدة من أعظم عطايا الله له، أعنى حرية الإرادة؛ فمن خلال الوصايا يكون للإنسان حق الخيار أن يقبل الله في حياته ويطيعه أو يرفضه ويعصى وصاياه!
ج. لم يتركهما الله وحدهما، بل كان معينًا لهما، إن أرادا. ويتحدث القديس مقاريوس الكبير عن إمكانيات آدم في الله: [قدر ما كان كلمة الله (اللوغوس) معه، ومعه أيضًا الوصية كان يملك كل شيءٍ. كان الكلمة بالنسبة له هو ميراثه وملبسه ومجده، وقد صار مدافعًا عنه. كان مرشده... فكان كل شيء هو له، من معرفةٍ وخبرةٍ وميراثٍ وإرشادٍ... وهكذا مادام يتمسك بالوصية ويلتزم بها يصير صديقًا لله[241].]
13. ما هو مدى العناية الإلهية في حياة الإنسان؟
الله في حبه للإنسان يهتم بكل شئون حياته؛ وعنايته تشمل كل شيءٍ حتى عدد شعر رأس الإنسان (مت 10: 30؛ لو 12: 7). لهذا يليق بنا أن نعرف أن كل الأحداث تحدث بعناية الله. يقول العلامة أوريجينوس: [إلى هذه الدرجة تشمل العناية الإلهية كل شيءٍ، حتى أنه يهتم بأن يحصي شعور رؤوسنا بنفسه![242] ]
14. هل تشمل العناية الإلهية الحيوانات؟
يقول العلامة أوريجينوس: [لما كان الله يهيمن هيمنة واضحة على حركة السماوات وكل ما فيها، وكل ما على الأرض، وما في البحر بقدرته الإلهية، فيتحكم في المواليد وأصل الأشياء والأطعمة والنمو لكافة الحيوانات والنباتات، فمن الحماقة أن نغلق أعيننا ولا نتطلع إلى الله[243].]
15. هل تتوقف العناية الإلهية عن العمل؟
يقول القديس إكليمنضس إن صلاح الله دائم العمل، كاهتمام الراعي بخرافه، والملك برعيته والأب بأولاده[244]. ويقول العلامة أوريجينوس: [كما أن الفلاح في فصول السنة المتغيرة يؤدي أعمالاً زراعية متنوعة في الأرض ومحاصيلها، هكذا يهتم الله في كل الدهور والأزمان... يفعل ما يحتاجه الكون، الأمر الذي لا يُدرك بحقٍ في عمق مفهومه وحقه إلاَّ بالله وحده[245].]
16. ما هي غاية العناية الإلهية في كل كيان الإنسان؟
يوضح القديس إكليمنضس أن العناية الإلهية تحتضن الإنسان ككلٍ: جسده وعقله ونفسه. الله الصديق الحقيقي للإنسان يعمل لأجل تقديسه، فيصير أيقونة لخالقه القدوس! يقول العلامة أوريجينوس: ["ليس قدوس مثل الرب"، فمهما كان نمو الإنسان في القداسة عظيمًا، ومهما بلغ من طهارةٍ وأمانةٍ، لا يقدر أحد أن يبلغ قداسة الرب. هو واهب القداسة، بينما الإنسان ينالها. هو ينبوع القداسة، بينما الإنسان يشرب منه. هو نور القداسة، بينما الإنسان يتطلع إليه![246]]
17. ماذا يطلب الإسكندريون من العناية الإلهية؟
كان الآباء الإسكندريون الذين دأبوا على دراسة الكتاب المقدس، باحثين عن المعرفة الحقيقية، والذين أدركوا أن مخلصنا هو الحق والمعلم الحقيقي للحق، والطريق والباب المؤدي إلى الحق، هؤلاء تطلعوا إلى إعلان الحق أو إلى المعرفة الإلهية "الغنوصية" كواحدةٍ من أعظم هبات العناية الإلهية. لا يتعامل الإنسان مع الله كالعبد مع سيده، أو كأداةٍ صماء في يد فنانٍ، بل كابنٍ يعرف أباه معرفة وثيقة حقيقية، وكعروسٍ تدخل مع عريسها إلى حجاله، يتحدان معًا في الفكر والقلب قبل أن يتحدا في الجسد. يقول العلامة أوريجينوس: [العضو الذي يعرف الله ليس هو العين الجسدية بل العقل، لأنه يرى بكونه صورة الخالق، وينال بعناية الله القدرة على معرفته[247].]
18. ما هو موقف الملائكة الأبرار والأشرار من العناية الإلهية؟
في القرون الأولى للمسيحية إذ كان العالم الوثني في قبضة الشياطين والأرواح الشريرة بشكلٍ رهيبٍ مفزعٍ، ثار سؤال: كيف نفسر وجود تلك الأرواح النجسة التي تسيطر على البشر في عالم تهيمن عليه عناية الله؟ جاءت إجابة آباء الإسكندرية كالآتي:
أ. صار البشر بكامل إرادتهم أولاد إبليس (يو 8: 44 عوض التبني لله والتمتع بالاتحاد معه.
ب. شرح القديس إكليمنضس السكندري والعلامة أوريجينوس أن خطة الشياطين هي محاولة إسقاط الإنسان وقيادته إلى العبودية واستمالته إليهم. لكن العناية الإلهية أيدتنا بالملائكة لحمايتنا إن قبلنا خدمتهم لنا (عب 1: 14). وقيادتنا إلى العرس السماوي إن كان لدينا رغبة واشتياق!
ج. المعركة قائمة بين الله نفسه والشياطين. فإن اختفينا في الله، تُغلب الشياطين. يقول العلامة أوريجينوس: [إذا ما قَبِلَ إنسانٌ ما الإيمان، يعهد به المسيح الذي افتداه بدمه - من أسياده الأشرار - إلى ملاكٍ قديس، هذا الذي بسبب نقاوته العظيمة يُعاين دائمًا وجه الآب[248].] ويقول البابا أثناسيوس الرسولي: [حقًا إن كانت السماء تفرح بخاطئ واحد يتوب (لو 15: 7)... كم بالحري تفرح أجناد السماء وتتهلل حينما ترانا في اجتماعاتنا التي على الدوام، خاصة في عيد القيامة؟[249]]
19. لماذا يؤكد الله دور الإنسان مع اعتماده على العناية الإلهية؟
يؤكد الله دور الإنسان لأجل أمرين: توضيح حرية اختيار الإنسان، بكونها هبه إلهية ثمينة. وتأكيد صداقة الله للإنسان، فهو يعمل مع حبيبه الإنسان على الرغم من أن الأخير لا يملك القدرة على أي عملٍ صالحٍ بدون نعمته ورعايته. يقول العلامة أوريجينوس: [لدى الإنسان القدرة على التفكير في كل شيء، وتنظيم كل شيء، ناظرًا أنه يتعاون مع عناية الله[250].] ويقول الأب بفنوتيوس: [إن كنا نمارس كل فضيلة بمجهودات لا تتوقف، لكننا لن نستطيع بلوغ الكمال بجهدنا وغيرتنا، فلا يكفي نشاط الإنسان وجهاده المجرد للبلوغ إلى عطية النعمة الغنية ما لم يصن جهاده بالتعاون مع الله وبتوجيهات الله للقلب نحو الحق[251].]
20. ماذا تقدم لنا العناية الإلهية؟
أولاً: يرى آباء الإسكندرية أن أعظم ما تقدمه لنا العناية الإلهية تمتعنا بالله الذي يسكن فينا. يقول القديس مقاريوس الكبير: [كعروسٍ ثريةٍ مخطوبة لعريس تنال العديد من الهدايا والهبات قبل الزواج من حليّ وملابس ثمينة وأوانٍ غالية الثمن، لكنها لا تشبع وتهنأ حتى زمان العُرس حيث تصير واحدًا مع العريسٍ. هكذا أيضًا النفس، حين تُخطب كعروسٍ للعريس السماوي تنال دومًا من الروح القدس مواهب الشفاء أو المعرفة أو الاستعلان، لكنها لا تشبع حتى يتم لها الاتحاد الكامل، أعني الحب الذي لا يتغير ولا يخيب ولا يسقط، الذي يحرر المشتاقين إليه دون شهوة أو قلق. أو مثل طفلٍ مُزينٍ باللآلئ والملابس الثمينة، حين يجوع لا يفكر فيما يرتديه، بل يتجاهل هذا كله ويهتم فقط بصدر أمه وكيف ينال منه اللبن طعامًا له؛ لهذا أتوسل إليكم أن تعرفوا أن نفس الشيء بالنسبة لمواهب الله الروحية، هذا الذي له المجد إلى أبد الأبد، آمين[252].]
ثانيًا: يعلن الله عن عنايته الإلهية في غاية عمقها خلال أبوته للبشر. فيطلب قلوب أولاده ويرفعها إلى أمجاده، ليتمتعوا بحبه الأبدي. وقد شرح آباء الإسكندرية هذا الفكر الكتابي في النقاط التالية:
أ. يعلن القديس إكليمنضس السكندري أننا بالطبيعة غرباء تمامًا، ومع هذا يحبنا ويهتم بنا كأبٍ نحو أولاده، فيقول: [رحمة الله غنية من نحونا، نحن الطين لا نمت بصلةٍ ما به. لست أتكلم من جهة جوهرنا أو طبيعتنا أو حتى الخواص المتعلقة بالجوهر، وإنما أتحدث فقط من جهة أننا عمل إرادته. فمن يقبل معرفة الحق عن طواعية، خلال التأديب والتعليم، يدعوه الله إلى التبني، الذي هو أعظم الكل[253].] ويقول البابا أثناسيوس الرسولي أيضًا: [لم يخلقهم فقط ليصيروا بشرًا، بل دعاهم ليكونوا أولادًا... الله ليس أبانا بالطبيعة وإنما باللوغوس (الكلمة) الذي فينا، فيه وبه نصرخ: "أبا الآب" (غل 4: 6)... ويدعو الآب أولئك الذين يرى فيهم ابنه أبناء له[254] .]
ب. أرسل الآب ابنه وحيد الجنس ليدعو المؤمنين أن يثبتوا فيه بالروح القدس، ومن ثم ينالون التبني للآب. هذه العطية سبق فأنبأ بها إشعياء، قائلاً: "يسمي عبيده اسمًا آخر" (إش 65: 15). ما هو الاسم الآخر إلاَّ "أبناء الله"؟ يقول القديس إكليمنضس السكندري: [بحق يُدعى أولئك الذين يعرفونه أبًا (لهم)، البسطاء الأطفال بلا عيب... أبو الكون يُبديّ حنوًا وعاطفة نحو الذين يهربون إليه، ويلدهم ثانيةً بالروح القدس للتبنيّ، يعرفهم ويحنو عليهم، ويحبهم وحدهم (أي حبًا خاصًا بهم)، يساعدهم ويدافع عنهم، ولهذا يهبهم اسم "أبناء"[255].] [الغنوصي (صاحب المعرفة الروحية)، بسبب حبه لله الواحد الحقيقي، هو حقًا إنسان كامل وصديق الله، نال رتبة "ابن"[256].] ويقول البابا أثناسيوس الرسولي: [نحن أبناء وآلهة بسبب اللوغوس الذي فينا، فإننا نصير في الابن وفى الآب، ونُحسب واحدًا في الابن وفى الآب، لأن الروح (القدس) فينا، الروح الذي في الكلمة وفي الآب[257].]
21. هل عناية الله عامة لكل البشر أم تخص كل شخصٍ؟
يقول إكليمنضس: [عنايته خاصة (بكل أحدٍ) وهي عامة... إذ يهتم بالجميع[258].] ويقول العلامة أوريجينوس: [ليس كما يظن صلسسCelsus يهتم فقط بالكون ككلٍ، بل بجانب هذا يهتم بكل كائنٍ عاقلٍ على وجه الخصوص. مع ذلك فعنايته بالكل لا تخيب[259].]
22. هل التأديب يتعارض مع العناية الإلهية؟
يقول W. Floyd: [بجانب الصورة الوردية للعناية الإلهية التي تظهر الله بكونه الرحوم لا يغفل إكليمنضس خلال هذه الصورة، أن العناية أيضًا فن تأديبي. يُؤدب الإنسان لأجل منفعته، ولكي يكون مثالاً للغير. وما اللوم إلاَّ علامة أبوة الله وصلاح مشيئته، وليس صادرًا عن إرادة شريرة. فالله صالح بالرغم من الوعيد والخوف[260].]
يقول John Patrick: [الجدل الذي أثاره مرقيون قاد إكليمنضس لتناول العلاقة بين العدالة الإلهية والصلاح الإلهي[261].] ينسب مرقيون العدل لإله العهد القديم، واصفًا إياه بالعنفٍ في عقابه للبشر، بينما ينسب الصلاح لإله العهد الجديد، واصفًا إياه بالحنان والشفقة نحو البشر. يوضح القديس إكليمنضس أن إله العهد القديم هو نفسه إله العهد الجديد، وأن الله رحوم وصالح في عدله، وعادل في صلاحه. وأن العقاب الإلهي لا يصدر عن غضبٍ، فهو بحق عادل وصالح في آن واحد؛ عقابه للبشر ليس بغرض الانتقام، بل هو عقاب تأديبي وعلاجي دائمًا. يؤدب لثلاثة أسباب:
أ. لصالح الشخص الذي يؤدبه، ليصير في حالة أسمى، هادفًا نحو خلاص الساقط تحت اللوم.
ب. ليكون مثالاً للآخرين، حتى باللوم والتحذير يحجمون عن اقتران الآثام.
ج. يؤدب الله فاعل الإثم حتى لا يسقط الخاطئ تحت الدينونة بسبب خطئه.
يقول إكليمنضس السكندري: [قيل "يا ابني لا تحتقر تأديب الرب، ولا تكره توبيخه" (أم 3: 11). يا لحب الله الفائق للإنسان! فإنه لا يتحدث كمعلمٍ مع تلاميذه، ولا كسيدٍ إلى خدمه، ولا كإلهٍ إلى البشر، وإنما كأبٍ يوبخ الرب أولاده[262].]
23. ما هي خطورة تجاهل عناية الله؟[263]
يجيب القديس يوحنا الذهبي الفم: [إنّه طيش الفكر وفضوله، أن يشتهي الإنسان أن يفهم كل علل الأحداث التي تحل بنا، والرغبة في مقاومة عناية الله غير المُدْرَكة ولا موصوفة، تلك العناية التي تفوق كل فحصٍ واستقصاءٍ! ومع هذا لا يخجل الإنسان من هذا الموقف الفضولي المملوء تهورًا.
تُرَى من فاق القديس بولس الرسول في حكمته؟ أخبرني، ألم يكن إناءً مختارًا؟ ألم يأخذ نعمة الروح الفائقة غير المنطوق بها؟ ألم يتكلّم المسيح فيه؟ ألم يكشف الله له عن أمورٍ لا يُنطَق بها؟ ألم يسمع ما لا يحق لإنسانٍ أن ينطق به؟ ألم يُختطَف إلى الفردوس ويرتفع إلى السماء الثالثة؟ ألم يجوب البحار والبر يجذب الوثنيّين إلى المسيحيّة؟ ألم ينل من مواهب الروح المتنوّعة؟... ومع هذا كلّه فإن هذا الرجل بعظمته وحكمته وقوّته وامتلائه بالروح، إذ خصّه الله بهذه الامتيازات، عندما يتطلّع إلى عناية الله، لا في كل جوانبها، بل في جانب واحد منها، يصير منسحقًا، ويتراجع سريعًا خاضعًا لله غير المدرك... فإنه بحث عن عناية الله الخاصة باليهود واليونانيين، وشرح كيف دعا الله الأمم ورفض اليهود ثم أوضح كيف حقق الخلاص... وحينما أدرك هذا، اكتشف الرسول أنه أمام محيط واسع، وإذ حاول فحص أعماق هذه العناية ارتجف متحققًا استحالة تفسير عللها، وارتعب قدام عناية الله اللانهائية غير المحدودة ولا موصوفة ولا مفحوصة ولا مُدْرَكة، فتراجع في مهابة متعجبًا، وهو يقول: "يا لعمق غني الله وحكمته وعلمه"! (رو 11: 33) لقد أوضح بعد ذلك كيف تلامس مع أعماقها دون أن يفلح في استقصائها قائلاً: "ما أبعد أحكامه عن الفحص وطرقه عن الاستقصاء؟"...
أنهى حديثه – وقد امتلأ عجبًا ورعدة – بأنشودة شكر، قائلاً: "لأن من عرف فكر الرب، أو من صار له مشيرًا. أو من سبق فأعطاه فيكافأ؟! لأن منه وبه وله كل الأشياء. له المجد إلى أبد الأبد. آمين" (رو 11: 34-36). يريد القول إن الله ينبوع كل الخيرات ومصدرها، ليس في حاجة إلى شريكٍ أو مشير. هو بدء كل الخيرات وأساسها وموجدها. هو الخالق، دعا غير الموجود موجودًا. يدير ويُرتِّب ويحفظ كل شيء حسب إرادته!... "منه وبه وله كل الأشياء" هذه كلمات إنسان يود أن يؤكد أن الله خالق كل الكائنات ومبدعها، مُدَبِّر حياتها وحافظها.]
24. هل معرفة الرسل هنا مثل معرفتهم في الحياة الأخرى؟
يجيب القديس يوحنا الذهبي الفم: [عندما أراد الرسول توضيح الفارق بين معرفتنا هنا ومعرفتنا في الحياة الأخرى لجأ إلى هذا التصوير: "لما كنت طفلاً كطفلٍ كنت أتكلم، وكطفلٍ كنت أفطن، وكطفلٍ كنت أفتكر، ولكن لما صرت رجلاً أبطلت ما للطفل. فإننا ننظر الآن في مرآة، في لغز، ولكن حينئذ وجهًا لوجه" (1 كو 13: 11). هل لمستَ مدى الفارق بينهما؟ إنه كاختلاف معرفة الطفل الصغير عن معرفة الرجل الناضج، وكاختلاف الرؤية في مرآة عن التطلع وجهًا لوجهٍ، إذ تشير المرآة إلى التعبير العميق لكن في غموضٍ!... فلماذا إذن لا نصدق قول بولس: "من أنت أيها الإنسان الذي تجاوب الله؟ ألعل الجبلة تقول لجابلها لماذا صنعتني هكذا؟!" (رو 9: 20)...
الله الذي تود أن تخضعه لفضولك الطائش لا يخضع للموت أو التغيير. إنه سرمدي لا بداية له ولا نهاية، غير مُدرَك، فائق لكل فهمٍ وكل مَنْطِقٍ، غير موصوفٍ ولا منظورٍ! هذه الصفات التي لا نقدر إدراكها أنا وأنت أو حتى الرسل والأنبياء، بل وحتى القوات السمائية، فبالرغم من طهارتها غير المنظورة وروحانيتها ومعيشتها في السماء على الدوام لا تقوى على إدراكها.]
25. هل تدرك الطغمات السماوية الله ويمكنها الدنو منه؟
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [حري بذاك الذي يتجاسر ليفحص عناية الله الذي لا تقدر القوات السمائية على لمسها أو التعبير عنها أن يختبئ مختفيًا تحت الآكام.]
26. من يعلن لنا أحكام الله؟
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كيف عرفنا حكمة الله يا بولس؟ ومن كشفها لنا؟ ومن أوضح لنا الأمور التي لم ترها عين ولم تسمع بها أذن ولم تخطر على بال إنسان؟ أخبرنا، من الذي وهب لنا هذه المعرفة العجيبة؟ يقول: "أعلنه الله لنا بروحه". ولئلا يظن أحد أن الروح القدس لا يعرف إلا ما قد أعلنه، وليس كل أسرار الله، قال: "لأن الروح يفحص كل شيءٍ حتى أعماق الله. لأن مِنْ من الناس يعرف أمور الإنسان إلا روح الإنسان الذي فيه؟! هكذا أيضًا أمور الله لا يعرفها إلا روح الله"(1 كو 2: 10-11)... لماذا تحاول استقصاء الأمور العميقة بقوتك الذاتية، مع أن غالبيتها تفوق قوة تفكيرك التي وهبها الله لك؟]
27. كيف يكشف لنا الله عن عنايته بنا؟
يكشف لنا الكتاب المقدس عن هذا الحب الإلهي وعنايته بنا بمقارنته بحب الناس بأمثلة كثيرة:
أ. مقارنته بحب الأم والأب: يجاوب النبي القائلين: "قد تركني الرب، وسيدي نسيني"، قائلاً: "هل تنسى المرأة رضيعها، فلا ترحم ابن بطنها؟" (إش 49: 15) كأنه يقول: يستحيل على الأم أن تنسى المرأة رضيعها، فبالأولى لا ينسى الرب البشرية. يؤكد ربنا أن حبه يفوق محبة الأب لأولاده، إذ يقول: "أم أي إنسان منكم إذا سأله ابنه سمكة يعطيه حية؟! فإن كنتم وأنتم أشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيدة فكم بالحري أبوكم الذي في السماوات يهب خيرات للذين يسألونه؟!" (مت 7: 9-11)
ب. الحب بين محبوبين: يقول المرتل: "لأن مثل ارتفاع السماوات فوق الأرض، قويت رحمته على خائفيه" (مز 103: 11). وبروح الحب لم يستنكف الرب من القول: "فندم الرب على الشر الذي قال إنه يفعله بشعبه" (خر 32: 14).
ج. الحب الزوجي: "كفرح العريس بالعروس، هكذا يفرح بك الرب" (إش 62: 5). فالحب يكون في أوجه عند البداية (بين العروسين). استخدم هذا الأسلوب كي نلمس شدة التهاب محبته الحقيقية.
د. حب الصانع لعمل يديه: غضب يونان لهلاك يقطينة، فعزاه الرب قائلاً له: "أنت تشفق على اليقطينة التي لم تتعب فيها ولا ربيتها، التي بنت ليلة كانت وبنت ليلة هلكت. أفلا أشفق أنا على نينوى المدينة العظيمة التي يوجد فيها أكثر من اثنتي عشرة ربوة من الناس الذين لا يعرفون يمينهم من شمالهم؟!" (يونان 4: 10-12)
8 النعمة الإلهية[264]
1. كيف نميز بين النعمة الإلهية والعناية الإلهية والتدبير الإلهي كضابط الكل؟
من يلتصق بالله ويدخل في علاقة شخصية معه، يشعر أن كل ما يشغل الله هو محبوبه الإنسان، سواء على مستوى الكنيسة الجامعة الممتدة من آدم وحواء حتى مجيئه الأخير أو على مستوى كل عضوٍ فيها. يتلامس الإنسان مع الله، فيشعر بما قاله القديس أغسطينوس بأنه يشعر كأنه لا يوجد سوى الله ومحبوبه أغسطينوس.
تبرز في حياة المؤمنين شعورهم بأعمال الله معهم وفيهم ولحسابهم، هذه الأعمال الإلهية هي:
أ. النعمة الإلهية.
ب. العناية الإلهية.
ج. التدبير الإلهي كضابط الكل Pantocrator.
يصعب أن نفصل هذه الأعمال الثلاثة عن بعضهم البعض. لكن يمكننا أن نميز إلى حدٍ ما بين هذه الأعمال الإلهية هكذا:
أ. النعمة الإلهية؛ أشار إليها الإنجيلي يوحنا: "ومن ملئه نحن جميعًا أخذنا، ونعمة فوق نعمة، لأن الناموس بموسى أُعطيَ، أما النعمة والحق فبيسوع المسيح صارا" (يو 1: 16-17). في حرفية قاتلة وضيق أفقٍ يظن البعض في النعمة الإلهية مجرد القدرة على سلوك أخلاقي مجرَّد. أما الذين يتمتعون بالنعمة فيدركون أنها عطية من عند الآب تُعطى لنا بالمسيح يسوع مخلصنا في الروح القدس الذي يقودنا فنتمتع بتجديدٍ مستمرٍ وتقدُّمٍ بلا توقف، وانطلاقٍ من مجدٍ إلى مجدٍ، وتذوق عربون السماويات.
ب. العناية الإلهية: باتحادنا مع الابن الوحيد الجنس ننال في المعمودية البنوة لله الآب، وعضويتنا في جسد المسيح، وإدراكنا أننا هيكل الله القدوس وروح الله يسكن فينا (1 كو 3: 16). يشعر المؤمن أنه محمول على الأذرع الأبدية، لا تستطيع كل قوات الظلمة أن تقترب إلى قلبه. بهذا ندرك ما قاله الإنجيلي يوحنا: "وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله، أي المؤمنين باسمه" (يو 1: 12).
أدرك الرسول بولس هذه العطية، أي "البنوة لله الآب"، عندما تحرر من حرفية الناموس وتمتع بحرية مجد أولاد الله (رو 8: 21).
ج. التدبير بواسطة الله ضابط الكل. تعتز الكنيسة بهذا اللقب "البانتوكراتور"، أي الضابط الكل الذي يدبر كل أمور العالم، الكبيرة والصغيرة، ليس في حبٍ للسلطة، بل خلال محبته وحكمته وتدبيره العجيب الذي يفوق الفكر البشري.
2. ما هي النعمة الإلهية؟[265]
يقدم لنا معلمنا يوحنا البشير خلال إنجيله شخص الكلمة الإلهي المتجسد كمصدر فيضٍ من النعم الإلهية بلا توقف، خاصة نعمة الخلق ونعمة البنوة لله مع فيضٍ من النعم. يقول الإنجيلي: "ومن ملئه نحن جميعًا أخذنا، ونعمة فوق نعمة، لأن الناموس بموسى أُعطي، أما النعمة والحق فبيسوع المسيح صارا" (يو ١: 16–١٧). يعلن يوحنا الإنجيلي أن يسوع المسيح هو هو سرّ الملء للكنيسة كلها، ينبوع نِعَم لا تنقطع، فيض حب يتفجر على الدوام. فمن كمال ملئه اللانهائي يفيض على كنيسته ليتمتع كل عضوٍ فيها بالشركة في الطبيعة الإلهية، فهو مصدر كل النعم، يملأ مخازننا (أم ٨: ٢١). نتقبل منه النعم كما تتقبل مجاري المياه الماء من الينبوع مصدر الماء. العطايا الإلهية هي نِعَم grotius أي مجانية (رو ١٢: ٦)، فإذ يسرَّ الآب بابنه المحبوب الوحيد الجنس يُسر بنا نحن فيه (أف ١: ٦).
لم يهتم آباء الكنيسة الأولى في الشرق بتقديم تعاريف للمصطلحات اللاهوتية سواء للنعمة أو غيرها، بالرغم من الحديث بفيضٍ عن عمل النعمة ودورها في حياة المؤمن منذ خلقته إلى يوم لقائه مع الرب على السحاب. فما يشغل ذهن الكنيسة، خاصة كنيسة الإسكندرية، هو الخبرة الحية والاتحاد مع الله كعربون للتمتع بالحياة الأبدية. لهذا لا نعجب إن استخدم العلامة أوريجينوس اسم "المسيح" عوض عطاياه أو نعمه.
حاول بنيامين دريوري Benjamin Drewery أن يقدم تعريفًا للنعمة الإلهية خلال أعمال أوريجينوس العديدة، فقال: [يمكننا أن نقترح أنه إذا سُئل أوريجينوس عن تقديم تعريف منهجي للنعمة يجيب بشيءٍ مثل هذا: "النعمة هي قوة الله المجانية، لكنها ليست غير مشروطة، توضع تحت تصرف الإنسان، بواسطتها يُترجم الخلاص إلى حياة جديدة تبلغ الذروة، مُعلَنة ومُقننة في الأسفار المقدسة، بواسطة يسوع المسيح المتجسد، وتصير به مملكته للعالم"[266].
أما القديس أغسطينوس، فيقول: [ماذا تعني "نعمة فوق نعمة" (يو 1: 16)؟ بالإيمان عاد الله مدافعًا لصالحنا، وإذ كنا غير أهلٍ لغفران خطايانا، ولأننا كنا غير مستحقين نلنا نفعًا عظيمًا هكذا، فدُعي ذلك نعمة. ما هي النعمة؟ ما يُعطى مجانًا... وإذ تنال إحسانًا من الله بالحياة بالإيمان تتقبل الخلود كمكافأة والحياة الأبدية، وهذه نعمة![267]]
يقول القدِّيس باسيليوس الكبير: [يئن داود قائلاً: "بالآثام حُبل بي، وفي الخطايا ولدتني أمي" (مز 51: 5). أيضًا يعلن الرسول: "إذ الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله، متبررين مجانًا بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح، الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه" (رو 3: 23-25). لهذا يمنح غفران الخطايا للذين يؤمنون، إذ قال الرب نفسه: "هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يُسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا" (مت 26: 28)[268].]
3. ما هو أول عمل للنعمة الإلهية؟
أول نعمة تمتع بها الإنسان هو "الخلق". أوجد الله الإنسان من العدم إلى الوجود، فيشعر أنه مدين له بكل حياته، كما وهبه أيضًا نعمة صورته. بهذا يتمكن من ممارسة الحياة الفردوسية، وإدراك أسرار معرفة الله، والاتصال بالخالق، فيتمثل به، يراه ويحيا معه خالدًا إلى الأبد.
يشرح القديس أثناسيوس الرسولي عمل الكلمة (اللوغوس) الخالق كواهب نعمة التمتع بصورة الله، وإعادتها لنا بتجديد طبيعتنا بعد فسادها. فنركز بصيرتنا الداخلية على الله، وتصير لنا دالة لديه لا تخزى، وندرك أسراره، ونمتلئ فرحًا. إنه يقول: [إذ يستعيد (الإنسان) نعمة الله التي وُهبت له، وإذ يقتني القدرة الخاصة التي من اللوغوس كلمة الآب، يتهلل فرحًا متحدثًا مع الله، فيحيا الحياة المباركة التي بلا ألم، والخالدة بالحقيقة (عديمة الموت). وإذ لا يعوقه عائق عن المعرفة الإلهية، يتأمل دومًا بطهارته[269]... صورة الآب، أي اللوغوس، الذي خلق الإنسان على صورته، ويتعجب إذ يدرك تدبير الله للكون بواسطة اللوغوس ويرى فيه الآب، أب اللوغوس، فيختبر الفرح الغامر عند هذه الرؤيا، ويتجدد باشتياقه إليه. يشبه هذا الأمر حالة الإنسان الأول المخلوق الذي دُعي آدم (باللغة العبرانية)، والذي يقول عنه الكتاب المقدس إنه كان في البدء ذا ذهن مثبت على الله بدالة لا تخزى... في تأمل الحقائق المعقولة التي اقتناها في ذاك الموضوع، والذي يسميه القديس موسى بشكل تصويري "الفردوس" (الجنة)، وكانت النفس الطاهرة بالحق قادرة أن ترى الله ذاته الذي ينعكس فيها كمرآة. كما قال الرب نفسه: "طوبى للأنقياء القلب، لأنهم يعاينون الله"[270]. (مت 5: 8)]
ويقول القديس مار يعقوب السروجي: [لماذا خلق الله دون أن يحتاج إلى (الخليقة) لو لم يكن بدافع النعمة التي تفوق وظائفها (عقول) الكائنات الناطقة؟ [271]كما يقول: [النعمة التي هي أسست العالم، هي نفسها التي تحمله وتحافظ عليه، كأنه مُعلق في شيءٍ كبير. وقد كُتب أنه علق الأرض على لا شيءٍ (أي 26: 7). فكر جليًا أن نعمته تحملها[272].]
4. هل نعمة الآب والابن والروح القدس واحدة؟
تقديم النعمة الإلهية هو عمل إلهي واحد، عمل الثالوث القدوس محب البشر. فالآب يهب نعمته بفيض بالكلمة الإلهي، بكونه قوة الله وحكمته، ويقدمها لنا بروحه القدوس بكونه روح القوة والحكمة. يقول القديس أثناسيوس الرسولي: [عندما يعطي الآب نعمة، من المستحيل ألا أن يعطيها بالابن، لأن الابن في الآب، مثل الشعاع في الضوء. وذلك ليس كأن الله معوز أو ضعيف، بل كأب "قد أسس الأرض بحكمته" (أم 3: 19)، وصنع كل الأشياء بالكلمة المولود منه، ويختم على الحميم المقدس (المعمودية) بالابن. وأوجد كل الأشياء بواسطة كلمته، اللوغوس الذاتي، وأكمل الحميم المقدس في الابن. وحيث يكون الآب فهناك يكون الابن أيضًا. كما أنه حيث يكون النور هناك يكون الشعاع أيضًا... النعمة هي واحدة، وهي معطاة من الآب بالابن، كما يكتب بولس في كل رسائله، "نعمة لكم وسلام أبينا والرب يسوع المسيح". (رو 1: 7، 1 كو 1: 3، أف 1: 2)[273]]
يقول القديس أمبروسيوس: [إذ توجد نعمة واحدة، وسلام واحد، وحب واحد، وشركة واحدة من جانب الآب والابن والروح القدس، فبالتأكيد توجد عملية واحدة، وحيث توجد عملية واحدة فحتمًا لا يمكن للقوة أن تنقسم، ولا للجوهر أن ينفصل[274].]
5. هل توجد حدود لنمو عمل النعمة؟
من أجلنا قيل عن السيد المسيح: "وكان الصبي ينمو ويتقوى بالروح ممتلئًا حكمة، وكانت نعمة الله عليه" (لو 2: 40)، وأيضًا: "وأما يسوع فكان يتقدم في الحكمة والقامة والنعمة عند الله والناس" (لو 2: 52). وكما يقول العلامة أوريجينوس: [لقد أخلى ذاته وأخذ شكل العبد (في 7:2)... وبالقدرة التي بها أخلى ذاته نما أيضًا.] هكذا يدخل بنا إلى طريق النمو الدائم في النعمة بلا توقف. فالنعمة فينا هي عمل الله المستمر الديناميكي غير المتوقف.
يقول القديس أثناسيوس الرسولي: [المقصود بالنمو إذن هو نمو الجسد، لأنه بنمو جسد المخلص يُستعلن الله أكثر فأكثر (من خلال بشرية المخلص) لمن يرونه. وإذا يُستعلن اللاهوت أكثر فأكثر، هكذا بالأحرى تزداد نعمة بشريته بالأكثر كإنسان أمام جميع الناس. لأنه كطفلٍ حُمل إلى الهيكل، ولكن حينما صار صبيًا بقي في الهيكل وناقش الكهنة حول الناموس "حتى بهتوا من فهمه وأجابته" (لو 2: 47)[275].]
يقول القديس غريغوريوس النيسي: [الإيمان الثابت بالرجاء في النعمة يصير بهجة لنا، نحن الذين ننتظر في صبرٍ[276].] وأيضًا: [الشخص الذي يرتفع لا يقف أبدًا ساكنًا. إنه يتحرك من إحدى البدايات إلى التي تليها، وبدايات النعمة الأعلى ليست محدودة. لذلك فرغبة النفس التي ترتفع تزداد في المعرفة وفي الرغبة في الارتفاع إلى مستويات أعلى، وتستمر في النمو محققة التقدم إلى الغير محدود[277].]
6. هل النعمة خاصة بجماعةٍ معينة؟
يقول العلامة أوريجينوس: [شكرًا لله، فإنه وإن كانت نعمة النبوة قد اقتصرت على إسرائيل، صارت الآن نعمة أعظم من كل ما كان لهم، انسكبت على الأمم بيسوع المسيح[278].]
ويقول القديس إكليمنضس السكندري: ["صرت كل شيء لكل البشر، لكي أربح الكل" (١ كو ٩: ٢٢). تمطر النعمة الإلهية على الأبرار والأشرار (مت ٥: ٤٥)[279].]
كما يقول القديس أمبروسيوس: [شرح الرسول بحق أن الله "الذي يريد أن الجميع يخلصون" (1 تي 4:2)، هو صالح لكل الناس. أما نعمة صلاح الله الخاصة فهي مكفولة بالأكثر لجميع المؤمنين، الذين ينالون عونًا من إرادته الصالحة ونعمته[280].]
7. لماذا لم يأتمن ربنا النعمة على خليقةٍ ما؟
يقول القديس أثناسيوس الرسولي: [بقدر ما نال الرب، وبقدر ما تستقر النعمة عليه، تبقى النعمة محفوظة لحسابنا، لأن حينما يأخذ الإنسان بمفرده، يوجد احتمال فقدان ما أخذه، وقد ظهر ذلك في حالة آدم، لأنه بعد أن نال خسر ما ناله. ولكي تصير تلك النعمة بلا استرداد، وتظل محفوظة للبشر أخذ المخلص العطية لنفسه وقال إنه قد أخذ سلطانًا كإنسانٍ، هذا السلطان الذي له على الدوام كإله[281].]
8. هل ينال الجميع ذات القدر من النعمة الإلهية؟
يقول القديس جيروم: [هذا لا يعني أن قياس المسيح يتغير، لكن قدر ما نستطيع أن نتقبل يسكب نعمته فينا[282].]
9. هل نحتاج للنعمة الإلهية بعد توبتنا ونوالنا العماد؟
يحدثنا القديس أغسطينوس في كتابه عن "النعمة والإرادة الحرة[283]" أن نتعلق بالنعمة الإلهية، قائلاً: [يلزم للإنسان لا أن يتبرر بنعمة الله وهو شرير فحسب (أي قبل توبته أو عماده)، بل يلزمه حتى عندما يتبررّ بالأعمال أن ترافقه النعمة الطريق، وأن يحافظ عليها لئلا يسقط![
10. هل من ضرورة للنعمة بالنسبة للمجاهدين؟
يقول الأب بفنوتيوس: [من المفيد لنا أن نتأكد أنه بالرغم من أننا نجاهد في الفضائل جهادًا غير باطل، لا نستطيع بلوغ الكمال بجهدنا وغيرتنا، فلا يكفي نشاط الإنسان وجهاده المجرد للبلوغ إلى عطية النعمة الغنية ما لم يصون جهاده التعاون مع الله وتوجيهات الله للقلب نحو الحق[284].] كما يقول: [يليق بنا أن نعرف أننا لا نستطيع أن نجاهد بدون معونة الله، ولا يصير لجهادنا أي نفع للحصول على عطية النقاوة العظمى ما لم توهب لنا بواسطة المعونة والرحمة الإلهية، لأن "الفرس مُعد ليوم الحرب، أما النصرة فمن الرب" (أم 31:21)، لأنه ليس بالقوة يغلب الإنسان (زك 4: 6)[285].]
ويقول القديس أغسطينوس: [لم يعمل بولس لينال نعمة، وإنما نال النعمة لكي يجاهد[286].] كما يقول: [كيف إذن يمكن إتمام وصية الله ولو بصعوبة بدون عونه، حيث أنه ما لم يبنِ الرب البيت باطلاً يتعب البنّاء (مز 127: 1)[287].]
11. هل من ضرورة للجهاد؟
يقول الرسول: "ولكن بنعمة الله أنا ما أنا، ونعمته المعطاة لي لم تكن باطلة، بل أنا تعبت أكثر منهم جميعهم، ولكن لا أنا، بل نعمة الله التي معي" (1 كو 15: 10).
يقول العلامة أوريجينوس: [نتعلم من هذا (مز 127: 1) أنه ليس لأن الله هو الذي يبني يجلس الإنسان خاملاً فإن الله يبني له البيت. وإنما لأنه يعمل ويهتم قدر إمكانياته البشرية، فإن الله يزيل كل العقبات ويتمم العمل. هكذا يُدعى الإنسان للعمل قدر ما يستطيع في جدية، لكن الله هو الذي يكلل العمل بالنجاح. لهذا يليق بالإنسان بحقٍ وفي تقوى أن يترك إتمام عمله لله، وليس لإنسانٍ بشري آخر. على هذا بولس غرس وأبولس سقى والله هو الذي كان ينمي، إذ ليس الغارس شيئاً ولا الساقي بل الله الذي ينمي (1 كو 3: 6-7). بنفس الطريقة يمكننا القول إن هذا يعتمد لا حسب مشيئة إنسان أو جهاده إنما على مراحم الله[288].] كما يقول: [يود بولس أن يذكرنا بأننا لا نخلص بمجرد استقبالنا لنعمة الله المجانية. إنما يلزمنا البرهنة على أننا نريد قبول هذه النعمة المجانية. فأبناء إسرائيل استلموها، لكنهم برهنوا على عدم استحقاقهم لها فلم يخلصوا[289].]
ويقول القديس أغسطينوس: [بعد قوله: "من ملئه أخذنا" أضاف "نعمة فوق نعمة" (يو 16:1). لأنه بالنعمة خلص اليهود. يقول الرب: "اخترتكم ليس لأجل كثرة عددكم، وإنما من أجل آبائكم" (تث 7: 7-8). إن كانوا لم يُختاروا بواسطة الله من أجل أعمالهم الصالحة، فواضح أنه بالنعمة نالوا هذه الكرامة. ونحن أيضًا نخلص بالنعمة، لكن ليس بنفس الطريقة، ولا بذات الأهداف، بل بما هو أعظم وأسمى. إذن فالنعمة التي فينا ليست كالنعمة التي لهم. إذ لم يُعطَ لنا فقط غفران الخطايا (إذ نحن شركاء معهم لأن الكل أخطأ)، وإنما نلنا أيضًا البرّ والتقديس والبنوة وعطية الروح بصورة أكثر مجدًا، وبفيضٍ[290].]
يشدّد القدّيس أمبروسيوس على الجهاد المستمر دون تهاونٍ، بقوله: [فقدان ساعة واحدة ليس بالأمر الهيّن، فالساعة هي جزء من حياتنا كلها[291].] كما يقول: [رقص بولس روحيًا عندما امتد إلى قدام من أجلنا، ونسي ما هو وراء (في3: 13)، واضعًا هدفه قدامه، مناشدًا نوال مكافأة المسيح... هذا الرقص يصحبه الإيمان وترافقه النعمة[292].]
أيضًا غاية حديث القديس مار أفرآم السرياني عن المراتب التي في الفردوس هو تأكيد عدم توقف المؤمن عن جهاده في صلواته وعبادته وتنفيذ الوصية. فيردد: "إلى أن ننتهي جميعًا إلى وحدانية الإيمان في معرفة ابن الله إلى إنسانٍ كاملٍ في قياس قامة ملء المسيح" (أف ٤: ١٣). يقول: [عندما يصعد الأبرار في درجاتهم المتعددة، لينالوا ميراثهم، يُرفع بعدلٍ كل واحدٍ إلى الدرجة التي تتناسب مع جهاده. يقيم كل واحدٍ في المستوى الذي يستحقه. توجد مستويات كافية في الفردوس لكل واحدٍ. الأجزاء السفلى للتائبين والوسطى للأبرار والعلوية للمنتصرين، أما القمة فمحفوظة للحضور الإلهي[293].]
12. ما هو عمل النعمة الإلهية في حياة الإنسان؟
الله الذي بنعمته خلقنا على صورته ومثاله، وهبنا الإرادة الحرة كسندٍ لنا في تناغم إرادتنا مع إرادة الله ومعرفة الصلاح وممارسته، واعتبار الآخرين إخوة لنا. لكننا "أفسدنا هذه الحرية المقدسة. يقول القديس غريغوريوس النيسي: [أعطى الله الطبيعة العاقلة نعمة حرية الإرادة، وأنعم على الإنسان القدرة على إدراك ما يريده حتى يسكن الصلاح في حياتنا، ليس قسرًا وليس لاإراديًا بل خلال الاختيار الحر. تمتعنا بحرية الإرادة هذا يؤدى بنا إلى اكتشاف حقائق جلية. وأما إذا أساء أحد استخدام هذه الإرادة الحرة فيصير هذا الشخص مبتدعًا شرورًا كقول الرسول (رو 30:1)[294].]
ويقول العلامة أوريجينوس: [أنا والأنبياء الذين جاءوا قبلي وقبلوا نعمة إلهية نبوية كبرى وذلك من ملئه، فإن النعمة التي قبلناها منه تخص حرية الإرادة[295].]
13. ما هو دور النعمة بعد سقوط الإنسان؟
إذ فقد الإنسان صورة الله صارت حياته جحيمًا لا يُطاق، وتحول الفردوس إلى سجن، وأنبتت له الأرض شوكًا وحسكًا، لم تقف نعمة الله مكتوفة الأيدي مهما كلفها الأمر، حتى وإن كان الثمن تجسد الكلمة وإعلان حبه بقبوله الموت صلبًا حتى يهبه بهجة القيامة ويتمتع ببرّ المسيح، ويرد روحه القدوس صورة الله فيه.
يقول القديس أثناسيوس الرسولي: [إلى من يمكن اللجوء لاستعادة نوال مثل تلك النعمة، سوى إلى كلمة الله الذي خلق في البدء كل الأشياء من العدم؟ فهو وحده يختص بأن يأتي بمن كان في الفساد إلى عدم الفساد، ويحقق ما يليق بالآب فوق كل شيءٍ، إذ هو كلمة الله الآب الذي فوق الجميع لأنه وحده القادر أن يُعيد للجميع ما كان مفقودًا، وأن يتألم لأجل الجميع، وأن يكون شفيعًا لدى الآب لأجل الكل[296].]
ويقول مار يعقوب السروجي: [في التجسد، تُمدح نعمة الله وحدها، لأجل مراحمه... ننسب التبرير إلى رب التبرير، إذ سكب نعمته على خلائقه دون مقياس[297].]
14. ما هو دور الناموس؟ وما هو دور النعمة؟
يقول القديس أغسطينوس: [ذاك الذي أعطى الناموس أعطى النعمة أيضًا، لكنه أرسل الناموس مع عبيد، ونزل بنفسه ليعطي النعمة. وبأية وسيلة صار البشر تحت الناموس؟ بعدم تحقيقهم للناموس. لأن من يتمم الناموس لا يسقط تحت الناموس، بل يكون مع الناموس، أما الذي تحت الناموس فلا يقوم، بل يكون تحت ضغط الناموس. إذ صار كل الناس تحت الناموس صاروا بالناموس مذنبين، لذلك صار الناموس فوق رؤوسهم، يُظهر خطاياهم ولا ينزعها... الآن يعترف المرضى بالمرض، فليأتِ الطبيب، ليشفي المرضى. من هو الطبيب؟ ربنا يسوع المسيح[298].]
يقول الأب ثيوناس: [أي إنسان يسعى نحو الوصول إلى كمال التعليم الإنجيلي، هذا الذي يعيش تحت النعمة، لا يسقط تحت سلطان الخطية، لأن البقاء تحت النعمة معناه العمل بالأمور التي تأمر بها النعمة. أما الإنسان الذي لا يُخضع نفسه للمطالب الكاملة الخاصة بكمال الإنجيل، فيلزمه ألا يجهل أنه وإن كان قد اعتمد، وإن صار راهبًا، بالرغم من هذا فهو ليس تحت النعمة، إنما هو مقيد بقيود الناموس ومُثقل بأثقال الخطية. لأن ذاك الذي وهب نعمة التبني ويقبل الذين يقبلونه، يرغب في أن يضيف إلى البناء لا أن يهدمه، إذ أراد أن يكمل الناموس لا أن يهدمه.
إذ لا يفهم البعض هذا الأمر، مهملين نصائح المسيح الرائعة ومواعظه، فيتخذون من الحرية فرصة للإهمال والتهور الزائد، حتى أنهم يعجزون عن تنفيذ أوامر المسيح كأنها صعبة جدًا، محتقرين أيضًا وصايا الناموس الموسوي[299] كأمر عتيق، مع أن الناموس قدمها للمبتدئين والأطفال. بهذا ينادون بالحرية الخطيرة التي يلعنها الرسول، قائلاً: "أَنخطئُ لأننا لسنا تحت الناموس بل تحت النعمة؟" (رو 15:6). هؤلاء ليسوا تحت النعمة، لأنهم لم يتسلقوا قط مرتفعات تعاليم الرب. ولا هم تحت الناموس، لأنهم لم يقبلوا حتى تلك الوصايا البسيطة التي للناموس. هؤلاء إذ هم ساقطون تحت سلطان الخطية المزدوج. يظنون أنهم قد قبلوا نعمة المسيح… ويسقطون فيما يحذرنا منه الرسول بطرس قائلاً: "كأحرارٍ وليس كالذين الحرية عندهم سترة للشر" (1 بط 16:2). ويقول الرسول بولس الطوباوي: "فإنكم إنما دُعِيتم للحريَّة أيُّها الإخوة. غير أنهُ لا تُصيّروا الحرَّية فرصةً للجسد" (غلا 13:5)، أي دُعيتم للتحرر من سلطان الخطية، وليس معنى إبعاد أوامر الناموس بمثابة تصريح بعمل الخطية. يعلمنا الرسول بولس أن هذه الحرية لا توجد إلا حيث يوجد الرب، إذ يقول: "وأما الربُّ فهو الروح، وحيث روح الرب هناك حرّيَّة" (2 كو 17:3)[300].]
15. ماذا قدمت لنا النعمة بعد سقوط الإنسان؟
أولاً: النعمة الإلهية تهبنا فهم كلمة الله
خلق الله الإنسان ليتحدث الكلمة الإلهي معه وجهًا لوجه. وكان أبوانا الأولان يتمتعان بصوت الله ماشيًا في الجنة (تك 3: 8). أما وقد أعطى الإنسان ظهره لمصدر النعم، لم يتركه الله بل وهبه الناموس ليرتفع به إلى غنى نعمته. وجاء الكتاب المقدس ليس للقراءة، بل للقاء الحيّ مع الكلمة الإلهي وراء الحروف. من ينال نعمة إدراك أسرار الكتاب المقدس يتمتع بالشركة مع الكلمة الإلهي، وتدخل نفسه الفردوس الروحي المُشبع.
يقول العلامة أوريجينوس: [لا يمكن نوال أمرٍ صالحٍ بعيدًا عن الله، وأما فوق كل شيءٍ فهو فهم الأسفار المقدسة المُوحى بها[301].] كما يقول: [كثيرون يسعون لتفسير الكتب المقدسة... لكن ليس الكل ينجحون. فإنه نادرًا ما يوجد من له هذه النعمة من الله[302].] [المعنى الروحي الذي يهبه الناموس لا يدركه الكل، وإنما الذين يُمنحون نعمة الروح القدس في كلمة الحكمة والمعرفة[303].]
ثانيًا: نعمة القيامة والغلبة على الموت
قد أنتن الإنسان تمامًا بسبب الموت بالخطية، فجاء كلمة الله المتجسد، القائل: "أنا هو القيامة" (يو 11: 25) يهبنا ذاته، فنتمتع بالشركة معه، ويحررنا من سلطان الموت، ولا يقدر الفساد أن يحلّ بنا. بروح القوة والنصرة ننشد مع الرسول بولس: "أين شوكتك يا موت؟ أين غلبتكِ يا هاوية؟ أما شوكة الموت فهي الخطية... ولكن شكرًا لله الذي يعطينا الغلبة بربنا يسوع المسيح" (١ كو ١٥: ٥٥–٥٧). هذه هي نعمة القيامة.
يقول القديس أثناسيوس الرسولي [لكي يستعيد اللوغوس المتأنس عدم الفساد إلى البشر الذين انحدروا إلى الفساد، فيحيهم من حالة الموت، أخذ جسدهم لنفسه، حتى يبيد الموت ويلاشيه بواسطة نعمة القيامة كما تلتهم النار الهشيم[304].] كما يقول: [لقد مات الموت حقًا... فلم يعد مُزعجًا بعد، بل بالأحرى فإن المؤمنين بالمسيح يطأون الموت كأنه عدم، بل يفضلون الموت عن إنكار إيمانهم بالمسيح. كل هذا لأنهم يعلمون أنهم لا يفنون بالموت، بل يحيون بالقيامة ويصيرون عديمي الفساد[305].]
ثالثًا: نعمة التبني لله الآب
الكلمة الإلهي هو الابن بالطبيعة، مولود من الآب، نور من نور، فيه ننال التبني لله الآب بالنعمة الإلهية. يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [تعالوا لتنالوا الختم السري حتى يعرفكم السيد بسهولة، وتكونون محصيين بين قطيع المسيح المقدس الروحاني، ويكون مكانكم عن يمينه، فترثوا الحياة المعدة لكم، أما هؤلاء اللابسون ثوب خطاياهم الدنس فيبقون عن يساره، إذ لم يأتوا بالمسيح إلى نعمة اللٌه في الميلاد الجديد بالمعمودية[306].]
ويقول القديس أثناسيوس الرسولي: [أمرنا الله أن نعتمد ليس باسم "الخالق والمخلوق"، بل باسم الآب والابن والروح القدس" (مت 28: 19)، لأننا إذ نحن من بين المخلوقات، نصير هكذا (بالمعمودية) مكتملين، وبهذا نصير أبناء[307].]
رابعًا: نعمة شركة الطبيعة الإلهية (2 بط 1: 4)
إخلاء كلمة الله ذاته ليحمل هيئتنا (في 2: 8) وهبنا إمكانية المجد الداخلي الفائق؛ هذا موضوع سرور الله، إذ يرى ملكوته قائمًا فينا، وموضوع سرور السمائيين، إذ يمجدون الله على غنى هذه النعمة الفائقة. يتجلى هذا المجد في أروع صورة يوم لقائنا مع العريس السماوي على السحاب، فنحمل صورته، ونُزف كعروس سماوية، ملكة تجلس عن يمين ملك الملوك. هذه هي نعمة شركة الطبيعة الإلهية العاملة في أعماقنا.
يقول القديس إكليمنضس السكندري: [يا للسر العجيب! الرب تنازل، والإنسان ارتفع. يقول الرسول: "ألا تعلمون أنكم هيكل الله" (١ كو ٣: ١٦). فالغنوصي (المؤمن صاحب المعرفة الروحية الحقيقية) بالتبعية إلهي، وقد صار بالفعل مقدسًا، حاملاً الله، ومحمولاً بالله[308].]
ويقول القديس أمبروسيوس: [من يتغير من الظلمة، ظلمة الخطية، إلى نور الفضيلة وإلى النعمة، إنما قد تجدد فعلاً. لهذا فإن من تلطخ قبلاً بالدنس الأحمق، يشرق الآن بسطوعه أكثر بياضًا من الثلج[309].]
كما يقول القديس غريغوريوس النيسي: [للطبيعة الإلهية أجنحة، لذلك الإنسان الأول الذي خُلق على صورة الله، شبيهًا له في كل شيءٍ (تك 26:1) خُلق بأجنحة حتى يكون شبيها بالطبيعة الإلهية. ويتضح أن كلمة "أجنحة" يمكن أن ترمز إلى الله. فهي قوة الله ونعمته وعدم فساده وكل شيءٍ آخر. نال الإنسان جميع هذه الصفات طالما كان على شبه الله في كل شيءٍ، ولكن ميلنا إلى الشر سلب منا الأجنحة. (فحرمنا من حماية أجنحة الله، بل نُزعت منا أجنحتنا الخاصة). لذلك ظهرت لنا نعمة وبركة الله، وأنارت عقولنا حتى تنمو لنا أجنحة من خلال الطهارة والبرً بعد أن ننبذ الشهوات الدنيوية ونتجه إلى الله بكل قلوبنا[310].]
خامسًا: نعمة اقتناء حياة المسيح ورائحته الذكية وسماته
أثمن ما يقدمه الرب لنا كنعمةٍ إلهية أنه قَدَمَ لنا حياته. يقول القديس إكليمنضس السكندري: [يا لسخاء ذاك الذي يعطينا أعظم كل العطايا، حياته ذاتها[311].] ويقول القديس غريغوريوس النيسي: [تشبَّه بولس العروس بالعريس في فضائله، وصوِّر بعطره الجمال الذي لا يُدنى منه. من ثمار الروح: الحب، الفرح، السلام وما شابه ذلك. صنع عطره، واستحق أن يصير "رائحة المسيح الذكية" (2 كو 15:2). لقد استنشق القديس بولس هذه النعمة الغير مدركة التي تجاوزت كل نعمةٍ، وأعطى نفسه لآخرين كرائحة ذكية ليأخذوا منها على قدر طاقتهم، حسب تدبير كل إنسانٍ. صار بولس الرسول عطرًا، إما لحياةٍ أو لموتٍ، فإننا إذا ما وضعنا العطر ذاته أمام (حشرة وطائر) خنفس وحمامة، فلن يكون له تأثير مماثل على الاثنين. فبينما تصير الحمامة أكثر قوة حين تستنشقه إذا بالخنفس يموت حينذاك. هكذا الحال بالنسبة للرائحة المقدسة، مع بولس الرسول العظيم الذي شابه الحمامة[312].]
يقول الأب دورثيؤس من غزة: [ليعطنا الرب الإله نعمة التواضع التي تقتلع الإنسان من أمراض كثيرة وتحفظه من تجارب كثيرة[313].] ويقول الأب بامبو: [بنعمة الله، منذ تركت العالم لم أنطق بكلمة واحدة ندمت عليها فيما بعد[314].] كما يقول العلامة أوريجينوس: [ليس شيء من هبات الله للبشرية قُدم على سبيل إيفاء دين بل الكل هو من خلال النعمة[315].]
يقول القديس إكليمنضس السكندري عن النعمة: [انظروا قدرة التسبحة الجديدة! لقد خلقت من الحجارة أناسًا، ومن الوحوش بشرًا! الذين كانوا أمواتًا، ليس لهم شركة في الحياة الحقيقية قد عادوا إلى الحياة مرة أخرى ببساطةٍ إنصاتهم إلى هذه التسبحة![316] [
سادسًا: نعمة ميراث ملكوت السماوات
غاية خلقتنا هي تمتعنا بالخلود مع الله أبينا، فيكون لنا نصيب في أحضانه الإلهية. هذا ما يشغل ربنا يسوع المسيح، محتملاً عار الصليب عوضًا عنا لننعم بنعمة الملكوت أبديًا. ولا يزال مسيحنا في السماء مشغول بميراثنا الأبدي.
يقول القديس أثناسيوس الرسولي: [في الدينونة، عندما ينال كل واحدٍ بحسب عمله، يقول: "تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المُعد لكم منذ تأسيس العالم" (مت 25: 34). كيف إذًا، أو بواسطة من أعد الملكوت قبل أن يخلقنا؟ إن لم يكن بواسطة الرب الذي به تأسيس قبل الدهور[317].]
ويقول القديس مرقس الناسك: [إذ أراد (الرب) أن يُظهر أنه بالرغم من التزامنا بكل وصيةٍ، لكنه يهب البنوة للبشر باستحقاق دمه، لذلك قال: "متى فعلتم كل ما أُمرتم به فقولوا إننا عبيد بطالون، لأننا إنما نعمل ما كان يجب علينا" (لو 10:17). هكذا فإن ملكوت السماوات هو هبة يعطيها الرب للعبيد المؤمنين، وليس جزاءً لأعمالنا.] كما يقول: [كل عملٍ صالحٍ نصنعه حسب قوتنا الطبيعية ينزعنا بالأحرى من (الأعمال الشريرة) المضادة، لكنه يعجز عن أن يجعلنا قديسين بدون النعمة.]
يرى القديس مار أفرآم أن النعمة تهب المجاهدين فرحًا وهم منطلقون إلى الفردوس. فإن كانت الحياة الفردوسية تظهر كجبلٍ شامخٍ أعلى من كل قمم الجبال، مع هذا فإن التعب خلال الصعود إلى الفردوس مُبهج، يسكب بهاءً، ويهب للمؤمن رائحة المسيح الذكية (2 كو 2 :15). هذا الصعود في حقيقته هو تحرك مستمر للنفس نهارًا وليلاً بالنعمة الإلهية. يبدو للبعض أن صعوده شاق، لأن وصاياه تبدو كأنها مستحيلة، لكنها تسمع صوته: "نيري هين (حلو)، وحملي خفيف" (مت 11: 30)، فتنطلق النفس محمولة على الأذرع الأبدية. يسكب مسيحنا بهاءه عليها، ويعطّر عروسه برائحته الذكية، ويتهلل السمائيون بها، لأنها أيقونة المسيح القدوس. يقول القديس مار أفرآم: [الصعود إلى الفردوس ليس شاقًا بالرغم من ارتفاعه، لأن الذين يرثونه لا يعانون من تعبٍ فيه. جماله مُبهج يغري الصاعدين. إنه فاتن وسط الأشعة، ومتألق. كله طيب الرائحة، عليه سحب مجيدة، ومظاله منصوبة لمن يستحقونه[318].]
يقول القدِّيس كيرلس الكبير: [لا تقلق وتيأس إذا أحسست بثِقل وطأة خطاياك السابقة، فإن رحمة المسيح واسعة المدى. لتكن خطيتك عظيمة إلاَّ أن رحمة المسيح أعظم، فبنعمته يتبرَّر الخاطئ، ويُطلق سراح الأسير. ولكن إعلم أن الإيمان بالمسيح هو الذي يؤهِّلنا لهذه البركات الخلاصية، لأن الإيمان هو طريق الحياة والنعمة. وفيه نسير إلى المخادع السماوية، حيث نرث ملكوت القدِّيسين الأبرار، ونصبح أعضاء في مملكة المسيح[319].]
جاء حديث القديس يوحنا الذهبي الفم عن الموعظة على الجبل يكشف عن غاية الوصية الإلهية. فالسيد المسيح يفتتح موعظته بالتطويبات (مت 5) ليتمتع المؤمنون بملكوت السماوات، ويبرز أُبوته للبشرية، ويعلن عن ملكوته المُعد للمؤمنين، بينما عندما أشار إلى جهنم، قال عنها: "المعدة لإبليس وملائكته" (مت 25: 41). فالوصية بالنسبة للمؤمن تَغرس بالنعمة الإلهية الفردوس في أعماق قلب الإنسان.
سابعًا: نعمة التمتع بمعرفة الحق الإلهي
خلق الله في الإنسان حنينًا نحو التعرف على الحق غير المتغير، فقدم السيد المسيح نفسه بكونه "الحق". من يقتنيه يتمتع بمعرفة الحق كنعمةٍ إلهيةٍ مجانيةٍ.
يقول القديس أثناسيوس الرسولي: [صرنا أبناء في الابن بالتبني والنعمة، لأننا نشارك في روحه، إذ أن "كل الذين قبلوه أعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله، أي المؤمنون باسمه" (يو 1: 12). ولهذا أيضًا فالابن هو الحق، إذ يقول: "أنا هو الحق" (يو 14: 6). وفي حديثه إلى الآب يقول: "قدسهم في حقك، كلامك هو حق" (يو 17: 17)، ونحن بالمحاكاة نصير خيرين وأبناء[320].] كما يقول: [حينما صار إنسانًا لم يكف عن أن يكون هو الله، ولم يستنكف من أمور الإنسان بكونه هو الله، بئس هذا الفكر... لأنه كما سأل أسئلة هكذا أيضًا أقام الميت، وأظهر للكل أن الذي يحيي الميت ويستدعي روحه، يعرف بالأكثر أسرار الجميع. إنه يعرف حقًا أين يرقد لعازر، ومع هذا يسأل (أين يرقد؟ يو 11: 34)، لأن لوغوس الله الكُلى القداسة، الذي احتمل كل شيءٍ لأجلنا، إنما قد فعل ذلك، حتى بأخذه جهلنا، يهبنا نعمة المعرفة، معرفة أبيه الحقيقي وحده، ومعرفته أنه هو الابن المُرسل لأجل خلاصنا جميعًا. فأية نعمةٍ أعظم من هذه النعمة؟[321]]
ثامنًا: نعمة الثبوت في الآب والابن
يقول القديس أثناسيوس الرسولي: ["بهذا نعرف أننا نثبت في الله وهو فينا أنه قد أعطانا من روحه" (1 يو 4: 13)، بنعمة الروح القدس التي أُعطيت لنا، نصبح نحن في الله وهو فينا، حيث أن المقصود هنا هو روح الله الذي من خلال مجيئه ليصير فينا، نُعتبر نحن أيضًا في الله والله فينا إذ لنا الروح... الابن كائن في الآب بصفته كلمته الذاتي وإشعاعه، بينما نحن بدون الروح القدس غرباء عن الله، بعيدون عنه. وبشركتنا في الروح نتحد بالله. لهذا نصير في الآب ليس من أنفسنا، بل من الروح القدس الذي فينا، والذي نحفظه ثابتًا فينا من خلال الاعتراف، كما يقول يوحنا أيضًا: "من اعترف أن يسوع هو ابن الله، فالله يثبت فيه وهو في الله" (1 يو 4: 15)[322].]
تاسعًا: نعمة الشبع والفرح
يقول القديس أمبروسيوس: [توجد دموع بمثابة خبزٍ، تقَّوى وتسند قلبَ الإنسان (راجع مز 104 :15)، ومقولة الجامعة المأثورة تناسب المقامَ هنا أيضًا "الِق خبزك على وجه المياه" (جا 11 :1 LXX)، لأن خبزَ السماء هناك، حيث مياه النعمة. حقًا أن أولئك الذين تتدفق من بطونهم أنهار ماء حيَّ (راجع يو 7: 38)، سوف ينالون عون الكلمة (الإلهي) وتعضيده، وقوتًا من نوعٍ سّري (باطني)[323].]
عاشرًا: نعمة النور
يقول القديس غريغوريوس النيسي: [تعبر النفس من الخطأ إلى الحق، وتتبدل صورة حياتها المظلمة إلى نعمة فائقة[324].] كما يقول: [عندما أضاءت نعمة الله وحكمته، وأرسل النور الحقيقي أشعته إلى من كانوا في الظلمة وظلال الموت، أغمضت إسرائيل عيونها للنور، ورفضت أية المشاركة في الخير. لكن الأثيوبيين (ملكة سبا) أسرعوا إلى الإيمان من بين الأمم (1 مل 1:10-3)، الذين كانوا بعيدين اقتربوا بعدما غسلوا أنفسهم من الظلمة بالمياه المقدسة. لقد اقتادهم الروح القدس إلى الله وقدموا هدايا للملك: بخور النسك والعبادة وذهب معرفة الله الملك وأحجارًا كريمة للوصايا وعمل الفضيلة[325].]
ويقول القديس مار يعقوب السروجي: [لتكن نعمتك يا رب الروح الحي، وضارب القيثارة الذي يلعب بأوتاري لتُخرج لحنًا لأجل تعليمك[326].]
الحادي عشر: النعمة والتمتع بغنى الفضائل
يقول القديس مار يعقوب السروجي: [أمسى عمانوئيل معنا بتنازله. أتى إلهنا وصار منا جسديًا، وجعلنا منه روحيين بالنعمة، وأعطانا حياته، لأنه أتى وصار منا[327].]
ويقول القدّيس أمبروسيوس: [شتَان بين روح العالم وروح النعمة، فالأولى تبدأ بالميلاد وتنتهي بالموت، أما الثانية فلا يحدّها الزمن ولا السنين، ولا يطفئ الموت شعلتها... إن من يقتني روح النعمة لا يعود يفتقر إلى شيءٍ، ومن نال الروح القدس بلغ قمة الفضائل.] كما يقول: [أعطاهم كل شيءٍ، لكن لا نلمس في هذه العطايا قوة إنسان بل نعمة الله هي العاملة[328].]
كما يقول القديس يوحنا كاسيان: [في كل فضيلة إذ نشعر بتقدم فيها ننطق بكلمات الرسول: "ولكن بنعمة الله أنا ما أنا" (1 كو 15: 10)، "الله هو العامل فينا (فيكم) أن تريدوا وأن تعملوا من أجل مسرته" (في 2: 13). إذ يقول مقدم خلاصنا نفسه: "الذي يثبت فيّ وأنا فيه هذا يأتي بثمر كثير، لأنكم بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا" (يو 15: 5). كما قيل: "إن لم يبنِ الرب البيت فباطلاً يتعب البناؤون، وإن لم يحرس الرب المدينة فباطلاً يتعب الحراس" (مز 126: 1-2)[329].]
يقول الأب موسى: [لا توجد فضيلة واحدة يمكننا أن نحصل عليها بمجهودنا البشري ما لم تعيننا النعمة الإلهية. ونحن نرى في الكتاب المقدس أن التمييز حُسب ضمن مواهب الروح، إذ يقول الرسول: "فإنه لواحد يُعطى بالروح كلام حكمة ولآخر كلام بحسب الروح الواحد، ولآخر إيمان بالروح الواحد، ولآخر مواهب شفاء بالروح الواحد... ولآخر تمييز الأرواح" (1 كو 12: 8-10)... لقد رأيتم إذن كيف أن موهبة التمييز ليست موهبة أرضية، ولا هي بالأمر الهيّن، إنما هي عطية عُظمى تهبها النعمة الإلهية. إن لم يسعَ الإنسان[330] بكل حماس نحو التمييز... حتمًا يخطئ ويصير كمن هو في ظلمة الليل وحلكة الظلام، ولا يسقط فقط في الأشراك والأهواء، بل ويخطئ حتى في الأمور السهلة... يُعَلم التمييز أن يسير الإنسان في الطريق الملوكي، من غير أن يسمح له بالتطرف اليميني في الفضيلة، أي المغالاة وتجاوز حدود الاعتدال في جسارةٍ ووقاحةٍ، كما لا يسمح له بالكسل... فلا يستطيع أحد أن يشك في أنه متى كان "الحكم في الأمور" في القلب خاطئًا، أي كان القلب مملوء جهلاً، تكون أفكارنا وأعمالنا، التي هي ثمرة التمييز والتأمل، في ظلام الخطية العظمى[331].]
ويقول القديس يوحنا كاسيان: [هكذا إذ يعلم الرسول بولس أن كل كنوز غنى السماء توجد في المسيح بحقٍ يكتب إلى الكنائس: "نعمة ربنا يسوع المسيح تكون معكم".[332]]
ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يرى البعض أن منازلهم التي يقيمون فيها هي مملكتهم، وبالرغم من علمهم أن الموت محتم، وأنه يومًا ما سيجبرهم على تركها، ففي قلوبهم يشعرون أنهم يمكثون إلى الأبد... أما نحن فعلى النقيض، نعلم أننا ضيوف نعيش مؤقتًا على الأرض. ندرك أن المنازل التي نقطنها هي بمثابة فنادق على الطريق إلى الأبدية. لا ننشد سلامًا أو أمنًا من الحوائط المادية من حولنا أو الأَسقف فوق رؤوسنا. بل بالحري نريد أن نحيط أنفسنا بحوائط النعمة الإلهية. ونتطلع إلى السماء عاليًا كسقفٍ لنا. أما الأثاث في حياتنا فيجب أن تكون أعمالاً صالحة، نعملها بروح الحب.]
الثاني عشر: التمتع بأمومة النعمة
يقول القديس مار يعقوب السروجي: [النعمة التي تبني العالم هي أم رحوم، تهتم به، كالوالدة بطفلها، ولا تقدر أن تتركه. المرأة لا تترك جنينها، والطفل بدوره يظن أنه لا توجد امرأة أخرى في العالم إلا تلك التي تُرضعه[333].] كما يقول: [أصبحت النعمة أما للأرض... فتضرعت إلى الرب قائلة: كفى الأرض هذا الجنون! انزل ونجها من الضلال. دخل طلب النعمة أمام العزة الإلهية التي أرسلت الطبيب الرحيم إلى المرضى[334].] وأيضًا: [شيدت النعمة - أم المراحم - العالم، وهي تحمله، لو تركته سيسقط. تبسط الدجاجة جناحيها على صغارها لتجمعهم وتحميهم وتحافظ عليهم. إنها ترسم مثالاً للاهوت الذي بسط مراحمه على الخلائق مثل جناحيها[335].]
الثالث عشر: النعمة دواء الخطاة
يقول القديس مار يعقوب السروجي: [اختار الله سليمان الملك وأعطاه التاج والمجد ووهبه الحكمة... ولأنه بإرادته سقط على أيدي الناس وحاد قلبه. لم يمنعه الرب من أن يحيد. ابتعدت عنه النعمة التي كانت ساكنة فيه عندما سقط. لكن حفظت النعمة تاجه عندما حاد فسقط هو، أما تاجه فقد حُفظ من السقوط. قدم الذبائح إلى الآلهة (الوثنية) كما أراد، ولم يمنعه الرب من تقديمها، لأنه حرّ. لو منعه لكانت حريته تُقهر. ولو أجبره قسرًا لكان بلا استحقاق. إن الله يحفظ المجد للبشر ويهتم بهم كثيرًا بدافع مراحمه، لكي يتمكنوا من وجود ذواتهم. لو حفظ سليمان الملك من السقوط، ماذا كان يستفيد لأنه جَّنبه من أن يسقط قسرًا؟ وعندما سقط لم يأخذ منه المُلك ولا العظمة ولا الغنى ولا الرئاسة. هكذا تصرف (الله) من جانبه، أما أن يحيد أو لا يحيد فهذا كان من شأن (سليمان)... بشخص سليمان أرهب الحكماء، وبيهوذا افزع التلاميذ... وبسقوط شمشون النذير أفزع الجبابرة... هذه هي الأسباب التي جعلت المختارين يستطيعون. ومن يخف من السقوط، يلزمه أن يبغض هذه الأسباب[336].]
ويقول القديس أمبروسيوس: [يا لي من إنسان شقي ما لم أطلب الدواء... لنا طبيب، فلنطلب الدواء. دواؤنا هو نعمة الله، وجسد الموت هو جسدنا... فإننا حتى وإن كنا في الجسد لكننا ليتنا لا نتبع أمور الجسد... إنما نطلب عطايا النعمة: "أن أنطلق وأكون مع المسيح ذاك أفضل جدًا، ولكن أن أبقى في الجسد ألزم من أجلكم." (في 1: 23-24)[337]]
يقول القدّيس البابا أثناسيوس الرسولي: [هذه هي نعمة الله، وهذه هي طرق الله في إصلاح بني البشر، فإنه تألم ليحرّر الذين يتألّمون فيه، نزل لكي يرفعنا، قَبِلَ أن يُولد حتى نحب ذلك الذي هو ليس (بإنسان مولود عادي)، نزل إلى حيث (الموت) ليهبنا عدم الموت، صار ضعيفًا لأجلنا حتى ننال قوة... أخيرًا صار إنسانًا حتى نقوم مرة أخرى نحن الذين نموت كبشر، ولا يعود يملك الموت علينا، إذ تعلن الكلمات الرسولية قائلة: "لا يسود علينا الموت بعد" (رو 6: 9، 14)[338].]
الرابع عشر: بالنعمة نتحدى الملائكة الأشرار
يقول القديس أغسطينوس: [ليس شيء ينقذ الإنسان من قوة الملائكة الأشرار هذه سوى نعمة الله التي يتحدث عنها الرسول: "الذي أنقذنا من سلطان الظلمة، ونقلنا إلى ملكوت ابن محبته". قصة إسرائيل توضح هذه الصورة، عندما أُنقذوا من قوة المصريين ونقلوا إلى ملكوت أرض الموعد التي تفيض لبنًا وعسلاً إشارة إلى عذوبة النعمة[339].]
الخامس عشر: النعمة والتمتع بعطية الروح القدس
كثيرًا ما شغل منظر عماد السيد المسيح قلب القديس كيرلس الكبير، فرأى الكنيسة في المسيح الرأس بكونها جسده. فمع أن الروح القدس هو روحه الذي لا ينفصل عنه، لأنه واحد معه في الجوهر، لكنه حلّ عليه في العماد، من أجل تمتع الكنيسة به. قدم لنا نعمة الروح القدس الذي يبكتنا على الخطية، ويدين عدو الخير الذي يود هلاكنا، ويهبنا برّ المسيح. يقدم لنا الحق، أي السيد المسيح، ويجدد طبيعتنا، ويقودنا في الطريق، الذي هو المسيح (يو 14: 6)، ويوَّحدنا في استحقاقات دم المسيح مع الآب، ويهبنا شركة مع السيد المسيح ومع السمائيين ومع بعضنا البعض.
يقول القديس أثناسيوس الرسولي: [هكذا أيضًا توضح عبارة داود في مز 44: 7-8 أنه ما كان لنا أن نصير شركاء الروح القدس ولا أن نتقدس لو لم يكن اللوغوس المتجسد واهب الروح قد مسح نفسه بالروح لأجلنا... وإذ قيل عنه كإنسان، إن جسده قد نال هذا (الروح)، فلأجل هذا ننال نحن نعمة الروح آخذين إياها "من ملئه"[340].]
كما يقول القديس أمبروسيوس: [يسكب (الروح) حسبما يكفينا، وما يسكبه لا ينفصل ولا ينقسم، أما ما هو له فهو وحده الكمال الذي به ينير بصيرة قلوبنا حسب قدرتنا على الاحتمال. أخيرًا نحن نتقبل حسب ما يطلبه ذهننا. من أجل كمال نعمة الروح غير المنظور، ولكنه يساهم فينا حسب إمكانية طبيعتنا[341].]
يقول القديس أغسطينوس: [عندما تسمع القول "فإن الخطية لن تسودكم" (رو 6: 14) لا تثق في نفسك أنها لا تسود عليك، بل ثق في الله الذي يتوسل إليه قديس قائلاً: "ثبت خطواتي في كلمتك ولا يتسلط عليً إثم". (مز 119: 133)، ولئلا عند سماعنا: "الخطية لا تسودكم" ننتفخ، وننسب ذلك إلى قوتنا الذاتية، أردف الرسول، قائلاً: "لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة" (رو 6: 14). فالنعمة هي التي تنزع تسلط الخطية عنا. فلا تثق في ذاتك لئلا تتسلط عليك بصورة أشد. وعندما نسمع القول: "إن كنتم بالروح تميتون أعمال الجسد فستحيون" (رو 8: 13) لا ننسب هذا العمل إلى أرواحنا نحن كأنها قادرة على ذلك. ولكيلا نقبل هذا الإحساس الجسدي فتميت الروح عوض أن تميت هي أعمال الجسد، أضاف للحال: "لأن كل الذين ينقادون بروح الله فأولئك هم أبناء الله" (رو 8: 14). فلكي نميت أعمال الجسد بروحنا، يلزمنا أن ننقاد بروح الله واهب العفة، التي بها نقمع الشهوة ونغلبها ونروضها[342].]
يقول القديس غريغوريوس النزينزي: [مبارك هو من يزرع بجانب المياه، فإن هذه النفس تُحرث وتُسقى ويطأها الثور والحمار بعدما كانت جافة بلا مطر (إش 20:32)، وذليلة بلا سبب. مبارك هو ذاك الذي كان "وادي السنط" (يوئيل 18:3). يُسقى من بيت الرب فيصير بكرًا وينتج طعامًا للإنسان عوض الجفاف وعدم الإثمار... لهذا يليق بنا أن نحرص ألا نفقد النعمة[343].]
السادس عشر: النعمة والتمتع بالسلام
يقول القديس جيروم: [ما دمنا في حالة نعمة تكون نفوسنا في سلام، لكن ما أن نبدأ نلهو مع الخطية حتى تسقط نفوسنا في ارتباك، لتصير كقارب تخبطه الأمواج[344].] كما يقول القديس مرقس الناسك: [عندما يصنع إنسان خيرًا لآخر، بكلمة أو عمل، فليعلم أن ذلك يتم بنعمة الله.]
السابع عشر: الفردوس ومياه النعمة
يتطلع مار أفرآم إلى مياه النعمة الإلهية التي تُعلن بالأكثر في الفردوس، حيث نتمتع بالفكر السماوي. إنه القدير المحب الذي بإرادته حصر المياه على الأرض كبحارٍ وأنهارٍ وقنوات، كما حصرها في السحب بقدرته. كم بالأكثر يهبنا حياة النعمة بفيضٍ، غير أننا بانحصارنا في الأرضيات نحصر عمل النعمة العجيب. إنه يقول: [بالحقيقة إرادة ذاك الذي لا يستحيل عليه شيء، ألجمت ينابيع الفردوس الغزيرة، حصرتها في الأرض كقنوات المياه. أمرها أن تفيض تجاهنا... (أم ٣٠: ٤). في حضن سُحُبه حُصرت المياه، وانتشرت في الفضاء بقدرة مشيئته[345].]
9 سقوط الإنسان[346]
1. لماذا لم يستبعد الله الشيطان؟
الله محبة، وفي حبه لم يبخل على آدم في شيءٍ، بل قدم له كل ما أمكن لسعادته، حتى يحيا في ملء السلام، مغمورًا بالحب الإلهي من كل جانب. لكن يتساءل الكثيرون: لماذا سمح الله للشيطان، العدو المخادع، أن يجرب حواء وآدم ويمتحنهما؟! ولماذا لا يزال يسمح للشيطان المُجرب، والعالم بمغرياته وآلامه، وللجسد بشهواته ورغباته، أن تحارب النفس البشرية؟
يمكننا القول إن السماح للشيطان أن يجرب حواء وآدم، هو لمسة من لمسات حب الله لهما. فبوجود هذه الحرب يعلن الله سلطان الإنسان وتقديره له، إذ وهبه حرية الإرادة. لو أن الله قدم لنا كل حبٍ، ووهبنا ما نحتاج إليه، وتركنا ننعم في الفردوس بغير مُجربٍ، لكُنا أشبه بقطع الشطرنج التي يحركها اللاعب. وعندئذ تصير الحياة بلا طعم، والفردوس بلا جمال، لعجزنا عن تقديم حب متبادل مع الله بإرادة حرة.
يقول العلامة ترتليان: [قدم الله فرصة للصراع، إذ كان يمكن للإنسان أن يحطم عدوه (الشيطان) بنفس الحرية التي بها استسلم له... وهكذا أيضًا يصير الإنسان مستحقًا لنوال خلاصه بالنصرة (بنعمة الرب)، ويصير في نفس الوقت للشيطان عقوبة أشد، بالرغم من نوال الإنسان نصرة بذاك الذي سبق فأضره (أي بغلبته على الشيطان). وفي نفس الوقت يُظهر صلاح الله بصورة أعظم، حيث ينتقل الإنسان بعد حياته الحالية إلى فردوسٍ مجيدٍ، مع حقه في جني ثمرة شجرة الحياة.]
2. هل يقدر الشيطان أن يؤذيك؟!
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [قد يقول قائل: ألم يؤذِ الشيطان آدم، إذ أفسد كيانه، وأفقده الفردوس؟ لا، إنما السبب في هذا يكمن في إهمال من أصابه الضرر، ونقص ضبطه للنفس، وعدم جهاده. فالشيطان الذي استخدم المكائد القوية المختلفة لم يستطع أن يُخضع أيوب له، فكيف يقدر بوسيلة أقل أن يسيطر على آدم، لو لم يقدر آدم أن يسيطر بنفسه على نفسه؟! ماذا إذن؟ ألا يصيب الأذى من يتعرض للافتراءات ويقاسي من نهب الأموال، فيُحرم من خيراته، ويُطرد من ميراثه، ويناضل في فقرٍ فادحٍ؟ لا، بل ينتفع إن كان وقورًا، لأنه هل أضرت هذه الأمور الرسل؟ ألم يجاهدوا دائمًا مع الجوع والعطش والعري؟! وبسبب هذه الأمور صاروا مُمجَدين ومشهورين وربحوا لأنفسهم معونة أكثر من الرب؟![347]] [لا نخشى شيئًا، فإننا لكي نقهر الشيطان يلزمنا أن نعرف أن مهارتنا لن تفيد شيئًا، وأن كل شيءٍ هو من نعمة الله[348].]
[لا يهزمنا الشيطان بالقوة أو بالسلطان أو بالعنف، وإلا لدُمر البشرية كلها. هذا واضح من حادثة الخنازير (مت 8: 31)، إذ لم تستطع الشياطين أن تدخل فيها إلا بعد استئذان السيِّد.]
3. كيف لا نرهب الشيطان؟
أ. كرامة الغالبين أعظم من خزي المغلوبين. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [الذين غلبوا إبليس لهم كرامة أفضل بكثير من المغلوبين، حتى ولو كان المغلوبون كثيرين والأولون قليلين، إذ قيل: "واحد يتقي الرب خير من ألف من المنافقين" (سيراخ 16: 3)[349].]
ب. وراء أذية المغلوبين كسلهم لا الشيطان. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لو اُستبعد الشيطان من العالم، تُجرح كرامة المنتصرين. لكن لو تُرك الشيطان، فإن الكسالى وذوي البطر لا يتأذون على حساب المتيقظين، إنما بسبب بطرهم وكسلهم. بينما لو اُستبعد الشيطان عن العالم، فإن المتيقظين يحزنون على حساب المتهاونين، حيث لا تظهر قوتهم ويُحرمون من الإكليل[350].]
ج. تهاون الإنسان جعل الشيطان يُدعى "مُضلاً". يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [هنا أيضًا أتعرض لتوضيح آخر حتى نتعلم أن التراخي والكسل هما اللذان يصرعان غير المنتبهين وليس إبليس[351].]
د. هل نستبعد الخليقة الجميلة أيضًا؟ يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ماذا نقول عن الخليقة الجميلة والعجيبة؟! هل الخليقة شريرة أيضًا؟ من هو هذا الشرير والغبي الذي يجرؤ ويدين الخليقة؟! الخليقة جميلة وهي علامة حب الله وحكمته وقوته. لنستمع إلى النبي الذي يتعجب، قائلاً: "ما أعظم أعمالك يا رب. كلها بحكمة صُنعت" (مز 104: 24)... ولنستمع إلى القديس بولس الرسول، الذي يقول: "لأن أموره غير المنظورة تُرَى منذ خلق العالم مُدرَكة بالمصنوعات قدرته السرمدية" (رو 1: 20). فكل شيءٍ من أمور هذه الخليقة – كما يقول الرسول – تقودنا إلى معرفة الله. والآن إن رأينا نفس هذه الخليقة الجميلة والعجيبة تصير سببًا لشر الإنسان، فهل نلومها؟ حاشا! بل نلوم الذين لم يستطيعوا استخدام الدواء استخدامًا صائبًا. إذًا متى تصبح الأمور التي تقودنا إلى معرفة الله علة شرنا؟ يقول الرسول، إن الحكماء "حمقوا في أفكارهم... وعبدوا المخلوق دون الخالق" (رو 1: 21-25)... لأنه ماذا يقول؟ هل ننزع الخليقة أيضًا؟![352]
ه. وهل نستبعد أعضاءنا أيضًا؟ يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لنترك الخليقة ونأتي إلى أعضائنا، فحتى هذه نجدها سببًا في هلاكنا، إذا لم نأخذ حذرنا. وهذا ليس عن طبيعة الأعضاء، بل بسبب تراخينا أيضًا. لقد وهبنا عيونًا نعاين بها الخليقة، فنمجد السيد الرب. ولكن متى نسيء استخدامها، تصير خادمة للزنا. وقد أُعطينا اللسان لنُعَلِّم حسنًا، ونُسَبِّح الخالق، فإذا لم نحترز لأنفسنا، يصير علة تجديف. وأخذنا الأيادي لنرفعها في الصلوات، لكننا إذًا لم ننتبه، نجدهما تعمل في الطمع والجشع. ووُهبنا الأقدام لتسير في الصلاح، وبإهمالنا تتسبب في أعمال شريرة[353].]
و. حتى الصليب عند الهالكين جهالة. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [بالتأكيد لا يوجد شيء يؤدي بنا إلى الخلاص أكثر من الصليب. لكن هذا الصليب صار جهالة للهالكين: "لأن كلمة الصليب عند الهالكين جهالة، أما عندنا نحن المخلصين فهي قوة الله" (1 كو 1: 18). ويقول أيضًا: "ولكننا نحن نكرز بالمسيح مصلوبًا لليهود عثرة ولليونانيين جهالة" (1 كو 1: 23)[354].]
ز. صار الرسل رائحة موت لكثيرين. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [والرسل صاروا رائحة موت لكثيرين. من يقدر أن يُعَلِّم أفضل من القديس بولس والرسل؟! لكنهم صاروا رائحة موت لكثيرين. إذ يقول الرسول بولس: "لهؤلاء رائحة موت لموتٍ، ولأولئك رائحة حياة لحياةٍ" (2 كو 2: 16). الضعيف (الرافض) يؤذيه حتى الرسول بولس، وأما القوي فلا يقدر أن يؤذيه حتى إبليس؟![355]]
ح. في المسيح تعثّر كثيرون. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لننتقل بحديثنا إلى يسوع المسيح نفسه. من يقدر أن يقدِّر خلاصه؟! ما أكثر النفع الذي جنيناه من حضوره معنا! لكن هذا المجيء المبارك بعينه صار علة دينونة لكثيرين. "قال يسوع: لدينونة أتيت أنا إلى هذا العالم، حتى يبصر الذين لا يبصرون، ويعمى الذين يبصرون" (يو 9: 39). ماذا نقول يا إخوتي: هل يصير النور سببًا في العمى؟! ليس النور بل الشر الذي ملأ عيون النفس، فحجب عنها معاينة النور[356].]
ط. استفد من إبليس. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يمكن أن نتعلم هذا من القديس بولس الرسول، إذ يكتب بخصوص الزاني قائلاً: "أن يُسلم مثل هذا للشيطان لهلاك الجسد لكي تخلُص الروح" (1 كو 5: 5). انظروا حتى الشيطان، قد صار سبب خلاص، لا بطبيعته ولكن بمهارة الرسول كالطبيب الذي يُحضر حية ويستخرج منها دواءً... لذلك لا نخاف الشيطان بالرغم من كونه روحًا بغير جسد. فليس شيء أضعف من ذاك الذي جاء بهذه الكيفية أنه غير جسدي، ولا شيء أقوى من الشجاع ولو كان يحمل جسدًا قابلاً للموت![357]]
4. هل أُبرِّئ الشيطان؟
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لنعرف جراحاتنا، وعندئذ يمكننا أن نستخدم الأدوية، لأن من يعرف مرضه لا يبالي بضعفه. إننا نخطئ كثيرًا، هذا أعرفه جيدًا، لأننا جميعًا مستحقون العقوبة، لكننا لا نُحرم من العفو، ولا نُستبعد عن التوبة، إذ لا نزال قائمين كمن في مسرحٍ للمصارعة وفي صراع للتوبة[358].]
5. لماذا لم يخدعكم الشيطان؟
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لقد بدأنا أول أمس في الوعظ بخصوص "الشيطان"... وبينما كنا نبدأ في الوعظ، ذهب البعض إلى المسارح يشاهدون عروض الشيطان. لقد كانت لهم شركة في الأغاني الخليعة، أما أنتم فكنتم تشتركون في الموسيقى الروحية. كانوا يأكلون من نفايات الشيطان، أما أنتم فكنتم تتغذون بدسمٍ روحيٍ. أسألكم من الذي خدعهم؟ من الذي فصلهم عن القطيع المقدس؟... فالشيطان شرير، وأنا أسلم بهذا. لكنه شرير بالنسبة لذاته، وليس بالنسبة لنا مادمنا حذرين. لأن هكذا هي طبيعة الشر. إنها مهلكة للذين يتمسكون بها وحدهم[359].]
6. أليس انحراف الهدف هو الذي يؤذي الإنسان؟
إنك المخلوق الإلهي الذي وهبك الله سلطانًا على نفسك وحرية لإرادتك، فلا يستطيع شيطان ولا خليقة ما ولا سيف ولا فقر ولا قوة ما أن تؤذيك ما لم تؤذِ نفسك بنفسك!
أ. الاختلاف بين الخراف والجداء. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [بالحقيقة لماذا هؤلاء خراف وأولئك جداء؟! لا لكي نتعلم وجود فارق في طبيعتهم، بل بسبب اختلاف الهدف... كلا الفريقين أناس متشابهون (كبشرٍ)، وكلاهما نالا نفس الوعود، ووُضعت المكافأة للجميع ليصنعوا خيرًا... إن كل الأمور مشابهة بالنسبة لهؤلاء أو أولئك. فلماذا لم تكن النهاية واحدة؟ لأن الهدف (ليس واحدًا)[360].
ب. الاختلاف بين العذارى الحكيمات والجاهلات. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [قيل بأنه يوجد عشر عذارى (مت 25). هنا أيضًا توجد أهداف مستقيمة وأخرى خاطئة، كلاهما بجوار بعضهما جنبًا إلى جنبٍ، خطايا البعض والأعمال الصالحة للآخرين... ألا ترى أن الهدف وليس الشيطان هو الذي قرر مصيرهم[361].
ج. بين ملكة سبأ واليهود الجاحدين. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لو لم يكن لهؤلاء أن يدينوا ما قال عنهم إنهم يدينون هذا الجيل، وما قال بأن ملكة التيمن (الجنوب South) ستدين اليهود (لو 11: 31)، لأنه ليس فقط سيدين شعب شعبًا، بل ويمكن لإنسان أن يدين شعبًا. وذلك عندما لا ينخدع إنسان كان يمكن أن يُخدع، بينما أولئك كان يمكنهم أن ينتفعوا ويرجعوا إذا بهم يرفضوا[362].]
7. هل الظلم يؤذيك؟
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ماذا إذن؟! ألاَّ يُصاب بالأذى من يتعرض للافتراءات، ويقاسي من نَهْبِ الأموال، فيُحرَم من خيراته، ويُطرَد من ميراثه، ويناضل في فقرٍ فادحٍ؟! لا، بل ينتفع إن كان وقورًا. لأنه هل أضرّت هذه الأمور الرسل؟ ألم يجاهدوا دائمًا مع الجوع والعطش والعُري؟! وبسبب هذه الأمور صاروا مُمّجَّدين ومشهورين وربحوا لأنفسهم معونة أكثر من الرب؟![363]]
8. هل الأذى يصيب الظالم أم المظلوم؟
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ما أكثر شقاء تلك المرأة التي لفيلبس (مت 14: 3)، حيث قطعَتْ رأس يوحنا؟ وما أعظم شقاء إخوة يوسف الذين باعوه للغرباء وأرسلوه إلى أرض غريبة؟! وشقاء الشيطان الذي ضايق أيوب بهذه النكبات العظيمة؟! لأنه لا يدفع حسابًا عنيفًا عن شروره فحسب، بل وبسبب ما فعله بأيوب أيضًا...
وماذا أقول عن القديس بولس الرسول، ألم يحتمل أحزانًا كثيرة لا يُمكن احصائها؟!... يكفي أن أقول إنه كان يموت كل يومٍ. وبالرغم من هذه الآلام المبرحة، لم ينطق بكلمة تجديف، بل أكثر من هذا في وسط هذه كان فرحًا مفتخرًا، بها. إذ يقول: "أفرح في آلامي" (كو 1: 24). ومرة أخرى: "وليس ذلك فقط، بل نفتخر أيضًا في الضيقات" (رو 5: 3). لقد كان فرحًا في أثناء تعذيبه بهذه الضيقات الشديدة، مفتخرًا بها[364].]
9. هل الفقر يؤذيك؟
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [قد يقول قائل: إن الفقر يجعل الناس متضجرين، وغالبًا ما يدفعهم إلى النطق بكلمات تجديف، وينزل بهم إلى الأعمال الدنيئة. ليس الفقر هو الذي يفعل بالإنسان هكذا، بل دناءة النفس. لأن لعازر كان فقيرًا، نعم كان فقيرًا جدًا، ويعاني بجانب فقره من ضعف جسدي أقسى بكثير من الفقر في أية صورة من صوره، الأمر الذي جعل فقره قاسيًا جدًا (لو 16: 20-21). وبجانب هذا الضعف أيضًا، كان محرومًا تمامًا من الذين يعولونه، مع صعوبة إيجاد أية مئونة لسد أعوزاه، الأمر الذي ضاعف منن
مرارة فقره وضعفه... ورغم هذا كله، فإن شيئًا من هذه الأمور لم تؤذِ لعازر، إذ لم ينطق بكلمة قاسية، ولا تكلَّم بحديثٍ دنيءٍ، إنما كان كقطعة الذهب التي تشع ببريقٍ أعظم كلما تنقت بنار متزايدة. بالرغم من هذه الضيقات، إلاّ أنه تسامى عليها وعلى ما تنتجه هذه الأمور من هياجٍ[365].]
10. هل الموت يقدر أن يؤذيك؟
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لماذا أتحدَّث عن النفي في أرضٍ غريبةٍ، أو الفقر أو تشويه السمعة أو الأسر، فأي ضرر أصاب هابيل بموته، مع أنه مات موتًا عنيفًا، في غير أوانه، وبيديّ أخيه؟! أليس بسب هذا صارت سمعة هابيل تجوب المسكونة كلها؟![366]]
11. ما هو موقف الثلاثة فتية؟
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [هل فسدت فضيلة "الثلاثة فتية" بسبب المتاعب التي حلَّت بهم؟ بالرغم من صغرهم... ألم يخضعوا للأسر المؤلم الخطير؟ ألم يُقصوا بعيدًا جدًا عن بلدهم؟... ألم يُحرَموا من بلدهم وبيوتهم وهيكلهم ومذبحهم وذبائحهم وتقدماتهم حتى من أدوات الترتيل بالمزامير؟!... ألم يُسلَّموا في أيادٍ همجية هم ذئاب أكثر منهم بشر؟
لم يبالوا بالسلطان القاسي المطلق، مع أنه كان لديهم ما يبررون به طاعتهم له، لكنهم قدَّموا نصيحة ورأيا مناسبًا حتى يتجنبوا الخطية رغم تجريدهم من كل شيءٍ...
ربطهم نبوخذنصر، وألقى بهم في الأتون، لكنه لم يستطع أن يحرقهم، بل بالعكس أفادهم وردهم ممجدين... فإن كان السبي والعبودية... لم يقدرا أن يفسدا الفضيلة الداخلية للثلاثة فتية المأسورين (دا 3)، المستعبدين، الغرباء... بل صارت مقاومة الأعداء بالنسبة لهم بالحري فرصة لنوال ثقة (إيمان) أعظم، فأي شيء يمكن أن يضر الإنسان الضابط لنفسه؟ لا شيء يضره، ولو قام العالم كله في جيوشٍ ضده... كان الله واقفًا معهم، وحماهم من النيران. بالتأكيد هذا حدث، فإن قمتَ أنت بواجبك قدر قوتك، فإن العون الإلهي حتمًا سيرافقك[367].]
12. ماذا احتمل أيوب المجرب؟ (للقديس يوحنا الذهبي الفم)
1. افتقر أكثر من الشحاذين.
2. احتمل الآلام الجسدية.
3. احتمل موت أولاده.
4. احتمل سخرية المقربين إليه، زوجته وأصدقائه.
5. احتمل أهوال الليل.
13. كيف جلب علينا أكل آدم وحواء من شجرة معرفة الخير والشرّ الموت؟
لأنهما عصيا الله ولم يطيعا وصيته، فانعزل الإنسان عن الله وحُرم من نعمته وتغرب عن حياة الله وعن قداسة الله القدوس.
14. لماذا دُعيت الشجرة "شجرة معرفة الخير والشر"؟
دُعيت هكذا لأنه إن أطاع الإنسان الله تصير شجرة معرفة الخير، وإن عصى وصية الله تصير شجرة معرفة الشر.
15. ما هو الموت الذي حلّ على آدم وحواء بسبب عصيانهما الله؟
حلّ موت مضاعف عليهما: موت الجسد بانفصاله عن النفس مصدر حياة الجسد، وبالتالي يفقد الجسد حواسه وينحل. أما النفس إذ تموت بالخطية تفقد النور الروحي والفرح الداخلي والسلام الإلهي والسعادة، لكنها لا تنحل كالجسد، بل تبقى في ظلمةٍ وألمٍ ومرارةٍ.
حلّ أيضًا الفساد بنسلهما وصاروا قابلين للموت. يقول الرسول بولس: "من أجل ذلك كأنما بإنسانٍ واحدٍ دخلت الخطية إلى العالم، وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع" (رو ٨: ١٢).
16. لماذا لم يسمح الله لآدم وحواء بالأكل من شجرة الحياة؟
بسقوط الإنسان في عصيان الوصية صار عارفًا للشر، وساقطًا تحت سلطانه، وأصابه الفساد، وخضع للموت وطُرِدَ من الجنة. ومن محبة الله للإنسان أنه لم يسمح له بالأكل من شجرة الحياة وهو على هذا الحال المؤلم، لأنه إذا أكل منها وهو على هذا الحال فسيحيا إلى الأبد هكذا، أي يبقى في الموت والفساد إلى الأبد. لذلك قال الرب: "والآن لعلَّه يَمُدُّ يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضًا ويأكل ويحيا إلى الأبد". وكلمة "الآن" يُقصَد بها هنا وقت ما بعد السقوط، وما وصل إليه الإنسان من فساد وموت. من جانبٍ آخر، بالسقوط صار محكومًا على الإنسان بالموت، أي بالحرمان من الحياة. وبالتبعية صار محرومًا من الأكل من شجرة الحياة التي في وسط الجنة، فأقام الله الكروبيم ولهيب سيفٍ مُتقلِّبٍ لحراسة طريق شجرة الحياة.
الآن بعد تجسد الكلمة نقول مع القديس يوحنا الرسول عن ربنا يسوع: "الذي كان من البدء الذي سمعناه، الذي رأيناه بعيوننا، الذي شاهدناه، ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة. فإن الحياة أُظهِرَت، وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبدية التي كانت عند الآب وأُظهِرَت لنا." (1 يو 1: 1-2). لذلك عاد الإنسان ليأكل من شجرة الحياة الحقيقية، مرَّةً أخرى، من خلال سرِّ الإفخارستيا الذي فيه نأكل جسد ربنا يسوع المسيح ونشرب دمه المبذول عنا، هذا السرُّ الذي بواسطته نُعطَى خلاص وغفران للخطايا وحياةً أبديةً لكل مَنْ يتناول منه.
جاء الابن الكلمة متجسدًا حتى تسمعه مع يوحنا وبقية التلاميذ ينادي الخطاة والعشارين بأسمائهم مترفقًا بهم بلا عتاب أو توبيخ. تسمعه بأذنين نقيتين يغفر لك خطاياك، مصالحًا إياك مع أبيه، دافعًا ثمن المصالحة: دمه الثمين. وتشاهده يبحث عنك كراعٍ صالحٍ وأبٍ حقيقيٍّ. يذهب بإرادته إلى الصليب ويُفتح جنبه حصنًا وسترًا لك، ترى فيه الأحشاء الملتهبة حبًا لك. تراه قائمًا من بين الأموات، صاعدًا إلى السماوات، فيرتفع قلبك به ومعه ويستقر فيه، لتكون حيث هو جالس. وتلمسه مع أمه العذراء مريم فتشتاق إليه، مقدمًا نفسك عروسًا بتولاً عذراء نقية له، وتلمسه مع تومًا معترفًا بألوهيته وربوبيته. تلمس قدميه مع المرأة الزانية، وتغسلهما بدموعك. فلا يستنكف منك بل يطوِّبك ويباركك. لا يرفض لمسات يدك ولا يستخف بدموعك، بل يحرص عليها كجواهرٍ ثمينةٍ لديه. إنه شجرة الحياة التي صارت لنا.
كما جاء في سفر الرؤيا: "مَنْ يغلب فسأعطيه أن يأكل من شجرة الحياة التي في وسط فردوس الله." (رؤ 2: 7) وأيضًا: "طوبى للذين يصنعون وصاياه لكي يكون سلطانهم على شجرة الحياة، ويدخلوا من الأبواب إلى المدينة، لأن خارجًا الكلاب والسَّحَرَة والزناة والقَتَلَة وعَبَدَة الأوثان وكل مَنْ يُحِبُّ ويصنع كَذِبًا." (رؤ 22: 14، 15)
هكذا يؤكِّد سفر الرؤيا أن الأكل من شجرة الحياة لن يكون إلاَّ للغالبين الذين تمسَّكوا بوصايا الله في حياتهم على الأرض لينالوا الحياة الأبدية في ملكوت السماوات. فالقلب الفاتر في حبه قلب جائع، لذلك يحتاج إلى الشبع من الرب "شجرة الحياة"، فهو المشبع للقلب والشافي له (رؤ 22: 2) وهو المكافأة المقدمة للغالبين.
17. هل فقد آدم وحواء الرجاء في الخلاص بعد سماعهما الحكم كثمرة لعصيانهما؟
إن كانت ثمرة الخطية هي الموت، فقد أعلن الله رحمته عليهما وعلى نسلهما، بأن ينزل ابنه الوحيد متجسدًا، ويقدم لهما الخلاص المجاني بصلبه وقيامته وصعوده إلى السماء. بهذا انفتح باب الرجاء خلال مراحم الله. لقد سمعا قول الله للحية" "وأضع عداوة بينك وبين المرأة، وبين نسلك ونسلها. هو يسحق رأسك، وأنتِ تسحقين عقبه" (تك ٣: ١٥).
18. هل تعرف من أنت؟
كثيرًا ما يتصاغر الإنسان أمام نفسه، فيرى نفسه، المخلوق الصغير أمام تلك الطبيعة بكل جبروتها. إنه يظهر قليلاً، وكخيال يتمشى على الأرض ليختفي. قد يعثر بحجرٍ صغيرٍ، فيسقط ميتًا، أو يهاجمه ميكروب ما، فيلقيه على الفراش يتلوَّى سنوات طويلة، يتوق إلى الموت فلا يجده. إنه كائن ضعيف، ربما من أجل شهوة بسيطة دنيئة ينسى كرامته، ويبعثر أمواله، ويهدم وحدة الأسرة، وربما يفقد كل شيءٍ، وهو يعلم أنها لذة وقتية سرعان ما تزول!
أتريد أن تعلم من أنت؟ إنك موضوع حب الله، موضوع اهتمامه وعنايته، حتى يبدو كما لو نسي العالم كله من أجلك. عندما خلقك، "رأى الله كل ما عمله، فإذا هو حسن جدًا" (تك 1: 31). يتطلع إليك، فيرى فيك صورته ومثاله. فيك العقل، ولك حرية الإرادة، أنعم عليك بالقدرة على الحب، والانجذاب نحو الخالق لتشبع منه، وتنعكس انطباعاته عليك، فيفرح بك.
خلق السماء والأرض ليزولا يومًا ما (مت 24: 35)، أما أنت فأوْجدك لتحيا خالدًا إلى الأبد. هذه هي نفسك التي لم يقبل الرب أن يقارنها بالعالم كله قائلاً: "ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟ (مر 8: 36)"
19. ماذا فعلت بي الخطية؟
لقد اخترتُ بإرادتي الاستقلال عن الله ليكون لي كيان خاص بي، بعيدًا عن لُجَّة محبة الله. هذه هي خطية آدم الأولى، بل وكل خطية نرتكبها. فقد فصلت نفسي عن مصدر سعادتها وشبعها وحياتها، وسقطت تحت نير الخطية، ووقعت تحت سطوة ظلمها. إذ اخترت الخطية بإرادتي، قدمت لي كل ما عندها ورغمًا عني، وماذا لدى الخطية إلا الحرمان والظلم والموت الخ.
ا. حرمان: قدمت لي تفاحة من "شجرة جيدة للأكل، بهجة للعيون، وشهية للنظر"، لكنها أفقدتني الشبع، وحرمتني من الفردوس، أبعدتني عن السلام والفرح والخير والمعرفة الحقيقية.
ب. ظلم: الخطية لا تعرف قانونًا ولا ناموسًا. إن كان لها قانون، فهو التشويش والظلم عينه.
ج. موت: الخطية هي انفصال عن الله خالق كل شيءٍ. هي حرمان للنفس عن الله واهب الحياة.
هذا ما وصلت إليه النفس البشرية بإرادتها. انحرفت الصورة عن أصلها، فتلاشى جمالها، وفسدت طبيعتها، وزال سلطانها، ولم تعد قادرة على الحياة أو اللقاء مع الله مصدر حياتها.
ارتبك الإنسان وارتعب، ولكن عبثًا يحاول أن يخضع نفسه لإلهه بقوته الذاتية. لقد حاول آدم أن يُصلح خطأه بذاته، فأكد رغبته بالأكثر في استقلاله عن الله بذاتيته الخاصة، مما أضاف إلى النتيجة الأولى نتائج متوالية. فإذ صنع لنفسه لباسًا من ورق التين، جف الورق، وكان اللباس في ذاته كافيًا ليؤكد للإنسان عريه، ويفضح جريمته أمام نفسه. لقد فلت زمام الأمر من يديّ الإنسان، وصار لابد أن يتدخل الله ليمحو نتائج ما ارتكبه الإنسان بإرادته.
هل يتدخل الله على حساب العدالة فيغفر، ولكن كيف تتحقق العدالة التي بلا حدود. هل يمكن لإله هذا هو حبه ورحمته، أن يترك الإنسان يشقى ويهلك هلاكًا أبديًا؟! هناك حاجة إلى عملية مصالحة بين الله والإنسان، فيها يدفع الله أجرة الخطية دون أن يتنازل عن عدالته، ويحقق العدالة في أعماق حبه!
يقول القدِّيس مقاريوس الكبير: [أمور النعمة، يصحبها فرح وسلام ومحبة وحق... أما أشكال الخطية، فيصحبها اضطراب وليس محبة ولا فرح نحو الله[368].] كما يقول: [النفس في ذاتها لا هي من طبيعة اللاهوت، ولا هي من طبيعة ظلمة الخبث، بل هي خليقة عاقلة، جميلة، عظيمة، وحسنة كمثال الله وصورته. وإنما عن طريق التعدي دخل فيها خبث أهواء الظلمة[369].]
ويقول القدِّيس أغسطينوس: [أما الإنسان الذي له طبيعة تميل بين الطبيعة الملائكية والحيوانية، فإن الله خلقه هكذا، حتى إذا بقيَ خاضعًا لخالقه، كسيدٍ له بحقٍ، ويحفظ وصاياه بورعٍ، تصير له شركة مع الملائكة، وينال خلودًا مباركًا أبديًا، دون أن يصيبه الموت. أما إذا عصى الرب إلهه باستخدامه حرية إرادته بعجرفةٍ وفي عصيانٍ، فإنه يخضع للموت، ويسلك عبدًا للشهوة، ويُحكم عليه بالموت الأبدي.]
ويقول: [يا لشقائي... لقد سادت عليَّ الظلمة، ومع أنك أنت النور، إلا أنني حجبت وجهي عنك!
يا لشقائي... أصابتني جراحات كثيرة، ومع أنك أنت المعزي واهب السلام، غير أنني ابتعدت عنك!
يا لشقائي... لقد انتابتني حماقات جمَّة، ومع أنك أنت هو الحق، غير أنني لم أطلب منك المشورة!
يا لشقائي... لقد تعددت طرق ضلالي، ومع أنك أنت هو الطريق، إلا أنني ابتعدت عنك!
يا لشقائي، فالموت يحطمني بضربات كثيرة، ومع أنك أنت الحياة، لكنني لم أكن معك أبدًا!
يا لشقائي، فإنني أسقط في الشر والعدم كثيرًا، ومع أنك أنت هو "الكلمة" الذي به كان كل شيءٍ، إلا أنني انفصلت عنك، يا من بدونك لم يكن لي وجود!
أيها الكلمة ملكي، أيها الكلمة إلهي، أيها النور الخالق، أيها الطريق والحق والحياة... يا مبدد الظلمة والشر والضلال والموت...
أيها النور بدونك يصير الكل في ليلٍ دامسٍ. أيها الطريق بدونك لا يوجد سوى الضلال. أيها الحق الذي بدونك لا يوجد سوى الباطل. أيها الحياة الذي بدونك يخيِّم الموت على الكل.]
الآن ما هو موقف الله بعد أن حطمت الخطية كل كيان الإنسان؟ حتمًا لن يقف متفرجًا على محبوبه، بل سبق فوضع خطةً لأجل خلاصه ليتمتع بغفران خطاياه، ويحمل البرّ الإلهي، وينطلق إلى الأحضان الإلهية ويستقر فيها. ما هي هذه الخطية، وما هو دور الثالوث القدوس فيها؟ وكيف أعدّ البشرية لإدراكها والتفاعل معها. وكيف تحققت؟ وكيف ننعم بها؟
هذا ما يدعونا إلى الحديث عن حاجتنا إلى الخلاص والمخلص الإلهي[370].
20. ما هو موقف الله من الإنسان بعد عصيانه للوصية الإلهية؟
اشتاق الإنسان إلى العالم، وصار الوجود في حضرة الله بالنسبة له هو مجرد ألفاظ وكلمات! صارت الخطية وكأنها من روتين في حياة الإنسان، يشعر أحيانًا بثقلها ومرارتها، ولكن في لحظات يعود لينحني لها بكل جوارحه وميوله ورغباته وكل طاقته. وهكذا فقد أمسك الإنسان بعجلة القيادة في داخله. وكما يقول الرسول "فإني أعلم أنه ليس ساكن فيّ، أي في جسدي شيء صالح، لأن الإرادة حاضرة عندي، وأما أن أفعل الحُسنى، فلست أجد. لأني لست أفعل الصالح الذي أريده، بل الشر الذي لست أريده فإياه أفعل. فإن كنت ما لست أريده إياه أفعل، فلست بعد أفعله أنا، بل الخطية الساكنة في" (رو 7: 18-20). فما هو موقف الله من الإنسان؟ هل لازال يحبه؟!
وماذا يفعل الإنسان لكي يجدد طبيعته التي أفسدها بإرادته؟
هل الله مشغول بأمجاده في سماواته، أم ينزل إلى الإنسان؟
هل يحرره من سلطان الخطية التي سمح لها الإنسان بإرادته أن تحتل مركز القيادة؟
أقول لله إلهي: هل لازلتَ أيها الحب تحب الإنسان، وتشتاق أن ترده إلى أحضانك؟
لن يستطيع الإنسان الصعود إليك، فهو غارق في خطاياه وضعفاته، فهل تنزل إليه أيها القدوس؟
أيها الحب الأزلي الخالد، هوذا السماء تشتاق أن تتعرف على سرّ حكمتك المملوءة حبًا، هل تعلن لها ولنا أسرار حبك؟
الآن يا إلهي ها قد فسدت حياتنا وصرنا محتاجين إلى من يغير طبيعتنا ويرفع عنا موتنا الأبدي، فماذا تفعل من أجلنا أيها الحب المطلق؟!
يقول القديس كيرلس الكبير: [الله من فرط محبته للإنسان هيأ له طريق الخلاص والفداء، وذلك بالإيمان بالله الآب والابن والروح القدس، والاعتراف بهذا الإيمان أمام الجميع حتى ينقيه من خطاياه، ويمتلئ بغنى الروح القدس، وشركة الطبيعة الإلهية[371]، ويحصل على نعمة التبنِّي.]
الإيمان بالثالوث القدوس إعلان إلهي خلاله يختبر المؤمن الحب الإلهي الفائق، والدخول في خبرة شخصية مع الآب والابن وبالروح القدس. يجد المؤمن الحقيقي في الثالوث شبعًا لكل احتياجاته الداخلية. إيماننا بالثالوث يمس حياتنا وكياننا، فلا حياة لنا دون خبرة التمتع بحب الثالوث القدوس لنا، مع أعمال محبته الفائقة. يقول القديس غريغوريوس النزينزي: [ليقودني الكلمة الإلهي في نهاية حياة مملوءة بالدموع إلى المسكن غير المتغير، حيث يوجد ثالوثي، وبهاء سموه المجتمع، ظلال الثالوث تمجدني[372].]
21. لماذا لم يكتفِ الله بأن يُقدِّم الإنسان توبةً عن خطيته؟[373]
إن كان الله رؤوف وكثير الرحمة، إلاَّ إنه صادقٌ أيضًا في أحكامه ووعوده وكلامه حيث يقول الكتاب المقدس: "ليكن الله صادقًا وكل إنسانٍ كاذبًا" (رو 3: 4)، كما يتكرَّر مِرارًا في الكتاب تعبير "صادقةٌ هي الكلمة" (1 تي 3: 8؛ 2 تي 2: 11) أي كلمة الله. لذلك لم يكن يليق بالله أن يتراجع عن الحكم الذي سبق أن حذَّر آدم منه إذا أكل من شجرة معرفة الخير والشر. ويقول القديس أثناسيوس: [لأن الموت أيضًا، وكما قلتُ سابقًا، صارت له سيادة شرعية علينا (بسبب التعدِّي)، منذ ذلك الوقت فصاعدًا، وكان من المستحيل التهرُّب من حكم الناموس، لأن الله هو الذي وَضَعَه بسبب التعدِّي، فلو حدث هذا لأصبحت النتيجة مرعبة حقًا وغير لائقة في نفس الوقت. لأنه من غير اللائق طبعًا أن الله بعدما تكلَّم بشيءٍ مرَّةً يتَّضح أنه فيما بعد كاذبٌ، أي أن الله بعد أن أَمَرَ أن الإنسان يموت موتًا، أن يتعدَّى الوصية ولا يموت، بل تَبطُل كلمة الله. وسيكون الله غير صادق إن كان الإنسان لا يموت بعد أن قال الله إنه سيموت[374].]
ويضيف القديس أثناسيوس أن الندم على فعل الخطية أو التوبة عنها لم تكن كافيةً لرفع حكم الموت: [لكن إن كان هذا هو ما يجب أن يحدث، فمن الناحية الأخرى نجد أنه لا يتفق مع صدق الله الذي يقتضي أن يكون الله أمينًا من جهة حكم الموت الذي وَضَعَه، لأنه كان من غير اللائق أن يظهر الله أبو الحق كاذبًا من أجلنا. إذًا، ماذا كان يجب أن يُفعَل حيال هذا؟ أو ما الذي كان يجب على الله أن يعمله؟ أيطلب من البشر التوبة عن تعدِّياتهم؟ ويمكن أن يرى المرء أن هذا يليق بالله ويقول: كما أن البشر صاروا إلى الفساد بسبب التعدِّي، فإنهم بسبب التوبة يمكن أن يعودوا إلى عدم الفساد وللخلود. لكن التوبة تعجز عن حفظ أمانة الله لأنه لن يكون الله صادقًا إن لم يظل الإنسان في قبضة الموت (لأنه تعدَّى فحُكِمَ عليه بالموت كقول الله الصادق). ولا تقدر التوبة أن تُغيِّر طبيعة الإنسان، بل كل ما تستطيعه هو أن تمنعه عن أعمال الخطية. فلو كان تعدِّي الإنسان مجرد عمل خاطئ ولم يتبعه فساد، لكانت التوبة كافية. أما الآن بعد أن حدث التعدِّي، فقد تورَّط البشر في ذلك الفساد الذي كان هو طبيعتهم ونُزِعَت منهم نعمة مماثَلة صورة الله، فما هي الخطوة التي يحتاجها الأمر بعد ذلك؟ أو مَنْ ذا الذي يستطيع أن يُعيد للإنسان تلك النعمة ويرده إلى حالته الأولى إلاَّ كلمة الله الذي خلق في البدء كل شيءٍ من العدم؟[375]] يؤكِّد هنا القديس أثناسيوس نفس النقطة السابقة عن أن قبول الله لتوبة الإنسان يتعارض مع صدق أقواله "التوبة تعجز عن حفظ أمانة الله".
ويضيف القديس أثناسيوس: "ولا تقدر التوبة أن تُغيِّر طبيعة الإنسان، بل كل ما تستطيعه هو أن تمنعه عن أعمال الخطية. فلو كان تعدِّي الإنسان مجرد عمل خاطئ ولم يتبعه فساد، لكانت التوبة كافية". أي أن التوبة لا يمكن وحدها أن تعيد الإنسان إلى حالة النقاوة التي كان عليها أولاً، كما لا تستطيع التوبة أن تشفي طبيعة الإنسان التي أصابها الفساد نتيجة الخطية.
ويمكن تشبيه هذا الأمر بمريض مصاب بنزلة برد لتعرُّضه للبرد الشديد دون أن يستعد بالملابس الثقيلة المناسبة، فيذهب إلى الطبيب للعلاج. فهل يمكن أن يكتفي الطبيب بأن ينصحه بألاَّ يفعل ذلك ثانيةً وأن يلبس الملابس الثقيلة المناسبة للجو البارد؟! بالطبع لا، بل عليه أن يقدِّم له العلاج أولاً ثم تأتي النصيحة بعد ذلك.
لكن وإن كان الله لم يتراجع عن الحكم على الإنسان بالموت، ولم يكتفِ بتوبته لأنها غير كافية لشفاء طبيعته من الفساد؛ إلاَّ أنه بمقتضى رحمته أخذ طبيعتنا البشرية بالتجسُّد لكي يُجدِّدها، ويأخذ عنَّا حكم الموت الذي كان محكومًا به علينا عن استحقاقٍ.
ومن ذلك نفهم أن الله لم يسامح الإنسان، ولم يتراجع عن الحكم عليه لأن هذا يتعارض مع صدق أقوال الله وأحكامه. ومن جهةٍ أخرى لم يكتفِ الله بأن يقدِّم الإنسان توبةً لأن التوبة لا تستطيع نزع الفساد من طبيعته وتجديدها.
22. ما هو التدبير الإلهي لخلاصنا؟
ما أن سقط الإنسان في الخطية وفقد قداسته ونقاوة قلبه حتى كشف الله لآدم وحواء عن التدبير الإلهي لخلاص محبوبه الإنسان. حينما نقول "التدبير الإلهي" نقصد خطة الثالوث القدوس وعمله لأجل خلاصنا، لأنه هو عمل إلهي واحد، ولكل أقنوم دوره المتميّز في خلاصنا.
أعلن السيد المسيح عن محبة الله الآب بقوله: "هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية" (يو 3: 16) وكشف الرسول بولس عن محبة الابن بقوله: "أحبني وأسلم نفسه لأجلي" (غل 2: 20)، كما كشف لنا السيد المسيح عن دور الروح القدس في خلاصنا بقوله: "يأخذ مما لي ويخبركم" (يو 16: 14).
23. كيف يعمل الثالوث القدوس معًا فينا؟
مع وحدة جوهر الله، الثالوث القدوس، وتمايز الأقانيم، فإن كل عملٍ إلهيٍ يعبِّر عن حبه الفائق للإنسان، إنما هو عمل الثالوث القدوس معًا. وكما يقول البابا أثناسيوس الرسولي: "يعمل الآب كل الأشياء بالكلمة في الروح القدس، بهذه الوسيلة تُحفظ وحدة الثالوث القدوس[376]. كل الأعمال الإلهية سواء الخلقة أو الخلاص أو القيامة أو نوال الأمجاد الأبدية هي عطايا إلهية يقدمها الآب في ابنه الوحيد الجنس بروحه القدوس.
يقول القديس كيرلس السكندري: [لم ينل قوة من آخر لكي يخلق، وإنما هو قوة الله الآب، الابن الوحيد، الذي يعمل كل شيءٍ مع الآب والروح القدس. لأن كل شيءٍ من الآب بالابن، لأنه لو خلق الابن منفصلاً عن الآب لما استطاع الابن أن يقول: "أنا في الآب والآب فيّ" (يو 10:14).]
يقول القديس أمبروسيوس: [إذ تعتمدون باسم الثالوث، فإننا في كل ما نفعله نحفظ سرّ الثالوث. في كل موضع الآب والابن والروح القدس، عمل واحد، قداسة واحدة... كيف؟ الله (الآب) مسحك، والرب ختمك، ووضع الروح القدس في قلبك. لهذا تسلمت الروح القدس في قلبك[377].] كما يقول: [إن كانت توجد نعمة واحدة، وحب واحد، وشركة واحدة (2 كو 13: 14) للآب والابن والروح القدس، فحتمًا توجد عملية واحدة، وحيث توجد عملية واحدة بالتأكيد لا يمكن تقسيم القوة، ولا فصل الجوهر[378].]
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [أتستطيعون أن تروا عظمة حب الله لنا؟ من هو الطرف الذي هُوجم؟ إنه هو! من الذي بدأ بالخطوة الأولى للمصالحة؟ إنه هو! قد يقول البعض إنه أرسل ابنه بدلاً منه، لكن في هذا سوء فهم للموقف. لم يأتِ المسيح منعزلاً عن الآب الذي أرسله، لقد انشغل كلاهما في عمل المصالحة (2 كو 19:5)[379].]
يمكننا مع القديس باسيليوس الكبير أن نقول بأن العمل الإلهي أو محبة لله للإنسان تجلت في ثلاثة أنواع من الخلقة تتكامل معًا، يقوم بها الثالوث القدوس. [يشير الكتاب المقدس إلى ثلاثة خلائق: الخليقة الأولى الانطلاق من اللاوجود إلى الوجود. والثانية: التغير من الرديء إلى الأفضل. والثالثة القيامة من الموت. في هذه الخلائق الثلاثة تجدون الروح القدس يعمل مع الآب والابن... الآن تُخلق البشرية للمرة الثانية بالمعمودية. "إن كان أحد في المسيح، فهو خليقة جديدة" (2 كو 17:5)[380].]
24. ما هو دور كل أقنوم في حياتي؟
أ. حب الله الآب لي:
1. خلقني أعظم من كل خليقة على الأرض! 2. رعايته الإلهية تحتضني!
3. يحول كل الأمور لخيري! 4. أبوته الحانية حتى في تأديبه لي!
5. بالحب والحكمة يمنحني المواهب اللائقة. 6. قدم لي الخلاص المجاني!
7. أحضانه الإلهية تَّرحب بيّ!
ب. نعمة الابن الوحيد تخلصني:
1. أسماؤه وألقابه تعلن حبه لي! 2. تجسد لأجلي.
2. تألم لأجلي! 3. صُلب لأجلي!
4. أقامني معه! 5. أصعدني إلى سماواته!
6. وهبني الحياة الجديدة.
ج. شركة الروح القدس:
1. وهبنا الوحي بالأسفار المقدسة. 2. قدم لنا الشركة مع الله.
3. أعطانا روح التبني للآب (الميلاد الجديد في المعمودية).
4. خليقة جديدة للنفس! أو إعادة طبيعتنا إلى الصورة الإلهية.
5. مغفرة الخطايا. 6. استنارة الذهن.
7. العضوية في الكنيسة جسد السيد المسيح.
8. قوة النصرة على الخطية والموت والشيطان، مع رفع القلب إلى السماء.
25. لماذا صدر الحكم على الإنسان: "موتًا تموت"؟
لم يكن هذا عن عدم حب لله من جهة الإنسان، أو بسبب غضب الله عليه، أو للانتقام منه؛ إنَّما هو ثمرة طبيعية للخطية، يجنيها الإنسان مما فعله بإرادته. فبغباوة أقحم الإنسان نفسه في دائرة الموت، وما كان لله المحب أن يلزم الإنسان على الامتناع عن الخطية، أو يوقف عملها الطبيعي.
رفض الغنوصيون العهد القديم لأنهم صُدموا في بعض نصوصه التي تشير إلى غضب الله أو ندمه. وكان سبب صدمتهم أنهم فسروها تفسيرًا حرفيًا وليس روحيًا. يقول أوريجينوس إن الإشارة إلى التشبيهات البشرية لله anthropomorphism مثل غضب الله لا يمكن فهمها حرفيًا. "حينما تسمع عن غضب الله وسخطه لا تفهم ذلك بمعنى ممارسة الله لمشاعر الغضب والحنق". يستخدم الله اللغة البشرية، والهدف هو تصحيح الأخطاء البشرية، كما يوجّه الأب طفله. "نحن أيضًا يكون لنا وجه عنيف الملامح حينما نوّجه أطفالنا، ليس لأن هذه هي مشاعرنا الحقيقية، ولكن من أجل نزولنا إلى مستواهم، فإذا ما سمحنا لملامحنا الطيبة في الظهور على وجوهنا نُفسد الطفل. الله لا يغضب في الحقيقة، لكننا نختبر آثار غضبه حينما نقع في تجربة بسبب شرنا، هذا هو التأديب الذي ندعوه "غضب الله[381]".
26. كيف أفسدت الخطية رؤية الإنسان لله؟
بسقوط الإنسان في العصيان فسدت مفاهيمه، وانغلقت بصيرته عن أن تعاين الله في حبه. صار الإنسان يراه الإله القاسي. لقد وقف أيوب البار في لحظات ضعفه، عندما أثقلته التجارب ونصائح أصدقاؤه، فرأى الله قاسيًا، إذ يقول له: "يداك كوَّنتاني وصنعتاني كلي جميعًا، أفتبتلعني؟... أفتعيدني إلى التراب؟... وإن ارتفعت أتصطادني كأسدٍ؟، ثم تعود فتتجبَّر عليَّ. تجدِّد شهودك تجاهي، وتزيد غضبك عليَّ. فلماذا أخرجتني من الرحم؟... كف عنِّي، فأتبلج (فأبتسم) قليلاً" (أي 10: 8-20).
يتطلع القلب الذي أفسدته الخطية، فيرى الله في دينونته قاضيًا ظالمًا، يحصد من حيث لم يزرع، ويجمع من حيث لم يبذر (مت 25: 24). لا يترفق بضعفات الإنسان ولا يشعر بعجزه، يعد حياة أبدية لقدِّيسين يندر أن يُوجدوا، ويهيِّئ عذابات يكيلها لخطاة هذا عددهم!
أليس كثير من الفلسفات الحديثة تحاول أن تتخلص من هذا الإله؟ أليس حتى بعض رجال الدين يحاولون أن يُظهروا أن هذا الإله لا علاقة له بشئون البشر الخاصة، وهم في هذا يظنون أنهم يحاربون الموجة الإلحادية!
أخي، لا يوجد من ينكر وجود الله، حتى أولئك الملحدين، ففي أعماق نفوسهم يشعرون به. لكنهم يرونه حسب فكرهم إلهًا قاسيًا ظالمًا، فيحاربونه ويحاولون التخلص منه. لهذا فإننا محتاجون اليوم، لا أن نثبت وجود الله، قدر ما نشهد عن حب الله للإنسان في حياتنا العملية.
27. ماذا وراء قصة الأقمصة من الجلد؟
بعد السقوط في الخطية، ألبس الله آدم وامرأته أقمصة من الجلد (تك 3: 21). يكشف القميص الجلدي عن تقديم ذبيحة دموية، هي فدية عنه فيما ارتكب، تقوم بالنيابة عنه في تنفيذ حكم الموت، ولستر عورته! وقد جاءت الأجيال المتعاقبة، كل يتعلم من سلفه أن يقدم ذبائح دموية، حتى يندر أن تجد ديانة يخلو طقسها من سفك دم، وإن كانت قد تشوَّهت عبر الأجيال بصورة أو أخرى في كثير من الأديان، حتى صار البعض يذبحون أولادهم!
وقد حان الوقت الذي فيه تسلَّمت البشرية على يديّ موسى الشريعة المكتوبة التي تحتم ضرورة تقديم ذبائح دموية، لأنه "بدون سفك دم لا تحصل مغفرة" (عب 9: 22). بالدم يتقدس كل شيءٍ، وبغيره لن يكون شيء ما أو إنسان ولو كان رئيس كهنة مقدسًا للرب. "لأن موسى بعدما كلم جميع الشعب بكل وصيةٍ بحسب الناموس، أخذ دم العجول والتيوس مع ماء. وصوفًا وقرمزيًا وزوفا، ورشَّ الكتاب نفسه، وجميع الشعب، قائلاً: هذا هو دم العهد الذي أوصاكم الله به؛ والمسكن أيضًا وجميع آنية الخدمة كذلك بالدم؛ وبدون سفك دم لا تحصل مغفرة" (عب 9: 19-22).
28. كيف هيأت الذبائح الدموية لذبيحة العهد الجديد؟
الذبائح الدموية التي أعلنها لآدم، وأوضحها بالتفصيل في سفر اللاويين، ليس لها في ذاتها القدرة للإعلان عن حب الله للإنسان الخاطئ، لأن الإنسان محتاج إلى العودة لحياة القداسة، التي بدونها لا يقدر أحد أن يعاين الله أو يتلامس معه. إنه عاجز عن أن يتلامس مع حب الله أو مبادلته الحب بالحب. لهذا يحتاج إلى مُصلح قادر أن يتوسط بين الله وبينه.
لقد كنا في حاجة إلى تجسد الله الابن، الكلمة، الأقنوم الثاني، ليتقدم هذا الإله المتجسد في أعماق محبته لي، حاملاً الموت عنِّي في جسده. لكن هذا الأمر من يقدر أن يقبله، لأن العقل يعجز عن إدراك أعماق حب الله له. كيف يمكن لله الكلمة أن يصير جسدًا، وهو المالئ الكل بلاهوته؟! هل الله الكلمة يتجسَّد ليتألم ويحمل العار؟!
"أليس أنا الرب ولا إله آخر غيري. إله بار ومخلص ليس سواي" (إش 45: 21).
"إلهًا سواي لست تعرف، ولا مخلِّص غيري" (هو 13: 4).
إنه إذ يحبني لا يريد أن يوجه أنظاري إلى غيره، فهو فاديّ ومخلصي. هو - الابن - شفيعي عند الآب. تجسَّد لأجلي، ومات كذبيحة كفَّاريَّة عن خطاياي (1 يو 2: 1).
هذا هو الخلاص الذي قدمه الابن، بل اِشترك فيه الثالوث القدُّوس كل أقنوم يكمل الأقنومين الآخرين، كل الأقانيم تعلن عن الحب الإلهي لنا. لكن كيف تتقبل البشرية هذا الخلاص، هذا هو موضوع الكتاب المقدس في العهد القديم قبل مجيء المخلص، وفي العهد الجديد أيضًا.
29. ما هو الوعد بالخلاص الإلهي والتنبؤ بمجيء المخلّص عبر الأجيال؟
ندكر على سبيل المثال، أن الوعد تكرر مع إبراهيم، إذ قيل له: "يتبارك في نسلك جميع أمم الأرض" (تك ٢٢: ١٨). وتكرر بعد ذلك مع داود النبي والملك: "أقيم بعدك نسلك الذي يخرج من أحشائك وأثبت مملكته، هو يبني بيتًا لاسمي وأنا اثبت كرسي مملكته إلى الأبد" (٢ صم ٧: ١٢-١٣). وأيضًا مع آحاز: "يعطيكم السيد نفسه آية. ها العذراء تحبل وتلد ابنًا وتدعو اسمه عمانوئيل" (إش ٧: ١٤).
30. ما هو مفهوم المصالحة مع الله؟
يقول القديس كيرلس إن ربنا يسوع المسيح ليس فقط صالحنا مع الآب خلال ذبيحته، وإنما هو نفسه الأقنوم الذي يصالحنا، لأننا أخطأنا ضده[382].
10 ربنا يسوع المسيح مخلص العالم[383]
1. لماذا أصرَّت الكنيسة أن تعتبر كتاب العهد القديم جزءًا لا يتجزَّأ من الكتاب المقدس؟
رَبَطَت الكنيسة بينه وبين قراءة العهد الجديد في كل الصلوات الكنسية الليتورجية. كما تصدَّت الكنيسة بكل شدَّةٍ لكل الهراطقة[384] الذين حاولوا رفض كتاب العهد القديم من أن يكون جزءًا أساسيًّا من الكتاب المقدس. "لأن غاية الناموس: هي المسيح للبرّ لكل من يؤمن، لأن موسى يكتب في البرّ الذي بالناموس: إن الإنسان الذي يفعلها سيحيا بها" (رو 10: 4-5). اقتبس الرسول بولس من موسى العبارة: "تحفظون فرائضي وأحكامي التي إذا فعلها إنسان يحيا بها" (لا 18: 5). وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم[385] إن الإنسان لا يمكن أن يحيا ولا أن يتبرّر ما لم يتمّم كل الفرائض وأحكام الناموس، الأمر الذي يعتبر مستحيلاً. لهذا فإذ أراد اليهود أن يتبرّروا بالناموس، فالناموس عينه يُعلن عن العجز التام لكل إنسانٍ أن يحقّق البرّ والحياة... بهذا يدفعنا إلى الإيمان بربنا يسوع المسيح الذي وحده لم يكسر الناموس، بل وقادر على تبرير مؤمنيه. بهذا لم يترك الرسول بولس لليهود عذرًا يلتمسونه، فإن الناموس نفسه يُعلن عن المسيح بكونه وحده يتركّز فيه البرّ؛ من ينعم بالبرّ الذي قصده الناموس، ومن يرفضه إنما يرفض البرّ حتى وإن ظنّ في نفسه أنه بالناموس يتبرّر. يقول القدّيس إكليمنضس السكندري: [المسيح هو غاية الناموس للبرّ، الذي أنبأنا عنه بالناموس لكل من يؤمن[386].]
في القديم كان اليهود يعتزون بأنهم شعب الله الذي تسلم الشريعة الإلهية بواسطة موسى بيد ملائكة (عب 2: 2)، أمّا الآن فقد جاءنا الكلمة نفسه متجسدًا، يهبنا ذاته، ويجعلنا فيه أبناء الآب في مياه المعموديّة بالروح القدس. يقول القدّيس أغسطينوس: [أرسل الناموس بواسطة خادم، أمّا النعمة فجاء بنفسه من أجلها[387].]
2. كيف شهد الناموس للسيد المسيح؟
إن كان برّ الناموس صعبًا بل ومستحيلاً، فقد جاء السيد المسيح لا ليقدّم وصايا سهلة، ولا ليتهاون مع مؤمنيه، وإنما قدّم ذاته قريبًا من مؤمنيه، بل ساكنًا فيهم، لا ليتمّموا أعمال الناموس إنما به يزيد برّهم عن الكتبة والفرّيسيّين، كقوله: "إن لم يزد برّكم على الكتبة والفرّيسيّين لن تدخلوا ملكوت السماوات" (مت 5: 20).
3. لماذا يعاتب القدّيس بولس الرسول شعبه اليهودي؟
لتجاهلهم الدور الرئيسي الذي كان يجب أن يقوموا به كشعب الله المختار، وهو الكرازة بالمسيّا الذي شهد له العهد القديم برموزه ونبوّاته. بمعنى آخر كان يليق بهم عِوض الدخول في مناقشات غبيّة بتشامخٍ وكبرياءٍ ضد الأمم أن يكونوا هم الكارزين لهم بالإيمان. هذا ما قصده الرسول بقوله: "فكيف يدعون بمن لا يؤمنوا به؟ وكيف يؤمنون بمن لم يسمعوا به؟ وكيف يسمعون بلا كارز؟ وكيف يكرزون أن لم يُرسلوا؟ كما هو مكتوب ما أجمل أقدام المبشرين بالسلام، المبشرين بالخيرات..." (رو 10: 14-15)
4. ما هو الموضوع الرئيسي لأنبياء العهد القديم؟
يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم في العبارة: "بسطت يديّ طول النهار إلى شعبٍ متمردٍ" (إش 65: 2؛ رو 10: 21) إشارة إلى العهد القديم بأكمله حيث بسط الرب يديه خلال نداء الأنبياء المستمر، وإعلانه عن حُبّه لهم رغم عنادهم ومقاومتهم. إنه أب يبسط يديه نحو شعبه، كما نحو طفله الصغير الذي يرفض أحضان أبيه المتّسعة له بالحب. ويرى القدّيس يوستين في هذا القول النبوي (إش 65: 2) إشارة إلى الصليب حيث بسط الرب يديه عند موته ليحتضن الكل[388].
جاء في القداس الغريغوري: [أنت يا سيدي حوَّلتَ لي العقوبة خلاصًا. كراعٍ صالحٍ سعيتَ في طلب الضال. كأبٍ حقيقيٍّ تعبتَ معي أنا الذي سقط. ربطتَني بكل الأدوية المؤدِّية إلى الحياة. أنت الذي أرسلتَ لي الأنبياء من أجلي أنا المريض. أعطيتني الناموس عونًا. أنت الذي خدمتَ لي الخلاص لَمَّا خالفتُ ناموسك. كنورٍ حقيقيٍّ أشرقتَ للضالين وغير العارفين.] فالناموس والنبوات من الوسائط التي أعطاها الله للإنسان كجزء من الإعداد للفداء في انتظار المسيح الفادي والمخلِّص الذي سيَهِبُ البرّ، ويفتح الطريق إلى السماء.
ويقول القديس أغسطينوس عن النبوات كبرهان قاطع لصدق إيماننا بالمسيح: ["لكنهم مخدوعون كثيرًا، أولئك الذين يعتقدون بأننا نؤمن بالمسيح بدون أية أدلةٍ بخصوصه. فهل هناك برهان أوضح من هذا: أن الأمور التي قد أُنبِئَ عنها نراها الآن قد تحقَّقت؟] فكل أحداث حياة السيد المسيح لم تكن أمورًا مفاجئةً، طالبنا السيد المسيح بعد ذلك أن نؤمن بها؛ بل إنه هو نفسه كان يؤكِّد باستمرار، حتى بعد قيامته، أن هذه كلها كانت مكتوبة عنه في الكُتُب.
أولاً: نبوات عن حياة السيد المسيح
5. ما هي أهم النبوات الخاصة بتجسد الكلمة من نسل الملك داود من سبط يهوذا؟
أولاً: في حديث الله للحيَّة بعد سقوط آدم وحواء في الخطية يعلن عن المخلص أنه من نسل المرأة، إذ يقول: "وأضعُ عداوة بينكِ وبين المرأة، وبين نسلكِ ونسلها. هو يَسحَقُ رأسكِ، وأنتِ تَسحَقِين عَقِبَه." (تك 3: 15). وقد جاء المخلِّص من نسل المرأة، وسحق رأس الحيَّة. وإذا كان الشيطان قد تعقَّب المسيح الإله المتجسِّد حتى الصليب، إلاَّ أن السيد المسيح سَحَقَ رأسه بقيامته وإخراجه لأرواح الأبرار من الجحيم.
ثانيًا: في بَرَكَة يعقوب لبنيه الاثنَيْ عشر، قال ليهوذا السبط الذي جاء منه السيد المسيح: "لا يزول قضيبٌ من يهوذا ومُشْتَرِعٌ من بين رِجْلَيْه حتى يأتي شيلون وله يكون خضوع شعوبٍ." (تك 49: 10) "قضيبٌ" أي صولجان المُلْك، "مُشْتَرِعٌ" أي المُشَرِّع الذي يَسِنُّ القوانين ويَقضِي بها لأجل إقرار الحق. "شيلون" كلمة عبرية أقرب معانيها هو "الذي له القضيب" أو "الذي له المُلْك"، وهو المعنى الذي أَخَذَت به أيضًا الترجمة السبعينية. هكذا تكون هذه الآية نبوةً عن السيد المسيح، والذي أُشيرَ إليه بكلمة "شيلون"، إذ هو ملك الملوك ورب الأرباب (رؤ 19: 16). وبالتالي يمكن أن نقرأ هذه الآية هكذا: "لن يزول المُلْك من سبط يهوذا، ولن يبتعد القضاء عن نسله، إلى أن يأتي المسيح الملك والمدبِّر والقاضي الحقيقي الأبدي الذي تخضع له كل الشعوب". إذًا فهذه الآية نبوةٌ عن مجيء المسيح من سبط يهوذا.
ثالثًا: "ويخرج قضيبٌ من جذع يَسَّى، ويَنبُت غصنٌ من أصوله، ويحلُّ عليه روح الرب، روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوة، روح المعرفة ومخافة الرب. ولذَّته تكون في مخافة الرب، فلا يَقضِي بحسب نظر عينَيْه، ولا يحكم بحسب سَمْع أذنَيْه، بل يَقضِي بالعدل للمساكين، ويحكم بالإنصاف لبائسي الأرض، ويضرب الأرض بقضيب فمه، ويُميت المنافق بنفخة شفتَيْه. ويكون البرّ منطقة مَتْنَيْه، والأمانة مِنطَقة حَقْوَيْه." (إش 11: 1-5) فالسيد المسيح المخلِّص، الذي له كل ما سبق من أوصاف، سيأتي من بيت يَسَّى والد داود.
رابعًا: "قطعتُ عهدًا مع مختاري، حلفتُ لداود عبدي: إلى الدهر أُثبِّت نسلك، وأبني إلى دَوْرٍ فدَوْرٍ كرسيَّك." (مز 89: 3، 4)
"وأجعلُ إلى الأبد نسله (نسل داود)، وكرسيَّه (كرسيُّ داود) مثل أيام السماوات." (مز 89: 29)
"مرَّةً حلفتُ بقدسي، إني لا أكذبُ لداود: نسله إلى الدهر يكون، وكرسيُّه كالشمس أمامي. مثل القمر يُثَبَّت إلى الدهر. والشاهد في السماء أمينٌ." (مز 89: 35-37)
هذه الكلمات عن دوام مُلْك داود "إلى الأبد"، "إلى الدهر"، "إلى دَوْرٍ فدَوْرٍ"؛ وعن ثبات كرسيِّه "مثل أيام السماوات"، "كالشمس أمامي"، "مثل القمر"؛ لا يمكن أن يتحقَّق إلاَّ في شخص السيد المسيح الذي يأتي من نسل داود.
6. ما هي أهم النبوات الخاصة بميلاد السيد المسيح؟
أولاً: ميلاده من عذراء ودعوته عمانوئيل. "ولكن يعطيكم السيد نفسه آيةً: ها العذراء تحبل وتَلِدُ ابنًا وتدعو اسمه عِمَّانوئيل." (إش 7: 14) فالله ليس فقط سيعطينا آيةً أو يقدِّم لنا معجزةً، بل في هذه المرَّة يصير هو نفسه الآية أو المعجزة، من خلال ميلاده من عذراء بتول ليُدعَى "عِمَّانوئيل" الذي تفسيره "الله معنا".
ثانيًا: ميلاده في بيت لحم. "أمَّا أنتِ يا بيت لحم أَفراتة، وأنتِ صغيرةٌ أن تكوني بين ألوف يهوذا، فمِنكِ يخرج لي الذي يكون مُتسلِّطًا على إسرائيل، ومخارجه منذ القديم، منذ أيام الأزل." (مي 5: 2) صاحب السلطان هذا المتسلِّط على كل إسرائيل، هو أزليٌّ. ومَنْ هو الأزلي الذي يولد في زمنٍ إلاَّ مخلِّصنا يسوع المسيح الإله المتجسِّد وحده، وُلد في المدينة الصغيرة بيت لحم.
ثالثًا: هروبه إلى مصر. "لَمَّا كان إسرائيل غلامًا أحببتُه، ومن مصر دعوتُ ابني." (هو 11: 1) "وحيٌ من جهة مصر: هوذا الرب راكبٌ على سحابةٍ سريعةٍ وقادمٌ إلى مصر، فترتجف أوثان مصر من وجهه، ويذوب قلب مصر داخلها." (إش 19: 1)
رابعًا: مِسحة السيد المسيح بالروح القدس: "روح السيد الرب عليَّ، لأن الرب مَسَحَني لأُبَشِّر المساكين، أَرسَلَني لأَعْصِب مُنكَسِري القلب، لأُنادي للمَسبيِّين بالعِتْق، وللمأسورين بالإطلاق. لأُنادي بسَنةٍ مقبولةٍ للرب، وبيوم انتقامٍ لإلهنا. لأُعَزِّي كل النائحين." (إش 61: 1، 2) قد مُسِحَ السيد المسيح بتجسُّده أو خُصِّصَ من قِبَل الله الآب من أجل عمل الخلاص، الذي من خلاله سيُعطَى الرجاء للمساكين والمُنكَسِري القلب والمَسبيِّين والمأسورين والنائحين بسبب الخطية والموت وسلطان إبليس.
7. ما هي أهم النبوات الخاصة بالأسبوع الأخير للسيد المسيح على الأرض؟
أولاً: دخول السيد المسيح أورشليم: "ابتهجي جدًّا يا ابنة صِهْيَون، اهتفي يا بنت أورشليم. هوذا مَلِكُكِ يأتي إليكِ. هو عادلٌ ومنصورٌ وديعٌ، وراكبٌ على حمارٍ وعلى جحشٍ ابن أتانٍ." (زك 9: 9)
فالسيد المسيح مَلِك إسرائيل دخل أورشليم متواضعًا راكبًا على حمارٍ وعلى جحشٍ ابن أتانٍ، وليس على فرسٍ مثل ملوك هذا العالم، إذ أن مملكته ليست من هذا العالم.
ثانيًا: المؤامرة على تسليمه لرؤساء اليهود: "فقلتُ لهم إن حَسُنَ في أعينكم فأَعطُوني أجرتي وإلاَّ فامتنِعوا. فوَزَنُوا أجرتي ثلاثين من الفضة. فقال لي الرب أَلْقِها إلى الفخَّاريِّ، الثمن الكريم الذي ثمَّنوني به. فأَخَذتُ الثلاثين من الفضة وألقيتُها إلى الفخَّاريِّ في بيت الرب." (زك 11: 12، 13) وهي نبوةٌ واضحة عن المؤامرة التي قام بها يهوذا من أجل تسليم السيد المسيح لرؤساء اليهود في مقابل ثلاثين من الفضة، ثم بعد ذلك نَدَمِه ومحاولته لردِّ هذا الثمن البخس إلى رؤساء اليهود مرَّةً أخرى. وقد رَفَضَ اليهود استعادة المبلغ، فطرحه يهوذا في الهيكل ومضى وخَنَقَ نفسه. فاشترى اليهود بهذا المبلغ حقل الفخَّاريِّ مقبرةً للغرباء، وسُمِّيَ ذلك الحقل "حقل الدم." (مت 27: 3-8)
ثالثًا: آلام السيد المسيح. "بذلتُ ظهري للضاربين، وخدَّيَّ للناتفين. وجهي لم أَستُر عن العار والبصق." (إش 50: 6) "أمَّا أنا فدودةٌ لا إنسانٌ. عارٌ عند البشر ومُحتقَرُ الشعب. كل الذين يرونني يستهزِئون بي. يَفغَرون الشفاه، ويُنْغِضون الرأس قائلين: اتَّكَلَّ على الرب فليُنَجِّه، ليُنقِذْهُ لأنه سُرَّ به." (مز 22: 6-8) "لأنه قد أحاطت بي كلابٌ. جماعةٌ من الأشرار اكتنفتني. ثقبوا يديَّ ورِجليَّ. أُحْصِي كل عظامي، وهم ينظرون ويتفرَّسون فيَّ. يَقْسِمون ثيابي بينهم، وعلى لُبَاسي يقتَرِعون." (مز 22: 16-18) "ويجعلون في طعامي عَلْقَمًا، وفي عطشي يَسقُونَني خلاًّ." (مز 69: 21)
نلاحظ ما احتوته هذه النبوات من وصفٍ دقيقٍ لتفاصيل آلام السيد المسيح. ونلاحظ أيضًا في الآيات التي اقتبسناها من سفر المزامير لداود النبي أن المتكلِّم هو داود النبي نفسه، ولكن المقصود بالكلام بكل وضوح ودقة هو شخص السيد المسيح. فعلى سبيل المثال، لم تُثقَب يدَيْ داود أو رِجلَيْه، ولم تُقسَم ثيابه أو اقتُرِعَ على لُبَاسه؛ لكن تمَّ هذا للمسيح وقت الآلام والصلب.
وننتقل إلى أقوى نبوات الكتاب المقدس عن آلام السيد المسيح، والتي جاءت على لسان إشَعْياء النبي الذي وَصَفَ آلام المسيح كما لو كان أحد شهود عيان صليب المسيح رغم أن نبوته سبقت المسيح بأكثر من سبع مئة سنةٍ، حتى أنه دُعِيَ "النبي الإنجيلي". وقد جاءت هذه النبوة في الأصحاح الثالث والخمسين من سفر إشَعْياء: "مَنْ صدَّق خبرنا، ولِمَنْ استُعلِنَت ذراع الرب؟ نَبَتَ قُدَّامه كفَرْخٍ وكعِرْقٍ من أرضٍ يابسةٍ، لا صورة له ولا جمال فننظر إليه، ولا منظر فنشتهيه. مُحتقَرٌ ومخذولٌ من الناس، رجل أوجاعٍ ومُختبِر الحزن، وكمُسَتَّر عنه وجوهنا، مُحتقَرٌ فلم نَعْتَدَّ به. لكن أحزاننا حَمَلَها، وأوجاعنا تَحمَّلَها، ونحن حَسِبناه مصابًا مضروبًا من الله ومذلولاً. وهو مجروحٌ لأجل معاصينا، مسحوقٌ لأجل آثامنا. تأديب سلامنا عليه، وبحُبُرِه (بجراحاته) شُفِينا. كُلُّنا كغنمٍ ضَلَلْنا. مِلْنا كل واحدٍ إلى طريقه، والرب وَضَعَ عليه إثم جميعنا. ظُلِمَ أمَّا هو فتذلَّل ولم يفتح فاه. كشاةٍ تُسَاق إلى الذبح، وكنعجةٍ صامتةٍ أمام جازِّيها فلم يفتح فاه. من الضُّغْطة ومن الدينونة أُخِذَ. وفي جيله مَنْ كان يظن أنه قُطِعَ من أرض الأحياء، أنه ضُرِبَ من أجل ذنب شعبي؟ وجُعِلَ مع الأشرار قبره، ومع غَنِيٍّ عند موته. على أنه لم يَعمَل ظُلمًا، ولم يكن في فمه غشٌّ. أمَّا الرب فسُرَّ بأن يسحقه بالحزن. إن جَعَلَ نفسه ذبيحة إثمٍ يَرَى نسلاً تطول أيامه، ومسرة الرب بيده تنجح. مِنْ تَعَبِ نفسه يَرَى ويَشْبَعُ، وعبدي البار بمعرفته يبرِّر كثيرين، وآثامهم هو يحملها. لذلك أَقْسِمُ له بين الأعزاء ومع العظماء يَقْسِمُ غنيمةً، من أجل أنه سَكَبَ للموت نفسه وأُحصِيَ مع أَثَمَةٍ، وهو حَمَلَ خطية كثيرين وشَفَعَ في المذنبين." (إش 53: 1-12)
يَصِف إشَعْياء النبي في الجزء الأول شكل الرب يسوع المسيح على الصليب "مُحتقَرٌ ومخذولٌ من الناس، رجل أوجاعٍ ومُختبِر الحزن، وكمُسَتَّر عنه وجوهنا، مُحتقَرٌ فلم نَعْتَدَّ به"، ثم يوضِّح أن كل هذا كان من أجلنا نحن الخطاة "وهو مجروحٌ لأجل معاصينا، مسحوقٌ لأجل آثامنا. تأديب سلامنا عليه، وبحُبُرِه (بجراحاته) شُفِينا". كما يشير النبي إلى صلب المسيح بين لصَيْن مستحقَّيْن للموت "وأُحصِيَ مع أَثَمَةٍ"، وموته على الصليب من أجل تبريرنا "مِنْ تَعَبِ نفسه يَرَى ويَشْبَعُ، وعبدي البار بمعرفته يبرِّر كثيرين، وآثامهم هو يحملها"، ودفنه في قبرٍ جديدٍ لرجلٍ غنيٍّ هو يوسف الرامي "ومع غَنِيٍّ عند موته". وهكذا أخبر إشَعْياء النبي عن آلام المسيح وتفاصيل الصليب كما لو كان يراها عيانًا مع تقديمه لشرح عميق لِمَا في الصليب من مفاهيمٍ خلاصية.
8. ما هي أهم النبوات الخاصة بقيامة السيد المسيح؟
كاتب الإنجيل يقول إن هذا القبر الذي في البستان كان جديدًا. هذه الحقيقة تعلن لنا أن موت المسيح البشير والرائد لدخولنا الفردوس، فقد دخل كسابقٍ من أجلنا (عب 6: 20). جدة القبر في الواقع هي دخول طريق غريب لم يدخل فيه أحد قط، بهذا نعود نحن من الموت إلى الحياة، وهو تجديد لنفوسنا. أيضًا يعني أن المسيح ابتكره لأجلنا، به أبطل الفساد. لهذا بموت المسيح تحول الموت بالنسبة لنا إلى نوعٍ من النوم، له قوات وأعمال مشابهة (للرقاد). فإننا نحن أحياء لله (رو 6: 11)، ونعيش إلى الأبد حسب الكتاب. بجانب هذا فإن القديس بولس الطوباوي يصف في مواضع كثيرة الموت كرقادٍ وذلك بالنسبة للذين يموتون في المسيح. ففي الأزمنة القديمة جعل الموت الرهيب الطبيعة البشرية في رعبٍ.
"لأنك لن تترك نفسي في الهاوية. لن تَدَعَ تَقِيَّك يرى فسادًا." (مز 16: 10) "هَلُمَّ نَرجِع إلى الرب لأنه هو افتَرَسَ فيَشفينا، ضَرَبَ فيَجْبِرنا. يُحيينا بعد يومَيْن. في اليوم الثالث يُقيمُنا فنحيا أمامه." (هو 6: 1، 2) الآيتان هما نبوةٌ عن قيامة رب المجد يسوع، والثانية تضيف أن القيامة في اليوم الثالث.
9. ما هي أهم النبوات الخاصة بصعود السيد المسيح إلى السماء؟
"صَعِدتَ إلى العلاء. سَبَيتَ سبيًا. قَبِلتَ عطايا بين الناس، وأيضًا المتمرِّدين للسَّكَن أيها الرب الإله." (مز 68: 18) هذه نبوةٌ عن صعود المسيح بعد أن تمَّم عمل الخلاص، وانتصر على العدو الشيطان وسبى منه أرواح الأبرار الذين كانوا في قبضة الشيطان في الجحيم.
ثانيًا: نبوات عن عمل السيد المسيح
10. ما هي أهم النبوات الخاصة بعمل السيد المسيح كنبي؟
"يُقيم لكَ الرب إلهك نبيًّا من وَسَطِكَ من إخوتكَ مثلي. له تسمعون." (تث 18: 15) فالسيد المسيح جاء من نسل إبراهيم، مثل باقي إخوته بالجسد، ليقوم بعمل النبوة أي ليخبرنا عن الثالوث القدوس.
11. ما هي أهم النبوات الخاصة بعمل السيد المسيح ككاهن؟
"قال الرب لربي اجلس عن يميني حتى أضعَ أعداءك موطئًا لقدمَيْك. يرسلُ الرب قضيب عِزِّكَ من صِهيَون. تسلَّطْ في وسط أعدائك. شعبُك مُنتَدَبٌ في يوم قوتك، في زينةٍ مقدسةٍ من رَحِم الفجر، لك طَلُّ حداثتك. أَقْسَمَ الرب ولن يندم: أنت كاهنٌ إلى الأبد على رُتبة مَلْكِي صَادَق." (مز 110: 1-4) بموت السيد المسيح على الصليب وقيامته وصعوده إلى السماوات قدَّم ذاته ذبيحةً لله الآب، ليصير هو أيضًا الكاهن إلى الأبد الذي قدَّم لمؤمنيه خبزًا وخمرًا هما جسده ودمه الأقدسَيْن مثلما قدَّم مَلْكِي صَادَق خبزًا وخمرًا.
ثالثًا: نبوات عن ألوهية السيد المسيح
12. ما هي أهم النبوات الخاصة بألوهية السيد المسيح؟
جاء في سفر إشَعْياء النبي: "لأنه يُولَد لنا ولدٌ ونُعطَى ابنًا، وتكون الرياسة على كتفه، ويُدعَى اسمه عجيبًا، مشيرًا، إلهًا قديرًا، أبًا أبديًّا، رئيس السلام. لنمو رياسته، وللسلام لا نهايةَ على كرسيِّ داود وعلى مملكته، ليُثَبِّتها ويَعْضُدَها بالحق والبرَّ، من الآن إلى الأبد. غيرة رب الجنود تصنعُ هذا." (إش 9: 6، 7) نلاحظ ما قيل عن رياسته "وتكون الرياسة على كتفه"، فكلُّ ملوك هذا العالم يُتَوَّجون بتيجان المُلْك على رؤوسهم، أمَّا السيد المسيح فقد كان مُلْكه على خشبة الصليب التي حَمَلَها على كتفه.
والنبوة الثانية من سفر الأمثال لسليمان الحكيم: "مَنْ صَعِدَ إلى السماوات ونَزَلَ؟ مَنْ جَمَعَ الريح في حَفْنَتَيْه؟ مَنْ صَرَّ المياه في ثوبٍ؟ مَنْ ثَبَّتَ جميع أطراف الأرض؟ ما اسمه؟ وما اسم ابنه إنْ عَرَفْتَ؟" (أم 30: 4) والكلام هنا واضحٌ وصريحٌ عن الله الذي له السلطان على الريح والمياه والأرض، ثم يأتي السؤال "ما اسمه؟ وما اسم ابنه إنْ عَرَفْتَ؟" والسؤال هنا ليس مجرد سؤال عن اسم الله الآب أو عن اسم ابنه، بل يُقصَد به استحالة إدراك الإنسان لطبيعة الله وسموِّه وعدم محدوديته. وما يعنينا هنا هو الإعلان عن ابن الله الذي لا بُدَّ وأن يكون إلهًا من نفس طبيعة الله الآب، وقد كان اليهود يقفون أمام هذا السؤال في حيرةٍ عاجزين عن الإجابة أو الفهم أو الإدراك. ولكننا نحن الذين انتهت إلينا أواخر الدهور نعرف جيدًا وندرك بالروح القدس "ما اسمه؟ وما اسم ابنه؟" فهو الله الآب، وابنه هو ربنا يسوع المسيح الإله المتجسِّد الذي جاء من أجل خلاصنا.
من هذا العرض المختصر عن الجوانب المتعدِّدة التي أشارت إليها نبوات العهد القديم من حياة السيد المسيح، نكتشف أهمية النبوات التي تكاد أن تكون قد رَسَمَت صورة كاملة عن شخص الرب يسوع المسيح الذي تجسَّد في ملء الزمان قبل مجيئه بمئات السنين، حتى أن اليهود الذين رفضوه هم بلا عذرٍ. لذلك كان كتاب العهد القديم، بما يحتويه من نبواتٍ، جزءًا أساسيًّا من كتابنا المقدس نرى فيه شخص السيد المسيح بكل وضوح ٍعلى ضوء العهد الجديد الذي رأينا فيه تحقيقًا دقيقًا لهذه النبوات.
الاستنتاجات[389]
1. أعطى الله الناموس لبني إسرائيل لأجل تحجيم الشر.
2. كان الناموس يحتوي على وصايا مختلفة تختصُّ بالسلوك، وكان حُكْمُه على مَنْ يكسر أيًّا من هذه الوصايا هو الموت.
3. الناموس مقدَّسٌ لأنه كلام الله وأحكامه. ولكنه لا يبرِّر الخطاة بل يحكم عليهم (مع ملاحظة أن الجميع خطاةٌ)، كما أنه لا يغفر الخطايا، ولا يعالج الضعف البشري.
4. احتوت كُتُب العهد القديم على أسفار التوراة التي تُمثِّل الجانب التشريعي، كذلك احتوت على النبوات التي تُمثِّل إعلانات إلهية تشير بشكلٍ سريٍّ إلى المخلِّص كي تُعِدَّ البشرية لاستقباله.
5. أشارت النبوات تقريبًا إلى كل جوانب حياة رب المجد يسوع المسيح المخلِّص، لكيلا يكون ظهوره كمخلِّصٍ ادعاءً؛ بل تحقيقًا للنبوات، التي أشارت إلى: نَسَبُه حسب الجسد، وميلاده من عذراءٍ، والموضع الذي وُلِدَ فيه، وهروبه إلى مصر، ومِسحتُه من الروح القدس، ودخوله أورشليم كملكٍ متواضعٍ، وبَيْعه بثلاثين من الفضة، وآلامه الكَفَّارية وصليبه، ودفنه، وقيامته من الأموات في اليوم الثالث، وصعوده إلى السماوات، عمله كنبي وككاهن، وأخيرًا أنه هو الرب والإله.
13. ما هي العلامات التي تؤكد أن المولود من القديسة مريم هو المسيَّا المخلّص المُنتظر؟
أ. قول إشعياء النبي عنه أنه مولود من عذراء (إش ٧: ١٤).
ب. نبوة ميخا النبي أنه يولد في بيت لحم، وقد فهم يهوذا ذلك (مت ٢: ٤-٦).
ج. تنبأ ملاخي عن يوحنا المعمدان الذي يأتي بروح إيليا، يعدّ الطريق للربّ (مل ٣: ١؛ ٤: ٥).
د. تنبأ زكريا النبي عن دخوله أورشليم كملك راكبًا على أتان (زك ٩: ٩).
ه. تحدث إشعياء النبي عن آلام المخلّص في شيء من التفصيل (إش ٥٣).
و. تحدث داود النبي عن ثقب يديه ورجليه.
ز. تنبأ دانيال النبي عن موعد مجيئه.
14. هل عرف البعض أن المولود من العذراء هو المسيَّا المخلّص؟
أ. شهد له الملائكة الذين ظهروا للرعاة وحثوهم على السجود له.
ب. قاد كوكب عظيم المجوس (يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أنه ملاك ظهر في شكل كوكب) فجاءوا إليه يبشرون في الطريق انهم ذاهبون للسجود لملك اليهود، وقدموا له ذهبًا كملكٍ، ولبانًا كرئيس كهنة سماوي، ومرًّا كمصلوب يتألم من أجل خلاص البشرية.
ج. أعلن الروح القدس عن شخص الطفل يسوع لسمعان الشيخ وحنة النبية.
د. شهد له القديس يوحنا المعمدان، قائلاً: "هذا هو حمل الله الذي يحمل خطية العالم".
ه. شهد له الآب وهو يعتمد في نهر الأردن، إذ قال: "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت" (مت ٣: ١٧). كما شهد له أثناء تجليه أمام ثلاثة من تلاميذه (مر ٩).
15. ما هي تعاليم المسيح الرئيسية؟
أ. أن ندرك حقيقة حياتنا في المسيح، أننا أولاد الله الآب، وأعضاء في جسد المسيح، وهيكل الله وروح الله يسكن فينا.
ب. أن ندرك غاية حياتنا وهي التمتع بعربون السماويات، وننطلق بالنعمة الإلهية من مجدٍ إلى مجدٍ، منتظرين يوم مجيء الرب بفرحٍ.
ج. أن نجاهد بالنعمة الإلهية فنسلك في الرب (كو 2: 6)، ونصير أيقونة للسيد المسيح.
د. أن ندرك ضعفاتنا، فنحتمل ضعفات إخوتنا، ونطلب لهم ولنا التوبة، مردّدين: "واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن للمذنبين إلينا".
ه. نسعى بالعمل لحساب ملكوت الله، لكي ينضم إلى الكنيسة الذين يطلبون خلاص نفوسهم.
و. نحمل صورة المسيح كقول بيلاطس بنطس أنه كان دائم الابتسامة ولم يُنظر قط ضاحكًا، وفي مواقف معينة كان يحزن، إذ بكى على أورشليم التي قتلت الأنبياء ورفضت المسيّا المخلص.
ز. إذ قبل أبوانا الأولان كلمات الكذب والخداع التي لإبليس، يليق بنا أن نقبل نحن كلمات رب المجد بكونه الحق والطريق والحياة. قبل أبوانا بذار الخطية التي جلبت عليهما الموت، ونحن نقبل بذار الحياة الأبدية التي يغرسها الرب في قلوبنا، فننعم بالحياة المقدسة وفرح الروح والأبدية. وكما يقول الرسول بطرس: "مولودين ثانية لا من زرع يفنى، بل مما لا يفنى بكلمة الله الحيّة الباقية إلى الأبد" (1 بط 1: 23).
16. ما هي الآيات التي صنعها يسوع المسيح؟
يقول الإنجيلي يوحنا: "وأشياء أُخر كثيرة صنعها يسوع إن كُتبت واحدة واحدة، فلست أظن أن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة" (يو ٢١: ٢٥). هذا بخصوص الآيات الظاهرة أما غير المنظورة فلا يقدر أحد أن يحصيها.
أ. أخرج شياطين كانت تسكن في بعض الناس، ليعلن أنه يحررنا من إبليس وكل قواته الشريرة.
ب. في مواقع كثيرة كان يشفي كل المرضى الذين قُدموا إليه. كان يشفيهم بكلمة من فيه أو بلمس يديه عليهم (غالبًا ما كان يضعهما على شكل صليب). كما كان البعض يُشفى بلمس هدب ثوبه كما فعلت نازفة الدم (مر 5: 25-34). بهذا أعلن أنه الطبيب شافي النفوس والأجساد.
ج. أشبع الجماهير تارة بسمكتين وخمس خبزات (مت 14: 13-22) وأخرى بقليل من السمك الصغير (مت 15: 34). بهذا أعلن أنه وحده قادر أن يشبع نفوسنا بحضوره فينا بنعمته.
د. سار على المياه، وبكلمة هدأت الأمواج والعواصف.
ه. أقام من الموت ابن أرملة نايين (لو 7: 11-17)، وابنة يايرس (مت 9: 18)، ولعازر المدفون في القبر منذ أربعة أيام (يو 11).
17. كيف قدم السيد المسيح الخلاص؟
أ. في محبته لنا تجسد وتأنس كي يحلّ في وسطنا كواحدٍ منا، فيدخل معنا في صداقة فريدة. يقول القديس كيرلس الكبير: [صارت طبيعتنا مقبولة في المسيح، لأننا كنا مطرودين بسبب عصيان آدم، والآن يقدمنا المسيح للآب[390].] كما يقول: [إنه الحمل الذي قدم نفسه ذبيحة ليخلص الإنسان من الخطية ويجعلنا أطهارًا بلا خطية، فيقودنا إلى الآب[391].]
ب. إذ كسرنا الوصية الإلهية، قدم لنا وصايا ووهبنا إمكانيات فائقة لكي نحفظ وصاياه، لذلك دعا نفسه "الطريق" (يو 14: 6). قدم لنا حياته نموذجًا نشتاق أن نتبعه (يو 12: 26)، ووهبنا روحه القدوس يقودنا في المسيح بكونه الطريق (يو 14: 6). يقول القديس كيرلس الكبير [كان من الضروري لكلمة الآب أن يصير نموذجًا لنا وطريقًا لكل عملٍ صالحٍ[392].] كما قال: [عندما صام المسيح في البرية لم يصم لأجل نفسه، لأنه لم يكن محتاجًا إلى ذلك، إنما مارسه ليقدم نفسه كنموذجٍ ومثلٍ للحياة الفاضلة[393].]
ج. تألم وصُلب ومات لكي نحسب ألامنا شركة معه فنردد: "مع المسيح صلبت، فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيّ" (غل 2: 20).
د. إذ قام وصعد إلى السماوات، نقول مع الرسول: "أقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات" (أف 2: 6). بقيامته أعلن نصرته على إبليس والخطية والموت. يقول القديس كيرلس الكبير: [انتصرت الطبيعة البشرية في يسوع المسيح، إذ بلغ النصرة. لقد اشترك في ناسوتنا لكي يهبنا الكثير من غناه.] كما يقول: [اللوغوس الذي صار جسدًا مجَّد طبيعة الإنسان، إذ لم يتردد من أن يأخذ لنفسه (طبيعتنا) المتواضعة ليهبنا من غناه[394].]
18. كيف خلصنا موت السيد المسيح على الصليب من الخطية واللعنة والموت؟
يبرز الرسول بولس دور السيد المسيح في خلاص البشرية خلال مقارنته بين آدم الذي يعتبر رأس كل بني البشر حسب الجسد، ويسوع المسيح الذي جاء من نسل آدم بتجسده، لكنه هو رأس البشر بكونه القدير واهب النعمة الإلهية، يتحدون به كرأس لهم خلال الإيمان.
ففي آدم ورثنا الفساد خلال الخطية كما حلّت اللعنة وسقطنا تحت حكم الموت. أما السيد المسيح الذي بمحبته لنا قبل الآلام والموت على الصليب ودخل إلى دائرة اللعنة ليس عن خطية ارتكبها، إنما لكي نتحد به فيحطم الخطية ويهبنا برّه عاملاً فينا، كما يطلقنا من دائرة اللعنة ويهبنا الحياة المقُامة عوض الموت. بهذا تلاقت مراحم الله علينا خلال العدل الإلهي. به صارت لنا حياة النُصرة وتأهلنا للحياة الأبدية المطوَّبة.
يكشف لنا الكتاب المقدس عن هذا السرّ هكذا: "السرّ المكتوم منذ الدهور ومنذ الأجيال، لكنه الآن قد أُظهر لقديسيه، الذين أراد الله أن يعرِّفهم ما هو غنى مجد هذا السرّ في الأمم، الذي هو المسيح فيكم رجاء المجد." (كو ١: ٢٦-٢٧) "لأنه إن كان بخطية الواحد قد ملك الموت بالواحد، فبالأولى كثيرًا الذين ينالون فيض النعمة وعطية البرّ سيملكون في الحياة الواحد يسوع المسيح." (رو ٥: ١٧) "إذًا لا شيء من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع، السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح. لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني من ناموس الخطية والموت. لأنه ما كان الناموس عاجزًا عنه في ما كان ضعيفًا بالجسد، فالله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطية ولأجل الخطية دان الخطية في الجسد. لكي يتم حكم الناموس فينا نحن السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح." (رو ٨: ١-٤)
19. هل هذا الخلاص يتمتع به جميع الناس؟
قدّم السيد المسيح المخلص نفسه ذبيحة من أجل الجميع كما قدم لهم نعمته وخلاصه المجاني. هذا من جانبه، أما من جانبنا فوهبنا كمال الحرية أن نتبعه في آلامه ونتشبه بموته. ونردد مع الرسول: "لأعرفه وقوة قيامته وشركة آلامه متشبهًا بموته" (في ٣: ١٠). يسندنا في ذلك التناول من جسد الربّ ودمه المبذولين عنا. كما يقول الرسول: "فإنكم كلما أكلتم هذا الخبز وشربتم هذه الكأس تخبرون بموت الربّ إلى أن يجيء" (١ كو ١١: ٢٦). ويقول: "ولكن الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات" (غل ٥: ٢٤).
20. لماذا دعا القديس مار يعقوب السروجي صليب السيد المسيح مركبة إلهية؟
بعد موته على الصليب دُفن جسد المسيح في القبر، وانطلقت نفسه بالصليب كمركبة إلهية تبلغ به إلى الجحيم ليحطم متاريسه، وينطلق بالذين كانوا محبوسين فيه إلى الفردوس وهم يتهللون بالنُصرة على إبليس كما على الموت. أما لاهوت السيد فلم يفارق نفسه ولا جسده.
يقول القديس بطرس: "فإن المسيح أيضًا تألم مرة واحدة من أجل الخطايا، البار من أجل الأثمة لكي يقربنا إلى الله مماتًا في الجسد، ولكن محيي في الروح. الذي فيه أيضًا ذهب فكرز للأرواح التي في السجن." (١ بط ٣: ١٨-١٩)
21. كيف صُلب السيد المسيح مع أن حياته وتعاليمه ومعجزاته شهدت لقداسته؟
لقد أبغضه الشيوخ والكتبة والفريسيون، لأنه وبّخهم على تعاليمهم الخاطئة وحياتهم الشريرة. فمن جانبهم حسدوه إذ أحبّته الجماهير أكثر منهم التي التقت به وسمعته ورأت المعجزات التي صنعها، فصاروا يتهمونه كذبّا وحكموا عليه بالموت.
22. لماذا يذكر قانون الإيمان أنه تألم وصلب ودفن؟
لتأكيد أنه أخذ جسدًا حقيقيًا، وليس كما اعتقد بعض الهراطقة أنه لم يأخذ جسدًا حقيقيًّا بل ظهر للناس هكذا.
23. كيف يتألم ويُصلب ويدفن وهو الإله؟
لأن هذه مسرّته أن يفدي الإنسان. لم يتألم لاهوته، ولكنه سُرً أن يتألم ناسوته، لقد قال: "لأني أضع نفسي لأخذها أيضًا، وليس أحد يأخذها مني، بل أضعها أنا من ذاتي. لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن آخذها أيضًا." (يو 10: 17-18)
24. ماذا يعني أن يسوع المسيح صُلب لأجلنا؟
إنه بموته على الصليب خلصنا من الخطية ومن اللعنة ومن الموت. يقول الرسول: "الذي فيه لنا الفداء بدمه غفران الخطايا حسب غنى نعمته التي أجزلها لنا بكل حكمة وفطنة." (أف 1: 7-8) كما يقول عن اللعنة: "المسيح افتدانا من لعنة الناموس، إذ صار لعنة لأجلنا، لأنه مكتوب ملعون كل من عُلق على خشبة." (غل 3: 13) أما بخصوص الموت فقيل: "فإذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضًا كذلك فيهما لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس، ويعتق أولئك الذين خوفًا من الموت كانوا جميعهم كل حياتهم تحت العبودية." (عب 2: 14-15)
25. لماذا أعلن السيد المسيح عن قيامته لخاصته وحدهم؟
تم الصلب علانية أمام القيادات اليهودية والشعب كما أمام الوالي والقادة العسكريين الرومان والعسكر، لكي يكشف عن حبه وبذل نفسه للجميع لليهود وللأمم، أما قيامته فتمتع بها من هم مستعدون للإيمان به حتى يتأهلوا لتتمتع بالحياة المقُامة، ويكرزوا بقيامته كعلامة لقبول الآب ذبيحته عن البشرية. يقول الرسول: "ولكن الآن قد قام المسيح من الأموات وصار باكورة الراقدين." (١ كو ١٥: ٢٠) يقول القديس أغسطينوس: [لنرى بالحقيقة أن الابن لا الآب مُقام من الأموات، إلا أن قيامة الابن هي من عمل كل من الآب والابن. إنها من عمل الآب، إذ كُتب: "لذلك رفَّعه الله أيضًا وأعطاه اسمًا فوق كل اسم" (في 2: 9). هكذا أقامه الآب إلى الحياة ثانية، رافعًا ومنقذًا إيّاه من الموت. هل أقام المسيح نفسه أيضًا؟ بالتأكيد فعل هذا، لأنه تحدث عن الهيكل كمثالٍ لجسده، قائلاً: "انقضوا هذا الهيكل، وفي ثلاثة أيام أقيمه." (يو 2: 19) فكما أن تركه للحياة يشير إلى آلامه، هكذا أخذه للحياة يشير إلى القيامة... من الواضح أن الآب أعاد له الحياة، إذ يقول المزمور: "أقمني فأجازيهم." (مز 41: 10) لكن لماذا تنتظرون منّي برهانًا على أن الابن قد أعاد الحياة لنفسه؟ دعوه يتحدّث بنفسه، إنه يقول: "لي سلطان أن أضعها، ولي سلطان أن آخذها أيضًا"، "ليس أحد يأخذها مني، بل أضعها أنا من ذاتي"، "لآخذها أيضًا." (يو 10: 17-18)[395]]
26. أين ورد الحديث عن قيامته في اليوم الثالث؟
يقول الرسول: "فإنني سلمت إليكم في الأول مما قبلته أنا أيضًا أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب، وأنه دُفن، وأنه قام في اليوم الثالث حسب الكتب." (١ كو ١٥: ٣-٤)
27. لماذا أظهر السيد نفسه خلال أربعين يومًا من يوم قيامته؟
أولاً: كان في هذه الفترة يعلمهم عن ملكوت الله، سواء خلال ظهوراته أو تعاليمه (أع ١: ٣).
ثانيًا: لو أنه صعد إلى السماوات في فترة ساعات أو أيام قليلة من بعد قيامته، لحوربوا بأن ما نظروه كان خيالاً.
ثالثًا: في هذه الفترة ظهر أيضًا لآخرين، وكما قال الرسول بولس أنه ظهر مرة لأكثر من خمسمائة مؤمن دفعة واحدة (١ كو ١٥: ٦).
28. هل شهد الكتاب المقدس عن صعوده؟
قدم لوقا البشير قصة الصعود في شيءٍ من التفصيل (أع ١: ٩-١٢؛ أف ٤: ١٠؛ عب ٨: ١).
29. كيف جلس يسوع المسيح عن يمين الآب؟
بالإيمان يُفهم ذلك روحيًا، إنه واحد مع أبيه في المجد والكرامة.
30. ماذا يقول الكتاب المقدس عن مجيء المسيح الثاني؟
قال الملاك: "ما بالكم واقفين تنظرون إلى السماء. إن يسوع هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقًا إلى السماء." (أع ١: ١١)
31. ما معني الرجاء؟
رجاؤنا هو راحة قلوبنا في الربّ، واثقين أنه يهتم بخلاصنا ويرعانا في كل كبيرة وصغيرة. يقول بولس الرسول إن ربنا يسوع المسيح هو رجاؤنا (١ تي ١: ١). ويقول بطرس الرسول: "القوا رجاءكم بالتمام على النعمة التي يؤتى بها إليكم عند استعلان يسوع المسيح." (١ بط ١: ١٣)
32. ماذا يقول القديس كيرلس الكبير عن شفيعنا ومخلصنا؟
إنه يقول: [الله يحب خليقته لكن له محبة خاصة نحو الإنسان، أكثر من خلائقه الأخرى. أظهر حبه الخاص نحو البشر بإرساله ابنه إلى الأرض لخلاص الإنسان[396].]
[المسيح الذي بلا خطية حمل في نفسه Himself كل خطايا البشر ليحطم قوة الخطية[397].]
[إنه خلال عظمة محبة الله، جاء المسيح ليخلص الإنسان الخاطي[398].]
[إن قلنا إن اللوغوس (الكلمة) لم يصر جسدًا، أي لم يُولد في الجسد، بهذا نحطم سرّ تدبير الله[399].]
[لم يقدم المسيح ذبيحته لأجل نفسه، إذ هو الله بدون خطية وغير محتاج إلى خلاصٍ[400].]
[حمل المسيح كل عقوبةٍ سقطت علينا، بهذا فقدت خطايانا قوتها[401].]
11 ألقاب المخلص وأسماؤه تشهد لأعمال حبه![402]
1. لماذا دُعي اسمه عجيبًا (إش 9: 7)؟
"يُدعى اسمه عجيبًا"، لأنه فائق الإدراك؛ أُعطي اسمًا فوق كل اسم لكي تجثو باسمه كل ركبة ممن في السماء، وممن على الأرض، ومن تحت الأرض (في 2: 9-11).
يقدم لنا الكتاب المقدس بعهديه ألقابًا وأسماء للسيد المسيح، بعضها رمزي، غايتها أن تكشف عن أعمال محبته للبشرية التي لا يُعبر عنها. مع كل لقبٍ تدخل النفس البشرية إلى أعماق جديدة، لتنعم بفيض حبه، يسندها في رحلتها على الأرض حتى تعبر إلى الفردوس، وتلتقي معه على السحاب في يوم الرب العظيم. فتراه مع جميع المؤمنين وقد عكس بهاء مجده على الإنسان ككل: نفسه وجسده وطاقاته. عندئذ يتعرف المؤمن على كمال حب الله الفائق ليعيش فيه أبديًا! يقول العلامة أوريجينوس: [يسوع هو كل شيء، كل الأسماء تناسبه. إنه كل شيء يعلنه[403].] ويقول القديس غريغوريوس النيسي: [إنني أدعوك هكذا لأن اسمك فوق كل اسم (في 9:2). إنه لا يوصف، وغير مدرك بالعقل البشري. يكشف اسمك عن صلاحك، وعلاقتي بك روحية[404].]
لاسم السيد المسيح قوة وعذوبة وجاذبية خاصة، تسحب القلب والفكر والحواس والعواطف، فيشعر المؤمن بالشبع الحقيقي، ولا يشتهي معه شيئًا، بل يزداد كل كيانه جوعًا وعطشًا إليه. يقول القدِّيس أغسطينوس: [اسمك مُفضل ليس فقط لأجل عظمته، وإنما لأجل بهجته أيضًا... يقول: "ذوقوا وانظروا ما أحلى الرب!" (مز 8:34).]
بروح النبوة يقول ابن سيراخ: "تعالوا إليَّ أيها الراغبون فيَّ، واشبعوا من ثماري. فإن ذكري أحلى من العسل، وميراثي أعذب من شهد العسل. الذين يأكلونني سيجوعون أكثر، والذين يشربونني سيعطشون أكثر." (سي 24: 19-21) من يأكل من السيد المسيح بكونه حكمة الله (1 كو 1: 24) ويشرب منه يزداد جوعه وعطشه إليه في شوقٍ عظيمٍ. وفي نفس الوقت من يجوع إليه ويعطش يتمتع بالشبع به أبديًا. يقول القديس أغسطينوس: [لكنك لن تتوقَّف عن الحب، لأن ذاك الذي تراه هو كمن يربكك ليس بأي نوع من القلق، وإنما يُشبعك وأيضًا لا يُشبعك في نفس الوقت. عندما أقول إنه يشبعك أخشى أن تكون كمن قد شبع ويود أن يرحل، كما من الغذاء أو العشاء. فماذا إذن أقول؟ لا يشبعك! مرة أخرى أخشى أن يبدو كمن لا يشبعك، فتبدو كمن في احتياج، كمن هو فارغ، وهذا الفراغ يحتاج أن يمتلئ. إذن ماذا أقول سوى ما يمكن قوله، وإن كان بصعوبة يمكن التفكير فيه. إنه يشبعك ولا يشبعك أيضًا، إذ أجد الاثنين في الكتاب المقدس. بينما يقول: "طوبى للجياع فإنهم يشبعون" (مت 5: 6)، مرة أخرى يقول عن الحكمة: "الذين يشربون يعطشون مرة أخرى" (راجع سي 24: 21)[405].]
2. لماذا دُعي يسوع "المخلص"؟
أ. حمل الاسم قوة سرية فائقة كما اختبرها السبعون رسولاً، إذ رجعوا إلى يسوع، قائلين: "يا رب حتى الشياطين تخضع لنا باسمك" (لو 10: 17). وفي حديث السيد المسيح الختامي للأحد عشر قبل صعوده، قال: "وهذه الآيات تتبع المؤمنين: يخرجون الشياطين باسمي" (مر 16: 17). وفي حديثه مع المرفوضين في يوم الرب العظيم يقولون له: "يا رب يا رب، أليس باسمك تنبأنا، وباسمك أخرجنا شياطين، وباسمك صنعنا قوات كثيرة؟!" (مت 7: 22) وكان الرسل يصنعون آيات وعجائب وأشفيه باسم يسوع. كما في شفاء الأعرج (أع 3: 6) وعند إخراج روح العرافة من جارية (أع 16: 18). وجاء في صلاة الرسل من أجل الخدمة والكرازة: لتُجر آيات وعجائب باسم فتاك القدوس يسوع" (أع 4: 30). وإذا استدعوا اسم يسوع "امتلأ الجميع من الروح القدس" (أع 4: 31).
ب. اسم يسوع هو موضوع الكرازة، في السامرة كان فيلبس "يبشر بالأمور المختصة بملكوت الله وباسم يسوع المسيح اعتمدوا" (أع 8: 12).
ج. جاءت تسابيح العهد الجديد تعلن مجد اسم يسوع (عب 1: 4؛ في 2: 9-10؛ أع 40:12). سلم المسيح نفسه كفَّارة لحسابنا، حتى متى منحنا الخلود، يفدينا من الموت[406]. يقول العلامة أوريجينوس: [كلمة "يسوع" مجيدة وتستحق كل سجود وعبادة[407].]
3. لماذا دُعي يسوع "المسيّا الملك المصلوب"؟
كلمة "مسيّا" تمثل العمود الفقري للتقليد اليهودي، بل لا نبالغ إن قلنا إنها شغلت أذهان الروحيين قبل مجيء كلمة الله المتجسد في العالم، ولا تزال تشغل أذهان الكثيرين منهم إلى يومنا هذا. كان شغل الشاغل لكل القادة اليهود متى رأوا في إنسانٍ ما أنه فريد في خدمته، هو التساؤل: أأنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟" كتب دارس يهودي عن نظرة اليهود إلى المسيٌا: "المسيَّا اليهودي هو مخلص قوي في القوة الجسمانية وفي الروح، هذا الذي سيجلب في الأيام الأخيرة خلاصًا كاملاً للشعب اليهودي، اقتصاديًا وروحيًا، يصحب هذا سلام أبدي، وخير فائض مادي، وكمال أخلاقي لكل الجنس البشري... إنه يخلص إسرائيل من السبي والعبودية، ويخلص العالم كله من الظلم والألم والحرب، وفوق هذا كله من الوثنية، ومن كل ما يمسها: خطية الإنسان ضد الله وضد أخيه الإنسان، خاصة خطية أمة ضد أمة[408]." أراد السيد المسيح أن يرفع فكر تلاميذه فوق الفكر المادي، فحين سألهم: من يقول الناس إني أنا؟ "أجابه سمعان بطرس: "أنت هو المسيح، ابن الله الحي" (مت 16: 16؛ مر 7: 29؛ لو 9: 20). وفي حواره مع الفريسيين بخصوص رؤيتهم للمسيا، كانت إجابتهم له "ابن داود"، فأراد أن يسمو بأفكارهم لإدراك حقيقة المسيا، قائلاً لهم: "فكيف يدعوه داود بالروح ربًا؟ قائلاً: قال الرب لربي اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئًا لقدمي. فإن كان داود يدعوه ربًا، فكيف سيكون ابنه؟" (مت 22: 41-46).
يقول المرتل: "كرسيك يا الله إلى دهر الدهور. قضيب الاستقامة هو قضيب ملكك. لأنك أحببت البرّ، وأبغضت الإثم. من أجل هذا مسحك الله إلهك بزيت البهجة أفضل من رفقائك. المرّ والميعة والسليخة من ثيابك" (مز 45: 6-8). يتطلع المرتل إلى المسيّا الملك الغالب بصليبه، الذي يُقدم دمه الثمين كفارة عن خطايا العالم، ومهرًا لعروسه الملكة السماوية، فيترنم قائلاً: "كرسيك يا الله إلى دهر الدهور". وقد وضعت الكنيسة القبطية لحنًا مشهورًا يُدعى "بيك اثرونوس" أي "كرسيك" يستغرق حوالي ثلث ساعة تنطلق فيه النفس لتتأمل في عرش الملك المصلوب. تترنم به في أسبوع الآلام (الثلاثاء) كما في الجمعة العظيمة قبل الدفن. إن أحداث الصلب والدفن في عيني المؤمن ليست إلا إعلانًا عن عرش الملك الأبدي.
في العهد القديم كان الأنبياء والكهنة والملوك يُمسحون بالدهن المقدس علامة حلول الروح عليهم لتكريس حياتهم للعمل المقدس. ولم يكن ممكنًا في العهد القديم أن يُمسح إنسان ما ملكًا وكاهنًا في نفس الوقت، لأن الكهنة من سبط لاوي بينما الملوك من سبط يهوذا، أما كلمة الله المتجسد المصلوب فيعمل لتقديس كل البشرية. فريد في مسحته، لأنه وهو رب الكهنة والأنبياء والملوك وخالق الذبائح، قَبِل بإرادته ومسرته أن يصير الكاهن والنبي والملك والذبيح!
لقد مُسح السيد المسيح كحجر مرفوض وحده يصلح رأسًا للزاوية (مز 118: 22)، وكما يقول الرسول بطرس: "الذي إذ تأتون إليه حجرًا حيَّا مرفوضًا من الناس، ولكن مُختار من الله كريم، كونوا أنتم أيضًا مبنيين كحجارة حية بيتًا روحيًا كهنوتًا مقدسًا لتقديم ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح" (1 بط 2: 4، 5). يقول الشهيد يوستين: [لأنه بالحق نال كل الملوك والأشخاص الممسوحين منه نصيبهم في أسماء الملوك والمسحاء، كما تسلم من الآب الألقاب: "الملك والمسيح والكاهن والملاك" والألقاب الأخرى المماثلة التي يحملها أو قد حملها[409].]
يقول البابا أثناسيوس الرسولي: [حينما اغتسل الرب في الأردن كإنسانٍ، كنّا نحن الذين نغتسل فيه وبواسطته. وحينما اقتبل الروح، كنّا نحن الذين صرنا مقتبلين للروح بواسطته. ولهذا السبب، فهو ليس كهرون أو داود أو الباقين، قد مُسح بالزيت هكذا، بل بطريقة مغايرة لجميع الذين هم شركاؤه، أي بزيت الابتهاج (مز 45: 7-8)، الذي فُسّر أنه يعني الروح قائلاً: "كيف مسحه الله بالروح القدس"[410].]
4. لماذا دُعي يسوع "الرب يهوه"؟[411]
جاءت كلمة "يهوه" (أي الكائن والحاضر وسط شعبه) في الترجمة السبعينية Kyrios أو رب. المعنى العام للكلمة تعني مالك قوة وسلطان على أشخاصٍ أو أشياءٍ، وله حق التصرف فيهم أو فيها. وقد لُقب السيد المسيح ربًا في رو 10: 9؛ 1 كو 12: 3؛ في 2: 11 الخ. لخص القديس بطرس عمل القيامة وتمجيد يسوع بالكلمات: "فيعلم يقينا جميع بيت إسرائيل أن الله جعل يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم ربًا ومسيحًا" (أع 2: 36). ويقدم لنا الرسول بولس سلسلة من الأعمال التي للسيد المسيح تمس ربوبيته (رو 14: 8-9؛ 1 كو 3: 5؛ 4: 19؛ 14: 37؛ 16: 7؛ 2 كو 4: 5؛ 8: 5؛ 10: 8؛ 20: 8).
بقوله: "أنا كائن" يعود بنا إلى لقبه قبل التجسد، حين سأله موسى النبي عن اسمه عندما رأى العليقة المتقدة نارًا. عرف موسى أن الذي يحدثه هو الله، فسأله عن اسمه، "فقال الله لموسى: أهيه الذي أهيه، وقال: هكذا قل لبني إسرائيل أهيه أرسلني إليكم... إله آبائكم إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب أرسلني إليكم" (خر 3: 14-15). حملت إجابة الله لموسى شقين:
أولاً: "أن الله غير مُدرَك وفوق كل تسمية، "أهيه أي أنا هو". التي قالها السيد عن نفسه عند القبض عليه "فلما قال لهم إني أنا هو رجعوا إلى الوراء وسقطوا على الأرض" (يو 18: 6).
ثانيًا: أنه الله المنتسب للبشرية، مُنتسب لخاصته الأحباء "إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب".
ويرى القدِّيس أغسطينوس أن هذه العبارة تعني أنه إذا قورنت كل الأمور الزمنية بالله تصير "باطلاً"[412] أو "لا شيء"، وأنها تعلن عن الله بكونه الوجود الأول والسامي غير المتغير[413].
5. لماذا دُعي يسوع "كلمة الله"؟[414]
كانت كلمة "لوغوس" معروفة لدى اليهود والأمم، عرَّفها هيرقليتس Heracllitus حوالي 500 ق.م بأنها العقل الجامع الذي يحكم العالم ويخترقه، وقد تبناه الرواقيون وأشاعوه. وفي اليهودية الهيلينية "اللوغوس" هو أقنوم مستقل، تطورت فكرته ليكون مصاحبًا للحكمة (صوفيا) (الحكمة 9: 1-2؛ 18: 15). جاءت افتتاحية إنجيل يوحنا: "في البدء كان الكلمة (اللوغوس)، والكلمة كان عند الله، كان الكلمة الله" (يو 1: 1). جاءت هذه العبارة في ثلاثة مقاطع موزونة موسيقيًا في اللغة العبرية، حيث يتكرر في الثلاثة الاسم "الكلمة" والفعل "كان". هنا الفعل يدل على الكينونة الدائمة القائمة في البدء لا على الزمن. غاية هذه الافتتاحية أن تقدم للقارئ شخص ربنا يسوع المسيح موضوع السفر، بكونه الكلمة الأزلي، العامل مع الآب في الخليقة. بكونه الله نفسه، يعلن عن الآب، ويقدمه لنا كما يقدم نفسه لنا. إنه كلمة الله المتحدث معنا، والذي يقدم ذاته كلمة الله لكي نقتنيه سرّ حياة أبدية. إنه حياة الكل، ونور كل إنسانٍ. هذا الأزلي صار جسدًا وعاش كإنسانٍ، رفضه خاصته اليهود بالرغم من شهادة القديس يوحنا المعمدان له. لكن وُجدت بقية أمينة قبلته، فصاروا أبناء الله، وأعضاء في العائلة الإلهية.
حينما نسمع "كلمة الله"، يلزمنا ألا نقارنه بكلمة الإنسان المنطوق بها والتي تخرج من فمه ولا ترتبط بجوهره أو كيانه البشري. يقول القديس أغناطيوس: [يوجد الله الواحد الذي أعلن عن نفسه بيسوع المسيح ابنه، الذي هو كلمته (اللوغوس)، ليس منطوقا به بل جوهري. لأنه ليس صوتًا لأداة نطق، بل أقنوم مولود بالقوة الإلهية[415].] ويقول القديس أمبروسيوس: [يُدعى الكلمة والابن وقوة الله وحكمة الله. الكلمة لأنه بلا عيب، والقوة لأنه كامل، والابن لأنه مولود من الآب، والحكمة لأنه واحد مع الآب في السرمدية، واحد في اللاهوت. ليس أن الآب أقنوم واحد مع الابن. إذ يوجد تمايز واضح بين الآب والابن يأتي من الولادة، هكذا المسيح هو إله من إله، خالد من خالد، كامل من كامل[416].]
يقول القديس أغسطينوس: [كما أن كلمتي قد جُلبت إلى أجسامكم، ولم تفارق قلبي، هكذا الكلمة جاء إلى حواسنا ومع ذلك لم يفارق الآب. كانت الكلمة معي وجاءت في صوت. كانت كلمة الله مع الآب، وجاءت في جسدٍ. لكن هل أستطيع أن أفعل بصوتي ما يستطيع (ابن الله المتجسد) أن يفعله بجسده؟ فإني لست سيدًا على صوتي عندما يطير. أما هو فليس فقط سيدًا لجسده ليولد ويعيش ويعمل، بل وأيضًا إذ مات أقامه ومجّده الآب، فهو المركبة الحاملة له والتي بها جاء إلينا[417].]
يقول العلامة أوريجينوس: [صار الكلمة إلى البشر الذين لم يستطيعوا قبلاً أن يتقبلوا رحلة ابن الله الذي هو الكلمة. من الجانب الآخر، لم يأتِ الكلمة لكي يصير عند الله كما لو لم يكن الكلمة قبلاً عند الله؛ وإنما لأنه هو مع الآب على الدوام؛ قيل: "والكلمة كان عند الله" (يو ١: ١)، إذ لم يأتِ ليصير مع الله[418].] كما يقول: [من يساندنا؟ يسوع المسيح، قوة الله وحكمة الله (1 كو 1: 24). علاوة على هذا يؤازرنا، ليس ليومٍ أو يومين، وإنما أبديًا[419].]
يقول القديس أثناسيوس الرسولي: [لم يصر كلمة الله من أجلنا بل بالحري نحن قد صرنا من أجله. وبه خُلقت كل الأشياء. وليس بسبب ضعفنا نحن كان هو قويًا وصائرًا من الآب وحده، لكي يخلقنا بواسطته كأداة! حاشا! فالأمر ليس كذلك، لأنه حتى لو لم يستحسن الله أن يخلق المخلوقات، فالكلمة مع ذلك كان عند الله وكان الآب فيه. وفى نفس الوقت كان من المستحيل أن تكون المخلوقات بغير الكلمة، لأنها قد صارت به؛ وهذا هو الصواب. وحيث أن الابن هو الكلمة ذاته حسب الطبيعة الخاصة بجوهر الله، وهو منه وهو فيه كما يقول هو نفسه، لذلك لم يكن ممكنًا أن تصير المخلوقات إلا به. لأنه مثلما يضيء النور كل شيءٍ بأشعته وبدون إشعاعه ما كان شيء قد أضاء، هكذا أيضًا فإن الآب خلق كل الأشياء بالكلمة كما بواسطة يد، وبدونه لم يخلق شيئًا[420].] كما يقول: [حتى وإن لم يُخلق شيء ما فإنه كان كلمة الله موجودًا والله الكلمة. لكن الكلمة ما كان يمكن أن يصير إنسانًا لو لم يكن للإنسان احتياج إلى ذلك[421].]
6. لماذا دُعي يسوع "قوة الله وحكمة الله"؟[422]
الذين قبلوا الدعوة الإلهية سواء كانوا يهودًا أو من الأمم صارت لهم نظرة واحدة نحو المسيح المصلوب. إنهم يرونه قوة الله، إذ يجدون قوة الخلاص العامل في حياتهم. ويدركون حكمة الله، أي خطته الإلهية للغفران والتقديس وتمجيد الإنسان أبديًّا في الرب (1 كو 1: 24). يرون في الصليب سرّ تمتع أعماقهم بالجمال الحقيقي، والسمو في الفكر، وتحقيق الخلاص. يرونه مشرقًا على كل المسكونة ليأخذهم في أحضانه. الكل مدعوون ليصيروا بالحق عروس المسيح العفيفة الواحدة، تحمل قوة الله وحكمته. إن كان اليهود يطلبون آية، فإن المسيح ذاته هو أعظم الآيات، صليبه الذي يبدو لليهود عثرة هو قوة الله للخلاص لمن يؤمن به. وإن كان اليونانيون يطلبون حكمة، فالمسيح هو حكمة الله (كو 3:2). يقول القديس إكليمنضس السكندري: [تعليم المخلص فيه الكفاية دون أية مساندة إضافية، لأنه هو قوة الله وحكمة الله[423].] ويقول القديس غريغوريوس النيسي: [من يؤمن حقًا يتحد تمامًا بذاك الذي فيه الحق واللاهوت والجوهر والحياة والحكمة، ويرى فيه كل هذه والتي ليست فيمن لا يؤمن. فإنه بدون ابن الله لا يكون لك وجود ولا اسم، ويصير القوي بلا قوة، والحكيم بلا حكمة. لأن المسيح هو "قوة الله وحكمة الله" (1 كو 24:1)، فإن من يظن أنه يرى الله الواحد بلا قوة ولا حق ولا حكمة ولا حياة ولا نور حقيقي، إما أنه لا يرى شيئًا بالمرة، أو بالتأكيد يرى ما هو شر[424].] كما يقول: [عندما خلق الله كل الأشياء... لم يكن محتاجًا إلى أية مادة لكي يعمل، ولا إلى أدوات في إقامة الخليقة، لأن قوة الله وحكمته لا تحتاج إلى عونٍ خارجي[425].]
7. لماذا دُعي يسوع المشير؟
يقول إشعياء النبي: "لأنه يولد لنا ولد ونُعطى ابنًا، وتكون الرئاسة على كتفه ويُدعى اسمه عجيبًا مشيرًا إلهًا قديرًا أبًا أبديًا لنمو رياسته وللسلام لا نهاية على كرسي داود وعلى مملكته ليثبتها ويعضدها بالحق والبرّ من الآن وإلى الأبد، غيرة رب الجنود تصنع هذا" (إش 9: 6-7). يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [دُعي ابن الله هكذا (رسول المشورة العظيمة) من أجل الأمور التي علمّها خاصة وأنه أعلن للبشر عن الآب، إذ يقول: "أظهرت اسمك للناس" (يو 17: 6)... أعلن اسمه بالكلمات والأعمال[426].] كما يقول القديس إكليمنضس السكندري: [ليست معرفة بدون إيمان، ولا إيمان بدون معرفة... الابن هو المعلم الحقيقي عن الآب؛ إننا نؤمن بالابن لكي نعرف الآب، الذي معه أيضًا الابن. مرة أخرى، لكي نعرف الآب يلزمنا أن نؤمن بالابن، إنه ابن الآب. معرفة الآب والابن، بطريقة الغنوسي الحقيقي، إنما هي بلوغ للحق بواسطة الحق... حقًا، قليلون هم الذين يؤمنون ويعرفون[427]] ويقول العلامة أوريجينوس: [أُرسل الكلمة الإلهي كطبيبٍ للخطاة، وكمعلمٍ للأسرار الإلهية الذين هم أنقياء بلا خطية[428].]
8. لماذا دُعي يسوع ملك الملوك؟
يربط البعض بين تعبيري "مسيا" و"ملك". فالمسيا في العهد القديم هو الملك الأبدي البار الممسوح ليقيم خيمة داود الساقطة، تمتد مملكته إلى أقاصي الأرض، ناموسها الحق والعدل الإلهي، نقتبس هنا بعض نبوات عن شخصه العجيب كملكٍ سماوي ومملكته الفائقة:
"أقيم لداود غصن برّ، فيملك ملك وينجح ويُجري حقًا وعدلاً في الأرض" (إر 23: 5).
"كرسيك يا الله إلى دهر الدهور، قضيب استقامة قضيب ملكك. أحببت البرّ وأبغضت الإثم، من أجل ذلك مسحك الله إلهك بدهن الابتهاج أكثر من رفقائك... جُعلت الملكة عن يمينك بذهب أوفير..." (مز 45).
"اللهم أعطِ أحكامك للملك، وبٌرك لابن الملك. يدين شعبك بالعدل ومساكنك بالحق... يملك من البحر إلى البحر، ومن النهر إلى أقاصي الأرض" (مز 72).
"كنت أرى في رؤى الليل، وإذا مع سحب السماء مثل ابن إنسان أتى وجاء إلى القديم الأيام، فقٌربوه قدامه، فأعطي سلطانًا ومجدًا وملكوتًا لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول، وملكوته لا ينقرض" (دا 7: 13-14).
أدرك المجوس أن المولود ملك اليهود (مت 2: 2). وجاءت البشارة للقديسة مريم بميلاده واضحة أن المولود يجلس ملكًا، وملكوته لن يزول: "هذا يكون عظيمًا وابن العلي يُدعي، ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه، ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد، ولا يكون لملكه نهاية" (لو 1: 32-33).
قدم لنا الإنجيلي متى في إنجيله السيد المسيح الملك، وجاء السفر يتكلم عن كل ما يخص الملك ومملكته. وأظهر العهد الجديد الكنيسة بكونها ملكوت الله. وعندما أحضره اليهود إلى بيلاطس اتهموه بأنه قال عن نفسه إنه المسيح الملك (لو 23: 1-3). وعندما سأله بيلاطس: أفأنت إذًا ملك؟ لم ينكر السيد المسيح أنه ملك (يو 18: 37). "أجابه يسوع: أنت تقول إني ملك. لهذا قد وُلدت أنا، ولهذا قد أتيت إلى العالم".
مملكة السيد المسيح فريدة من جهة كشفها العملي للحب الإلهي:
1. كملك الملوك ورب الأرباب، يقيم من شعبه ملكة تجلس عن يمينه (مز 45: 13).
2. كملكٍ محبٍ لنا سترنا فيه (كو 3: 3)، لكيلا نكون طرفًا في المعركة ضد إبليس.
4. كملك سماوي يهبنا إمكانية رفع القلب فوق كل ما هو أرضي (رو 8: 21).
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم [الذين كانوا يُمسحون في العهد القديم إمّا كهنة أو أنبياء أو ملوك. أمّا نحن المسيحيّون، أصحاب العهد الجديد، فيلزم أن نُمسح لكي نصير ملوكًا متسلّطين على شهواتنا، وكهنة ذابحين أجسادنا، ومقدّمين إيّاها ذبيحة حيّة مقدَّسة مرضيّة عبادتنا العقليّة (رو 12: 1)، وأنبياء لإطلاعنا على أسرارٍ عظيمةٍ جدًا وهامة للغاية.] ويقول العلاّمة أوريجينوس: [من يشرب الكأس التي شربها الرب يسوع سوف يجلس ويملك ويحكم إلى جانب ملك الملوك. هذا هو كأس الخلاص، من يأخذه يدعو باسم الرب. وكل من يدعو باسم الرب يخلُص (يؤ 2: 32)[429].] وجاء في ليتورجيّة القدّيس يعقوب: [ليحتفظ كل الجسد المائت بالصمت، وليقف في خوفٍ ورعدةٍ، ولا يتأمّل في أمرٍ أرضيٍ فيه. لأن ملك الملوك ورب الأرباب، المسيح إلهنا، مقدّم ذبيحة، ويوهب طعامًا لمؤمنيه.] ويقول القديس مار يعقوب السروجي: [كيف يحلّ ملك الملوك ورب جميع الأرباب في نفس مملوءة حمأة نتنة؟ اطرد من نفسك كل شر الأهواء الشريرة، حينئذ يحلّ عندك الملك وجيشه العظيم[430].]
9. لماذا دُعي يسوع ابن الله وابن الإنسان؟
كان لقب ابن الإنسان محببًا لدى السيد المسيح، إذ أراد تأكيد تأنسه حبًا في البشرية، وعندما سأل: "ماذا يقول الناس إني أنا ابن الإنسان" (يو 12: 34؛ مت 16: 13) كان قادة اليهود يدركون ما وراء تعبير "ابن الإنسان" في دانيال. "كنت أرى في رؤى الليل، وإذا مع سحب السماء مثل ابن إنسانٍ أتى وجاء إلى القديم الأيام فقربوه قدامه. فأعطي سلطانًا ومجدًا وملكوتًا لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول، وملكوته ما لا ينقرض" (دا 7: 13-14).
وعندما سُئل: "إن كنت أنت المسيح، فقل لنا" (لو 22:67)، وأجاب أنه ابن الإنسان، قال الجميع: "فأنت ابن الله؟ فقال لهم: أنتم تقولون إني أنا هو. فقالوا: ما حاجتنا بعد إلى شهادة، لأننا نحن سمعنا من فمه" (لو 22: 70-71؛ يو 18: 7؛ مت 27: 40، 43). يربط السيد المسيح بين اللقبين، فحين قال له نثنائيل: "يا معلم أنت ابن الله" (يو 1: 49)، علق السيد بقوله": "الحق الحق أقول لكم من الآن ترون السماء مفتوحة وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن الإنسان" (يو 1: 51). يقول القديس هيبوليتس الروماني: [هو رب الذين في السماء لأنه كلمة الله المولود قبل الدهور؛ ورب الذين على الأرض لأنه أُحصي بين الأموات كارزًا بالإنجيل لنفوس القديسين (1 بط 3: 19)، وقد غلب الموت بالموت[431].]
فيه صرنا أبناء الله: في ابن الله الوحيد المحبوب نلنا التبني، فصرنا أبناء، لنا حق شركة الميراث، لكن شتان ما بين الابن المحبوب وحيد الجنس، وبين الأبناء بالتبني. يقول القديس أغسطينوس: [أقام الآب شركاء في الميراث مع ابنه الوحيد، لكنهم ليسوا مولودين مثله من جوهره، إنما تبناهم ليصيروا أهل بيته[432].] ويحثنا القديس غريغوريوس النيسي على الاشتياق للتشبه بالملائكة خلال عمل المسيح الخلاصي فينا، فيقول: [إننا نحيا مع المسيح نتيجة لصلبنا معه، ونتمجد أيضًا معه ونملك معه. أما نتيجة حضورنا لله فهي إننا نتغير من رتبة الطبيعة البشرية والكرامة الإنسانية إلى تلك التي للملائكة، وهكذا يقول دانيال "ألوف ألوف وقوف قدامه" (دا 7: 10)[433].]
دعوته الآب "أبا": في كل أحاديث السيد المسيح مع الآب، استخدم كلمة "أبا"، باستثناء حديثه على الصليب حيث أراد توجيه أنظارنا إلى المزمور 22 ليؤكد أن صلبه لم يأتِ مصادفة، بل تحقيقًا للنبوات. لقد صرخ ببدء المزمور الخاص بالصلب: "إلهي، إلهي، لماذا تركتني".
يقول J.A. Fitzmyer إن كلمة "أبا" في ذلك الحين لا تعادل Daddy، إذ لم تكن لغة الطفل الصغير مع أبيه، بل لغة الابن الناضج الذي يتحدث بروح الوقار والالتزام مع أبيه[434].
إن كان الابن موضع سرور الآب، والواحد معه في الجوهر، يدعوه "أبا"، فباتحادنا به كأعضاء في جسده وهبنا - خلال المعمودية - البنوة للآب، فيحق لنا ما يقوله الرسول بولس: "إذ لم تأخذوا روح العبودية أيضًا للخوف، بل أخذتم روح التبني الذي به نصرخ: يا أبا، الآب" (رو 8: 15). هكذا دخل بنا الابن الوحيد المتجسد إلى حضن الآب لنتحدث معه بلغة البنين الناضجين، الملتزمين بتحقيق إرادة أبيهم ببهجة ومسرة، منقادين بروح الله القدوس. يرى القديس أغسطينوس أن الرسول استخدم الكلمتين "أبا، الآب" (رو 8: 15)، بالأولى ينادي أهل الختان الله بلغتهم (الآرامية)، وبالثانية ينادي أهل الغرلة الله أيضًا بلغتهم. وكأن السيد المسيح قد ضم اليهود مع الأمم ليتحدث الكل معًا بلغة البنين وبدالة لدي الآب، كل بلغته[435].
10. لماذا دُعي يسوع آدم الجديد (الثاني)؟
يقدم لنا الرسول بولس شخص السيد المسيح بكونه آدم الجديد، الذي احتل مركز آدم الأول، لكي يقدم للبشرية ما فشل في تقديمه أبوهم الأول، ويُصلح ما ورثوه عنه من فساد (1 كو 15: 21-22؛ 44-49). "من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم، وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس، إذ أخطأ الجميع. فإنه حتى الناموس كانت الخطية في العالم، على أن الخطية لا تُحسب، إذ لم يكن ناموس. لكن قد ملك الموت من آدم إلي موسى، وذلك على الذين لم يخطئوا على شبه تعدي آدم الذي هو مثال الآتي" (رو 5: 12-14).
آدم الأول كرأس للبشرية حسب الجسد قدم لها الخطية ودخل بها إلى الموت. أما السيد المسيح، رأس البشرية حسب الروح، فقدم بنعمته الإلهية بالصليب والقيامة والصعود المصالحة مع الآب، واهبًا إيانا برَّه الإلهي، ودخل بنا إلى الحياة الأبدية. لا نعجب إن كان الرسول بولس في مواقف كثيرة يؤكد حقيقة ناسوت المسيح، فقد صار بالحق آدم الأخير، وخضع تمامًا للآب في طاعة كاملة حتى موت الصليب (في 2: 8). بهذه الطاعة انسحبنا من نسبنا لآدم الأول الذي بعصيانه دخلت الخطية المفسدة، وانتسبنا لآدم الجديد الذي بطاعته نتمتع بالخلاص. لو لم يأخذ مسيحنا جسدًا حقيقيًا ونفسًا بشرية ما كان يمكنه أن يطيع حتى الموت، وما كانت أعماله حقيقية، وبالتالي ما تحقق خلاصنا به.
يقول القديس أمبروسيوس: [في آدم أنا سقطت، في آدم طُردت من الفردوس، في آدم أنا مت. كيف يردني الله ما لم يجدني في آدم الجديد؟ فكما في آدم أنا مجرم ومدين حتى الموت، هكذا في المسيح أتبرر[436].] ويقول القديس إيرينيؤس: [لقد حتٌم الله أن الإنسان الأول يحمل طبيعة حيوانية، على أساس أنه يخلص بالطبيعة الروحانية[437].] يقول القديس أغسطينوس: [كل البشر الذين مات المسيح لأجلهم، ماتوا في خطية آدم الأول، والذين يعتمدون في المسيح يموتون عن الخطية[438].] يقول القديس جيروم: [في معصية آدم طُردنا جميعًا من الفردوس بالخطية (تك 3: 23-24). يعلمنا الرسول أنه حتى نحن الذين جئنا مؤخرًا سقط آدم فينا. لذلك في المسيح، في آدم السماوي، نؤمن أننا نحن الذين سقطنا من الفردوس بخطية آدم الأول رجعنا إليه ببرّ آدم الثاني[439].] يقول القديس كيرلس السكندري: [إنه دُعي آدم الأخير، لأنه من آدم بحسب الجسد، وقد صار بداية ثانية للذين على الأرض ففيه عادت طبيعة الإنسان إلى حياة جديدة في التقديس وعدم الفساد بالقيامة من الأموات. فإنه هكذا قد نقض الموت، إذ لم يحتمل الذي هو الحياة بطبعه أن يخضع جسده للفساد، فإن المسيح "لم يكن ممكنًا أن يمسك منه" (أع 2: 24) بحسب كلمات بطرس الإلهية. وهكذا انتقلت بركات هذه النصرة منه إلينا[440].]
آدم الجديد يهبنا الحياة الجديدة: يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن السيد المسيح بكونه الحياة، أو مصدر الحياة، لا يمكن إلا أن يكون أزليًا، وإلا فمن وهب الحياة إن كان هو نفسه غير موجود في وقتٍ ما؟ إنه يقول: [هو الحياة... التي بلا بداية ولا نهاية، فإنها بهذا تكون بالحقيقة الحياة كما يلزم. فإنه إن كان يوجد وقت ما لم تكن فيه الحياة، فكيف يمكنها أن تكون حياة للآخرين إن كانت هي نفسها غير موجودة؟![441]] ويقول القديس أغسطينوس: [نصير بالحقيقة أحرارًا عندما يدبر الله حياتنا، أي يشكلنا ويخلقنا لا ككائنات بشرية، فإن هذا قد صنعه بالفعل، بل يجعلنا شعبًا صالحًا، الأمر الذي يفعله الآن بنعمته، حتى نصير خلائق جديدة في المسيح يسوع. لهذا نقدم الصلاة: "قلبًا نقيًا، اِخلقه فيّ يا الله" (مز 51: 10).]
11. لماذا دُعي يسوع حمل الله؟
هذا اللقب محبب للغاية للمؤمن على الأرض، كما في السماء. فقد دعاه السابق الصابغ يوحنا "حمل الله" (يو 1: 29، 36). وأيضًا القديس بطرس (1 بط 1: 19) وذُكر 28 مرة في سفر الرؤيا. وكثيرًا ما تستخدم الكنائس الرسولية هذا اللقب في ليتورجياتها وعبادتها. بهذا اللقب نذكر أن خروف الفصح إنما كان إشارة إلى السيد المسيح الذي حقق عبورنا من العبودية إلى حرية مجد أولاد الله. يقول الرسول بولس: "لأن فصحنا أيضًا المسيح قد ذُبح لأجلنا" (1 كو 5: 7). يقول العلامة أوريجينوس: [أية عظمة لحمل الله الذي ذُبح لكي يرفع الخطية ليس عن قليلين بل عن كل العالم، الذي من أجله تألم؟ "لأنه إن أخطأ أحد، فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار، وهو كفارة لخطايانا، ليس لخطايانا فقط، بل لخطايا العالم أيضًا" (١ يو ٢: ١–٢). إذ هو مخلص كل بشرٍ ولاسيما المؤمنين (١ تي ٤: ١٠). إنه هو الذي محا الصك الذي كان علينا بدمه، ورفعه من الوسط، فلم يعد أثر للخطايا التي وُجدت بل مُحيت، مسمرًا إياها على الصليب، هذا الذي إذ جرد الرئاسات والسلاطين أشهرهم جهارًا، ظافرًا بهم في الصليب (كو ٢: ١٤–١٥). هكذا تعلمنا أن نكون فرحين حينما نتألم في العالم. نتعلم علة فرحنا، وهو أن العالم قد انهزم (يو ١٦: ٣٣). وبالتأكيد خضع لمن غلبه. لهذا كل الأمم تتحرر ممن سيطروا عليهم، وصاروا يخدمونه، إذ ينقذ الفقراء من الجبار وذلك بقوة آلامه، ويخلص المسكين الذي لا معين له (مز ٧٢: ٤–٥)[442].] كما يقول: [موت المسيح أبطل القوات المقاومة للجنس البشري، وأباد بسلطانٍ لا يُوصف الحياة في الخطية في حياة كل مؤمنِ[443].]
12. لماذا دُعي يسوع ذبيحة خطية؟[444]
يقول الرسول: "لأنه جعل الذي لم يعرف خطية خطية لأجلنا، لنصير نحن برّ الله فيه" (2 كو 21:5). الذي لم يعرف خطية صار ذبيحة خطية مُقدمة عنا. الكلمة العبرية hamarita الواردة هنا ترجمت في السبعينية في أسفار الخروج واللاويين والعدد "ذبيحة خطية offering-Sin".
إذ قبل مسيحنا أن يكون تقدمة خطية وضع كل البشرية أيديهم عليه ليحمل كل ثقل الخطايا. إذ احتل مسيحنا موضعنا حُسب كمن هو أعظم الخطاة، وهبنا أن نحتل موضعه، فنُحسب في عيني الآب أبرارًا، إذ نحمل برّ المسيح. يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [حدث أن صار مطيعًا، إذ أخذ ضعفاتنا وحمل أمراضنا، شافيًا عصيان البشر بطاعته، حتى بجلداته يشفي جرحنا، وبموته يطرد الموت العام لكل البشر. فمن أجلنا صار مطيعًا، ومن أجلنا صار "خطية" و"لعنة" لأجل التدبير لحسابنا، وليس بحسب الطبيعة، إنما صار هكذا في حبه للبشر[445].] ويقول القديس كيرلس الكبير: [بكونه بارًا (أو بالحري هو البٌر إذ لا يعرف الخطية نهائيًا) جعله الآب ذبيحة عن خطايا العالم (2 كو 21:5)[446].] ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [دُعي الصليب "مجدًا"... فكان من الضروري تقديم الذبيحة عنا أولاً، حتى تُنزع العداوة التي في جسدنا، فنصير أصدقاء الله، وعندئذ نتقبل العطية[447].]
13. لماذا دُعي يسوع رئيس الكهنة السماوي؟
يقدم لنا القديس بولس في رسالته إلى العبرانيين صورة حية للسيد المسيح كرئيس الكهنة على رتبة ملكي صادق، يدخل بنا إلى الأقداس السماوية، يشفع فينا بدمه، ويقدم حياته ذبيحة عنا. بدأ حديثه في الأصحاح الخامس في جوهر موضوع رسالته، ألا وهو "كهنوت السيد المسيح"، الذي هو ليس على رتبة هرون، بل على رتبة ملكي صادق إلى الأبد. بدأ الحديث عن هرون بكونه أول رئيس كهنة مدعو من الله مباشرة لهذا العمل، والمتفوق على جميع رؤساء الكهنة الذين خلفوه، لكنه يحتاج إلى تقديم ذبائح عن نفسه بسبب ضعفه، قبِلَ أن يقدمها عن الشعب، ليقدم لنا من هو أعظم منه بما لا يُقاس، ربنا يسوع الذي يدخل بنا إلى الأقداس السماوية، يشفع فينا على مستوى جديد وفريد.
عرض الرسول بولس سمات رئيس الكهنة وعمله ليكشف عن السمو الفائق للسيد المسيح متى قورن بهرون، وليوضح عمل السيد المسيح الكهنوتي بالنسبة لنا في ظل العهد الجديد. نتمتع بالشركة معه، فننعم بالكهنوت العام، نبسط أيادينا في الصلاة، فتُقبل ذبيحة شكر وتسبيح لدى الآب خلال ابنه الكاهن الأعظم. ونقدم العبادة ككهنة نطلب عن العالم كله، فنصلي الصلاة الربانية باسم الكنيسة كلها قائلين: "أبانا الذي في السماوات".
الشرط الأول في رئيس الكهنة أن يكون "مأخوذًا من الناس" (عب 5: 1). فرئيس الكهنة يشفع في بني جنسه "البشر" يشعر بضعفاتهم ويعمل باسمهم. تحقق هذا في السيد المسيح، إذ صار كواحدٍ منا ليس بغريبٍ عنا، حتى يقوم بدوره الكهنوتي عن الناس.
الشرط الثاني أن "يُقام لأجْل النّاس في ما لله، لكيْ يقدّم قرابين وذبائح عن الْخطايا" (عب 5: 1). صار الابن الوحيد الجنس ابن الإنسان يقدم حياته قربانًا وذبيحة حب لكي يطهرهم من الخطايا، مقدسًا ضمائرهم ومجددًا نفوسهم الداخلية، ليصيروا لله أبيه. يدخل بهم إلى البنوة للآب خلال تقديسهم باتحادهم معه وثبوتهم فيه، الأمر الذي لن تقدر خليقة سماوية أو أرضية أن تحققه.
الشرط الثالث أن يكون مدعوًا من الله. الْمسيح أيْضًا لمْ يمجّدْ نفْسه ليصير رئيس كهنةٍ، بل الّذي قال له: أنْت ابْني أنا الْيوْم ولدْتك. كما يقول أيْضًا في موْضعٍ آخر: أنْت كاهنٌ إلى الأبد على رتْبة ملْكي صادق" (عب 5: 4-6). يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [عظيم هو الفارق! إنه هو الفدية والكاهن والذبيحة! فلو كان الأمر غير ذلك لصارت هناك حاجة إلى تقديم ذبائح كثيرة، وكان يُصلب مرارًا كثيرة[448].]
14. لماذا دُعي يسوع الشفيع الواحد؟
شفيع Paraclete أو Advocate. يقول العلامة أوريجينوس: [لقد دُعي مخلصنا أيضًا بالباراكليت وذلك في رسالة يوحنا عندما قال "فلنا شفيع Paraclete (1 يو 2: 1)... وهذه الكلمة في اليونانية تحمل معنيين: وسيط ومعزي. فالباراكليت تًفهم بمعنى شفيع يتوسط عند الآب بالنسبة لمخلصنا. وتفهم بمعنى المعزي بالنسبة للروح القدس إذ يهب تعزية للنفوس التي يعلن لها بوضوح المعرفة الروحية[449].] يرى القديس كيرلس الكبير في الأصحاح 17 من إنجيل يوحنا صلاة رئيس الكهنة الشفيع السماوي عن البشرية.
يقول الرسول بولس: "لأنه يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس، الإنسان يسوع المسيح، الذي بذل نفسه فدية لأجل الجميع، الشهادة في أوقاتها الخاصة" (1 تي 2: 5-6).
هنا قد يتساءل البعض: لماذا يؤكد "الإنسان" يسوع المسيح؟ نجيب على ذلك بالآتي:
1. إنه في نفس العبارة يدعوه "إله واحد"، فلا ينكر الرسول لاهوته.
2. كتب ليقاوم بعض المبتدعين الذين خلطوا بين تعاليم غنوصية من الشرق الأقصى والتعاليم المسيحية، هؤلاء الذين نادوا بأنه يوجد وسطاء (أيونات) بين الكائن الأسمى Super Being والإنسان، إذ يتوسط أيون إلى أيون أسمى، والثاني إلى من هو أسمى منه حتى يبلغ الأخير إلى الكائن الأسمى. هنا يلغي الرسول فكرة الأيونات، فالسيد المسيح هو الإله الواحد، وفي نفس الوقت الوسيط الواحد بين الآب والإنسان.
3. قامت فرق لها اتجاهات غنوصية تعتقد أن المادة ظلمة، وأن الكائن الأسمى لم يخلق العالم المادي ولا الجسد، كما تحرم الزواج الخ. لذلك ظنوا أن السيد المسيح لم يكن له جسد حقيقي، ولم يُصلب حقيقة، إنما جسده خيالي أو نازل من السماء الخ. لذلك أراد الرسول تأكيد تأنس الكلمة، صار بالحقيقة إنسانًا كاملاً، وإلا ما كان يمكنه أن يحقق الخلاص للبشر.
يقول القديس أمبروسيوس: [إنني لا أفتخر لأني نافع أو لأن أحدًا ما نافع لي، وإنما لأن المسيح هو شفيعي (محامي) أمام الآب، لأن دم المسيح سُفك من أجلي[450].] ويقول القدّيس أغسطينوس: [إن كان لديك قضية معروضة أمام قاضٍ ويلزمك أن تقيم محاميًا، وقد قبل المحامي قضيتك، فإنه يشفع في قضيتك قدر استطاعته. فإن سمعت قبل المرافعة أنه هو الذي يحكم، فكم يكون فرحك أنه يكون القاضي ذاك الذي هو محاميك[451].]
15. لماذا دُعي يسوع رأس الجسد؟
يقدم لنا الرسول بولس هذا اللقب، لا ليؤكد سلطانه على الكنيسة، وإنما ليعلن حبه لها، فهو القائد البكر من الأموات. هو الرأس الذي ينعش الجسد ويهبه روح الوحدة معًا. "وهو رأس الجسد الكنيسة، الذي هو البداءة، بكر من الأموات، لكي يكون هو متقدمًا في كل شيءٍ" (كو 1: 18). كرأس يضمنا في جسم بشريته لنحمل برَّه وقداسته: "في جسم بشريته بالموت، ليحضركم قديسين وبلا لوم ولا شكوى أمامه" (كو 1: 22). "بل صادقين في المحبة، ننمو في كل شيءٍ إلى ذاك الذي هو الرأس المسيح، الذي منه كل الجسد مركبَّا معًا، ومقترنًا بمؤازرة كل مفصلٍ حسب عملٍ على قياس كل جزءٍ يحصل نمو الجسد لبنيانه في المحبة" (أف 4: 15-16). يقول القديس أغسطينوس: [إن كان هو الرأس، فإننا نحن الأعضاء، كنيسته الكلية التي تنتشر عبر العالم، أي جسده، الذي هو رأسه. ليس فقط المؤمنون الذين على الأرض الآن، والذين سبقونا والقادمون فيما بعد إلى نهاية الزمن، يتصلون الواحد والكل في جسده، وهو رأس هذا الجسد، الذي صعد إلى السماء... يمكننا القول إن صوته هو صوتنا، وأيضًا صوتنا هو صوته. لنفهم أن المسيح يتكلم فينا[452].]
كجسدٍ له يقدم الرأس دمه المبذول لحساب جسده، أي ليس عن غرباء وأجنبيين، بل عن جسده الذي يعتز به وينسبه لنفسه. خلال هذا المفهوم العجيب للاتحاد مع المسيح لا نعجب من قول الرسول بولس: "يا أولادي الذين أتمخض بكم أيضًا إلى أن يتصور المسيح فيكم" (غل 4: 19).
16. لماذا دُعي يسوع الصديق العجيب؟
جاء حديثه الوداعي يكشف عن غاية تجسده والخلاص الذي يقدمه للبشرية، أن يقدم نفسه صديقًا قديرًا وفريدًا في حبه. كشف عن ذلك صراحة، بقوله: "هذه هي وصيتي أن تحبوا بعضكم بعضًا كما أحببتكم، ليس لأحدٍ حب أعظم من هذا: أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه. أنتم أحبائي إن فعلتم ما أوصيكم به. لا أعود أسميكم عبيدًا، لأن العبد لا يعلم ما يعمل سيده، لكني قد سميتكم أحباء، لأني أعلمتكم بكل ما سمعته من أبي" (يو 15: 12-15). يهب أصدقاءه وزنات متباينة ومواهب مختلفة، ويهتم أن ينميها فيهم بروحه القدوس، فلا يشكلهم في قالبٍ واحدٍ، إنما لكل منهم شخصيته وقدراته ودوره، وفي هذا كله يتجاوب مع كل أحدٍ كصديقٍ شخصيٍ يقدِّر إمكانيته.
للتعرف على سمو صداقته نقدم أمثلة قليلة، لنرى كيف يقيم من مؤمنيه أصدقاء له:
أ. القديسة مريم: استجاب لطلبتها في عرس قانا الجليل، وحوٌل الماء خمرًا، وعلى الصليب في وسط آلامه عن البشرية كلها، خصها باهتمام شخصي، فسلمها للقديس يوحنا الحبيب (يو 19: 26).
ب. القديس يوحنا الحبيب: تركه يتكئ على صدره في تأسيسه سٌر الإفخارستيا، وقدم له أعظم هدية، إذ جعل من أمه أمًا له.
ج. عند لقائه مع مريم ومرثا بعد موت أخيهما لعازر بأربعة أيام، لم يحتمل دموعهما، فقيل عنه "بكي يسوع" (يو 11: 35)، مع أنه جاء ليقيمه من الأموات. إنه لا يحتمل دموع أحبائه.
د. عندما سلمه تلميذه بخيانة بشعة عاتبه بحنو: "أبقبلة تسلم ابن الإنسان؟" (لو 22: 48) بهذا أعطاه فرصة ليرجع عما في قلبه.
ه. غالبًا ما كان ينادي الإنسان باسمه كعلامة عن الرغبة في صداقته له، كقوله: "يا زكا، أسرع وانزل" (لو 19: 5) "يا سمعان بن يونا، أتحبني؟ "يو 21: 15)، "شاول، شاول، لماذا تضطهدني؟" (أع 9: 4). "يا مريم، لا تلمسيني" (يو 20: 17).
و. علامة الصداقة التي قدمها لكل البشرية هي أنه ونحن أعداء صولحنا بموته (رو 5: 10)، مات عن البشرية كلها لكي يقيم إن أمكن الكل أصدقاء على مستوى أبدي.
يقول الأب مكسيموس أسقف تورين: [من يعرف أن المسيح في صحبته، يخجل من أن يصنع شرًا. على أي الأحوال المسيح هو معيننا في الأمور الصالحة، وفي مواجهة الأمور الشريرة يكون مدافعًا عنا[453].] ويقول القديس أغسطينوس: [ليتنا أيها الأحباء لكي ما نصير أحباء الرب نعلم ما يعمله سيدنا. فإنه هو الذي جعلنا ليس فقط بشرًا بل وأبرارًا، ليس نحن الذين جعلنا أنفسنا هكذا[454].]
محب الخطاة والعشارين: في لقاءاته الجماعية كما الفردية ما يشتهيه هو رد الخطاة إلى الحياة المقدسة. في تجسده وأعماله الخلاصية، يبسط يديه ليسكب رحمته على كل بشرٍ. يرى القديس يوحنا الذهبي الفم وكثير من الآباء أن أعظم معجزة يصنعها ربنا يسوع أن يقيم من الخطاة قديسين، ومن البشر شبه ملائكة، ومن الأرض سماءً بهذا يفرح السمائيون. يقول القدِّيس أمبروسيوس: [لنعرف أن تجديدنا يبهج جمهور الملائكة، فنطلب شفاعتهم وعونهم ولا نغضبهم. لتكن مُفرحًا للملائكة، إذ يبتهجون برجوعك[455].]
وهبنا اللقاء والحوار معه: يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: ["حلّ بيننا" حتى نتمكن أن ندنو منه ونخاطبه، ونتصرف معه بمجاهرة كثيرة.]
17. لماذا دُعي يسوع المعلم الصالح؟
مسيحنا واهب الصلاح، يحول ما يبدو لنا شرًا إلى ما فيه خيرنا وصلاحنا. لنقتنيه فنقتني الصلاح نفسه. يقول القديس أمبروسيوس: [عندما قال (الشاب الغني): "أيها المعلم الصالح" (مر 10: 17)، قالها بمعنى الصلاح الجزئي لا المطلق مع أن صلاح الله مطلق وصلاح الإنسان جزئي، لذا أجابه الرب: لماذا تدعوني صالحًا، وأنت تنكر إني أنا الله؟ لماذا تدعونني صالحًا والله وحده هو الصالح؟ لم ينكر الرب أنه صالح، بل يشير إلى أنه هو الله... إن كان الآب صالحًا فذاك أيضًا صالح، لأن كل ما للآب فهو له (يو 17: 10)[456].
18. لماذا دُعي يسوع الراعي الصالح؟
تصرخ النفس البشرية قائلة: "أخبرني يا من تحبه نفسي أين ترعى؟ أين تربض عند الظهيرة؟ لماذا أكون كمقنَّعة عند قطعان أصحابك" (نش 1: 7). يقول القدِّيس غريغوريوس النيسي: [أين ترعى أيها الراعي الصالح، يا من تحمل القطيع كله على كتفيك؟ لأنك حملت خروفًا واحدًا على كتفيك، ألا وهو طبيعتنا البشرية. أرني المراعى الخضراء. عرفني مياه الراحة (مز 22: 2). قدني إلى العشب المشبع. ادعني باسمي (يو 10: 16)، حتى اسمع صوتك، أنا خروفك، أعطني حياة أبدية[457].] ويقول القدِّيس إكليمنضس السكندري: [أشبعنا نحن أولادك كغنمٍ. يا سيِّدنا، املأنا بصلاحك من مرعاك. يا معلم، أعطنا طعامًا على جبلك المقدس... معلمنا بالحقيقة صالح، يقول: "ما جئت لأُخدَم بل لأَخدِم". يُقال عنه في الإنجيل إنه حزين، إذ تعب من أجلنا، ووعد أن يعطينا حياته "فدية عن كثيرين". لأن المسيح وحده هو الراعي الصالح. إنه كريم، ويعطينا أعظم الهبات، وهي حياته نفسها. إنه عظيم الصلاح ومحب للبشر، إذ وهو الرب يشتهي أن يكون أخًا للإنسان. يا لصلاحه، فقد مات لأجلنا![458]]
19. لماذا دُعي يسوع البكر؟
يقول القديس يوحنا الذهبيّ الفم إن الرب بكرنا، لأنه قدم ذاته ذبيحة مقبولة بلا عيب، تسلمها الآب برضا، فصارت البشرية مقبولة فيه ومقدسة فيه. يمتاز البكر بأنه السابق للكل، وأفضل الكل، والمكرس لله، وبه يتقدس المحصول كله. من جهة الزمن لم يكن السيد المسيح هو أول القائمين من الأموات، فقد قام الميت الذي لمس عظام أليشع النبي، وأقام السيد المسيح الصبية ابنة يايرس وآخرين. لكن جميعهم قاموا ثم ماتوا. أما المخلص فقام بسلطانه. إنه السنبلة الأولى الناضجة التي يمسك بها الكاهن ويلوح إعلانًا عن أنها مكرسة لله، بها يتقدس كل الحصاد.
ويقول البابا أثناسيوس الرسولي: [لم يُلقّب بكرًا كمساوٍ للمخلوقات، أو أولهم زمنيًا، لأنه كيف يكون هذا وهو نفسه الوحيد الجنس بحق؟ لأنه بسبب تنازل الكلمة إلى المخلوقات، صار أخًا لكثيرين. وهو يعتبر وحيد الجنس قطعًا، إذ أنه وحيد وليس له إخوة آخرون، والبكر يُسمّى بكرًا بسبب وجود إخوة آخرين... إن كان بكرًا لا يكون وحيدًا (1 يو 4: 9)، لأنه غير ممكنٍ أن يكون هو نفسه وحيدًا وبكرًا إلا إذا كان يشير إلى أمرين مختلفين. فهو الابن الوحيد بسبب الولادة من الآب، لكنه يُسمّى بكرًا بسبب التنازل للخليقة ومؤاخاته للكثيرين... فهو مرتبط بالخليقة التي أشار إليها بولس بقوله: "فيه خُلق الكل" (كو 1: 16). فإن كانت كل الخليقة خُلقت بواسطته، فهو مختلف عن المخلوقات، ولا يكون مخلوقًا بل هو خالق المخلوقات[459].] يقول القديس كيرلس الكبير: [ذاق الموت في جسده من أجل كل إنسان، هذا الذي يمكنه أن يحتمل الموت دون أن يفقد كونه الحياة. لهذا مع كونه قد قيل إنه تألم في جسده إلا أنه لم يقبل الألم في طبيعة لاهوته[460].] كما يقول: [حينما تدعوه الكتب الإلهية بالبكر، تضيف حالاً السبب الذي لأجله حمل هذا اللقب. فتقول: "البكر بين إخوة كثيرين" (رو 8: 29). وأيضًا "البكر من الأموات" (كو 1: 18). ففي المرّة الأولى دُعي بكرًا بين إخوة كثيرين لأنه صار مثلنا في كل شيءٍ ما عدا الخطية. وفي المرّة الثانية دُعي "البكر من الأموات"، لأنه هو الأول الذي أقام جسده إلى حالة عدم الفساد[461].] ويقول القديس أمبروسيوس: [كما أن بكر الموت كان في آدم هكذا بكر القيامة هو في المسيح[462].]
20. لماذا دُعي يسوع الباب والبواب؟
يخاطب القدّيس أغسطينوس الآب، قائلاً: [إننا نقول إنه بالمسيح قد صار لنا باب الدخول إليك[463].] ويقول هرماس: [هذه الصخرة وهذا الباب هما ابن الله. قلت: كيف تكون الصخرة قديمة، والباب جديدًا؟ قال لي: أنصت وافهم أيها الإنسان الجاهل. إن ابن الإنسان قديم عن كل الخليقة، وهو شريك الآب في عمل الخلقة، فهو "أزلي". قلت: ولماذا الباب جديد يا سيِّدي؟ أجاب: لأنه "أُظْهِر في الأزمنة الأخيرة" (١ بط ١: ٢٠)، لهذا صارت البوابة جديدة، حتى أن الذين يخلصون بها يدخلون ملكوت الله. قال: أترى كيف أن الحجارة التي دخلت خلال البوابة اُستخدمت في بناء البرج (الكنيسة)، وأما التي لم تدخل، فألقيت مرة أخرى إلى موضعها خارجًا؟ قلت: إنني أرى ذلك يا سيِّدي. ثم أكمل قائلاً: هكذا لا يدخل أحد ملكوت الله ما لم يستلم اسم (المسيح) القدُّوس، لأنك متى رغبت... في دخول مدينة مسوَّرة بسورٍ وليس لها إلاَّ باب واحد، فإنك لا تقدر الدخول بغيره... هكذا بنفس الكيفية لا يقدر إنسان أن يدخل ملكوت الله إلاَّ بواسطة اسم ابنه الحبيب[464].]
21. لماذا دُعي يسوع الصخرة؟
لم تتوقف طلبات موسى من إلهه، إذ لم يطمع في عطاياه فحسب، إنما سأله في جرأة: "أرني وجهك" (خر 33: 18). وكانت إجابة الرب له هكذا: "لا تقدر أن ترى وجهي، لأن الإنسان لا يراني ويعيش" (خر 33: 20). أخيرًا أجاب الرب موسى سؤاله بقوله: "هوذا عندي مكان، فتقف على الصخرة، ويكون متى اجتاز مجدي إني أضعك في نقرة من الصخرة، وأسترك بيدي حتى أجتاز، ثم أرفع يدي فتنظر ورائي، وأما وجهي فلا يُرى" (خر 33: 21-22).
هذا الحديث كما يقول القديس أمبروسيوس يُشير[465] إلى التجسد الإلهي، فقوله "هوذا عندي مكان"، كأنما يعني، لقد حققت طلبك بالقدر الذي تحتمله، فإني أحملك إلى سرّ التجسد، فتقف على الصخرة، أي ترتكز على السيد المسيح (الصخرة الحقيقية). أما قوله تنظر ورائي فيُشير إلى ملء الأزمنة حيث يجتاز الله على العالم معلنًا حبه، فنرى الله خلال التجسد الإلهي، كمن هو في سترة يد الله (المسيح) يرى مجد اللاهوت (في نقرة من الصخرة)، فيقول مع الرسول يوحنا: "ورأينا مجده مجدًا كما لوحيد من الآب" (يو 1: 14). ويُعلّق القدّيس جيروم على عبارات السيد المسيح الخاصة بالبناء على الصخر أو على الرمل (مت 7: 24-27)، قائلاً: [المطر الذي يعمل على هدم البيت بلا رحمة هو الشيطان، والأنهار تُشير هنا إلى أضداد المسيح، والرياح إلى قوات الشرّ الروحيّة التي في الهواء، "فإن مصارعتنا ليست مع دم ولحم، بل مع الرؤساء، مع السلاطين، مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر، مع أجناد الشرّ الروحيّة في السماويّات" (أف 6: 12). هذه وقعت على ذلك البيت فلم يسقط، لأنه كان مؤسّسًا على الصخرة. على هذه الصخرة (الإيمان بالسيد المسيح) أسّس الله كنيسته، ومنها استمدّ الرسول بطرس اسمه: "أنت بطرس وعلى هذه الصخرة ابني كنيستي" (مت 16: 18). على هذه الصخرة لا يوجد أثر للحيّة، لذا يقول النبي في ثقة: "وأقام على صخرة رجليّ" (مز 40: 2)، وفي موضع آخر يقول: "الصخور ملجأ للوبار" (مز 104: 18). فالوبار يلجأ إلى الصخور بكونه خائفًا... (وموسى النبي إذ كان كالوبار صغيرًا) قال له الرب بعد خروجه من أرض مصر: "إني أضعك في نقرة من الصخرة، واسترك بيدي حتى اجتاز، ثم أرفع يدي، فتنظر ورائي" (خر 33: 22-23)[466].]
22. لماذا دُعي يسوع نورًا ونارًا؟
يقول القديس إكليمنضس السكندري: [لو أن الشمس غير موجودة لحلّ الليل في كل المسكونة، بالرغم من وجود الكواكب الأخرى في السماء. هكذا لو لم نعرف اللوغوس، ونستضيء به، لما كنا أفضل من صغار الطير (الكتاكيت) التي تمتلئ سمنة في الظلام لكي تُشوى بالنار (تؤكل).
لنقبل النور، فنقبل الله. لنقبل النور، ونصير تلاميذ الرب.
لقد وعد أباه هكذا: "أخبر باسمك إخوتي، في وسط الجماعة أمجدك" (مز 22:22)[467].]
ويقول القديس مار يعقوب السروجي: [ربنا نور لمن يحبه، لكنه نار لمن يدنو منه ليستقصيه.]
ويقول القديس أغسطينوس: [هل الابن أقل لأنه قال إنه مُرسل؟ إنني أسمع عن الإرسال لا الانفصال... بين البشر الراسل أعظم من المُرسل. ليكن، لكن الشئون البشرية تخدع الإنسان، الإلهيات تطهره، لا تتطلع إلى الأمور البشرية التي فيها الراسل يظهر أعظم من المُرسل... ومع ذلك توجد حالات كثيرة فيها يُختار الأعظم لكي يرسله من هو أقل... ترسل الشمس شعاعًا، ولكنه لا ينفصل عنها... والسراج يفيض نورًا ولا ينفصل عنه. إنني أرى إرسالاً دون انفصال... الإنسان الذي يرسل آخر يبقى خلفه بينما يتقدم المُرسل. هل يذهب الراسل مع الذي أرسله؟ أما الآب الذي أرسل الابن لا ينفصل عن الابن... الآب الراسل لا ينفصل عن الابن المُرسل، لأن المرسل والراسل هما واحد[468].]
23. لماذا دُعي يسوع السامري الصالح (لو 10: 25-37)؟
إن كان الكاهن في مثل السامري الصالح (لو 10) يمثِّل الشريعة، واللاوي يمثِّل النبوَّات، فإنه لم يكن ممكنًا للناموس أو الشريعة أو النبوَّات أن تضمد جراحاتنا الخفيَّة، وتردِّنا إلى طبيعتنا التي خلقنا الله عليها، لكن "السامري الصالح" الذي يمثِّل السيِّد المسيح وحده ينزل إلينا، ويحملنا في جسده، مباركًا طبيعتنا فيه، مقدِّما لنا كل شفاءٍ حقيقيٍ يمس تجديد حياتنا. يقول العلامة أوريجينوس: [الكاهن كما أظن هو الناموس، واللاوي أيضًا يمثِّل الأنبياء، الاثنان ينظران إلى الجريح ويتركانه هناك. تركت العناية الإلهيَّة هذا الرجل بين حيّ وميِّت ليكون تحت اهتمام من هو أقوى من الناموس والأنبياء. إنه "السامري" الذي اِسمه يعني "الحارس"، فإن حارس إسرائيل لا ينعس ولا ينام (مز 121: 4). لكي يساعد هذا الرجل الذي بين حيّ وميِّت نزل السامري إلى الطريق، لكنه لم ينزل من أورشليم إلى أريحا مثل الكاهن واللاوي... اليهود قالوا له: "إنك سامري وبك شيطان" (يو 8: 48)، وإذ أكَّد لهم أنه ليس به شيطان لم يرد يسوع أن ينكر أنه السامري إذ هو الحارس[469].]
24. لماذا دُعي يسوع صورة الله غير المنظور؟
يقول عنه الرسول: "الذي هو صورة الله غير المنظور" (كو 1: 15). إن كانت الخطية قد حجبت عن الإنسان رؤية مجد الله، فقد جاء الكلمة المتجسّد، لا ليقدّم لنا أفكارًا عقلانيّة نظريّة عن المجد الإلهي، وإنما أزال بصليبه الخطية، فانشق الحجاب، وصار لنا حق رؤية الله خلال الصليب. لقد أشرق السيد المسيح بنوره الإلهي على شاول الطرسوسي وهو في طريقه إلى دمشق، فأصيبت عيناه الجسديّتان بنوعٍ من العمى لعجزهما عن رؤية الله، بينما انفتحت بصيرته الداخليَّة، وتمتّع بالنور الحقيقي. هذه الخبرة تمتّع بها الرسل بطرس ويعقوب ويوحنّا على جبل طابور حيث تغيّرت هيئته قدّامهم، وأضاء وجهه، وصارت ثيابه كالنور (مت 17: 1-5).
كلمة "صورة"، في اليونانيَّة تعني الإعلان الكامل المنظور للإله غير المنظور، وهو الذي يحمل طبيعة جوهره ورسم بهائه، وهذا هو ما قاله الرب عن نفسه: "من رآني فقد رأى الآب". يقول العلامة أوريجينوس: [لنتبصر أولاً وقبل كل شيءٍ ما هي الأشياء التي تُدعي صورًا في الحديث البشري العادي. أحيانًا يستخدم تعبير "صورة" على رسم أو نحت على مادة ما مثل الخشب أو الحجارة. أحيانًا يُقال عن الطفل إنه صورة الوالد (أو الوالدة) عندما يحمل شبهًا لملامح والده في كل جانب... بخصوص ابن الله الذي نتحدث عنه الآن، فإن الصورة يمكن أن تقارن بالتوضيح الثاني هنا، فهو الصورة لله غير المنظور[470].] ويقول القديس غريغوريوس النزينزي: [إنه الصورة الواحدة معه في ذات الجوهر. ولأنه هو من الآب وليس الآب منه، فإن هذه هي طبيعة الصورة، إنها من نتاج الأصل الذي تحمل اسمه. ولكن هنا يوجد ما هو أكثر من ذلك. ففي اللغة العادية الصورة هي ممثل ساكن لما هو متحرك، أما في هذه الحالة فإنها صدور حي عن الكائن (الواحد) الحي مصدرها إلى درجة عالية أكثر من صدور شيث عن آدم (تك 3:5)، أو أي ابن عن أبيه[471].] ويقول القديس أمبروسيوس: [إذ هو نفسه صورة الله غير المنظور غير الفاسد، فليشرق عليكم كما في مرآة الناموس. اعترف به في الناموس حتى يمكنك أن تعرفه في الإنجيل[472].] ويقول القديس جيروم: [بماذا يشبه وجه الله؟ صورته. بالتأكيد كقول الرسول بأنه صورة الآب في ابنه (كو 15:1). بصورته يشرق علينا، بمعنى يشرق صورته، الابن، علينا لكي يشرق هو علينا، لأن نور الآب هو نور الابن. من يرى الآب يرى أيضًا الابن، ومن يرى الابن يرى الآب. حيث لا يوجد اختلاف بين مجدٍ ومجدٍ، فإن المجد هو واحد بعينه[473].]
بهاء مجده ورسم جوهره: يشير تعبير "بهاء مجده" إلى الولادة الأزلية، فلا يمكن أن يقوم النور الأزلي بدون بهائه، فالابن هو النور من النور، أو البهاء الأزلي غير المنفصل عن النور، بل واحد معه. يقول البابا أثناسيوس الرسولي: [من ذا الذي تجرد من العقل حتى يشك في أزلية الابن؟ لأنه من ذا الذي يرى نورًا بغير بهاء أو إشراق![474]] ويقول: [إنه غير منفصل عن الآب كما أن البهاء غير منفصل عن النور[475].] ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [(دعوته) "رسم جوهره"... تشهد لشخصه أنه منتسب لذات جوهره[476].]
25. لماذا دُعي يسوع اللؤلؤة الكثيرة الثمن؟
يقول السيد المسيح: "يشبه ملكوت السماوات إنسانًا تاجرًا يطلب لألئ حسنة. فلما وجد لؤلؤة واحدة كثيرة الثمن، مضى وباع كل ما كان له واشتراها" (مت 13: 45-46). لا يستطيع أحد أن يقتني السيّد المسيح، اللؤلؤة الكثيرة الثمن، ما لم يبِع كل ما له من القلب ليتمتع وحده فيه. طالب القدّيس جيروم فيوريا Furia ألا تقرأ الكتب غير النافعة، وإنما تبيعها جميعًا لتقتني "اللؤلؤة الكثيرة الثمن" خلال الكتاب المقدّس وكتابات الآباء، قائلاً: [بعد قراءة الكتب المقدّسة فلتقرئي كتب المتعلّمين المشهود لإيمانهم. يلزمك ألا تذهبي إلى الوحل، لتبحثي عن الذهب. لديكِ جواهر كثيرة، فلتشتريِ بها اللؤلؤة الواحدة[477].] حقًا يليق بالمؤمن أن يتخلّى عن الكتب الرخيصة تمامًا، معطيًا المجال لكلمة الله أن تُعلن المسيح متجلِّيًا في حياته!
يقول العلاّمة أوريجينوس: [أي شيءٍ تطلب؟ أجسر فأقول اللؤلؤة التي من أجلها يترك الإنسان كل ما يمتلك ويحسبه نفاية: "أحسب (كل الأشياء) نفاية لكي أربح المسيح" (في 3: 18)، قاصدًا بكل الأشياء اللآلئ الصالحة، حتى أربح المسيح، اللؤلؤة الواحدة كثيرة الثمن. ثمين هو السراج للإنسان أثناء الظلمة، فهناك حاجة إليه حتى تُشرق الشمس! وعظيم هو مجد وجه موسى والأنبياء أيضًا، فهو كما أظن يمثّل رؤيا جميلة، خلالها دخلنا لكي نرى مجد المسيح، الذي يشهد عنه الآب قائلاً: "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت" (مت 3: 17). لكن "المُمجّد لم يمجَّد من هذا القبيل بسبب المجد الفائق" (2 كو 3: 10)؛ ونحن في حاجة أولاً إلى المجد الذي يزول، حتى نبلغ المجد الفائق؛ وفي حاجة إلى المعرفة الجُزئيّة التي تزول، حين تأتي المعرفة الكاملة (1 كو 13: 9-10). إذًا كل نفسٍ تأتي أولاً إلى الطفولة، وتنمو حتى تبلغ كمال الزمان؛ تحتاج إلى معلّمين ومرشدين وأوصياء، وفي وجود هؤلاء تبدو أنها لا تختلف عن العبد مع أنها صاحبة الجميع (غل 4: 1-2). إنها إذ تتحرّر من المعلّمين والمرشدين والأوصياء تبلغ سن الرشد، فتنعم باللؤلؤة كثيرة الثمن والكاملة، وببلوغها يزول ما هو جزئي، عندما يقدر الإنسان أن يبلغ إلى "فضل معرفة المسيح" (في 3: 8) بعد أن كانت تتدرّب على أشكال المعرفة هذه التي تفوقها معرفة المسيح[478].]
ويقول القدّيس جيروم: [ماذا نفهم باللآلئ الكثيرة والطرق الكثيرة، والدروب الكثيرة، لكي نقتني اللؤلؤة الواحدة والطريق الواحد والدرب الواحد؟ إبراهيم وإسحق ويعقوب، موسى ويشوع بن نون وإشعياء وإرميا وحزقيال والاثنا عشر نبيًا، هؤلاء هم الدُروب، التي ندخلها أولاً لنصل إلى الأخيرة درب الأناجيل، فنجد هناك المسيح[479].]
26. لماذا دُعي يسوع الكرمة الحقيقية (يو 15: 1)؟
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لم يذكر الكرمة هنا إلا لكي يعلم التلاميذ أنهم بدون قوة السيد المسيح لا يمكنهم أن يعملوا شيئًا، وأنهم في هذا المثال يحتاجون أن يتحدوا به كاتحاد الغصن بالكرمة (يو 15: 1).
27. لماذا دُعي يسوع النبي؟
دُعي "النبي" وليس نبيًا، عمله النبوي هو أن يهب شعبه روح النبوة (رؤ 19: 10) أو الكشف عن الحياة المستقبلية في السماء. كان عمل الأنبياء في العهد القديم هو قيادة الشعب لقبول شخص المسيٌا، القادر وحده أن يحملهم فيه ويقدسهم وينير بصيرتهم ليتعرفوا على الحب الإلهي الفائق. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لم يقولوا ليوحنا: أنبي أنت؟ أي هل أنت واحد من الأنبياء؟ لكنهم سألوه قائلين: "النبي أنت؟" (يو 1: 21) بإضافة أداة التعريف. بمعنى هل أنت النبي الذي سبق موسى فأخبر عنه (تث 18: 15)؟ أنكر هذا المعنى، ولم ينكر أنه نبي، لكنه أنكر أنه هو ذاك النبي.]
28. لماذا دُعي يسوع الأمين؟
يقول القديس إكليمنضس السكندري: [كون الله أمينًا (1 كو 1: 9) معناه أنه يمكننا أن نثق في إعلانه عن ذاته؛ كلمته تعلن عنه[480].]
29. لماذا دُعي يسوع عريس النفوس؟
يقول الآب قيصريوس أسقف آرل: [نفوس كل الرجال والنساء تُعرف أنها عروس المسيح إن أرادوا حفظ العفة الجسدية وبتولية القلب. ليفهموا أن المسيح هو عريس نفوسهم لا أجسادهم[481].] كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [في العالم تكون المرأة بتولاً حتى تتزوج، فتفقد بتوليتها. أما في الكنيسة هؤلاء الذين كانوا أي شيء ماعدا بتوليين قبل تحولهم إلى المسيح يطلبون البتولية فيه[482].
30. لماذا دُعي يسوع الحق؟
يقول القديس أمبروسيوس: [المسيح ليس فقط هو الله، بل بالحقيقة الله الحق، إله حق من إله حق، إذ هو نفسه الحق[483].]
31. لماذا دُعي يسوع السلام والبرّ؟
يقول القديس أمبروسيوس: [لتظهروا أهلاً أن يكون المسيح في وسطكم. لأنه حيث يوجد السلام يوجد المسيح، إذ المسيح هو السلام. وحيث يوجد البرّ يكون المسيح، لأن المسيح هو البرّ. ليكن في وسطكم لتروه، لئلا يُقال لكم: "ولكن في وسطكم قائم الذي لستم تعرفونه" (يو 1: 26)... ليقف إذن في وسطكم، لكي تنفتح لكم السماوات التي تعلن مجد الله (مز 1:19)، فتعلموا مشيئته، وتعملوا أعماله. من يرى يسوع تنفتح السماوات له، كما انفتحت لاستفانوس (أع 56:7)[484].]
32. لماذا دُعي يسوع الألف والياء؟
السيد المسيح هو "الألف والياء" (رؤ 1: 8، 11؛ 21: 6؛ 22: 13). وكما يقول العلامة أوريجينوس: [إنه لو وجدت لغة إلهية لقراءة السماويات، فإننا نجد الابن هو أول حروفها وآخرها... فبدونه لا ندرك شيئًا عن السماء، وبغيره لا يقدر الفم أن ينطق بالتسابيح السماوية[485].]
33. لماذا دُعي يسوع البداية والنهاية، الأول والآخر؟
يقول العلامة أوريجينوس إن الابن الكلمة هو أول الخليقة أي رأسها ومدبرها، وإذ تنازل لم يصر الثاني أو الثالث أو الرابع بل احتل "الآخر"، إذ صار إنسانًا ولم يصر واحدًا من الطغمات السمائية. وبهذا احتضن الخليقة كلها من أولها إلى آخرها. هو "البداية والنهاية"، وكما يقول القديس أغسطينوس: [الابن هو البداية الذي فيه خلقت السماء والأرض، إذ قيل "في البدء (البداية) خلق الله السماوات والأرض" (تك 1: 1)، إذ "به كان كل شيء" (يو 1: 3). "كلها بحكمة (في المسيح) صُنعت" (مز 104: 24)[486].] ويقول القديس أمبروسيوس: [ليس لابن الله أية بداية ناظرين إلى أنه هو البداية، وليس له نهاية ذاك الذي هو "النهاية[487]".]
34. لماذا دُعي يسوع الأسد؟
يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [يُدعى أسدًا، لا لكونه مفترسًا للبشر، بل علامة ملكه وثباته والثقة فيه. لقد دُعي أسدًا مقابل الأسد خصمنا الذي يزأر مفترسًا المنخدعين منه... فبكونه الأسد القوي الخارج من سبط يهوذا ينقذ المؤمنين محطمًا العدو[488].]
35. لماذا دُعي يسوع الحجر؟
يقول الشهيد كبريانوس: [في إشعياء قيل: "هأنذا أؤسس في صهيون حجرًا، حجر امتحان، حجر زاوية، كريمًا أساسًا مؤسسًا؛ من آمن به لا يهرب" (راجع إش 28: ١٦). وفي المزمور الـ11٧ "الحجر الذي رفضه البناءون قد صار رأسًا للزاوية". وفي زكريا: "فهوذا الحجر الذي وضعته قدام يهوشع على حجر واحد سبع أعين" (زك ٣: ٩). وفي سفر التثنية: "وتكتب على الحجارة جميع كلمات هذا الناموس نقشًا جيدًا" (تث 27: ٨). وأيضا في يشوع بن نون: "وأخذ حجرًا كبيرًا، ونصبه هناك تحت البلوطة التي عند مقدس الرب. ثم قال يشوع لجميع الشعب: إن هذا الحجر يكون شاهدًا علينا، لأنه قد سمع كل كلام الرب الذي كلمنا به، فيكون شاهدًا عليكم لئلا تجحدوا إلهكم" (يش ٢٤: ٢٦-٢٧)... إنه الحجر المذكور في سفر التكوين الذي وضعه يعقوب تحت رأسه (تك 28: 11-13)، إذ المسيح رأس الرجل، وإذ نام رأى سلمًا بلغ إلى السماوات حيث يوجد الرب والملائكة صاعدون ونازلون... إنه الحجر المذكور في سفر الخروج، الذي جلس عليه موسى على قمة التل عندما كان يشوع بن نون يحارب عماليق (خر 17: 12)، وبسرّ الحجر المقدس، وثبات جلوسه عليه انهزم عماليق بيشوع كما انهزم الشيطان بالمسيح. إنه الحجر العظيم الوارد في سفر صموئيل الأول حيث وُضع تابوت العهد عندما أحضره الثور في المركبة، إذ رده الغرباء. وأيضًا هو الحجر الوارد في سفر صموئيل الأول الذي به ضرب داود رأس جليات وذبحه (1 صم 17: 49) إشارة إلى انهزام الشيطان وخدامه حيث تكون الجبهة في الرأس غير مختومة (باسم المسيح)، ذلك الختم الذي يهب أمانًا وحياة على الدوام. وهو الحجر الذي أقامه صموئيل عندما غلبوا الغرباء، (وقال: إلى هنا أعاننا الرب) ودعاه بحجر المعونة أي الحجر الذي يعين (1 صم 7: 12)[489].]
36. لماذا دُعي يسوع لباس البرّ؟
يقول القدّيس أثناسيوس الرسولي: ["البسوا الرب يسوع المسيح" (رو 13: 14). نلبسه عندما نحب الفضيلة ونبغض الشرّ؛ عندما ندرّب أنفسنا على العفّة ونميت شهوتنا؛ عندما نحب البرّ لا الإثم؛ عندما نكرم القناعة ويكون العقل راسخًا؛ عندما لا ننسى الفقير بل نفتح أبوابنا لجميع البشر، عندما نقبل تواضع الفكر وننبذ الكبرياء[490].]
37. لماذا دُعي يسوع العبد المتألم؟
يقدم لنا إشعياء النبي تسابيح العبد المتألم، أي المسيح المصلوب (إش 40-55).
38. لماذا دُعي يسوع الديان؟
يقدم السيد المسيح نفسه بكونه الديان (يو 5: 22)، يدين الأحياء والأموات (1 بط 4: 5)، لا ليرعبهم، وإنما ليطمئنهم. إنه يأتي ليدين الأشرار، ويقيم عشاء العرس حيث تتهلل الكنيسة دون مخاوفٍ من عدوٍ يقاومها (رؤ 19: 9-16). يراه الأشرار وعيناه كلهيب نارٍ، يخرج من فمه سيف ماض، يرعاهم بعصا من حديد، أما أولاده فيرونه "ملك الملوك ورب الأرباب" الذي يحميهم ويمجدهم.
39. ما هي صلاة اسم يسوع؟
مادمنا نتحدث عن أسماء وألقاب السيد المسيح يليق بنا أن نشير إلى فاعلية "صلاة يسوع" في حياتنا. إذ يدرك المؤمن قوة اسم يسوع، يصرخ مع برتماوس الأعمى: "يا يسوع ابن داود ارحمني" (مر 10: 47، لو 18: 38).
لقد عرفها القديس مقاريوس الكبير والقديس مار أوغريس[491]. وُجدت هذه الصلاة في سيرة الأب فليمون (قرن 6/7). كما وُجدت في كتابات القديسين برصنيوفيوس ويوحنا من غزة (بدء قرن 6)، ودوروثيؤس من غزة، والقديس يوحنا الدرجي.
قدمتها الكنيسة تدريبًا روحيًا لأبنائها مع إضافة جزء من صلاة العشار القارع صدره، القائل: "اللهم ارحمني أنا الخاطئ" (لو 18: 13).
قال أنبا أنطونيوس: [لا تتخلَّ عن اسم الرب يسوع، بل امسكه بعقلك، ورتِّل به بلسانك وفي قلبك، وقُلْ: "يا ربي يسوع المسيح ارحمني، يا ربي يسوع المسيح أعنِّي." وقُلْ أيضًا: "أنا أسبحك يا ربي يسوع المسيح."]
وقال أنبا مقار الكبير: [كُنْ منتبهًا لاسم ربنا يسوع المسيح بقلبٍ نادمٍ، واجعله يتدفّق من شفتيك، واجعله ينعكس إليك، ولا تحفره حسب الظاهر في ذهنك فقط، بل كُنْ متيقِّظًا عندما تطلبه قائلاً: "يا ربي يسوع المسيح ارحمني." وفي السكون سترى لاهوته يستريح فيك، وسيُبدِّد ظلمات الأوجاع التي فيك، وسيُنقِّي الإنسان الباطن مثل نقاوة آدم لما كان في الفردوس، هذا الاسم المبارك الذي سماه القديس يوحنا الإنجيلي: "نور العالم" (يو 8: 12)، الحلاوة التي لا يشبع منها أحدٌ و"خبز الحياة" الحقيقي (يو 6: 35)“.]
كما قال أبّا إيفاجريوس: [ذهبتُ لمقابلة أنبا مقار بينما كانت تعصف بي الأفكار وأوجاع الجسد، وقلتُ له: "يا أبي، قُلْ لي كلمةً أحيا بها".
فقال لي: "اربط حبل الشراع في الوتد، وبواسطة نعمة ربنا يسوع المسيح ستعبر السفينة على الأمواج الشيطانية، فأمواج هذا البحر مخيِّبةً للآمال والظلمة المدلهمة التي لهذا العالم الباطل".
فقلتُ له: "ما هي السفينة؟ وما هو الحبل؟ وما هو الوتد؟"
فقال لي: "القارب هو قلبك فاسهر عليه. والحبل هو ذهنك، فاربطه بربنا يسوع المسيح الذي هو الوتد الذي له السلطان على كل الأمواج الشيطانية التي تحارب القديسين. أليس من السهل أن نقول في كل نفَسٍ نتنّسمه: "يا ربي يسوع المسيح ارحمني، أنا أباركك يا ربي يسوع المسيح أعنِّي"؟
وبينما تقاوم السمكة أيضًا الموجة فستُمسَك دون أن تدري، ونحن أيضًا إذا كنا مثابرين على هذا الاسم المخلِّص الذي لربنا يسوع المسيح، فإنه سيمسك الشيطان من منخاريه ("يُثقَبُ أنفه بخزامةٍ" أي 40: 24) بسبب ما فعله بنا، ونحن الضعفاء سنعرف أنّ المعونة تأتينا من ربنا يسوع المسيح".]
وقال أنبا يعقوب: "إنني ذهبتُ مرةً إلى البُهلُس عند أنبا إيسيذورس، فوجدته ينسخ، فجلستُ عنده ولاحظتُ أنه بين حينٍ وآخر يرفع عينيه إلى السماء وشفتاه تتحركان دون أن أسمع منه أي صوت، فقلتُ له: "ماذا تفعل يا أبي؟" فقال لي: "أما تفعل أنت هكذا؟" فقلتُ له: "لا يا أبي." فقال لي: "إن كنتَ لا تفعل ذلك يا أبّا يعقوب، فما صرتَ بعد راهبًا ولا ليومٍ واحدٍ." وهذا هو ما كان يقوله: "يا ربي يسوع المسيح أعني، يا ربي يسوع المسيح ارحمني، أنا أسبحك يا ربي يسوع المسيح".
12 الروح القدس والخلاص الإلهي[492]
"محبة الله الآب،
ونعمة الابن الوحيد، ربنا وإلهنا يسوع المسيح،
وشركة وموهبة الروح القدس، تكون مع جميعكم".
القدَّاس الغريغوري
1. ما هو دور الروح القدس في تمتعنا بالخلاص الإلهي؟
ظهر رئيس الملائكة جبرائيل لفتاة الناصرة العذراء الفقيرة وبشرها: "ها أنتِ ستحبلين وتلدين ابنًا وتسمينه يسوع" (لو 1: 31). في دهشةٍ سألته: "كيف يكون هذا، وأنا لست أعرف رجلاً. للحال كشف لها عن دور الثالوث القدوس في هذا العمل الإلهي الذي ترقبته الأجيال منذ سقوط آدم حتى تلك اللحظة، إذ قال: "الروح القدس يحلّ عليكِ، وقوة العليّ تظللك، فلذلك أيضًا القدوس المولود منكِ يُدعى ابن الله" (لو 1: 35).
وُلد كلمة الله المتجسد، يسوع المسيح، ولم يكف عن توجيه أنظار سامعيه نحو الآب، مؤكدًا "أنا والآب واحد" (يو 10: 30). وفي حديثه الوداعي لتلاميذه وجَّه أنظارهم إلى المعزي الآخر الذي يمكث معهم إلى الأبد (يو 14: 16): "أقول لكم الحق إنه خير لكم أن أنطلق، لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي. ولكن إن ذهبت أرسله إليكم" (يو 16: 6). لقد ربط بين عمله الخلاصي وبين المعزي الآخر، قائلاً: "يأخذ مما لي ويخبركم" (يو 16: 14). كما أكّد: "هو يرشدكم إلى جميع الحق" يو 16: 13).
يمكننا القول إن الآب قدم لنا أبوته وحبه ورعايته الفائقة للبشر. وجاء الابن يقول: "كل ما هو للآب هو لي" (يو 16: 15). كأنه يقول كل حب الآب الفائق لكم أحمله أنا، مترجمًا إيّاه عمليًّا على الصليب. "لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية" (يو 3: 16). أيضًا خلال الصليب انطلق الروح القدس يقود الكنيسة لينطلق بها نحو السماويات.
رحلة الروح القدس الرعوية للإنسان ظهرت عمليّا حين كان يرفّ على وجه المياه (تك 1: 2) حيث كانت الأرض خربة وخاوية، وانطلق عبر الأجيال يمسح أنبياء وكهنة وملوكّا لشعب الله، ويعد الطريق لتجسد كلمة الله. كما شهد مع الآب للسيد المسيح الذي اعتمد في نهر الأردن، ليقيم من المؤمنين بالمسيح أولادًا لله. رحلته لا تزال مستمرة تعمل في كنيسة المسيح كما في كل عضوٍ فيها. والآن ماذا قدم ولا يزال يقدم وسيقدم إلى أن يعبر بنا إلى أورشليم العليا؟
يحثنا القديس إيرينيؤس عن دور الثالوث القدوس في الكنيسة، فيقول: [يصف الكهنة تلاميذ الرسل مسيرة الذين يخلصون وخطوات صعودهم، فيصعدون بالروح إلى الابن، وبالابن إلى الآب، وأخيرًا يرد الابن عمله للآب كقول الرسول (1 كو 15: 24)[493].] كما يقول: [الآب يخطط ويعطي أوامر، والابن يحقق ويخلق، بينما الروح ينعش وينمي، وعلى درجات يصعد الإنسان نحو الكامل[494].]
2. ما هي أهداف السيد المسيح من حديثه في اليوم الأخير من عيد المظال عن حلول الروح القدس؟
اعتاد اليهود أن يتركوا بيوتهم في عيد المظال ويقيموا في مظال مؤقتة لمدة أسبوع ليتذكروا أنهم غرباء ونزلاء في هذا العالم. خلال السبعة أيام الأولى للعيد كانوا يحضرون ماء من بركة سلوام في إناءٍ ذهبيٍ ويسكبه رئيس الكهنة أمام الشعب، ليعلن أن من كان عطشانًا فليقترب ويشرب. كان ذلك إشارة إلى الصخرة التي كانت تفيض ماءً على الشعب في البرية. وفي اليوم الثامن لا يحضروا ماءً من البركة إشارة إلى أن الشعب يشرب من ينابيع كنعان وليس من مياه البرية. في هذا اليوم وقف السيد المسيح رئيس الكهنة الأعظم وأسقف نفوسنا ليقدم نفسه ينبوع مياه يفيض بالمياه الحية في أعماق نفوس المؤمنين، سائلاً إياهم أن يشربوا بفرحٍ من آبار الخلاص (إش 3:12؛ زك 8:14؛ يوئيل 28:2-32).
قيل: "في اليوم الأخير العظيم من العيد وقف يسوع ونادى، قائلاً: إن عطش أحد فليقبل إليّ ويشرب. من آمن بي كما قال الكتاب تجري من بطنه أنهار ماء حيّ." (يو 7: 37-38)
هذا الوعد الإلهي بحلول الروح القدس يكشف لنا عن المفاهيم التالية:
أولاً: الذين التصقوا بموسى النبي شربوا ماءً من الصخرة في البرية حيث كانت الصخرة تتبعهم وتفيض عليهم بما يرويهم، وكانت تشير إلى السيد المسيح (1 كو 10: 4). أما من يؤمن بالسيد المسيح فيحمل الصخرة في داخله، وينطلق الفيض لا من الخارج بل من بطنه، أي من إنسانه الداخلي حيث يُقام ملكوت الله.
ثانيًا: يدعو اليهود الماء الجاري ماءً حيًا، لأنه دائم الحركة، لن يتوقف عن الحركة. هكذا إذ يوجد السيد المسيح في قلب المؤمن يعمل الروح القدس فيه على الدوام، فيتمتع بنعمة فوق نعمة، تفيض هذه النعم على من هم حوله (أم ١٠: ١١). فلا يكفينا أن نشرب من المجرى الذي في داخلنا، لنستريح بالنعمة الإلهية المعطاة لنا بلا انقطاع، وإنما يلزم أن يفيض هذا المجرى الداخلي ليروي الكثيرين. الأرض الجافة المقفرة ليس فقط تتحول إلى فردوسٍ، وإنما تفيض بمياهها على نفوس جافة كثيرة لتشاركها الطبيعة الفردوسية المثمرة الجديدة.
ثالثًا: في اليوم الأخير من العيد وقف السيد المسيح يقدم دعوة للشعب العائد إلى بيوتهم، قدمها علانية مناديًا بصوتٍ عالٍ. في الأيام الأولى للعيد يقدمون ذبائح من أجل الدولة التي في العالم، أما اليوم الأخير فمخصص لإسرائيل وحده. لهذا كان اليوم الثامن يُحسب "العظيم"، له تقديره الخاص.
رابعًا: يربط القديس أمبروسيوس بين هذا الينبوع الحي الذي أشار إليه السيد المسيح وما ورد في سفر الرؤيا، إذ يقول: [إنه ليس بالأمر التافه أننا نقرأ أن نهرًا ينبع من عرش اللَّه، إذ تقرأون كلمات الإنجيلي يوحنا في هذا الأمر: "وأراني نهرًا صافيًا من ماء حياة لامعًا كبلّورٍ خارجًا من عرش اللَّه والخروف. في وسط سوقها، وعلى النهر من هنا ومن هناك شجرة حياة تصنع اثنتيّ عشر ثمرة، وتعطي كل شهر ثمرها، وورق الشجرة لشفاء الأمم" (رؤ 1:22-2). هذا بالتأكيد النهر الصادر عن عرش اللَّه، أي الروح القدس الذي يشرب منه من يؤمن بالمسيح كما قال المسيح نفسه يو 7: 37-38)[495].]
3. ما هو تعليق الإنجيلي يوحنا على هذا الوعد الإلهي؟
"قال هذا عن الروح الذي كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه، لأن الروح القدس لم يكن قد أُعطي بعد، لأن يسوع لم يكن قد مُجد بعد". (يو 7: 39)
الله لا يبخل بروحه القدوس على البشرية، فقد خلق الإنسان ليعمل روح الله فيه، ويستقر فيه. لكن الإنسان بإرادته أعطى ظهره له ولم يقبله، فصار الروح أشبه بضيفٍ يعمل في رجال الله وفي الأنبياء، بل وأحيانًا حتى في غير المؤمنين كي يجتذبهم للإيمان. أما وقد تمجد الرب على الصليب ودُفع الثمن لغفران خطايانا وتمجيدنا فيه، وُهب الروح بفيض كما سبق فوعد في (يوئيل ٢: ٨).
الروح القدس هو العطية العظمى، بل واهب العطايا الذي نلناها بحلوله على الكنيسة وسكناه في قلوب المؤمنين، وتوزيع مواهب وعطايا حسبما شاء، لمجد الله وبنيان الكنيسة وخلاص النفوس.
4. لماذا حلّ الروح القدس على الكنيسة بعد أن تمَجد السيد بآلامه وصلبه وموته ودفنه وقيامته وصعوده إلى السماء؟
يقول الإنجيلي: لأنه لم يكن قد تمجّد بعد"، ماذا يعني هنا بالمجد الذي لم يكن قد تحقق بعد؟ إنه لم يكن بعد أُقتيد إلى المحاكمة بإهانة وسخرية، ولم يكن بعد قد جُلد وصُلب ومات بالجسد، وبالتالي لم يكن قد دُفن في القبر، ثم قام وصعد إلى السماوات". إنه يحسب كل ما فعله السيد المسيح أو ما حلّ به هو مجد، لأن هذا كله لم يكن ثمرة خطية ارتكبها، إنما من أجل حبه ورغبته في خلاص الخطاة. يقول القديس كيرلس الكبير أنه ما فعله السيد المسيح هو لحسابنا.
أما دور الروح القدس فهو أن يأخذ مما للمسيح ويخبرنا، أي يجعله لحسابنا. فمن أجلنا أُقتيد للمحاكمة وأُتّهم ظلمًا، ونحن إذ نُحاكم ظلمًا نُحسب شركاء المسيح المتألم. وكما حسبه المسيح مجدًا له لأنه قبله بفرح لحسابنا نحسبه نحن أيضًا مجدًا لنا أن نشاركه آلام المحبة خاصة إن كانت ظلمًا.
من أجلنا جُلد وصُلب لنترنّم بالروح القدس مع الرسول: "مع المسيح صُلبت، فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيّ" (غل 2: 20). ومن أجلنا دُفن وعبرت نفسه إلى الهاوية لتحمل نفوس الراقدين على رجاء ويقدمها غنيمة يُسر بها الآب، إذ صارت تحمل برّ المسيح.
وما نقوله عن الصلب نقوله عن القيامة والصعود، فصارت السماوات بيتنا الأبدي.
5. ما هي خبرات آباؤنا الأولين في الشرب من هذا الينبوع الذي أعلن عنه السيد المسيح حاسبًا نفسه الينبوع الذي يروي العطاش؟
أولاً: يشار إلى الرب أنه نهر يفيض بنعمته ليروي ظمأ بني البشر، إذ يقول المرتل: يروون من دسم بيتك ومن نهر نعمك تسقيهم. لأن عندك ينبوع الحياة بنورك نرى نورا" (مز ٣٦: 8–9) يفيض على الأمم بالسلام والمجد (إش ٦٦: ١٢LXX ). من يؤمن بي ويقبلني بكوني المسيا الذي تنبأت عنه الأسفار المقدسة، فإنه يسكن في قلبه أو في أحشائه الروح القدس الذي يفيض حياة. يصير ينبوعًا يفيض بثمار الروح من حب وفرح وسلام وحرية واستنارة. وقد اعتاد اليهود أن يشبهوا عمل الروح القدس بالمطر المبكر والمتأخر والينابيع والآبار والأنهار الخ (مز ٣٦: ٨–٩؛ إش ٤٤: ٣–٤؛ يوئيل ٢: ٢٣). بقوله "إن عطش" يعني من يشعر بفقره إلى البرّ أو احتياجه إلى البركات الروحية أو بالفراغ الداخلي. "فليقبل إليّ ويشرب"، لا يقف بعد عند رئيس الكهنة ويُعجب بالإناء الذهبي الذي يسكب منه قليلاً من ماء بركة سلوام، ولا يذهب إلى الفلسفات الوثنية الكثيرة والمتضاربة التي لها جاذبية تخدع الإنسان، بل ليأتي إلى السيد المسيح كما قدمه لنا الكتاب المقدس بعهديه. يقول القديس كيرلس الكبير: [مجازاة الإيمان عظيمة وبلا نهاية، يقول من يؤمن ينعم بأغنى نعم الله، لأنه سيمتلئ بعطايا الروح، فلا يسمن ذهنه فقط، بل يصبح قادرًا على أن يفيض على قلوب الآخرين، كتيار النهر المتدفق الذي يفيض بالخير المُعطى من الله على جاره أيضًا.] ويقول القديس أغسطينوس: [ما هو الينبوع، وما هو النهر الذي يفيض من بطن الإنسان الداخلي؟ الميل إلى عمل الخير، الذي به يراعي الإنسان الاهتمام بأخيه. فإن تصوّر أن ما يشربه يلزم أن يكون لشبعه هو وحده لن يكون فيض من المياه الحيّة من بطنه، لكنه إن أسرع إلى الاهتمام بصالح قريبه لا يكون جافًا بل كون فيه فيض[496].]
في بيت الرب، الكنيسة، ينتعش المؤمنون الحقيقيون بخمر الحب الإلهي؛ يمتلئون فرحًا وبهجة، ويرتوون، فلا يعطشون بعد إلى ينابيع الشهوات الأرضية والملذات الزمنية ومباهج الحياة. يجدون في المخلص سرّ فرحهم الحقيقي وبهجتهم وارتوائهم!
يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [الذين يشربون من غنى بيت الله ومجرى مسرته يرتوون، كما يخبرنا النبي (مز 36: 8). بهذه الوسيلة سكر داود ولم يدرِ بنفسه؛ وإذ كان في دهش عاين ذلك الجمال الإلهي الذي لا يقدر مائت على معاينته[497].]
ثانيًا: يدعونا القديس جيروم أن نكون جادين في الشرب من هذا الينبوع، إذ يقول: [إنه لا يقول: "يجب أن تشربوا... بل من كان راغبًا وقادرًا على الجري والشرب، فسيغلب ويرتوي[498].] ويقول الأب قيصريوس أسقف آرل: [ما هو هذا الينبوع إلا ربنا يسوع المسيح...؟! إنه الينبوع الصالح الذي يعطينا برودة بعد نيران هذه الحياة وحراراتها، وبفيضه يلطف جفاف قلوبنا[499].]
ثالثًا: يدعونا القديس أغسطينوس أن نتحرك نحو الينبوع بحبٍ: [إن كنا عطشى فلنأتي، لا بأقدامنا بل بعواطفنا. نأتي لا بالتحرك من موضعنا بل بالحب[500].]
رابعًا: يدعونا القديس كيرلس الكبير أن نشرب منه بفرحٍ: [على المرء أن يأخذ كل شيءٍ من داخل النهر أو الوادي وهو متهلل بذلك. يُقارَن ربنا يسوع المسيح بنهرٍ، فيه نجد كل مسرة وتمتع في الرجاء، وفيه نفرح فرحًا روحيًا إلهيًا.]
خامسًا: يرى القديس غريغوريوس أسقف نيصص أن نفس المؤمن أو روحه تشتهي أن تشرب من ينبوع عريسها السماوي أي من كلمات فمه بمسرةٍ وبلا توقفٍ، إذ يقول: [إن الروح بالرغم من اتحادها مع اللّه فهي لا تشعر بملء السعادة بطريقة مطلقة، بل كلما تمتعت بجماله يزداد اشتياقها إليه. إن كلمات العريس روح وحياة (يو 24:5)، وكل من التصق بالروح يصير روحًا. كل من التصق بالحياة ينتقل من الموت إلى الحياة كما قال الرب. وهكذا تشتاق الروح البكر دائمًا للدنو من نبع الحياة الروحية. النبع هو فم العريس الذي تخرج منه كلمات الحياة الأبدية. إنه يملأ الفم الذي يقترب منه مثل داود النبي الذي اجتذب روحًا خلال فمه (مز 131:118). لما كان لزامًا على الشخص الذي يشرب من النبع أن يضع فمه على فم النبع، وحيث أن الرب ذاته هو النبع كما يقول: "إن عطش أحد فليقبل إليّ ويشرب" (يو 37:7)؛ لذلك فإن الأرواح العطشانة تشتهي إن تضع فمها على الفم الذي ينبع بالحياة، ويقول: "ليقبلني بقبلات فمه" (نش 2:1). من يهب الجميع الحياة ويريد إن الجميع يخلصون يشتهى أن يتمتع كل واحدٍ بنصيب من هذه القبلات، لأنها تطَّهر من كل دنس[501].]
كما يقول: [يلزمنا أن نفكر بعمقٍ في الكلمات المقدسة بالنشيد: "هلمي معي من لبنان، هلمي معي من لبنان انظري من رأس أمانة، من رأس شنير وحرمون، من خدور الأسود من جبال النمور" (نش 8:4). ماذا نفهم إذن من هذه الكلمات؟ يجذب ينبوع النعمة إليه كل العطشى. وكما يقول الينبوع في الإنجيل: "إن عطش أحد فليقبل إلىّ ويشرب" (يو 37:7). لا يضع المسيح لهذه الكلمات حدودًا لعطشنا ولا لتحركنا نحوه، ولا لارتوائنا من الشرب، ولكن يمتد أمره إلى مدى الزمن، ويحثنا أن نعطش وأن نذهب إليه. وإلى هؤلاء الذين ذاقوا وتعلموا بالتجربة أن اللّه عظيم وحلو (مز 8:34)، فإن حاسة التذوق عندهم تُصبح حافزًا لزيادة التقدم. لذلك فالشخص الذي يسير باستمرار نحو اللّه لا ينقصه هذا الحافز نحو التقدم[502].]
ويقول أيضًا: [إذا أردنا أن نسوق شاهدًا أعظم من الكتاب المقدس نسجل ما قاله السيد المسيح إلى هؤلاء الذين آمنوا به: أنهار ماء حيّ ستفيض من كل من يؤمن به "من آمن بي كما قال الكتاب تجرى من بطنه أنهار ماء حيّ" (يو 38:7). وتُضيف أن القلب النقي يُشار إليه بالتعبير "بطن". ويصبح لوح للشريعة المقدسة (رو 15:2) كما يقول الرسول. ويوضح تأثير الشريعة المكتوبة في القلب ليس بحبرٍ (2 كو 3:3)، ولكن بروح اللّه الحيّ الذي يرسم هذه الحروف في النفس، وليس على ألواح حجرية كما يقول الرسول، ولكن على لوح القلب النقي، الخفيف والمضيء. يلزم أن تُنقش الكلمات المقدسة الموجودة في الذاكرة النقية الصافية، على القدرة القائدة للنفس، بحروف بارزة واضحة. تُشير الزفير في الحقيقة إلى تمجيد بطن العريس فقط باللوح الذي يشع نورًا بلون السماء. ترشدنا هذه الصورة لكي نكون متنبهين للأشياء السماوية، مكان كنزنا (مت 21:6). فإذا ثبتنا في حفظ وصايا اللّه تتكون لدينا آمال مقدسة تنعش عيون نفوسنا[503].]
أيضًا يقول: [بعد ذلك يرفع النشيد العروس إلى أعلى قمة للمجد، مُضفيًا عليها اسم ينبوع المياه الحيّة المتدفقة من لبنان. لقد تعلمنا من الكتاب المقدس عن طبيعة اللّه المعطية الحياة كنبوة من شخص اللّه تقول: "تركوني أنا ينبوع المياه الحيّة" (إر 13:2). ثم يقول السيد المسيح للمرأة السامرية: "لو كنت تعلمين عطية اللّه، ومن هو الذي يقول لك أعطيني لأشرب، لطلبتِ أنتِ منه فأعطاكِ ماء حيّا" (يو 10:4). ثم قال: "إن عطش أحد فليقبل إلىّ ويشرب. من آمن بي كما قال الكتاب تجرى من بطنه أنهار ماء حيّ. قال هذا عن الروح الذي كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه" (يو 37:7-39). تقول كل من هذه الفقرات أن الماء الحي هو الطبيعة المقدسة، لذلك جاز للنشيد أن يسمى العروس بصدق بئر ماء حي يفيض من لبنان. هذا في الحقيقة يتعارض مع ما هو معروف، فجميع الآبار تحتوي على مياه راكدة، والعروس وحدها عندها مياه جارية في بئر عميق، ومياهها تفيض باستمرار. من يستحق أن يفهم العجائب الممنوحة للعروس؟ يتضح أنها قد وصلت إلى أقصى ما تتمناه، فقد قورنت بالجمال الأبدي الذي منه نشأ كل جمال. وفي نبعها تشبه نبع عريسها تمامًا، وحياتها بحياته، وماؤها بمائه. إن كلمته حية، وبها تحيا كل نفسٍ تستقبله. هذه المياه تفيض من اللّه كما يقول ينبوع المياه الحيّة: "لأني خرجت من قبل اللّه وأتيت" (يو 42:8). تحفظ العروس فيض مائه الحي في بئر نفسها، وتصبح بيتًا يكنز هذه المياه الحيّة التي تفيض من لبنان، أي التي تكوّن سيولاً من لبنان. لقد أصبحنا في شركة مع الله باقتنائنا هذه البئر، حتى نحقق وصية الحكمة (أمثال 17:5، 18)، ونشرب مياها من بئرنا، وليست من بئرٍ آخر. نتمتع بهذا في المسيح ربنا له المجد والعظمة إلى الأبد، آمين[504].]
6. ماذا يعني: من آمن بي كما قال الكتاب تجري من بطنه أنهار ماء حي (يو 7: 38)؟
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [هنا يقول:" كما قال الكتاب، تجرى من بطنه أنهار"، ملمحًا نحو عظمة النعمة وفيضها... وقد دعاها في موضع آخر "حياة أبدية" أما هنا فيدعوها "أنهار ماء"... فإن نعمة الروح إذ تدخل الذهن وتقيم، تفيض أكثر من أي ينبوع. إنها لن تتوقف ولن تفرغ... فلكي يعني إنها تقدم عونًا لا ينضب، وفي نفس الوقت طاقة لا تخيب، دعاها "بئرًا" وأنهارًا، ليست نهرًا واحدًا، بل هي أنهار لا تُحصى. يمكن للشخص أن يدرك بوضوح ما تعنيه إن وضع في اعتباره حكمة اسطفانوس ولسان بطرس وغيرة بولس[505].]
كما يقول القديس أمبروسيوس: [هكذا يؤمر النبي (إيليا) من الرب أن يعبر إلى النهر (١ مل ١٧: ٢) لكي يشرب من العهد الجديد ليس فقط بنهر بل "تجري من بطنه أنهار ماء حيّ" (يو 7: ٣٨)، أنهار فهم، وأنهار تأمل، وأنهار روحية، هذه التي تجف في زمن عدم الإيمان لئلا يشرب مدنسو المقدسات وغير المؤمنين. في ذلك الموضع عرف الغربان ما لم يعرفه اليهود. أطعم (إيليا) الغربان، ذاك الذي اضطهده الجنس الملوكي الشريف[506].]
7. لماذا لا ينال المؤمن النطق بكل لغات الأمم عند عماده وتمتعه بالروح القدس؟
يرى القديس أغسطينوس أن الروح القدس قد حلّ على كثيرين قبل أن يتمجد يسوع بقيامته، مثل سمعان الشيخ وحنّة النبيّة والقديسة مريم عند التجسد الإلهي، لكن حلول الروح القدس بعد القيامة جاء حلولاً عامًا على الكنيسة في عيد العنصرة حيث نطقت بكل لغات الأمم. أما لماذا لا ينال المؤمن النطق بكل لغات الأمم عند عماده الآن ونواله الروح القدس؟ فيجيب القديس أغسطينوس بأنه إذ انتشرت الكنيسة في العالم صار المسيحيون ينطقون بكل لغات العالم، فكل مسيحي كعضوٍ في الكنيسة الجامعة يحسب نفسه كمن يتكلم بكل لغات الأمم، لأن ما ينطق به إخوته كأنما ينطق به هو كعضوٍ في الجسد الواحد[507].
مرة أخرى يقول القديس أغسطينوس أن السيد المسيح بعد قيامته وهبنا الروح القدس الذي به نحب الكنيسة ونتمتع بوحدتها وحبها، وبهذا ننعم بالقيامة معه، حيث نهاجر بقلوبنا العالم لنحيا معه في السماء. [يكون لنا الروح القدس إن كنا نحب الكنيسة، لكننا نحب الكنيسة إن ثبتنا في وحدتها وحبها... نحن هنا نولد ونموت، ليتنا لا نحب هذا العالم، بل نهجره بالحب، بالحب نسكن في الأعالي، بذات الحب الذي به نحب اللَّه. في هذه الرحلة لحياتنا ليتنا لا نفكر في شيء غير أننا لن ندوم هنا، وأنه بالحياة الصالحة نعد لأنفسنا موضعًا حيث لا نهجره قط[508].]
يقول القديس أمبروسيوس: [الروح القدس هو النهر الذي يفيض من المسيح إلى الأراضي. وقد قبلنا هذا كما تنبأ فم إشعياء (إش 12:66). هذا النهر العظيم الذي يفيض على الدوام ولن يتوقف، ليس فقط نهرًا بل هو أيضًا أحد المجاري الغزيرة التي تفيض عظمة، كما قال داود: "مجرى النهر يفرح مدينة اللَّه" (مز 4:46). فإنه لا ترتوي تلك المدينة، أورشليم السماوية بقناة، أي بنهرٍ أرضيٍ، بل بالروح القدس المنبثق من مصدر الحياة. المجرى الذي يصدر عن ذاك الذي يشبعنا، يبدو أنه يفيض بوفرة بين العروش السماوية والسيادات والقوات والملائكة ورؤساء الملائكة، جاريُا في أكمل نصيب لفضائل الروح السبع[509].]
8. هل كان السيد المسيح محتاجًا لحلول الروح القدس عليه أثناء عماده في نهر الأردن؟
يجيب القديس إيرينيؤس على هذا السؤال، قائلاً: [وعد الرب بالأنبياء أن يسكب روحه على خدامه وخادماته في نهاية الأزمنة. هذا هو سبب نزوله على ابن اللَّه الذي صار ابن الإنسان، إذ صار معتادًا به أن يسكن في الجنس البشري ويستقر على البشريين، وأن يحيا في خليقة اللَّه، يجددهم من العتق إلى جدة المسيح... لهذا السبب وعد الرب أيضًا أن يرسل الباراكليت الذي يهيئنا للَّه[510].
ويقول القديس كيرلس الكبير: [بدأ الله الآب يعطي الروح من جديد، وكان المسيح أول من قبل الروح كباكورة الطبيعة المتجددة، لأن يوحنا شهد قائلاً: "إني قد رأيت الروح نازلاً من السماء فاستقر عليه" (يو ١: ٣٢)... لم يقبل المسيح الروح لأجل نفسه، بل بالأحرى لأجلنا نحن فيه، لأن كل الصالحات تفيض أيضًا فينا بواسطته. لأنه إذ حاد جدنا آدم بالخديعة سقط في العصيان والخطية ولم يحفظ نعمة الروح. وهكذا فقدت فيه الطبيعة البشرية كلها الخير المُعطى لها من الله، لهذا يلزم أن الله الكلمة غير المتغير يصير إنسانًا حتى إذا ما نال كإنسانٍ يمكنه أن يحفظ الصلاح في طبيعتنا على الدوام. ودليلنا في تفسير هذه الأسرار هو المرتل الإلهي نفسه، إذ يقول للابن: "أحببت البرّ وأبغضت الإثم، من أجل ذلك مسحك الله إلهك بدهن الابتهاج أكثر من رفقائك" (مز ٤٥: ٧).]
كما قال: [في الأنبياء القديسين بريق غنى خاص، يستمدونه من مصدر الاستنارة من الروح القدس، القادر أن يقودهم إلى إدراك أمورٍ عتيدة ومعرفة أنباء مخيفة. لكننا نثق أن الذين يؤمنون بالمسيح لا يكون لهم مجرد استنارة من الروح القدس، بل الروح نفسه يسكن ويجعل إقامته فيهم... لنفهم أنه يعني سكنى الروح القدس في البشر كاملة وبالتمام.]
ويقول القديس أمبروسيوس: [هذا بالتأكيد النهر الصادر عن عرش اللَّه، أي الروح القدس الذي يشرب منه من يؤمن بالمسيح كما قال المسيح نفسه[511].]
ويقول القديس أغسطينوس إنه بعد قيامته وهبنا الروح القدس الذي به نحب الكنيسة ونتمتع بوحدتها وحبها، وبهذا ننعم بالقيامة معه، حيث نهاجر بقلوبنا العالم لنحيا معه في السماء. [يكون لنا الروح القدس إن كنا نحب الكنيسة، لكننا نحب الكنيسة إن ثبتنا في وحدتها وحبها... نحن هنا نولد ونموت، ليتنا لا نحب هذا العالم، بل نهجره بالحب، بالحب نسكن في الأعالي، بذات الحب الذي به نحب اللَّه. في هذه الرحلة لحياتنا ليتنا لا نفكر في شيءٍ غير أننا لن ندوم هنا، وأنه بالحياة الصالحة نعد لأنفسنا موضعًا حيث لا نهجره قط[512].]
9. ما هي علاقة الروح القدس بالسيد المسيح كمخلص؟
فتح ميلاد السيد المسيح حسب الجسد الطريق لنا لحلول الروح القدس فينا، فقد جاءت حياة السيد المسيح تشهد لعمل الروح القدس، الذي هو روحه واحد معه في اللاهوت. جاء يوحنا السابق الملاك الذي أعد الطريق للسيد المسيح مملوءً من الروح وهو بعد في الرحم (لو 1: 15). ذات الروح حلّ على القديسة العذراء مريم وظللها مثل الشكينة التي حلت في جبل سيناء، حتى يهيئها لكي يكون المولود منها القدوس المدعو ابن اللَّه (لو 1: 35). وعند زيارة القديسة مريم لأليصابات امتلأت الأخيرة من الروح القدس وارتكض الجنين في بطنها بابتهاج (لو 1: 41-42). وسبحت مريم وزكريا بوحي الروح (لو 1: 46، 68). وبالروح القدس استقبل سمعان الشيخ الطفل يسوع في الهيكل (لو 2: 25-32). وقاد الروح القدس ربنا يسوع إلى البرية ليُجرَّب (مر 1: 12).
يقدم لنا السيد المسيح الروح القدس ليحل فينا، فنحمل المسيح في داخلنا، ويصير هو نفسه صلاتنا وعبادتنا "بالروح" إذ تصرخ أعماقنا نحو الآب: "يا آبا، الآب" (رو 8: 15؛ غلا 4: 6).
يقول القديس غريغوريوس النزينزي: [المسيح وُلد (تجسد)، والروح هو السابق له. المسيح اعتمد والروح حمل شهادة له. المسيح جُرّب، وهو الذي عاد به (إلى الجبل). المسيح صنع عجائب، والروح رافقه. المسيح صعد، والروح خلفه[513].] كما يقول: [أعمال المسيح الجسمانية انتهت، وأعمال الروح تبدأ[514].]
عمل الروح القدس اللائق به هو تحقيق وحدتنا مع المسيح. كما يقول القديس كيرلس الكبير:
[إنه الروح الذي يوحدنا، نقول إنه يجعلنا نتجانس مع اللَّه؛ استقباله يجعلنا شركاء الطبيعة الإلهية، ونحن نتسلم هذا من الابن، وبالابن من الآب[515].]
[(الابن نفسه) يشَّكلنا حسب مجده، ويوسمنا بخاتم شكله[516].]
[واهب الروح الإلهي المعطي الحياة ومعطيه هو الابن المولود من اللَّه[517].]
[الملء المُعطى لنا بالآب والابن يتحقق... بالروح القدس الذي يملأنا بالمواهب الإلهية به ويجعلنا شركاء في الطبيعة التي لا يُنطق بها[518].]
[هكذا حيث يعيش الابن فينا بطريقةٍ لا توصف وذلك بروحه (غلا 4: 6)، نقول إننا مدعوّون لروح البنوة[519].]
[شكرًا للاتحاد مع الابن الذي يتحقق بوساطة الروح في الذين يقبلونه حتى أننا نتشكل للبنوة[520].]
[إن كانت الصورة الحقيقية التي تعبر بكمال عن التشبه بالابن نفسه، بلا خطأ، فالشبه الطبيعي للابن هو الروح الذي نتوافق معه بدورنا خلال التقديس، والذي يشكلنا إلى شكل (الآب) نفسه[521].]
[نحن نتشكل حسب المسيح، ومنه نتقبل الصورة (غلا 4: 9)، وشكل الروح حسنًا جدًا، كمنْ مِنْ أحد شبيه له بالطبيعة[522].]
[بسبب قوته وطبيعته يمكن للروح بالتأكيد أن يُصلحنا إلى الصورة الفائقة[523].]
10. ما هو دور الروح القدس في العهدين، القديم والجديد؟
في العهد القديم كان روح الله يحلّ على الإنسان لمهمةٍ معينة، وإذ يتممها يفارقه؛ فلا يقطن فيه كهيكل إلهي. أما في العهد الجديد، فكما يقول الرسول بولس: "أما تعلمون أنكم هيكل الله، وروح الله يسكن فيكم؟!" (1 كو 3: 16)
كثيرًا ما أشار العهد القديم إلى الروح القدس أو روح الرب العامل في أناس الله. كمثالٍ حين طلب يشوع من موسى النبي أن يردع اليداد وميداد لأنهما تنبأ، "قال له موسى: هل تغار أنت لي؟! ليت كل شعب الرب كانوا أنبياء، إذ جعل روحه عليهم" (عد 11: 29).
أما العهد الجديد فقد أبرز عمل الروح القدس كواهبٍ لعطايا تفوق الطبيعة. فقيل عن يوحنا المعمدان: "ومن بطن أمه يمتلئ من الروح القدس" (لو 1: 15). كما قيل عن أليصابات: "وامتلأت أليصابات من الروح القدس" (لو 1: 41). وعن زكريا الكاهن: "وامتلأ زكريا أبوه من الروح القدس وتنبأ قائلاً..." (لو 1: 67). وعن سمعان الشيخ قيل: "وكان قد أوحي إليه بالروح القدس أنه لا يرى الموت قبل أن يرى مسيح الرب" (لو 2: 26).
وفي حديث للسيد المسيح مع المرأة السامرية، قال لها: "لو كنتٍ تعلمين عطية الله ومن هو الذي يقول لكِ أعطيني لأشرب، لطلبتِ أنتِ منه فأعطاكِ ماءً حيًّا" (يو 4: 10). "وفي اليوم الأخير العظيم من العيد وقف يسوع ونادى، قائلاً: إن عطِش أحدٌ فليقبل إليّ ويشرب. من آمن بي كما قال الكتاب تجري من بطنه أنهار ماءٍ حيٍّ. قال هذا عن الروح القدس الذي كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه لم يكن أُعطي بعد، لأن يسوع لم يكن قد مُجِّد بعد" (يو 7: 37-39). لقد مُجّد يسوع على الصليب حيث بذل حياته من أجل خلاص العالم، ووُهب للمؤمنين به أن يصيروا هيكل الله وروح الله يسكن فيهم (1 كو 3: 16).
11. هل يشهد الكتاب المقدس أن الروح تحدث بواسطة الأنبياء؟
يقول الرسول: "الذين أُعلن لهم أنهم ليس لأنفسهم بل لنا كانوا يخدمون بهذه الأمور التي أُخبرتم بها، أنتم الآن بواسطة الذين بشروكم في الروح القدس المُرسل من السماء" (١ بط ١: ١٢).
12. إن كان الروح تكلم بواسطة الأنبياء وحلّ على التلاميذ في شكل ألسنة نارية، فهل يعمل أيضًا في المؤمنين؟
يقول الرسول: "أما تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم؟!" (١ كو ٣: ١٦).
13. كيف نصير شركاء في الروح القدس؟
أولاً: خلال الصلوات الحارة: يقول رب المجد: "فإن كنتم وأنتم أشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيدة، فكم بالحريّ الآب الذي من السماء يُعطي الروح القدس للذين يسألونه" (لو ١١: ١٣). إن كنا نهتم أن نقدِّم خبزًا وسمكة وبيضة لأولادنا لكي يقدروا أن يعيشوا على الأرض، فإن الآب الذي من السماء يعطيٍنا الروح القدس الذي وحده روح الشركة، فهو يثبِّتنا في الابن الوحيد الجنس منطلقًا بنا إلى حضن الآب السماوي. عمله أن يهبنا "الحياة الجديدة" الحاملة للسِمة السماويَّة. لكي نعود إلى الحضن الأبوي من جديد. يقول القدِّيس إكليمنضس السكندري: [إن كنَّا ونحن أشرار نعرف أن نعطي عطايا صالحة فكم بالحري طبيعة أب المراحم، أب كل تعزية، الصالح، يترفَّق بالأكثر وبرحمة واسعة يطيل أناته منتظرًا الراجعين إليه؟[524]]
ثانيًا: بواسطة المعمودية وتجديد الروح القدس: "ولكن حين ظهر لطف مخلّصنا الله وإحسانه لا بأعمالٍ في برٍّ عملناها نحن بل بمقتضي رحمته خلّصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس. الذي سكبه بغنى علينا بيسوع المسيح مخلّصنا" (تي ٣: ٤-٦). يعلق القديس أمبروسيوس على هذا القول قائلاً: ]الروح القدس هو الذي يخلصنا من دنس الأمم! سامية هي هذه النعمة التي تغير غضب الوحوش إلى بساطة الروح[525].] كما يقول: [من هو هذا الذي يُولد من الروح ويصير روحًا (روحانيًا) إلا الذي يتجدد بالروح في ذهنه". (أف 4: 23)! هذا هو بالتأكيد ذاك الذي يولد بواسطة الماء والروح حيث ننال رجاء الحياة الأبدية خلال جرن الميلاد الذي للروح القدس[526].[ ويعلق القديس أغسطينوس قائلاً: ]في المعمودية غُسلت كل الخطايا السابقة. وخلالها يكون عون الروح الذي به يشتهي ضد الجسد فلا ننهزم في حربنا، (الروحية). وخلالها تكون للصلاة الربانية فاعليتها حين نقول "اغفر لنا ذنوبنا". هكذا يُعطى لنا التجديد، ونُعان في صراعنا، وتسكب الصلاة، ويكون قلبنا غير مشوب. وبهذا نكون بلا لوم[527].] كما يقول القديس غريغوريوس النزينزي: [إن كان الروح لا يُعبد، فكيف يمكنه أن يؤلهني في المعمودية؟... من الروح ننال ما يجددنا. هكذا أنتم ترون الروح يعمل بكونه اللَّه واهب المِنح لنا. هكذا أنتم ترون ما نُحرم منه إن أنكرنا أن الروح هو اللَّه. بالروح أعرف اللَّه. هو نفسه اللَّه، وفي الحياة الأخرى يؤلهني[528].]
ثالثًا: التمتع بغذاء النفس. حسن أن يجاهد الإنسان بكل وسائل النعمة سواء بقراءة الكتاب المقدس والصلاة والأصوام والمطانيات، لكن بدون نعمة الله واقتناء الروح القدس غذاء النفس، لن يقدر الإنسان أن يتمتع بالحياة الأبدية. هذا ما أبرزه القديس مقاريوس الكبير، بقوله:
[حينما خلق الله جسدنا هذا لم يمنحه أن تكون له حياة من طبيعة الله الخاصة، ولا أن يحيا الجسد بذاته، وإنما دبر له الطعام والشراب واللباس والأحذية[529]، وهكذا عيّن الله له أن يأخذ كل حاجات الحياة من الخارج، إذ صنع الجسد نفسه عريانًا. ولا يمكن للجسد أن يعيش بدون الأشياء الخارجة عنه، أي بدون الطعام والشراب واللباس. فإن حاول أن يعتمد على طبيعته وحدها دون أن يأخذ شيئًا من الخارج، يضمحل ويموت. وهذا هو نفس الحال بالنسبة للنفس أيضًا، فهي لا تملك النور الإلهي بالرغم من أنها مخلوقة على صورة الله، وهكذا نظم الله أحوالها وقد أراد بأن لا تحصل على الحياة الأبدية من طبيعتها الخاصة، ولكن من لاهوته، أي من روحه، ومن نوره، تنال طعامًا وشرابًا روحانيًا، ولباسًا سماويًا وهذه هي حياة النفس، أي الحياة بالحقيقة.
إن الطبيعة الإلهية فيها خبز الحياة الذي قال: "أنا هو خبز الحياة" (يو 35:6)، "والماء الحي" (يو 10:4)، "والخمر التي تفرح قلب الإنسان" (مز 15:104)، "وزيت الابتهاج" (مز 7:45)، وجميع أصناف طعام الروح السماوي ولباس النور، تلك التي تأتى من الله. وفي هذه الأشياء تكون حياة النفس الأبدية. ويل للجسد حينما يعتمد على طبيعته الخاصة، لأنه حينئذ يضمحل ويموت، وأيضًا ويل للنفس إن استندت على طبيعتها الخاصة، ولم تضع ثقتها في شيءٍ سوى أعمالها الخاصة، ولم تنل شركة روح الله، فإنها تموت إذ لم تحصل على حياة اللاهوت الأبدية الممنوحة لها.
ففي حالة المرض بالجسد، بمجرد أن يفقد الجسد القدرة على تقبل الغذاء، لا يعود هناك أمل في هؤلاء المرضى، ويبدأ أصدقاؤهم الحقيقيون وأقرباؤهم ومحبوهم في البكاء وذرف الدموع. بنفس الطريقة، فإن الله والملائكة يبكون على النفوس التي لا تتغذى بطعام الروح السماوي[530].]
14. ما هي أهم العطايا والمواهب التي يهبها الروح القدس؟
يمكن تقسيم مواهب الروح إلى مواهب خلاصية، ومواهب تقوية، ومواهب للكرازة والشهادة. أما في الواقع العملي فيصعب الفصل بين هذه المواهب وبعضها البعض، فإن حياة المؤمن وحدة واحدة لا تتجزأ، وخلاصنا في جوهره تمتع بالاتحاد مع الآب كأبناء له بالمسيح يسوع في الروح القدس. حياتنا الكنسية، وسلوكنا الشخصي وشهادتنا لإنجيل المسيح وحبنا للبشرية كلها وخدمتنا لهم بكل وسيلة مقدسة لا تتجزأ. يصعب بل ويستحيل علينا أن نضع حدًا فاصلاً بين المواهب الخلاصية والمواهب التقوية ومواهب الكرازة والشهادة. يقول القديس أغسطينوس: [بدون روح الإيمان لا يؤمن أحد بحقٍ، وبدون روح الصلاة لا يصلي أحد بطريقةٍ نافعةٍ. لا يعني هذا أنه يوجد أرواح كثيرة، بل في كل الأشياء الروح الواحد بعينه يعمل، الذي يقدم لكل واحدٍ فرديًا حسبما يشاء (1 كو 12: 9)[531].]
ويقول القديس أمبروسيوس: [كُتِبَ: "الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء قديمًا بأنواع وطرق كثيرة" (عب 1: 1). ويقول حكمة الله: "سوف أرسل لهم أنبياءً ورسلاً" (لو 11: 49) وأيضًا "لواحد يُعطى بالروح كلام حكمة، ولآخر كلام علم بحسب الروح الواحد، ولآخر إيمان بالروح الواحد. ولآخر مواهب شفاء بالروح الواحد، ولآخر عمل قوات، ولآخر نبوة" (1 كو 12: 8-10). ومن يكون الروح القدس الذي يُعطِي النبوات حسب قول الرسول: ألم يعطِ الآب النبوات وكذلك الابن، فإذا كان الروح القدس يعطي النبوة مثل الآب والابن، فالعمل واحد، والنعمة واحدة والروح القدس الذي هو أيضًا مصدر النبوات ليس إلا الله[532].]
العطايا التي وردت في سفر إشعياء ١١: ٢ "يحل عليه روح الرب روح الحكمة والفهم روح المشورة والقوة روح المعرفة ومخافة الرب. "إذ جاء السيد المسيح ممثلاً للبشرية حلّ عليه الروح القدس الذي ليس بغريب عنه، لأنه روحه. حلول الروح القدس على المسيح يختلف عن حلوله علينا؛ بالنسبة له حلول أقنومي، واحد معه في ذات الجوهر مع الآب، حلول بلا حدود. أما بالنسبة لنا فهي نعمة تُمنح لنا في المسيح يسوع قدر ما تحتمل طبيعتنا ليعمل على تجديدها المستمر.
في عيد العنصرة تحدث القديس يوحنا الذهبي الفم عن "مواهب الروح القدس" قائلاً: [أية موهبة من بين المواهب التي نتمتع بها في داخل خلاص نفوسنا لم ننلها خلال خدمة الروح (القدس)؟! فخلاله نتحرر من العبودية، وندعى إلى الحرية! خلاله صرنا أولاًد اللَّه، بتبنيه إيانا! وفوق هذا كله، إن أمكنني أن أقول، إننا قد تجددنا، خالعين عنا ثقل الخطايا الكريه! خلاله نرى قدامنا طغمات الكهنة! خلاله يساعدنا معلمينا! منه ننال مواهب الإعلانات، ومواهب الشفاء، وكل المواهب الأخرى التي بها يزين الروح القدس كنيسة الله. هذا ما يعلنه الرسول بولس قائلاً: "ولكن هذه كلها يعملها الروح الواحد بعينه، قاسمًا لكل واحدٍ بمفرده، كما يشاء" (1 كو 11:12). يقول "كما يشاء" وليس "حسبما يؤمر". ويقول: "قاسمًا" وليس "مقسمة"، مظهرًا أنه هو صاحب هذه المواهب، وليس كمن يخضع لسلطان آخر. فالسلطان الذي يشهد عنه الرسول بأنه للآب هو نفسه ينسب للروح القدس. وكما قال عن الآب: "ولكن اللَّه واحد الذي يعمل الكل في الكل"، ويقول أيضًا عن الروح القدس: "ولكن هذه كلها يعملها الروح الواحد بعينه قاسمًا لكل واحد بمفرده كما يشاء".
انظروا كمال السلطان، فإذ الطبيعة (الإلهية) واحدة، لذلك فإنه لا يوجد أدنى شك من جهة السلطان، وإذ توجد مساواة في الكرامة فإن القوة والسلطان واحد.]
يتحدث القديس غريغوريوس النزينزي عن عمل الروح القدس في حياتنا كينبوع صلاحنا، قائلاً:
[يُدعى روح الله وروح المسيح... وهو نفسه الرب. روح النبوة والحق والحرية، روح الحكمة والفهم والمشورة والقدرة والمعرفة والصلاح ومخافة الرب.
إنه صانع كل هذه الأمور، يملأ الكل بجوهره ويحوي كل الأشياء، يملأ العالم في جوهره ومع هذا فلا يمكن للعالم أن يدرك قوته.
صالح ومستقيم، ملوكي بطبيعته وليس بالتبني. يُقدس ولا يتقدس، يقيس ولا يُقاس، يهب شركة ولا يحتاج إلى شركة، يملأ ولا يُملأ، يحوي ولا يُحوى، يورث ويمجد... مع الآب والابن.
هو أصبع الله، نار كالله (الآب)... الروح الخالق الذي يخلق من جديد بالمعمودية والقيامة.
هو روح العالم بكل شيء، يهب حيث يشاء، يرشد ويتكلم ويرسل ويفرز ويحزن،
يعلن وينير ويحييّ، أو بالحري هو ذات النور والحياة.
يخلق هياكل ويؤله (يعطي شركة مع الله)،
يهب كمالاً حتى قبل العماد (كما في حادث كرنيليوس أع 10: 9)،
تطلبه بعد العماد كعطية... يفعل فينا العمل الإلهي،
ينقسم في ألسنة ناريِّة مُقسِّمًا المواهب، يقيم الرسل والأنبياء والإنجيليين والرعاة والمعلمين.
يُفهم بطرق متعددة، واضح، وينخس القلوب[533].]
يقول القديس باسيليوس الكبير [لا يستطيع أحد أن يتقبل كل العطايا الروحية، إنما تُعطى نعمة الروح بما يتناسب وإيمان كل واحدٍ، وعندما يكون شخص ما يعيش في جماعة مع آخرين، فإن النعمة التي تُوهَب بصفة خاصة لكل فردٍ تصير ملكًا عامًا للآخرين... من يقتني أية موهبة من تلك المواهب، لا يمتلكها لأجل نفسه، بل بالحري لأجل الآخرين[534].]
[نحن نعتقد أن الروح بالنسبة لتوزيع المواهب هو مثل الكل الحاضر في الأجزاء، لأننا جميعًا أعضاء بعضنا البعض، ولكن لكل واحدٍ موهبته حسب النعمة المعطاة لنا" (رو 5:12-6). لذلك لا تقدر العين أن تقول لليد، ليس لي حاجة إليكِ، ولا الرأس للرجلين لا حاجة إليكما" (1 كو 21:12) وإنما الكل يُكمِّل جسد المسيح في وحدة الروح، ويقدِّم كل عضو للآخر الخدمة الضرورية التي تأتي من المواهب. ووضع الله الأعضاء في الجسد حسبما شاء (1 كو 18:12) وأعضاء وهبت الاهتمام بالأعضاء الأخرى حسب الشركة الروحية التي يقدم العطف المتبادل. لذلك إذا تألم عضو، تألمت معه باقي الأعضاء، وإذا أُكرم عضو فرحت معه بقية الأعضاء (1 كو 25:12-26). وكما أن الأجزاء في الكل، هكذا نحن كل فردٍ منا في الروح، لأننا جميعًا "اعتمدنا إلى جسدٍ واحدٍ بروحٍ واحدٍ" (1 كو 13:12)[535].]
كما يقول: [بالروح القدس استعادة سكنانا في الفردوس، وصعودنا إلى ملكوت السماوات،
عودتنا إلى البنوة الإلهية، ودالتنا لتسمية الله "أبانا"،
اشتركنا في نعمة المسيح، وتسميتنا أبناء النور، حقنا في المجد الأبدي،
وبكلمة واحدة حصولنا على ملء البركة في هذا الدهر وفي الدهر الآتي[536].]
15. ما هو الإيمان كأحد مواهب الروح القدس (1 كو 12: 9)؟
الإيمان من أثمن مواهب الروح، مُقدم للجميع، لكنه من المواهب النادرة، يزدري به البعض في عجرفة واعتداد بالعمل البشري. يتحدث الرسول عن الإيمان الذي يحرك السماء والأرض، به يمكن أن تنتقل الجبال (1 كو13: 2)، ويرى البعض أن الإيمان هو العمل المعجزي في سحب القلوب لقبول عمل المسيح الخلاصي. ويقول القديس كيرلس الأورشليمي: [الإيمان الذي يُعطى بواسطة الروح كنعمةٍ، ليس إيمانًا خاصًا بالتعاليم المجردة، وإنما الإيمان الذي يحمل قوة وحيوية تتعدى الطبيعة البشرية، الإيمان الذي يحرك الجبال... فكما أن حبة الخردل صغيرة، لكنها تحمل طاقة متفجرة، فتأخذ الفرصة بزراعتها ثم تبعث فروعًا عظيمة حول الساق، حتى إذ تنمو تصير ملجأ للطيور، هكذا بنفس الطريقة، الإيمان يقدم في النفس أمورًا عظيمة[537].]
16. من يتحدى رياح الخطية العنيفة وظلمة الشيطان؟
يدعونا القديس مقاريوس الكبير أن نلجأ إلى الروح القدس الذي برياحه المقدسة ينعش النفس، ويهبها الاستنارة بروح القوة التي تتحدى رياح الخطية المظلمة والقاسية. يقول القديس: [كما يحدث في أحد الليالي المظلمة الكئيبة أن تهب ريح عاصفة وتحرك وتفتش كل الزروع والنباتات وتهزها، هكذا حينما يسقط الإنسان تحت سلطة ظلام ليل الشيطان، ويصير في الليل والظلمة، فإنه يتكدر بواسطة ذلك الريح المرعب ريح الخطيئة الذي يهب (عليه)، فيهزه ويقلبه ويفتش أعماق طبيعته كلها: نفسه وأفكاره، وعقله، ويهز أيضًا كل أعضاء جسده، ولا ينجو عضو سواء من أعضاء النفس أو أعضاء الجسد، ويبقى مستكينًا للخطيئة الساكنة فينا. وبالمثل فهناك نهار النور والريح الإلهي، ريح الروح القدس، الذي يهب وينعش النفوس التي تكون في نهار النور الإلهي[538].]
17. لماذا قال السيد المسيح: "لكني أقول لكم الحق انه خير لكم أن انطلق، لأنه إن لم انطلق لا يأتيكم المعزي، ولكن إن ذهبت أرسله إليكم" (يو 16: 7)؟
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ماذا يحدث؟ هل الروح أعظم منك حتى أننا الآن لا نحتمل، لكن سنحتمل بعد ذلك؟ هل سيعمل الروح بأكثر قوة وأكثر كمالاً؟ لا، ليس كذلك، لأنه هو أيضًا ينطق بكلماتي[539].]
ويقول القديس أغسطينوس: [لم يكن التلاميذ في ذلك الحين مستعدين أن يموتوا من أجل المسيح عندما قال لهم: "لا تقدر الآن أن تتبعني" (يو ١٣: ٣٦)... ومع ذلك نجد بعد هذا أعدادًا بلا حصر من رجال ونساء وأولاد وبنات وشباب وشابات وشيوخ وصغار تُوجوا بالاستشهاد، ووُجد القطيع مستعدًا لهذا الذي لم يكن الرعاة قادرين على احتماله عندما نطق الرب بهذه الكلمات... حسنًا، ليتنا نقبل الأمر هكذا، إن كثيرين يستطيعون الآن أن يحتملوا هذه الأمور، إذ أُرسل الروح القدس، هذا الذي لم يستطع التلاميذ أن يحتملوه قبل مجيئه[540].]
18. من يقدم لنا تعزيات سماوية أثناء جهادنًا ومعركتنا مع إبليس الشرس؟
في حديثه الوداعي قبل القبض عليه أكد السيد المسيح لتلاميذه أنه سيرسل لهم الروح القدس المعزي، قائلاً لهم: "وأنا اطلب من الآب فيعطيكم معزيًا آخر ليمكث معكم إلى الأبد" (يو 14: 16). "وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلمكم كل شيءٍ، ويذكركم بكل ما قلته لكم (يو 14: 26). "ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب روح الحق، الذي من عند الآب ينبثق، فهو يشهد لي (يو 15: 26).
إذ يتمم السيد المسيح عمل الفداء على الصليب، يصعد إلى السماء، ويرسل الروح القدس، ليهب كنيسته عذوبة الشركة في الصليب وخبرة قوة القيامة وعربون الحياة السماوية. هذا هو المعزي الآخر الذي يأخذ مما للسيد المسيح ويعطينا. يستمر عمل الروح القدس في حياة الكنيسة حتى انقضاء الدهر، ليقدمها عروسًا تحمل أيقونة عريسها السماوي.
كلمة "باراكليت" التي تترجم معزيًا تعني أيضًا محاميًا أو مدافعًا Advocate، فهو الذي يقف مدافعًا عن كنيسة المسيح أمام العدالة الإلهية لحساب الخطاة المخطئين الذين بالإيمان الحي العامل بالمحبة حملوا برّ المسيح. يدعو السيد المسيح نفسه "معزيًا"، إذ يلقب الروح القدس "المعزي الآخر". وقد دعا الترجوم Targum أيام المسيا بأيام التعزية. فالمسيح عزى تلاميذه حين كان معهم بالجسد، وإذ يفارقهم بالجسد يرسل لهم روحه القدوس معزيًا آخر.
إذ يقدم السيد المسيح نفسه ذبيحة حب عن البشرية صار من حق مؤمنيه أن يحلّ الروح القدس ويستقر فيهم، هذا الذي لم يعد مستقرًا في الإنسان منذ لحظة سقوط آدم في الخطية. هذه العطية التي هي بالحقيقة نوال واهب العطايا، عطية دائمة تلازم المؤمن حتى يعبر به من هذه الحياة. لن يفارقه الروح القدس مادام يقبله فيه ويتجاوب معه.
إذ سبق المخلص فقدم أساس المعرفة وهو الإيمان، ثم بنى على هذا الأساس أعمال المحبة التي هي حفظ وصاياه، يبعث إلينا روحه القدوس من عند الآب الذي وحده يقدر أن يحقق هذا كله.
هنا يكشف السيد المسيح عن دور الثالوث القدوس المتكامل معًا لتحقيق خطة تمجيدنا الأبدي. فالآب الذي أرسل ابنه معزيًا يبذل نفسه خلاصًا للعالم، الآن يستقبله عند صعوده، فيستقبل الكنيسة الجامعة، من آدم إلى آخر الدهور في شخصه بكونه رأسها. يستقبل المعزي الأول فيُسر به، إذ أكمل خلاص البشرية وأعلن عن حب الآب عمليًا، وإذ يستقبله في السماء، يبقى هذا المعزي متغربًا عن البشرية بالجسد، لكنه حاضر على الدوام في وسط كنيسته المقدسة. ويطلب عنها أمام الآب ليرسل المعزي الآخر، الذي يحلّ في الكنيسة وينيرها ويقدسها ويقودها دون أن يفارق الآب أو ينفصل عنه. هكذا تظهر علاقة الحب المتبادل بين الثالوث القدوس العامل لخلاص البشرية ومجدها الأبدي.
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [فإن قلت: لِمً قال السيد المسيح: "وأنا أطلب من الآب"؟ أجبتك: لأنه لو قال: "أنا أرسله" لما صدقوه، لذلك قال هنا: "وأنا أطلب من الآب" حتى يجعل كلامه عندهم مؤهلاً لتصديقه.]
19. كيف نفسر إرسالية كبير بيت إبراهيم كرمز لارسالية الروح القدس؟
في دراستنا لسفر التكوين الأصحاح 24 لاحظنا أن تتابع الأحداث الخاصة بإبراهيم وأسرته حملت صورة رمزية لأحداث الخلاص، فإن كان ذبح إسحق بكر سارة يشير إلى صليب المسيح وقيامته، فإن إرسال كبير بيت إبراهيم بعد موت سارة لإحضار رفقة زوجة لإسحق من مدينة ناحور بحاران يشير إلى عمل الروح القدس الذي اجتذب الأمم من أرضهم الشريرة - عبدة الأوثان - ليقيمها عروسًا لإسحق الحقيقي ربنا يسوع المسيح عوض سارة. استدعى إبراهيم عبده كبير بيته مدبر كل أمواله وسأله ألا يأخذ زوجة لابنه من بنات الكنعانيين الذين يسكن في وسطهم بل يذهب إلى عشيرته في منطقة ما بين النهرين (المصيصة) ويأتي إليه بزوجة من عشيرته، حتى لا يرتبط بكنعانية تسحب قلبه عن محبة الله وتشوه أفكاره وتفسدها. في إصرار رفض إبراهيم أن يذهب ابنه إلى هناك، مؤمنًا بأن الله الذي دعاه هو يرسل لابنه الزوجة التي تعينه في طريق الرب كما كانت سارة معينة له.
لم يهتم إبراهيم في اختيار زوجة لابنه أن تكون غنية أو جميلة إنما كان هدفه الأول أن تكون مقدسة ومؤمنة تعين ابنه في حياته الروحية ولا تكون عائقًا له في الطريق... لذلك أعطى الرب إسحق رفقة، امرأة جميلة المنظر والروح، كانت سرّ تعزية وفرح له كل أيام غربته.
كان رئيس بيت إبراهيم يشير إلى الروح القدس الذي أرسله الابن الوحيد الجنس من عند الآب، فقد جاءنا إلى حياتنا كما إلى مدينة ناحور لينطلق بنا من أرضنا على جمال سيدنا إلى أرضه، أي يحملنا إلى سماواته لنوجد مع العريس السماوي إلى الأبد.
وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إذ أقام المسيح معنا عقدًا (زواجيًا) عين لي مهرًا، لا من المال بل بالدم، هذا المهر هو عربون الصالحات: "ما لم تره عين ولم تسمع به أُذن ولم يخطر على بال إنسان" (1 كو 2: 9). عين لي الأمور التالية مهرًا: الخلود، تسبيح الملائكة، الخلاص من الموت، التحرر من الخطية، ميراث الملكوت العظيم، البرّ، التقديس، الخلاص من الشرور الحاضرة، اكتشاف البركات المقبلة. عظيم هو مهري!... جاء وأخذني، وعين لي مهري، قائلاً: أعطيك غناي. هل فقدت الفردوس؟ أرده لك... ومع هذا لم يعطني المهر كله هنا. لماذا؟ لكي أعطيه لك عندما تدخل الوضع الملوكي. هل أنت أتيت إليَّ؟ لا، بل أنا الذي جئت إليك.... لا لكي تمكث في موضعك، إنما آخذك معي، وأرجع بك. فلا تطلب منى المهر وأنت هنا في هذه الحياة، بل كن مملوءًا رجاءً وإيمانًا![541]].
يأتينا الروح القدس كما على عشرة جمال لكي يقدم للكنيسة من غنى الله ويسحبها على الدوام نحو السماء لتنعم بكمال المجد. والعجيب أن الرجل جاء إلى بئر الماء وقت المساء ليطلب لإسحق عروسًا. ما هذا البئر إلاَّ مياه المعمودية التي فيها يلتقي السيد المسيح بكنيسة كعروس له. وكما يقول الآب قيصريوس أسقف Arles: [لو أن الكنيسة لم تأت إلى مياه المعمودية لما ارتبطت بالمسيح[542].] كما يقول: [انظروا أيها الإخوة خادم إسحق، فقد وجد رفقة عند البئر وبدورها وجدت رفقة إسحق عند البئر. فالمسيح لا يجد الكنيسة ولا الكنيسة تجد المسيح إلاَّ بسرّ المعمودية[543].]
ويرى العلامة أوريجينوس في البئر إشارة إلى الكتاب المقدس الذي فيه تلتقي النفس بعريسها، إذ يقول: [كانت رفقة تذهب إلى البئر كل يوم لتستقي ماءً فالتقت مع خادم إبراهيم وتزوجت بإسحق... تعلموا أن تأتوا إلى بئر الكتاب كل يومٍ لتستقوا مياه الروح القدس بلا انقطاع[544].]
20. ما هو دور الروح القدس في حياة الكنيسة بعد صعود السيد المسيح إلى السماء؟
عيد البنطقستي (حلول الروح القدس على الكنيسة) يزيل الارتباك بين صعود المسيح إلى السماء وجلوسه على يمين الآب وبين وعده: "ها أنا معكم كل الأيام وإلى الانقضاء[545]" (مت 28: 20). يقول القديس مقاريوس أنه عندما يحل المسيح والروح فينا نختبر ذلك بطرق متنوعة: في فرح أو دموع، في سكون أو نشوة طرب. توجد أشكال متعددة لحضور اللَّه، أما ثمر الروح فهو دائمًا حضور المسيح واهب الوحدة، الذي يعيش في الكنيسة وفي قلب المؤمن[546].
ويقول القديس أغسطينوس إذ يحل الروح القدس على الكنيسة يحمل التلاميذ الذين رافقوا السيد المسيح منذ بداية خدمته إمكانية الشهادة له، الأمر الذي لم يكونوا قادرين عليه أثناء حديث السيد المسيح معهم، إذ لم يكن ملء الروح قد حلّ فيهم. متى حلّ الروح القدس يهبهم الإيمان العامل بالمحبة، والمحبة الكاملة تطرد الخوف خارجًا. فلا يعود بطرس الرسول ينكر المسيح كما حدث عند الصلب، بل يشهد له محتملاً الآلام والاضطهادات من أجل اسمه بفرحٍ. [إذ يشهد له الروح القدس، ويوحي بمثل هذه الشهادة بشجاعة لا تُقهر، يجرد أحباء المسيح من خوفهم، ويحولهم إلى حبهم لبغض أعدائهم لهم[547].] كما يقول: [في الكلمات السابقة قوَّى الرب تلاميذه ليحتملوا كراهية أعدائهم، وأعدَّهم أيضًا بتقديم نفسه مثالاً لكي يزدادوا شجاعة في الإقتداء به، مقدمًا لهم الوعد بالروح القدس الذي يأتي ليشهد له، ولكي يصيروا هم شهودًا خلال عمل الروح القدس في سامعيه. فإن هذا هو معنى: "وتشهدون أنتم أيضًا، لأنكم معي من الابتداء" [٢٧]. بمعنى إذ يحمل شهادة تحملون أنتم أيضًا شهادة. إنه في قلوبكم، وأنتم في أصواتكم؛ هو بالوحي وأنتم بالنطق، حتى تتحقق الكلمات: "إلى أقصى الأرض بلغ صوتهم" (مز ١٩: ٤). فإنه إن لم يملأهم بروحه لا يحقق كثيرًا تقديم نفسه مثلاً للهدف[548].]
كان التلاميذ والرسل وكل المؤمنين ينتظرون الروح القدس، روح عريسهم ليخطبهم عروسًا له، وهو لم يرسل عبدًا أو ملاكًا بل جاءنا روح الله ذاته. وكما أخذ الوكيل "عشرة جِمال من جمال مولاه ومضى وجميع خيرات مولاه في يده" (تك 10:24)، هكذا يكشف الروح القدس للبشرية غنى عريسها وعظمته. لا يقف عمله عند الكشف والدعوة للعرس، وإنما يقدم للعروس العربون مما لعريسنا، إذ "أخرج... آنية فضة وآنية ذهب وثيابًا وأعطاها لرفقة"، ويحثنا على السير في طريق العريس، قائلاً: "لا تعوقوني"، ويرافقنا في السير، ولا يتركنا في الطريق وحدنا، حتى يتم لقاؤنا وجهًا لوجه مع عريس نفوسنا. هذا هو عمل الروح القدس فينا:
أ. يوم حلوله في يوم الخمسين، هو يوم ميلاد الكنيسة جسد المسيح، إذ صار لنا شركة مع المسيح الرأس، فهو رأسنا ونحن أعضاء جسده. صارت لنا في الكنيسة خلال الروح القدس شركة مع الثالوث القدوس. فنتمتع في الآب بالأبوة، إذ وهبنا روح البنوة له. ونتمتع بالمسيح رأسًا وعريسًا وأخًا بكرًا.
ونتمتع بالروح القدس الساكن فينا، روح أبينا وروح عريسنا في نفس الوقت، منبثق من الآب. عمله الرئيسي في حياتنا هو التجديد المستمر، فمع كل صباح نحسب كأننا ننعم بعربون السماء كما لأول مرة. وننعم بالتقديس المستمر لنحمل أيقونة القدوس. كما ننال تعزيات سماوية وأفراح لا تنقطع. ونختبر حياة الحب والوحدة مع الله ومع الطغمات السماوية ومع البشرية.
يقول القديس باسيليوس الكبير: [هذا تجديدنا، يجعلنا على صورة الله من جديد، وذلك بغسل التجديد والروح القدس الذي يجددنا، فنصير أبناء اللّه، نصير خليقة جديدة مرة أخرى بشركة الروح، ويخلصهما مما كان عتيقًا[549].]
ب. يقدم لنا الروح القدس مواهب، عملها تقديم الخلاص المجاني للبشرية، فتتمتع به وتحيا فيه، وتسلك في طريق الخلاص نحو تلك الغاية، أن تصير أيقونة المسيح. وتبقى سالكة نامية بعمله فيها إلى يوم رحيلها، حيث تنعم بميراث المجد الأبدي.
ج. يقدم لنا الحق الإلهي والنمو في المعرفة والتلامس مع الأسرار الإلهية.
21. ما هو عمل الروح القدس في حياة المؤمن؟
إذ حلّ الفساد بالطبيعة الإنسانية في آدم الأول خرجت البشرية كلها من الفردوس، وفارقها روح الرب، الذي هو سرّ حياتها وصلاحها بل وهو كنزها المخفي. فصارت الحاجة إلى آدم الجديد الذي وحده يقدر أن يبارك طبيعتنا فيه، كقول القديس غريغوريوس الثيؤلوغوس[550]، هذا الذي وحده لن يفارقه روح الرب، لأنه روحه. بهذا قدم لطبيعتنا مجدها الأول بعودة الروح القدس إليها وثباته فيها. فلم يكن ممكنًا تجديد طبيعتنا إلا في المسيح يسوع، الذي حلّ وسطنا وتوَّجنا بمجد عدم الخطيئة، وأغنى طبيعتنا بروحه القدوس، مقدمًا على الصليب ثمن هذا العمل الإلهي. وللقديس كيرلس السكندري عبارات رائعة في هذا الأمر، نقتطف منها الآتي: [بسبب تعدي آدم "ملكت الخطيئة على الكل" (رو 5: 14)، وفارق الروح القدس الطبيعة البشرية التي صارت مريضة في كل البشر. ولكي تعود الطبيعة البشرية من جديد إلى حالتها الأولى احتاجت إلى رحمة الله، لكي تحسب بموجب رحمة الله مستحقة للروح القدس. لذلك صار الابن الوحيد كلمة الله إنسانًا، وظهر للذين على الأرض بجسد من الأرض لكنه خالٍ من الخطيئة، حتى فيه وحده تتوج الطبيعة البشرية بمجد عدم الخطيئة، وتغتني بالروح القدس، وتتجدد بالعودة إلى الله بالقداسة[551].]
يدعونا القديس مقاريوس الكبير أن نتمتع بكنز الروح القدس المخفي، فيقول: [إذا كان إنسان غني في هذا العالم وعنده كنز مخفي، فمن ذلك الكنز والغنى الذي له يمكنه أن يشتري أي شيء يشتهيه. وبسهولة يجمع كل الأشياء النادرة التي يشتهيها في هذا العالم ويكدسها، معتمدا على كنزه... بنفس الطريقة فإن الذين يطلبون ويسعون إلى الله، وقد وجدوا الكنز السماوي، أي حصلوا على كنز الروح، الذي هو الرب نفسه، مضيئًا في قلوبهم، فإنهم يتممون كل برّ الفضائل، وكل غنى الصلاح الذي أوصى به الرب، وذلك من كنز المسيح الذي فيهم.
وبواسطة ذلك الكنز يتممون كل فضائل البرّ، معتمدين على مجموع الغنى الروحي الكثير المتجمع في داخلهم، ويعملون بسهولة كل وصايا الرب بواسطة غنى النعمة غير المنظور الذي فيهم. يقول الرسول: "لنا هذا الكنز في أوانٍ خزفيةٍ" (2 كو 7:4). أي الكنز الذي أُعطى لهم في هذه الحياة ليقتنوه في داخل نفوسهم، "الذي صار لنا حكمة من الله وبرًا وقداسة وفداءً" (1 كو 30:1). فمن وجد واقتنى في داخله كنز الروح السماوي هذا، يتمم به كل برّ الوصية وكل تتميم الفضائل بنقاوة وبلا لوم، بل بسهولة وبدون تغصب.
لذلك لنتضرع إلى الله، ونسأله ونطلب منه بشعور الاحتياج، أن ينعم علينا بكنز روحه، لكي ما نستطيع أن نسلك في وصاياه كلها بطهارة وبلا لوم، ونتمم كل برّ الروح بنقاوةٍ وكمالٍ، بواسطة الكنز السماوي، الذي هو المسيح...
فليغصب كل واحد منا نفسه ليطلب من الرب أن يُحسب أهلاً أن ينال وأن يجد كنز الروح السماوي. لكي ما يستطيع أن يتهيأ بدون صعوبة، أن يعمل كل وصايا الرب بنقاوة وبلا لوم، تلك الوصايا التي لم ينجح قبل ذلك في أن يعملها مهما غصب نفسه[552].]
22. هل كان التلاميذ في حاجةٍ إلى معلمٍ آخر يعزيهم؟
أولاً: شجع السيد المسيح تلاميذه على قبول المعزي الآخر بكونه المعلم الذي لا ينافسه، بل يذَّكرهم بما قاله السيد، ويكشف لهم عن أسرار أخرى، لأنه روح الحكمة. إنه لا يأتي بإنجيل جديد، بل يذكرهم بإنجيل المسيح، ويعلن لهم ما لم يكونوا قادرين على قبوله قبلاً. إذ قال لهم: "وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي، فهو يعلمكم كل شيءٍ، ويذكركم بكل ما قلته لكم" (يو 14: 26). يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يدعو الروح القدس معزيًا بسبب الهموم التي استحوذت عليهم حينئذ. وهذه الأقوال قالها السيد المسيح لتلاميذه مكلفًا إياهم أن يحتملوا مفارقته بأوفر صبرٍ، إذ هي علة نعمٍ عظيمةٍ صالحةٍ لهم.]
وعدهم السيد المسيح أنهم يتمتعون بمجيء "روح الحق" الذي يرشدهم إلى كل الحق. فقد سبق فقدم السيد نفسه لهم قائلاً: "أنا هو الحق"، من يقتنيه يقتني الحق. لكنهم كيف يقتنونه؟ بالروح القدس الذي هو روح الحق، يعمل فيهم، فيثبتهم في المسيح الذي هو الحق الإلهي.
هل أخفي السيد المسيح الحق عن تلاميذه؟ لقد جاء إلى العالم ليقدم الحق. تحدث مع تلاميذه قدر ما يحتملون، ومع الجماهير حسب قدرتهم. لكنهم كانوا عاجزين عن قبول كل الحق، لذا بعث بروحه القدس لكي يقودهم ويدخل بهم إلى أعماق جديدة في الحق. هذا وقد أكد السيد أن روح الحق لا يعلم بشيء يناقض ما يعلم به السيد المسيح، بل ما يسمعه من الآب والمتناغم مع الابن، فينطق به لمجد الثالوث القدوس وخلاص البشر.
يقول القديس أمبروسيوس: [لقد أعلن أننا بدون الروح نعيش كأطفالٍ صغارٍ. لقد قال أن الروح سيأتي، هذا الذي يجعل من الأطفال الصغار رجالاً أقوياء بالنمو، أقصد في العمر الروحي. وقد أبرز هذا، لا لكي يجعل قوة الروح في المركز الأول، وإنما ليظهر أن كمال القوة هو في معرفة الثالوث[553].] كما يقول: [يقول ابن الله بخصوص الروح القدس أنه لا يتكلم من نفسه، بمعنى ليس بدون الشركة مع الآب ومعي. لأن الروح لا ينقسم ولا ينفصل، بل ينطق بما يسمع... هذا يعني أنه لا يتكلم بدوني، إذ ينطق بالحق، إنه يتنسم بالحكمة. لا ينطق بدون الآب، لأنه روح الله. إنه يسمع لا من ذاته، لأن كل الأشياء هي من الله. لذلك ما يقوله الروح هو قول الابن ولا ينطق الروح شيئًا من ذاته. لأن الثالوث لا يتكلم بشيء خارج عنه[554].] ويقول أيضًا: [هذا لا يعني أي سماع لكلمات واقعية (ملموسة) بل وحدة الإرادة والقوة التي توجد في الآب والابن والروح القدس. ما يقوله الروح يقوله الابن هنا (يو 16: 13). لنتعلم أن ما يقوله الروح يقوله الابن أيضًا، وما يقوله الابن يقوله الآب أيضًا، إذ يوجد فكر واحد، وطابع واحد للعمل في الثالوث[555].]
ثانيًا: يقول القديس أغسطينوس: [لا يسكن الروح في إنسانٍ بدون الآب والابن، ولا الابن أيضًا بدون الآب والروح القدس، ولا الآب بدونهما. سكناهم غير منفصل، لكن أحيانًا يعلنون عن أنفسهم برموزٍ مقتبسة من الخليقة منفصلين، ليس في جوهرهم[556].] كما يقول: [الثالوث القدوس كله يتكلم ويعلم (يو ٦: ٤٥؛ مت ٢٣: ١٠؛ أع ١٠: ٢٠)... لكنهم غير منفصلين[557].]
ويقول القديس غريغوريوس النزينزي: [إذ أبدأ في التأمل في الوحدة يغمرني الثالوث بإشراقه. وما أن أبدأ في التفكير في الثالوث حيث تستولي عليّ الوحدة. حينما يظهر لي أحد الثالوث أظن أنه الكل، يملأ عيني بالكامل، يهرب الفيض مني. ولا يكون في ذهني المحدود جدًا في إدراكه أقنوم واحد موضع لأكثر من ذلك. عندما اربط الثلاثة في فكر واحدٍ أرى لهيبًا واحدًا، فلا أستطيع أن أُقسّم النور الواحد ولا أحلّله[558].]
ثالثًا: يقول مار اسحق أسقف نصيبين: [عندما يؤسس الروح سكناه في إنسان، لا يتوقف الأخير عن الصلاة، لأن الروح لا يتوقف عن الصلاة فيه.]
رابعًا: يرى القديس إيرينيؤس أنه حيث يوجد روح اللَّه تكون الكنيسة وكل نعمة، وهو الذي يهب المؤمن ثمر الروح، إذ يقول: [إننا نحفظ بكل اهتمام الإيمان الذي نتسلمه من الكنيسة، فإنه خلال عمل روح اللَّه، يكون وديعة ثمنها عظيم، مودعة في إناءٍ صالحٍ، تتجدد بغير انقطاع، وتجعل الإناء الذي يحفظها متجددًا. تُمنح عطية اللَّه (الروح القدس) للكنيسة كالنسمة التي قُدمت للإنسان في خليقته، حتى يشترك كل الأعضاء فيها ويحيون بها. في الكنيسة تودع الشركة مع المسيح أي الروح القدس، عربون عدم الفساد، ثبات إيماننا، سلم للصعود إلى اللَّه... فإنه حيث توجد الكنيسة يكون أيضًا روح اللَّه، وحيث يوجد روح اللَّه تكون الكنيسة وكل نعمة[559].] كما يقول: [كما أن الأرض القفر لا تقدر أن تأتي بثمرٍ ما لم تستقبل ماءً، هكذا نحن الذين كنا قبلاً خشبًا جافًا، ما كان يمكننا أن نحمل ثمر للحياة بدون المطر الفياض الذي من العلا. لأن أجسادنا تتقبل الاتحاد مع عدم الفساد خلال غسل المعمودية، وأما نفوسنا فخلال الروح. هذا هو السبب الذي لأجله أن هذا وذاك ضروريان، لأن هذا وذاك يساهمان في الحياة الإلهية[560].]
خامسًا: بدونه لا نتمتع بالاتحاد مع السيد المسيح، ونبلغ إلى الكمال. يقول القديس إيرينيؤس: [كما أن الدقيق الجاف لا يقدر بدون سائل أن يصير عجينًا أو خبزة واحدة، هكذا نحن الكثيرون لا نقدر أن نصير واحدًا في المسيح بدون الماء الذي من السماء. هذا الماء تقَّبله الرب كهبة من الآب، والذي هو يعطيه أيضًا للذين يشتركون معه، مرسلاً الروح القدس على كل الأرض[561].] ويقول العلامة أوريجينوس: [لا نزال نحتاج إلى آخر يكشف لنا، ويعلن عن كل شيء... ومع التوبة التي كرز بها الرب والمخلص، والتحول من الشر إلى الصلاح، ومع غفران خطايانا الذي يُوهب لكل الذين يؤمنون، مع هذا فإن كمال كل الصلاح ومجمله في هذا: أنه بعد كل هذه الأمور يتأهل الإنسان أن يتقبل نعمة الروح القدس، وإلا فإنه لا يوجد شيء ما يُحسب كاملاً بالنسبة لمن ينقصه الروح القدس الذي به نبلغ سرّ الثالوث المطوّب[562].]
يقول القديس مقاريوس الكبير: [تحتاج النفس إلى السراج الإلهي، وهو الروح القدس، الذي ينير البيت المظلم، وإلى شمس البرّ الساطعة التي تضيء وتشرق في القلب، وتحتاج إلى الأسلحة التي تغلب بها في المعركة.]
سادسًا: الروح القدس يعمل في الكنيسة فيجتذب الأمم للإيمان. يقول القديس إيرينيؤس: [إذ ينشط التلاميذ بذات المشاعر يسبحون اللَّه، فيجلب الروح القبائل البعيدة إلى الوحدة، ويقدمون للآب بكور الأمم. هذا أيضًا هو السبب الذي لأجله وعد الرب بإرساله الباراكليت إلينا هذا الذي يهيئنا للَّه[563].]
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [حتى لا يقول التلاميذ للسيد المسيح: فماذا نعمل إن كانوا لم يحفظوا قولك، فلهذا السبب لا يحفظون قولنا، إن كانوا قد طردوك فإنهم سيطردوننا، إن كانوا قد أبصروا آيات لم يبصرها أحد، كائنة من غيرك، إن كانوا قد سمعوا أقوالاً لم يُسمع مثلها من غيرك ولم يستفيدوا، إن كانوا كرهوا أباك وكرهوك معًا، فلِم ألقيتنا في معاندتهم؟ كيف نتأهل فيما بعد عندهم للتصديق؟ من يصغي إلينا من الذين قبيلتهم قبيلتنا؟ ولكي لا يفتكروا هذه الأفكار فيضطربوا، عزاهم فقال: "ومتى جاء المعزي، الذي سأرسله أنا إليكم من الآب، روح الحق الذي من عند الآب ينبثق، فهو يشهد لي" (يو 15: 26). قول السيد المسيح لتلاميذه: "روح الحق"، وما يدعوه الروح القدس لكي يكون مؤهلاً لتصديقه.]
سابعًا: بالروح القدس الذي يسكن في قلوبنا نتطلع إلى الآب فلا نتوقف عن الصراخ إلى الآب. يقول الرسول: "أرسل اللَّه روح ابنه إلى قلوبكم صارخًا يا أبا الآب" (غلا 6:4). إنه يملأ قلوبنا بالمحبة التي بدونها يكون صراخنا باطلاً، حيث يقول: "ولكن إن كان أحد ليس له روح المسيح فذلك ليس له" (رو 9:8).
ثامنًا: الروح القدس يهبنا التعرف على الحب الإلهي. يقول العلامة أوريجينوس: [يليق بنا أن نتحقق كم من أشياءٍ كثيرة يجب أن تُقال عن (هذا) "الحب". وأيضًا، كم من أشياء عظيمة نحتاج لمعرفتها عن اللَّه، حيث أنه بذاته هو "الحب". فكما أنه "ليس أحد يعرف الابن إلا الآب، ولا أحد يعرف الآب إلا الابن، ومن أراد الابن أن يعلن له" (مت 27:11)، كذلك لا يعرف أحد الحب سوى الابن، وبنفس الطريقة لا يعرف أحد الابن، الذي هو الحب ذاته، إلا الآب. بالإضافة إلى ذلك، إذ يُدعى الحب، فالروح القدس المنبثق من الآب، هو وحده الذي يعرف ما باللَّه، كما "يعرف أمور الإنسان روح الإنسان الذي فيه" (1 كو 11:2). هنا إذن الباراقليط الذي هو "روح الحق، الذي من الآب ينبثق" (يو 26:15)، يجول باحثًا عن أنفسٍ مستحقةٍ وقادرةٍ على تَقَبُل عِظَمِ محبته، أي محبة اللَّه، التي يرغب في إعلانها لهم[564].]
تاسعٌا: الروح القدس ينير أذهاننا للتعرف على تجسد الكلمة. يقول القديس هيلاري أسقف بواتييه: [لأن أذهاننا الساقطة عاجزة عن إدراك الآب أو الابن، فإن إيماننا الذي وجد صعوبة في تصديق تجسد اللَّه يستنير بعطية الروح القدس، رباط الوحدة ومصدر النور[565].]
عاشرًا: يرى القديس باسيليوس الكبير النفوس الحاملة للروح تستنير بالروح فتصير هي نفسها روحية وتبعث نعمة على الآخرين. إنه يقول: [الباراكليت مثل الشمس للعين النقية يُظهر لك في نفسه الصورة (الابن) التي (للآب) غير المنظور. وبالتأمل الطوباوي للصورة سترى الجمال غير المنطوق به الذي للأصل. إنه هو الذي يشرق في أولئك الذين يتطهرون من الدنس، ويجعلهم روحيين خلال الشركة معه. وكما أن الأجسام البهية الشفّافة متى سقطت عليها أشعة الشمس، تصير بهية تعكس منها بهاءً على الآخرين، هكذا النفوس الحاملة للروح إذ تستنير بالروح تصير هي نفسها روحية وتبعث نعمة على الآخرين[566].]
23. من الذي أرسل الروح القدس الآب أم الابن؟
الروح القدس مُرسل من الآب بكونه مدبر الخلاص والتقديس، ومُرسل من الابن بكونه قد دفع الثمن على الصليب لكي يستقر الروح في الإنسان ويجد فيه برّ المسيح.
يقول القديس أمبروسيوس: [أرسل كل من الآب والابن الروح القدس. أرسل الآب الروح القدس، إذ كُتب: "وأما المعزّي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي" (يو 14: 16). وأرسله الابن إذ قال: ومتى جاء المعزّي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب، روح الحق" (يو 26:15). إذن إن كان الابن والروح القدس يرسلان بعضهما البعض، كما يرسل الآب، فلا يوجد منزلة أقل بالخضوع بل شركة في السلطة[567].] ويقول القديس أمبروسيوس: [نفس المعزي يرسله أيضًا الآب كما سبق فعلمنا قائلاً: "وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي" (١٤: ٢٦). انظروا وحدتهما، فإن من يرسله الآب يرسله الابن أيضًا[568].]
24. هل يتمتع الكل بالروح القدس بذات القدر؟
يقول القديس أنبا أنطونيوس الكبير: [هذا الروح الناري العظيم الذي قبلته أنا اقبلوه أنتم أيضًا، وإذا أردتم أن تنالوه ويسكن فيكم، فقدموا أولاً أتعاب الجسد وتواضع القلب، وارفعوا أفكاركم إلى السماء ليلاً ونهارًا، واطلبوا بكل قلوبكم هذا الروح الناري القدوس، وحينئذ يُعطى لكم. لأنه هكذا حصل عليه إيليا التشبِّي وإليشع وجميع الأنبياء الآخرين. ولا تفكروا في قلوبكم وتكونوا ذوي قلبين وتقولوا: "من يستطيع أن يقبل هذا؟" لا تدعوا هذه الأفكار تدخل إلى عقولكم، بل اطلبوا باستقامة قلب وأنتم تقبلوه.
وأنا أبوكم اجتهد معكم وأصلي لأجلكم لكي تقبلوه، لأني أعلم أنكم قد جحدتم ذواتكم لكي تستطيعوا أن تقبلوه. لأن كل من يفلّح ذاته بهذه الفلاحة في كل جيلٍ، ينال نفس الروح الذي يسكن في مستقيمي القلوب. وأنا أشهد لكم، إنكم تطلبون الله بقلبٍ مستقيمٍ، فأديموا الطلبة باجتهادٍ من كل قلوبكم، فسيُعطى لكم[569].]
ويقول القديس مقاريوس الكبير: [حينما تأتي (النفس) إلى الرب، وتلتمس معونته، وتثبت أنظارها على رحمته، وترغب أن تنال منه نعمة الروح لأجل إنقاذها وخلاصها وتحررها من كل شرٍ ومن كل شهوةٍ، أفلا يمنحها بأكثر استعداد... حسب كلمته هو "أفلا ينصف الآب السماوي مختاريه، الصارخين إليه نهارًا وليلاً"؟ (لو 7:18) ويضيف قائلاً: "نعم أقول لكم إنه ينصفهم سريعًا" (لو 8:18). وفي موضع آخر يحثنا: "اسألوا تعطوا، لأن كل من يسأل يأخذ، ومن يطلب يجد، ومن يقرع يُفتح له" (لو 9:11-10)، ويختم هذا الحديث بقوله: "كم بالحري أبوكم السماوي يعطى الروح القدس للذين يسألونه... الحق أقول لكم وإن كان لا يقوم ويعطيه لكونه صديقه، فإنه من أجل لجاجته يقوم ويعطيه قدر ما يحتاج" (لو 11:11-13)[570].]
ويقول القديس باسيليوس الكبير: [إنه يملأ الكل بقوته، لكنه يُشترك فيه بالنسبة للمتأهلين وحدهم... والذين لهم شركة الروح يتمتعون به قدر ما تسمح طبيعتهم، وليس قدر ما يستطيع هو أن يهب نفسه في الشركة[571].]
25. ماذا يعني الرسول بقوله: "لا تطفئوا الروح" (1 تس 5: 19)؟
الله الذي يهبنا روحه القدوس عطية مجانية ليعمل فينا بلا انقطاع يحذرنا على فم رسوله من أن نطفئ الروح، أي نوقف عمل استنارته فينا خلال مقاومتنا له. حقًا إن الروح لن يفارقنا قط مهما أخطأنا، لكنه يحزن علينا، وينطفئ عمله فينا خلال عدم تجاوبنا معه. يشبه القديس يوحنا الذهبي الفم عطية الروح القدس بمصباحٍ أو سراجٍ منير داخل البيت، فإن فتح إنسان بابين متقابلين دخل تيار الهواء بشدة وأطفأه. لهذا يقول [إن فتح إنسان باب فمه بكلمة إهانة ضدك فلا تفتح أنت بابك بإهانة مماثلة، فترد السب بالسب، لئلا يدخل في نفسك تيار هواء الحقد ويطفئ لهيب الروح المشتعل في داخلك! ليفتح الشرير بابه أمامك لكنك في حكمة إذ تترك بابك مغلقًا تبقي عطية الروح ملتهبة في الداخل[572].]
أما زيت هذا السراج فهو أعمال الحب، فإن الروح القدس الناري يبقى عمله ملتهبًا فينا مادامت أحشاؤنا تتجاوب معه بالحب لله والناس، أما إذا أغلقنا أحشاءنا تجاه الله والناس فإننا نفقد زيت الحب الذي ينير فينا. ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم أن اللصوص عند سلبهم بيتًا ما، فإنهم إذ يدخلونه يطفئون السراج الذي فيه حتى يقدروا أن يحققوا غايتهم، وهكذا فإن عمل الشيطان الرئيسي عند اقتحامه قلب مؤمن هو تحطيم عمل الروح فيه حتى يسلبه كل حياته.
يقول القديس باسيليوس الكبير: [إنه لا يقطن فيهم (الخطاة)، لأنهم يرفضون بسهولة النعمة التي يتقبلونها[573].]
26. ماذا يعني قول السيد المسيح عن الروح القدس: "ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطية وعلى برِّ وعلى دينونةً" (يو 16: 8)؟
"يبكت على خطية": بينما كان بطرس يكلم كرنيليوس ومن معه نخس الروح القدس قلوبهم و"حلّ الروح القدس على جميع الذين كانوا يسمعون الكلمة... حينئذ أجاب بطرس أترى يستطيع أحد أن يمنع الماء حتى لا يعمد هؤلاء الذين قبلوا الروح القدس كما نحن. وأمر أن يتعمدوا باسم الرب" (أع 10: 44-47). إن كان الروح ينخس القلوب قبل العماد، أفلا ينخس قلوبهم بعدما يسكن فيها بسرّ الميرون؟! إن عمله هو التبكيت على الخطية ليتوب الإنسان ويعترف، وفي سرّ التوبة والاعتراف يغفر للإنسان عن خطاياه بالروح القدس الذي يغفر باستحقاقات دم المسيح أيضًا: "اقبلوا الروح القدس من غفرتم خطاياه تُغفر له..." (يو 20: 22-23) فالروح القدس بالنسبة لمن لم يؤمنوا أو للمؤمنين لا يتستر على خطاياهم، بل بالعكس إذ هو نور يكشف ويفضح الخطية أمام عيني الإنسان الداخلية، ويكشف آثامنا ومرارتها قدام قلوبنا، وفي نفس الوقت يكشف عمل الصليب وقوة حب الله الجذابة.
يرى القديس أغسطينوس أن الخطية العظمى هي عدم الإيمان بالمسيح مخلصًا للعالم، فمن لا يؤمن لا يقدر أن يتمتع بغفران خطاياه. لهذا فإن التبكيت على خطية يحمل معنى حث الإنسان على التخلي عن عدم إيمانه بالمسيح، بهذا ينفتح أمامه باب المغفرة. ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [هذا يعني انه سيقطع كل أعذارهم، ويُظهر أنهم عصوا عصيانًا فاحشًا[574].]
يبكت العالم على خطية: يربط السيد المسيح بين سقوطهم في الخطية ودعوتهم بـ"العالم"، بقوله "أما على خطية فلأنهم لا يؤمنون بي". (يو 16: 9). يوضح السيد المسيح دور الروح القدس في التبكيت على الخطية قائلاً: "لأنهم لا يؤمنون". إن كانت الخطية تملك على القلب، فليس من طريق للخلاص منها إلا بقدوم ملكٍ آخر قادر على إبادتها، وهو الإيمان بالمسيح الذي يملك على القلب. ملكت الخطية فصارت مصدر فساد ورجاسة، لذا صارت الضرورة ملحة للإيمان بالمخلص الذي ينزع الفساد والرجاسة، ويحتل عدم الفساد والقداسة الموضع. بالخطية كسر الإنسان الناموس وحلت اللعنة، وبالإيمان بالمسيح مكمل الناموس وحامل اللعنة عنا نتحرر من الحرف القاتل واللعنة لننعم بالروح المحيي والحياة المطوَّبة.
يقول القديس كيرلس الكبير: [انظروا كيف يبدأ أولاً بانتهار الخطية والتوبيخ... لكل إنسان يكون عنيدًا ومقاومًا للباركليت.] إرسالية الروح القدس إلى الكنيسة تحقق اهتمام السيد المسيح بالبشرية، فإنه متى جاء يهبها حياة التوبة والرجوع إليه خلال قبولهم عمل الصليب في القلب بروح التواضع. الروح القدس وحده يقدر أن يدخل القلب ويجعل الخطية مًرة ويفضحها أمامه، فيتمتع المؤمن بعذوبة الشركة مع الله. إنه قادر أن يقنع القلب والفكر وكل أعماق الإنسان أن سعادته وسلامه وفرحه وخلوده وعدم فساده يكمن في الالتصاق بالمخلص لا بالخطية، وأن لذة العشرة مع الله لا تُقارن بأية لذة للخطية. ينخس الروح القدس القلوب قبل العماد، وأيضًا بعدما يسكن فيها بسرّي العماد والميرون! عمله هو التبكيت على الخطية ليتوب الإنسان ويعترف كما يلهب القلب بالحب والتمتع بالشركة مع الله. وفي سرّ التوبة والاعتراف يغفر الروح القدس للإنسان عن خطاياه باستحقاقات دم المسيح: "اقبلوا الروح القدس من غفرتم لهم خطاياهم غُفرت..." فالروح القدس بالنسبة لمن لم يؤمنوا بعد أو للمؤمنين لا يتستر على خطاياهم، بل بالعكس إذ هو نور يكشف ويفضح الخطية أمام عيني الإنسان الداخلية، ويكشف آثامه ومرارتها قدام قلبه، وفي نفس الوقت يكشف عن عمل الصليب وقوة حب الله الجذابة.
من هنا يتقدم الروح القدس باعترافاتنا، ويرفقها بالدم المسفوك مع دموع التوبة وصلوات الإيمان. وللحال يُحكم بالبراءة للإنسان عن خطاياه السابقة، سواء في سرّ المعمودية أو سرّ التوبة والاعتراف[575].
27. ماذا يعني قول السيد المسيح عن الروح القدس: "ومتى جاء ذاك يبكت العالم... على برّ" (يو 16: 8)؟
تبكيت العالم على خطية يعني عمل الروح القدس في الكشف عن حقيقة العالم أنه خاطئ. وأما على البرٍّ فهو الكشف عن حقيقة ما فعله العالم بالمسيح، أي الصلب، فإن آلام المسيح المخلصة وصلبه هي لأجل تبريرنا. فالروح الذي ينير العينين ليدرك الإنسان خطاياه، ينيرهما أيضًا ليدرك قوة موت المسيح واهب البرّ.
"وأما على برّ، فيقول السيد المسيح: "فلأني ذاهب إلى أبي، ولا ترونني أيضًا" (يو 16: 10). أي يبكتهم على عدم إدراكهم لبرّ المسيح وقداسته، فقيامته وصعوده إلى السماء هما الدليل على برّه. لذلك إذ يصعد السيد إلى السماء يرسل روحه ليحمل قلوب البشرية إلى حيث المسيح جالس، فيتلامسوا معه ويختبروا برَّه فيهم، بل يصير المسيح لهم برًا.
لم يعرف الكثيرون برّ المسيح إلا بعد صعوده إلى السماء. حلول الروح القدس في يوم العنصرة حسب الوعد الإلهي هو برهان على مجد المسيح الجالس على يمين العظمة (أع ٢: ٣٣)، وهذا دليل على برِّه الإلهي.
يتساءل القديس أغسطينوس لماذا قال السيد المسيح إن الروح القدس يبكت على برْ لأنه ذاهب إلى أبيه. ويجيب بأن الكلمة عند تجسده ومجيئه من عند الآب أظهر رحمته علينا، وبصعوده إلى السماء وذهابه إلى الآب نقوم معه، ونطلب ما هو فوق حيث المسيح جالس. إنه جالس على يمين الآب، يجلس بكونه الرأس والجسد، وكأن الكنيسة وقد صارت جسدًا تتمتع ببرْ المسيح، حيث صار لها حق الجلوس في السماء عن يمين الله[576].
يقول القديس أغسطينوس: [لذلك يليق بنا ألا نحسب أنفسنا منفصلين عن ذاك البرْ الذي يشير إليه الرب نفسه، قائلاً: "عن البرْ، لأني ماضٍ إلى الآب". فإننا نحن أيضًا نصعد مع المسيح، ونحن مع المسيح رأسنا، الآن بالإيمان والرجاء إلى حين، لكن رجاءنا يكمل في القيامة الأخيرة من الأموات. لكن حين يكمل رجاؤنا يكمل أيضًا تبريرنا. والرب الذي كمل هذا أظهر لنا في جسده (أي في رأسنا) الذي فيه قام وصعد إلى الآب ما يلزمنا أن نترجاه. فقد كُتب: "أُسلم من أجل خطايانا، وأُقيم لأجل تبريرنا" (رو ٤: ٢٥).
يقول القديس أغسطينوس: [عندما يُوبخ بار (معتد ببره)، فإنه يُوبخ على خطية وليس على برّ. لهذا يجب ملاحظة إن هذا النطق الإلهي: "لا تكن بارًا بزيادة" (جا ٧: ١٦، 20)، لا يخص برّ الإنسان الحكيم، وإنما كبرياء الإنسان المتعجرف. فالإنسان الذي يصير "بارًا بزيادة"، بهذا الزيادة عينها يصير غير بارٍ. فإنه يجعل نفسه بارًا بزيادة بقوله إنه بلا خطية، وتصوره أنه صار بارًا ليس بنعمة الله، وإنما بالاكتفاء بإرادته الذاتية. وهو ليس بارًا بالحياة البارة بل بالأحرى باكتفائه بالتصور بما هو ليس عليه[577].]
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: ["على برّ، فلأني ذاهب إلى أبي، ولا ترونني أيضًا" (يو 16: 10). بمعنى: "لقد أظهرت حياة بلا لوم، وهذا برهان إني ذاهب إلى الآب". إذ كانوا على الدوام يحتجون ضده بأنه ليس من الله، ولذا دعوه خاطئًا وعاصيًا، لذلك يقول إن الروح سينزع عنهم أيضًا هذا العذر. فإن كان يبدو عليّ إنني لست من الله اظهروا لي إني عاصٍ؛ عندما يعلن الروح أنني ذاهب عنده، ليس إلى حين بل أسكن هناك، لأن القول "لا ترونني أيضًا" يعبر عن هذا؛ فماذا سوف يقولون إذن؟ لاحظوا كيف أنه بهذين الأمرين أزال شكهم الشرير، لأنه لا تُنسب المعجزات إلى شريرٍ، ولا البقاء مع الله يخص خاطئًا. لذلك لا تقدرون بعد أن تقولوا إن هذا الإنسان شرير، وأنه ليس من الله[578].]
28. ماذا يعني قول السيد المسيح عن الروح القدس: "ومتى جاء ذاك يبكت العالم... على دينونة" (يو 16: 8)؟
الروح القدس يبكت العالم على دينونة، إذ أعلن أنه سيقول للذين على اليسار: "اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المُعدة لإبليس وملائكته" (مت ٢٥: ٤١). وردت عبارات كثيرة في الإنجيل تؤكد أن السيد المسيح يبكت على هذه الأمور. لماذا إذن ينسب هذا للروح القدس كما لو كان هذا امتيازًا خاصًا به؟ يجيب القديس أغسطينوس أن الروح القدس ينسكب على قلوب التلاميذ (رو ٥: ٥)، فيهبهم المحبة التي تطرد الخوف خارجًا (١ يو ٤: ١٨)، فيصير لهم حق التوبيخ والتبكيت. ويكمل القديس حديثه: [كثيرًا ما أقول إن عمل الثالوث القدوس لا ينفصل، لكن كل أقنوم يقوم بدوره، ليس فقط بغير انفصالهم، بل وأيضًا دون خلط بينهم. فمن حقنا أن ندرك كلاً من وحدتهم وثالوثهم (تمايزهم)[579].]
يبكت الروح القدس على دينونة، "لأن رئيس هذا العالم قد دين" (يو 16: 11). بينما ظن العالم أنه قد حكم على المسيح ودانه، إذا بالروح القدس يكشف للمؤمنين أنه بالصليب دين عدو الخير وشُهر به (١ كو ٢: ١٥). انفضح إبليس كمخادعٍ ومدمرٍ للبشرية، وبدأ الأمم يرفضونه ويهجرون عبادته خلال الكرازة بصليب المسيح. عمل الروح القدس تأكيد أن المسيح أعظم وأقوى من إبليس، يهب سلطانًا لتلاميذه أن يدوسوا على قوات الظلمة. وهكذا يختبر المؤمن في حياته اليومية عربون السلطان الذي ناله لكي يتمتع بكماله في يوم الدينونة حيث يُدان إبليس ويتمتع الإنسان بكرامة فائقة. يحتل الإنسان الدرجة السماوية الفائقة التي سقط منها إبليس وكل جنوده. لهذا جاء فعل "دين" يحمل معنى الاستمرارية، فالغلبة على قوات الظلمة عمل يومي مستمر.
يقول القديس أغسطينوس: [أيضًا يُدان العالم "عن دينونة، لأن رئيس هذا العالم قد دين"، أي الشيطان، رئيس الأشرار. إذ يسكن في قلب هذا "العالم" وحده، أي في قلوب الذين يحبون "العالم"، كما أن مواطنتنا نحن في السماء، إن كنا قد قمنا مع المسيح. هكذا كما أن المسيح ونحن جسده معه هم واحد، هكذا الشيطان مع كل الأشرار الذين رأسهم هو إبليس كما لو كانوا جسده، هو أيضًا واحد. لذلك كما أننا لا ننفصل عن البرّ الذي قال عنه الرب: "لأني ماضٍ إلى الآب"، هكذا لا ينفصل الأشرار عن تلك الدينونة التي قال عنها: "لأن رئيس هذا العالم قد دين".[580]] كما يقول: [رئيس هذا العالم، أي رئيس الظلمة، أو غير المؤمنين، الذي يتحرر منه ذلك العالم الذي يقال له: "لأنكم كنتم قبلاً ظلمة، وأما الآن فنور في الرب" (أف ٥: ٨)؛ رئيس هذا العالم الذي يقول عنه في موضع آخر: "الآن رئيس هذا العالم يُطرح" (يو ١٢: ٣١)، هذا بالحقيقة يُدان قدر ما هو مُعَيّنْ لحكم النار الأبدية نهائيًا[581].]
هكذا يقدم لنا الروح القدس ثلاث حقائق هامة تمس حياتنا:
فساد طبيعتنا بالخطية.
إصلاحها وتمتعها ببرّ المسيح.
دينونة الشر أبديًا.
29. ما هو مفهوم الحرية التي يهبها لنا الروح القدس؟
يقدم لنا القديس مقاريوس الكبير في إيجاز دور الروح القدس في تمتعنا بالحرية الحقيقية:
أ. الحرية عند القديس مقاريوس هي انطلاق المؤمن بقلبه وفكره وسلوكه نحو السماويات.
ب. لا يقف إبليس ساكنا أمام هذا الانطلاق بل يقاومه، أما المؤمن فيجاهد بالروح القدس الساكن فيه.
ج. علامة تمتعنا بالحرية هي التحرر من روح القلق والاضطراب تحت أيّة ظروفٍ.
د. نتذوق عذوبة الحرية الحقيقية حين ننطلق إلى الأعماق، ولا نتوقف عند المظاهر الخارجية الحرفية في العبادة.
ه. لا يتمتع أهل العالم بهذه الحرية، لأنهم ينشغلون بمظاهر التديّن في حرفية قاتلة، بينما يقيدون أنفسهم بمحبة الزمنيات.
و. يهبنا الروح القدس أن نتمتع ببرّ المسيح الذي يسترنا فلا نوجد عراة.
ز. سيكشف يوم الرب عن النفوس التي وهبها الروح القدس الغنى وهي تجاهد بروح الإيمان.
v قلب المسيحي وعقله وطريقة تفكيره هي دائمًا في المجال السماوي. فالمسيحيون الحقيقيون ينظرون الخيرات الأبدية كما في مرآة، وذلك بسبب حصولهم على الروح القدس وشركته، لكونهم مولودين من الله من فوق، ولأنهم نالوا الامتياز أن يصيروا أولاد الله بالحق وبالفعل، إذ يصلون بعد حروب وأتعاب لفترة طويلة إلى حالة ثابتة مستقرة من الحرية والتحرر من الاضطراب، حالة الراحة، فلا يعودون يُغربلون ويموجون بالأفكار القلقة الباطلة...
العلامة المميزة للمسيحيين ليست هي في الأساليب والأشكال الخارجية، فكثيرون يظنون أن الفرق الذي يميزهم عن العالم هو في الشكل أو الأساليب الظاهرة. ويا للأسف فإنهم في عقولهم وتفكيرهم هم مثل أهل العالم، إذ يضطربون بقلق الأفكار غير الثابتة، في عدم الإيمان والحيرة والاختلاط والخوف مثل كل الناس الآخرين.
قد يختلفون عن العالم في الشكل الخارجي والمظهر، ويختلفون عنه أيضًا في نقطة قليلة من الممارسات الدينية، ولكن في القلب والعقل هم مقيدون بالرباطات الأرضية، إذ لم يحصلوا أبدًا على الراحة في الله وسلام الروح السماوي في قلبهم، لأنهم لم يطلبوها من الله، ولم يؤمنوا أنه سيمنح لهم هذه الأشياء[582].
v يقول الرسول: "وإن كنا لابسين، لا نوجد عراة" (2 كو 3:5)، يعنى عراة من شركة الروح القدس والاندماج فيه، هذا الروح الذي فيه وحده تستطيع النفس المؤمنة أن تجد راحة...
فلنسعَ إذن بالإيمان والحياة الفاضلة أن نقتني ذلك اللباس هنا، حتى حينما نخلع الجسد لا نُوجد عراة، إذ لا يكون هناك شيء في ذلك اليوم يجعل جسدنا غير ممجد. لأن كل واحد بقدر ما يُحسب أهلاً، بواسطة الإيمان والاجتهاد ليصير شريكًا للروح القدس يتمجد جسده في ذلك اليوم. فكل ما خزنته النفس في داخلها في هذه الحياة الحاضرة، سوف يعلن حينئذ وينكشف من الخارج ظاهرًا في الجسد[583].
القديس مقاريوس الكبير
30. ماذا يقدم الروح القدس للنفس خلال صحبته لها؟
أ. إذ يرافق الروح القدس نفس المؤمن يرفع الحجاب الذي على وجهها، فترى عريسها السماوي المصلوب. تُحدق فيه فينعكس بهاؤه ونوره عليها.
ب. يهبها الروح القدس الثقة في عريسها المصلوب من أجلها، فتحبه وتشتهي أن تُصلب معه. تترقب دومًا أن تموت مع من مات لأجلها.
ج. يهبها الروح القدس وهو يرافقها رحلتها روح القوة، فتتحدّى إبليس وتهرب من ظلمة الشهوات، وتتحرر تمامًا من الخطية.
د. مع كل صباحٍ تتجدد وتتقدس وتنمو في الإيمان والمعرفة، فتتأهل للحياة الأبدية والجلوس كملكةٍ عن يمين الملك السماوي.
ه. في الطريق إذ يصاحبها الروح القدس، يقيم منها هيكلاً مقدسًا، ويسكن هو فيها (2 كو 3: 16).
v إذ يرتفع الحجاب عن وجه النفس، تحدق في العريس السماوي وجهًا لوجه في نور الروح الذي لا يُعبّر عنه. وتختلط به بملء الثقة، وتتشبه بموته، وترقب دائمًا بشوقٍ عظيمٍ أن تموت لأجل المسيح، وهي تثق بيقينٍ شديدٍ أنها ستنال بقوة الروح تحررًا كاملاً من الخطية ومن ظلمة الشهوات. حتى إذا ما اغتسلت وتطهرت بالروح، وتقدست نفسًا وجسدًا، يُسمح لها حينئذ أن تكون إناءً طاهرًا معدًا لاستقبال المسحة السماوية، وحلول المسيح الملك الحقيقي. حينئذ تؤهل للحياة الأبدية، إذ تكون صارت من تلك الساعة مسكنًا طاهرًا للروح القدس[584].
القديس مقاريوس الكبير
31. متى يحلّ ربيع القيامة، ويًعلن المجد الخفي؟
أ. يتطلع القديس مقاريوس إلى حياتنا في الرب أشبه بالساكنين في البلاد الشديدة البرودة. إنهم يرون الأشجار وقد فقدت كل جمالها وكل ثمارها في فترة الشتاء، وتبدو الأشجار كأنها ميّتة. وإذ يحلّ الربيع للغاية تكتسي الأشجار بأوراقها وزهورها وأيضًا ثمارها في فترة قصيرة. كانت حياتها مخفيّة في الشتاء، وفي الربيع يظهر ما كان مخفيًّا. هكذا في ربيع القيامة العامة يتجلّى عمل الروح القدس الذي كان مخفيًّا ونحن في رحلتنا نحو السماء.
ب. تستنير حتى أجسادهم التي ماتت وانحلّت، وتتمتع بقوة الروح القدس الذي يصير لهم كساءً وطعامًا وشرابًا وبهجةً وفرحًا وسلامًا. فما نالوه أثناء رحلتهم في العالم في داخلهم يُعلن عنه في الحياة الأبدية.
كما سطع مجد الروح على وجه موسى، فلم يكن أحد يقدر أن يتفرّس فيه، هكذا ستكون أجسادنا في يوم الرب العظيم.
ج. يليق بنا أن نجاهد هنا، طالبين من الروح القدس أن يقدسنا، فلا نظهر في يوم الرب عراة، بل تلتحف أجسادنا بالمجد الإلهي وتمتلئ من مجد الروح.
د. يقول القديس مقاريوس إنه كما كانت النار المقدسة مدفونة في حفرة في أثناء السبي البابلي حتى رجع المسبيّون إلى أورشليم. هكذا تعمل النار السماوية كأنها مدفونة في أجسادنا، وعندما نبلغ أورشليم العُليا يتحول الجسد المنحل إلى جسدٍ مُقام من الأموات، وتُعلن النار السماوية علانية.
يقول القديس مقاريوس الكبير: [كما أن الأشجار التي تجوز الشتاء، حينما تدفئها الحرارة غير المنظورة التي للشمس والرياح، ينشأ من باطنها كساء من الأوراق يغطيها، وكما تخرج في ذلك الموسم زهور العشب من باطن الأرض، وتتغطى الأرض وتكتسي بها، ويكون العشب مثل تلك الزنابق التي قال عنها الرب "ولا سليمان في كل مجده كان يلبس كواحدةٍ منها" (مت 29:6)، لأن كل هذه أمثال ونماذج ورموز عن المسيحيين في القيامة. كذلك كل النفوس التي تحب الله، أعني المسيحيين الحقيقيين، يأتيهم أول الشهور الذي يسمى نيسان: الذي هو يوم القيامة. وبقوة شمس البرّ يخرج مجد الروح القدس من الداخل، فيكسو ويغطى أجساد القديسين، ذلك المجد الذي كان لهم سابقًا، ولكنه كان مخفيًا في داخل نفوسهم. فإن ما يكون للإنسان الآن، سوف يظهر بعينه خارجًا من الداخل وينكشف في جسده...
يقول الرب: "هذا الشهر سيكون أول شهور السنة" (خر 2:12)، وهو يجلب الفرح للخليقة كلها، فإنه يكسو الأشجار العالية، ويفتح الأرض، وهو يبهج جميع الكائنات الحية، ويعطى المرح للكل. هذا بالنسبة للمسيحيين هو نيسان أول الشهور الذي هو موسم القيامة، الذي فيه ستتمجد أجسادهم بواسطة النور الفائق الوصف الذي هو فيهم منذ الآن، وأعنى به قوة الروح القدس، والذي سوف يصير لهم فيما بعد كساءً وطعامًا وشرابًا وبهجة وفرحًا وسلامًا، ورداءً وحياة أبدية، لأن كل جمال البهاء والبريق السماوي سوف يصير لهم من روح اللاهوت ذلك الذي حُسبوا أهلاً لقبوله في هذه الحياة الحاضرة...
كم ينبغي إذن لكل واحدٍ منا أن يؤمن ويجتهد وأن يجد في كل سيرة فاضلة، وبرجاءٍ كثيرٍ وصبرٍ نطلب أن نُحسب أهلاً ونحن في هذا العالم، لنوال تلك القوة من السماء ومجد الروح القدس في نفوسنا في الداخل. حتى حينما تنحل أجسادنا يكون عندنا حينئذٍ ما سوف يكسونا ويحيينا. كما يقول الرسول: "وإن كنا لابسين لا نُوجد عراة" (2 كو 3:5)، و"سيحيي أجسادنا المائتة أيضًا بروحه الساكن فينا" (رو 11:8).
لأن موسى النبي المبارك أرانا في مثال ـ بواسطة مجد الروح الذي سطع على وجهه الذي لم يستطع أحد أن يتفرس فيه ـ كيف أنه في قيامة الأبرار ستتمجد أجساد أولئك المستحقين، بمجدٍ تحصل عليه منذ الآن النفوس المقدسة الأمينة، إذ تُحسب أهلاً لاقتناء هذا المجد في داخلها، في الإنسان الباطن. لأن الرسول يقول: "ونحن ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف ـ أي في الإنسان الباطن ـ كما في مرآة نتغير إلى تلك الصورة عينها من مجدٍ إلى مجدٍ" (2 كو 18:3). وكذلك كُتب عن موسى أنه لمدة أربعين يومًا وأربعين ليلة "لم يأكل خبزًا، ولم يشرب ماءً" (خر 78:24) ولم يكن ممكنًا بطبيعة جسده أن يعيش طول هذه المدة بدون طعام إن لم يكن قد اشترك في نوع آخر من الطعام الروحاني، هذا الطعام هو الذي تشترك فيه نفوس القديسين منذ الآن بموهبة الروح بطريقة غير منظورة[585].]
ويقول: [لذلك يجب على كل واحدٍ منا أن يجتهد ويسعى في كل فضيلة، وأن يؤمن ويطلب من الرب لكي يجعل الإنسان الباطن شريكًا في ذلك المجد هنا منذ الآن. وأن تصير للنفس شركة في قداسة الروح، لكي ما نتطهر من أدناس الشر، ويكون لنا في القيامة ما نكسو به عري أجسادنا عند قيامتها وما نغطى به عيوبها، وما يحييها وينعشها إلى الأبد في ملكوت السماوات... حينئذ تلتحف أجساد هؤلاء بالمجد الإلهي من أعمالهم الصالحة، ويمتلئون من مجد الروح، وهكذا إذ نتمجد في النور الإلهي، ونختطف إلى السماء لنلاقي الرب في الهواء حسب المكتوب (انظر 1 تس 17:4). أما عن اللباس الذي يلبسه المسيحيون فواضح أن الروح نفسه هو الذي يكسوهم، باسم الآب والابن والروح القدس إلى الأبد. آمين[586].]
كما يقول: [النار السماوية، نار اللاهوت، التي ينالها المسيحيون في قلوبهم، الآن وهم في هذا العالم الحاضر، تعمل في قلوبهم من الداخل، وسوف تصير ظاهرة من الخارج، حينما ينحل ويتحلل الجسد، ثم تجمع الأعضاء ثانية وتسبب (هذه النار) قيامة الأعضاء التي كانت قد انحلت واضمحلت... فكما أن النار التي كانت تتقد على المذبح في أورشليم، ظلت مدفونة في حفرة أثناء فترة السبي، وعندما حلّ السلام ورجع المسبيون إلى أورشليم، تجددت هذه النار نفسها، واشتعلت كما كانت سابقا قبل السبي (أنظر 2 مك 1: 19-22)، هكذا الآن أيضًا، فإن النار السماوية تعمل في هذا الجسد الذي ألفناه، هذا الجسد الذي في انحلاله (بالموت) يتحول إلى نتانة وقذارة، يتجدد هذا الجسد وتقيمه بعد أن اضمحل وفسد... إن النار الداخلية التي تسكن الآن في القلب سوف تُستعلن حينئذ من الخارج، وتتم قيامة الجسد[587].]
32. ماذا تقدم لك كل من نار الروح القدس ونار العالم؟
يقول المرتل: "تلذذ بالرب، فيعطيك سؤل قلبك" (مز 37: 4). يوضح القديس مقاريوس الكبير كيف يوجِّه النار المادية المنظورة، وأيضًا نار الروح القدس غير المنظورة، حسب سؤل قلوبنا:
أ. طُرح الثلاثة فتية الأبرار في وسط أتون النار، وإذا بالنار الإلهية التي في قلوبهم والعاملة في أفكارهم تحوّل نار الأتون المنظورة إلى ندى. لم يستطع الأتون أن يحرقهم ويهلكهم، بل صار يمجدهم حيث رأى الملك شخصًا رابعًا شبيه بابن الآلهة يحتضنهم ويتمشى معهم (دا 3: 25).
ب. إذ عبد بنو إسرائيل الأوثان الزموا هرون أن يجمع أوانيهم وحليِّهم الذهبية. قال هرون لموسى أنه لما طرح الحليّ الذهب في النار خرج هذا العجل الذهبي. هكذا صوَّرت قصدهم، فخرج العجل الذهبي وعبدوه جهرًا (خر 32: 24).
ج. اشتهت قلوب الثلاثة فتية الفردوس، فتحولت نار الأتون لهم إلى شبه فردوس. واشتهى شعب إسرائيل عبادة عجل أبيس الذي في مصر فسبكت لهم النيران العجل الذهبي ليعبدوه.
v بينما كان الثلاثة فتية الذين بسبب برّهم طرحوا في الأتون في وسط النار المنظورة، كانوا حاصلين في قلوبهم على النار الإلهية السماوية عاملة في داخل أفكارهم، وفاعلة بقوتها فيهم... هذه النار السماوية كشفت نفسها من الخارج أيضًا... فحجزت بينهم وبين النار المنظورة في الأتون، وأوقفتها حتى لا تحرق الأبرار، ولا تؤذيهم بأي نوع من الأذى...
كذلك حينما مال عقل شعب إسرائيل وأفكارهم بعيدا عن الله الحي، وتحولوا إلى عبادة الأوثان، ألزموا هارون بأن يجمع أوانيهم وحليّهم الذهبية، وقال هارون لموسى إنه لما طرح الحلي الذهب في النار خرج هذا العجل كما لو أن النار قد صورت ما في نيتهم وكان هذا كأمرٍ غريبٍ... فإنهم في نيتهم وأفكارهم زاغوا إلى عبادة الصنم، وبحسب رغبتهم وقصدهم شكلّت النار من حليّهم عجلاً مسبوكًا من صناعتهم، وعبدوه جهرًا (خر 32: 24)...
وكما كان للثلاثة فتية أفكار البرّ، فقبلوا نار الله في داخلهم، وعبدوا الرب بالحق، كذلك الآن تنال النفوس المؤمنة النار الإلهية السماوية في إنسانها الداخلي، وهي في هذا العالم، تلك النار نفسها تطبع صورة سماوية في طبيعتهم البشرية[588].
كما يقول: [كما صورت النار الأواني الذهبية، فصارت صنمًا (خر 32: 24)، كذلك يحقق الرب ويتمم مقاصد النفوس المؤمنة الصالحة، ويطبع ويصوّر في النفوس الآن الصورة السماوية الجديدة بحسب رغبتهم وشهوتهم. هذه الصورة ستظهر في القيامة من الخارج، وتمجد أجسادهم من الداخل ومن الخارج... وكما أن الأجساد في هذا الزمان تضمحل وتموت وتتحلل، هكذا تفسد الأفكار بعمل الشيطان، وتموت عن الحياة الحقيقية وتدفن في الطين والتراب لأن نفوسهم تهلك... وكما أن الإسرائيليين طرحوا الأواني الذهبية في النار، فصارت صنمًا، كذلك الإنسان متى سلم أفكاره النقية الصالحة للشر، فتندفن في وحل الخطية وتصير صنمًا... ما الذي يفعله الإنسان حتى يكتشفها ويعرفها ويميزها ويطرحها بعيدًا عن ناره الخاصة؟... تحتاج النفوس إلى المصباح الإلهي، وهو الروح القدس، الذي ينير ويجدد البيت المظلم... تحتاج النفوس إلى شمس البرّ الساطعة، التي تضيء وتشرق على القلب، وهي السلاح الذي تكسب به المعركة[589].]
33. هل تستقر نفوسنا في الروح القدس ويسكن الروح القدس فينا؟
يقول القديس باسيليوس الكبير: [يوصف الروح عادةً بأنه مقر الذين تقدسوا. حقًا أنه مكان القديسين، وكل قديس مكان الروح القدس، لأنه يُقَدِّم ذاته ذبيحة وهيكلاً لسُكنى الله، لذلك قيل إنهم هيكل الله (1 كو 19:6)[590].] ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [أعطانا الله عقلاً لكي نتعلم وننال عونًا فيه، وليس أن نكتفي بأنفسنا. العيون جميلة ونافعة، لكنها إن أرادت أن ترى بدون نور، يصير جمالها بلا نفع، بل وقد يصير ضارًا. هكذا إذ تختار نفسي أن ترى بدون الروح، تصير خطرًا على نفسها[591].] كما يقول القديس فيلوكسينوس المنبجي: [الروح القدس هو معموديتنا الحقيقية، ولهذا السبب نبقى دومًا مُعمَّدين، إذ هو دومًا فينا، ولا يُمكن لشيءٍ ما أن يحرمنا من عمادنا سوى جحد الله وارتباطنا بالشياطين. في مثل هذه الحالات بالحق يفارقنا الروح القدس، لأنه لا يمكن أن يقبل البقاء في مكان يسكنه شيطان[592].]
34. هل حُرم الإنسان من أجنحة للطيران؟
إن كانت الطيور تتمتع بأجنحة مادية للطيران في الجو، فقد وُهب الإنسان الروح القدس لكي يطير كما إلى السماء. يقول القديس مقاريوس الكبير: [إذ خلق الله آدم لم يزوده بأجنحة جسدية مثل الطيور، لكن قصد له في الأصل أن تكون له أجنحة الروح القدس، تلك الأجنحة التي قصد أن يعطيها له في القيامة لترفعه وتختطفه إلى حيث يشاء الروح. هذه الأجنحة التي تنال النفوس المقدسة امتياز الحصول عليها منذ الآن، وتطير في عقولها إلى المجال السماوي. فالمسيحيون لهم عالم مختلف خاص بهم، ومائدة أخرى وثوب آخر ونوع آخر من التمتع والتنعم، وشركة أخرى وطريقة أخرى للتفكير والعقل... إن لهم الامتياز أن ينالوا قوة هذه الأمور في داخل نفوسهم منذ الآن بواسطة الروح القدس. لذلك فإن أجسادهم تُحسب أهلاً في القيامة للاشتراك في خيرات الروح الأبدية هذه، وسوف تختلط بذلك المجد الذي قد عرفته نفوسهم بالاختبار في هذه الحياة[593].]
35. هل كان (آدم وحواء) قبل السقوط لابسين مجد الله عوضًا عن ثوبٍ؟
يجيب القديس مقاريوس الكبير: [كما كان الروح يجرى عمله في الأنبياء ويعلمهم وكان في داخلهم، ويظهر لهم من الخارج، هكذا أيضًا كان الحال مع آدم. فالروح، حسبما يشاء، كان يحضر معه ويعلمه، ويشير عليه: "تكلم هكذا". وهكذا كان يسير ويتكلم، لأن الكلمة كان له كل شيءٍ، وطالما كان ثابتًا في الوصية، فقد كان صديقًا لله. لكن لماذا نستغرب أنه بالرغم من كل هذه الأحوال التي كان فيها آدم، تعدى الوصية؟ فإن أولئك الذين يمتلئون الآن بالروح القدس، لا تزال تأتيهم أفكار من طبيعتهم، ولهم الإرادة أن يطيعوها، كذلك آدم رغم أنه كان حاضرًا مع الله في الفردوس، فقد تعدى الوصية بإرادته، وأطاع الجانب الشرير. ولكن بعد عصيانه لا تزال عنده معرفة[594].]
36. هل تتمتع الطغمات السماوية بالروح القدس؟
يقول القديس أمبروسيوس: [يقول عنه داود: "أنهار الله، تفرح مدينة الله" (مز 46: 4). لا ترتوي مدينة الله أورشليم السماوية من قناة مياه أو من نهر أرضي، وإنما من الروح القدس النابع من ينبوع الحياة الذي تكفي قطرة منه أن تفي احتياجاتنا، ولكنه يفيض أكثر على العروش السماوية، والسيادات والقوات والملائكة ورؤساء الملائكة، متدفقًا بكل قوته بالمواهب الروحية السبعة للروح القدس. وإذا كان النهر يمتلئ ويفيض ويغمر شاطئيه، فكم بالحري الروح القدس الذي يفيض ويغمر كل الخليقة والأراضي الواطئة أي عقولنا، ويفرح الطبائع السماوية بتقديسه لهم بحيوية وخصوبة وافرة.[595]]
37. هل دعوة الروح القدس بالقوة الإلهية (أع 1: 8) يتنافى مع كونه أقنومًا إلهيًا؟
يقول القديس أمبروسيوس: [كتب عن الابن "هو قوة الله وحكمة الله" (1 كو 1: 24)، وعن الآب أيضًا نقرأ أنه القوة كما هو مكتوب: "ترون ابن الإنسان جالسًا عن يمين قوة الله" (مت 26: 64)[596].]
38. ما هو دور الروح القدس في تجديد الكنيسة؟
تجديد الكنيسة نقصد به النمو المستمر، فالكنيسة كائن حيّ دائم النمو، وليس كائنًا جامدًا. إنها تحمل تيار الروح القدس العامل فيها كحياة نامية متدفقة. هذا التيار الناري يحرق وينشط، خلاله نحافظ على الماضي بغير جمود، كما نبني عليه حلولاً للمشاكل المعاصرة الجديدة. سرّ تجديدها سكنى السيد المسيح فينا، وحلول روحه القدوس في أعماقنا الداخلية[597].
39. ما هو دور الروح القدس في التقديس المستمر والثبوت في القدوس؟
في المعمودية اقتلعنا روح الله القدوس من الزيتونة البرية غير المثمرة وطعَّمنا في المسيح يسوع الزيتونة الجيدة (رو 11: 14، 17)، فدخل بنا من الحياة العقيمة إلى الحياة المقدسة. لكن عمل الروح القدس لا يقف عند هذا الحد بل يقوم بتثبيتنا في الأصل (الابن القدوس)، لكي تنتقل فينا عصارة الحياة المقدسة من الأصل إلى الأغصان، فلا تبقى الأغصان على ما هي عليه، بل تنمو على الدوام في الأصل وتأتي بثمرٍ كثيرٍ. هذا هو سرّ التثبيت الذي في حقيقته هو تمتع بعطية الروح القدس، الذي يتعهد نمونا الروحي، أو يتعهد نمو إنساننا الجديد في الحياة المقدسة، لعلنا نبلغ إلى ملء قامة المسيح.
حدثنا السيد المسيح عن حاجتنا إلى الثبوت فيه بالروح القدس، بقوله: "كما أن الغصن لا يقدر أن يأْتي بثمرٍ من ذاتهِ إن لم يثبت في الكرمة كذلك أنتم أيضًا إن لم تثبتوا فيَّ. أنا الكرمة وأنتم الأغصان. الذي يثبت فيَّ وأنا فيهِ يأتي بثمرٍ كثير. لأنكم بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا. إن كان أحد لا يثبت فيَّ يُطرَح خارجًا كالغصن، فيجفُّ ويجمعونهُ ويطرحونهُ في النار فيحترق" (يو 15: 4-6).
لقد وجه الرسل أنظارنا إلى عمل الله الخاص بتبنينا فيه في ابنه يسوع المسيح خلال مسحة الروح القدس، بقولهم: "ولكن الذي يثبّتنا معكم في المسيح وقد مسحنا هو الله الذي ختمنا أيضًا، وأعطى عربون الروح في قلوبنا" (2 كو 1: 21-22). "وأما أنتم فالمسحة التي أخذتموها منهُ ثابتة فيكم ولا حاجة بكم إلى أن يُعلّمكم أحد... كما عَلَّمتَكْم تثبتون فيهِ" (1 يو 2: 27). "بهذا نعلم أنه يثبت فينا من الروح الذي أعطانا" (1 يو 3: 24).
في هذا يقول القديس أمبروسيوس: [تذّكروا أنكم قد تقبلتم الختم الروحي: روح الحكمة والفهم، وروح المشورة والقدرة، روح المعرفة والصلاح، روح المخافة المقدسة. احفظوا ما قد تسلمتم. الله الآب وسمكم، والمسيح ثبتكم، ووهبكم عربون الروح في قلوبكم، كما تعلمتم من الرسول. إذ يصير الناس أغنياء بهذا الختم، يقترب الذين اغتسلوا (بالمعمودية) إلى مذبح المسيح[598].]
40. ما هو دور الروح القدس في تكريس القلب لله؟
في القديم حوّلت النار المادية الأدوات الذهبية التي بين يدي شعب إسرائيل إلى العجل الذهبي الصنم، الذي كان قائمًا في قلوبهم يتعبدون له خفية، فظهرت نيتهم الداخلية، وأعلن معبودهم الخفي (خر 24: 32). وإذ دخل الثلاثة فتية القديسين أتون النار المنظور من أجل برّهم أُعلن إلههم الخفي الذي كان يعمل في قلوبهم، إذ ظهر شبيه بابن الآلهة يتمشى معهم وسط الأتون، يحتضنهم ويحميهم من النار المنظورة، هكذا أرسل الله ناره الإلهية، روحه القدوس، الأقنوم الإلهي، لكي يعلن السيد المسيح المخفي في قلوبنا.
إن عمل الروح القدس الناري فينا هو أنه يختمنا بالختم الملوكي في أعماق النفس الداخلية، فنحمل صورة السيد المسيح فينا، وتصير النفس والجسد بكل إمكانياتهما وتصرفاتهما ملكًا للرب. هذا هو مفهوم التكريس: أننا نحمل الختم الإلهي معلنًا أن كل ما فينا هو له.
يحدثنا الرسول بولس عن هذا الختم الإلهي، قائلاً: "ولكن الذي يثبّتنا معكم في المسيح وقد مسحنا هو الله الذي ختمنا أيضًا وأعطى عربون الروح في قلوبنا". (2 كو 1: 21-22) "الذي فيه أيضًا إذ آمنتم خُتِمتم بروح الموعد القدّوس الذي هو عربون ميراثنا لفداءِ المُقتَني..." (أف 1: 13-14) "ولا تُحزِنوا روح الله القدوس الذي بهِ خُتِمتم ليوم الفداءِ". (أف 4: 30) "ولكن أساس الله الراسخ قد ثبت إذ لهُ هذا الختم..." (2 تي 2: 19)
وجاء في أوامر الرسل: [أيها الأسقف أو القس قد رتبنا سابقًا والآن نقول إن تمسح أولاً بزيت ثم تعمد بماء وأخيرًا تختم بالميرون.]
يقول القديس كبريانوس: [كما أن الرسولين بطرس ويوحنا بعد صلاة واحدة حلّ الروح القدس على سكان السامرة بوضع الأيدي (أع 8: 14-17) هكذا في الكنيسة أيضًا منذ ذلك الحين ينال جميع المعمدين الروح القدس ويختمون بختمه عند دعاء الكهنة ووضع أياديهم.] وأيضًا يقول: [انظروا كيف صرتم مشاركي اسم المسيح كهنوتيًا، وكيف أُعطى لكم ختم شركة الروح القدس[599].]
ويقول القديس مار أفرآم السرياني: [لقد ختمت جميع قوى نفوسكم بختم الروح القدس... ووضع الملك رسالته عليكم، خاتمًا إياها بختم النار (لو 3: 16) لا يقرأها الغرباء ويحرفوها[600].]
عمل هذا الختم المقدس، ختم الروح القدس أنه يجعلنا مَقدسًا للرب، بيت الله المدشّن له، إذ يقول الرسول: "أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم الذي لكم من الله، وأنكم لستم لأنفسكم... فمجّدوا الله في أجسادكم وفي أرواحكم التي هي لله" (1 كو 6: 19-20). هذا الختم الناري يكرس النفس كما الجسد ليصير الإنسان بحقٍ عروسًا روحية للسيد المسيح الملك السمائي. وكما يقول القديس مقاريوس الكبير: [حواس النفس الخمسة المُدركة إن نالت النعمة من فوق وتقديس الروح صارت حقًا الخمس عذارى اللواتي نلن حكمة النعمة من فوق.]
[1] Anne Fremantle: A Treasury of Early Christianity, p. 275
[2] The Early Christian Frs.
[3] Fr. Gregory Dox: The Shape of the Liturgy, p 485 ff.; Shaft: History of the Christian Church, vol I, II; Clarke: Liturgy & Worship.
[4] Whitalker: Documents of the Baptismal Liturgy, p 5.
[5] Coptic Encyclopedia, vol. 1. P. 21-2.
[7] القديس كيرلس الكبير: رسالة 55.
[8] Apost. Const. 7:39.
[9] Epist 20.
[10] Whitacker, Documents of the Baptismal Liturgy, 1970, p 46.
[11] Cat. Hom 13:1.
[12] رسالة 55: 11.
[13] Ep. ad. Magn. 8:1.
[14] Exposition on St. John PG 73:278.
[15] St. Athanasius, on the Council of Nicaea, 24.
[16] Tertullian: Against Praxas, 10.
[17] الصلاة الربانية طبعة ٦٨ ص ٩.
[18] رسالة 55: 12.
[19] مقال 7: 5.
[20] رسالة 55: 13.
[21] Hexamaeron 1:11.
[22] Catechetical Oration, 7.
[23] مقال 6: 5.
[24] كلمة Catechumens مأخوذة عن اليونانيّة Katichoumenos، تعني "تحت التعليم" والفعل يعنى "يتعلم شفويًا". استخدمت كنسيًا بمعنى طالبي العماد.
[25] Rev. Markary El- Souriany: Ancient and contemporary Christian Education in the Coptic Church, Princeton, 1955, P 78.
[27] Apology 1:67.
[28] Apology 39: 5-6.
[29] cf. Fourth Homily on Ecclesiastes, 335: 11.
[30] In Sanctum Pascha.
[31] مقال 10 :3.
[32] رسالة 55: 14.
[33] رسالة 55: 20-21.
[34] In 1 Cor. Hom. 20.
[35] On the Trinity, 6 (31).
[36] مقال 6: 11.
[37] ضد الأريوسيين PG 192: 25
[38] Contra Celsus, 4.
[39] Irenaeus: Against Heresies 2: 22: 4.
[40] St. Gregory of Nyssa: Catechetical Oration. 32.
[41] راجع مقال 14: 18، 19.
[42] مقال 4: 11.
[43] Homily on Saint Eustathius, 4.
[44] On the Incarnation, 29: 5-6.
[45] مقال 4: 12.
[46] Cf. St. Isaac the Syrian, homily 28,
[47] عن نسخة خطية لميامر مار أفرآم السرياني، دبر السريان، ميامر رقم 2000، تاريخها 14 أمشير سنة 1207 ش، أعدَّها الراهب صموئيل السرياني، مقال 21، ص. 130-131.
[48] Commentary on Matthew, 14:8.
[49]St. Clement: Exhortation to the Heathen, Ch. 9. "The Ante-Nicene Fathers."
[50]St. Clement: Stromata, Book 5, Ch. 12.
[51] On the Holy Spirit, 9:22.
[52] مقالات لطالبي العماد 17: 13-14.
[53] Athanas., Ad. Serap. I. 22,23.
[54] On the Holy Spirit, Book II, chap V, 32,33,37.
[55] Exposition of Psalms 36:2:11.
[56] Homily 51.
[57] St. Athanasius: Pascal letters 1:6.
[58]Strom. 4:3.
[59]Protrop. 10.
[60]Strom. 1:9.
[61] G. L. Prestige: God in Patristic Thought, 1936, P 1.
[62]Herodotus: Hist. Book 2, Ch. 52.
[63]St. Clement: Stromata, Book 1, Ch. 29.
[64]St. Athanasius: De Decretis, Ch. 3.
[65] ذكر القديس ايريناؤس (ضد الهرطقات 1: 27) أن Cerdo نادى بأن إله الناموس والأنبياء ليس هو أبًا ربنا يسوع المسيح، بل هو واحد عادل والآخر صالح. كذلك جاء في (ضد الهرطقات 3: 25: 3) أن مرقيون قسم الله إلى اثنين الواحد يدعي صالحًا، والآخر عادلا، وبهذا وضع حدًا للاهوت. راجع أيضًا العلامة ترتليان ضد مرقيون 1: 2، 6. والعلامة أوريجينوس ضد مكسيموس 4: 54.
[66] من هؤلاء أتباع ماني.
[67] مقال 4: 4.
[68] مقال 9 :1.
[69] Paidagogos 1:8:71.
[70] مقال 6: 6.
[71] راجع القديس إيريناؤس 2: 35: 3، 4، 7.
[72] مقال 6: 7.
[73] St. Gregory Nazianzus, Oratio 31, Theologica 26. PG 36:161.
[74]Four Discourses against the Arians 2:35, 36.
[75]Athenagoras: Supp. 10:2.
[76]On the Opinion of Dionysius 17.
[77]Supp. 8:2.
[78]Paedagogos 1:8:71.
[79] H. H. Bishop Pishoy: Article on 'Trinity.'
[80] St. Athanasius: De Sentia Dionysii 15.
[81] Against the Arians 2:2.
[82] Ibid.
[83] In Hebr. frag 24.
[84]Against the Arians 1:28 (See De Decretis 17).
[85]Against the Arians 3:23:5.
[86] Ep. ad Serapion 1:14,
[87] On the Trinity 2:1.
[88] On St. John 13:36, 228.
[89] Contra Celsus 8:12.
[90] Against the Arians 3:66.
[91] God in the Patristic Thought, p. 256.
[92] Ep. ad Serapion 1:19.
[93] Ibid 1:28.
[94] God in the Patristic Thought, p. 257-8.
[95]De Trinit. 2:1.
[96] Dial. 9 de Trinit; Comm. on St. John.
[97] De SS. Trinitate Dialogus, 5. PG 75 :964 B.
[98] De SS. Trinitate Dialogus, 5. PG 75 :964 B.
[99] De SS. Trinitate Dialogus, 3. PG 75 :837 C.
[100] De SS. Trinitate Dialogus, 3. PG 75 :856 C.
[101] Adv. Haereses 4:20:4. PG 7:1034 B.
[102] Adv. Haereses 4:20:6. PG 7:10367.
[103] Of the Christian Faith, 2:6 :51.
[104] De Oratione Dominica 3.
[105] Anor. 7.
[106] Anor. 7.
[107] Adv. Maced. 10.
[108] Origen: De Principiis 2:4:4, In Num, hom 16:3.
[109] In Ezech. hom. 6:6.
[110] Paedagogos 3:12.
[111] See Alan Richardson: Creeds in the Making, P 54, 55.
[112] Strom. 4:162:5; 5:1:3; 7:5:5.
[113] Paedag.1:24:3; 1:53:1; 1:62:4; 1:71:3; 3:101:1.
[114] See the Theological Terms Physis and Hypostasis in the Early Church, 1986.
[115] Strom. 7:3:21.
[116] De Principiis 1:2:1 - 6.
[117] يقول البابا أثناسيوس: "كل اسم منهما، اللذين أشرت إليهما، غير منفصل عن الآخر ولا منقسم عليه. إذ تكلمت عن الآب فإنه قبلما أتحدث عن الابن أكون قد أشرت إليه ضمنًا في الآب. وإن قدمت لكم الابن، فإنني أكون بهذا قد أشرت إلى الآب حتى ولم أكن قد سبق لي الحديث عنه". De Sentia Dionysii 17
[118] مقال 7: 4.
[119] مقال 7: 11.
[120] مقال 11: 2؛ 11: 4.
[121] مقال 10 :1.
[122] مقال 10 :12.
[123]Spirit 8 PG 39:1040.
[124]Ep. ad Serap. 1:24.
[125]Dial. Trinit 7 PG 75:1101.
[126]Ibid PG 75:1089, 1097 (J. Pelikan, P 216.)
[127] مقال 16: 22.
[128] مقال 16: 24.
[129] In Joannis Evangelium, Liber 10, 15:1 PG 74:333-6.
[130] Homily on Psalm 32 (33):3.
[131] Adv. Haer., 2:25. ترجمة دكتورة إيفا إدوارد بدمياط
[132] St. Basil Hexamaeron, homily 1:1.
[133] Hom. in illud,:4; PG 31:481 B.
[134] Hom. in martyrem Julittam, 6.
[135] Cf. Philip Rousseau: Basil of Caesarea, University of California, 1994, p. 324.
[136] St. Basil Hexamaeron, homily 1:1.
[137] St. Basil Hexamaeron, homily 6:2.
[138] St. Basil Hexamaeron, homily 6:10 f.
[139] St. Basil Hexamaeron, homily 9:3.
[140] Hom quod rebus mundanis adhaerendum non, 5.
[141] St. Basil Hexamaeron, homily 8:5.
[142] St. Basil Hexamaeron, homily 8:5.
[143] St. Basil Hexamaeron, homily 8:4.
[144] St. Basil Hexamaeron, homily 8:4.
[145] St. Basil Hexamaeron, homily 8:5.
[146] St. Basil Hexamaeron , homily 9:1.
[147] De pracscriptione hacretiocorune, ch 13. PL. 2: 26.
[148] St. Gregory of Nyssa: That there are not three gods. PG 45: 125.
[149] St. Basil Hexamaeron, homily 2:1.
[150] St. Basil Hexamaeron, homily 2:6.
[151] St. Basil Hexamaeron, homily 2:7.
[152] St. Basil Hexamaeron, homily 3:10.
[153] St. Basil Hexamaeron, homily 5:1.
[154] St. Basil Hexamaeron, homily 5:2.
[155] St. Basil Hexamaeron, homily 5:4.
[156] St. Basil Hexamaeron, homily 5:6.
[157] St. Basil Hexamaeron, homily 5:10.
[158] St. Basil Hexamaeron, homily 6:10.
[159] St. Basil Hexamaeron, homily 6:1.
[160] St. Basil Hexamaeron, homily 7.
[161] راجع الأب الياس كويتر المخلصي: القديس باسيليوس الكبير، منشورات المكتبة البولسية، بيروت، 1989، ص 319؛ ترجمة الأب ج. عقيقي اليسوعي. St. Basil Hexamaeron 7:4
[162] St. Basil Hexamaeron, homily 7:5.
[163] الميمر 27 (راجع أيضًا الدكتور الأب بهنام سُوني: الإنسان في تعليم مار يعقوب السروجي، 1995، ص 138-139).
[164] للمؤلف: اقتباسات من مقال الفردوس للقديس مار أفرآم السرياني، 2017، أنشودة 6: 8.
[165] للمؤلف: اقتباسات من مقال الفردوس للقديس مار أفرآم السرياني، 2017، أنشودة 6: 9.
[166] للمؤلف: اقتباسات من مقال الفردوس للقديس مار أفرآم السرياني، 2017، أنشودة 8: 9.
[167] St. Gregory of Nazianzus
[168] للمؤلف: اقتباسات من مقال الفردوس للقديس مار أفرآم السرياني، 2017، أنشودة 3: 13.
[169] Hom. 3, in illud, PG 31:203 a
[170] Paidagogos 1:3; l:8:63.
[171] In Gen. hom 1: 13.
[172] Ascetical Homilies, 64.
[173] الميمر 30 (راجع ترجمة الدكتور بهنام سوني).
[174] راجع المرجع السابق، ص 96.
[175] راجع المرجع السابق، ص 96-97.
[176] راجع المرجع السابق، ص 108.
[177] راجع المرجع السابق، ص 75.
[178] الميمر 30 (راجع نص الدكتور بهنام سوني).
[179] يقول العلامة ترتليان (ضد مرقيون 2: 6) إنه يليق بالذي يتمتع بكونه على صورة الله ومثاله أن تكون له إرادة حرة وسيادة على نفسه، إذ بحرية الإرادة والسيادة الذاتية يكون على صورة الله ومثاله.
[180] القديس أغسطينوس (مدينة الله 5: 1) يذكر أن المنجمين يقولون بأن تحركات معينه لكوكب المريخ تجعل الإنسان قاتلاً.
[181] مقال 4: 18.
[182] مقال 4: 21.
[183] In Luc. hom 39:5.
[184] الميمر 83 التطويبات التي تكلم عنها ربنا في الإنجيل (راجع نص بول بيجان ترجمة الدكتور بهنام سوني). ملاطيوس برنابا، قصيدة لمار يعقوب السروجي في التطويبات الإنجيلية، في المجلة البطريركية 74-48 (1985) 388-395
[185] De Principiis 2: 2: 4.
[186] راجع الدكتور الأب بهنام سُوني: الإنسان في تعليم مار يعقوب السروجي الملفان، 1995، ص 22.
[187] راجع المرجع السابق، ص 26.
[188] راجع المرجع السابق، ص 67.
[189] راجع المرجع السابق، ص 109.
[190] الميمر 30 (راجع نص بول بيجان ترجمة الدكتور بهنام سوني).
[191] الميمر 30 (راجع نص الدكتور بهنام سوني).
[192] PG 47: 387-392. Bour, vol. 1, Part 1, ch. 12.
[193] On Ps. 55.
[194] الكنيسة تحبك ص 61-66.
[195] المبمر 71.
[196] On Ps. 21.
[197] الميمر 8 على رجوع آدم، قبطي، الميمر 77 على خلقة آدم وحياة الموتى (راجع نص بول بيجان ترجمة الدكتور بهنام سوني).
[198] الميمر 1 (راجع نص الدكتور بهنام سوني).
[199] راجع الدكتور الأب بهنام سُوني: الإنسان في تعليم مار يعقوب السروجي الملفان، 1995، ص 92-93.
[200] راجع الدكتور الأب بهنام سُوني: الإنسان في تعليم مار يعقوب السروجي الملفان، 1995، ص 53.
[201] De Mortius. PG 46:529A.
[202] In Christ, resurrection, 3.
[203] راجع الدكتور الأب بهنام سُوني: الإنسان في تعليم مار يعقوب السروجي الملفان، 1995؛ القمص تادرس يعقوب ملطي: آباء مدرسة الإسكندرية، 1980، أثيناغوراس.
[204] De ressurectione 12.
[205] J. Danièlou: The Theology of Jewish Christianity. London 1964, P 47.
[206] Apology 27; De ressurectione 12.
[207] راجع الدكتور بهنام سُوني: الإنسان في تعليم مار يعقوب السروجي الملفان، موسوعة "عظماء المسيحية في التاريخ" لبنان 1995.
[208] راجع الدكتور الأب بهنام سُوني: الإنسان في تعليم مار يعقوب السروجي الملفان، 1995، ص 196.
[209] الميمر 66 على شجرة معرفة الخير والشر وعلى الصدقات وعلى الفقر (راجع نص بول بيجان ترجمة الدكتور بهنام سوني).
[210] Homilies on the Psalms, 21.
[211] Paedagogus 2:4.
[212] راجع الدكتور الأب بهنام سُوني: الإنسان في تعليم مار يعقوب السروجي الملفان، 1995م، ص 36.
[213] المبمر 71.
[214] أرجو الرجوع إلى كتابنا "رؤية الله عند آباء الكنيسة".
[215] راجع الدكتور الأب بهنام سُوني: الإنسان في تعليم مار يعقوب السروجي الملفان، 1995، ص 55.
[216] Oratione Cat. 5.
[217] راجع الدكتور الأب بهنام سُوني: الإنسان في تعليم مار يعقوب السروجي الملفان، 1995، ص 155.
[218] De beata vita, 2:11.
[219] Morals of Catholic Church. 3:4; 11:18.
[220] راجع الدكتور الأب بهنام سُوني: الإنسان في تعليم مار يعقوب السروجي الملفان، 1995، ص 69-70.
[221] راجع الدكتور الأب بهنام سُوني: الإنسان في تعليم مار يعقوب السروجي الملفان، 1995، ص 53.
[222] راجع الدكتور الأب بهنام سُوني: الإنسان في تعليم مار يعقوب السروجي الملفان، 1995، ص 54.
[223] On the Holy Trinity, 28:51.
[224] On Renunciation of the World, (Frs. of the Church, volume 9, p. 31).
[225] الرسالة الخامسة.
[226] الميمر 5 على هارون الكاهن (راجع نص بول بيجان ترجمة الدكتور بهنام سوني).
[227] القمص تادرس يعقوب ملطي: العناية الإلهية (بالإنجليزية) طبعة 1987، تعريب: الدكتور جرجس كامل يوسف، 2003.
العناية الإلهية للقديس يوحنا الذهبي الفم، تعريب عايدة حنا بسطا، طبعة ثانية 2007.
[228] Against Heresies 3:25:1.
[229] On Psalms 46:1 P.G. 28:3.
[230] Stromata 6:18:166.
[231] W.E.G. Floyd: Clement of Alexandria's Treatment of the Problem of Evil, Oxford University Press, 1971, p. 36.
[232] Stromata 2:2.
[233] De Incarnatione, 42.
[234] Contra Arians , 4:5.
[235] St. Clement: Protroptecius 4:63.
[236] Stomata 5:14:141, 6:12, 6:16.
[237] Stomata 6:16.
[238] See Prof. I.M. Kontzevich:Fifty Spiritual Homilies, St. Makarius the Great, 1974, Homily 12:12-13.
[239] Paidagogos 1:3; l:8:63.
[240] Comm. in Ep. ad Rom. 3:6.
[241] St. Macarius the Great, hom 12:6-8.
[242] Contra Celsus 8:70. (See Drewery).
[243] Exhortation to Martyrdom 4.
[244] Stromata 6:17:157, 158.
[245] C. Celsus 4:69. (See Drewery).
[246] In 1 Sam. Hom 2. (See Drewery).
[247] C. Celsus 7:33.
[248] Comm. in matt 13, 28.
[249] Paschal Letters 6:10.
[250] Contra Celsus 4:82. (See Drewery).
[251] John Cassian: Conf. 3; 11, 12 (N & P.N Fathers, p. 325-6).
[252] Hom 45:7.
[253] Stromata 2L 16.
[254] Against Arians 2:59.
[255] Paedagogus 1; 5.
[256] Strom 7:11.
[257] Against Arians 2; 25, 24.
[258] Stromata 7:2.
[259] Contra Celsus 4:99.
[260] W.E.G. Floyd: Clement of Alexandria's Treatment of the Problem of Evil, Oxford University Press, 1971, p. 40.
[261] [261] J. Patrick: Clement of Alexandria, London 1914, p. 90.
[262] St. Clement of Alex: Protrep. 9.
[263] العناية الإلهية للقديس يوحنا الذهبي الفم، ى تعريب عايدة حنا بسطا، طبعة ثانية 2007.
[264] Fr. T. Malaty: The Divine Grace, 1992
[265] راجع من تفسير وتأملات الآباء الأولين، إنجيل يوحنا ملحق الأصحاح الأول.
[266] Brewery, Origen and the Doctrine of Grace, London 1960, p. 48.
[267] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate 3:9.
[268] Concerning Baptism, Book 1 chapter 2.
[269] يقصد طهارة خلقته الأولى التي جُبل الإنسان عليها. (راجع دكتور وهيب قزمان: النعمة عند القديس أثناسيوس – مركز دراسات الآباء بالقاهرة، 1993).
[270] الرسالة إلى الوثنيين: القس مرقص داود فصل 2: 2-4.
[271] راجع الدكتور الأب بهنام سُوني: الإنسان في تعليم مار يعقوب السروجي الملفان، 1995، ص 114.
[272] راجع الدكتور الأب بهنام سُوني: الإنسان في تعليم مار يعقوب السروجي الملفان، 1995، ص 115.
[273] الرسالة ضد الآريوسيين 2:1: 41-42.
[274] The Holy Spirit 1: 12: 13.
[275] الرسالة ضد الآريوسيين 3:1: 52.
[276] نشيد الأناشيد للقديس غريغوريوس أسقف نيصص، تعريب الدكتور جورج نوّار، عظة 1.
[277] نشيد الأناشيد للقديس غريغوريوس أسقف نيصص، تعريب الدكتور جورج نوّار، عظة 8.
[278] Comm. Matt. 10: 22.
[279] Stromata 5: 3.
[280] Prayer of David, Book 3.
[281] الرسالة ضد الآريوسيين 3:1: 38.
[282] Against Jovinainus 2: 23.
[283] فصل 12-13.
[284] المرجع السابق ص 95.
[285] Cassian. Conf. 3:15.
[286] Proceeding of Pelagius, 14:36.
[287] Letter from Alypius and Augustine to Paulinius, 186.
[288] Commentary on Rom 9:16.
[289] Comm. On 1 Cor. 4:45:2-5.
[290] In John hom. 14:2.
[291] Ep 63.97.
[292] Concerning Repentance, 2:43.
[293] للمؤلف: اقتباسات من مقال الفردوس للقديس مار أفرآم السرياني، 2017، أنشودة 2: 11.
[294] نشيد الأناشيد للقديس غريغوريوس أسقف نيصص، تعريب الدكتور جورج نوّار، عظة 2.
[295] Commentary on John, Book 6:35.
[296] تجسد الكلمة 7: 4، 5.
[297] راجع الدكتور الأب بهنام سُوني: الإنسان في تعليم مار يعقوب السروجي الملفان، 1995، ص 115.
[298] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate 3:2-3.
[300] Cassian: Conferences, 21:32
[301] Sel Ps. 1: 2.
[302] Sel. Ps. 119: 85.
[303] De Principiis, perf. 8.
[304] تجسد الكلمة 8: 4.
[305] تجسد الكلمة 27: 2.
[306] مقال 1:2.
[307] الرسالة ضد الآريوسيين 1:1: 42.
[308] Protr. 11: 3; Stromata 7: 13, Protr. 11.
[309] Prayer of David, Book 4:9:35.
[310] نشيد الأناشيد للقديس غريغوريوس أسقف نيصص، تعريب الدكتور جورج نوّار، عظة 15.
[311] Paedageogus 1: 9.
[312] نشيد الأناشيد للقديس غريغوريوس أسقف نيصص، تعريب الدكتور جورج نوّار، عظة 2.
[313] تعريب الأرشيمندريت افرلم كرياكوس: القديس دوروثاؤس: التعاليم الروحية، مقال 2.
[314] Bendicta Ward, p. 197.
[315] Comm. Rom. 22 on 4: 4 f.
[316] St. Clement of Alexandria: Exhortation to the Heathen, 1.
[317] الرسالة ضد الآريوسيين 2:1: 67.
[318] للمؤلف: اقتباسات من مقال الفردوس للقديس مار أفرآم السرياني، 2017، أنشودة 1: 5.
[319] عظة 40.
[320] الرسالة ضد الآريوسيين 3:1: 19.
[321] الرسالة ضد الآريوسيين 3:1: 38.
[322] الرسالة ضد الآريوسيين 3:1: 24.
[323] Prayer of David, Book 4:2:7.
[324] نشيد الأناشيد للقديس غريغوريوس أسقف نيصص، تعريب الدكتور جورج نوّار، عظة 2.
[325] نشيد الأناشيد للقديس غريغوريوس أسقف نيصص، تعريب الدكتور جورج نوّار، عظة 7.
[326] راجع الدكتور الأب بهنام سُوني: الإنسان في تعليم مار يعقوب السروجي الملفان، 1995، ص 116.
[327] راجع الدكتور الأب بهنام سُوني: الإنسان في تعليم مار يعقوب السروجي الملفان، 1995، ص 116.
[328] Conc. Repent. 1: 8.
[329] Instit. 12: 9.
[330] الحديث في المناظرات عن الرهبان وقد استبدلت كلمة "راهب" بـ "إنسان".
[331] Cassian: Conferences, 1:1-2.
[332] The Seven Books of John Cassian, 2:5.
[333] راجع الرسالة الأربعين.
[334] راجع الدكتور الأب بهنام سُوني: الإنسان في تعليم مار يعقوب السروجي الملفان، 1995، ص 119-120.
[335] راجع الدكتور الأب بهنام سُوني: الإنسان في تعليم مار يعقوب السروجي الملفان، 1995، ص 120.
[336] راجع الدكتور الأب بهنام سُوني: الإنسان في تعليم مار يعقوب السروجي الملفان، 1995، ص 135-137.
[337] On Belief in Resurrection, 41.
[338] Paschal Ep.,10: 8.
[339] On the Psalms, 77:30.
[340] الرسالة ضد الآريوسيين 1:1: 50.
[341] Of the Holy Spirit 1:8:93.
[342] العفة للقديس أغسطينوس، 12.
[343] On the Holy Baptism, 27.
[344] On Ps. Hom 20.
[345] للمؤلف: اقتباسات من مقال الفردوس للقديس مار أفرآم السرياني، 2017، أنشودة 2: 9.
[346] مختصر عن كتاب الحب الإلهي للكاتب، الكتاب الأول، 2010، ص 267-304.
[347] لا يستطيع أحد أن يؤذي إنسانًا ما لم يؤذِ هذا الإنسان ذاته.
[348] Ad. Pop PG 49: 66, 67.
[349] المؤلف: "هل للشيطان سلطان عليك؟ عن "من كتابات القديس يوحنا الذهبي الفم"، 2007، ص 155.
[350] المؤلف: "هل للشيطان عليك؟ عن "من كتابات القديس يوحنا الذهبي الفم"، 2007، ص 156.
[351] المؤلف: "هل للشيطان سلطان عليك؟ عن "من كتابات القديس يوحنا الذهبي الفم"، 2007، ص 156-157.
[352] المؤلف: "هل للشيطان سلطان عليك؟ عن "من كتابات القديس يوحنا الذهبي الفم"، 2007، ص 157-158.
[353] المؤلف: "هل للشيطان سلطان عليك؟ عن "من كتابات القديس يوحنا الذهبي الفم"، 2007، ص 158.
[354] المؤلف: "هل للشيطان سلطان عليك؟ عن "من كتابات القديس يوحنا الذهبي الفم"، 2007، ص 158.
[355] المؤلف: "هل للشيطان سلطان عليك؟ عن "من كتابات القديس يوحنا الذهبي الفم"، 2007، ص 158.
[356] المؤلف: "هل للشيطان سلطان عليك؟ عن "من كتابات القديس يوحنا الذهبي الفم"، 2007، ص 159.
[357] المؤلف: "هل للشيطان سلطان عليك؟ عن "من كتابات القديس يوحنا الذهبي الفم"، 2007، ص 159.
[358] المؤلف: "هل للشيطان سلطان عليك؟ عن "من كتابات القديس يوحنا الذهبي الفم"، 2007، ص 160.
[359] المؤلف: "هل للشيطان سلطان عليك؟ عن "من كتابات القديس يوحنا الذهبي الفم"، 2007، ص 164.
[360] عن "من كتابات القديس يوحنا الذهبي الفم"، 2007، ص 169. مقال: " On The Power Of Man To Resist The Devil".
[361] عن "من كتابات القديس يوحنا الذهبي الفم"، 2007، ص 170.
[362] عن "من كتابات القديس يوحنا الذهبي الفم"، 2007، ص 171.
[363] عن "من كتابات القديس يوحنا الذهبي الفم"، 2007، ص 57. مقال: "لا يستطيع أحد أن يؤذي إنسانًا ما لم يؤذِ هذا الإنسان ذاته".
[364] عن "من كتابات القديس يوحنا الذهبي الفم"، 2007، ص 59-60.
[365] عن "من كتابات القديس يوحنا الذهبي الفم"، 2007، ص 65-67.
[366] عن "من كتابات القديس يوحنا الذهبي الفم"، 2007، ص 57.
[367] عن "من كتابات القديس يوحنا الذهبي الفم"، 2007، ص 73-75.
[368] عظة 3:7.
[369] عظة 1:7 (ترجمة بيت التكريس لخدمة الكرازة، 1978م).
[370] راجع الحب الإلهي، الكتاب الثاني، 2010، ص 352 الخ.
[371] هذا التعبير وأمثاله في الكتاب المقدس وعند آباء الكنيسة لا يعني أن الإنسان يشترك في الجوهر الإلهي، حاشا! بل بالنعمة الإلهية يسترد صورة الله المفقودة بسبب الخطية، وينال عدم الموت وعدم الفساد في الأبدية، ويتمتع بحياة البرّ والقداسة وثمر الروح القدس.
[372] Poemata de seipso, 11. PG 37:1165-66.
[373] القس مرقس داود ومراد مجدي: خدمة الخلاص، 2007، ص 52-54.
[375] تجسُّد الكلمة ف 7/1–4.
[376] Epistola ad Serapionem 1:28-29. PG 26:596 A.
[377] De Myster. 8:2:5-68.
[378] The Holy Spirit, 1: 12: 13.
[379] Homilies on Cor., 11:5.
[380] Letter 8.
[381] In Jer. hom., 18:7-10; Carl A. Volz: Life and Practice in the Early Church, Minneapolis, 1990, p. 114.
[382] Thesaurus 15, de adoratione et cultu in spiritu etveritate,1.
[383] راجع أسرة الدراسات القديس ديديموس: خدمة الخلاص، 2007، الموضوع السادس الناموس والنبوات.
[385] In Rom. hom 17.
[386] Strom 2: 9.
[387] In Ioan. tr. 3: 2.
[388] Dial. with Trypho 97.
[389] راجع أسرة الدراسات بكنيسة مار جرجس باسبورتنج: خدمة الخلاص، 2007، الموضوع السادس الناموس والنبوات، ص 129.
[390] In Psalm 15:8.
[391] Thesurus. 29.
[392] Cf. Sermon 11 on Luke.
[393] Cf. Sermon 43 on Luke.
[394] Cf. Sermon 81 on Luke.
[395] Sermon on N.T. lessons, 2:13.
[396] Glaphyra in Genes. 2.
[397] Comm. On Isai. 53: 10.
[398] Comm. On Isai. 6: 9.
[399] PG 75: 1268.
[400] Epistle 17, Anathema 10.
[401] Comm. On Isai. 53: 7.
[402] للكاتب الحب الإلهي، 2010، الكتاب الثاني، ص 508-582.
[403] Commentarium in Joannem 1. PG 14:50.
[404] Homilies on Song of Songs, 2. ترجمة الدكتور جورج نوّار
[405] On Ps 87 (86)
[406] On Perfection.
[407] Homilies on Luke, homily 14:2.
[408] J. Klausner: The Messianic Idea in Israel, London, 1956, p. 9 (cf. Michael O'Carroll: Verbum Caro, 1992. article; Messiah. Jesus the).
[409] Dia;. with Tepho, 86.
[410] Adv. Arian., 1:12:47. ترجمة مركز دراسات الآباء بالقاهرة
[411] راجع تفسير خروج 3 في سلسلة: من تفسير وتأملات الآباء الأولين.
[412] St. Augustine: On Ps. 144.
[413] St. Augustine: City of God 12: 2; On Christian Doctrine 1: 32.
[414] راجع تفسير خروج 3 في سلسلة: من تفسير وتأملات الآباء الأولين.
[415] Ep. ad. Magn. 8:1.
[416] On the Christian Faith, Book 1:2:16.
[417] Sermon on N.T. Lessons, 69:7.
[418] Commentary on John, Book 2:8.
[419] Commentary on 1 Cor. 1:2:52-54.
[420] St. Athanasius: Discourses Against Arians, Book 2,:18:31. ترجمة مركز دراسات الآباء بالقاهرة
[421] St. Athanasius: Oration 22 contra Arianos, 56.
[422] راجع تفسير 1 كورنثوس 1: 24 في سلسلة: من تفسير وتأملات الآباء الأولين.
[423] Stromata 1:100:1.
[424] Against Eunomius 2:7.
[425] Against Eunomius 2:4.
[426] In John hom, 81:1.
[427] Stromata 5:1.
[428] Contra Celsus 6:67.
[429] إلى الشهداء: فصل 4 (ترجمة موسى وهبه).
[430] ميمر 65 على الكبرياء (نص بول بيجان والدكتور بهنام سوني). لأجل يوم الأربعاء من الجمعة الثانية من الصوم المقدس، قبطي.
[431] Treatise on Christ and Antichrist, 26.
[432] Ser. on N.T. 67: 9.
[433] On Virginity, ch. 24.
[434] Fitzmyer: Abba and Jesus’ Relationship to God. in "A cause de l’évangile, Paris, 1985, p. 57-81.
[435] Letter 32:56.
[436] On the Death of His Brother Satyrus, 2: 6.
[437] Adv. haer., 3: 22:3.
[438] Against Julian 7: 21.
[439] Homilies on the Psalms 66.
[440] المسيح واحد PG 75, 1353.
[441] Homily 4:3.
[442] Commentary on John, Book 6:285-286.
[443] Commentary on John, Book 1:233.
[444] راجع تفسير 2 كورنثوس 5: 21 في سلسلة: من تفسير وتأملات الآباء الأولين.
[445] Against Eunomius, 2:11.
[446] Letter 41:10.
[447] Hom 51. PG 59:301.
[448] In Hebr. hom 16: 5.
[449] Origen: De Principiis 2: 7: 4.
[450] On Jacob and the Happy Life 6:21.
[451] Sermon 213:5.
[452] Enarr. in Psalm 62:2 PL 36: 748 f.
[453] Maximius of Turin: Sermons, 73:1.
[454] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate, 85: 2.
[455] In Luc 15: 1-7.
[456] In Luc 18: 18-30.
[457] نشيد الأناشيد للقدِّيس غريغوريوس النيسي، تعريب الدكتور جورج نوّار، عظة 2.
[458] Paedagogus 1:9.
[459] Adv. Arian. 2:21:62. ترجمة مركز دراسات الآباء بالقاهرة
[460] Letter 55:34.
[461] Comm. on The Gospel of Saint Luke, Sermon 1 ترجمة: دكتور نصحي عبد الشهيد
[462] On His Brother Satyrus, 2:91.
[463] راجع المسيح في سرّ الإفخارستيا، 1973م، ص 19-27.
[464] كتاب الراعي، ك ٣، رؤيا ١٢.
[465] St. Ambrose: On the Holy Spirit 3: 5.
[466] In Matt. 7:25.
[467] Protrep. 11:113:3, 4; 11:117:3, 4. ANFrs, Vol 2, P 203, 204.
[468] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate 21:17
[469] In Luc. Hom 34:5.
[470] De principiis, 1:2:6.
[471] Theological Orations 4:20.
[472] Letters, 20.
[473] Homily 6 on Psalm 66 (67) (FC 48:45).
[474] Disc. Against Arians 1:4.
[475] De sent. Dionysii 8.
[476] In Ioan. hom 4: 2.
[477] Ep 54:11.
[478] In Matt. 10:9.
[479] On Ps. hom 23.
[480] Stromata 2:27:3.
[481] Sermons, 155:4. On the Ten Virgins.
[482] Homilies on Cor. 23:1.
[483] Of the Holy Spirit Book 1:17:108.
[484] Letters, 63:4-5.
[485] A.N. Fathers Vol. 10. P. 314/6.
[486] City of God 11 b 32.
[487] Of the Christian Faith 4: 108.
[488] Lect, 10: 3.
[489] Three books of Testimonies against the Jews, 2: 16.
[490] Pasch. Ep. 4: 3.
[491] Michael O'carroll: Verbum Caro, Article: Jesus Prayer; K. Ware: A Dictionary of Christian Spirituality, London, 1983, p. 223f.
[492] للكاتب: الحب الإلهي، 2010، الكتاب السادس، ص 970-988؛ تفسير إنجيل يوحنا الأصحاح السابع من سلسلة من تأملات وتفسير الآباء الأولين.
[493] Adv. Haer. 5:36:2. PG 7:1223 B.
[494] Adv.Haer. 4: 38:3 PG 1108B.
[495] Of the Holy Spirit Book 3:20:153-154.
[496] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate 32:4.
[497] Comm. on Canticle, sermon 10.
[498] Against Jovinianus, 1:12.
[499] Sermon 170: 3.
[500] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate 32:2.
[501] نشيد الأناشيد للقديس غريغوريوس أسقف نيصص، تعريب الدكتور جورج نوّار، 1993، عظة 1.
[502] نشيد الأناشيد للقديس غريغوريوس أسقف نيصص، تعريب الدكتور جورج نوّار، عظة 8.
[503] نشيد الأناشيد للقديس غريغوريوس أسقف نيصص، تعريب الدكتور جورج نوّار، عظة 14.
[504] نشيد الأناشيد للقديس غريغوريوس أسقف نيصص، تعريب الدكتور جورج نوّار، عظة 9.
[505] Hom 51. PG 59:300-301.
[506] Letter, 63: 78 – 79.
[507] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate 32:7.
[508] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate 32:8-9.
[509] Of the Holy Spirit 1:16:177-178.
[510] Adv. Haer. 3:17:1-2 PG 7:929-30.
[511] Of the Holy Spirit Book 3:20:153-154.
[512] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate 32:8-9.
[513] Oratio 31, Theologica 5:31,29 PG 36:159 B.
[514] Oratio 41 In Pentecosten, 5. PG 36:436 B.
[515] In Joannis evangelium 11:10. PG 74:544.
[516] De SS. Trinitate Dialogus,3. PG 75 :837 A.
[517] De SS. Trinitate Dialogus, 3. PG 75 :964 A
[518] De SS. Trinitate Dialogus, 3. PG 75 :800 C.
[519] De SS. Trinitate Dialogus, 3. PG 75 :833
[520] De SS. Trinitate Dialogus, 3. PG 75 :837 A
[521] De SS. Trinitate Dialogus, 7. PG 75 :1089 A
[522] De SS. Trinitate Dialogus, 7. PG 75 :1089 B.
[523] De SS Trinitate Dialogus, 7. PG 75 :1113 A
[524] Who is the Rich man… 39?
[525] St. Ambrose: On the Holy Spirit, 2:107.
[526] St. Ambrose: On the Holy Spirit, 3:64.
[527] St. Augustine: On the Psalms. Ps. 19: 80.
[528] Oratio 31. Theologica 5:28 PG 36:105 A.
[529] احتاج الجسد إلى اللباس والأحذية بعد أن حرم نفسه من برّ الله بعصيانه الوصية الإلهية واعتزاله الله القدوس.
[530] راجع عظات القديس أنبا مقار الكبير، ترجمة مؤسسة القديس أنبا أنطونيوس لدراسات الآباء، عظة 1: 10-11.
[531] Letter to Sixtus, 191.
[532] On the Holy Spirit, Book II, chap. XIII, 143.
[533] Oration 5 on the Holy Spirit, 29.
[534] The Long Rules, 7.. PG 82:323.
[535] On the Spirit, chap. XXVI, 61.
[536] De Spir, Sanc. 15:35.
[537] Catech. Lect. On Faith 5:11.
[538] راجع عظات القديس أنبا مقار الكبير، ترجمة مؤسسة القديس أنبا أنطونيوس لدراسات الآباء، عظة 2: 4.
[539] Homilies on St. John, 78:2.
[540] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate, 96:2.
[541] الكنيسة تحبك، ١٩٨٦، ص ٦١ – ٦٦.
[542] Ser. 85: 3.
[543] Ibid 85: 4.
[544] In Gen. hom 10: 2.
[545] Boris Bobrinskoy: The Mystery of the Trinity, St. Vladimir 1999, p. 72.
[546] Boris Bobrinskoy: The Mystery of the Trinity, St. Vladimir 1999, p. 73.
[547] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate, 92: 2.
[548] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate, 94: 1.
[549] Ad. Eunom. 5.
[550] قداس الإلهي القبطي "باركت طبيعتي فيك".
[551] دكتور جورج بباوي: شرح تجسد الابن الوحيد للقديس كيرلس الإسكندري، 1975، ص 11 ،12.
[552] راجع عظات القديس أنبا مقار الكبير، ترجمة مؤسسة القديس أنبا أنطونيوس لدراسات الآباء، عظة 18: 1-3.
[553] Of the Holy Spirit, Book 3:14:99.
[554] Of the Holy Spirit, 2:12 (131, 133, 134).
[555] Of the Christian Faith, 5:11 (133).
[556] Sermon on N.T. Lessons, 21:33.
[557] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate, 77: 2.
[558] Gregory Nazianzus: Orati xL, iN Sanctum baptisma 41. PG 36:417 c.
[559] Adv. Haer. 3:24:1.
[560] Adv. Haer. 3:17:2 PG 7:903 A.
[561] Adv. Haer 3:17:2.
[562] In Librum Jesu nave, Homilia 3:2 PG 12:838A.
[563] Adv. Haer 3:17:2. PG 7:930.
[564] القمص تادرس يعقوب ملطي، الروح القدس عند العلامة أوريجينوس، تعريب دكتور جورج بطرس.
[565] On the Trinity 2:33.
[566] Liber de Spiritu Sancto. 9 :23. PG 32 :109.
[567] On the Holy Spirit, Book 3:1:8.
[568] Of the Christian Faith, 2: 9: 76.
[569] راجع رسائل القديس الأنبا أنطونيوس (ترجمة مؤسسة القديس أنطونيوس)، الرسالة الثامنة.
[570] راجع عظات القديس أنبا مقار الكبير، ترجمة مؤسسة القديس أنبا أنطونيوس لدراسات الآباء، عظة 4: 26.
[571] Liber de Spiritu Sancto. 9 :22 PG 32 :108-9.
[572] In 1. Thess., hom. 11.
[573] Leber de Spiritu Sancto, 26:61 PG 32:180 D.
[574] Homilies on St. John, 78:1.
[575] للمؤلف: الله مقدسي، 1967، ص 12-13.
[576] Sermon on N.T. Lessons, 94:3-5.
[577] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractâtes, 95:3.
[578] Homilies on St. John, 78:1.
[579] St. Augustine : On the Gospel of St. John, tractâtes, 95:1.
[580] Sermon on N.T. Lessons, 94:6.
[581] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate, 95:4.
[582] راجع عظات القديس أنبا مقار الكبير، ترجمة مؤسسة القديس أنبا أنطونيوس لدراسات الآباء، عظة 5: 4.
[583] راجع عظات القديس أنبا مقار الكبير، ترجمة مؤسسة القديس أنبا أنطونيوس لدراسات الآباء، عظة 5: 7-8.
[584] راجع عظات القديس أنبا مقار الكبير، ترجمة مؤسسة القديس أنبا أنطونيوس لدراسات الآباء، عظة 10: 4.
[585] راجع عظات القديس أنبا مقار الكبير، ترجمة مؤسسة القديس أنبا أنطونيوس لدراسات الآباء، عظة 5: 8-10.
[586] راجع عظات القديس أنبا مقار الكبير، ترجمة مؤسسة القديس أنبا أنطونيوس لدراسات الآباء، عظة 6: 7.
[587] راجع عظات القديس أنبا مقار الكبير، ترجمة مؤسسة القديس أنبا أنطونيوس لدراسات الآباء، عظة 11: 1.
[588] راجع عظات القديس أنبا مقار الكبير، ترجمة مؤسسة القديس أنبا أنطونيوس لدراسات الآباء، عظة 11: 2.
[589] راجع عظات القديس أنبا مقار الكبير، ترجمة مؤسسة القديس أنبا أنطونيوس لدراسات الآباء، عظة 11: 3.
[590] On the Spirit, chap. XXVI, 62.
[591] Homilies on Cor. 7:9.
[592] On the Dwelling of the Holy Spirit.
[593] راجع عظات القديس أنبا مقار الكبير، ترجمة مؤسسة القديس أنبا أنطونيوس لدراسات الآباء، عظة 5: 11.
[594] راجع عظات القديس أنبا مقار الكبير، ترجمة مؤسسة القديس أنبا أنطونيوس لدراسات الآباء، عظة 12: 8.
[595] On the Holy Spirit, Book I, chap. XVI.
[596] On the Holy Spirit, Book II, chap. I, 19.
[597] القمص تادرس يعقوب ملطي: الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر، الطبعة الثانية، 2003، ص 9.
[598] De Mysterus 7:42.
[599] رسالة 73 ضد الهراطقة، عظة 33:8.
[600] تعليم الإيمان 5.

