كاتيكزم الكنيسة القبطية - الجزء الأول

مقدمات في الكاتيكيزم القبطي

كاتيكيزم

الكنيسة القبطية الأرثوذكسية

Catechism of the Coptic Orthodox Church

الجزء الأول

مقدمات في الكاتيكيزم القبطي

2018

إعداد

القمص تادرس يعقوب ملطي

الشماس بيشوي بشرى فايز

كنيسة الملكة القديسة مريم والأمير تادرس

 ساوث برانزويك – نيو جيرسي

 

كنيسة الشهيد مارجرجس

سبورتنج - الإسكندرية


 

باسم الآب والابن والروح القدس

الله الواحد، آمين


 

المحتويات

مِصْرنا التي في داخلنا والسماء المفتوحة 6

1. (أ) الكاتيكيزم 8

1. ماذا تعني كلمة كاتيكيزم Catechism؟ 8

2. ما هي غاية الكاتيكيزم (التعليم بالأسئلة والأجوبة)؟ 8

1. (ب) الكاتيكيزم القبطي عبر العصور 10

3. كيف حافظت الكنيسة عل استقامة الإيمان عبر العصور؟ 10

4. ما هي مراحل الكاتيكيزم القبطي عبر العصور؟ 10

المرحلة الأولى: الكاتيكيزم في العصر الرسولي. 11

المرحلة الثانية: ازدهار مدرسة الإسكندرية في القرن الثاني. 12

المرحلة الثالثة: آباء الإسكندرية وعصر المجامع المسكونية 13

ما هو أثر المجامع الثلاثة على كاتشيزم الكراسي المسيحية أو الكنيسة الجامعة؟ 15

رابعًا: مجمع خلقيدونية والكاتيكيزم القبطي. 16

المرحلة الخامسة: من القرن السابع حتى التاسع. 19

المرحلة السادسة: من القرن العاشر حتى الخامس عشر. 19

المرحلة السابعة: من القرن السادس عشر إلى القرن العشرين. 20

المرحلة الثامنة: منذ ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ حتى عام 1967. 22

المرحلة التاسعة: بدء حركة الهجرة وانتشار الأقباط في العالم منذ عام 1968. 22

2. المبادئ الأساسية للكاتيكيزم 24

1. ما هي المبادئ الأساسية لكاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية؟ 24

2. ما أهم المبادئ العملية للكاتيكيزم؟ 24

3. الإيمان العامل بالمحبة 27

1. ما هو الإيمان؟ 27

2. ما هي أهمية الإيمان عند غير المؤمنين؟ 27

3. هل من ضرورة للإيمان بوجود الله؟ 27

4. هل بالإيمان نتحدى إبليس؟ 28

5. بماذا تسلَّح إبراهيم أب الآباء؟ 28

6. بماذا تسلَّح بطرس وهو على المياه؟ 29

7. هل أرسل الله الناموس ليهيئنا للإيمان به؟ 29

8. هل يلغي الإيمان عطية العقل؟ 29

9. ماذا نطلب بالإيمان من السيد المسيح؟ 29

10. ماذا طلب موسى من الله في أول لقاء معه حيث دعاه للخدمة؟ 30

11. لماذا يُدعى الله ثيؤس؟ 30

12. لماذا يرفض البعض الإيمان؟ 31

13. كيف نكسب رافضي الإيمان؟ 33

14. هل يتعارض الإيمان مع الفهم العقلي والبحوث العلمية؟ 33

15. ما هي علاقة الإيمان بالمعرفة العلمية والروحية 34

16. أيهما الأول: المعرفة أم الإيمان؟ 35

17. كيف نسدد بالإيمان ديوننا؟ 35

18. ماذا يقول الآباء عن عظمة الإيمان؟ 36

19. كيف يتقوى إيماننا؟ 37

20. ما هي علاقة الإيمان بالفضائل؟ 37

21. كيف نسلك في الإيمان الحقيقي؟ 38

22. كيف نواجه كل وحل العالم؟ 38

23. ما هو دور الضيقات في الإيمان؟ 39

24. ما هو دور الإيمان في الفضائل وأعمال المحبة؟ 39

25. ما هو دور الإيمان في الرجاء؟ 40

26. كيف نميز بين إيمان الشياطين وإيمان القديسين؟ 40

27. هل يمكن للمؤمن أن ينحرف ويسقط؟ 41

28. ما هو بناء الإيمان في داخل نفوسنا؟ 41

29. هل يوجد أبطال الله في الإيمان عبر العصور؟ 42

30. هل عطايا رجال الإيمان واحدة للكل؟ 43

31. هل عند الله محاباة بين المؤمنين؟ 43

32. ما هي علامات الإيمان الحي؟ 43

4. الكتاب المقدس. 45

1. لماذا الكتاب المقدس؟ 45

2. لماذا الحاجة إلى دراسة الكتاب المقدس بعمقٍ؟ 46

3. هل يُنقش الكتاب المقدس في القلب النقي ويُحفظ فيه؟ 47

4. ما هي نظرة المؤمن للكتاب المقدس؟ 48

5. ما هي نظرة آباء الكنيسة للكتاب المقدس؟ 49

6. كيف يدعونا الكتاب المقدس نحن وجميع الأمم للهتاف والتسبيح؟ 53

7. ما هي غاية الكتاب المقدس؟ 55

8. كيف نتمتع بأسرار الكتاب المقدس؟ 55

9. كيف يُقَدِّم لنا الكتاب المقدس الرب الحنَّان والعادل؟ 56

10. لماذا قيل: كلمة الله دائمة إلى الأبد؟ 56

11. ما هو موضوع الكرازة؟ 56

12. ما هو موقف الهراطقة من الكتاب المقدس؟ 56

13. لماذا يتعثر البعض في العهد القديم؟ 58

14. ماذا يُقصد بالبرقع الموضوع على قلوب البعض؟ 59

15. كيف يُرفع البرقع عنا؟ 64

16. ما هو منهج التفسير بمدرسة الإسكندرية؟ 64

17. ما هو الفرق بين الرمزية والمِثاليَّة Allegory and Typology؟ 65

18. ما هو موقف الآباء بعد أوريجينوس من الرمزية والمثاليَّة؟ 66

19. ما هو تبرير القديس إكليمنضس استخدام للتفسير الرمزي؟ 67

20. ما هو تبرير أوريجينوس استخدام للتفسير الرمزي؟ 67

21. كيف يشرح أوريجينوس التفسير الرمزي؟ 68

22. ما هي نظريات القديس كيرلس السكندري بخصوص تفسير الكتاب المقدس؟ 69

5. التقليد المقدس.. 70

1. ماذا تعني كلمة "تقليد"؟ 70

2. ما هي مادة التقليد؟ 70

3. ما هو دور التقليد في العصر الرسولي؟ 71

4. ما هو ارتباط التقليد الرسولي بالإنجيل؟ 73

5. كيف حُفظ الكتاب المقدس إلى اليوم؟ 75

6. كيف حُفِظَت كلمات المسيح وأعماله؟ 76

7. ماذا يقول بابياس عن التقليد؟ 77

8. ماذا يقول القديس إيريناؤس عن التقليد؟ 77

9. كيف واجه التقليد الغنوسيين والهراطقة في القرن الثاني؟ 78

10. ماذا يقول العلامة ترتليان عن التقليد؟ 79

11. ماذا يقول القديس إكليمنضس السكندري عن التقليد؟ 81

12. ماذا يقول أوريجينوس عن التقليد؟ 81

13. ماذا يقول القديس كبريانوس عن التقليد؟ 82

14. ماذا يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص عن التقليد؟ 82

15. ماذا يقول القديس باسيليوس الكبير عن التقليد؟ 82

16. ماذا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم عن التقليد؟ 83

17. ماذا يقول القديس إبيفانيوس أسقف سلاميس عن التقليد؟ 83

18. ماذا يقول القديس أغسطينوس عن التقليد؟ 84

19. ما هي علاقة التقليد المسيحي بالتقليد اليهودي؟ 84

20. ما هما أهم مدارس التقليد عند اليهود؟ 84

21. ما هي أهم الكتب أو الأعمال الخاصة بالتقليد اليهودي؟ 85

22. ما هو موقف ربنا يسوع من التقليد اليهودي؟ 86

23. ما هو موقف الكنيسة المسيحية من التقليد اليهودي؟ 87

24. هل أخذت الحياة الكنسية شيئًا عن التقليد المقدس؟ 87

25. هل أخذت التعاليم السلوكية شيئًا عن التقليد المقدس؟ 87

26. هل أخذت العبادة الكنسية شيئًا عن التقليد المقدس؟ 88

27. هل أخذت الليتورجيات شيئًا عن التقليد المقدس؟ 88

28. هل أخذت الطقوس شيئًا عن التقليد المقدس؟ 88

29. ما هي مسئولية رجال الكهنوت والعلمانيين في حفظ التقليد المقدس واستمراره؟ 89

30. ما هو دور العلمانيين في الحفاظ على الحياة الكنسية التقليدية؟ 90

31. كيف نتمسك بالتقليد الكنسي في الحياة المعاصرة؟ 90

32. ماذا نعني بالتقليد في الحركات المسكونية الكنسية؟ 91

خاتمة 93

المحتويات. 94

 


 

مِصْرنا التي في داخلنا والسماء المفتوحة

إذ هاجرت أعداد ضخمة من الأقباط خاصة إلى أمريكا وكندا وأستراليا وأوروبا، يتساءل كثيرون من مواطني هذه البلاد عن كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، فالتهب قلبي شوقًا للبدء في تسجيل صورة مُبَسَّطة لهذا الكاتيكيزم. وفي نفس الوقت أرى استخدام اسم "الكنيسة القبطية الأرثوذكسية" لهذا العمل، ليس تعصُّبًا للكنيسة القبطية، ولا لأني أدعو أن يتخلَّى المؤمن في العالم عن جنسيته وثقافته، إنما لإبراز أن ما ورد في الكتاب المقدس عن مصر يدعو كل مؤمنٍ أن يُرَكِّز أنظاره على أعماقه الداخلية أيا كانت جنسيته، ويتَّسِع قلبه بالحب نحو كل البشر وجميع الأمم.

لقد ذُكِر اسم مصر في الكتاب المقدس بعهديه (بما فيه الأسفار الواردة في الترجمة السبعينية) حوالي 600 مرة، نذكر الآتي:

1.  فهي الدولة الوحيدة من الأمم التي التجأ إليها الطفل يسوع هربًا من وجه هيرودس (مت ٢: ١٣-١٩)، وبمباركته لها يدعو كل الأمم أن تتمتَّع ببركته.

2.  لجأ إليها إبراهيم وقت المجاعة (تك 12: 10)؛ وهكذا يفتح المؤمن قلبه المملوء بالنعمة ليجتذب الكثيرين إلى الخيرات الإلهية.

3.  دخلها يوسف كعبدٍ، فملأ مخازنها قمحًا (تك 41: 57)، والتجأ إليه الشعب كما التجأت إليه البلاد المحيطة بمصر في وقت المجاعة. هكذا إذ يلتصق المؤمن بالربّ يفتح مخازن قلبه ليتمتَّع الكثيرون بالشبع من السيد المسيح النازل من السماء.

4.  بروح النبوة قال إشعياء النبي: "هوذا الربّ راكب على سحابة سريعة وقادم إلى مصر، فترتجف أوثان مصر من وجهه ويذوب قلب مصر داخلها" (إش ١٩: ١). هكذا يسرع ربّنا إلى مصر كما على سحابة ليُقِيم من كل مؤمن مَقْدِسًا له، ويتمتَّع بالمعرفة الإلهية. "فيعرف المصريون الربّ في ذلك اليوم" (إش 19: ٢١).

5.  إذ نقرأ في إشعياء: "ويضرب الربّ مصر ضاربًا فشافيًا، "فيرجعون إلى الربّ، فيستجيب لهم ويشفيهم" (إش 19: ٢٢). نترنَّم مع مار افرآم السرياني: "مبارك هو الطبيب الذي نزل وبتر بغير ألم، شفى جراحاتنا بداءٍ غير مريرٍ، فقد أظهر ابنه دواءً يشفي الخطاة."

6.  يختم إشعياء نبوته عن مصر، قائلاً: "مبارك شعبي مصر وعمل يديّ أشور وميراثي إسرائيل" (إش ١٩: 25). لقد تحوّلت مصر التي أذلت بني إسرائيل قديمًا، وأشور التي سبت إسرائيل، لتصير الأمم كنيسة الله التي تضم مؤمني العهد القديم مع العهد الجديد كعروسٍ سماوية!

هذه السلسلة من الكاتيكيزم تخص كل مؤمنٍ أيًا كانت جنسيته ليصير إنسان الله، وابنه المحبوب، ويتسع قلبه لمحبة كل البشرية، والصلاة من أجل الجميع، حتى مضطهدي الكنيسة. إنها تدعونا للتمتع بخبرة الحياة السماوية واستقامة الإيمان، والنمو في المعرفة والسلوك في المسيح يسوع.

الآن أرجو في الربّ تقديم الكاتيكيزم في شيءٍ من الاختصار. كما أرجو من الأجيال القادمة إعادة كتابته، خاصة شبابنا في أرض المهجر بلغة تناسب ثقافة كنيسة المهجر بروح أرثوذكسية.

ملحوظة: تعريب كلمة Catechism عن الإنجليزية "كاتيكيزم" وعن الفرنسية "كاتيشيزم.

القمص تادرس يعقوب ملطي

ساوس برانزويك: أبريل 2018


 

1. (أ) الكاتيكيزم

1. ماذا تعني كلمة كاتيكيزم Catechism؟

كلمة كاتيكيزم يونانية معناها تعليم ديني مختصر يُقدم إما شفهيًا أو كتابة مبادئ وأساسيات التعليم والقيَّم المسيحية غالبًا عن طريق الأسئلة والأجوبة[1]. استخدمت هذه الكلمة باللغة اليونانية منذ العصر الرسولي (لو 1: 4؛ أع 28: 35). قدم آباء الكنيسة الأولى مقالات أو محضرات للموعوظين Catechetical Lectures، من بينهم القديسين كيرلس الأورشليمي وغريغوريوس أسقف نيصص.

2. ما هي غاية الكاتيكيزم (التعليم بالأسئلة والأجوبة)؟

أولاً: تقديم معرفة إيمانية غايتها التعرف على الله وعمله الخلاصي. وقد ميّز القديس إكليمنضس السكندري (من القرن الثاني) بين المعرفة لدى الغنوصيين الذين نادوا بأن الإنسان قادر بالمعرفة العقلانية البحتة أن يخلص، وبين المعرفة التي تقوم على تقديس العقل بالنعمة الإلهية، والتفاعل مع الإيمان للتعرف على الله والارتباط بحبه، وطلب عمل نعمته في حياتنا. وكما يقول يهوذا الرسول: "أن تجتهدوا لأجل الإيمان المُسلّم مرة للقديسين" (يه 3)، والرسول بطرس: "نائلين غاية إيمانكم خلاص النفوس" (1 بط 1: 9). يدعونا بولس الرسول للإيمان، قائلاً: "ولكن بدون إيمان لا يمكن إرضاءه، لأنه يجب أن الذي يأتي إلى الله يؤمن بأنه موجود، وأنه يجازي الذين يطلبونه" (عب 11: 6).

إذ نؤمن به ونسلمه كل حياتنا في المسيح يسوع، نختفي فيه (كو 3:3)، ونهرب من الفساد الذي في العالم بالشهوة (2 بط 1: 4). يقول الرسول: "تمموا خلاصكم بخوفٍ ورعدةٍ، لأن الله هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا من أجل مسرته" (في 2: 12). بهذا نتمتع بالحياة المقدسة، أي بالإيمان العامل بالمحبة (غل 5: 6).

ثانيًا: لا يقوم الكاتيشزم على بنود تحفظ بطريقةٍ جافة، أو تقوم على مناقشات ليس فيها روح الحب. يرى القديس يوحنا الذهبي الفم بأن ثمار أوقية من الحب أفضل من ثمار طنٍ من المناقشات. لذا أرجو أن يكون خط هذا العمل هو بث روح الحب والدعوة للعمل في حياة كل المؤمنين في العالم من الطفل الصغير حتى الكهل بروح الفرح مع التواضع. وكما يقول ابن سيراخ إن المؤمن لا يتوقف عن العمل حتى النسمة الأخيرة من حياته. "اثبت على عهدك، واهتمّ به، وابلغ الشيخوخة في عملك" (سي 11: 18).

ثالثًا: أرجو من الشباب خاصة في أرض المهجر إعادة كتابة هذا العمل بأسلوب يناسب كل الأعمار، طالبين عمل روح الله القدوس فيهم وفينا.

رابعًا: أرجو أن يفتح هذا العمل مجالاً لوضع برامج التربية الكنسية للاستفادة العامة لكل أفراد الكنيسة.

خامسًا: إبراز غنى الحياة الكنسية وإمكانياتها في المسيح يسوع والتطلع إلى المستقبل بروح الرجاء ما دمنا تحت قيادة روح الله القدوس، وربط التعليم بروح الأبوة أو الأخوة التي يختبرها الجميع بلقائهم مع الله محب البشر.

سادسًا: التمتع بالروح الناري الذي لا يعرف الركود أو الخمول بل الانطلاق من مجدٍ إلى مجدٍ (٢ كو 3: 18)، مع التجديد المستمر والنمو في المعرفة الحقيقية.

سابعًا: بث روح الكرازة والشهادة لعمل الثالوث القدوس في كل مؤمنٍ، أيًا كان عمره أو ثقافته، وذلك بروح الحكمة والتمييز.

ثامنًا: تأكيد أن التعليم والعبادة والكرازة والخدمة بكل أشكالها تمثل أوتارًا متباينة لتُصدر سيمفونية حب يُسرّ الله بها وتُبهج السمائيين والقديسين الذين رحلوا من هذا العالم مع عضويتهم في كنيسة المسيح الواحدة.

تاسعًا: إدراك أن الالتزام بالتقليد (التسليم) لا يعني الجمود والسقوط تحت عبودية الحرف بلا روح.

عاشرًا: التلامس مع عمل الثالوث القدوس في كل حياتنا، وإدراك الحضور الإلهي حتى في أحلامنا التي تبدو أنها بغير إرادتنا.


 

1. (ب) الكاتيكيزم القبطي عبر العصور

3. كيف حافظت الكنيسة عل استقامة الإيمان عبر العصور؟

كثيرًا ما اشتقت أن أقدم الكاتيكيزم Catechism القبطي الأرثوذكسي للكشف عن المفاهيم المسيحية في شيءٍ من الاختصار، خاصة وأن كنيستنا لظروف كنسية وسياسية صارت منذ القرن الخامس الميلادي في عزلة عن كنائس الغرب، وبقيت إلى حد كبير هكذا، حتى القرن العشرين حيث اتهمها الكثيرون في الغرب بالأوطاخية، ولم يكن لدى الكنيسة القبطية الفرصة للكشف عن تعاليمها خلال كتابات آبائها وليتورجياتها. وبالرغم من شركتها في كثير من المؤتمرات اللاهوتية الدولية في السنوات الأخيرة وتأكيدها أنها تقاوم الأوطاخية كسائر الكتابات، لازالت حتى بعض القواميس تنسب لها هذه الهرطقة التي هي بريئة منها تمامًا، بل وتقاومها بشدةٍ خلال ليتورجياتها وتسابيحها.

في الحوار خاصة مع الكنائس الأرثوذكسية الخلقيدونية فوجئ اللاهوتيون بليتورجياتنا وتسابيحنا التي نتمتع بها حتى اليوم ليس فيها أية لمسة أوطاخية، بل تقاومها بطريقة إيجابية وبأسلوبٍ مسيحي رائع، خاصة في الثيؤتوكيات اليومية والتي يُسبح بها في الأعياد. يرى بعض اللاهوتيين أنها تتناغم مع فكر القديس كيرلس، إن لم يكن هو واضعها.

سألني أحد اللاهوتيين اليونانيين هل نحن نستخدم تعبير ثيؤتوكوس عن القديسة مريم، ودُهش عندما عرف أنها اللقب المحبوب في كتابات الأقباط عبر كل العصور.

4. ما هي مراحل الكاتيكيزم القبطي عبر العصور؟

يليق بنا أن نسجل الظروف التي عاشت فيها الكنيسة القبطية منذ نشأتها حتى العصر الحالي لإدراك حقيقة تعليمها الكنسي، ولكي ننتفع من خبرتها الطويلة خلال الواحد وعشرين قرنًا.

لم يفارق الاضطهاد الكنيسة القبطية منذ نشأتها في منتصف القرن الأول حتى هذا القرن الحالي. لقد تعجبت مدام بوتشر أستاذة التاريخ بجامعة أكسفورد، إذ قالت إن بقاء الأقباط إلى يومنا هذا يُعتبر أحد عجائب الدنيا.

تطلع إشعياء النبي في القرن الثامن ق.م. إلى كنيسة الأقباط، وسجل بروح النبوة أروع صورة لنشأتها.

لقد عانت الكنيسة الكثير من الاضطهادات حتى من المسيحيين أنفسهم حين كان يضطهدها إمبراطور القسطنطينية ويعين لها بطريركا ويعطيه السلطان كوالٍ لا يكف عن ممارسة الاضطهاد حتى على الرهبان في الأديرة والصحاري ليوقعوا على طومس لاون.

حقًا إننا نشكر الله الذي سمح لمصرنا التي تنبأ عنها إشعياء النبي أن تمر بفترات تبدو غاية في المرارة ولمدد طويلة، لكنها قدمت لنا الفرص أن نسبح المصلوب قائلين مع الرسول: "مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيّ" (غل 2: 20).

لقد قدّم لي أحد الأحباء خطابًا أرسله شخص إلى بعض الشركات والأشخاص القادرين بأمريكا، جاء فيه أنه يطلب المساهمة في العمل الكرازي الذي سيقوم به في زيارته إلى مصر، وحسب نفسه أنه سيقدم المسيح للأقباط الذين قدموا شهداء لكن كنيستهم ميّتة لا تعرف المسيح (في نظره)! لسنا ندافع عن كنيستنا، فيوم الرب ليس ببعيدٍ لنرى أفواج الشهداء البسطاء والرعاة واللاهوتيين الأتقياء كعروسٍ سماوية تجلس عن يمين ملك الملوك!

إن الضيق الذي حلً على الكنيسة عبر العصور ساهم في إبراز الإيمان الحيّ والتعاليم المستقيمة وعمل الثالوث القدوس في الكنيسة دون انحراف نحو أمجاد العالم والانشغال بالسياسات الزمنية، بل التركيز على انتظار مجيء الرب على السحاب.

المرحلة الأولى: الكاتيكيزم في العصر الرسولي

1. الحدث الرئيسي في القرن الأول هو كرازة الإنجيلي مرقس الرسول في مصر التي باركها ربنا يسوع والتجأ إليها من وجه هيرودس (مت 2: 13). قام القديس مرقس الرسول بسيامة أنيانوس أسقفًا على الإسكندرية. كان ما يشغل قلب الكنيسة الكرازة بإنجيل الخلاص، والكشف عن الحب الإلهي لكل بني البشر، وليس لشعبٍ معينٍ وحده.

بدأت المسيحية في مصر بحركة بسيطة لكنها عميقة للغاية[2]. فقد صرخ إنيانوس الإسكافي: "يا الله الواحد"، عندما اخترق المخراز يده وهو يُصلح حذاء القديس مرقس. أبرأ القديس مرقس الرسول يده باسم ربنا يسوع المسيح. بهذا شهد لله الواحد الذي آمن به إنيانوس دون أن يعرفه. وتحدث معه القديس مرقس عن الله الذي يشفي ليس فقط أجسادنا بل وطبيعتنا البشرية بيسوع المسيح، كلمته المتجسد، واعتنق إنيانوس المسيحية، وسامه مار مرقس أول أسقف للإسكندرية.

يليق بنا هنا أن نلاحظ أمرين:

‌أ.    لم يهاجم القديس مرقس الديانة المصرية الوثنية آنذاك، لكنه على العكس استخدم كلمات إنيانوس: "يا الله الواحد" كنقطة بداية للكرازة بالحق الإنجيلي. وموقفه هذا يشبه ما صنعه بولس الرسول في أثينا، إذ قال: "فالذي تتقونه وأنتم تجهلونه، هذا أنا أنادي لكم به" (أع 23:17)، كما قال: "لأننا به نحيا ونتحرك ونوجد كما قال بعض شعرائكم أيضًا لأننا أيضًا ذريته" (أع 28:17.( وقد سار آباء الإسكندرية على نفس خطوات القديس مرقس، فكرزوا بالحق الإنجيلي غير المتغير للمصريين ولأصحاب الثقافة الهيلينية )اليونانية) بالإسكندرية؛ فكانوا يتحدثون ببساطةٍ للبسطاء، وبلغة الفلسفة للفلاسفة.

‌ب. استخدم القديس مرقس حادثة شفاء جرح إنيانوس باسم المسيح يسوع كنقطة بداية ليكرز بالإنجيل. هكذا لم يظهر الله كفكرة مجردة يعتقد بها الإنسان، وإنما يعلن عنه كمخلصٍ يشفي البشرية كلها ويخلصها. هذا هو المبدأ الأساسي للاهوت السكندري حتى يومنا هذا، فهو لاهوت خلاصي soteriology. إننا نعرف الله ليس من خلال مناقشات نظرية جافة، وإنما من خلال أعماله الخلاصية، حيث يهبنا المعرفة الجديدة والحياة الجديدة والخلود.

بذر بحق القديس مرقس في تربتنا اللاهوتية البذرة التي أنتجت ثمارًا على مرّ العصور، إحدى هذه الثمار العلاقة الوثيقة بين المعرفة اللاهوتية والخلاص العملي. فالله يمنحنا المعرفة، ولكن ليس بمعزلٍ عن الخلاص، يظهر هذا الفكر بوضوح في لاهوتيات القديس إكليمنضس السكندري الذي يقدم لنا يسوع المسيح كمعلمٍ إلهي Paedagogus وكطبيبٍ، قائلاً عنه: [الطبيب الواهب الشفاء الكلي للبشرية جمعاء[3].] بمعنى آخر المعرفة الإلهية عند القديس إكليمنضس لا تنفصل عن خلاصنا، وقد كتب بصراحةٍ هكذا: [إنها مشيئة الله أن نبلغ معرفة الله، التي هي سبيلنا للخلود[4].] كما كتب: [صار الكلمة إنسانًا لكي تتعلموا كيف يصير الإنسان إلهًا.[5]] بهذا ندرك لماذا لم يتحدث معنا كلمة الله المتجسد بألفاظ لاهوتية، ولم يضع لنا صيغة إيمان ثالوثي، إنما في بساطة أعلن لنا عن الثالوث القدوس خلال أعماله الخلاصية.

2. إذ كانت مدرسة الإسكندرية الفلسفية التي أنشأها بطليموس قائمة، مع تأسيس أكبر مكتبة في الشرق، ووجود مدارس يهودية، كان لزامًا أن تُؤسس مدرسة الإسكندرية المسيحية. يرى القديس چيروم أن القديس مار مرقس هو مؤسسها[6]، ويعتبرها كثير من الدارسين أول مدرسة مسيحية في العالم.

المرحلة الثانية: ازدهار مدرسة الإسكندرية في القرن الثاني

تكشف كتابات العلامة أثيناغوراس والقديسين بنتينوس وإكليمنضس والعلامة أوريجينوس عمداء مدرسة الإسكندرية في القرن الثاني عما كان يشغل برنامج المدرسة وتعاليمها وهي:

1.    الاهتمام بتفسير كلمة الله، فقد قام بنتينوس بتفسير الكتاب المقدس كله، وإن كان لم يصلنا منه إلاَّ بعض المقتطفات القليلة.

ويُعتبر العلامة أوريجينوس أمير شرَّاح الكتاب المقدس، وهو يقسم طرق التفسير إلى:

أ‌. التفسير الرمزي، وقد بالغ فيه حتى حسب كل كلمة في الكتاب المقدس لها تفسيرها الرمزي.

ب‌. التفسير الأخلاقي، حيث يقودنا الكتاب المقدس إلى السلوك في المسيح يسوع.

ت‌. التفسير الحرفي أو التاريخي.

وإني أرجو الحديث عن هذه المناهج الثلاثة للتفسير، وخطورة المبالغة في أي منهج منها.

2.  التماس (أثيناغوراس) عن المسيحيين، حيث قام بالدفاع عن الاتهامات الموجهة ضد المسيحيين. في دفاعه أبرز سمو الإيمان المسيحي، وكأنه حسب دفاعه فرصة للكرازة للإمبراطور مرقس أوريليوس أنطونيوس (١٦١-١٨٠م) وشريكه في الحكم ابنه كومودوس Commodus.

3.  في مقاله عن "قيامة الموتى" استخدم براهين فلسفية، لأنه موجّه للفلاسفة الذين يرفضون قيامة الأجساد.

هذا وتكشف الكتابات الرئيسية للقديس إكليمنضس السكندري عن منهج المدرسة:

أ‌.    "نصح لليونانيين" Protrepticus: حيث يدعو اللوغوس "كلمة الله" البشرية للخلاص من براثن الوثنية خلال الإيمان. هنا يبرز شخص السيد المسيح أنه المخلّص وهو "الهادي".

ب‌. المعلم أو المربي Paedagogus. يحث السيد المسيح المؤمنين على الحياة الأفضل، بكونه المرشد السماوي، والقائد إلى السماويات.

ت‌. المتفرقات Stromata أو المتنوعات. لم يكمل هذا العمل، لكنه يؤكد أن الفيلسوف المسيحي يجد كل الكفاية لاحتياجاته في الإنجيل. يُعتبر القديس إكليمنضس أول من قام بتزويج الفلسفة بالإيمان. ففي نظره إن كان الله قد سلم اليهود الشريعة لتقودهم إلى المخلّص، فقد وهب ما هو حق في الفلسفة لكي تقود الأمم إلى المخلّص.

بهذا يكشف لنا القديس عن المنهج المسيحي للكرازة. إننا لا نهاجم الآخرين، وإنما بالحب مع الحكمة نطلب من الله أن يرشدنا كيف نقدم كلمته القادرة أن تُشبع النفوس وتسمو بالنفوس لتختبر عربون السماويات.

المرحلة الثالثة: آباء الإسكندرية وعصر المجامع المسكونية

من يدرس المجامع المسكونية الأولى، يلتقي برجال الفكر المسيحي الإسكندري كأبطال إيمان وقادة فكر على مستوى مسكوني. لقد كان لمدرسة الإسكندرية دورها الإيجابي يسند قادة كنيسة الإسكندرية بل والغيورين من الشعب في الاهتمام باستقامة الإيمان والشهادة لإنجيل المسيح كلما حانت لهم الفرصة. لم يشغل كنيسة الإسكندرية الخوض في السياسة الزمنية. لأن الإسكندرية عاشت خاضعة للدولة الرومانية تحكمها روما، ثم بيزنطة فيما بعد، حتى دخول العرب مصر، إنما يسندهم مركزهم الروحي التقوي اللاهوتي والإنجيلي، فكانت مدرسة الإسكندرية بما تحمله من قوة الروح ومن الفكر اللاهوتي العميق والدراسات الكتابية سرّ قوة آباء الإسكندرية.

لم يطمع آباء الإسكندرية في مراكز قيادية لأغراض شخصية، إنما اتساع قلبهم بالحب الإلهي وعمق دراساتهم جذبت الكثيرين إلى مدرسة الإسكندرية وإلى برية مصر، يرتوون بلاهوتياتها ويتدربون على الحياة النسكية على أيدي رهبان مصر. هذا بجانب ما اتسم به الأقباط منذ فجر المسيحية بالغيرة على الإيمان المستقيم، فكان لهم دورهم الإيجابي لعلاج الكثير من المشاكل اللاهوتية في الشرق كما في الغرب. لم يُقحموا أنفسهم في مشاكل كنائس أخرى، ولا تطفلوا عليهم، إنما بروح الحب والوحدة وخلال علاقات الأخوة الصادقة كانوا يُستدعون لحل هذه المشاكل أو يُطلب إليهم خلال رسائل متبادلة[7].

عندما قبل الأباطرة الإيمان المسيحي، وهدأت موجات الاضطهاد المتوالية وجد الهراطقة مجالات متسعة لنشر أفكار مضادة للإيمان، خاصة أريوس ونسطور وأوطيخا وأبوليناريوس الخ. وكان لا بد لآباء الإسكندرية أن يكون لهم دورهم الإيجابي في محاولة رد الهراطقة بطول أناة، لكن ليس على حساب الإيمان الكنسي الإنجيلي. لهذا ساهمت كنيسة الإسكندرية في المجامع المسكونية الثلاثة.

أ. المجمع المسكوني الأول بنيقية سنة 325م حيث قاومت الكراسي الأربع أورشليم وأنطاكية وروما والإسكندرية بدعة أريوس، الذي أنكر لاهوت السيد المسيح. وقد وضع المجمع قانون الإيمان الذي يدعوه أغلب الدارسين "قانون الإيمان الأثناسيوسي"، نسبة إلى البابا أثناسيوس الرسولي السكندري. أغلب الكاتيكيزم التي ظهرت حديثًا أبرزت هذا القانون وشرحته باختصار لعامة الشعب وللجيل الجديد كما للدارسين.

[لقد قدّرت كنيسة الإسكندرية ومنذ وقت مبكر جدًا، قيمة إسهامات القديس أثناسيوس اللاهوتية في تحديد وصياغة مضمون الإيمان والمحافظة على التقليد الرسولي الذي استلمته الكنيسة من تلاميذ الرب نفسه، بل وترتيبه ”للمعرفة الرسولية” كما يذكر القديس كيرلس الإسكندري عنه[8]. ولقد وضح هذا التقدير لبابا الإسكندرية العشرين في أن الكنيسة قد لقبته في نصوصها الليتورجية “بالرسولي”[9].]

لقد سبق لي الحديث عن البابا أثناسيوس والأريوسية، وشهادة الكتَّاب الغربين له[10].

ب. المجمع المسكوني الثاني بالقسطنطينية عام 381م. اهتم المجمع ببحث هرطقة مقدونيوس بطريرك القسطنطينية الذي اعتقد بأن الروح القدس مخلوق. كما نظر المجمع في هرطقة أبوليناريوس الذي في دفاعه عن لاهوت المسيح اعتقد أن الكلمة أخذ جسدًا بدون نفس بشرية. لقد ظن أن النفس البشرية لها إرادة بشرية فيكون السيد المسيح بإرادتين: إرادة اللاهوت وإرادة الناسوت، وبذلك يكون شخصين. اشترك في المجمع تيموثاوس بابا الإسكندرية مع نكتاريوس بطريرك القسطنطينية وغريغوريوس الثاؤلوغوس وغريغوريوس أسقف نيصص. ذكر المؤرخ Sozomen أن عدد الأساقفة المشتركين نحو 150 أسقفًا، برئاسة تيموثاوس أسقف كرسي الإسكندرية[11].

ج. مجمع المسكوني الثالث بأفسس[12]: انعقد في عام 431م تحت رئاسة كيرلس الإسكندري، اشترك فيه مائتا أسقف لمحاكمة نسطور الذي استخدم عبارة خريستوتوكوس عن السيدة العذراء وميَّز بين الإنسان يسوع المولود من مريم وابن الله الساكن فيه، فهو يرى أنه يوجد شخصان متمايزان في المسيح: ابن مريم وابن الله. اتحدا ليس أقنوميًّا بل على مستوى أخلاقي. لذلك لا يُدعى المسيح الله بل "ثيؤفورون" أي "حامل الله". وذلك كما يمكن أن يُسمى القديسون من أجل عمل النعمة الإلهية فيهم. وبالتالي فإن مريم ليست والدة الإله، بل والدة الإنسان يسوع الذي سكنه اللاهوت. انتقد نسطور وأتباعه المجوس لسجودهم للطفل يسوع، كما نادوا بأن اللاهوت انفصل عنه لحظة الصلب.

ما هو أثر المجامع الثلاثة على كاتشيزم الكراسي المسيحية أو الكنيسة الجامعة؟

جميع الكنائس الرسولية، سواء الأرثوذكسية الخلقيدونية، أو غير الخلقيدونية أو الكنيسة الكاثوليكية بروما تعتبر أن هذه المجامع الثلاثة المسكونية لها الفضل في إيضاح الإيمان خاصة الثالوث القدوس والرد على كثير من الهرطقات التي ظهرت في هذه الفترة. ومع وجود بعض الخلافات البسيطة للغاية في التعبير، غير أن هذه المجامع ناقشت بروح الحب مع الغيرة المقدسة على الإيمان.

أما بالنسبة لمجمع خلقيدونية في عام 451م، فتعتبر بعض الكنائس الرسولية أنه لم يأتِ بجديدٍ، إنما هو شرح وتوضيح لما جاءت به المجامع الثلاثة الأولى. جاء حوارنا غير الرسمي والرسمي مع الكنائس الرسولية الأرثوذكسية الخلقيدونية والكنيسة الكاثوليكية في أواخر القرن العشرين بانفتاح. وأدرك الكل أننا لسنا أوطاخيين كما كانوا يظنون، أي لسنا ننادي بأن الناسوت تلاشى باللاهوت.

لقد وصلنا إلى نتائج إيجابية مع إخوتنا الأرثوذكس الخلقيدونيين.

أذكر على سبيل المثال في أول اجتماع رسمي بين العائلتين رفض الخلقيدونيين دعوتنا "أرثوذكس"، وكانوا مصممين على دعوتنا كنائس شرقية قديمة. وبعد حوارٍ مملوء حبًا حدث الآتي:

أولا: بعد عدة سنوات في لقاء مع أحد اللاهوتيين اليونانيين، قلت له: هل تذكر يوم رفضتم دعوتنا أرثوذكس؟ فابتسم وقال: إننا نشعر في وحدة معكم ربما أكثر من الوحدة التي بيننا نحن الأرثوذكس الخلقيدونيين فيما بيننا.

ثانيًا: إن أحد الأحباء وهو كاهن مشهور قام بالإشراف على الدكتوراه لبعض الأقباط بإنجلترا، كان يقوم بالرد على كل من يتهم القديس ديسقورس بالهرطقة، وكان يقول: لديَّ محاضر مجمع خلقيدونية باللغة اليونانية، وهي تشهد بأنه لم يُتهم هذا القديس ديسقورس بالهرطقة، بل كان اتهامه بأنه أهان بابا روما.

ثالثًا: عندما انفتحت العائلتان الأرثوذكسيتان بروح الحب المتبادل، كان عند دخول هذا الأب، يهمس البعض من الخلقيدونيين لقد جاء المدافع عن الكنيسة القبطية.

رابعًا: أذكر بروح الحب أنه بعد انعقاد إحدى الجلسات للعائلتين، عاد الأستاذ الدكتور فيداس اليوناني إلى الجامعة باليونان وطلب أن يقف تلاميذه الأقباط، وقال أمام جميع الطلبة إنني فخور بالأقباط وأُسرّ أن يدرسوا معنا، وأن لهم مكانة خاصة عندي.

 لقد عشنا في الجلسات الأخيرة أو الحلقات الأخيرة نشعر بروح الحب والوحدة، وأقيمت حلقات لدراسة الوحدة في الطريق العملي وفي الجانب الرعوي. وإن كنت لم أشترك فيها لأن ما كان يشغلني أولاً وحدة الإيمان والعقيدة والتعليم.

رابعًا: مجمع خلقيدونية والكاتيكيزم القبطي

في المنتصف الثاني من القرن العشرين، إذ وهب الله الكثيرين محبة الوحدة الكنسية على أساس المحبة الصادقة واستقامة التعليم، قام بعض الدارسين من الفريق الخلقيدوني والفريق غير الخلقيدوني بدراسة محاضر جلسات مجمع خلقيدونية. وفي اشتياقنا إلى المحبة المخلصة في المسيح يسوع مع التمسك باستقامة الإيمان لا نريد الحديث عن موقف بابا روما من بابا الإسكندرية، إذ كان الأخير في كل المجامع الثلاثة الأولى له دوره وتقديره حتى عند الأباطرة، بينما بابا روما كان يكتفي بإرسال مندوبين عنه، وأحيانُا لم يرسل أحدًا، ومع ذلك يعتز كرسي روما بالثلاثة المجامع المسكونية الأولى.

الحوار بين الكنائس دعاني لإبراز الفكر اللاهوتي، وقمت بنشر مقالات وكتب عن هذا الفكر، بالإنجليزية والعربية، منها:

1.  الطبيعة والأقنوم عند آباء الكنيسة الأولى.

2.  طبيعة المسيح Christology.

3.  تخصيص فصل عن القديس ديسقورس في كتاب: "الكنيسة القبطية كنيسة علم ولاهوت".

هذا وقد قام اللاهوتي الهندي[13] بنشر رسالة الدكتوراه الخاصة بإعادة تقييم مجمع خلقيدونية بالإنجليزية وتُرجمت إلى العربية. هذا وقد اقتبست مقتطفات لبعض الدارسين من رجال الكنيسة الأرثوذكسية الخلقيدونية، ورجال الكنيسة الغربية يشيدون بأن بعض عبارات واردة في طومس لاون يمكن أن تفسر بأنها تحمل ميول نسطورية إن أُخذت بمفردها.

ما يشغلني هنا ليس الدفاع عما تحملته الكنيسة القبطية والسريانية من اضطهاد مُر بتسليم كنائسنا للبطريرك الملكي الذي كان يُفرض علينا ويُعطى سلطان مدني لمقاومة المؤمنين تصل إلى قتل الكثيرين، إنما أكتفي بتقديم تصحيح ما أُتهم به القديس ديسقورس في اختصارٍ شديدٍ[14].

القديس ديسقورس وأوطيخا: كان أوطيخا أرشمندريت ورئيس دير بالقسطنطينية، وكان يعيش تحت قيادته حوالي 300 راهبًا. وهو ناسك شيخ، وُهب البلاغة لكنه لم يكن لاهوتيًا حقيقيًا. لعب دورًا خطيرًا في الانشقاق الكنسي في القرن الخامس. كان لأوطيخا شهرة فائقة في كرسي القسطنطينية، وفي الأوساط الديرية، وفي البلاط الإمبراطوري، وعلى مستوى الشعب. هذا يرجع إلى ذكائه وبلاغته مع حياته النسكية وعلاقته الوطيدة بالقصر الإمبراطوري، خاصة خلال قريبه خريسافيوس كبير الحجاب.

في الواقع لم يكن أوطيخا يمثل اللاهوت الإسكندري أو الأنطاكي، إنما غيرته الشديدة ضد النسطورية التي كانت قد انتشرت في تلك المنطقة ودفاعه عن الصيغة الإسكندرية قادته إلى هرطقة أخرى، إذ أخطأ بقوله وجود طبيعتين قبل الاتحاد، ولكن طبيعة واحدة فقط بعده، لأن الطبيعة الإلهية قد ابتلعت الناسوتية، وفُقدت الأخيرة تمامًا.

ليس بالصعب على أي دارس أن يكتشف شخصية أوطيخا ولاهوتياته من مجرد قراءة إجاباته أثناء مناقشته في مجمعيّ أفسس سنة 448، 449م. لم يكن بالشخص اللاهوتي، ولا مُدركًا لنظام اللاهوت الإسكندري، إنما تارة يستخدم عبارات أرثوذكسية تضاد أفكاره الرئيسية. ربما لأنه كان متزعزعًا في معرفته اللاهوتية، أو عن خداع، أو ربما لحذره لئلا يفقد شهرته أو مركزه أو كهنوته.

التجاء أوطيخا إلى الإمبراطور والأساقفة: كتب لاون أسقف روما إلى أوطيخا يمتدحه على غيرته في الدفاع ضد الثنائية النسطورية، وفي نفس الوقت كتب إلى فلافيانوس يطلب منه الترفق بأوطيخا. لكنه غيَّر رأيه ربما عندما سمع أن الإمبراطور كتب إلى القديس ديسقورس بابا الإسكندرية يدعوه إلى عقد مجمع لمناقشة الأمر. لاون الذي لم تكن لديه معرفة صادقة لطبيعة الصراع بين لاهوت الإسكندرية ولاهوت إنطاكية أرسل طومسه (رسالة) إلى القسطنطينية في 13 يونيو 449م، لا من أجل مصالحة الطرفين، وإنما بغية تشويه اللاهوتيين الإسكندريين.

مجمع أفسس الثاني لسنة 449م: إذ اقتنع الإمبراطور ثيؤدوسيوس الثاني بعقد مجمع طلب من ديسقورس أن يمارس سلطته في المجمع كرئيس، وطلب من يوبيناليوس أسقف أورشليم وتلاسيوس أسقف قيصرية كبادوكية أن يكونا رئيسين شريكين معه.

لم ينطق القديس ديسقورس حتى اللحظة الأخيرة من انعقاد المجمع بكلمة ضد روما، بينما لاون في رسائله يشير إلى بطريركنا بأنه "السفاح المصري" و"معلم أخطاء الشيطان" والباذل بقوة جهده لبث التجاديف وسط إخوته. وسنرى كيف أن أناطوليوس أسقف القسطنطينية وغيره قد رفضوا نَسْب الهرطقة للبابا الإسكندري.

اعتاد بعض الدارسين أن ينسبوا العنف إلى لاهوتي الإسكندرية وآبائها، حتى بالنسبة للقديسين أثناسيوس وكيرلس.

القديس ديسقورس ومجمع خلقيدونية: بالرغم من الاعتقاد بأن مجمع خلقيدونية عُقد لإدانة أوطيخا، فقد كان في الواقع موجهًا ضد البابا ديسقورس الإسكندري، وليس ضد الراهب الشيخ، إذ كان أوطيخا غير حاضر في المجمع وكان قد نفي في شمال سوريا قبل عقد المجمع.

في الواقع أدين ديسقورس لا لهرطقة عقيدية، وإنما لظروف سياسية لعبت الدور الرئيسي في المجمع.

يقول الأستاذ اليوناني الأب رومانيدس: [لقد حُسب ديسقورس أرثوذكسيًا تمامًا في إيمانه في نظر بعض الآباء القادة في مجمع خلقيدون مثل أولئك الذين مثّلوا أناتوليوس بطريرك القسطنطينية.]

ويقول الأب ميثوديوس مطران أكسيوم: [المعلومات التي لدينا لا تصور ديسقورس كهرطوقى، فمن المعلومات التي بين أيدينا واضح أنه كان إنسانًا صالحًا، بل والأسقف لاون نفسه حاول أن يكسبه إلى جانبه... هكذا في خطاب بعث به الإمبراطور ثيؤدوسيوس إلى ديسقورس دعاه فيه إنسانًا تشع منه نعمة الله، وديعًا، أرثوذكسي الإيمان.

في أثناء المجمع أعلن ديسقورس إيمانه مرات عديدة، ولم يُدن بأنه هرطوقي، وإنما لأنه رفض رئيس الأساقفة لاون في الشركة، ولأنه امتنع عن حضور المجمع رغم دعوته ثلاث مرات.

الأدلة كافية للكشف عن أسباب أخرى لإدانة ديسقورس. فإن روما كانت في ضجر بسبب الحيوية غير الطبيعية لكنيسة الإسكندرية وبطريركها النشيط.]

صادق الملك على قرار المجمع وأصدر أمره بنفي البابا ديسقورس إلى جزيرة غاغرا بآسيا الصغرى. وبقي في منفاه مدة خمس سنوات صرفها في هداية الضالين وشفاء المرضى، وانتقل إلى عالم المجد سنة 457م.

ما هي نتائج مجمع خلقيدونية على كاتيكيزم الكنيسة؟

1.  قيام لاهوتيين عظماء مثل مار فيلوكسينوس والبابا تيموثاوس والبطريرك المعلم العظيم القديس سويرس الأنطاكي حافظوا على استقامة الإيمان، وقال عنهم الأب ميندورف إنه لم يوجد لاهوتي في الجانب الخلقيدوني يقف أمامهم.

2.  بسبب هذا المجمع حُرمت أنطاكية من رعاية بطريركها القديس سويرس الذي هرب إلى مصر متخفيًا لمدة 20 عامًا. كما اضطر البابا بنيامين إلى الهروب من الإسكندرية حتى دخل العرب مصر، وأرسلوا إليه رسالة أمان كي يرجع إلى كرسيه.

3.  الاضطهاد المُرّ الذي حلّ على كنيسة الإسكندرية على يد إخوتهم المسيحيين حرّم الشعب والخدام ورجال الكهنوت إلى حدٍ ما من العمل الإيجابي في الرعاية والتعليم بالرغم من بذلهم كل الجهد للخدمة حتى وهم هاربون من اضطهاد إخوتهم لهم. وكان الملكيون يقتفون آثار حتى الرهبان في الأديرة والمتوحدين لاستخدام كل وسائل العنف ضدهم.

المرحلة الخامسة: من القرن السابع حتى التاسع

كان دور الحكومات الإسلامية المختلفة، خاصة المتطرفة استخدام العنف في طرد الأقباط من المراكز الحكومية ومصادرة ممتلكات الأقباط، والالتزام بالتكلم باللغة العربية ومقاومة استخدام أية لغة أخرى في الحديث والكتابة. وأيضًا القيام بأعمال الإبادة وعزل الأقباط عن العالم الخارجي، حتى صار بقاء الأقباط إلى يومنا هذا إحدى معجزات الدنيا كما قالت مدام Bucher بجامعة أكسفورد.

هذه الظروف دفعت على الحفاظ على العقائد والتقليد والطقوس دون أي انحراف.

المرحلة السادسة: من القرن العاشر حتى الخامس عشر

في القرن العاشر الميلادي لأول مرة ظهرت الكتابات العربية للأقباط على يد الأنبا ساويروس بن المقفع أسقف الأشمونين، نجد أن كتابًا بعنوان: ”الدر الثمين في إيضاح الاعتقاد في الدين” يُنسب في بعض المخطوطات لابن المقفع وفى البعض الآخر للأسقف بولس البوشي (ق 13) والذى تأثرت كتاباته بالقديس أثناسيوس، ويشمل هذا الكتاب 15 فصلاً عن عقيدة الكنيسة ويستشهد كاتبه بالكتاب المقدس وأقوال الآباء لإيضاح موضوعات الثالوث القدوس والتجسد والروح القدس. ورد فيه اسم أثناسيوس الرسولي 16 مرة مع نصوص له. ولأهمية هذا الكتاب العقائدي القيّم نُسخت منه عدة مخطوطات بلغت 31 مخطوطًا وانتشرت في مكتبات العالم في الشرق والغرب.

يُعتبر القرن الثالث عشر الميلادي العصر الذهبي للأدب العربي المسيحي للأقباط، فقد ظهر في هذا القرن عدد من الكُتّاب يفوق العدد الذي ظهر في القرون السابقة والقرنيين اللاحقين. ويرجع هذا إلى حالة الهدوء والاستقرار والسلام الذي عاشته الكنيسة في العصر المتأخر للدولة الأيوبية (1171-1250) حيث أتيحت حرية التعبير وكثرت مجالات الحوار سواء على مستوى السياسي أو الديني.

من أهم الكتّاب الأقباط الذين ساهموا بكتاباتهم المختلفة في تكوين وإثراء التراث العربي المسيحي هو الأسقف بولس البوشي كان مرشحاً للكرسي البطريركي بعد نياحة الأنبا يوأنس السادس البطريرك 74 (1189-1216م). له عدة مؤلفات جيدة في تفسير الكتاب المقدس والعقيدة والدفاع عن المسيحية وفي أمور كنسٌية ورعوية[15].

لعل من أشهر الأحداث في هذه المرحلة الحروب الصليبية (ما بين القرن الحادي عشر والثالث عشر). للأسف ظن كثير من المسلمين أن الأقباط يناصرون الأوربيين في حملاتهم الصليبية، وفي نفس الوقت أخذ الصليبيون موقف العداء من الأقباط بكونهم مصريين.

المرحلة السابعة: من القرن السادس عشر إلى القرن العشرين

لعل من أشهر الأحداث في هذه المرحلة الآتي:

1. الحملة الفرنسية على مصر والاستعمار البريطاني: مع قصر مدة الحملة الفرنسية (إذ دامت ثلاث سنوات و18 يومًا)، قدمت للمسلمين والمسيحيين صورة معثرة للمسيحية. لم يأتمن المسلمون نابليون بونابرت وشعروا أنه يود أنه يخدعهم حين بعث إليهم برسالة يؤكد لهم فيها أنه قادم للدفاع عن الإسلام، كما ارتدى ملابس عربية وكان بكل جسمه يهتز وهو يردد التواشيح. أما كليبر فجحد مسيحه ليتزوج فتاة مسلمة!

وكان الغرض الأول من الحملة كما قال بونابرت “كسر شوكة الإنجليز في الشرق”.

يرى البعض[16] أن لهذه الحملة الأثر في تكوين مصر الحديثة. فقد أنشأ نابليون بونابرت دواوين أو مجالس مؤلفة من كبار العلماء والتجار وممثلي الطوائف للنظر في الشئون العامة، وكان بونابرت أول من أدخل النظام النيابي في مصر.

وقد عمل الفرنسيون على تحسين العاصمة، فأنشأوا طرقًا واسعة منتظمة في المدينة وغرسوا الأشجار على جانبي الطرق، وأرغموا السكان على الإضاءة ليلاً، وردموا بركة الأزبكية وحرموا الدفن في جباناتها، فأصدروا منشورا يقضي بدفن الموتى في أماكن بعيدة عن المدينة اتباعًا لأصول الصحة.

أتى نابليون إلى مصر بوفود من العلماء والمفكرين للتنقيب عن آثارها والوقوف على أسرار طبيعتها المجهولة، لقد أيقظ المصريين في هذا المجال، إذ حدثت هزة عنيفة في البلاد تمخضت عنها الفكرة الاستقلالية التي ظهرت ملامحها في عصر محمد على وتجلت في عصر إسماعيل باشا.

بالنسبة للاستعمار البريطاني، فقد وُجدت شخصيات قبطية تبذل كل الجهد لإبراز وطنية الأقباط.

أما عن أثر الحملتين على كاتيكيزم الكنيسة القبطية، فقد نشأت المدارس الفرنسية والبريطانية، وكان من أثرهما أن صارت بعض العائلات الغنية من الأقباط والمسلمين تتحدث الفرنسية وتجيدها عن العربية، كما اهتمت المدارس الحكومية بتدريس اللغة الإنجليزية في المرحلة الثانوية، واهتمام بعض الأعمال الحرة أن تستخدم الإنجليزية مع العربية في بعض إعلاناتها. كما فُتح الباب للإرساليات الكاثوليكية والإنجيلية (البروتستانت) للدخول إلى مصر، وقام بعض الدارسين الأقباط إلى الكتابة للكشف عن المفاهيم الأرثوذكسية، وإذ هُوجمت الكنيسة في عقائدها وطقوسها ظهر اللاهوت الدفاعي.

2. حبيب جرجس (١٨٧٦-١٩٥١): وُجدت شخصيات من رجال الكهنوت والشعب قاموا بحركات قوية للإصلاح، نذكر الشخصية البارزة الأرشيدياكون حبيب جرجس.

كان مفكرا ودارسًا وكاتبًا لاهوتيًا ورائدًا في مجال التعليم الديني. وُلد في الأزبكية بالقاهرة، والتحق بالمدرسة القبطية بحارة السقايين. وهو من أوائل الطلبة الذين التحقوا بالكلية الإكليريكية بعد أن أعاد البابا كيرلس الخامس افتتاحها عام ١٨٩٢، وتخرج فيها عام ١٨٩٨، وعُين مدرسًا للاهوت بها في 8 مايو عام 1899 وكان عمره قد بلغ 23 عامًا، ثم عميدًا لها في 14 سبتمبر عام ١٩١٨. افتتح فصولاً مسائية لخريجي الجامعة بالمدرسة اللاهوتية عام 1945.

كان واعظًا مشهورًا، كما أسس حركة مدرسة الأحد، وكتب أول منهج لها، وقام بتدريب مدرسيها وعقد مؤتمرات لهم. اختير سكرتيرًا عامً للجنة مدارس الأحد في عام 1927. أصدر مجلة الكرمة أسبوعيًا (١٩٠٦-١٩٢٣). نال ثقة أربعة بطاركة وهم كيرلس الخامس (البابا 112)، ويؤانس التاسع عشر (البابا 113)، ومكاريوس الثالث (البابا 114)، والبابا يوساب الثاني (البابا 115). كان يقوم بدور المُشير لعدة بطاركة، خاصة البابا كيرلس الخامس. رُشح للأسقفية ثلاث مرات، ومرة للباباوية.

كان يشترك في المجمع المقدس لخبرته كرئيس شمامسة وخدمته الطويلة في مجال التعليم والتربية الكنسية. نجح في إدخال الدين المسيحي في المدارس الحكومية للمسيحيين.

نشر 26 كتابًا والكثير من الترانيم، كما وضع كتب للأطفال وصلوات لمناسبات مختلفة. وضع كتابه: الإصلاحات العملية في الكنيسة الأرثوذكسية. حث البابا كيرلس الخامس على توجيه المطارنة والأساقفة أن يختاروا خريجي الإكليريكية وسيامتهم كهنة في إيبارشياتهم.

المرحلة الثامنة: منذ ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ حتى عام 1967

سمح الله بهذه المرحلة مع ما فيها من متاعب، فقد أبرز الله عمله معنا كثيرًا، نذكر منها الآتي:

1. ففي بداية عهد الرئيس جمال عبد الناصر كان يضطهد المسيحيين، وذهب قداسة البابا كيرلس السادس إلى قصره، ورفض الرئيس مقابلته، لكن الله تدخل وصار الاثنان في صداقةٍ عجيبة، وكان الرئيس يدعوه علانية: "يا والدي" بكل حبٍ وتواضع إلى يوم وفاته.

2. اتسم قداسة البابا كيرلس بالبساطة، وبروح العبادة والتقوى استخدمه رب المجد لخلاص الكثيرين في مصر وخارجها. قام الأب أنطوني فانوس عميد المعهد الديني بسيدني أستراليا بكتابة رسالة دكتوراة عن هذا القديس ولاهوتياته، وبمشيئة الله سيقوم بنشرها في بدء عام 2019.

3. قام أحد المتطرفين من المسلمين باغتال الرئيس أنور السادات بعد مرور شهر من تحديد إقامة البابا شنودة الثالث بالدير وحبس 7 أساقفة، و1 خوري ابسكوبوس، و24 كاهنًا وأقل من 100 شخص علماني، وكان يُعد لهم اتهامات لمحاكمتهم. جاهر الشعب بحبهم للكنيسة، وتقديرهم للمقبوض عليهم.

4. في السنوات الأخيرة من حكم الرئيس حسني مبارك لم يمر أسبوع دون حدوث اعتداء صارخ على الكنيسة، حتى سجلت إحدى الهيئات التي تدرس حركات الاضطهاد على المسيحيين في العالم، اسم مصر على رأس القائمة. فظهرت يد الله القوية ونُزع عنه كرسيه.

5. إذ تولى مرسي الرئاسة وظن أنه قادر أن يحطم الكنيسة، إذا به يُطرد ويُسجن بعد مرور سنة من توليه الرئاسة.

كثيرًا ما اُتهم قادة الكنيسة بالخيانة الوطنية لمجرد اشتراكهم في مؤتمرات مسيحية عالمية.

في اختصار لم يكن للكنيسة حرية الحركة، لكن يبقى الله حافظًا لإيمانها المستقيم، عاملاً بكل قوةٍ كشاهدةٍ للحق الإلهي.

المرحلة التاسعة: بدء حركة الهجرة وانتشار الأقباط في العالم منذ عام 1968.

ما عاناه الأقباط في المرحلة السابقة، دفع الكثيرين إلى الهجرة إلى أمريكا وكندا وأستراليا وأوروبا. اعترف عن نفسي وزملائي بالكنيسة كنا نحسب الهجرة هروبًا من احتمال الصليب. لكن قداسة البابا كيرلس كثيرًا ما صرّح مع بعض العائلات والأفراد المهاجرين، أن الله يرسلهم إلى المهجر ليشهدوا لإنجيل المسيح. لقد صارت هناك احتياجات كثيرة تلتزم بها الكنيسة، سبق الحديث عنها في أكثر من مناسبة، خاصة في "مذكرات كاهن في أرض المهجر" في جزئين. الآن بعد أن مرّ على حركة الهجرة أكثر من نصف قرن، أشعر بالحاجة إلى تسجيل "كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية".

 


 

2. المبادئ الأساسية للكاتيكيزم

1. ما هي المبادئ الأساسية لكاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية؟

يليق بنا كمؤمنين أن ننتفع بخبرة آبائنا عبر مراحل الكاتيكيزم خلال هذه القرون كي نسلك بالفكر الإنجيلي الروحي الحيّ، وذلك في كل جوانب حياتنا؛ أي في دراستنا للكتاب المقدس، وممارستنا للحياة الإنجيلية الصادقة، وفي سلوكنا اليومي حتى في تناولنا الطعام والشراب، وفي عبادتنا بالروح والحق، وفي خدمتنا لكل إنسانٍ نلتقي به حتى إن كنا لا نعرفه شخصيًا، وفي حوارنا مع المؤمنين وغير المؤمنين. حينما تحدث القديس إكليمنضس السكندري عن حياة المؤمن في المسيح في كتابه المربي Paedagogus أبرز أنه يجب أن يتحول إيماننا بالمسيح إلى عمل فنسلك في المسيح يسوع في مرافقتنا لشيخٍ عاجزٍ عن الحركة السريعة ومرافقتنا لشاب سريع الحركة، وفي ابتسامتنا، وعدم الضحك بطريقة غير لائقة بأبناء الله، وفي مراعاة آداب المائدة إذ نشعر بالحضرة الإلهية، وفي نومنا... هكذا يسلك المؤمن كسفير للمسيح فيما يظنه أمرًا هامًا أو يحسبه أمرًا تافهًا. يفعل هذا كله لا في حرفية قاتلة ولا في روتينٍ مملٍ[17].

في هذا كله نراعي أمرين هامين، وهما: أن يلتهب قلبنا بمحبتنا للسيد المسيح منتظرين سرعة مجيئه على السحاب كي يدخل بنا إلى حجال العُرس السماوي، وأيضًا انشغالنا الدائم بخلاص العالم كله، حتى الذين سقطوا فيما نظنه جرائم خطيرة أو خطايا نجسة!

2. ما أهم المبادئ العملية للكاتيكيزم؟

أولاً: يليق بنا أن نقدم ما استطعنا مع كاروزنا القديس مرقس الرسول ربّ المجد بكونه الطبيب السماوي، مخلّص النفوس وواهب الشفاء للنفس والعقل والعواطف والحواس وكل طاقات الجسد.

أذكر الآن شخصًا بذل كل الجهد لفترة طويلة كي يجتذب صديقًا له لإنجيل المسيح. أخيراً وافق الصديق أن يذهب إلى الكنيسة ليسمع واعظًا مشهورًا. في المساء اتصل به كاهن الكنيسة ليسأله عن عظة المساء التي قدمها هذا الواعظ، وكانت الإجابة: "بالكاد احتملت الاستماع إليه لمدة عشر دقائق، لأنني كنت أشكو في داخلي من العالم وضيقاته، وإذا بي أجد هذا الواعظ لا يكف عن مهاجمتي فلم أحتمل سماع صوته! يليق بنا أن نقدم مسيحنا للنفوس المجروحة فيتمتعون بلمسات حبه.

ثانيًا: يتجلى إنجيلنا في سلوكنا وعبادتنا وحوارنا مع الآخرين بكونه "رسالة مبهجة للنفس"، نقدمه بمنهج مدرسة الإسكندرية خلال التفسير الروحي للكتاب المقدس بكونه دعوة للقاء مع الله مفرِّح القلوب، دون تجاهل التفسير التاريخي وأيضًا السلوكي، ودون مبالغة في استخدام هذه المناهج الخاصة بالتفسير.

أذكر إنسانًا كان يعمل مع شخص بريطاني ملحد لمدة أسبوعين في مصر. وفي أثناء استعداد البريطاني للعودة إلى بلده، قال له: "للمرة الأولى التقيت بشخصٍ متدين يحاور بروح الحب ولا يستخف بي كملحدٍ. لقد استرحت لكثير من كلماتك، وإن كنت لا أتفق معك في كل ما قلته. إنني وضعت في قلبي أن أعيد النظر في حياتي وفي مبادئي. إنني لن أنسى كلماتك." لقد تذوق في حواره إنجيل الحب، فقبله.

يتجلى هذا الفهم في كلمات القديس مار إسحق السرياني، إذ يؤكد إن الدفاع عن الحق بدون الحب يحوِّل الحق إلى عنف وكراهية، كما أن الحب بدون أن يحمل الاشتياق إلى سلوك الكل بالحق يجعل الحب تسيبًا.

ثالثًا: قدمت لنا المجامع المسكونية صورة عملية للحوار سواء بين المؤمنين وبعضهم البعض أو مع الهراطقة. فمن أعظم القادة الذين قادوا الحوار القديسان أثناسيوس الرسولي وكيرلس الكبير. الأول نادى بأنه متى وُجد الفكر الواحد، لا نجعل الألفاظ تفصلنا عن بعضنا البعض. والثاني في دفاعه عن طبيعة كلمة الله المتأنس التي مزقها نسطور، أرسل إليه يعلن حبه له، وإن كان لا يقبل الخطأ. الاثنان يجاهدان بكل قوةٍ على حفظ وحدانية الكنيسة الجامعة بروح الحب الحقيقي والإيمان المستقيم[18].

رابعًا: الكرازة بإنجيل المسيح وليس بالثقافة المحلية. ففي القرن الرابع إذ كرزت الكنيسة بالإنجيل في أثيوبيا، راعت الثقافة الأثيوبية، بل تُرجمت الكتابات القبطية إلى الأمهرية، وكان للأثيوبيين أدوات موسيقية وألحان وأيقونات تكشف عن غنى ثقافتهم، بل وكانت لهم ليتورچياتهم وكان الذين يخدمون الكلمة في أثيوبيا يلتزمون بالحفاظ على الثقافة الأثيوبية. لم يكن دور الكنيسة القبطية إحلال الثقافة القبطية محل الثقافة الأثيوبية. إنما يعتز كل مؤمنٍ بعمل الثالوث القدوس ويُعبّر عنه بثقافته[19].

خامسًا: يليق بالمؤمن لكي يشهد لإنجيله أن يكون ناجحًا في كل شيءٍ ما استطاع وذلك بواسطة النعمة الإلهية. نذكر على سبيل المثال ما كتبه المؤرخ يعقوب نخلة روفيلة:

[وممن اشتهر من القبط في أيام الدولة الأيوبية من أهل العلم والعرفان (المعرفة)، والذين تقلدوا الوظائف العالية، وحازوا ألقاب الشرف والتمييز، وعثرنا على أسمائهم في تواريخ الأقباط والمسلمين: (ذكر أسماء أكثر من عشرين شخصًا وعدَّد مواهبهم وكتاباتهم ومراكزهم سواء في المجتمع أو في الكنيسة.) وغيرهم من رجال الإكليروس والعلمانيين الذين يضيق المقام بذكر أسمائهم، وجميع هذه المؤلفات وغيرها من تأليف علماء وأفاضل الأمة القبطية الذين عاشوا قبل هؤلاء والذين نبغوا بعدهم موجودة بخط اليد...

ومما يُذكر بالثناء على الخلفاء الفاطميين وملوك الدولة الأيوبية أنهم أطلقوا للأقباط عنان للحرية للدفاع عن دينهم، فألف بعضهم مؤلفات واسعة جديرة بالاعتبار أثبتوا فيها بالبراهين القاطعة والحجج الدامغة صحة معتقدهم وديانتهم[20].]

أكمل المؤرخ حديثه قائلاً: "وكان يمكن للأقباط تحسين حالهم أكثر والتدرج في العلوم والمعارف لو لم ينشغل كبارهم وعلماؤهم ولاسيما سكان العاصمة بالمنافسات والمخاصمات الداخلية في غالب الأحيان بسبب مطامع أئمتهم واهتمامهم بمنفعتهم الشخصية أكثر من الفائدة العمومية".

 


 

3. الإيمان العامل بالمحبة[21]

1. ما هو الإيمان؟

"وأما الإيمان فهو الثقة بما يُرجى والإيقان بأمورٍ لا تُرى" (عب 11: 1). فما نترجاه، وإن كان لا يُرى بالعين الجسدية، لكنه هو حقيقة حاضرة. حقا، لا نلمسه جسديُا، لكننا نختبره روحيًا، ويوَّلِد سلامًا وبهجةً وتهليلاً في النفس. يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [الإيمان هو العين التي تنير ضمير الشخص، ويهب معرفة. وكما يقول النبي: "إن لم تؤمنوا لن تفهموا" (إش 7: 9)[22].] ويقول القديس أغسطينوس: [ما هو الإيمان سوى أن تصدق ما لا تراه؟... مكافأة الإيمان هو أن ترى ما تؤمن به. يمكننا أن نؤمن فقط متى أردنا ذلك. لا تطلب أن تفهم لكي تؤمن، بل أن تؤمن لكي تفهم.]

2. ما هي أهمية الإيمان عند غير المؤمنين؟

يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [ليس وحدنا نحن الذين نحمل اسم المسيح نعرف كرامة الإيمان العظيمة، فإن كل ما يجري في العالم، حتى ما يتم على أيدي الغرباء عن الكنيسة[23]، يحدث بإيمان[24]. فبالإيمان تُربط شرائع الزوجية بين أطراف غرباء معًا، فيصير الغريب شريكًا لغريبة عنه من جهة شخصه وممتلكاته... وبالإيمان تقوم الزراعة، فمن لا يؤمن أنه ينال محصولاً لا يتحمل المشاق.

بالإيمان يثق البحارة في قطعة خشب رقيقة ويستبدلون الأرض الصلبة جدًا بأمواج لا تهدأ، معتمدين على آمال غير أكيدة، حاملين معهم إيمانًا أقوى من كل مرساة.

إذن بالإيمان تتم أغلب شؤون البشر فيما بينهم، ليس بيننا نحن وحدنا... فإن كانوا لا يقبلون الأسفار المقدسة، لكنهم تعلموا هذا من ذواتهم وقبلوها بإيمان[25].]

3. هل من ضرورة للإيمان بوجود الله؟

يقل الكتاب: "الله محبة" (1 يو 8:4). بحبه يريد أن يكون قريبًا جدًا منا ليجعلنا واحدًا معه، يسكن في نفوسنا، ويمنحنا القدرة على شركة مجده، ولا ننشغل بمجادلات فلسفية، وإنما يجتذبنا إليه، كما يجتذب الأب أولاده. نجد فيه نبع الحياة والخلود والمسرة الأبدية والمجد. كتب القديس أثناسيوس: [التأمل في الله وكلمته (اللوغوس) الصادر منه إشباع للذين يسمعونه، فبالنسبة لهم يقوم مقام كل طعامٍ. فالملائكة لا يقتاتون إلا برؤية وجه الآب والمخلص الذي في السماء[26].]

4. هل بالإيمان نتحدى إبليس؟

إذ انحرف آدم وحواء عن الإيمان وقبلا مشورة إبليس، تحولت جنة عدن بالنسبة لهما إلى موضع رعب، وحُرم الاثنان من عذوبة الشركة مع الله! وبالإيمان بالمصلوب انفتحت أبواب الفردوس، لنرى السماء تُرحّب بنا وتنتظر يوم عرسنا الأبدي! تشهد كلمة الله نفسه بهذا، إذ قيل: "بدون إيمان لا يُمكن إرضاءه" (عب 11: 6). يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [الإيمان يسد أفواه الأسود (عب 11: 34)، كما حدث مع دانيال، إذ يقول الكتاب عنه: "فاصعد دانيال من الجب، ولم يوجد فيه ضرر، لأنه آمن بإلهه" (دا 6: 23). هل يوجد ما هو مرعب أكثر من الشيطان؟ نعم، فإننا في مقاومته لا نجد درعًا سوى الإيمان (1 بط 1: 9)، إذ هو ترس خفي ضد عدو غير منظور، يرشق سهامًا متنوعة في ليلٍ بهيمٍ (مز 11: 2) تجاه غير المتيقظين. فإذ لنا عدو غير منظور يلزمنا الإيمان كعدة حربية قوية، كقول الرسول: "حاملين فوق الكل ترس الإيمان الذي به تقدرون أن تطفئوا جميع سهام الشرير الملتهبة" (أف 6: 16). فإذ يصوب إبليس سهم الشهوة الدنس الملتهب، يُقدم الإيمان صورة الدينونة، فيبرد الذهن وينطفئ السهم[27].]

5. بماذا تسلَّح إبراهيم أب الآباء؟

يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [مع أن (إبراهيم) فعل أعمالاً صالحة كثيرة، لكنه لم يُدع خليل الله إلاّ عندما آمن. وهكذا كما تبرر هو تتبرر أنت أيضًا. لقد مات جسده فعلاً من جهة النسل، وشاخت سارة، ولم يوجد بعد أي رجاء لهما لإنجاب أبناء... إذ لم يتطلع إلى ضعف جسده، بل إلى قوة من وعده، إذ حسب الذي وعده صادقًا (عب 11: 11)، هكذا بغير تردد اقتنى ابنه من الجسدين اللذين ماتا فعلاً. وعندما اقتنى ابنه أُمر أن يقدمه ذبيحة، ومع أنه سمع الكلمة "بإسحق يُدعى لك نسل" (تك 21: 12؛ 22: 2 قدم ابنه الوحيد لله مؤمنًا أنه قادر أن يقيمه من الأموات (عب 11: 19). وإذ ربط ابنه ووضعه على الحطب، قدمه فعلاً بالنيّة، لكن خلال صلاح الله الذي أعطاه حملاً عوض ابنه، تقبّل (إبراهيم) ابنه حيًا[28].]

6. بماذا تسلَّح بطرس وهو على المياه؟

يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [عظيم هو السير على البحر، فبطرس إذ كان إنسانًا مثلنا له جسد ودم ويقتات بطعامٍ، عندما قال له يسوع: "تعال" (مت 14: 29)، آمن وسار على المياه في أمان أكثر مما لو كان على الأرض، وارتفع جسده بفعل سمو إيمانه. ومع أن سيره على المياه كان فيه أمان طالما هو مؤمن، فإنه عندما شكّ في الحال بدأ يغرق. وعندما رأى يسوع، مخفف الآلام، هلاكه قال له: "يا قليل الإيمان لماذا شككت؟" (مت 14: 31) وإذ تقوّى من جديد بالذي أمسكه بيمينه، عاد إليه إيمانه وهو ممسك بيد السيد، عاد إلى سيره على المياه[29].]

7. هل أرسل الله الناموس ليهيئنا للإيمان به؟

إذ رفض البشر الاستماع إلى صوت الناموس الطبيعي الذي يُعلن عن الله كخالق ومحب للبشر، قدم الله الشريعة المكتوبة خلال موسى لندرك حاجتنا للإيمان بالمخلص. كما أرسل أنبياءه ليعدوا الطريق أمام الكلمة المتجسد. جاء ابن الله المتجسد ليعلن لنا الأسرار الإلهية... قيل: "الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء قديمًا بأنواعٍ وطرقٍ كثيرة، كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه" (عب 1: 1-2).

8. هل يلغي الإيمان عطية العقل؟

خلقنا الله كائنات عاقلة لا كائنات بهيمية. وهو يعلن لنا عن ذاته وعن أعماله لا ليلغي عقولنا، بل ليسمو بها، فتقبله طبيعتنا البشرية وتتعرف على أسراره. تحدث الله مع موسى "كما يكلم الرجل صاحبه" (خر 11:33) وهو يشتاق أن يدخل في حوار مع كل مؤمنٍ. يؤكد القديس إكليمنضس السكندري أن المسيحية تسمو بعقل الإنسان ولا تلغيه بل تزيده حكمة. ويوضح أن المعرفة البشرية لازمة لفهم الأسفار المقدسة لكن ليس بدون معونة الله[30]. [ترتفع النفس إلى الله، فتتدرب على الفلسفة الحقيقية وتسرع إلى قريبها في الأعالي، متخلية عن شهوات الجسد كما تترك التعب والخوف[31].] كما يقول: [الإنسان الخالد هو تسبحة رائعة لله، يتأسس في البرّ، حيث تنقش فيه أحكام الحق. لأنه أين يمكن أن يُكتب الحق إلا في نفس حكيمة؟[32]]

9. ماذا نطلب بالإيمان من السيد المسيح؟

كثيرون يطلبون معجزات من السيد المسيح. لقد نزل إلينا كي نتعرف عليه نطلبه هو يسكن فينا. يقول البابا كيرلس الكبير: [ما يجب ملاحظته تمامًا أن الله لا يود تقديم ما هو مُبهر وعجيب بطريقة باطلة أو بلا هدف، فإن مثل هذا بعيد عن جوهر الله الذي لا يعرف الكبرياء ولا العجرفة، إنما يعمل ما هو لخير البشرية وسلامها. أقول هذا لكيلا يتوقع أحد من الإيمان المقدس والقوة الإلهية أن تتم تغيرات بلا نفع مثل تغيير عناصر معينة وتحويلها أو تحريك جبال أو مزروعات... أنه يتحقق ذلك أن كان فيه نفع حقيقي، عندئذ لا ينقص الإيمان قوة للتنفيذ[33].] كما يقول القديس إكليمنضس الإسكندري: [اقبل المسيح، اقبل البصيرة، اقبل نورك، لكي تعرف الله والإنسان حسنًا. "حلو هو الكلمة الذي يهبنا النور، إنه "أثمن من الذهب والحجارة الكريمة، وأشهى من العسل وقطر الشهد" (مز 10:19)[34].] كما يقول: [كل لقبٍ من ألقابه لا يعبر بمفرده عنه، لكنها كلها معًا تشير إلى قدرة القدير... يتبقى لك بعد ذلك أن تدرك بنعمته الإلهية غير المُدرك، بواسطته وحده الصادر عنه[35].] ويقول القديس أغسطينوس: [يحلّ المسيح بالإيمان فيك؛ وإذ يحضر الإيمان يكون المسيح حاضرًا، استرخاء الإيمان هو نوم للمسيح. قم وحث نفسك، قائلاً: "يا رب إننا نهلك"[36].]

10. ماذا طلب موسى من الله في أول لقاء معه حيث دعاه للخدمة؟

إذ دعا الله موسى كأول قائد لشعب الله في العهد القديم، طلب موسى منه أن يتعرف على اسمه. وكنائب عنهم أعلن له الله عن اسمه أنه "يهوه" أي "الذي يكون". ماذا يعني تعبير: "الذي يكون"؟ يعني أنه موجود، يعمل لحساب شعبه المختار، وذلك على خلاف الديانات اليونانية التي غالبًا ما كانت تتطلع إلى الله بكونه الكائن المتعالي جدًا عن شئون العالم.

11. لماذا يُدعى الله ثيؤس؟

يقول ج. ل. بريستيج Pristige [37]إن بعض آباء الكنيسة الأولى أمثال إكليمنضس وديونسيوس الإسكندريين قد تبعوا هيرودوت[38] في ربطه بين ثيؤس "الله" وتثيمي "التدبير". يقول القديس إكليمنضس: [دُعي الله ثيؤس لأنه وضع أساس التأسيس والتنظيم كمدبرٍ[39].] وذلك على خلاف أرسطو القائل إن الله هو المحرك الأول، الذي حرك العالم وتركه للقوانين الطبيعية. إننا نؤمن بأن الله هو الحب اللانهائي، حركة محبته نابعة من داخله خلال علاقة الثالوث القدوس الأزلية. وقد استعلن حب الله بخلقته العالم، ولا تزال هذه المحبة فعَّاله، وستبقى حتى بعد مجيء المسيح الثاني.

ويؤكد الآباء الإسكندريون بقوة أن الله وهو غير مُدرَك، يعتني بالإنسان خلال محبته الفريدة، لأن ملكوت محبته السماوي يتأسس في أعماق نفس الإنسان، "ها ملكوت الله داخلكم" (لو 21:17). قدرة الله هي تلك المحبة الدائمة الحركة. يقول البابا أثناسيوس: [الله في وجوده الذاتي يحتضن كل شيءٍ، ولا يحتويه شيء، في صلاحه وقوته هو في الكل، لكنه خارج الكل من جهة طبيعته اللائقة به[40].]

12. لماذا يرفض البعض الإيمان؟

في لقاء مع أحد الإخوة وهو قائد لجماعة منكري وجود الله قال لي: كثيرون يدعوننا ملحدين. إننا نؤمن بوجود قوة خارقة للفكر البشري. لكننا نرفض الإيمان بالله للأسباب التالية:

أ. نرفض وجود كائن خفي يتحكم في حياة البشر، ويطالبنا بما هو ليس في استطاعتنا، ويهددنا بعقوبات أبدية، هذا ما يصوره بعض المتدينون تحت اسم "الله". إنهم لا يبرزون فيه روح الحب. يتعثر البعض في الإيمان بالله بسبب تشويه صورة أبوة الله، حتى بالنسبة للأطفال الصغار، حيث تقوم الأسرة أو الكاهن أو الخادم بتقديمه كقاضٍ حازم للغاية، كمن يتلقط الخطأ، ويتجاهل ضعفاتنا. على النقيض، الوالدان أو القائد الذي يحمل روح الحب يجذب النفوس إلى الله الذي قيل عنه: "الله محبة".

ب. إننا لسنا في حاجة إلى الإيمان بغيبيات غير ملموسة.

ج. من جهة سلوك المتدينين، إذ نرفض الارتباط بجماعة معينة، تضم أشخاصًا يستخفون بمن لا يقبل إيمانهم، يحاورونهم بروح العجرفة.

أذكر في عام ١٩٧١ دخلت فتاة الكنيسة في لوس أنجيلوس في منتصف الليل تقريبًا وكان مجموعة من الشباب معًا. سألتها عن علاقتها بالله، فقالت لي: ومن هو الله؟ أجبتها: "إنه أبونا وأبوكِ" قالت: "ما معنى أنه أبونا؟" وإذ قلت لها مثل والدك، أجابت أنها لا تعرف أين يعيش هو أو والدتها، ولا تريد أن تعرف مسكنهما. لم تذق أبوة وأمومة والديها، ولا الحب الزيجي الذي بين والديها، فلم تستطع أن تتذوق حب الله، ولم يعد للإيمان به موضع في قلبها.

سألتها عن حياتها فأجابت علانية وسط الحاضرين إنني أعيش مع صديقي boyfriend.

سألتها: هل تفكرين في الزواج منه؟

أجابت: إنني أقضي معه فترة من اللهو والرقص والسكر، أستبدله بعد عدة أشهر بآخر.

سألتها: هل أنتِ سعيدة؟ أجابت علنًا: في المظهر أعيش في حياة تبدو مملوءة سعادة. وقد يحسبني البعض أنني أسعد إنسانة على وجه الأرض. والحقيقة إنني بائسة للغاية، لأن حياة اللهو بكل مظاهرها لا تهبني شبعًا داخليًا ولا سلامًا ولا أمانًا ولا فرحًا حقيقيًا.

هذا ما يجنيه البعض من أبنائنا وبناتنا، لأن الأسرة لا تحمل أيقونة السماء.

أروي قصة واقعية عاشها شاب بالإسكندرية في عام 1972: كان هذا الشاب طالبًا في الثانوية العامة. أمسك بالإنجيل وألقاه على الأرض، وقال أمام الجميع: "إن كان يوجد الله فليرفع قدمي من الإنجيل؛ أخذه زملاؤه المسيحيين وذهبوا به إلى كنيسة السيدة العذراء مريم بمحرم بك. بصق على أيقونتها، وقال لهم: إن كانت العذراء مريم موجودة فلتمسح البصاق من الأيقونة.

طلب مني زملاؤه أن أفتقده. وبالفعل ذهبت ومعي شماس خادم. عندما فتح والده الباب ورآني صرخ: "انقدني، سأموت بسبب ابني الوحيد. اثبت له أن الله موجود". بهدوء طلبت منه أن يهدأ، وأنا سأتحدث معه. طلب الأب أن أبدأ المناقشة معه أمامه وأمام والدته. فأمسكت بيد الابن، وقلت للأب: سأجلس معه.

دخلت معه حجرته، وقلت له أنا سمعت عنك من زملائك، وقد جئت لا للنقاش معك، وإنما لأتحدث معك بروح المحبة لأجل سلامك الداخلي.

بعد حديث حول كلمات القديس أغسطينوس أن وراء كل إلحاد شهوة، قلت له: أنا أعلم أنك في أعماقك تريد أن تلتقي مع الله، ولكن ما يحجبك عنه إما أنك تريد الزواج بفتاة غير مؤمنة، أو أنك تعاني من شهوات تظن أنك عاجز عن الخلاص منها، أو في تشامخ تريد أن تبلغ إلى نجاحٍ معينٍ تحسبه أمرًا مستحيلاً.

أجابني: "لست أعاني من هذه الأمور، إنما ما دفعني لإنكار وجود الله هو والديّ، فأنا ابن وحيد، وأبي وأمي يخنقانني بحبهم غير الحكيم، يريدان أن يحركانني كقطعة شطرنج. إنني أردت أن أكون قائدًا ويلتف حولي البعض ويحسبونني بطلاً."

أجبته: ولماذا لا ترجع إلى الله، فهو يحبك ومات من أجلك.

سأل: "هل يقبلني الله وقد وضعت قدمي على الإنجيل، وبصقت على أيقونة العذراء مريم؟"

أجبته: "انهما يتطلعان إليك كطفلٍ تصرف في غضبه، ويبسط الربّ يده لا ليعاتبك بل ليقبلك".

سأل ثانية: "متى أعترف؟"

أجبته: "أنت اعترفت، وإلهك يُسرّ برجوعك إليه!

سأل: "متى أعود إلى الكنيسة؟"

أجبته: "أنت في حضن الكنيسة أمك الآن".

خرجنا من الحجرة، فسألني والده الشيخ: "هل ستبدأ النقاش؟"

أجابه الشاب: "لو سمحت يا بابا، اتركني أتفاهم مع أبينا."

مرة أخرى منذ حوالي خمس سنوات جاءني شاب تخرج في الجامعة، وطلب مني أن يعترف. قال: "لقد قررت إعلان إلحادي على كل أصدقائي. وفي اللحظات الأخيرة سألت نفسي: إذا رأيت والدتي الدائمة التهليل مع المسيح، ماذا سأفعل؟ إن تهليل والدتي الدائم وفرحها بغير انقطاع ردني إلى السيد المسيح، كي أكون معها في يوم الربّ العظيم!"

13. كيف نكسب رافضي الإيمان؟

دُعيت طالبة من كلية الصيدلة بجامعة الإسكندرية أن تقضي أجازة الصيف مع طالبة من كلية الصيدلة بأروبا الغربية في ذلك الوقت، وذلك ضمن برنامج زيارات متبادلة بين طلبة البلدين في أيام الرئيس جمال عبد الناصر. عند عودتها إلى الإسكندرية، أرسلت إليها الطالبة التي استضافتها شكرها على قبول دعوتها لها، وأنها تحسب هذه الفترة (ثلاثة شهور الصيف) من أجمل فترات عمرها. هذا وقد اعتذرت عن سخريتها بها بسبب إيمانها بالله والكتاب المقدس والحياة الأبدية. قالت إنها كانت تحبها جدًا، وفي نهاية كل يومٍ كانت توبخ نفسها على سخريتها بإيمانها. ولكن مع كل صباح تعود إلى السخرية مرة أخرى طوال الثلاثة شهور.

في هذا الخطاب اعترفت لها بأنها رأت فيها الإنسانة التي لا تعاني من الشعور بالعزلة، وأنها مُحبَّة لكل من يتعامل معها بروح التواضع، وفي شركة عجيبة مع هذا الإله المحب والقدير. كما طلبت منها أن تكون على اتصال بها، وأن تتمتع بما تتمتع هي به.

قال لي أحد الأحباء يعمل مهندس لمسح قاع البحر. كان على المركب مهندس بريطاني مُلحد. إذ قامت صداقة بيننا، بعد خمسة عشر يومًا وهو في عودته إلى إنجلترا، قال له: "إني أشكرك على فرصة الحوار التي دارت بيننا طوال الأسبوعين، فإنني لم أجد إنسانًا متدينًا يتحدث معي بروح الوقار والإنصات. ربما أختلف معك في بعض النقاط، لكنني قررت عند عودتي إلى بلدي أن أُعيد تقييم حياتي، واسترجع كل ما قلته لي".

14. هل يتعارض الإيمان مع الفهم العقلي والبحوث العلمية؟

مع تركيز القديس باسيليوس على الإيمان بكونه يُقَدِّس عقل الإنسان وقلبه، فيتقبَّل العلم المتناغم مع الإيمان، ينتقد المؤمنين الذين يستخفُّون بالدراسات العلمية والفلسفية، ويحسبونها مملوءة خداعًا.

إنه لم ينسَ فضل دراساته حتى على أيدي غير مؤمنين، فقد سمت بطريقة تفكيره، وتعلق بالأكثر بكلمة الله. يقول: [أظن أن كل إنسان عاقل يُفكِّر بأن العلم هو الأمر الرئيسي من بين كل ما هو صالح، وفي منال عقولنا. ولا أقول بأن علومنا هي وحدها عالية ونبيلة، لأنها تحتقر أناقة الخارج لتتعلَّق بجمال الأفكار، وإنَّما أيضًا العلم الذي من الخارج، الذي يرفضه كثير من المسيحيِّين القليلي المعرفة، ويعتبرونه خادعًا وخطرًا يُبعدنا عن الله... لهذا علينا أن نحتفظ بما يمكنه أن يُساعِدنا على التأمُّل في الحق، مُتجنِّبين كل ما يؤدِّي إلى الشرّ والخطأ والهلاك[41].]

مع تقديره العظيم للعِلْم والفلسفة، يؤكد ضرورة التمتع بروح التمييز بنعمة الروح القدس فلا ننحرف عن المعرفة الحقيقية والتمتُّع بعمل الله. يقول القديس باسيليوس: [يهمنا جدًا ألاَّ ننكبَّ بجهلٍ على العلوم، وإنَّما أن نعرف ما هو الأكثر فائدة منها... وخوفًا من أن نتعلَّق بها، وننسى علم الله، منغمسين في أبحاث باطلة، من الضروري أن نستعمل التمييز في التربية بطريقة نختار فيها العلم المفيد، ونتجنَّب كل ما هو مُضِرّ[42].

يقول القديس مار اسحق السرياني: [الإيمان هو مدخل الأسرار. ما تقوم به عينا الجسد بالنسبة للأشياء الحسّية يقوم به الإيمان بعينيّ النفس، إذ يتطلع إلى الكنوز الخفيّة. لنا عينان للنفس، كما لنا عينان (للجسد)... بالواحدة نرى مجد الله الخفي المختوم داخل الطبيعة، مع قدرته وحكمته وفكره الأبدي من نحونا، هذه الأمور كلها التي يمكن إدراكها خلال عنايته الإلهية لنا على وجه الخصوص. بنفس العين نرى الطغمات الروحية رفقاءنا. وأما بالعين الأخرى فنرى مجد طبيعة الله المقدِّسة[43].

15. ما هي علاقة الإيمان بالمعرفة العلمية والروحية

يقول القديس إكليمنضس السكندري: [ليست معرفة بدون إيمان، ولا إيمان بدون معرفة... الابن هو المعلم الحقيقي عن الآب. إنّنا نؤمن بالابن لكي نعرف الآب، الذي معه أيضًا الابن... معرفة الآب والابن، بطريقة الغنوسي الحقيقي، إنّما هي بلوغ للحق بواسطة الحق... حقًا، قليلون هم الذين يؤمنون ويعرفون[44].] كما يقول: [لكي نتبنّى الأمور الحسنة ونرفض عكسها لا يتحقّق ذلك بالإيمان وحده، وإنما بالإيمان ملتحم مع المعرفة. فحيث لا يكون للجهل وجود في التدريب والتعلم تصير هناك معرفة للأمور الإلهيّة والأمور البشريّة[45].] ويقول القديس أغسطينوس: [هيا أيها الأحباء التفتوا إلى ما يقدمه لكم الرسول من نصائح غالية، فهو يقول: "كما قبلتم المسيح يسوع ربنا، هكذا اسلكوا فيه، متأصلين ومبنيين فيه، وراسخين في الإيمان". ففي هذا الإيمان البسيط والمؤكد يجدر بنا أن نمكث راسخين فيه، حتى يفتح هو ذاته للمؤمنين المخبأين فيه، إذ يقول نفس الرسول: "المذخر فيه كل كنوز الحكمة والمعرفة"، وهو لم يخفها عن أحد لكي يرفضوها، بل ليثير فيهم الاشتياق للأمور المذخرة[46].]

16. أيهما الأول: المعرفة أم الإيمان؟

يقول القدِّيس كيرلس الكبير: [الجمرة المتقدة هي مثال وصورة للكلمة المتجسد... لأنه عندما تلمس شفاهنا، أي عندما نعترف بالإيمان به، ينقينا من كل خطية، ويحررنا من اللوم القديم الذي ضدنا.]

ويقول القدِّيس باسيليوس الكبير: [نقول بوجه عام بحسب العلوم الحسابية، الإيمان يسبق المعرفة. لكن إن قال أحد إن المعرفة تأتي قبل الإيمان، لا أعترض، إن أخذنا المعرفة بأنها تشير إلى المعرفة التي في حدود الفهم البشري[47].] ويقول القديس كيرلس الكبير: [الذين آمنوا الآن لهم القوة على التعلم أيضًا. لأنه هكذا يقول إشعياء النبي: "إن كنتم لا تؤمنون فلن تفهموا" (إش ٧: ٩ LXX). لهذا كان من الصواب أن يتأصل فيهم الإيمان أولاً ثم يأتي بعد ذلك الفهم للأمور التي يجهلونها.]

ويقول القدِّيس أغسطينوس: [لما كان الفهم يكمن في العيان وفي اللقاء الدائم، أما الإيمان فيقوتنا كالأطفال كابنٍ في قماط الأمور الزمنية (إذ نسلك الآن بالإيمان لا بالعيان)، علاوة على هذا فإننا ما لم نسلك بالإيمان لن نبلغ العيان الذي لن يزول بل يبقى دومًا، إذ يتنقى فهمنا بتمسكنا بالحق[48].] [يلزم أن يتقدم الإيمان الفهم، فيكون الفهم مكافأة على الإيمان[49].]

17. كيف نسدد بالإيمان ديوننا؟

يقول القدِّيس باسيليوس الكبير يليق بنا أن نؤمن أن الخطاة تلزمهم التوبة التي تؤهلهم لنوال المغفرة، ومع ذلك فإننا نترجى نوال الغفران كهبة للإيمان... وليس كدينٍ لنا، إذ يوجد فارق بين من يطلب الغفران كهبة، ومن يطالب به كحق... عليك أن تسدد ديونك السابقة حتى تطلب ما ترجوه. تعالْ كمدينٍ أمينٍ يسدد ما عليه من ديون مستحقة عليه وذلك بالإيمان، قبل أن تطلب قرضًا جديدًا. فالذي يقترض من الله يسهل عليه الوفاء بدينه أكثر مما لو اقترض من إنسان. لأن الإنسان يطلب مالاً لتسديد قرضه، وهذا المال لا يكون ميسورًا على الدوام بالنسبة للمدين. أما الله فيطلب سداد الدين بمشاعر القلب التي في مقدورك... الصلاة والصوم والدموع هي كنوز المدين الوفي، وهي أغنى ممن يقدم مالاً بلا إيمان.

ويقول القدِّيس أمبروسيوس: [كان حنانيا فقيرًا، هذا الذي أحضر مالاً للتلاميذ بعد بيع عقاره، لكنه عجز عن الوفاء بدينه، بل ضخمه أكثر بعدم إيمانه (أع 5: 1، 2). أما الأرملة التي دفعت فلسين في الخزانة فكانت غنية، هذه التي قال عنها الرب: "إن هذه الأرملة الفقيرة ألقت أكثر من الجميع" (يو 21: 3)، لأن الله لا يطلب مالك بل إيمانك. لا أنكر فاعلية الصدقة... لكن بشرط أن يرافقها الإيمان، لأنه ماذا تنتفع لو وزعت كل مالك ولكن بلا محبة؟! يهدف بعض الناس من العطاء إلى الكبرياء، إذا يطلبون مديحًا من الناس بأنهم تركوا كل شيءٍ. وإذ هم يترجون جزاءً عالميًا يفقدون الحياة الأخرى.] ويقول القدِّيس إكليمنضس السكندري: [التوبة هي من عمل الإيمان. إن لم يؤمن الإنسان الذي استعبد نفسه للخطيّة فلن يكف عنها؛ وإن لم يؤمن بالعقوبة التي يسقط تحتها العاصي وأن الخلاص هو نصيب من يسلك حسب الوصيّة فإنه لن يصلح حاله[50].

18. ماذا يقول الآباء عن عظمة الإيمان؟

يقارن مار يعقوب السروجي بين عظمة المحبة وعظمة الإيمان فيقول: [للمحبة درجات وارتفاعات وقمم، وكل نفسٍ حسب خفة جناحها تستطيع أن تتسلق عليها بمحبة الله... سيدي يا رجل الله، لنتعب إذًا في هذه القابلة للإضافة لكن ليُحفظ الإيمان كما هو بدون ثرثرة. أي أن المحبة ذهب، أما الإيمان فمرجانة، يقدر المرء أن يضيف على مثقال الذهب آلاف المثاقيل. وعلى المرجانة لا يقدر مقتنيها أن يضيف قيراطًا أو ذرة، لأن المسيح شُبه بها، وخبره لا يقبل إضافة المجادلين... ها أنتِ عفيفة (أيتها المرجانة)... جمالك يميني، وليس فيكِ يسار. اشتاق إليكِ التجار، لأن رؤيتك لا يُشبع منها. باعوا مقتنياتهم واشتروكِ، لينسوا مقتنياتهم بغناكِ. تكلمي معنا بصمتكِ، لأن رؤيتكِ تحير كثيرًا[51].]

ويقول القديس إكليمنضس السكندري: [الإيمان هو قوّة اللّه وقوّة الحق. كمثال قيل: "لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا إلى هناك فينتقل" (مت 17: 20)، كما قيل: "بحسب إيمانكم ليكن لكما" (مت 9: 29). فنال إنسان الشفاء بإيمان آخر[52].] [مجازاة الإيمان عظيمة وبلا نهاية، يقول من يؤمن ينعم بأغنى نعم الله، لأنه سيمتلئ بعطايا الروح، فلا يسمن ذهنه فقط، بل يصبح قادرًا على أن يفيض على قلوب الآخرين، كتيار النهر المتدفق الذي يفيض بالخير المُعطى من الله على جاره أيضًا.] ويقول القديس كيرلس الكبير: [[لتفهموا من هذا يا أحبائي أن الإيمان يدخل بنا إلى حضرة المسيح، ويقدمنا إلى الله (الآب) فنُحسب مستحقين لكلماته[53].] ويقول القدّيس مار فيلوكسينوس: [الإيمان يعطي الإنسان قوّة إلهيّة فيه، حيث يؤمن أن كل شيء يريده يفعله!]

يقول القدِّيس أفراهاط: [لتقترب، أيها الحبيب، من الإيمان لأن قدراته كثيرة جدًا (عب 11: 33). أصعَد الإيمان (أخنوخ) إلى السماء، وغلب الطوفان، وجعل العاقر تنجب! نجيَ الإيمان من السيف، وأصعد من الجب! أغنى الفقراء، وحلٌ الأسرى، وخلَّص المضطهدين! أطفأ النار، وشق البحر، وزعزع الصخر، وأعطى العطاش ماءً للشرب، وأشبع الجياع. أقام الإيمان الموتى، وأخرجهم من الجحيم، وهدَّأ الأمواج، وشفى المرضى. قهر الأعداء، وحطَّم الحصون. سدَّ أفواه الأسود، وأطفأ لهيب النار. أنزل المتكبِّرين، وكرَّم المتواضعين. كل هذه الأعمال القديرة صنعها الإيمان[54].] ويقول القديس مرقس الناسك: [الإيمان الثابت برج حصين. والمسيح بالنسبة للمؤمن هو كل شيء.]

يقول القديس أغسطينوس: [عظيم هو الإيمان، إنما لا فائدة منه إن خلا من المحبة.] [الإيمان يفيض صلاة، والصلاة المفاضة تقوي الإيمان.] [غاية الإيمان أن تؤمن، وغاية المحبة أن تعمل.] [نستطيع أن نلمس ذاك الجالس في السماء بإيماننا وليس بأيدينا.]

19. كيف يتقوى إيماننا؟

من أجلنا قبل السيد المسيح ضعفنا لكي نتمتع نحن بقوته. يقول العلامة أوريجينوس: [الإيمان بالمسيح المصلوب يهبنا سلطانًا، وإذ ينقصنا شيء في إيماننا تقدمه لنا قوة الله[55].]

 يقول القديس أغسطينوس: [إنه لأمر عجيب، عندما يُكرز بالمسيح المصلوب، اثنان يسمعان، واحد يُحتقر والثاني يصعد. ليت الذي يحتقر ينسب لنفسه هذه التهمة (عدم الإيمان)، وأما الذي يصعد لا ينتحل (إيمانه) لنفسه. إذ يسمع من السيد نفسه: "لا يقدر أحد أن يأتي إليَّ إن لم يُعطَ من أبي" (يو 6: ٦٥). ليفرح أنه نال. ليقدم شكرًا لذاك الذي وهبه هذا، بقلبٍ متواضعٍ لا متعجرف، لئلا ما ناله خلال التواضع يفقده بالكبرياء.] [إننا نأتي إلى ذاك الذي هو في كل موضع، نأتي إليه بالحب لا بالإبحار. فإنه في مثل هذه الرحلة أمواج التجارب المتنوعة هياجها شديد. آمن بالمصلوب، فيستطيع إيمانك أن يصعد بك إلى الخشبة. إنك لن تغرق، بل تحملك الخشبة. هكذا وسط أمواج هذا العالم كان يبحر ذاك القائل: "وأما أنا فحاشا لي أن أفتخر إلاَّ بصليب ربنا يسوع المسيح"[56]] [إيماننا يزداد في البداية عندما نقبل كلمة الكرازة، ثم ننعم بعد ذلك بالحق حاضرًا، إذ ننال التأمل المفرح والسلام الكامل، هذا الذي يوهب لنا في ملكوت الله الأبدي.]

20. ما هي علاقة الإيمان بالفضائل؟

يقول القدِّيس أفراهاط: [يصير الإنسان بيتًا، نعم، إذ يصير مسكنًا للمسيح يليق به أن يكون حريصًا على ما يلزم لخدمة المسيح الذي يسكن فيه، وعلى ما يسُر به. فإنه أولاً يقيم مبناه على حجر الإيمان كأساس. وعلى الإيمان يشيد كل البناء. فلكي يكون البيت عامرًا يتطلب هذا صومًا طاهرًا، وهذا يثبت بالإيمان. توجد حاجة إلى الصلاة الطاهرة أيضًا، خلالها يُقبل الإيمان. هذا يستلزم أيضًا الحب الذي ينشئه الإيمان. علاوة على هذا فالصدقة مطلوبة، والتي تقدم خلال الإيمان. يحتاج أيضًا إلى التواضع الذي يزيِّنه الإيمان. يختار أيضًا البتولية التي يحبها الإيمان. يربط نفسه بالقداسة التي تُغرس بالإيمان. يهتم أيضًا بالحكمة التي تطلب أيضًا بالإيمان. يشتاق أيضًا إلى الكرم الذي يصير بالإيمان سخيًا. يطلب البساطة من أجل (المسيح الساكن فيه) هذه التي تختلط بالإيمان. يطلب أيضًا الصبر الذي يكْمل بالإيمان. ويقدر أن (يطلب) طول الأناة التي يسألها بالإيمان... كل هذه الأمور يطلبها الإيمان المؤسس على صخرة الحجر الحقيقي، أي المسيح. هذه الأعمال تُطلب من أجل المسيح الملك الساكن في البشر المبنيين بهذه الأعمال[57].]

21. كيف نسلك في الإيمان الحقيقي؟

يقول القدِّيس إكليمنضس السكندري: [تعلم أن تسلك في الإيمان الحقيقي، أن تستقر في الله، ولا تطلب استجابات أرضية وبركات زمنية. لا تنحرف إلى الإيمان الأرضي الباطل، الذي يقوم على طلب الآيات والعجائب لكي تثبت تمامًا[58].] ويقول القدِّيس أغسطينوس: [الإيمان والرجاء والمحبة هي الفضائل التي هي هيكل البناء الذي يقيمه الكتاب المقدس. النفس التي تؤمن بما لم تره بعد تترجى، وتحب ما تؤمن به، هذا هو السبب لماذا يمكننا أن نحب الله إن آمنا، حتى قبل أن نعرفه[59].]

22. كيف نواجه كل وحل العالم؟

جاء في الرسالة إلى ديوجنيتس: [يريدنا أن نأتي إليه، نراه أبانا الوحيد، الحارس والمعلم والمشير والطبيب. يريد أن يملأ كل فكرٍ لنا بصلاحه ويشكِّله، وأن يغيِّر طريقنا في هذا العالم المعوج المظلم، لكي ما يصير صالحًا. إن تأملتم صلاحه بالحق يملأكم، فيصير هو كرامتكم ومجدكم وقوتكم. يصير الصلاح حياة نفوسكم. إيماننا إذن لا يقوم على تخمينات للبشر، بل على صلاح الله المعلن في المسيح يسوع. هذا هو الإيمان الذي يمكنكم أن تنالوه، فيجعلكم أقوياء في مواجهة كل وحل العالم. هذا الإيمان هو لكم مجانًا، فقط إن أردتموه وقبلتموه.] يقول القديس باسيليوس الكبير: ["ليس أحد بلا وصمة، ولو كانت حياته يومًا واحدًا" (أي 14: 4). ويئن داود قائلاً: "بالآثام حُبل بي وفي الخطايا ولدتني أمي" (مز 51: 5). أيضًا يعلن الرسول: "إذ الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله، متبررين مجانًا بنعمته الذي بيسوع المسيح، الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه" (رو 3: 23-25). لذلك فإن غفران الخطايا يُمنح للذين يؤمنون، إذ قال الرب نفسه: "هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يُسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا" (مت 26: 28)[60].] ويقول القديس أغسطينوس: [أية أعمال صالحة تسبق الإيمان، إذ يقول الرسول: "وكل ما ليس من الإيمان فهو خطية" (رو ١٤: ٢٣)[61].] يقول القديس جيروم: [ما لم تستطع الأدوية البشرية أن تشفيه شفاه الصبر والإيمان. لقد جلس (أيوب) في كومة مزبلة، أما نفسه فكانت تتجول في الفردوس[62].]

23. ما هو دور الضيقات في الإيمان؟

تدفعنا الضيقات إلى الصراخ إلى الله وطلب تقوية إيماننا، إذ يقول القديس أمبروسيوس: [الإيمان المسيحي يشبه حبة خردل يبدو للنظرة الأولى شيئًا صغيرًا تافهًا وضعيفًا، لا يُظهر بوضوح قوته الحقيقية؛ عندما تبدأ تهاجمه تجارب متنوعة عندئذ يظهر نشاطه خارجيًا وقوته ويتنسم إيمانه الناري بالرب ويُثير نوع من الهوى الإلهي لا ليلتهب هو نفسه فقط بل ويلهب كل ما في داخل مجاله[63].]

يقول الشهيد كبريانوس: [لتكن خسارة أشياء القريبة منك وعزيزة لديك... ليست فرصًا لتربكك بل بالأحرى لحفظك. مثل هذه المصائب يلزم ألا تضعف إيمان المسيحي أو تزيله بل بالأحرى هي فرص لكي تقوم هذه الفضيلة بغيرة متجددة أثناء الصراع. يلزمنا أن نتجاهل الشرور الحاضرة مرتبطين برجائنا في المكافأة السماوية. حيث لا يوجد صراع لا يمكن أن توجد نصرة. وحيث تثور المعركة تُنال النصرة عندئذ ينال الغالب المكافأة. يبرهن قائد السفينة على استحقاقه أثناء العاصفة، والجندي في المعركة. الشجرة ذات الجذور العميقة لن تسقط حتى إن هزتها الرياح. هكذا أيضًا الرسول بولس بعد أن انكسرت السفينة به، ووجود القيود واحتمال آلام جسدية كثيرة، لم يتحدث بقلبٍ منكسرٍ بل بالأحرى صار إلى حالٍ أفضل بالمخاطر التي واجهها، فإنه بقدر ما تعذب بأمور خطيرة كان بالأكثر يتزكى بأنه مستحق للمديح الحقيقي[64].] [بعد كل هجوم عنيف تقف الفضيلة ثابتة كصخرة ضخمة في مقاومة هائلة[65].]

24. ما هو دور الإيمان في الفضائل وأعمال المحبة؟

يقول القدّيس أغسطينوس: [توجد أعمال تبدو أنها صالحة، لكنها إذ هي خارج الإيمان بالمسيح فهي غير صالحة، لأنها لا تحقّق غاية الأعمال الصالحة، "لأن غاية الناموس هي المسيح للبرَ لكل من يؤمن" (رو 10: 4). لهذا لا يريدنا الله أن نميز الإيمان عن الأعمال، إنما نعلن الإيمان نفسه بكونه عملاً، إذ الإيمان ذاته عامل بالمحبّة (غل 5: 6) [66].] ويقول القديس مرقس الناسك [الإيمان هو بداية الحب، وأما نهاية الحب فهو معرفة اللّه.] ويقول البابا أثناسيوس الرسولي: [الإيمان والأعمال أختان مرتبطتان ببعضهما البعض. فمن يؤمن بالرب يكون نقيًا، ومن يكون نقيًا فهو مؤمن بالأكثر. لهذا فمن هو شرير يكون بلا شك ضالاً عن الإيمان، ومن يترك التقوى يتخلى عن الإيمان الحقيقي. وكما أنه عندما يساعد الأخ أخاه يصيران حصنين لبعضهما البعض، هكذا أيضًا الإيمان والصلاح، إذ ينموان متشابهين مُمْسِكَيْن ببعضهما البعض، فمن يختبر أحدهما يتقوى بالآخر. لذلك إذ يرغب الرسول في أن يتدرب التلميذ على الصلاح حتى النهاية وأن يجاهد من أجل الإيمان نصحه قائلاً: "جَاهِدْ جهاد الإيمان الحسن وأمسك بالحياة الأبديّة" (١ تي ٦: ١٢)[67].]

يقول القديس إكليمنضس السكندري: [إنني لا أخاف الآب كخوفي من الحيوان المفترس إذ أخافه وأكرهه، لكنني أخاف الآب وأحبّه في نفس الوقت. كذلك عندما أخاف العقاب إنّما هو حب لنفسي خلال الخوف. فمن يخاف أن يعصى أباه يحب نفسه. طوبى للذي له الإيمان، فإنه يحمل الحب والخوف (معًا). فإن الإيمان هو قوّة للخلاص، وهو سند للحياة الأبديّة[68].]

25. ما هو دور الإيمان في الرجاء؟

يقول القديس إكليمنضس السكندري: [يعتمد الرجاء أيضًا على الإيمان... لأن الرجاء إنّما هو انتظار لخيرات. هذا الانتظار إنّما يقوم على الإيمان[69].]

26. كيف نميز بين إيمان الشياطين وإيمان القديسين؟

يقول القديس أغسطينوس: [إنك تمدح نفسك لأجل إيمانك هذا... حسنًا تفعل! والشياطين يؤمنون ويقشعرون فهل يعاينون الله؟ إن أنقياء القلب وحدهم هم الذين يعاينونه (مت ٥: 8)، فمن يقدر أن يقول أن الشياطين نقيّة القلب؟ ومع هذا فإنهم يؤمنون ويقشعرون! لذلك ينبغي أن يوجد فارق بين إيماننا وإيمان الشياطين، فإيماننا ينقي القلب، وأما إيمانهم فيجعلهم مذنبين. هم يفعلون الشر، ومع ذلك يقولون: "نحن نعرفك (أنا أعرفك)، مَنْ أنت قدوس الله" (لو ٤: ٣٤). وهو ما قاله أيضًا بطرس "أنت هو ابن الله" فمدحه الرب بينما وبخ الشياطين... فأي إيمان هو هذا الذي ينقي القلب إلاَّ الذي عرّفه الرسول بأنه "الإيمان العامل بالمحبة[70]"؟] [عندما تسمع من "من آمن واعتمد وخلص" (مر ١٦: ١٦)، لا تفهمها على أنه يقصد كل من آمن أيًا كان إيمانه "فالشياطين يؤمنون ويقشعرون". وكما لا نفهمها على جميع من اعتمدوا، فسِيمُون رغم قبوله المعموديّة إلاَّ أنه لم يكن من السهل أن يخلص[71].]

27. هل يمكن للمؤمن أن ينحرف ويسقط؟

يقول القديس إكليمنضس السكندري: [الغنوسي الحقيقي يخلق نفسه، يختار الإيمان أو يرفضه بكمال حريته[72].] ويقول القديس أغسطينوس: [بئس الشعب الذي يتحول عن الله... أما السلام الخاص بنا فننعم به الآن مع الله بالإيمان، ونتمتع به أبديًا معه بالعيان[73].]

28. ما هو بناء الإيمان في داخل نفوسنا؟

يقول القديس أفراهاط: [يتكون الإيمان من أمور عديدة، ويبلغ إلى الكمال بأنواع كثيرة. إنه يشبه بناءً يُبنى بقطع كثيرة من الأعمال البارعة، يرتفع إلى القمة. ولتعلم يا عزيزي أن الحجارة تُوضع في أساسات المبنى، ويرتفع البناء كله فوق الحجارة حتى يتم. هكذا الحجر الرئيسي ربنا يسوع المسيح هو أساس كل إيماننا. عليه يتأسس الإيمان. عليه يقوم كل بنيان الإيمان حتى يكمل... لتسمع الآن عن البناء الذي يقوم على الحجر، والبناء الذي يُشيد على الحجر. فالإنسان أولاً يؤمن، وعندما يؤمن يحب، وعندما يحب يرجو، وعندما يرجو يتبرر، وعندما يتبرر يصير تامًا، وإذ يتم يكمل... عندئذ يصير بيتًا وهيكلاً مسكنًا للمسيح، كقول إرميا النبي: "هيكل الرب، هيكل الرب، هيكل الرب هو، لأنكم إن أصلحتم إصلاحًا طرقكم وأعمالكم" (إر 7: 4-5). مرة يقول بالنبي: "أسكن فيهم وأسير فيهم" (لا 26: 12، 1 كو 3: 16، 2 كو 6: 16). وقال الرسول الطوباوي: "أنكم هيكل الله، وروح الله يسكن فيكم" (راجع 1 كو 3: 16). أيضًا قال ربنا لتلاميذه: "أنتم فيٌ وأنا فيكم" (يو 14: 20)...

إذ يصير الإنسان بيتًا مسكنًا للمسيح يليق به أن يكون حريصًا على ما يلزم لخدمة المسيح الذي يسكن فيه، وعلى ما يسُر به. فإنه أولاً يقيم مبناه على حجر الإيمان كأساس. وعلى الإيمان يشيد كل البناء. فلكي يكون البيت عامرًا يتطلب هذا صومًا طاهرًا، وهذا يثبت بالإيمان.

توجد حاجة إلى الصلاة الطاهرة أيضًا، خلالها يٌقبل الإيمان. هذا يستلزم أيضًا الحب الذي ينشئه الإيمان. علاوة على هذا فالصدقة مطلوبة، والتي تقدم خلال الإيمان.

يحتاج أيضًا إلى التواضع الذي يزينه الإيمان.

يختار أيضًا البتولية التي يحبها الإيمان.

يربط نفسه بالقداسة التي تُغرس بالإيمان.

يهتم أيضًا بالحكمة التي تُطلب أيضًا بالإيمان.

يشتاق أيضًا إلى الكرم الذي يصير بالإيمان سخيًا.

يطلب البساطة من أجل (المسيح الساكن فيه) هذه التي تختلط بالإيمان.

يطلب أيضًا الصبر الذي يكمل بالإيمان. وُيقَدر طول الأناة التي يسألها بالإيمان.

يحب الحزن (الندامة) الذي يعلنه بالإيمان.

يبحث أيضًا عن الطهارة التي يحفظها الإيمان.

كل هذه الأمور يطلبها الإيمان المؤسس على صخرة الحجر الحقيقي، أي المسيح. هذه الأعمال تُطلب من أجل المسيح الملك الساكن في البشر المبنيين بهذه الأعمال[74].]

29. هل يوجد أبطال الله في الإيمان عبر العصور؟

في دهشة نقف أمام الأبطال في الإيمان لنرى عمل الله في كل العصور بغير محاباة:

‌أ. من آدم إلى موسى لم يوجد سفر واحد من أسفار العهد القديم في يد إنسانٍ، ومع هذا نجد أمثلة رائعة من أبطال الإيمان تمتعوا به خلال التسليم (التقليد) مثل هابيل وشيث وأخنوخ الذي أرضى الرب فأخذه إلى السماء، وأيضًا نوح، وأب الآباء إبراهيم وسارة، ويعقوب وراحيل، واسحق ورفقة، ويوسف الخ، أمثلة رائعة لأناس عاش أغلبهم في جوٍّ وثني ولم ينحرفوا قط عن الإيمان.

‌ب. في عصر الناموس الموسوي، وُجدت بعض أسفار العهد القديم، لكنهم لم يختبروا نعمة العهد الجديد مثل التبني لله ونعمة الصليب والقيامة بالمسيح يسوع الخ. نرى دبورة القاضية وداود مرتل إسرائيل الحلو، وحزقيا الملك والأنبياء العظماء في الإيمان مثل إشعياء وإرميا وأناس الله العظماء في الإيمان في السبي مثل دانيال وحزقيال وإستير الملكة ويهوديت وهم تحت الناموس اتسموا بروح التقوى العجيبة.

‌ج. وفي عهد النعمة حيث نلنا نعمة فوق نعمة (يو 1: 16)، تلامسنا مع شخصيات من بيئات مختلفة مثل التلاميذ والرسل وكثير من آباء الكنيسة الأولي، والنساء القديسات إلى يومنا هذا.

كثيرًا ما يتساءل الإنسان: هل سيكون موقف الذين تحت الناموس الطبيعي مثل الذين تحت الناموس الموسوي، وأيضًا مثل الذين في عهد النعمة. أعلن الرسول بولس أن الذين ليس لهم الناموس هم ناموس لأنفسهم (رو 2: 14). وفي نفس الوقت نرى غنى حب الله وحبه للبشرية بلا محاباة.

30. هل عطايا رجال الإيمان واحدة للكل؟

يقدم لنا الكتاب المقدس أمثله لعمل الإيمان في حياة كثيرين لندرك أنه يقدم لكل إنسان ما يُشبع احتياجاته (عب 11). وكما قال القديس أفراهاط: [هابيل، بإيمانه قُبلت تقدمته. وأخنوخ، بإيمانه سُر به ونًزع من الموت. ونوح، إذ آمن حُفظ من الطوفان. وإبراهيم، بإيمانه نال بركة وحُسب له برًا. واسحق، بإيمانه صار محبوبًا. ويعقوب، بإيمانه حُفظ. ويوسف، بإيمانه جُرب في مياه النضال وخُلص من تجربته، وأقام الرب معه عهدًا، إذ قال داود: "جعله شهادة في يوسف" (مز 81: 5). وموسى أيضًا بإيمانه تمم أعمالاً قوية عجيبة. بإيمانه أهلك المصريين بعشرة ضربات. وبالإيمان شق البحر، وعبر بشعبه، بينما غرق المصريون في وسطه. بالإيمان طرح خشبة في المياه المرة فصارت حلوة. بالإيمان انزل منًا أشبع شعبه. بالإيمان بسط يديه وهزم عماليق، كما كُتب: "كانت يداه ثابتتين في إيمان إلى غروب الشمس" (خر 17: 12 ترجمة بشيتو السريانية Pechito). أيضًا بالإيمان صعد إلى جبل سيناء عندما صام مرتين أربعين يومًا. أيضًا بإيمان هزم سيحون وعوج ملكي العموريين[75].]

31. هل عند الله محاباة بين المؤمنين؟

يكشف الله عن نفسه وأسراره وخطته لكل من يشتاق ويطلب ذلك بغير محاباة.

فالصبي الصغير صموئيل الذي بمسرةٍ ترك بيت والديه وعاش في الهيكل بقلب غيور، على مجد الله، تأهل دون عالي الكاهن أن يسمع صوت الرب، ويتقبل أسرار خطته لشعبه.

وموسى النبي الذي "أبى أن يُدعى ابن ابنة فرعون، مفضلاً بالحري أن يُذل مع شعب الله على أن يكون له تمتع وقتي بالخطية، حاسبًا عار المسيح غنى أفضل من خزائن مصر" (عب 11: 24-26)، تأهل أن يرى سرّ التجسد في العليقة الملتهبة نارًا (خر 3: 2-4)، ودُعي لقيادة الشعب، واستلام الشريعة الخ.

وإذ كان قلب إشعياء مملوءٍ غيرة على بيت الرب وشعبه تأهل ليرى السيد الرب جالسًا وأذياله تملأ الهيكل. سأله الرب عمن يرسله للخدمة فأجابه: "هأنذا أرسلني" (إش 6: 8).

يقول بولس الرسول وهو في أثينا وسط الفلاسفة عن الله: "عن كل واحدٍ منّا ليس بعيدًا، لأننا به نحيا ونتحرك ونوجد" (أع 17: 27-28).

32. ما هي علامات الإيمان الحي؟

أ. الشعور بأن حياتي هي رحلة ممتعة، في صحبة مخلصي رب المجد يسوع المصلوب، حتى في وسط الضيقات.

ب. حياتي الكنسية تدعم علاقتي الشخصية بالثالوث القدوس، وعلاقتي الشخصية تحثني على الحياة الكنسية.

ج. الاشتياق إل مجيء الرب على السحاب.

د. التقدم الروحي مستمر، لعلي أبلغ إلى قياس قامة ملء المسيح (أف 4: 13).

ه. محبة كل البشرية والصلاة من أجل خلاص حتى المقاومين للإيمان.

و. النمو في المعرفة خلال الكتاب المقدس والتمتع بخبرة الآباء القديسين.

س. الصلاة من أجل العالم كله والأجيال القادمة حتى مجيء الرب.

ح. التمتع بخبرة الانضمام للسمائيين.

 


 

4. الكتاب المقدس

1. لماذا الكتاب المقدس؟

في بدء الخليقة لم يكن آدم وحواء في حاجة إلى كلمات مكتوبة وهما في جنة عدن قبل السقوط، لأنهما كانا يلتقيان مع الرب وجهًا لوجه، وكانت نعمة الله عاملة فيهما. كانا صديقين له. حتمًا كانا دائمًا يسبحانه بفرحٍ وتهليلٍ. وكانا كالسمائيين وهم يسبحون الله ويمجدونه. كانا في حالة شبع داخلي، يتطلعان إلى الطبيعة بجمالها ويدركان أن كل المخلوقات تسبح الله، كل واحدٍ بلغته في سلامٍ عجيب. لكن العصيان عزلهما عن مصدر الحياة، صارا في رعبٍ. سقط الإنسان في الخطية فاظلَّم عقله وضميره (رو 1: 21)، وصار عاجزًا عن أن يسترد علاقته مع خالقه كما كانت قبل السقوط. لم يكن ممكنًا لله محب البشر ألا يُصلح من شأن الإنسان الذي خلقه على صورته ومثاله .

تشهد الطبيعة التي خلقها القدير عن قدرته كما عن رعايته الفائقة. "ما أعظم أعمالك يا رب! كلها بحكمة صُنعت. ملآنة الأرض من غناك" (مز 104 (103): 24). هذا وقد وهب الخالق الإنسان ناموسًا طبيعيًا في قلوبهم، "شاهدًا أيضًا ضميرهم وأفكارهم فيما بينها مشتكية أو محتجة، في اليوم الذي فيه يدين الله سرائر الناس حسب إنجيلي بيسوع المسيح" (رو 2: 15 – 16).

بجانب الطبيعة التي تشهد للإنسان عن الخالق، والناموس الطبيعي في داخل الإنسان، أعلن الله عن خطته للخلاص، بتقديم المسيا نفسه ذبيحة وكفارة عن العالم كله:

أولاً: اختار الله عبر التاريخ أُناسًا يشتاقون إلى خلاص البشر، وأعلن لهم بالروح نبوات تكشف عن سرّ الخلاص، وتجسد الكلمة وحلوله بيننا وتقديم نفسه ذبيحة وهو رئيس الكهنة السماوي وآلامه وصلبه وموته ودفنه ونزوله إلى الجحيم وتحرير المؤمنين الذين رقدوا، وصعوده إلى السماء ومجيئه الثاني حيث تنحل السماء والأرض ونتمتع بأورشليم العليا أمنا.

ثانيًا: هذه الإعلانات جاءت خلال رؤى وأحلام وأحاديث الله معهم.

ثالثًا: قدم الله لشعبه أحداثًا تاريخية واقعية تحمل رموزًا للعمل الإلهي الخلاصي. وذلك كما قال السيد المسيح: "وكما رفع موسى الحية في البرية، هكذا ينبغي أن يُرفع ابن الإنسان لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية" (يو 3: 14 – 15).

احتاج الإنسان العاصي والجاحد خالقه أن يعلن له الله عن وجوده الإلهي وحبه له، والتعرُّف على خطته وقدرته على إصلاح أمره بوسيلة أو بأخرى، سواء بالإعلان الإلهي عن طريق الخليقة الشاهدة لذلك أو بطريقة فائقة كالوحي الإلهي.

صارا بنو البشر في حاجةٍ إلى الإعلان الإلهي يكشف لهم عن طريق خلاصهم. لهذا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كانت نعمة الله كافية أن تعمل في قلوبنا ككتابٍ حيٍّ نقرأه، لكنّنا إذ لم نتجاوب مع نعمته التزم من أجل محبّته أن يقدّم كلمته مكتوبة.] [يا له من شرّ عظيم قد أصابنا! فإنه إذ كان ينبغي علينا أن نعيش بنقاوة هكذا فلا نحتاج إلى كلمات مكتوبة، إنّما نخضع قلوبنا للروح ككتبٍ! أمّا وقد فقدنا هذه الكرامة صرنا في حاجة إلى هذه الكتب[76].]

كان الله يُعد البشر لقبول الإنجيل كأخبار مفرحة بخصوص نزول كلمة الله متجسدًا ويقدم لهم الخلاص المجاني. هذا ما يصف لنا القديس يوحنا الذهبي الفم، قائلاً:

 [نعم، لأنه عفو عن العقوبة، وغفران للخطايا، وتبرير وتقدّيس وخلاص (1 كو 1: 30)، وتبنّي، وميراث السماوات، ودخول في علاقة مع ابن الله الذي جاء ليُعلن (ذلك) للكل: للأعداء والصالبين وللجالسين في الظلمة. أي شيء يعادل مثل هذه الأخبار المفرحة؟! فقد صار الله على الأرض، وصار الإنسان في السماء، واختلط الكل معًا.

اختلطت الملائكة مع صفوف البشر، وصار البشر في صحبة الملائكة والقوات العلويّة الأخرى.

هوذا الإنسان يرى الحرب الطويلة قد انتهت، وتحقّقت المصالحة بين الله وطبيعتنا. صار إبليس في خزي، وهربت الشيّاطين، وباد الموت، وانفتح الفردوس، وزالت اللعنة، ونُزعت الخطيّة من الطريق.

زال الخطأ وعاد الحق وبُذرت كلمة التقوى في الموضع وترعرعت، وأقيم نظام السمائيّين (العلويّين) على الأرض، ودخلت هذه القوات معنا في معاملات آمنة، وصارت الملائكة تردّد على الأرض باستمرار، وفاض الرجاء في الأمور العتيدة بغزارة[77].]

2. لماذا الحاجة إلى دراسة الكتاب المقدس بعمقٍ؟

يقول السيد المسيح: "فتشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية، وهي التي تشهد لي" (يو 5: 39). كأنه يقول لهم: "لا يكفي أنكم تفتخرون باقتنائكم الكتب، وأنكم تقرأونها، إنما يلزم أن تفتشوا فيها باجتهاد لتتمتعوا بخلاصكم وحياتكم الأبدية، فإن جميعها تدور حول مجيئي إليكم". يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن العبارة هنا تشير إلى الذين يبحثون عن المعادن النفيسة في بطن الأرض، يحفرون المناجم ويبحثون باهتمام عن المعدن النفيس حتى يجدوه.

يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم حتى قوائم الأسماء الواردة في الكتاب لها معناها العميق[78]، وقد كرّس عظتين لشرح التحيّات الواردة في الأصحاح السادس عشر من الرسالة إلى رومية ليُعلن أن كنوز الحكمة مخفيّة في كل كلمة نطق بها الروح[79]. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:

[أرسل المسيح لليهود الكتب، ليس للقراءة العادية لها، لكنه أرسلهم ليبحثوها بحثًا بليغًا متصفحًا، لأنه لم يقل اقرأوا الكتب بل قال: "فتشوا الكتب"، لهذا يأمرهم أن يتعمقوا فيها، لأن الأقوال التي قيلت عنه تحتاج إلى اهتمامٍ كبيرٍ ليمكنهم أن يجدوا الفوائد الموضوعة في أعماقها.]

[يوجد ضعف في الاستماع وذلك كالمعدة الضعيفة التي لا تتقبل كل الأطعمة الدسمة العسرة الهضم. هكذا النفس أيضًا متى كانت متعجرفة ثائرة ومتوترة الأعصاب ومستهترة، فإنها لا تقدر أن تتقبل كلمة الروح. اسمع قول الرسول: "هذا الكلام صعب من يقدر أن يسمعه؟!" (يو ٦: ٦٠)، لكن متى كانت النفس قوية وصحيحة يكون كل شيء بالنسبة لها سهلاً وخفيفًا ويصير كل شيء بالنسبة لها في أكثر سمو ونشاط، فترتفع محلقة في الأعالي[80].]

[ليتنا إذن لا نصغي بعدم مبالاة، فإنه حتى في تمحيص التراب المعدني، عندما يلقونه في الفرن، لا يأخذون قطع الذهب الضخمة فحسب، وإنما يجمعون حتى الأجزاء الصغيرة بكل عناية. هكذا نحن نشبه أناسًا يصهرون ذهبًا مستخرجًا من المناجم الرسولية، لا بإلقائه في الفرن، بل بإيداعه في أذهان نفوسكم. لا بإشعال نار أرضية، بل بالتهاب الروح! لنجمع الأجزاء الصغيرة بجدية. فإن اللآلئ أيضًا لها سوقها الخاص، لا حسب حجمها، بل حسب جمال طبيعتها[81].]

3. هل يُنقش الكتاب المقدس في القلب النقي ويُحفظ فيه؟

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [حقًا يليق بنا لا أن نطلب معونة الكلمة المكتوبة فحسب، وإنما أن نظهر حياتنا نقيّة هكذا، فتكون لنا نعمة الروح عِوض الكتب بالنسبة لنفوسنا. فكما كُتب بالحبر في الكتب هكذا تُسجّل بالروح في قلوبنا[82].] [لم تُعط لنا الأسفار المقدسة لنسجلها في كتبٍ، بل لكي نحفرها في قلوبنا... لست أقول هذا لأصدكم عن امتلاك الكتب المقدسة، بل على العكس إني أحبذها، وأطلب في تصميم أن تقتنوا الكتب المقدسة. ولكنني أرجو وأتعشم أن تنتقل الحروف والمعاني من هذه الكتب إلى أفهامكم وعقولكم، حتى تتطهر العقول والأفهام عندما تتلقى هذه الكتب وتدرك معانيها السامية. لأنه أن كان لا يجرؤ الشيطان أن يقترب إلى منزل يوجد فيه الإنجيل، فبالأولى لا يجرؤ أي روح شرير أو طبيعة خاطئة أن تلمس أو تدخل نفسًا تحمل معها مثل هذه المشاعر والأحاسيس التي تحتويها الكتب. لذلك يجب عليكم أن تحفظوا كلام الله في قلوبكم على الدوام، ويكون على لسانكم باستمرار. فإن كان الكلام القبيح يدنس ويدعو الشيطان، فمن الجلي أن القراءات الروحية تقدس وتأتي إلى النفس بنعمة الروح القدس. الكتب المقدسة هي سحر إلهي شافٍ، لذلك وجب علينا أن نعالج أرواحنا بهذا الدواء النابع منها[83].]

4. ما هي نظرة المؤمن للكتاب المقدس؟

يعشق المؤمن الكتاب المقدس المُوحَى به بالروح القدس، إذ يُدرِك أنه صوت الله محبوبه، الذي يُقَدِّم له الحق الإلهي، والحياة الأبدية، فيسمو إذ يدخل مع الله في حوارٍ مُمتعٍ خفي، ويبقى قلبه يناجيه بلا توقُّف. هذا لا يتعارض مع إيماننا أن الرب خالق العقل يُقَدِّس العقل ويسمو به، فيتمتَّع المؤمن بالحق الإلهي ويُسرّ به، ويفكر فيه، بكونه كلمة الحياة.

هذا وتشعر الكنيسة أنها تلتزم بالمحافظة على ما أعلنه الله لمن اختارهم للكتابة سواء في العهد القديم أو العهد الجديد، ولا يجوز لها أن تخالفه في شيء. وليس من حق الكنيسة أو أي عضو فيها أن يغيّر في نصوص الكتاب المقدس. وأي قرار كنسي يصير شرعيًّا إن اعتمد على الكتاب المقدس.

يقول القديس باسيليوس الكبير: [ما هي علامة المسيحي؟ الإيمان العامل بالمحبة (غل 5: 6). وما هي علامة الإيمان؟ الاقتناع الأكيد بأن الكلمات الموحى بها هي حق لا تهتز بسبب أية عملية للتفكير العقلاني (الجاف)، ولا بالتذرّع بفروض طبيعية، ولا بمظاهر تقوى باطلة. وما هي علامة النفس المخلصة؟ أن تكون في هذه النزعات في قبولٍ كاملٍ لسلطان كلمات (الكتاب المقدس)، دون مخاطرة برفض أي شيء أو إضافة أية زيادات. فإنه إن كان كل ما هو ليس من الإيمان هو خطية كما يقول الرسول (رو 14: 23)، وأن الإيمان يأتي من السمع، والسمع بواسطة كلمة الله (رو 10: 17)، وكل ما هو خارج الكتاب المقدس (أي مضاد له) ليس من الإيمان وهو خطية[84].]

أما عن دور الكتاب المقدس في حياتنا، يحدثنا القديس إكليمنضس السكندري عنه كمصدر تعليم وتدريب في حياة الإنسان، راعيًا كان أو من الشعب، قائلاً: [حقًا مقدسة هي هذه الكتب التي تقدس وتؤله... ليس إنسان هكذا يتأثر بنصائح أي قديس من القديسين كما يتأثر بكلمات الرب نفسه محب البشر. لأن هذا هو عمله، بل عمله الوحيد، خلاص الإنسان، لهذا يحثهم على الخلاص ويفرح، قائلاً: "ملكوت السماوات داخلكم" (لو 17: 21)... فالإيمان يقودك فيه، والخبرة تعلمك، والكتاب المقدس يدربك[85].]

ويقول القديس باسيليوس الكبير: [دراسة الأسفار المُوحَى بها هي الطريق الرئيسي للتعرُّف على [التزامنا. فإننا نجد فيه التعليم بخصوص السلوك، وأيضًا حياة الطوباويين مُسجَّلة كتابة بكونهم يتنسَّمون صور الحياة التقية، فنقتدي بأعمالهم الصالحة[86].] ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [بعبارات صغيرة يزرع (الكتاب) الحكمة الإلهية في كل من يكون مهتمًا، وفي دفعات كثيرة عبارة واحدة تقدم للذين يقبلونها يمكن أن تكون مصدرًا لمؤنة رحلة الحياة كلها[87].]

يحدثنا القديس يوحنا الذهبي الفم عن قوة كلمة الله في حياة المؤمن، قائلاً:

[أُعطي الكتاب المقدس بهذا الهدف أن يكون إنسان الله كاملاً به، بدونه لن يمكن أن يكون كاملاً. يقول (الرسول): لديك الكتب المقدسة عوضًا عني. إن أردت أن تتعلم شيئًا فتعلمه منها. هذا كتبه لتيموثاوس المملوء من الروح، فكم بالأكثر يكون بالنسبة لنا![88]] [بذرة الإنجيل هي أصغر البذور، لأن التلاميذ كانوا أكثر حياءً من غيرهم، لكنهم يحملون فيهم قوّة عظيمة، فانتشرت كرازتهم في العالم كله[89].] [أخبرني إذن كيف فُقد الجزء الأكبر من البذار؟ إنها لم تفقد بسبب الباذر، إنّما بسبب الأراضي التي لم تقبلها، أي النفوس التي لم تنصت لها.] [كلمة واحدة من الكتب الإلهيّة هي أكثر فاعلية من النار! إنها تلين قسوة النفس، وتُهيئها لكل عمل صالح[90].]

 [معرفة الكتب المقدسة تقوي الروح، وتنقي الضمير وتنزع الشهوات الطاغية، وتُعَمِّق الفضيلة، وتتسامى بالعقل، وتعطي قدرة لمواجهة المفاجآت غير المنتظرة، وتحمي من ضربات الشيطان، وتنقلنا إلى السماء عينها، وتحرر الإنسان من الجسد، وتهبه أجنحة للطيران[91].]

[سواء خلص الإنسان أم هلك فإن الإنجيل يبقى في قوته. النور حتى وإن أعمى أحدًا فهو نور. والعسل وإن كان مرًا بالنسبة للمرضى لا يزال حلوًا. هكذا الإنجيل له رائحة ذكية للكل حتى إن هلك الذين لم يؤمنوا به[92].] [إن ضاع إنسان لا يلوم إلا نفسه. فالطيب الملطف يُقال أنه يخنق الخنازير. النور يعمى الضعفاء. ففي طبيعة الأمور الصالحة ليس فقط أن تُصلح من يلتصق بها، بل وتحطم المقاوم لها، هكذا تعمل قوتها[93].]

5. ما هي نظرة آباء الكنيسة للكتاب المقدس؟

أ. الكتاب المقدس سراج منير: يقول القديس كيرلس الكبير: [كلمة الله هو موضوع إيماننا، وهو النور. فالسراج هو الإيمان، إذ كان هو النور الحقيقي الذي يضيء لكل إنسان آتيًا إلى العالم (يو 9:1)1.]

يقول العلامة أوريجينوس: [كان النور بالحق مخفيًا ومحتجبًا في ناموس موسى، لكن لما جاء يسوع أشرق، إذ رُفع البرقع، وأُعلنت في الحال وبالحق البركات التي قُدِّمَ ظلها في الحرف1.]

يقول القديس أغسطينوس: [لا يوجد عائق عن نوال أحكام الله، إلا عدم الرغبة فيها... فإن نورها واضح ومُشرِق.]

يقول القديس مار يعقوب السروجي: [ربنا، كلمتك كلها نور لمن يحبها، بها أستنير، لأتكلم في العالم عن خبرك (مزمور 119: 105). ربنا، أنت نهار عظيم لمن يسير فيك، بنورك أتحرك لأسير بدون عثرات. العالم مظلم، وأنت نيّر يا ابن الله، بنورك ومعك أسير إلى أبيك[94].]

ب. الكتاب المقدس فردوس النفس وطعامها الحلو: يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [نعم، بالحري القراءة في الأسفار الإلهية ليست روضة فحسب، بل هي فردوس. فإن الزهور ليس فيها رائحة فقط، وإنما أيضًا ثمار قادرة أن تُنعِشَ النفس[95].]

يقول القديس أغسطينوس: [الآن تعليم الحكمة المُعلَن يشبه العسل، وكالشهد الذي يُضغَط عليه من الأسرار الغامضة كما يُفعَل بخلايا الشمع بفم المُعلم كمن يمضغه، فيكون حلوًا في فم القلب لا الفم الجسدي.] ويقول مار اسحق أسقف نينوى: [أحيانًا يكون لعبارات كتابية عذوبة متزايدة في الفم (مز 103:119) كما يكرر المرء عبارة بسيطة في الصلاة عدة مرات دون أن يشبع منها، وينتقل منها إلى عبارة أخرى3.]

يقول القديس جيروم: [أي شيءٍ مبهج أكثر من تلك البهجة التي نجدها فيه؟! أي طعام، أي عسل أحلى من تعلم خطة حكمة اللَّه، والدخول إلى مقدسه، والتأمل في فكر الخالق، وترديد كلمات ربكم التي وإن كانت تسخر بها حكمة هذا العالم، لكنها في الحقيقة مملوءة حكمة روحية؟! لتكن ثروة الآخرين إن أرادوا وشربهم في كؤوس مطعمة بالجواهر، ولبسهم الحرير، ويستدفئوا بمديح الناس كما لو كانوا عاجزين عن اقتناء غناهم في كل أنواع الملذات. أما بهجتنا نحن فهي في التأمل في ناموس الرب نهارًا وليلاً، وقرع بابه عندما لا يكون مفتوحًا، واستلام خبز الثالوث، وسير اللَّه أمامنا على أمواج العالم[96].]

ج. الكتاب المقدس وليمة العريس: يقول القديس مار يعقوب السروجي: [كل حوادث العالم ينهيها الموت، هلم واسمع منا خبرًا منه تنبع الحياة... عروس النور دعتنا اليوم لنتنعَّم معها، لقد ذبحت الختن وها هي توزعه على المائدة (الروحية).

د. الكتاب المقدس ميناء الحياة: يقول العلامة أوريجينوس: [لست أتوهم ولا أطلب أن تحيني حسب سلوكي (برِّي الذاتي)، وإنما حسب أحكامك، بمعنى آخر أحيني بالطريقة التي تريدني أن أحيا بها، فإنني أريد أنا أيضًا أن أحيا.]

يقول القديس مار يعقوب السروجي: [الأسفار الإلهية هي مواني الحياة، اصعدوا أيها المتميزون من الأمواج، واستريحوا في المواني... هوذا الكنوز مطمورة في أسفار اللاهوت، ومن يريد، يأخذ الغنى غير المحدود[97].]

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [من المفيد جدًا قراءة الكتاب المقدس، فإنها تجعل النفس حكيمة، وتوجّه الروح نحو السماء، وتحرّك الإنسان نحو الشكر، وتهلك الرغبة في الأمور الأرضية، وتدع أذهاننا تتمعن باستمرار في العالم الآخر[98].] [لا يمكن لمن أنعم عليه بفاعلية كلام الله أن يبقى هكذا في هذا الانحطاط الحاضر، بل بالأحرى يطلب له جناحين ينطلق بهما حالاً إلى الأرض العلوية، مكتشفًا نور الصالحات غير المحدودة[99].]

[ألا ترون أنه ليس بدون سبب يتحدث هذا الإنجيلي (يوحنا) إلينا من السماء؟ انظروا كيف أنه منذ البادية يسحب نفوسنا ويهبها أجنحة ويصعد بأذهان سامعيه معه. إذ يصعد بها إلى ما هو أعلي من كل المحسوسات، أعلي من الأرض والسماء، ويمسك بيدها ويقودها فوق الملائكة أنفسهم، فوق الشاروبيم والسيرافيم، فوق العروش والرؤساء والسلاطين؛ وفي اختصار يقودها إلى رحلة تعبر فوق كل المخلوقات[100].]

ه. الكتاب المقدس طبيب النفس ودواءها: صار البشر في العالم لا كمن هم في دار محكمة يترقَّبون حُكْم الموت الأبدي، إنما في مستشفى يحتاجون إلى أدوية وعلاج ألا وهي أسفار الكتاب المقدس، يُقَدِّمها الطبيب الإلهي المُهتَم بخلاصنا. بالكتاب المقدس نتحدَّى الشر والفساد والموت الأبدي، وبروح الرجاء نترقَّب يوم مجيء الرب بكونه عريسنا السماوي.

يقول القديس باسيليوس: [إنكِ ستجدين أدوية كثيرة ضد الشرِّ في الكتاب المقدَّس، تجدين علاجًا للخلاص من الخراب والعودة إلى الصحَّة. أسرار الموت والقيامة، عبارات العقوبة الأبديَّة، تعاليم التوبة ومغفرة الخطايا (باستحقاق دم المسيح)، تلك الصور التي لا حصر لها للحديث (عن الأدويَّة)، مثل الدرهم المفقود، والخروف الضال، والابن الذي أضاع كل ماله على الزواني، الذي كان ضالاً ووُجِد، ميِتًا فعاش. ليتنا لا نستخدم هذه الأدويَّة التي لأجل مرضنا (لكي تكون شاهدًا علينا)، بل لكي تشفي نفوسنا[101].]

كما يقول: [حياة النفس هي الكتب الإلهية، ومن يحيا بها فحياته أسمى من الطبيعة... الكتب هي أطباء النفس المريضة، وعباراتها موضوعة كالعقاقير الجيدة[102].]

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لأننا رائحة المسيح الزكيّة لله في الذين يخلُصون وفي الذين يهلَكون" (2 كو 2: 15). يقول سواء في الذين يخلُصون أو الذين يهلِكون يستمر الإنجيل في عمله اللائق؛ وكما أن النور وإن كان يحسب عَمَى بالنسبة للضعيف لكنه يبقى نورًا... والعسل في فم المرضى مُرّ لكنه في طبعه حلو؛ هكذا للإنجيل رائحته الزكيّة حتى وإن كان البعض يهلك بسبب عدم إيمانهم به، لأنه ليس هو السبب في هلاكهم إنما ضلالهم هو السبب... بالمخلِّص يسقط ويقوم كثيرون لكنه يبقى هو المخلِّص حتى وإن هلك ربوات... فهو لا يزال مستمرًا في تقديم الشفاء[103].]

و. الكتاب المقدس اللؤلؤة الخفية: يقول القديس جيروم: [كل كلمة من الكتاب المقدس لها رمزها الخاص. هذه الكلمات البسيطة يتأملها الأشخاص في كل جيلٍ وهي تُغلّف معنى سريًا كاملاً... "ولكن لنا هذا الكنز في أوانٍ خزفية" (2 كو 4: 7). لنا كنز إلهي من المعاني في كلمات عادية جدًا[104].] ويقول القديس مار يعقوب السروجي: [أسفار (الكتاب المقدس) محيط تجد فيه الدَّرة الخفية. فعلى المفسر أن يغطس في الماء ليستخرجها. يغطس العقل في الأسفار، ويستخرج الدرَّة، ويُريها للتجار.]

ز. الكتاب المقدس مُرشِد للإنسان: يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [من المفيد جدًا قراءة الكتاب المقدس، فإنها تجعل النفس حكيمة، وتوجّه الروح نحو السماء... وتدع أذهاننا تتمعن باستمرار في العالم الآخر[105].]

ح. الكتاب المقدس يستأصل شجرة الشر: جاءت الكلمات الإلهيّة المكتوبة كعلاج لضعفنا البشري. يقول الذهبي الفم: [تعليمك ممتلئ عيون نور من كل جانب، وهو يُنقِّي طريق العالم من العثرات[106].]

ويقول مار يعقوب السروجي: [امسك سيف الروح الذي هو كلمة الحياة، وحطِّم ضربات العدو والقها عنك. أحِطْ نفسك برمح الكاروب الناري. إنها حراسة يقظة، أي كمال كل الوصايا[107].] ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لقد سمعتم الصوت الرسولي. إنه بوق من السماء (رؤ 1: 10) ، وقيثارة روحية. فكما أن البوق يعطي صوتًا مرعبًا ينبه إلى قيام حرب، فإنه من جانب يفزع العدو، ومن الجانب الآخر يثير حماس النفوس الواهنة، ويملأها جسارة عظيمة، ويجعل أولئك الذين ينصتون إليه ضد إبليس لا يُقهرون. مرة أخرى فإنه كقيثارة يهدئ النفوس الأسيرة بإيقاع عذب، ويزيل عنها قلق الأفكار الفاسدة[108].]

ط. بالكتاب المقدس يتكلم الروح فينا: يقول مار يعقوب السروجي: [بكلمتك روحك يتكلم فيَّ، لأنه ليس لي قدرة الكلام عنك[109].]

6. كيف يدعونا الكتاب المقدس نحن وجميع الأمم للهتاف والتسبيح؟

يدعو الكتاب المقدس جميع الأمم للهتاف والتسبيح (مز 47: 1؛ 98: 4)، لعل كل الأرض تتحوَّل إلى سماءٍ متهللةٍ بالرب. هذه الدعوة موجَّهة على وجه الخصوص لمستقيمي القلوب (مز 32: 11؛ 33: 1)، كما هي موجَّهة لكل مؤمنٍ كعطية شخصية (مز 9: 2). يشعر المؤمن أن كل الأمور تسير على ما يرام، ليس عندما يتمتَّع بصحة جيدة أو ينال نجاحًا في عملٍ ما، إنما عندما يدرك أنه اقتنى الله مصدر الشبع والحكمة والفرح والتهليل. فيصرخ قلبه في كل صباح قائلاً: "فلتعرف لك الشعوب يا الله، فلتعرف لك الشعوب كلها، لتفرح الأمم وتبتهج" (مز 66 LXX).

يقول القديس باسيليوس الكبير: ["اهتفوا أيها الصديقون بالرب، بالمستقيمين يليق التسبيح" (مز 33: 1). كثيرًا ما نسمع عن صرخات الهتاف في الكتاب المقدس، التي تُعَبِّر عن حالة النفس السعيدة جدًا، والمملوءة فرحًا. ليس لأن كل شيءٍ يسير على ما يرام، وليس لأجل صحة جسدية، ولا لأن الحقول أتت بالثمار من كل نوعٍ، بل لأنكم اقتنيتم الرب. فهو الجميل، الطيب والحكيم! ألا يكفيكم هذا الفرح الذي ملأكم به؟ يجب إذن أن يبتهج الإنسان عندما يمتلئ بالفرح والتهليل، لأجل هذا الخير ويعمل لحفظه[110].]

هذا ما تغنَّى به المرتل قبل مجيء المخلص، قائلاً "وفي كل الأمم خلاصك" (مز 67: 2)، وما ملأ قلب سمعان الشيخ بالفرح، حين حمله على ذراعيه، وسبَّحه قائلاً: "لأن عينيَّ قد أبصرتا خلاصك، الذي أعددته قدام جميع الشعوب" (لو 2: 30-31).

يقول القديس أغسطينوس: [اسمعوا العبارة التالية كيف يتحدث ليس في جزئية: "يحمدك الشعوب كلهم" (مز 67: 3) لتسيروا في الطريق معًا مع كل الأمم؛ سيروا في الطريق معًا مع كل الشعوب، يا أبناء السلام، أبناء الكنيسة الواحدة الكاثوليكية (الجامعة). سيروا في الطريق متطلعين، وأنتم تسيرون.]

[الذين يخافون اللصوص يغنون (في الطريق) فكم بالأكثر وأنتم في أمان تغنون في المسيح! هذا الطريق ليس فيه لصوص إلا إذا تركتم الطريق فإنكم تسقطون في أيدي اللصوص.]

يقول الأب أنسيمُس الأورشليمي: [يدعو النبي كافة الناس إلى التوبة والاعتراف بإحسان الله. فقوله: "الشعوب كلهم" (مز 67: 5) يحتوي على نبوة أنه مزمع بكل مكان أن يُقرِّب لله ذبيحة التسبيح والصلاة، وليس عند اليهود وفي أورشليم فقط.]

ونحن كمؤمنين يلزم أن تتهلل قلوبنا بالرب على الدوام. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:

["لتسكن فيكم كلمة المسيح بغنى، وأنتم بكل حكمة معلمون ومنذرون بعضكم بعضا بمزامير وتسابيح وأغاني روحية بنعمة، مترنمين في قلوبكم للرب" (كو 3 : 16)...

تأملوا مراعاة بولس لمشاعر الآخرين، فإذ يرى أن القراءة مجهدة، تثير الضجر إلى حد بعيد، فإنه لم يوجه أنظارهم إلى بالأسفار التاريخية بل إلى المزامير، حتى تبهجوا نفوسكم بالترنيم وبرقة تسلّون رفقاءكم، إذ يقول "بترانيم وأغاني روحية" لكن أولادكم الآن يتفوهون بأغاني ورقصات الشيطان، فالطهاة والخدم والموسيقيون، ليس منهم أحد يعرف أي مزمور، لكنه أمر يخجلون منه بل ويسخرون منه ويتهكمون عليه. وهنا مكمن كل الشرور...

علِّمه أن يرِّنم تلك المزامير المملوءة بحب الحكمة، إذ تخص العفة أو بالحري ومثل كل شيء لا تجعله يصاحب الأشرار، ما إن يستهل قراءة الكتاب (سفر المزامير)...

وحينما يتعلم بواسطة المزامير، سيعرف الترانيم أيضًا، كشيءٍ مقدسٍ. لأن القوات العلوية تنشد الترانيم، وليس المزامير. إذ يقول الجامعة: "إن الترنيمة ليست حلوة في فم الخاطئ"

فما هي ترنيمة العلويين؟ يعرفها المؤمن. ماذا يقول الشاروبيم في العلاء؟ ماذا يقول الملائكة؟ "المجد لله في الأعالي" لهذا بعد الأبصلمودية (المزامير) تأتي الترانيم، كشيء أكثر كمالاً...

حتى وإن كنتم في السوق، يمكن لكم أن تتماسكوا وترنموا لله دون أن يسمعكم أحد. لأن موسى أيضا قد صلى هكذا، وسمعه الله إذ يقول له الله، ما لك تصرخ إلىّ"؟ (خر 15:14) مع أنه لم يقُل شيئًا. بل صرخ بأفكاره، فلم يسمعه إلا الله وحده، إذ كان يصرخ بقلبٍ منسحقٍ. فليس محرمًا أن يصلي الإنسان بقلبه حتى وهو سائر على قدميه، إذ يسكن (بفكره) العلاء[111].]

7. ما هي غاية الكتاب المقدس؟

إنه يدعونا للحياة السماوية بدون إلزام قهري! يُقدِّس الله الحرية الإنسانية، فيكشف لنا عن طريق الحياة وطريق الموت، التمتُّع بالنور الإلهي أو الانحراف إلى ظلمة إبليس. إنه يترك كمال الحرية لاختيار أحد الطريقين، وفي نفس الوقت يعمل فينا لتكون لنا الإرادة المقدسة دون إلزام من جانبه.

يقول القديس باسيليوس الكبير: [يليق بالمسيحي أن يميل بأن يسلك بما يليق بدعوته السماوية، وأن تكون حياته ومحاوراته تليق بإنجيل المسيح[112].]

8. كيف نتمتع بأسرار الكتاب المقدس؟

أ. قراءة الكتاب المقدس بالمحبة: يقول مار يعقوب السروجي: [من يحب يجد الكثير من التعليم، لأن المحبة تفتح الباب لقبول الكلمة[113].]

ب. قراءة الكتاب المقدس مع طلب نعمة الله: [تُحرِّك النعمة طلب ذاك الذي يسأل، وتقترب النعمة عينها، فتتَّحد بعقل من يسأل، بالرغم من فقره ومسكنته، ليُعطي له ما طُلب منها.]

ج. التعري عن محبة العالم التي تعمي النفس عن إدراك الحق: يقول مار يعقوب السروجي: [لو لم تعمي محبة العالم نفوسنا لئلا تنظر إلى غنى تدبير المسيح، لتبين لها بوضوح الكنوز العظيمة المطمورة في أخبار أسفاره المقدسة... لو قامت النفس عارية بنقاوة طبيعتها، وهي غير لابسة المحبة الغريبة، لكان سهلاً عليها أن تنظر وترى وتفتش وتجد وتدرك وتنال كل ما تسأل، وتنفذ كل ما تشاء، وتتكلم وهي تفيد الأخرين.]

د. قراءة الكتاب المقدس بتواضعٍ: يقول مار يعقوب السروجي: [إن لم تغطس النفس تحت التراب بالتواضع، لا يظهر لها جمال الكتاب، لأن جماله موجود حيث يشاهد تواضعه.]

ه. قراءة الكتاب المقدس بروح التسبيح: يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [علِّمه أن يُرِّنم تلك المزامير المملوءة بحب الحكمة، إذ تخص العفة، أو بالحري لا تجعله (المزامير) يصاحب الأشرار، ما أن يستهل قراءة الكتاب (سفر المزامير)[114].]

9. كيف يُقَدِّم لنا الكتاب المقدس الرب الحنَّان والعادل؟

يُقَدِّم لنا الكتاب المقدس الله الرحوم الحنَّان نحو البشرية، وفي محبته وحنوِّه لا يُحابِي أحدًا، فهو عادل أيضًا، وفي عدله يفتح أبواب مراحمه أمام الجميع بدون محاباة. كمثالٍ فاقت راعوث الأممية الكثير من اللواتي من شعب الله، وتمتَّعت المرأة الزانية خلال التوبة بما لم يتمتع به سمعان الفريسي.

يقول القديس باسيليوس الكبير: [يُبرز الكتاب المقدس في مواضع كثيرة برّ الله وحنانه، ويُعلِّمنا أن رحمة الله ليست بلا عدل، ولا العدل بلا رحمة. أيضًا يُقرِّر الرب مقدار محبته ورحمته للأبرار حسب رأفاته، كما يذكُر ضعفاتنا ويدينها بعدلٍ، وبمحبته للبشر سيزنها بالتساوي ويُدافع عنا، لأن "إلهنا يرحم". ورحمة الرب تترفق بالمتواضعين الذين صاروا في الآلام باختيارهم[115].]

10. لماذا قيل: كلمة الله دائمة إلى الأبد؟

يقول مار يعقوب السروجي: [كلمة الحياة لا زمان لها، لا تزول ولا تنحل، لأن كل الأزمان هي مُلكها. يتناثر العالم كالزهرة وقت قيظ الظهيرة الشديد، وكلمة الحياة لؤلؤة لمن يسمعها. يا محب العالم ألقِ الزهرة التي لا تدوم، وهلم وعلَّق في أذنك اللؤلؤة التي لا تُقدَّر بثمنٍ[116].]

11. ما هو موضوع الكرازة؟

يقول مار يعقوب السروجي: [ساعدني لأصير عاملاً بكلمتك بنشاط، وبها أنهي حسنًا مسيرة حياتي، أموت أنام وأنعس على تعليمك ولن انفصل عنك أيها الرفيق الصالح حتى في الموت[117].

12. ما هو موقف الهراطقة من الكتاب المقدس؟

أولاً: لا يدخلون من الباب: يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لاحظوا سمات اللص؛ أولاً أنه لا يدخل علانية؛ ثانياً لا يدخل حسب الكتب المقدسة، فهذا لا يعنيه، "لا يدخل من الباب" (يو 10: 1-6). هنا أيضًا يشير إلى الذين جاءوا قبلاً والذين سيأتون بعده، ضد المسيح والمسحاء الكذبة، يهوذا وثيداس (أع ٥:٣٦) وكل من على شاكلتهم.

في قول السيد المسيح: "إن الذي لا يدخل من الباب"، المقصود بالباب هنا هو الكتب المقدسة، لأنها تدخل بنا إلى الله، وتفتح لنا المعرفة بإلهنا، وهي تحفظنا، ولا تترك الذئاب تدخل إلينا، لأنها بصورة باب، تغلق المدخل في وجه ذوي البدع، وتصيرنا في صيانة من خداعهم، ولا تهملنا حتى لا ننخدع. لأننا بالكتب نعرف الرعاة، والذين ليسوا برعاة، ولهذا قال السيد المسيح لليهود: "فتشوا الكتب، لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية، وهي التي تشهد لي" (يو 5: 39). إنها تجلب موسى وتدعوه هو وكل الأنبياء شهودًا، إذ يقول: "كل من يسمع الأنبياء يأتي إليّ" وأيضًا: "لو صدقتم موسى تؤمنون بي"... حسنًا يقول: "يتسلق (يصعد) وليس "يدخل"، فإن التسلق هو من عمل السارق الذي يضع في نيته أن يقفز فوق السور، يفعل ذلك وهو معرض للخطر[118].

ثانيًا: إساءة استخدامهم للكتاب المقدس: تحدث القديس إكليمنضس السكندري عن إساءة الهراطقة في استخدامهم للكتاب المقدس، فقال:

[إن كان الذين يتبعون الهرطقات يتجاسرون ويحتمون في الكتب النبوية، فإنهم في المكان الأول لا يستخدمون الكتب المقدسة كلها ولا يقتبسون العبارات كاملة... إنما يختارون عبارات غامضة يحرفونها لخدمة آرائهم الخاصة، ويجمعون عبارات قليلة من هنا وهناك، غير مهتمين بالمعنى، إنما بمجرد استخدام للكلمات. في أغلب اقتباساتهم تجدهم يهتمون بالألفاظ وحدها محرفين المعاني... فلا يستخدمون الاقتباسات التي يدللون بها في طبيعتها الحقيقية[119].]

[مع أنهم يتحدثون عن اللّه الواحد، ويسبحون بالترنيمات للمسيح، لكنهم يتكلمون بغير تدقيق، مخالفين الحق، إذ اكتشفوا إله آخر وقبلوا مسيحًا ليس حسب النبوات. هؤلاء تعاليمهم باطلة، تعارض الحق، وهم ضدنا[120].]

[الكتب المقدسة بالنسبة للغنوسيين (الذين لهم معرفة حقيقية) هي حبلى، أما بالنسبة للهراطقة تبدو غير حبلى لأنهم لا يفهمونها[121].]

[ليت الذي تقبل الإنجيل مرة، حتى في الساعة التي دخل فيها إلى معرفة الخلاص، ألا ينظر إلى الوراء كما فعلت امرأة لوط، ولا يرتد إلى حياته الأولى المرتبطة بالحسيات أو الهرطقات[122].

ثالثًا: ينشغلون بالمباحثات الغبية المُفسدة للوقت وللهدف: يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يلزمنا إلاَّ ننشغل بالمباحثات، لأننا إذ نُسأل لا يكون للإيمان موضع، إذ الإيمان يعطي للمباحثات هدوءً. لكن لماذا يقول السيد: "اطلبوا تجدوا، اقرعوا يُفتح لكم" (مت ٧: ٧)؟ وأيضًا "فتشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية" (يو ٥: ٣٩)؟ الطلب يعني الصلاة والرغبة الشديدة. فهو يأمر بتفتيش الكتب لا للدخول في أتعاب المباحثات وإنما لإنهائها، بالتأكد من معناها الحقيقي، فلا نبقى بعد في مباحثات مستمرة وإنما نقطع فيها[123].]

13. لماذا يتعثر البعض في العهد القديم؟

يكشف آباء الكنيسة عن أسباب عثرة البعض في العهد القديم، وهي:

أ. الحاجة إلى مفتاح داود: يشعر القدِّيس جيروم الحاجة إلى مفتاح داود ليفك الختوم ويتمتع بعجائب الكتاب المقدس، لهذا كان المرتل يطلب من الله، قائلاً: "افتح عن عيني لأتأمل عجائب من شريعتك" (مز 119: 18).

يقول القدِّيس جيروم: [نرى في سفر الرؤيا كتابًا مختومًا بسبعة ختوم. إذا ما قدمته لشخصٍ متعلمٍ وقلت له: "اِقرأ هذا"، يجيبك: "لا أستطيع، لأنه مختوم". كم من كثيرين اليوم يحسبون أنفسهم متعلمين، ومع هذا فالكتاب المقدس بالنسبة لهم كتاب مختوم. لن يستطيعوا فتحه بدون مساعدة ذاك الذي معه مفتاح داود، الذي يفتح ولا أحد يغلق، ويغلق ولا أحد يفتح! جاء في سفر أعمال الرسل أنه كان يوجد خصي مقدس، عندما كان يقرأ في سفر إشعياء سأله فيلبس: "أتفهم ما تقرأ؟" أجابه: "كيف إن لم يرشدني أحد؟" (أع 8: 31)... ثم حدث أن أراه فيلبس يسوع الذي كان مختفيًا وراء الحرف. يا له من معلم! ففي تلك الساعة عينها آمن الخصي واعتمد. صار أحد المؤمنين، بل وصار قدِّيسًا. لم يعد بعد تلميذًا بل صار معلمًا. لقد وجد في جرن الكنيسة في البرية أكثر مما وجده حين كان في الهيكل المكسي بالذهب. لا نفع لمحاولاتك أن تعلم ما لم تعرفه... فسيكون حالك أسوأ بأنك تجهل جهلك[124].]

ب. التشكك فيه: يقول القديس باسيليوس الكبير: [لا نُهمِل القراءة أبدًا، خاصة العهد الجديد، لأن البعض يضرّهم العهد القديم، ليس لأن المكتوب فيه ضار، إنما لأن أذهان الذين يُضرُّون ضعيفة. أكل الخبز صحي، لكنه قد يضر مريضًا. هكذا كل الكتاب المقدس مُوحَى به من الله ونافع، وليس فيه شيء غير طاهر، إلا بالنسبة للذي يظن أنه غير طاهر... " كل الأشياء تحلُّ لي، لكن ليس كل الأشياء توافق" (1 كو 6: 12)[125].]

ج. القراءة بدون حب: يقول القديس أغسطينوس [ينير الكتاب أعين النفس فاقرأه أيها العاقل، وامتلئ من حبّه. فمن قراءة الأسفار المقدسة تشرق الشمس على العقول التي تتغذى منها بتمييز. لقد وضع الله الأسفار المقدسة في العالم كسراج نورٍ تضيء ظلمته. فالذي يحبّ نفسه يستنير بالقراءة، ويسير على هداها. اقترب من الكتاب بحبٍ، وتأمل جماله. لن تستفيد بدون الحب، لأن الحب هو مدخل الفهم. يفرض الكتاب حبَّك، فإن كنت لا تحبه فلا تقرأه. إنه يكلمك، فإن ضجرت في قراءته حرمك من إيماءاته. يجب أن تحبَّه وتفتحه وتقرأه وتتأمل جماله، وإلا فلا تقرأه، لأنك إن كنت لا تحبَّه لن تستفيد منه.]

د. عدم التوبة: يقول القديس أغسطينوس [إن ارتكبت خطية، فإن خصمك هو كلمة الله... إنها عدو إرادتك إلى أن تصير الكلمة هي أمان خلاصك. يا له من عدو مخلص ومعين![126]]

ه. السلوك في الرب يهب المعرفة بهاءً:

يقول الأب هيسيخيوس الأورشليمي: [عندما تُحرث الأرض تُنتج زهورًا وفواكه، وأما التأمل في الشريعة فينتج فضائل. هذا هو السبب الذي لأجله يُطلب ممارسة الشريعة بغيرة (مز 119: 40، 47، 48)، لا بتغليفها بكلمات، بل بالعمل بها، ليس بمناقشة لغة الكلمات الإلهية بطريقة غير مجدية بل بالتصديق عليها بسلوكنا، وإقرارها في أعمالنا. فكما أن المعرفة تجعل القراءة مجيدة، هكذا العمل يهب المعرفة بهاءً.

فما هو فائدة كرمٍ لم تُغرس فيه كروم، ولا قُلمت، ولا دُبر أمر العناقيد؟ أليس باطلاً يخرج فارس إلى مكان طلق فسيح وهو لم يدَّرب بعد خيله؟...

على أي الأحوال لم يسلك أيوب هكذا، وإنما من البداية سلحَّ نفسه بالفضائل، ودرَّبها على المعركة خلال التقوى. قدر ما وجد نفسه في غنى ورخاء كان يقدم كل يومٍ عند قيامه ذبائح (أي 1: 5). قبلما كان النور المنظور (الشمس) يشرق، كان يحيي النور غير المنظور. إذ يقفز من سريره، يجري نحو واهب النوم والتسبحة على شفتيه (مـز 127: 2)، يبدأ أنشطة اليوم بالاقتراب من خالق النهار... كم من المرات أغلق أيوب فم أليفاز الذي أراد أن يستعرض البلاغة!... كم من مرة أبطل تشامخ بلدد وازنًا كلماته، هذا الجندي الحقيقي للبرّ! بل لاحظوا أن صوفر أيضًا نشر غلبته في مقدمة أحاديثه! ليتنا نتفحص بإدراك كلماته.]

14. ماذا يُقصد بالبرقع الموضوع على قلوب البعض؟

يقول الرسول بولس: "وليس كما كان موسى يضع برقعًا على وجهه لكي لا ينظر بنو إسرائيل إلى نهاية الزائل. بل أُغلظت أذهانهم لأنه حتى اليوم ذلك البرقع نفسه عند قراءة العهد العتيق باقٍ غير منكشفٍ، الذي يبطل في المسيح. لكن حتى اليوم حين يُقرا موسى البرقع موضوع على قلبهم. ولكن عندما يرجع إلى الرب يُرفع البرقع (2 كو 3: 13-16).

لم يتأهل شعب بني إسرائيل إن يتطلعوا إلى بهاء وجه موسى، وهو مجد مؤقت وزائل. وقد سمح الله لهم بذلك حتى يطلبوا ما هو أعظم: المجد الأبدي غير الزائل.

يعلق القديس باسيليوس الكبير على قول الرسول قائلاً:

[لماذا يقول هذا؟ لأن من يقطن في المعنى الحرفي المجرد، ويشغل نفسه بحفظ الناموس، يكون كما لو أن قلبه قد تغلف بقبول الحرف اليهودي مثل برقع موضوع عليه. هذا يحدث له بسبب جهله بأن الحفظ الجسدي للناموس قد بطل بحضور المسيح، وذلك من أجل أن الرموز تتحول إلى حقائق للمستقبل...

ذاك الذي له القوة أن يتطلع إلى أعماق معنى الناموس، وبعد ذلك يعبر خلال غموض الحرف كما من خلال برقع لكي يصل إلى الأمور التي لا يُنطق بها يكون مثل موسى الذي ينزع البرقع عندما يتحدث مع اللَّه. هذا يرجع عن الحرف إلى الروح.

هكذا ينطبق البرقع الذي على وجه موسى على غموض تعليم الناموس، وينطبق التأمل الروحي على الرجوع إلى الرب. مثل هذا... يصير بالأكثر مثل موسى الذي يتمجد وجهه بإعلان الله.

وكما أن الأشياء التي توضع بالقرب من الألوان البهية هي نفسها تحمل مسحة من البهاء المشرق حولها، هكذا ذاك الذي يركز نظره بثبات على الروح. فإنه يمجد الرب إلى حدٍ ما يتجلى إلى سمو أعظم، ويستنير قلبه كما بنورٍ ينسكب من الحق الذي للروح. هذا هو "التحول" إلى مجد الروح، ليس إلى درجة شحيحة أو باهتة أو غير واضحة، وإنما كما نتوقع بالنسبة لذاك الذي يستنير بالروح[127].]

ويقول القديس أغسطينوس: [الحقيقة بأن العهد القديم لجبل سيناء أنتج أبناء العبودية، الآن لا يهدف سوى للشهادة للعهد الجديد. وألا تكون كلمات الرسول غير صادقة: "حتى اليوم ذلك البرقع نفسه عند قراءة موسى يوضع على قلوبهم"، ولكن عندما يتوجه إنسان من العهد القديم إلى المسيح "يُرفع البرقع". ما يحدث هو أن النسمات العميقة التي لأولئك الذين يحدثون تغيرًا بالتحول من العهد القديم إلى الجديد، يبدأون في التطلع إلى السعادة الروحية أكثر من الأرضية[128].]

[كان يوجد بلا شكٍ برقع في العهد القديم، الآن يُرفع حالما يأتي الإنسان إلى المسيح. عند الصلب انشق حجاب الهيكل (مت 51:27) ليعني ما قاله الرسول عن برقع العهد القديم، ففي المسيح قد أُبطل[129].]

[ليس العهد القديم هو الذي أُبطل في المسيح، بل البرقع الذي يحجب، حتى يُفهم بالمسيح. بمعنى أنه يصير ظاهرًا مكشوفًا، وبدون المسيح يكون مخفيًا وغامضًا. يضيف نفس الرسول في الحال: "عندما يرجع إلى الرب يُرفع البرقع" (2 كو 3: 16). لم يقل: "يُزال الناموس أو العهد القديم". الأمر ليس كذلك! بنعمة الرب ما كان مُغطّى يُزال لعدم نفعه، يُزال الغطاء الذي يخفي الحق النافع. هذا ما يحدث للذين يطلبون بشغفٍ وتقوى، وليس بكبرياءٍ وشرٍ، معنى الكتب المقدسة. بالنسبة لهم يُشرح لهم بوضوح نظام الأحداث وسبب الكلمات والتصرفات والتوافق بين العهدين القديم والجديد، فلا تبقى نقطة واحدة بدون اتفاقٍ تامٍ. مثل هذه الحقائق السرية بلغت خلال الرموز، عندما تُحضر إلى النور. بتفسير الحقائق يُلزم الذين يرغبون في النقد إلى التعلم[130].]

إذ عكفوا على الحرف لا الروح، وأغمضوا أعينهم حتى لا يروا نور الإنجيل المُقدم لهم غلظت قلوبهم (أع 14: 2) وامتلأوا غباوة. وكأن البرقع الذي يحجب بهاء وجه موسى عنهم لازال قائمًا. صار لهم برقع الظلمة والجهالة على قلوبهم، الذي يمنع التطلع إلى مجد الإنجيل من الإشراق عليهم. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ما حدث مرة في حالة موسى يحدث باستمرار في حالة الناموس. ما يُقال ليس اتهامًا للناموس، وليس له انعكاس على موسى الذي وضع برقعًا، وإنما هو اتهام ضد ضيق أفق المهتمّين بحرفية الناموس اليهودي. فإن للناموس مجده اللائق به، وإنما هم كانوا غير قادرين على معاينته. فلماذا نتعجب من أن اليهود لم يؤمنوا بالمسيح، إذ لم يؤمنوا حتى بالناموس؟[131]] كما يقول: [يوضع البرقع على قلوبهم... بسبب ذهن اليهود الثقيل الجسداني... ألا تروا أنه لم يكن البرقع على وجه موسى بل على البصيرة اليهودية؟ حدث هذا ليس لكي يخفى مجد موسي، وإنما لكي لا يروه، لأنهم لم يجدوا طريقًا للرؤية. فالعيب هو فيهم، هذا لم يجعل موسى مجهولاً في شيء ما[132].]

يقول العلامة أوريجينوس: [إذ تقلب (العروس) صفحات الأنبياء كمثال، صفحة فصفحة، تجد المسيح نابعًا منها. الآن إذ زال البرقع الذي غطى هذه الصفحات تدركه يبرز ويظهر من الصفحات التي تقرأها، ويندفع منا في إعلان واضح تمامًا[133].]

كما يقول العلامة أوريجينوس: [مادام الإنسان لا يصغي للمعنى الروحي، يُوضع برقع على قلبه. وبسبب هذا البرقع الذي هو الفهم المتبلد، يُقال إن الكتاب نفسه موضوع عليه برقع. هذا هو تفسير البرقع الذي يُقال إنه يغطي وجه موسى عندما يتحدث مع الشعب، بمعنى عندما يُقرأ الناموس علانية. أما إذا رجعنا إلى الرب، حيث يوجد كلمة اللَّه، وحيث يُعلن الروح القدس المعرفة الروحية، يُرفع البرقع، ونستطيع أن ننظر مجد الرب في الكتب المقدسة بوجهٍ بلا برقعٍ[134].] وأيضًا [إشراق مجيء المسيح بإنارة ناموس موسى ببهاء الحق يرفع البرقع الذي يُغطّي حرف الناموس ويُغلق عليه، وذلك لكل من يؤمن به ويخفي في داخله هذه الأمور الصالحة[135].]

[يلزمنا أن نستعطف الرب نفسه، الروح القدس نفسه، لكي يرفع كل سحابة وكل ظلمة تجعل رؤية قلوبنا غامضة قاسية بوصمات الخطايا، حتى نستطيع أن نرى معرفة ناموسه الروحية العجيبة[136].]

[لنحذر لئلا ليس فقط "عندما يُقرأ موسى" بل وأيضًا عندما يُقرأ بولس يوضع برقع على قلوبنا. إذا ما سمعناه بإهمال، إن كنا لسنا غيورين للتعلم والفهم ليس فقط أسفار الناموس والأنبياء، بل وحتى الرسل والأناجيل تُغطّى ببرقع عظيم.

إني أخشى لئلا بالإهمال العظيم وبلادة القلب ليس فقط تُحجب الأسفار الإلهية بالنسبة لنا بل وتُختم، حتى إذا ما وُضع كتاب في يدي إنسانٍ لا يقدر أن يُقرأ وإذ يُطلب منه أن يقرأ يقول: لا أستطيع القراءة. وإذا وضع في أيدي إنسانٍ قادرٍ على القراءة يقول: إنه مختوم.

لهذا فإننا نرى أنه يلزمنا ليس فقط أن تكون لنا غيرة لتعلم الأدب المقدس، بل ونصلّي إلى الرب ونتوسل إليه نهارًا وليلاً لكي ما يأتي الحمل الذي من سبط يهوذا ويمسك بنفسه السفر المختوم ويفتحه. فإنه هو الذي يفتح الأسفار، ويُلهب قلوب تلاميذه، فيقولوا: "ألم يكن قلبنا ملتهبًا فينا عندما فتح لنا الكتب المقدسة"؟ (مر 16: 12-30) ليته الآن يرى أننا نتأهل ليفتح لنا ما أوحي به لرسوله، ويقول: "ولكن الرب هو روح، وحيث روح الرب فهناك حرية"[137].]

كما يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [توجد فائدة لنزع برقع العروس: فعيونها أصبحت حرة بلا نقاب وتتمكن من النظر بدقة لترى محبوبها. ويشير نزع البرقع بلا شك إلى عمل الروح القدس حسب كلام الرسول: "ولكن عندما يرجع إلى الرب يُرفع البرقع. وأما الرب فهو الروح وحيث روح الرب هناك حرّية" (2 كو 16:3، 17)[138].]

[ليس في قدرة الإنسان أن يقتني مثل هذه العطية، لكن تختفي النية الإلهية وراء جسم الكتاب المقدس، كما خلف برقع، فبعض الشرائع والقصص التاريخية تغطي الحقائق التي يتأملها الذهن. لهذا يخبرنا الرسول أن الذين يتطلعون إلى جسم الكتاب المقدس ولهم برقع على قلوبهم غير قادرين أن ينظروا مجد الناموس الروحي، إذ هو مخفي وراء البرقع الموضوع على وجه واضع الناموس. لهذا يقول: "الحرف يقتل وأما الروح فيحيي"[139].]

ويقول القديس أمبروسيوس: [هكذا يؤمر النبي من الرب أن يعبر إلى النهر (١ مل ١٧: ٢) لكي يشرب من العهد الجديد ليس فقط بنهر بل "تجري من بطنه أنهار مياه حية" (يو 7: 3٨)، أنهار فهم، أنهار تأمل، أنهار روحية، هذه التي تجف في زمن عدم الإيمان لئلا يشرب مدنسو المقدسات وغير المؤمنين. في ذلك الموضع عرف الغربان ما لم يعرفه اليهود. أطعمة الغربان، ذاك الذي اضطهده الجنس الملوكي الشريف[140].]

[بحق يقول بولس: "الحرف يقتل والروح يحيي" (2 كو 3: 6). فالحرف يختن جزءًا صغيرًا من الجسم، إما الروح المُدرك فيحفظ ختان النفس والجسد بالكامل، فتُحفظ الطهارة، ويُحب التدبير، وتُنزع الأجزاء غير الضرورية (إذ ليس شيء غير ضروري مثل رذيلة الطمع وخطايا الشهوة، هذه التي لا تنتمي للطبيعة، إنما جاءت ثمرة للخطية). الختان الجسداني هو رمز، ولكن الختان الروحي هو الحقيقة، الواحد يقطع عضوًا والثاني ينزع الخطية[141].]

يقول القديس أغسطينوس: [يا من تخافون الرب سبّحوه، لتعبدوه لا كعبيدٍ بل كأحرارٍ. تعلموا أن تحبوا من تخافوه، فتستطيعون أن تُسبحوا من تحبونه.

خاف رجال العهد القديم الله بسبب الحرف الذي يُرعب ويقتل ولم يكن لهم الروح الذي يحيي، فكانوا يجرون نحو الهيكل بالذبائح ويقدمون ضحايا دموية. كانوا يجهلون ما كان ظلاً خلالها، مع أنه كان رمزُا للدم القادم الذي به نخلص[142].]

[يأمر الله بالعفة، وهو الذي يهب العفة. يأمر بالناموس، ويعطي الروح، لأن الناموس بدون النعمة يجعل الخطية تزداد (رو 20:5). والحرف بدون الروح يقتل. إنه يأمر لكي يعلمنا كيف نسأل عون النعمة حينما نحاول الطاعة لوصاياه وفي ضعفنا نسقط بقلقٍ تحت الناموس. وأيضًا لكي يجعلنا شاكرين له من أجل عونه لنا، إن كنّا نستطيع أن نحقق أي عمل صالح[143].]

[إن نزعتم الروح كيف ينفع الناموس؟ تحدث مراوغة. لهذا يقول الكتاب: "الحرف يقتل". الناموس يأمر، وأنتم لا تطيعونه. توجد أمور ممنوعة، وأنتم تمارسونها. انظروا فإن الحرف يقتل[144].]

[ليرتبط الروح بالناموس، فإنكم إذ تستلمون الناموس وليس لديكم عون الروح لا تتممون ما جاء في الناموس... ليكن لكم الروح، ليعينكم حتى تتممون ما تؤمرون به. متى كان الروح غائبًا يقتلكم الحرف... لا تستطيعون أن تعتذروا بحجة الجهل مادمتم قد تسلمتم الناموس. الآن، إذ تعلمتم ما يجب أن تفعلوه ليس لكم أن تعتذروا بالجهل... لكن لماذا يقول الرسول: "الحرف يقتل والروح يحيي"؟ كيف يعطي الروح الحياة؟ لأنه يجعل الحرف يتحقق فلا يقتل. المقدّسون هم الذين يحققون ناموس الله حسب عطية الله. يمكن للناموس أن يأمر، لكنه لا يقدر أن يعين. الروح يُضاف كمعينٍ، فتتم وصايا الله بفرحٍ وبهجة. بلاشك كثيرون يلاحظون الناموس عن خوفٍ، ولكن الذين يحفظونه خشية العقوبة يفضلون لو أن الذي يخافونه غير موجودٍ. وعلى العكس، فإن الذين يحفظون الناموس بحبهم البرّ يفرحون ويحسبونه ليس غريبًا عنهم[145].]

15. كيف يُرفع البرقع عنا؟

يُرفع البرقع عن قلوبنا وأذهاننا بالرجوع إلى الرب بالصلاة الصادقة.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [غاية البرقع ليس إخفاء موسى بل منع اليهود من رؤيته، إذ كانوا عاجزين عن فعل هذا. لكننا عندما نرجع إلى الرب، فالبرقع يُرفع طبيعيًا. عندما تحدث موسى مع اليهود كان وجهه مُغطّى، ولكن عندما تحدّث مع اللَّه رُفع البرقع. هكذا عندما نرجع إلى بالرب نرى مجد الناموس ووجه مُسلِّم الناموس غير مغطّيين. ليس هذا فقط، فإننا نحن سنكون في شاكلة موسى[146].]

16. ما هو منهج التفسير بمدرسة الإسكندرية؟[147]

يقول Dom. D. Rees: "كانت مدرسة الإسكندريّة التعليميّة (ديدسقاليون Didascalion) بلا شك أشهر معهد عقلي في العالم المسيحي الأول، وكان اهتمامها منصبًا على دراسة الكتاب المقدس، وقد ارتبط اسمها بالتفسير الكتابي... كان شغل هذه المدرسة التفسيريّة الأول هو اكتشاف المعنى الروحي في كل موضع وراء السطور في الكتاب[148]".

استخدم القديس إكليمنضس الإسكندري هذا النوع من التفسير، لكن تلميذه أوريجينوس هو الذي شكل نظامه ووضع قواعده وقام بنشره في الشرق والغرب، حتى نُسب إليه. لقد بلغ أوريجينوس بالمدرسة إلى القمة في هذا الشأن، فتأثرت بدوافعه وأفكاره، وإن كانت قد تحررت بعد ذلك من مبالغته في التفسير الرمزي. كان لهذا المنهج أهميته إذ فتح بابًا للاهوت المسيحي يربط ما بين الفلسفة والوحي، كما عالج الكثير من المشاكل الخاصة بتفسير العهد القديم، لكننا في نفس الوقت لا نقدر أن نتجاهل أضرار المبالغة في استخدامه، لهذا وجد هذا المنهج معارضة، كما نادى آباء المدرسة فيما بعد بالاعتدال في استخدامه.

ويُعتبر القديس إكليمنضس (إقليمس) السكندري أول (كاتب) لاهوتي مسيحي يستخدم التفسير الرمزي، معللاً استخدامه بطريقة عملية، فيقول إن الإنجيل أخفى بعض المعاني ليحثنا على البحث واكتشاف كلمات الخلاص المخفية عن أعين محتقريها. ويضيف تلميذه أوريجينوس بعض التبريرات الأخرى لاستخدام التفسير الرمزي.

17. ما هو الفرق بين الرمزية والمِثاليَّة Allegory and Typology؟

استخدم الكتاب المقدس على الأقل ثلاثة أنواع من الرمزية:

1.     الرمزية الصورية Figurative allegory.

2.     الرمزية القصصية Narrative allegory.

3.     الرمزية المِثالية Typological allegory.

أنشودة بولس الرسول عن المحبة في (1 كو 13) وأيضًا الحكمة كما تظهر في سفر الأمثال الإصحاح الثامن هما مثلان للرمزية الصورية.

أما في بعض الأمثال كالسامري الصالح (لو 30:10-35)، والابن الضال (لو 11:15-32) فالرمزية هنا تُعتبر رمزية قصصية.

لكن السمة الإنجيلية الغالبة هي الرمزية المِثاليَّة، حيث تتناول طريقة تفسير العهد الجديد لأحداث وشخصيات العهد القديم بربط الواقع التاريخي والمعنى النبوي بمفهوم الأناجيل المسيحية والشريعة والتدبير المسيحي[149].

يرى بعض الدارسين أن "الرمزية" وسيلة تفسير الحقائق الأرضية بطريقة رمزية لتشير إلى حقائق سماوية، بينما المِثاليَّة" هي تفسير الحقيقة التاريخية كظلٍ لحدثٍ آخر، خاصة لشخص السيد المسيح وعمله[150]. يقدم J. N. D. Kelly أساسًا للتمييز بين الرمزية والمِثاليَّة، إذ قال:

[في التفسير الرمزي يُستخدم النص الكتابي كرمز لحقائقٍ روحيةٍ بينما يلعب المعنى الحرفي أو التاريخي للنص دورًا صغيرًا جدًا إن لم يتجاهله تمامًا. وهدف التفسير الرمزي هو استنباط المعنى الخفي أو اللاهوتي أو السرّي لكل نصٍ أو آيةٍ وحتى لكل كلمةٍ...

أما التفسير المِثاليَّ "Typological exegesis" فيختلف عنه تمامًا، لأنه يعمل على إيجاد التشابه بين العهدين، حيث نجد العهد القديم ينعكس فيه ما بالعهد الجديد، بمعنى أنه يصوّر أو يلقى الظلال مسبقًا على أحداث وشخصيات العهد الجديد. ويأخذ المفسّر في هذا المجال التاريخ مأخذ الجدية، لأنه جزء هام للكشف عن خطة الله الخلاصية... [151]]

يقول Jean Daniélou أيضًا: "دراسة المثاليَّة عند الآباء تقوم أساسًا على الاستمرارية القائمة بين العهدين: القديم والجديد[152]".

18. ما هو موقف الآباء بعد أوريجينوس من الرمزية والمثاليَّة؟

جاء اللاهوتيون الإسكندريون من بعد أوريجينوس ابتداءً من القديس ديديموس الضرير وحتى القديس كيرلس الكبير متأثرين بالتفسير الرمزي بدرجات متفاوتة، ويمكن تطبيق هذا القول على الفلسطينيين (باستثناء أبيفانيوس) والآباء الكبادوك.

جاءت بعد ذلك مدرسة أنطاكية في وقت لاحق وكان لها فكر مناهض للرمزية، وبالرغم من عدم رفضها الكلي للتفسير الرمزي إلا انها نادرًا ما لجأت إليه، إذ تفضل التفسير التاريخي.

خلال تأثير اللاهوتيين الإسكندريين انتقل التقليد الرمزي إلى الغرب، كما يظهر بوضوحٍ في الكتابات التفسيرية، مثل كتابات القديس هيلاري والقديس أمبروسيوس.

أعظم المفسرين اللاتين، القديس جيروم، وإن كان قد تشكك من جهة التفسير الرمزي في آخر أيامه، فقد قبل مراحل أوريجينوس الثلاث لتفسير الكتاب، معتقدًا أن الاستعانة بالمعنى الروحي له أهميته بسبب استخدام التشبيهات البشرية لله anthropomorphism بكثرة في الكتاب.

طبق القديس أغسطينوس الرمزية بحرية شديدة، مستمتعًا على وجه الخصوص بالرموز السريّة للأسماء والأرقام[153].

أسس القديس يوحنا كاسيان[154] الذي تبع القديس إكليمنضس السكندري التقسيم الذي فيه يعيد التمييز بين المعاني الأربعة التالية:

1. المعني الحرفي.

2. المعني الرمزي (مطبقًا نصوص على المسيح والكنيسة المجاهدة).

3. المعني المثاليَّ أو المعني الأخلاقي (إدراك النفس وفضائلها).

4. المعنى القياسي أو التمثيلي analogical (تطبيق النصوص على الحقائق السماوية)[155].

19. ما هو تبرير القديس إكليمنضس استخدام للتفسير الرمزي؟

يعتقد القديس إكليمنضس بأن الرمزية تحث المؤمنين على اكتشاف المعاني الخفية في الكتاب المقدس. ويقول بعض الدارسين أن كتَّاب الكتاب المقدس استخدموا الرمز بوحي الروح القدس ليخففوا عن البسطاء التعاليم الفائقة المعرفة والتي هي فوق مستواهم الفكري، وفي ذات الوقت يثيروا الفضول في نفوس الناضجين روحيًا وفكريًا. لذا فإيجاد المعنى العميق هو عملية تدريجية بها يقود الله النفوس التي اختارها ليكشف لها عن نفسه، وينقلها من العالم الحسّي إلى الروحي، وبالتالي فإن الغنوسي (صاحب المعرفة) الحقيقي يتأمل في أكثر النصوص الإنجيلية غموضًا، وينتقل من العالم الحاضر محلقًا في العالم الآخر.

20. ما هو تبرير أوريجينوس استخدام للتفسير الرمزي؟

ناقش أوريجينوس مشكلتين بخصوص العهد القديم واجهتهما الكنيسة الأولى:

1. توقع اليهود تحقيق السيد المسيح لنبوات العهد القديم حرفيًا، مثل كونه ملكهم الذي يملك على كل العالم. [156]". يقول أوريجينوس: [يؤمن كل من اليهود والمسيحيين بأن الكتاب المقدس قد كُتب بواسطة الروح القدس، لكننا نختلف في تفسير ما يحتويه. نحن لا نعيش كاليهود لأننا نؤمن بأن التفسير الحرفي للناموس لا يحمل معه روح الشريعة[157].]

ويضيف أوريجينوس قائلاً: "إن كان الله والرب روحًا فلابد أن نسمع بطريقة روحية ما يقوله الروح لنا[158]".

2. رفض الغنوسيون العهد القديم لأنهم صُدموا في بعض نصوصه التي تشير إلى غضب الله أو رجوعه أو ندمه. وكان سبب صدمتهم أنهم فسروها تفسيرًا حرفيًا وليس روحيًا.

يقول أوريجينوس إن الإشارة إلى التشبيهات البشرية لله anthropomorphism مثل غضب الله لا يمكن فهمها حرفيًا. "حينما تسمع عن غضب الله وسخطه لا تفهم ذلك بمعنى ممارسة الله لمشاعر الغضب والحنق". يستخدم الله اللغة البشرية ليهدف إلى تصحيح الأخطاء البشرية، كما يوجّه الأب البشري طفله. "نحن أيضًا يكون لنا وجه عنيف الملامح حينما نوّجه أطفالنا، ليس لأن هذه هي مشاعرنا الحقيقية، ولكن من أجل نزولنا إلى مستواهم، فإذا ما سمحنا لملامحنا الطيبة في الظهور على وجوهنا نُفسد الطفل. الله لا يغضب في الحقيقة، لكننا نختبر آثار غضبه حينما نقع في تجربة بسبب شرنا، هذا هو التأديب الذي ندعوه "غضب الله[159]".

بجانب مواجهته لليهود والغنوسيين يعتمد أوريجينوس على سببٍ ثالثٍ لتبرير استخدام الرمزية وهو أن المعنى الروحي مقبول على أساس أن العهد القديم يقدم لنا شخص السيد المسيح مسبقًا، فيقول أوريجينوس: "كل ما هو المكتوب في الناموس هو تشبيه أو تشخيص للسيد المسيح[160]". وبالتالي فإن المعنى الروحي هو المعنى الذي يربط العهد القديم بالجديد، ويهدف إلى كشف العلاقة القائمة بينهما.

21. كيف يشرح أوريجينوس التفسير الرمزي؟

1. يشرح أوريجينوس الكاهن الذي يسلخ المحرقة في (سفر اللاويين 6:1) "إنه ينزع النقاب الحرفي عن كلمة الله، ويكشف الأعضاء الداخلية التي هي عناصر الفهم الروحي[161]".

2. يعتبر أوريجينوس المعنى الروحي ليس صعبًا فيقول: "ليس من الصعب الوصول إلى التفسير الروحي، لأن عروس الكلمة، أي النفس التي تقيم في بيته الملوكي أو الكنيسة، تتعلم بواسطة كلمة الله الذي هو عريسها، فيكشف لها عن كل الكنوز المخزنة المخبأة في القصر الملوكي وفي حجال الملك[162]."

3. يدرك أوريجينوس أن الإنسان مكوّن من جسد ونفس وروح، وبالتالي فإن تكوين الكتاب المقدس مؤسس بنفس النظام لخلاص الإنسان، أي المعنى الحرفي والمعنى الأخلاقي والمعنى الروحي.

4. يجد أوريجينوس في فلك نوح مثلاً يؤكد نظريته حيث يحوي بناؤه ثلاث طبقات (تك 6: 16). "بهذا إذ نصعد إلى الطبقات المتنوعة حيث توجد المئونة نصل إلى نوح نفسه الذي معناه "الراحة" أو "البار"، أي المسيح يسوع".

أ - يشير القاع إلى الأساس، أي إلى المعنى الحرفي أو التاريخي للكتاب المقدس.

ب – الدور العلوي هو المعنى الروحي أو الباطني. في عظاته عن سفر التكوين يقول: "الذين يعيشون بحسب ما يمليه الروح عليهم قادرون ليس فقط على التحكم في ذواتهم بل وإرشاد الآخرين، هؤلاء عددهم قليل للغاية، يشيرون إلى العدد القليل الذي خلص مع نوح. كذلك ليسوع المسيح، نوح الحقيقي، خاصة قليلة مقربَّه إليه تشارك في كلمته وفهم حكمته".

ج – أما الدور الوسط فهو يمثل المعنى الأخلاقي[163].

22. ما هي نظريات القديس كيرلس السكندري بخصوص تفسير الكتاب المقدس؟

نختم حديثنا عن الرمزية والمثاليَّة في مدرسة الإسكندرية بمقتطفات من دراسة Kerrgan عن نظريات القديس كيرلس السكندري بخصوص تفسير الكتاب المقدس.

بالإشارة إلى نظريات القديس كيرلس يكتب Kerrgan:

[قد أدركنا ثلاث نتائج، بالرغم من كونها سلبية في شكلها إلا أن محتواها إيجابي:

1. من الخطأ الظن أن الناموس قد أُلغي نهائيًا حتى أن كل قوانينه ليس فيها أية قوة.

2. من الخطأ أيضًا الظن بأن كل أعمال الناموس بلا فائدة ،(ta anayxaia) فإنها إذا ما شُرحت تكون مفيدة.

3. أخيرًا من الخطأ القول بأنه لا يمكن استخدام الناموس لإثبات الحق[164].]

يقول القديس كيرلس السكندري: "يوجد غنى روحي عظيم محبوس في الناموس الموسوي[165]".

من الطبيعي أنه من أجل عدم دفن هذا الغنى يجب التوقف عن استعمال المعنى الحرفي. واضح أن القديس كيرلس لا يستطيع أن يتحدث كثيرًا عن هذا الموضوع. "الناموس كامل وغير كامل في نفس الوقت، فهو كامل إن أدركناه روحيًا (لأنه يكلمنا عن سرّ المسيح)، لكنه أيضًا غير كامل إذا كان فكر الناس - الذين يقعون تحت إرشاده - لا ينطلق إلى ما وراء الحرف. فإن مادة الحرف هي نصف المعرفة فقط[166]". يكرر القديس كيرلس مثل تلك الأفكار مرة ومرات[167]. كثيرًا ما يردد في كتاباته قول القديس بولس الرسول: "الحرف يقتل ولكن الروح يحي" (2 كو 6:3)، بل صار هذا القول شعارًا عالميًا في ذلك الوقت. وهناك قول آخر: [الحرف يقتل، أي حرف الناموس الذي قصده الحكيم بولس. فالظل في ذاته عديم النفع، أما بالنسبة لنا نحن الذين لهم فهم يصير ذا فائدة عظمى، لأنه يمَّكننا من استيعاب الأمور الخاصة بالمسيح. لذا أصبح كنوعٍ من المطر الروحي الذي يروى الأرض بطريقة ما. حقيقة كان الناموس قديمًا مرًا وغير محتمل بالنسبة للقدامى، لكنه صار لنا مهِّذبًاPaedagogos ومرشدًا لأسرار المسيح، كي ما نُثمر فيه بنزع القشرة الخارجية للظل[168].]

 


 

5. التقليد المقدس

يتطلَّع البعض إلى "التقليد" على أنه طاعة عمياء للماضي وتمسُّك بوديعة سلبية جامدة. بهذا يكون التقليد – في نظرهم - أشبه بفهرس ثمين لمجموعة من التقاليد القديمة والقوانين والطقوس، أو متحف يضم ما هو قديم. بهذا يحسبون الكنيسة التقليدية كنيسة جامدة رجعية ترتبط بالقديم لمُجرَّد قدمه. وإنني في هذا العمل البسيط أود أن أوضح مفهومنا للتقليد من خلال الكتاب المقدس وفكر الآباء وحياتنا الكنسية العملية.

1. ماذا تعني كلمة "تقليد"؟

 كلمة "تقليد" في اليونانية كما وردت في العهد الجديد Paradosis وهي لا تعني "المحاكاة imitation"، إنما جاءت مشتقة من الفعل الأصل paradidomi الذي يعني "يعهد بشيءٍ لآخر، أو "يسلم شيئًا يدًا بيد". والفعل المقابل والملازم هو paralambano أي "يتقبَّل الشيء" أو "يستلمه". واللفظان اليونانيان السابقان يقابلهما في العبرية التعبيران nasar أو يودع أو يُسَلِّم وqibbel أي يَقْبَل الشيء أو يتسلَّمه[169]. بهذا فإن التقليد لا يعني مُجرَّد "محاكاة الماضي"، بل حسبما جاء في الكتاب المقدس هو تسليم وديعة، جيل يودع إيمانًا وآخر يتقبَّله.

2. ما هي مادة التقليد؟

ما هي مادة التقليد المسيحي؟ أو ما هي الوديعة التي تقبَّلتها الكنيسة وحافظت عليها عبر الأجيال؟ في الحقيقة لم يودع الرب "كتابًا" لدى تلاميذه ورسله، بل بالحري أَعدَّ رجالاً يتبعونه ويَقْبَلُونه ساكنًا في قلوبهم. لقد أنصتوا إليه وهو يُعَلِّم، وتبعوه أينما حل، رأوه يصلي، ويهب راحة للشعب، ويعامل الخطاة بلطفٍ، ويشفي المرضى ويُقِيم الموتى، رأوه يُقِيم العشاء الأخير ويهبهم السلام بعد قيامته. وأخيرًا أرسل إليهم روحه القدوس لا ليُذَكِّرهم بكلماته وليسندهم ليكونوا سالكين على إثر خطواته فحسب، بل بالحري لكي ينعموا بالاتحاد معه ويشاركوه حياته الإلهية. هذا هو جوهر تقليدنا: إنه "الاتحاد مع السيد المسيح بعمل الروح القدس". فإن الله الآب قدَّم ابنه لنا، وقدَّم الابن حياته لنا (غل 20:2؛ أف 2:5).

 هذا هو التقليد: "الإيمان المُسَلَّم مرة للقديسين" (يه 3)، أو "الإنجيل" مكتوبًا في حياتنا، ومنقوشًا في قلوبنا. أنه بالأمر الحيّ، تسلمناه بواسطة الرسل الذين سلَّموه لتلاميذهم بعمل الروح القدس، الشاهد للسيد المسيح في حياة الكنيسة، وموحدها مع مخلصها.

بمعني آخر، إن عملية النقل أو التسليم لم تتم بواسطة كتابات الرسل فحسب، بل بالحري قد تحقَّقت بواسطة الروح القدس، الذي قاد مشاعرهم وعبادتهم وسلوكهم وكرازتهم. لقد وهبهم الحياة الجديدة التي هي "الحياة في المسيح" في حياة الكنيسة خلال الأجيال المتعاقبة، إذ هو على الدوام يعيش في الكنيسة ويعمل فيها أمس واليوم وغدًا، يوحي لها بحياتها، ويجعل منها استمرارًا للحياة والإيمان والحب، وليس تكرارًا آليًا للماضى[170]. فالتقليد هو تيار الحياة الواحدة للكنيسة، يحمل الماضي بكل صوره حاضرًا حيًا، ويمتد بالحاضر نحو الغد بغير انحراف. هذا هو جوهر التقليد الذي نُرَكِّز عليه عند دراستنا لمحتوياته، التي هي:

1. رسالة الإيمان بالثالوث القدوس وعمل الله الخلاصي، والتعليم بها.

2. أعمال السيد المسيح وأقواله.

3. أسفار العهدين القديم والجديد، وحفظ خبرة آباء الكنيسة وفهمهم لكلمة الله الخ.

4. المنهج الروحي والسلوكي في المسيح يسوع.

5. منهج العبادة: مفهومه ونظامه.

6. القوانين الكنسية وترتيب العبادة من صلوات وأصوام ومطانيات وأعيادٍ الخ. تُمارَس بروحانية لأجل بنيان الجماعة ونمو حياة كل مؤمنٍ في علاقته الشخصية مع الثالوث القدوس.

3. ما هو دور التقليد في العصر الرسولي؟

ظهرت أسفار العهد الجديد تدريجيًا في عصر الرسل لكنها لم تكن بعد قد قُنِّنَت كنسيًا. وكان التقليد في هذا الحين هو المصدر الوحيد للإيمان المسيحي والتعاليم المسيحية والعبادة.

 ويمكننا أن نلخص الدور الذي قام به التقليد في ذلك الوقت في حياة الكنيسة، في النقاط التالية:

1. إذ ظهرت الكنيسة إلى الوجود استخدمت أسفار العهد القديم، وعلى مسئولية السيد المسيح ورسله تقبَّل المسيحيون هذه الأسفار من اليهود، وتطلعوا إليها بكونها حكمة الله الموحى بها التي لها سلطانها. حسبت الكنيسة نفسها وارثة لكنيسة اليهود في تقليدها القديم هذا، أي وارثة للأسفار المقدسة.

وجدير بالذكر أن الكنيسة الأولى كانت تقرأ الأسفار المقدسة بعين مستنيرة بفكر مسيحي خالص، إذ قبلت النبوات المذكورة في هذه الأسفار، واستخدمتها بتفسير مُعيَّن[171] لم يكن قد عرفه اليهود بعد. هذا التفسير تسلمته الكنيسة من الرسل، ولدينا يقين أنه مُسَلَّم من ربنا نفسه.

2. مع إن كتب العهد الجديد لم تُقَنَّن كنسيًا، حتى منتصف القرن الثاني، لكن الآباء تقبَّلوها ككلمة الله الموحى بها، واقتطفوا منها في كتاباتهم.

3. خلال التقليد أدرك آباء الكنيسة وحدة الأسفار المقدسة، أقصد الوحدة بين العهدين القديم والجديد، بكونهما كلمة الله الواحدة، حتى قبلما تُقَنَّن أسفار العهد الجديد كنسيًا.

4. أعلن الرسل أن التقليد الذي تسلَّموه خلال تلمذتهم ليسوع المسيح هو أحد مصادر سلطانهم الرسولي، فقد كرزوا كشهود عيانٍ لأحداث حياة السيد المسيح وأعماله الخلاصية. فالقديس يوحنا يقول: "الذي كان من البدء، الذي سمعناه، الذي رأيناه بعيوننا، الذي شاهدناه، ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة..." (1 يو 1:1). وفي إنجيله يقول: "الذي عاين شهد وشهادته حق، وهو يَعْلَم أنه يقول الحق لتؤمنوا أنتم" (يو 35:19). وأشار القديس لوقا إلى أن أحداث السيد المسيح قد "سلَّمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخُدَّامًا للكلمة" (لو 2:1).

وإذ أراد الأحد عشر تلميذًا أن يُقيموا من يحتل مركز يهوذا، أَصرُّوا على أن يختاروا واحدًا عاش وعاين الرب "الرجال الذين اجتمعوا معنا كل الزمان الذي فيه دخل إلينا الرب يسوع وخرج. منذ معمودية يوحنا إلى اليوم الذي ارتفع فيه عنا يصير "واحد" منهم شاهدًا معنا بقيامته" (أع 1: 21، 22). هكذا بدأ التقليد الرسولي بشهود عيان لأحداث حياة الرب، لكن "شهادة العيان" لم تكن وحدها كافية أن تُقِيم هذا التقليد، بل بالحري تأسس بالروح القدس الذي يقود حياة الكنيسة ويهبها الاتحاد مع الله في المسيح يسوع، يقول لوقا الرسول: "ونحن شهود له بهذه الأمور والروح القدس" (أع 5: 32).

لم يكن الرسول بولس وهو مهتم بتسليم "تقليد المسيح" للكنيسة شاهد عيان لهذه الأحداث، لكنه تقبَّل الرسولية بدعوة خاصة، بالروح القدس تقبَّل التقليد الكنسي كأنه مُسَلَّم له من الله مباشرة. إذ يؤكد قائلاً "بولس رسول لا من الناس ولا بإنسان بل بيسوع المسيح والله الآب..." (غل 1:1). كما يقول: "لأني تسلَّمت من(apo) الرب ما سلمتكم أيضًا" (1 كو 23:11). ويلاحظ استخدام حرف الجر اليوناني (apo) في العبارة "من الرب" يشير إلى نقل الخبر خلال وسيط أو أكثر، كما أن المقطع "para" في كلمة "تسلمت paralambano"، تؤكد مثل هذه الوساطة[172].

5. التقليد الذي تسلمه الرسل من السيد المسيح وأُودِع لدى الكنيسة، في جوهره هو "الحياة الجديدة التي لنا في المسيح بالروح القدس". بهذا فإن التقليد الرسولي ليس بالوديعة الجامدة، إنما يحمل في داخله استمرار البنطقستي في الكنيسة ككل وفي حياة كل عضوٍ حيٍ من أعضائها. بالتقليد الكنسي ليس فقط الجماعة المسيحية ككل تمارس هذه الحياة، وإنما يتقبَّل كل عضو علاقة شخصية مع الله في الروح دون اعتزاله الكنيسة الجامعة.

خلال هذه النظرة نتطلع أيضًا إلى تقليدنا في جوهره كعطية روحية، لا تُقَدَّم من إنسان لآخر، بل لها فاعليتها في حياة من يُقَدِّم التقليد ومن يتسلَّمه. وكما كتب القديس بولس إلى أهل رومية "لأني مشتاق أن أراكم لكي أمنحكم هبة روحية لثباتكم، أي لنتعزَّى بينكم بالإيمان الذي فينا جميعًا، إيمانكم وإيماني" (رو 1: 11، 12). وفي هذا أيضًا يقول القديس أغسطينوس: "من أجلكم أنا أسقف، ومعكم أنا مسيحي[173]". وكأنه يشعر في أعماقه أنه مُعَيَّن من قِبَل الله لكي يودع شعبه التقليد المسيحي، وفي نفس الوقت يُمارِس هذا التقليد معهم كواحدٍ منهم.

6. خضع الرسول لبعض التقليدات اليهودية في العبادة والطقوس التي كانت تتفق مع إيمانهم، وذلك بعد إعطائها مسحة مسيحية، الأمر الذي نعود إليه فيما بعد إن شاء الرب.

7. بالتقليد ركَّزت الكنيسة على الولاء للأساقفة، إذ تطلَّعت إليهم كخلفاء للرسل، مُعَيَّنين كمسئولين عن الحفاظ على نقاوة التعليم.

في اختصار نستطيع القول بأن الكنيسة في عصر الرسل قبلت التقليد الحي، به قبلت أسفار العهد القديم، وأدركت نبواته، واكتشفت رموزه وعلاماته، وتعرَّفت على وحدته مع الشهادة الرسولية، كما تقبَّلت شهادة الرسل العيانية، وأعلنت سلطان خلفائهم في الحفاظ على الإيمان المسيحي ومارست العبادة الحقة لله.

4. ما هو ارتباط التقليد الرسولي بالإنجيل؟

إيماننا بالمسيا المُخَلِّص، أي بإنجيل الكنيسة، هو عصب تقليدنا المقدس ومركزه. في أكثر من موضع يخبر الرسول بولس شعبه أنه يُسَلِّمهم تقليد "إنجيل الخلاص" أو "كلمة الخبر" أو "عمل الله الخلاصي"، التقليد الذي نقبَّله من الكنيسة، إذ يقول: "وأُعَرِّفكم أيها الأخوة بالإنجيل الذي بشرتكم به وقبلتموه وتقومون فيه... فإني سلمت إليكم في الأول ما قبلته أنا أيضًا: إن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب وأنه دُفِن وأنه قام في اليوم الثالث حسب الكتب" (1 كو 1:15-4). كما يقول: "تسلمتم منا كلمة الخبر من الله، قبلتموها لا ككلمة أناس بل كما هي بالحقيقة ككلمة الله التي تعمل أيضًا فيكم أنتم المؤمنين" (1 تس 13:2).

حقًا تقبَّل الرسل إنجيل الكنيسة، ليس مكتوبًا على ورق بل تسلَّموه شفاهًا، لكي يودعوه في الكنيسة بالتقليد الشفهي كما بالكتابي أيضًا.

في هذا يقول C. Richardson: "قامت الكرازة المسيحية على العهد القديم والتقليد الحي ليسوع، هذا الذي تناقله فم من فم. فقد كان الشعور بالشهادة الشخصية في الكنيسة الأولى قويًا للغاية. فبايباس مثلا سجَّل لنا تفضيله الصوت الحي الكائن فينا على الكتب...[174]

لقد بدأ كثير من الباحثين في الغرب يدركون هذه الحقيقة: أن التقليد لا يقف جنبًا إلى جنب مع الكلمة المكتوبة كأنهما اثنان، إنما هما شيء واحد، ما يعلنه الكتاب تسلَّمته الكنيسة تقليدًا شفهيًا.

يقول F. Bruce أستاذ الدراسات النقدية للأسفار المقدسة وتفسيرها بجامعة مانشستر: "بينما يميل مسيحيو الغرب إلى إقامة الكتاب المقدس والتقليد، الواحد مقابل الآخر كما لو كان التقليد شفهيًا فحسب وغير مكتوب، ليس ما يمنع أن يكون التقليد مكتوبًا. فقد أخذ التقليد الرسولي يُشك مكتوبًا في حينه. وسار كتابًا يحمل سلطانًا رسوليًا على ذات المستوى، إذ يشجع القديس بولس مسيحيي تسالونيكي: "اثبتوا وتمسكوا بالتقاليد التي تعلمتموها سواء كان بالكلام أم برسالتنا" (2 تس 15:2)[175].

وجاء في قاموس وستمنستر الجديد للكتاب المقدس: "على أي الأحوال، استخدم هذا التعبير "التقليد" في معنى حسن عن التعليم الرسولي المُسَلَّم في الكنيسة بالكلمة الشفهية أو المكتوبة[176]"

يقول J. N. D. Kelly: "لهذا عادة يقصد الآباء بالتقليد، التعليم الذي عهد به الرب أو رسله للكنيسة، سواء كان مُسَلَّمًا شفاهًا أو بالكتابة..." لقد وضح هذا التعبير تمامًا في إشارة القديس أثناسيوس[177] للتقليد الفعلي الأصيل للكنيسة الجامعة وتعاليمها وإيمانها بأنه "الأمر الذي وهبه الرب وأعلنه الرسل وحافظ عليه الآباء[178]".

حقًا، لقد استلمت الكنيسة "كلمة الله" قبل أن تُسَطَّر على ورق، وتمتَّعت بالبشارة المُفرِحة، وتفهمت بالروح القدس المعنى العميق لكلمة الله، خلال التقليد الشفهي، تسلَّمته ليس فقط خلال الكلمات بل أيضًا خلال طريقة الحياة. لقد قبلت حياتها قبلما أن يكون العهد الجديد مكتوبًا أكثر من عشرين عامًا. وحينما سجَّل الإنجيليون والرسل العهد الجديد بوحي الروح القدس، قبلته الكنيسة وكرَّمته وفهمته كحياة سبق لها أن عاشتها. هكذا الإنجيل ليس بغريبً عن التقليد، لكن الأول جزء من الأخير، كلاهما يعلنان "الحق الواحد"، ويشرحان طبيعة الكنيسة.

ربما يتساءل أحدهم إن كان التقليد الشفهي قد توقَّف بظهور أسفار العهد الجديد. لكننا نجيب بأن الرسل أنفسهم قد ذكَّروا المؤمنين بالتقليد الشفهي حين كتبوا رسائلهم للجماعات المسيحية الأولى، إذ من خلاله يستطيعون أن ينالوا فهمًا للحق المسيحي: "إذ كان لي كثير لأكتب إليكم لم أرد أن يكون بورقٍ وحبرٍ، لأني أرجو أن آتى إليكم وأتكلم فمًا لفمٍ لكي يكون فرحنا كاملاً" (2 يو 12). "وكان لي كثير لأكتبه لكنني لست أريد أن أكتب إليك بحبرٍ وقلمٍ. ولكنني أرجو أن أراك عن قريب فنتكلم فمًا لفم" (3 يو 13، 14). "أما الأمور الباقية فعندما أجئ أرتبها "الكلمة اليونانية تعني "أُطَقِّسها" " (1 كو 34:11). "لأجل هذا تركتك في كريت لكي تكمل ترتيب الأمور الناقصة وتُقِيم في كل مدينة قسوسًا" (تي 5:1).

في مواضع كثيرة يُوصِي الرسول بولس تلاميذه أن يحفظوا التقليد، ويودعوه أناسًا آخرين، وأن يتمسَّكوا بالتقاليد التي تعلَّموها بالكلام أو برسالته وأن يتجنَّبوا كل أخٍ يسلك بلا ترتيبٍ وليس حسب التقليد الذي أخذه منه (2 تس 6:3). كما حذرنا من كل تقليد بشري مقاوم للإيمان "حسب أركان العالم وليس حسب المسيح" (كو 8:2).

علاوة على هذا، ففي الكنيسة الأولى قبل البعض المسيحية في أمم كثيرة بالرغم من عدم وجود ترجمة للكتاب المقدس إلى لغتهم حتى ذلك الحين، وبهذا لم يكن في قدراتهم أن يتعلَّموا الحق منها بل من التقليد الشفهي[179].

القديس إيرنياؤس في القرن الثاني هو أول من ناقش موضوع التقليد. لقد أثار تساؤلاً مفترضًا: لو لم توجد أسفار مقدسة ماذا كان يحدث؟، إلى أي شخص نلتجئ؟ "أما كنا نلجأ إلى الكنائس الأكثر قِدمًا، التي عاش فيها الرسل، ونأخذ عنها ما هو ثابت وأكيد؟! أي بديل لذلك لو أن الرسل أنفسهم لم يتركوا لنا أية كتابات، أما كنا ملتزمين أن نعتمد على تعاليم التقليد التي قدَّموها لأولئك الذين عهدوا إليهم بالكنائس[180]؟!".

5. كيف حُفظ الكتاب المقدس إلى اليوم؟

الكتاب المقدس هو كتاب الكنيسة الذي تسلَّمناه خلال التقليد الكنسي، فبالتقليد قُننت الأسفار المقدسة وتأكد لنا أنها الأسفار الموحى بها. يقول: [بالتقليد عرفتُ الأناجيل الأربعة، وإنها وحدها صحيحة.]

ويقول القديس كيرلس الأورشليمي: [تعلَّم بالجهاد ومن الكنيسة ما هي أسفار العهد القديم؟ وما هي أسفار العهد الجديد؟[181]]

كما يقول القديس أغسطينوس: [ما كنت أؤمن بالإنجيل ما لم يقنعني بذلك صوت الكنيسة الجامعة[182].]

يقول القديس باسيليوس الكبير: [إذا حاولنا أن نحذف العوائد غير المكتوبة لأنها ليست بذات أهمية فلننتبه إلى أننا نسيء إلى البشارة في أهم أركانها، ونجعل الكرازة الإنجيلية اسمًا لغير مُسَمَّى.]

جدير بالذكر أن التقليد الكنسي يشهد للكتاب المقدس، وأن الكتاب المقدس نفسه هو جزء من التقليد الكنسي، هذا لن يُقَلِّل من قيمة الكتاب بكونه فريدًا. التقليد يحفظ للكتاب طبيعته ككلمة الله، الإعلان الإلهي الأبدي، المُوَجَّه لا إلى الدهر الحاضر فحسب، بل وإلى الدهور المُقبِلة.

إن كان التقليد يشهد للكتاب المقدس، لكنه ليس بالحكم عليه. على العكس إننا نتقبَّل التقليد متى تأسس على الكتاب، ولا يمكننا أن نَقْبَله متى تعارض مع الكتاب المقدس[183].

 علاوة على هذا، يُعطَى الكتاب المقدس لكل مؤمن، لكي يختبره ويتذوَّقه شخصيًا مُدرِكًا قيمته ووحيه، لكن لا يستطيع أحد بذاته أن يُقَرِّر الوحي الإلهي للكتب المقدسة وحلول الروح القدس في الكتاب، إنما هو عمل الروح القدس الحي في الكنيسة. ليس هذا بالعمل الشخصي الذي يقرره الإنسان بذاته إنما يلتزم بحكم الكنيسة[184].

أخيرًا، فإن هذه العلامة الوثيقة بين الكتاب المقدس والتقليد لا تطفئ الإحساسات الشخصية نحو الكتاب المقدس، بل بالعكس يؤكد التقليد الكنسي هذا الاتجاه الشخصي، مطالبًا إيانا أن نعيش في الكتاب دون اعتزالنا عن الكنيسة.

6. كيف حُفِظَت كلمات المسيح وأعماله؟

بالتقليد تسلَّمنا الأناجيل المقدسة التي تحوي أعمال السيد المسيح وكلماته، لكن ليست كل أعماله ولا كل أقواله، إذ يختم مُعَلِّمنا يوحنا الحبيب إنجيله بقوله: "وأشياء أخر كثيرة صنعها يسوع إن كتبت واحدة واحدة لست أظن أن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة" (يو 21: 25).

لقد سمع التلاميذ والرسل أقوالاً كثيرة، حفظوها وعاشوها، لكن لم يُسَجِّلوها بكليتها في الأناجيل، نذكر على سبيل المثال ما قاله الرسول بولس: "هكذا أيضًا أمر الرب أن الذين ينادون بالإنجيل من الإنجيل يعيشون" (1 كو 14:9)، "أما المتزوجون فأوصيهم لا أنا بل الرب أن لا تفارق المرأة رجلها" (1 كو 10:7). لقد تقبَّل الرسول بولس هذه الوصايا والأقوال الربانية عن التلاميذ والرسل الذين سمعوا الرب، وبالروح عاشوها وحفظوها وأودعوها آخرين.

 أما من جهة أعمال المسيح، فإننا نجد الرسول بولس يقول: "لأنني تسلمت من الرب ما سلمتكم أيضًا أن الرب Kyrios يسوع في الليلة التي أُسلِم فيها أخذ خبزًا..." (2 كو 11: 23). لم يستلم الرسول هذا العمل من الرب مباشرةً ليلة آلامه، لكن كما يقول[185] Cullmann Oscar إن كلمة "كيريوس" هنا تشير إلى "التقليد الشفهي" الخاص بالرب يسوع. حقًا لقد تقبَّل الرسول رؤى وإعلانات مباشرة، لكنه تسلَّم هذا العمل من الرب خلال الكنيسة. والعجيب أن الليتورجيات الأولى، كتلك التي وردت في "التقليد الرسولي للقديس هيبوليتس" حملت عبارات الرسول بولس في "الرشومات" أو "قصة التأسيس"... ولعل سرّ هذا إن التقليد الرسولي لهيبوليتس قد عكس لنا تقليدًا عامًا في الكنيسة، عنه أخذ الرسول بولس، وعنه أيضًا أخذت الليتورجيات الرسولية جميعها.

7. ماذا يقول بابياس عن التقليد؟

بعد انتقال الرسل والتلاميذ الذين كانوا شهود عيان لأحداث السيد المسيح الخلاصية، اهتم آباء الكنيسة مثل بابياس وإيريناؤس وإكليمنضس السكندري بحفظ التقليد الشفهي أو "تقليد الشيوخ" "الآباء Presbyters" الذين قرَّروا أنه يرجع إلى عصر الرسل.

لقد عرفنا بابياس أسقف هيرابوليس بفريجيا خلال كتابات إيريناؤس ويوسابيوس. وتعتبر شهادة إيريناؤس أهم من يوسابيوس، لأنه ينتمي إلى نفس شهادة الحلقة التي ينتمي لها بابياس، ولو أنه جاء متأخرًا عنه قليلاً[186].

قرَّر القديس إيريناؤس أن بابياس الذي كان سامعًا للقديس يوحنا ورفيقًا للقديس بوليكاربس، وضع خمس كتب[187]. وقد مدح إيريناؤس هذا العمل جدًا، إذ رأى فيها تلاقي بابياس مع العصر الرسولي[188]. وقد بقي هذا العمل "الكتب" حتى القرن الرابع عشر ما لم يكن بعد ذلك، إلا أنه للأسف لا يوجد منه أي نسخة حاليًا[189].

وقد حفظ لنا يوسابيوس مقدمة لكتاب بابياس عنوانه "شرح أقوال الرب"[190]. في هذه المقدمة قرر بابياس - قبيل منتصف القرن الثاني- أن يجمع الذكريات الحية للذين تعرَّفوا على الرسل شخصيًا، إذ يقول: "لا أَتردَّد أن أضيف إلى تفسيري كل الأمور المُسَلَّمة من الشيوخ "Presbyters"، فإني أعرفهم جيدًا وأتذكرهم حسنًا، وأثق في الحق الذي لهم... فمتى جاء واحد من الذين استمعوا إلى الشيوخ، أسأله عن أقوالهم بكل تدقيق - ماذا قال أندراوس أو بطرس؟ أو ماذا قال فيلبس أو توما، أو يعقوب أو يوحنا أو متى أو أي تلميذ من تلاميذ الرب... فإني أظن أن ما أستقيه من الكتب لم يكن نافعًا لي مثل المنطوقات النابعة عن الصوت الحي والذي يبقى حيًا.

8. ماذا يقول القديس إيريناؤس عن التقليد؟

أظهر القديس إيريناؤس – في النصف الأخير من القرن الثاني – أهمية التقليد الشفوي، وذلك كما يظهر من عباراته التي استخدمها وهو يُذَكِّر صديقه فلورانس بأيامهما الأولى مع القديس بوليكاربس في سميرنا[191]، إذ قال: [إني أتذكَّر أحداث تلك الأيام بوضوح أكثر من تلك الأحداث القريبة، لأن الأمور التي نتعلَّمها في الطفولة تنمو مع النفس وتصير واحدًا معها. فإني أستطيع أن أصف حتى المكان الذي جلس فيه بوليكاربس ونطق فيه مقاله، وأصف مجيئه وخروجه، وطريقة حياته وملامحه الشخصية، والمقالات التي وعظ بها الشعب، وكيفية مفاوضاته مع يوحنا الإنجيلي وغيره ممن عاينوا الرب، وتلاوته الكلام الذي سمعه من أفواههم عن الرب وأعماله العظيمة وتعاليمه، كيف أن بوليكاربس تَقَبَّل "Paralambano" هذه الأمور عن شهود عيان لكلمة الحياة، ووضع تقريرًا عن كل شيءٍ في تطابق مع الكتاب المقدس. لقد أصغيت لهذا الأمور بشغفٍ بواسطة مراحم الله التي وُهِبَت لي، وكتبت عنها ملاحظات، لا على ورق بردي، بل في داخل قلبي. وبنعمة الله أتأمل فيها بحق على الدوام[192]".

9. كيف واجه التقليد الغنوسيين والهراطقة في القرن الثاني؟

في القرن الثاني أساء الغنوسيون فهمهم للكتاب المقدس لخدمة أغراضهم الخاصة، مُستخدِمين بعض عباراته منعزلة عن الفهم الكلي للكتاب وتقليد الكنيسة. هذا بجانب ادِّعائهم استلام تقليد خفي من الرسل[193]، يدَّعون أنهم يفهمونه أفضل من الأساقفة أو حتى الرسل[194]! وقد قام آباء الكنيسة الأولون يواجهون الغنوسيين ويفندون آراءهم، من بينهم القديس ايرنياؤس، والذي لُقِّب "أب التقليد الكنسي". يمكننا أن نوجز فكره في "التقليد" في النقاط التالية:

[- بقي التقليد المنحدر إلينا من الرسل محفوظًا بغير انقطاع خلال تتابع الشيوخ "الكلمة اليونانية Presbyters تعنى كهنة ويقصد بها الأساقفة" في الكنيسة[195].

- يحفظ التقليد في الكنيسة بواسطة الروح القدس الذي يجدد شباب الكنيسة[196].

- التقليد الرسولي ليس بالأمر السري، بل يستطيع أن يتعرَّف عليه كل الراغبين في قبول الحق. إنه مُعلَن في كل كنيسة في العالم كله[197].

ثانيًا: أساء الهراطقة تفسير الكتاب المقدس إذ تمسَّكوا بعبارات عزلوها عن الكتاب وأعادوا ترتيبها بما يناسب أفكارهم الخاصة[198]، متجاهلين وحدة الكتاب المقدس. لقد استخدموا نصوص الكتاب لكنهم لم يقرأوها خلال الكنيسة ولا بحسب تقليد الرسل. لهذا فإن الفهم الحقيقي للكتاب يوجد داخل الكنيسة حيث يحفظ التقليد المقدس وتعاليم الرسل. "غرست الكنيسة كفردوس في هذا العالم، كما يقول الروح القدس: من جميع شجر الجنة تأكل أكلاً (تك 2: 16) أي تأكل من جميع كتب الرب المقدسة، لكن لا تأكل بذهن متكبر ولا تلمس أي فكر هرطوقي مضاد. لقد اعترف هؤلاء "الهراطقة" أن لديهم معرفة الخير والشر، وارتفعوا بأذهانهم الشريرة فوق الله صانعهم[199]".

ثالثًا: الكنيسة وقد تقبلت هذه الكرازة وهذا الإيمان، بالرغم من انتشارها في العالم كله إلا أنها كمن تقطن في بيت واحد، تحافظ على هذه الأمور بكل عناية... ومع تباين لغات العالم، لكن معنى التقليد واحد في كل موضع. فالكنائس التي قامت في ألمانيا لا تؤمن ولا تسلم أمرًا مغايرًا، ولا الكنائس التي في أسبانيا أو بلاد الغال أو التي في الشرق أو في مصر أو في ليبيا أو تلك التي قامت في مركز العالم[200].

رابعًا: الذين ليست لهم شركة في الكنيسة ولا هم منتمين إليها فيحرمون أنفسهم من الحياة بآرائهم المضادة وسلوكهم المشين. لأنه حيث توجد الكنيسة يوجد روح الله وحيثما يوجد روح الله توجد الكنيسة وكل نعمة[201].]

10. ماذا يقول العلامة ترتليان عن التقليد؟

لم تختلف اتجاهات العلامة ترتليان عن تلك التي للقديس إيرنياؤس في أمور جوهرية. ويمكننا أن نلخص اتجاهه في النقاط التالية:

1. أَكَّد العلامة ترتليان عدم وجود أي تقليد خفي، إذ يقول "ليس من المعقول أن الرسل قد جهلوا كل مجال رسالتهم التي كان عليهم أن يعلنوها، أو فشلوا في تعريف الناس كل قانون إيمانهم[202].

2. وجد العلامة ترتليان أن أضمن اختبار لأصالة التعليم هو أن الكنائس قد تأسست بواسطة الرسل واستمرت مرتبطة بهم بالتتابع[203]، وهو في هذا يتلاقى مع القديس إيرنياؤس. يقول العلامة ترتليان: "لنا شركة مع الكنائس الرسولية، لأن تعليمنا لا يختلف في شيء عن تعاليمهم. وهذه هي شهادتنا للحق[204]. كما يقول أيضًا: "أن سلطان الكنائس يعتمد على استلام تقليد الرسل، فإن الحق جاء سابقًا للزيف، ونتج عنه استقامة نبعت عن أولئك الذين تسلَّمناه منهم[205]".

3. يُقَرِّر العلامة ترتليان أن التقليد الشفوي أو "قانون الإيمان Regula Fidei" هو مفتاح التفسير الصحيح للكتاب المقدس فقد كان الهراطقة قادرين على جعل الأسفار تقول حسبما يحبون، إذ يجهلون قانون الإيمان Rule of Faith[206].

4. أشار العلامة ترتليان إلى تقليد العبادة العملية، وهي الأمور التي صارت عادة في الكنيسة خلال أجيال طويلة. إنه يقول: "متى لم يرد في الكتاب المقدس عبارة تشير إلى أمر ما "عادة قديمة متبعة"، فإن هذه العادة تستمد قوتها بالتأكيد خلال استقرار ممارستها، والتي بدورها تكون قد انحدرت عن التقليد دون شك. إذ كيف يمارس شيء بشكل منتظم ما لم يكن قد استُلِم أولاً "خلال التقليد"؟

قد تقول: يلزمنا الرجوع إلى سلطان مكتوب "الكتب المقدسة" حتى إن التجأنا إلى التقليد.

نحن نسأل عما إذا كان لا يمكن استخدام التقليد ما لم يكن مدعمًا بالكتاب. من الواضح إنه يمكن القول بأنه ليس لنا أن نَقْبَل تقليدًا شفهيًا لو إننا لا نمارس بالفعل أمورًا أخرى تستند على حكم العادة المستقرة دون أن تعتمد على نص كتابي بل على التقليد وحده.

يعطى العلامة أمثلة شفهية قائلاً: [لكننا نوضح الأمر مبتدئين بالعماد، فإنه قبيل الدخول في المياه نعترف في جدية في حضرة الجماعة وتحت يد الرئيس الخادم أننا نجحد الشيطان وكبرياءه وملائكته. بعد ذلك نغطس ثلاث مرات، وبذا يصير تعهدنا أكثر مما نص عليه الرب في الإنجيل (مت 19:24). وعندما نخرج من المياه نتذوَّق أولاً مزيجًا من اللبن والعسل ونمتنع عن الاستحمام اليومي الأسبوع كله "هذا التقليد كان متبعًا في الأزمنة السالفة.]

كذا بخصوص سر الإفخارستيا، فإننا نَقْبَله في وسط الجماعة قبل الفجر من يد الرؤساء وحدهم مع أن الرب أمرنا أن نتناوله عند الغذاء...

ونوزع تقدمات عن الأموات في الاحتفالات السنوية لموتهم وكأنها احتفالات بميلادهم.

ونعتبر الصوم والسجود أثناء العبادة في يوم الرب غير قانوني على أن هذا الامتياز يسرى أيضًا من عيد الفصح إلى يوم الخمسين.

ونحن نتألم جدًا إذا سقط شيء من الخمر أو الخبز على الأرض "أثناء التناول" ...

 وفي كل حركة أو تصرف، في دخولنا أو خروجنا، عندما نرتدي ملابسنا أو أحذيتنا، عندما نستحم، وعندما نجلس على المائدة، عندما نشعل المصابيح، وعندما نستلقي على الفراش أو عندما نجلس، وفي كل تصرفات حياتنا اليومية نرشم علامة الصليب على جباهنا.

فإن طلبت أوامر كتابية لهذه الممارسات وما شاكلها فلا تجد شيئًا. إنما التقليد هو مصدرها، والممارسة تثبتها، والإيمان يرعاها. أما كون التقليد والممارسة والإيمان يسندهما العقل، فهذا الأمر تستطيع أن تدركه بنفسك أو تتعلمه من آخر يعرفه...

هذه الأمثلة تحمل بوضوح وبكفاية أنه يمكن الدفاع حتى عن التقليد غير المكتوب على ممارسته، فإن استقرار ممارسته زمانًا مستمرًا تثبته[207]

11. ماذا يقول القديس إكليمنضس السكندري عن التقليد؟

يقول القديس يوسابيوس: [في الكتاب الأول منStromatia يُظهِر لنا إكليمنضس أنه كان قريبًا من تقليد الرسل... كما يعد أن يسجل التقليد الذي سمعه من رجال الكهنوت "Presbyters" القدامى[208]". يرى القديس إكليمنضس أن الغنوسي الحقيقي "المسيحي الأمثل" إذ يتربَّى على الكتب المقدسة ويتمسك في تعاليمه بالأرثوذكسية الرسولية الكنسية، يعيش بحق في توافق مع الإنجيل ويستنبط البراهين التي يطلبها من الشريعة والأنبياء...لأن حياة الغنوسي _ في رأيي _ هي اتفاق أفعاله وكلماته مع تقليد ربنا[209]". كما يُقَرِّر أيضًا أن من يعتزل التقليد الكنسي يحرم نفسه من أن يكون رجل الله[210]، وأن الغنوسية "المعرفة" إنما تنحدر إلى قليلين "منا" منحدرة من الرسل خلال خلفائهم ومُسَلَّمة إلينا غير مكتوبة[211]".

12. ماذا يقول أوريجينوس عن التقليد؟

التقليد أو قانون الإيمان Canon of Faith عند أوريجينوس هو جسد المعتقدات السائدة التي قبلها المسيحيون. يُقَرِّر العلامة أوريجينوس أن التقليد الكنسي قد انحدر إلينا من الرسل خلال تتابع بغير انقطاع، ولا يزال التقليد باقيًا إلى اليوم في الكنائس![212]". وفي تفسيره للكتاب المقدس يشير العلامة إلى التقليد وإلى كتابات الشيوخ "أو الكهنة presbyters ويقصد بهم آباء الكنيسة". نذكر على سبيل المثال أنه في تفسير مثل السامري الصالح (لو 10: 25-37)، كتب: [قال أحد الشيوخ (الآباء أو الكهنة) إن الإنسان النازل إلى أريحا هو آدم، وأورشليم هي الفردوس، وأريحا هي العالم، واللصوص هم القوات الشريرة والسامري هو السيد المسيح[213]]. ويعلق جان دانيلو بأن هذا التفسير ورد فعلاً في إيرينيؤس[214]، لكنه من المستبعد أن أوريجينوس يدعو إيرينيؤس "أحد الشيوخ" لهذا فإن الإثنين قد أخذا من مصدر واحد لابد وأن يكون التقليد[215]. هذا ويرى أوريجينوس أن الفهم الصحيح للكتاب المقدس يوجد في الكنيسة وحدها، إذ يقول: "التلميذ الحقيقي ليسوع هو ذلك الذي يدخل المنزل أي يدخل الكنيسة فإن من يدخل الكنيسة يفكر ذات فكر الكنيسة ويحيا كحياته، بهذا يتفهم الكلمة. إنه ينبغي أن نتقبَّل مفتاح الكتاب المقدس من التقليد الكنسي كما من الرب نفسه[216]".

13. ماذا يقول القديس كبريانوس عن التقليد؟

يؤكد القديس كبريانوس أنه لا خلاص خارج الكنيسة، سواء للهراطقة أو للمنشقين. [فلا يقدر أحد أن يأخذ الله أبًا له ما لم يأخذ الكنيسة أمًا له[217]]. لهذا فإن التفسير السليم للكتاب المقدس والتعاليم الأرثوذكسية توجد فقط داخل الكنيسة الحقيقية. تقليد الكنيسة الحقيقية هو الحارس للإيمان المسيحي.

14. ماذا يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص عن التقليد؟

جاء في كتابات القديس غريغوريوس النيصي: [يكفينا للبرهنة على عبارتنا ذلك التقليد المنحدر إلينا من الآباء، بكونه الميراث الذي تناقلناه بالتتابع منذ الرسل خلال القديسين الذين تبعوهم[218].]

15. ماذا يقول القديس باسيليوس الكبير عن التقليد؟

1. يشير القديس إلى مقتطفات كثيرة نقلها عن كتابات للآباء، بكونها شهادة للإيمان الأرثوذكسي.

2. يتحدث أيضًا عن التقليد الشفهي كحافظ للتفسير السليم للكتاب المقدس، الأمر الذي يحاول الهراطقة تحطيمه. إذ يقول: "الإيمان هو موضوع الهجوم. فإن الهدف الوحيد لكل جماعة المقاومين، أعداء "التعليم السليم، (1 تى 10:1) هو تحطيم أساس إيمان المسيح بهدمهم التقليد الكنسي حتى النهاية وإزالته كلية... يطلبون البرهان الكتابي محتقرين تقليد الآباء غير المكتوب كأنه أمر ليس بذي قيمة[219]".

 3. يشير القديس باسيليوس إلى التقليد كمُرشِد في الأسرار والطقوس، قائلاً: "من جهة التعاليم والممارسات المحفوظة في الكنيسة والمقبولة بصفة عامة أو موصى بها علانية، فقد جاء بعضها عن تعليم كتابي بينما تسلمنا الآخر "في سرّ" (1 كو 7:2) خلال تقليد الرسل وكلاهما يحمل ذات القوة.

هذا ليس من يعترض عليه، ليس ولا واحد، لو تطلَّع الإنسان باعتدال إلى نظم الكنيسة... فإنه أن حاولنا أن نحتقر مثل هذه الممارسات لعدم وجود سند كتابي لها، حاسبين إياها قليلة الأهمية، فإننا بذلك نسيء بغير قصد إلى الإنجيل في أمور حيوية، ونجعل من معتقداتنا العامة ألفاظًا ليس إلا.

 لنبدأ على سبيل المثال بمثال شائع: من الذي علمنا عند الكتابة أن نرشم علامة الصليب من هؤلاء الذين يثقون في اسم ربنا يسوع المسيح؟ أين كُتِب لتعليمنا الاتجاه للشرق عند الصلاة؟

 مَنْ مِنْ القديسين ترك لنا كتابة كلمات التقديس على الخبز وكأس البركة أثناء خدمة الإفخارستيا؟ فإننا كما هو معروف، لا نقف عند الكلمات التي سجَّلها الرسل أو الإنجيل، بل نضيف إليها كلمات غاية في الأهمية أثناء الخدمة، في البداية والختام، هذه أخذناها عن تعليم غير مكتوب.

 علاوة على هذا، إننا نبارك مياه المعمودية وزيت الميرون كما نبارك الموعوظين الذين يعتمدون، فهل لدينا سلطان كتابي لفعل هذا؟ أليس مرجعنا في هذا هو التقليد الصامت السرِّي؟ بلى، أية كلمة مكتوبة تُعَلِّمنا المسحة بالزيت[220]؟ ومن أين جاءت عادة العماد "التغطيس" ثلاث مرات[221]؟ وهكذا بالنسبة لبقية الطقوس الخاصة بالعماد فأي نص في الكتاب فيه جحد الشيطان وملائكته؟ ألم نستلم هذا عن تعليم غير مكتوب خفي، التقليد الذي حفظه آباؤنا في صمت؟

جميعنا يتطلَّع إلى الشرق عند الصلاة، لكن قليلين منا يعرفون إننا بذلك نطلب مدينتنا القديمة (عب 14:11)، "الفردوس" الذي غرسه الله في عدن في الشرق (تك 8:3). وفي أول الأسبوع نُصَلِّي ونحن قيام، لكن ليس جميعنا يعرف السبب، فإنه في يوم القيامة "في اليونانية كلمة قيامة تعنى الوقوف أو القيام ثانية" نتذكَّر النعمة التي وُهِبَت لنا ونحن واقفون في الصلاة، ليس فقط لأننا قمنا مع المسيح وعلينا أن نطلب ما هو فوق (كو 1:3) ولكن لأن هذا اليوم يبدو لنا صورة للدهر الآتي[222]."

16. ماذا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم عن التقليد؟

بعد قوله بأن الرسل لم يُسَلِّموا كل شيء بواسطة الرسائل، بل سلَّموا أمورًا كثيرة غير مكتوبة، أضاف القديس يوحنا الذهبي الفم "هذا وذاك واجبًا التكريم لهذا فلنتطلع إلى تقليد الكنيسة كأمر مُكَرَّم. أنه تقليد، هذا يكفي![223]"

17. ماذا يقول القديس إبيفانيوس أسقف سلاميس عن التقليد؟

أشار القديس إلى أن الكنيسة وحدها وليس الهراطقة، قد تسلمت التقليد، وحفظته وسلمته.

يقول أيضًا "يلزمنا أن نستخدم التقليد، لأنه لا نستطيع أن نستخلص كل شيءٍ من الكتاب المقدس، إذ سلَّم الرسل بعض الأمور كتابة والأخرى خلال التقليدات[224].

18. ماذا يقول القديس أغسطينوس عن التقليد؟

في علاجه لموضوع بطلان معمودية الدوناتست Donatists الهراطقة كتب [إني أعتقد أن هذا الأمر "أي بطلان معموديتهم" قد جاءنا مُسلَّمًا من الرسل بالتقليد، وذلك مثل كثير من الأمور التي لم ترد إلينا في رسائلهم ولا في المجامع الأولى، لكن إذ التزمت بها الكنيسة كلها، أُعتقِد أن هذه الأمور مُسَلَّمة من الرسل وليس من آخرين غيرهم[225].]

19. ما هي علاقة التقليد المسيحي بالتقليد اليهودي؟

ظهر التقليد اليهودي المُبَكِّر بطريقة طبيعية قبل ظهور أية شريعة مكتوبة أو تاريخ مكتوب، وكان هو المصدر الوحيد للإيمان اليهودي. أما بعد استلام الشريعة المكتوبة قام التقليد بشرحها والإضافة إليها[226]. صار التقليد المُفَسِّر العملي للشريعة المكتوبة ينمو مع الزمن كأحكام وحالات طُبقت في ظروف الحياة المتغيرة خلال الأجيال المتعاقبة. نُقَدِّم هنا مثالين للارتباط بين الناموس والتقليد:

1. جاء في الوصية الرابعة "لا تعمل عملاً ما" يوم السبت (خر 10:20)، فما هو المعنى الدقيق لكلمة "عمل"؟ أي الأنشطة تُحسَب عملاً، وأي منها لا يُحسَب هكذا؟ في المجتمع الزراعي تكون الإجابة سهلة إلى حد ما، ألا وهي "العمل يحوي كل أنشطة العمل اليومي الرتيب[227]. إنه من الواضح أنه حتى في وقت الزراعة والحصاد يلزم أن يستريحوا (خر 21:34). لكننا نجد في أيام نحميا كان اللاويون يعملون يوم السبت، إذ كانوا يقومون بحراسة الأبواب (نح 19:13 الخ).

2. نقرأ في سفر الخروج "لا يخرج أحد من مكانه في اليوم السابع" (خر 29:16). هذه التعليمات لو نُفِّذت بصرامة فإنها تستلزم الامتناع عن أي حركة خارج منزل الإنسان في يوم السبت. لكن فُسِّرت كلمة "مكانه" لتشمل ألفي ذراعًا من موقع مسكن الإنسان، ودُعيت هذه المسافة "سفر سبت"[228].

20. ما هما أهم مدارس التقليد عند اليهود؟

يعكس التقليد اليهودي اتجاه كثير من القادة اليهود في حفظهم لحرفية الناموس، معطين اهتمامًا قليلاً لروحه. وُجِدَت في أيام السيد المسيح مدرستان للتقليد الشفوي إحداهما يرأسها غمالائيل، تلميذ هليل مؤسس المدرسة وخليفته. في هذه المدرسة تتلمذ شاول الطرسوسى الذي ربما كان سيخلفه في رئاسة المدرسة لولا قبوله الإيمان المسيحي. أما المدرسة الثانية فكان يرأسها شمعى، والتي اختلفت عن الأولى تمامًا في بعض نقاط التفسير وتطبيق الناموس. مع هذا الاختلاف اتفقتا معًا في الأساس العام، إذ قبلتا مبدأ التقليد كوسيلة تطبيقية لمستلزمات القانون القديم حسب الظروف المتغيرة خلافًا للصدوقيين الذين يصرون على التطبيق الحرفي الصارم للناموس المكتوب[229].

21. ما هي أهم الكتب أو الأعمال الخاصة بالتقليد اليهودي؟

التلمود: كلمة تلمود في الأرامية تعنى "تعليم"[230]. يُقصَد به جزء مُعيَّن فقط من تجميع للتقليد "الجمارة"، لكنه يطلق بصفة عامة على المجموعة كلها. ينقسم التلمود إلى جزئين:

المشناة أو المشنة :Mishnah تعنى "التكرار" أو "الشريعة الثانية" وهي عبارة عن تجميع للتقاليد اليهودية القانونية الشفوية، حتى جمعها الحاخام يهوذا الأمير Jadah ha-Nasi حوالى عام 200م وهى تشمل آراء الحاخامات أو المُعَلِّمين "Tannaim".

تنقسم المشناة إلى 6 فصول "Seder":

1. البذار Zeriam، يحوي أحدي عشرة مقالاً أغلبها يُعالِج العشور والتقدمات الزراعية.

2. الأعياد Moed، يحوي اثني عشر مقالاً عن السبت وعيد الفصح الخ.

3. النساء Nashim، يحوي سبعة مقالات في قوانين الزواج.

4. الأضرار Nezikim، عشر مقالات في قانون الأحوال المدنية والجنائية.

5. المقدسات Kodashim، عبارة عن عشرة مقالات معظمها عن الذبائح الحيوانية.

6. التطهيرات Tohoroth، عبارة عن اثني عشر مقالاً تعالج كل جوانب الطقوس الخاصة بالأمور النجسة[231]، كيف نتجنَّبها وكيف نتغلَّب عليها؟

الجمارة Gemara: تعني "التكميل"، وهو تفسير للمشناة، يحوي آراء المفسرين "Amorian".

يوجد نوعان من الجمارة (التلمود): الأورشليمي أو الفلسطيني، جُمِع حوالي القرن الرابع، والبابلي الذي جُمِع حوالي القرن الخامس أو السادس. يتشابه النوعان من جهة المنهج والتكوين، لكنهما لا يتطابقان في المحتويات[232]، وتعتبر النسخة البابلية أكثر أهمية من الأخرى في الأوساط اليهودية.

 التوسيفتا The Tosefta: كلمة "توسيفتا" تعني "إضافة" أو "ملحق"، وهي عبارة عن تجميع لآراء المُعَلِّمين"Tannaim" التي لم ترد في المشناة. وتسمى مادتها بال "بارايتا Baraita".

المدراش: أُخِذَ هذا الاسم عن الفعل العبري "درش" أي "درس" فهي تعني "تحقيق investigate" أو "بحث search out"، بمعنى الكشف عن الفكر الذي لا يظهر على السطح. وردت هذه الكلمة في العهد القديم في (2 أي 13: 22؛ 24: 27) لتشير إلى المصدر الذي التجأ إليه كاتب سفر الأخبار Chronicler وأشار سفر (ابن سيراخ 23:51) إلى "بيت مدراش" التي بالضرورة تشير إلى مدرسة كانت تُدرس فيها الكتب المقدسة.

وفي الأدب اليهودي، "مدارش" تعني دراسة نص الكتاب المقدس بصفة عامة، وبصفة خاصة تفسير الكتب وشرحها بطريقة وعظية. فهي تشير إلى طريقة الدراسة التي بها تربط مادة التفسير بنص الكتاب المقدس، وذلك على خلاف "المشناة" التي تشير إلى تكرار مادة التفسير منفصلة عن نص الكتب المقدسة. جدير بالملاحظة أن المدراش تهتم بالأكثر بالدروس البناءة، وغايتها دائمًا التطبيق العملي للحاضر.

 هناك نوعان متميزان للمدراش: "الحلقة halakha" و"الحجادة Haggadah".

1. الحلقة Halakha: الكلمة العبرية معناها "سلوك، طريق أو ممارسة أو حِكَم الخ". وهي عبارة عن تفسير الناموس بطريقة يستنبط منها قواعد سلوكية. ظهر هذا المنهج كثمرة للرغبة التقوية في تطبيق الناموس حتى في الأمور التافهة والحالات غير المتوقعة في الحياة اليومية. وقد بدأت هذه الطريقة شفهيًا إلى إن جمعت وكتبت.

2. حجادةHaggadah : الكلمة العبرية تعنى رواية أو حكاية. وهي عبارة عن تفسير للنصوص القصصية في أسفار موسى الخمسة بشيءٍ من التوسع لاستخراج دروس بناءة. وهي تحتوي على أمثال وقصص وروايات وفلكلور "أدب شعبي" ومواضيع أخرى.

22. ما هو موقف ربنا يسوع من التقليد اليهودي؟

ربنا يسوع الذي جاء لا ليبطل الناموس والأنبياء بل ليكملها (مت 5: 17) لم يُقَلِّل من قيمة التقليد اليهودي. أما كلمته "لماذا تتعدون وصية الله بسبب تقليدكم؟" (مت 3:15؛ مر 13:7؛ كو 8:2) فلا تعنى رفضه للتقليد في ذاته بل رفض وجهة نظرهم نحو التقليد. لقد رفض التقليد المُعارِض لكلمة الله، كما رفض الاتجاه الحرفي في استخدام الناموس أو التقليد. لقد أعطى مثلاً للتقليد المناهض لكلمة الله، والذي به يستطيع الإنسان أن يمتنع عن التزامه بإعالة والديه متى دفع مبلغ المعونة للهيكل كقربان[233].

 وفي مثال آخر نجد أن ربنا يسوع لم يمنع تلاميذه الذين كانوا يسيرون وسط الحقول يوم السبت أن يقطفوا بعض السنابل، ويستخرجوا الحنطة منها بأيديهم. فإن الفريسيين تطلعوا إليهم ككاسري الناموس، لأن هذين العملين "جمع السنابل ودرسها" هما اثنان من تسعة وثلاثين فئة من الأعمال التي أشارت إليها المشنة كأعمال ممنوعة في السبت[234].

23. ما هو موقف الكنيسة المسيحية من التقليد اليهودي؟

منذ العصر الرسولي لم تتجاهل الكنيسة المسيحية تقليدات اليهود الحية، بل رفضت ما يعارض منها كلمة الله، وقبلت الباقي بعد أن أعطته مسحة مسيحية، لخدمة الإيمان الجديد. وفيما يلي أمثلة لأثر هذه التقاليد على المسيحية الأولى:

 1. اقتبس القديس يهوذا في رسالته نقلاً عن التقليد القديم المنازعة التي تمت بين رئيس الملائكة ميخائيل وإبليس بخصوص جسد موسى (يه 9)، وأيضًا نبوة لأخنوخ (يه 14، 15) واسمي "ينيس ويمبريس" (2 تى 8:3) اللذين قاوما موسى. وذكر سفر الرؤيا تعليم بلعام، الذي علَّم بالاق أن يعثر بنى إسرائيل فيأكلون من الطعام المُقَدَّم ذبيحة للأوثان (رؤ 2: 14، 15) نقلاً عن التقليد القديم.

 2. تأثر الآباء الأولون بالتقليد اليهودي، فكان القديس يوستين على علاقة باليهودي تريفو، وأوريجينوس كان يأخذ بمشورة بعض الحاخامات ويقتبس بعض التفاسير منهم. وضم الأدب السرياني "الـ Haggada" اليهودي، خاصة أعمال يوسابيوس من أميسا والقديس إفرام.

3. اقتبسنا عن التقليد اليهودي كثيرًا من نصوص الليتورجيا التي تتفق مع إيماننا[235].

4. حملت الديداكية "تعليم الرب للأمم بواسطة الاثني عشر رسولاً" طابعًا يهوديًا (مقالاً على نظام الطريقين the treatise on the two ways).

24. هل أخذت الحياة الكنسية شيئًا عن التقليد المقدس؟

سبق أن رأينا أن التقليد الكنسي في جوهره هو مجرى الحياة الدائمة في المسيح يسوع، بفعل الروح القدس. هذه الحياة تحتضن منهج الكنيسة الروحي السلوكي ونظامها التعبدي. هكذا يُمَثِّل التقليد الحياة "الواحدة" للكنيسة والتي لا تنفصل إلى أجزاء: إيمان وتعاليم روحية وعبادة.

25. هل أخذت التعاليم السلوكية شيئًا عن التقليد المقدس؟

سلَّمنا الرسول بولس التقليد الحاوي للمنهج الروحي السلوكي، إذ يقول: "فكما قبلتم paraimbano المسيح يسوع الرب اسلكوا فيه، متأصلين ومبنيين فيه وموطدين في الإيمان كما علمتم" (كو 2: 6، 7). "كما تسلمتم منا كيف يجب أن تسلكوا وترضوا الله" (1 تس 1:4). "كما نوصيكم... أن تتجنبوا كل أخ يسلك بلا ترتيبٍ وليس حسب التقليد الذي أخذه منا" (2 تس 3: 6). "وما تعلمتوه وتسلمتموه وسمعتموه ورأيتموه في فهذا افعلوا" (في 4: 9).

في التقليد المسيحي يتلازم الإيمان مع الحياة الروحية والسلوكية. فالقديسة مريم كمثال للكنيسة، "كانت تحفظ كلمة الله" في قلبها، وعاملة في حياتها. وعندما سأل الوثني أوتلكس Autolycus ثيؤفيلوس الأنطاكي، في القرن الثاني: "أرنى إلهك"، أجابه ثيؤفيلوس بحكمة "أرنى إنسانك وأنا أريك إلهي"، أي أرنى صدق إنسانك الداخلي أو قلبك عندئذ تستطيع أن ترى الله وأنا أُظهِره لك. هكذا يرتبط الإيمان بالحياة العملية.

26. هل أخذت العبادة الكنسية شيئًا عن التقليد المقدس؟

ما قلناه عن المنهج السلوكي، نكرره أيضًا بخصوص نظام الكنيسة التعبدي. فإننا بالتقليد نَقْبَل "الحياة الكنسية في يسوع المسيح" ليس فقط خلال العقائد المسيحية والتعاليم والكتب المقدسة والمنهج السلوكي، ولكن أيضًا خلال الليتوريجيات الكنسية والطقوس والقوانين وكل ما يخص العبادة. فإننا قد تسلَّمنا حياة تعبُّد حقيقية بروح رسولي آبائي يسند إيماننا الحقيقي.

27. هل أخذت الليتورجيات شيئًا عن التقليد المقدس؟

التقليد هو مصدر ليتورجياتنا الكنسية من عماد وإفخارستيا وزواج الخ. وفي نفس الوقت هذه الليتورجيات هي بعينها التقليد في أعلى درجات قوته وقدسيته[236] لأن الليتورجيات، في كليتها، هي تقديس سرّ المسيحية في كماله. إنها لا تعلمنا السرّ بل تدخل بنا إلى لقاء حقيقي معه.

28. هل أخذت الطقوس شيئًا عن التقليد المقدس؟

يُمَثِّل الطقس عنصرًا أساسيًا في العبادة الليتورجية والعائلية والخاصة، إذ تعني شركة الجسد مع الروح في التعبُّد لله. الطقوس التي تسلمناها بالتقليد ليست بالعمل العارض في حياة الكنيسة، لأنها في رمزيتها هي أكثر من أن تكون مُجَرَّد تعبير يحمل الحواس والفكر نحو حقائق الإيمان. إنها دخول حقيقي في سرّ العبادة وإعلان "الحق الحي" الحاضر في الكنيسة.

 ففي التسابيح الكنسية كمثال، نمارس التسبحة السماوية الجديدة في المسيح يسوع... بهذه التسابيح لا نتذوَّق الفن الموسيقي فحسب بل نختبر الحياة السماوية.

 خلال المبنى الكنسي وكل محتوياته لا نتعرَّف على الفن المعماري أو الأثريات الثمينة، بل نتقبَّل تقاليد حية، فالمبنى هو أيقونة حية للكنيسة السماوية تعبر عن إيمان الكنيسة تعبيرًا صادقًا.

 وهكذا في كل ألوان الفن المسيحي نلتقي بروح التقليد. فالأيقونة مثلاً تُقَدِّم لنا بالروح القدس حياة الكنيسة، وتوضح لنا حياة الإيمان في التعليم الأرثوذكسي، فلا نرى فيها مجرد منظورات تعيننا في العبادة أو ديكورات دينية للهيكل، بل نتذوق خلالها إيماننا الحي بالسماويات وحبنا للقديسين واتحادنا معهم في المسيح يسوع.

29. ما هي مسئولية رجال الكهنوت والعلمانيين في حفظ التقليد المقدس واستمراره؟

أولاً: التقليد والمجامع: في القرن الأول، اجتمع الرسل معًا في أورشليم (أع 15) ليتدارسوا مشكلة قبول الأمم في الإيمان الجديد، ويتَّخِذوا قرارًا كنسيًا يتمشى مع فكر المسيح. فمن واجب آباء الكنيسة أن يجتمعوا معًا في مجامع محلية أو مسكونية ليدرسوا احتياجات الكنيسة الحاضرة ويحفظوا حياتهم التقليدية خلال الظروف الجديدة. وهم في هذا لا يُقدِّمون آراء فردية بل جماعية، يجتمعون تحت قيادة الروح القدس بفكرٍ واحدٍ لكي يُشبِعوا احتياجات شعبهم. على سبيل المثال يلزمهم أن يدرسوا كيف تُشرَح تعاليم الكنيسة ومعتقداتها وتُقَدَّم للإنسان المعاصر، وكيف يسندون شعبهم ضد كل هرطقة وفلسفة مادية، كما يناقشون احتياجات الشعب الرعوية والعمل الكرازي ودور الكنيسة المسكوني. بمعنى آخر، إنها مسئولية الآباء أن يحفظوا حياة الكنيسة التقليدية كحياة فعالة، لها عملها الروحي.

ثانيًا: التقليد وكتابات الآباء: بجانب المجامع الكنسية، تُعتبَر كتابات آباء الكنيسة أحد المصادر الرئيسية لحفظ التقليد الكنسي. ولقد أعطى [237]J. Kelly بعض الأمثلة لالتجاء الكنيسة الأولى إلى كتابات الآباء لتأكيد المعتقدات والتعاليم التقليدية:

1. إذ كتب القديس كيرلس السكندري إلى الرهبان المصريين مدافعًا عن تلقيب العذراء الطوباوية "والدة الإله"، أشار إليهم[238] أن يقتفوا آثار الآباء القديسين، ما داموا هم الذين حفظوا الإيمان الذي تسلَّموه من الرسل وعلَّموا به المسيحيين لتكون معتقداتهم صادقة. مرة أخرى كان القديس كيرلس السكندري مستعدًا أن يؤكد[239] أن التعليم الحقيقي للثالوث القدوس قد شُرِح خلال "حكمة الآباء القديسين". وفي نضاله ضد نسطور التجأ[240] القديس كيرلس إلى "الكنيسة المنتشرة في العالم والآباء المكرمين أنفسهم"، مُعلِنًا أن الروح القدس قد تكلم فيهم. ولكي يؤكد وضعه في الإيمان الخاص بالسيد المسيح، أعد مقتطفات قيمة آبائية، استخدمها في كتاباته الدفاعية[241]، وقدَّمها لمجمع أفسس[242]. لقد أكد القديس كيرلس: إنني محب للتعليم الصحيح، مقتفيًا آثار الخطوات التقية التي لآبائي[243].

2. يتحدث ثيؤدورت الأنطاكي[244] عن الإيمان الأرثوذكسي أنه انتقل إلينا، ليس فقط بواسطة الرسل والأنبياء، بل وأيضًا بواسطة أولئك الذين قاموا بتفسير كتاباتهم: أغناطيوس ويوستاثيوس وباسيليوس وغريغوريوس ويوحنا وغيرهم من الذين أناروا العالم، وأيضًا بواسطة الآباء القديسين الذين اجتمعوا قبلاً في نيقية. وأضاف ثيؤدورت بأن الذي ينحرف عن تعاليمهم يُحسَب عدوًا للحق. وفي موضع آخر[245] أوضح أن الروح القدس قد أوحى للآباء أن يوضحوا الجوانب الغامضة في الكتاب المقدس.

يليق بنا أن نعرف أنه بحسب كنيستنا الأرثوذكسية لا يستطيع واحد من الآباء بمفرده أن يتعرَّف على الحق بكماله كما تتعرَّف عليه الكنيسة كلها.

30. ما هو دور العلمانيين في الحفاظ على الحياة الكنسية التقليدية؟

للعلمانيين دورهم في حفظ التقليد حيًا وذلك بممارسته في حياتهم اليومية وعبادتهم. لأن الحياة الكنسية التقليدية لا يمكن حفظها بقوانين أو خلال كتب فحسب وإنما بالممارسة والحياة.

 كل مؤمن حقيقي يُمَثِّل حجرًا في هيكل الله الروحي. إنه يوضع على حجارة حية سابقة له، أي يتقبَّل الحياة الكنسية التقليدية من الأجيال السابقة، وفي نفس الوقت يحمل هو حجارة حية أي يودع هذه الحياة، وبهذا يصير عضوًا حيًا في كنيسة المسيح، ينقل حياتها بممارستها يوميًا.

 بهذا يمكننا أن نُعَّرف "المؤمنين التقليديين" بأنهم ليسوا أولئك الذين يدرسون قوانين الكنيسة بدقةٍ ويتعرَّفون على تفاصيل الطقوس أو يرَدِّدون التسابيح الكنسية فحسب، بل بالحري هم أولئك الذين يكتشفون اتحادهم مع الله في المسيح يسوع بواسطة الروح القدس خلال حفظهم وممارستهم للقوانين الكنسية وطقوسها وألحانها الخ.

31. كيف نتمسك بالتقليد الكنسي في الحياة المعاصرة؟

يظن البعض أن "التقليد" يعني "المحافظة" أو "الجمود" كما لو أنه يقف في وجه كل تطورٍ في الحياة الكنسية. لكن التقليد في مفهومنا الأرثوذكسي هو حياة الكنيسة عبر التاريخ، يقودها الروح القدس ويجددها. والكنيسة لن تشبع حتى ترى كمال البشرية كلها. يقول Bulgakouv: "التقليد ليس كتابًا يُسَجِّل لحظة مُعيَّنة في نمو الكنيسة يقف عندها، بل هو كتاب يُكتب باستمرار بواسطة حياة الكنيسة. التقليد مستمر على الدوام، وهو اليوم ليس بأقل منه في الفترة السابقة، فإننا نعيش في التقليد ونُوجِده. ومع هذا فإن التقليد المقدس الخاص بالماضي هو حاضر بالنسبة لنا، يعيش في حياتنا وفي شعورنا... التقليد الكنسي لا يضع صوت الماضي كبديل لصوت الحاضر، فالماضي في التقليد لا يقتل الحاضر بل يعطيه كماله[246].

يلزم أن يكون التقليد "خلاقًا creative" وفي نفس الوقت "مُحافِظًا conservative" فإنه لا يوجد تناقض بين العنصرين، بل هما أساسيان ولازمان لبعضهما البعض. فالتقليد لا يمكن أن يكون محافظًا، إلا إذا كان متطورًا باستمرار ولا يمكن أن يكون متطورًا ما لم يكن مستندًا على كتفي الماضي[247]. فـ"التحفظ" و"التطور" هما سمتان لعمل واحد نُسَمِّيه "التقليد".

32. ماذا نعني بالتقليد في الحركات المسكونية الكنسية[248]؟

 يُواجِه اللاهوتيون اليوم في دراستهم للحركة المسكونية من أجل البلوغ إلى وحدة الكنيسة الجامعة في العالم كله السؤال التالي: ما هو التقليد الحقيقي الذي استلمته الكنيسة لتعيش بأحكامه في العالم كله؟ إن عدنا إلى العصر الرسولي نلمس "تقاليد كنسية محلية كثيرة"، تحمل ثقافات متنوعة، هذه التقاليد يربطها فكر واحد هو فكر المسيح، وروح واحد هو روح الرب، وغاية واحدة هي خلاصنا. لهذا لم يتردَّد أساقفة الإسكندرية في الاشتراك مع أساقفة روما أو أنطاكية أو أورشليم في خدمة واحدة، على مذبحٍ واحدٍ، حتى وإن اختلفوا في تفصيلات طقوسهم وتقاليدهم، إذ استلم الجميع شكلاً واحدًا للعبادة، بروحٍ واحد بتقليدٍ واحدٍ. هكذا عاش الرسل جميعًا بهذا الروح الكرازي المُنفتِح: "فإني إذ كنت حرًا من الجميع استعبدت نفسي للجميع لأربح الأكثرين..." (1 كو 9: 19). فعندما كرز مار مرقس في مصر قَدَّم لهم المسيح الواحد، فعبده المصريون بثقافة مصرية لكن بروحٍ رسوليٍ حق. وقد حملت هذه العبادة ذات الهيكل الذي للأسقفيات الأخرى. فكمثال جاءت الألحان القبطية تختلف عن السريانية واللاتينية... لكن الجميع يتسم بالروح الهادئ الوديع، روح التسبحة الجديدة السماوية، التي تشمل مفاهيم عقيدية وروحية صادقة وعميقة.

 لنقدم مثلاً أخر وهو "الأنوار في بيت الرب" فقد استخدمت الكنائس الرسولية جميعها الإضاءة أثناء العبادة في النهار كما بالليل، خاصة عند قراءة الإنجيل. هذا هو روح التقليد الذي يُعلِن أن "المسيح هو نور العالم". لكن برز الفن المصري في صنع السرج "القناديل" الخاصة بالكنيسة القبطية، بينما ظهر الفن السرياني واللاتيني واليوناني... في السرج الخاص بهم.

 وهكذا بالرغم مما اتسم به المسيحيون في العالم من وحدة الإيمان وحفاظهم على التقليد كحقيقةٍ حية، لكن كل كنيسة محلية عبَّرت عن هذا الإيمان الواحد بلغتها الخاصة وطقسها الليتورجى وتسابيحها وملابسها الكهنوتية المقدسة، دون أن يفقد الإيمان وحدته. فلم تُخفِ محلية الكنائس شخصية الكنيسة الجامعة. بمعنى آخر: اختلاف التقليد في تفاصيله لا في جوهره لا يقف حائلاً دون تحقيق وحدة الكنيسة الجامعة، متى بُنيت على وحدة الإيمان والحياة.

 أخيرًا نختتم حديثنا بهذه الملاحظات:

1. الكنيسة الأرثوذكسية، خاصة كنيسة الإسكندرية، حافظت أكثر من غيرها على التقليد المقدس في تفاصيله كما في روحه. ولعل سرّ هذا ما تتمتَّع به كنيستنا من عدم التدخل في السياسة، وعدم تولِّيها أي سلطان زمني. لقد عاشت الكنيسة بروحانيتها بعيدة عن روح العالم. وحفظت ظهور الحركة الرهبانية تقليد الكنيسة بروح خشوعي إنجيلي نسكي.

2. قدمت وحدة الكنيسة الأرثوذكسية غير الخلقيدونية في هذا العصر لعلماء اللاهوت المتخصصين في دراسة "الحركات المسكونية" درسًا عمليًا غاية في الدقة عن مفهوم الوحدة، فإن هذه الكنائس مع اختلافها في تفاصيل بعض التقاليد فإنها تنعم جميعها بالإيمان الواحد والتقليد الواحد. ولقد شاهد العالم كله أكثر من مرة في السنوات الأخيرة اشتراك بطاركة وأساقفة وكهنة وشمامسة وعلمانيين من هذه الكنائس في خدمة واحدة، ويشتركون معًا في تقدمة واحدة عن الجميع.

 بقى لهذه الكنائس أن تقوم بدور فعَّال مع أخواتها الكنائس الأرثوذكسية الخلقيدونية لتتفرغ الكنيسة الأرثوذكسية للعمل بكل طاقتها للكرازة على صعيد العالم كله.

3. يليق بنا أن نفكر بصورة جادة عما نُقَدِّمه للعالم في كرازتنا؛ فعندما يَقْبَل الرجل الفرنسي مثلاً الإيمان الأرثوذكسي، فمن صميم رسالتنا أن نُقَدِّم له عبادته بفكر أرثوذكسي إلهي آبائي، بالروح الواحد، لكن في ثقافة تتناسب معه. في هذا تحدث نيافة الأنبا غريغوريوس مطران نيودلهي بالهند مع قادة الكنيسة الأرثوذكسية بملبورن في يونيو 1977، قائلاً بأنه يجب أن يلقي الأرثوذكس ببذار الأرثوذكسية، في التربة الأسترالية حتى تنتج شجرة أرثوذكسية أسترالية.

4. إذ انفتحت كنيسة الإسكندرية على العالم الخارجي، وخرج الملايين إلى أرض المهجر، يليق بالكنيسة الأم أن تدرس رسالتها، إذ يلزمها أن تُرشِدهم وتُعِينهم في تقديم الفكر الأرثوذكسي للغير دون الانحراف عن روح التقليد أو الطقس. يليق بها ألا تنغلق على جماعة محلية أو ترتبط بلغة دون سواها، بل تحمل مسئولية مسكونية. إنها مهمة غاية في الدقة أن تُقدِّم التقليد الحي للمسكونة بانفتاح قلب، وفي نفس الوقت بغير انحراف ولا تهاون! هذا من أهم أعمال اللاهوتيين المعاصرين[249].

خاتمة

الكنيسة والتقليد ليسا إلا جانبان لحياة الإيمان، لا ينعزل أحدهما عن الآخر، ولا نعرف الواحد خارج الآخر. فبالتقليد انطلقت الكنيسة إلى الوجود، تتعرَّف على عريسها، وتُمارِس عمله الخلاصي، وتتقبَّل أسراره الإلهية. وبالتقليد نتعرَّف على "إنجيل الكنيسة"، نَقْبَله ونحفظه ونعيش بأحكامه ونكرز وبالتقليد نفهم الحياة الكنسية السرائرية بليتورجياتها وألحانها وطقوسها. بالتقليد نلتقي بقديسي الكنيسة وآبائها، نعرف حياتهم في المسيح يسوع وكتاباتهم ونتقبَّل بركة صلواتهم، وننعم بالشركة معهم في المسيح يسوع. بالتقليد نفهم القوانين الكنسية، ونتلامس مع المجامع المقدسة وأعمالها.

في اختصار، التقليد هو عصب الكنيسة وحياتها، بدونه لا تقوم لها قائمة، ولا تمارس حياتها الرسولية ولا تجديدها المستمر ولا وحدتها، ولا تحيا بسمتها الأصيلة.

 


 

المحتويات

مِصْرنا الداخلية والسماء المفتوحة

1 (أ). الكاتيكيزم

1. ماذا تعني كلمة كاتيكيزم Catechism؟ - 2. ما هي غاية الكاتيكيزم (التعليم بالأسئلة والأجوبة)؟

1 (ب). الكاتيكيزم القبطي عبر العصور

3. كيف حافظت الكنيسة عل استقامة الإيمان عبر العصور؟ - 4. ما هي مراحل الكاتيكيزم القبطي عبر العصور؟ - المرحلة الأولى: الكاتيكيزم في العصر الرسولي - المرحلة الثانية: ازدهار مدرسة الإسكندرية في القرن الثاني - المرحلة الثالثة: آباء الإسكندرية وعصر المجامع المسكونية - ما هو أثر المجامع الثلاثة على كاتشيزم الكراسي المسيحية أو الكنيسة الجامعة؟ - رابعًا: مجمع خلقيدونية والكاتيكيزم القبطي - ما هي نتائج مجمع خلقيدونية على كاتيكيزم الكنيسة؟ - المرحلة الخامسة: من القرن السابع حتى التاسع - المرحلة السادسة: من القرن العاشر حتى الخامس عشر - المرحلة السابعة: من القرن السادس عشر إلى القرن العشرين - المرحلة الثامنة: منذ ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ حتى عام 1967 - المرحلة التاسعة: بدء حركة الهجرة وانتشار الأقباط في العالم منذ عام 1968.

2. المبادئ الأساسية للكاتيكيزم

1. ما هي المبادئ الأساسية لكاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية؟ - 2. ما أهم المبادئ العملية للكاتيكيزم؟

3. الإيمان العامل بالمحبة

1. ما هو الإيمان؟ - 2. ما هي أهمية الإيمان عند غير المؤمنين؟ - 3. هل من ضرورة للإيمان بوجود الله؟ - 4. هل بالإيمان نتحدى إبليس - 5. بماذا تسلَّح إبراهيم أب الآباء؟ - 6. بماذا تسلَّح بطرس وهو على المياه؟ - 7. هل أرسل الله الناموس ليهيئنا للإيمان به؟ - 8. هل يلغي الإيمان عطية العقل؟ - 9. ماذا نطلب بالإيمان من السيد المسيح؟ - 10. ماذا طلب موسى من الله في أول لقاء معه حيث دعاه للخدمة؟ - 11. لماذا يُدعى الله ثيؤس؟ - 12. لماذا يرفض البعض الإيمان؟ - 13. كيف نكسب رافضي الإيمان؟ - 14. هل يتعارض الإيمان مع الفهم العقلي والبحوث العلمية؟ - 15. ما هي علاقة الإيمان بالمعرفة العلمية والروحية -16. أيهما الأول: المعرفة أم الإيمان؟ - 17. كيف نسدد بالإيمان ديوننا؟ - 18. ماذا يقول الآباء عن عظمة الإيمان؟ - 19. كيف يتقوى إيماننا؟ - 20. ما هي علاقة الإيمان بالفضائل؟ - 21. كيف نسلك في الإيمان الحقيقي؟ - 22. كيف نواجه كل وحل العالم؟ - 23. ما هو دور الضيقات في الإيمان؟ - 24. ما هو دور الإيمان في الفضائل وأعمال المحبة؟ - 25. ما هو دور الإيمان في الرجاء؟ - 26. كيف نميز بين إيمان الشياطين وإيمان القديسين؟ - 27. هل يمكن للمؤمن أن ينحرف ويسقط؟ - 28. ما هو بناء الإيمان في داخل نفوسنا؟ - 29. هل يوجد أبطال الله في الإيمان عبر العصور؟ - 30. هل عطايا رجال الإيمان واحدة للكل؟ - 31. هل عند الله محاباة بين المؤمنين؟ - 32. ما هي علامات الإيمان الحي؟

4. الكتاب المقدس

1. لماذا الكتاب المقدس؟ - 2. لماذا الحاجة إلى دراسة الكتاب المقدس بعمقٍ؟ - 3. هل يُنقش الكتاب المقدس في القلب النقي ويُحفظ فيه؟ - 4. ما هي نظرة المؤمن للكتاب المقدس؟ - 5. ما هي نظرة آباء الكنيسة للكتاب المقدس؟ - 6. كيف يدعونا الكتاب المقدس نحن وجميع الأمم للهتاف والتسبيح؟ - 7. ما هي غاية الكتاب المقدس؟ - 8. كيف نتمتع بأسرار الكتاب المقدس؟ - 9. كيف يُقَدِّم لنا الكتاب المقدس الرب الحنَّان والعادل؟ - 10. لماذا قيل: كلمة الله دائمة إلى الأبد؟ - 11. ما هو موضوع الكرازة؟ - 12. ما هو موقف الهراطقة من الكتاب المقدس؟ - 13. لماذا يتعثر البعض في العهد القديم؟ - 14. ماذا يُقصد بالبرقع الموضوع على قلوب البعض؟ - 15. كيف يُرفع البرقع عنا؟ - 16. ما هو منهج التفسير بمدرسة الإسكندرية؟ -17. ما هو الفرق بين الرمزية والمِثاليَّة؟ - 18. ما هو موقف الآباء بعد أوريجينوس من الرمزية والمثاليَّة؟ - 19. ما هو تبرير القديس إكليمنضس استخدام للتفسير الرمزي؟ - 20. ما هو تبرير أوريجينوس استخدام للتفسير الرمزي؟ - 21. كيف يشرح أوريجينوس التفسير الرمزي؟ - 22. ما هي نظريات القديس كيرلس السكندري بخصوص تفسير الكتاب المقدس؟

5. التقليد المقدس

1. ماذا تعني كلمة "تقليد"؟ - 2. ما هي مادة التقليد؟ - 3. ما هو دور التقليد في العصر الرسولي؟ - 4. ما هو ارتباط التقليد الرسولي بالإنجيل؟ - 5. كيف حُفظ الكتاب المقدس إلى اليوم؟ - 6. كيف حُفِظَت كلمات المسيح وأعماله؟ - 7. ماذا يقول بابياس عن التقليد؟ - 8. ماذا يقول القديس إيريناؤس عن التقليد؟ - 9. كيف واجه التقليد الغنوسيين والهراطقة في القرن الثاني؟ - 10. ماذا يقول العلامة ترتليان عن التقليد؟ - 11. ماذا يقول القديس إكليمنضس السكندري عن التقليد؟ - 12. ماذا يقول أوريجينوس عن التقليد؟ - 13. ماذا يقول القديس كبريانوس عن التقليد؟ - 14. ماذا يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص عن التقليد؟ - 15. ماذا يقول القديس باسيليوس الكبير عن التقليد؟ - 16. ماذا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم عن التقليد؟ - 17. ماذا يقول القديس إبيفانيوس أسقف سلاميس عن التقليد؟ - 18. ماذا يقول القديس أغسطينوس عن التقليد؟ - 19. ما هي علاقة التقليد المسيحي بالتقليد اليهودي؟ - 20. ما هما أهم مدارس التقليد عند اليهود؟ - 21. ما هي أهم الكتب أو الأعمال الخاصة بالتقليد اليهودي؟ - 22. ما هو موقف ربنا يسوع من التقليد اليهودي؟ - 23. ما هو موقف الكنيسة المسيحية من التقليد اليهودي؟ - 24. هل أخذت الحياة الكنسية شيئًا عن التقليد المقدس؟ - 25. هل أخذت التعاليم السلوكية شيئًا عن التقليد المقدس؟ - 26. هل أخذت العبادة الكنسية شيئًا عن التقليد المقدس؟ - 27. هل أخذت الليتورجيات شيئًا عن التقليد المقدس؟ - 28. هل أخذت الطقوس شيئًا عن التقليد المقدس؟ - 29. ما هي مسئولية رجال الكهنوت والعلمانيين في حفظ التقليد المقدس واستمراره؟ - 30. ما هو دور العلمانيين في الحفاظ على الحياة الكنسية التقليدية؟ - 31. كيف نتمسك بالتقليد الكنسي في الحياة المعاصرة؟ - 32. ماذا نعني بالتقليد في الحركات المسكونية الكنسية[250]؟ - خاتمة.



[1] Cf. https://www.merriam- webster.com/dictionary/catechism

[2] راجع للكاتب: "الله"، الإسكندرية 1974، بالعربية والإنجليزية.

[3] St. Clement: Peadagogus, Book 1, Ch. 2. Section 6.

[4] Stromata: 4:6:27.

[5] Protrep. 1:8:4.

[6] Coptic Orthodox Patriarchate: St. Mark and the Coptic Church, 1968, p. 61’ St. Jerome: de viris Illus, 36.

[7] The author: Introduction to the Coptic Orthodox Church, 1993, chapter 2, p. 43.

[8] كيرلس الإسكندري: الرسالة الأولى: رسائل القديس كيرلس ج 2 مركز دراسات الآباء بالقاهرة، 1989، ص 9.

[9] د. جوزيف موريس فلتس: تأثير القديس أثناسيوس الرسولي ففي التعليم اللاهوتي للكنيسة القبطية – القديس بولس البوشي ج 1، 2011.

[10] راجع للكاتب: الكنيسة القبطية الأرثوذكسية كنيسة علم ولاهوت، 1968، ص 74-87.

The Coptic Orthodox Church as a church of Erudition & Theology, chapter 11.

[11] Sozomen: Ecc. His. 7:7-9.

[12] راجع للكاتب: الكنيسة القبطية الأرثوذكسية كنيسة علم ولاهوت، 1968، ص 98 الخ.

The Coptic Orthodox Church as a church of Erudition & Theology, chapter 13.

[13] V.C. Samuel: The Council of Chalcedon Re-examined, Indian Theological Library No. 8, Madras,

[14] راجع الكاتب: الكنيسة القبطية الأرثوذكسية كنيسة علم ولاهوت، 1986، ص 118-153.

 

[15] د. جوزيف موريس فلتس: تأثير القديس أثناسيوس الرسولي ففي التعليم اللاهوتي للكنيسة القبطية – القديس بولس البوشي ج 1، 2011.

[16] www.cairodar.com

[17] أرجو بمشية الله أن استعرض نظرة القديس إكليمنضس السكندري أحد عمداء مدرسة الإسكندرية في "السلوك في المسيح يسوع."

[18] راجع كتاب "الكنيسة القبطية الأرثوذكسية كنيسة علم ولاهوت".

[19] راجع كتاب "الأرثوذكسية والتقليد" الفصل الأخير.

[20] يعقوب نخلة روفيلة "تاريخ الأمة القبطية"، الطبعة الثانية ٢٠٠٠، (وهي مطابقة للطبعة الأولى سنة ١٨٩٨)، ص ١٨٣-١٨٩.

[21] Cf. The Author: God, Alexandria, 1994.

[22] مقال 5: 4.

[23] يقصد بالغرباء عن الكنيسة أو الذين في الخارج الأمم الوثنيين أو الهراطقة (ترتليان: العماد 14-15).

[24] من الاعتراضات العامة التي كان الوثنيون يوجهونها ضد المسيحية أنها لا تقوم على المنطق والعقل، بل على الإيمان وحده. وهنا يظهر القديس كيرلس لزوم الإيمان حتى في شئون الحياة العادية. هذا ما قاله أيضًا العلامة أوريجينوس ضد صلسس اليهودي 1: 11، وأرنوبياس ضد الأمم 2: 8.

[25] مقال 5: 3.

[26] St. Athanasius: Pascal letters 1:6.

[27] مقال 5: 4.

[28] مقال 5: 5.

[29] مقال 5: 7.

[30] Strom. 1:9.

[31] Strom. 4:3.

[32] Protrop. 10.

[33] On Luke hom 113- 6.

[34]St. Clement: Exhortation to the Heathen, Ch. 9. "The Ante-Nicene Fathers."

[35]St. Clement: Stromata, Book 5, Ch. 12.

[36] Sermon on N.T. Lessons 31: 8; 53: 6

[37] G. L. Prestige: God in Patristic Thought, 1936, P 1.

[38] Herodotus: Hist. Book 2, Ch. 52.

[39] St. Clement: Stromata, Book 1, Ch. 29.

[40] St. Athanasius: De Decretis, Ch. 3.

[41] الأب الياس كويتر المخلصي: القديس باسيليوس الكبير، منشورات المكتبة البولسية، بيروت، 1989، ص 136.

[42] الأب الياس كويتر المخلصي: القديس باسيليوس الكبير، منشورات المكتبة البولسية، بيروت، 1989، ص 136.

[43] A. J. Wensinck: Mystic Treatises by Isaac of Nineveh, 1923, p 210.

 Dana Miller: The Ascetical Homilies of St. Isaac the Syrian, 1984, p. 223.

[44] Strom. 5:1.

[45] Strom. 1:6.

[46] Sermons on N.T. Lessons, 1:5.

[47] Letter 235:11 to Amphilochius of Iconium.

[48] On Christian Doctrine, 2:12 (17).

[49] Sermon on N.T. Lessons, 89:1.

[50] Strom. 2:6.

[51] راجع الرسالة السادسة عشر.

[52] Strom. 3:11.

[53] In Luc. Ser. 126.

[54] Demonstrations, 1:18 (Of Faith).

[55] Comm. On 1 Cor., 1:8:1-4.

[56] Sermons on N.T. Lessons, 81:2.

[57] Demonstrations, 1:4 (Of Faith).

[58] Stromata (David Hazard: You Give Me New Life, 1995, ch. 4.)

[59] On the Holy Trinity, 8: 5.

[60] Concerning Baptism, Book 1, chapter 2.

[61] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate, 86: 2.

[62] On Ps., homily 73.

[63] Sermon 1

[64] De Mortalitate PL 4:590 f.

[65] َAd Cornelium epist. 3.

[66] In Ioan tr 25: 12.

[67] رسائل القيامة، 144-145.

[68] Strom. 3:12.

[69] Strom. 2:6.

[70] عظات على فصول منتخبة من العهد الجديد، 3.

[71] عظات على فصول منتخبة من العهد الجديد، 21.

[72] Strom. 3:9.

[73] City of God, 19:26,27.

[74] Demonstrations, 1:2-4 (Of Faith).

[75] Demonstrations, 1:14 (Of Faith).

[76] In Matt. hom. 1:2.

[77] In Matt. hom 1:4.

[78] In illud, Vidi dom 2:2

[79]In illud, Salutate hom 1:1.

[80] In Acts. hom 55.

[81] On Statues, homily 1: 3.

[82] In Matt. Hom. 1:1.

[83] Hom. On John, 32: 3.

[84] Morals, Rule 80:22.

[85] Exhortation to the Heathen.

[86] Mike Aquilina: The Way of the Fathers, Indiana 2000, article 31.

[87] Concerning the Statues, homily 1: 3.

[88] In 2 Tim. hom 9.

[89] In Matt. hom 47.

[90] In Matt. hom 2: 9.

[91] De Stud. paes PG 63: 485.

[92] In 2 Cor. Hom. 5:2.

[93] In 2 Cor. Hom. In 2Cor. Hom. 5:3.

1 In lus. 11:33-36.

1 On Principitis 4:1:6 (Die griechischen christichen Schrifsteller, 4:302.)

[94] الميمر 12 على ذاك الابن الذي بدد أمواله (راجع نص بول بيجان ترجمة الدكتور بهنام سوني)، الميمر السابع والثلاثون، على الابن الشاطر، مطبعة مصر بالفجالة تحت إشراف يوسف بك منقريوس.

[95] On Statues, homily 1: 2.

3 Discourse 22.

[96] Ep.30.

[97] الميمر 66 على شجرة معرفة الخير والشر وعلى الصدقات وعلى الفقر (راجع نص بول بيجان والدكتور الأب بهنام سوني).

[98] د. عدنان طرابلسي: شرح إنجيل متى للقديس يوحنا الذهبي الفم، 1996، ص 5.

[99] In John hom 1:6.

[100] Homilies on St. John, Hom. 2:8.

[101] رسالة 46: رسالة إلى عذراء ساقطة.

[102] Memre 113 on Elijah the prophet & Naboth the Jezreelite (See Paul Bedjan & Dr. Behnam Sony).

[103] In 2 Cor. hom 5:2.

[104] Homily 20 on Ps. 90 (91) (FC 48:160).

[105] د. عدنان طرابلسي: شرح إنجيل متى للقديس يوحنا الذهبي الفم، 1996، ص 5.

[106] القس أغسطينوس البرموسي: القديس يعقوب السروجي، 1988، ص 27.

[107] الميمر 66 على شجرة معرفة الخير والشر وعلى الصدقات وعلى الفقر (راجع نص بول بيجان والدكتور الأب بهنام سوني).

[108] On Statues, homily 1: 1.

[109] القس أغسطينوس البرموسي: القديس يعقوب السروجي، 1988، ص 27.

[110] Homily on Ps. 33 (32 LXX).

[111] Homilies on Col., Hom. 9.

[112] Letter 22 on the Perfection of the Life of Solitaries.

[113] الميمر 6 على النجم الذي ظهر للمجوس وعلى قتل الأطفال (راجع نص بول بيجان والدكتور الأب بهنام سوني).

[114] Homilies on Col., Hom. 9.

[115] تفسير المزامير: مزمور 116 (114، 115 السبعينية)، ترجمة الباحثة بولين تُدري عن اليونانية القديمة.

[116] الميمر 31 (راجع نص بول بيجان والدكتور الأب بهنام سوني).

[117] الميمر 154 الرابع على سدوم (تك 19).

[118] Homilies on St. John, 59: 2.

[119] Strom. 7:16:96.

[120] Stromata 6:15.

[121] Stromata 7:16.

[122] Stromata 7:16.

[123] In 1Tim, hom 1.

[124] Letter, 53:5.7.

[125] Letter 42 to Chilo, his disciple.

[126] Sermon 109: 3 FC 94, p. 149.

[127] On the Spirit 31 (52).

[128] City of God 17:7.

[129] Letter to Honoratus, 140:10.

[130] The Usefulness of Belief 3:9.

[131] In 2 Cor. Hom. 7:3.

[132] In 2 Cor. Hom 7, PG 61: 484

[133] The Song of Songs, Comm., Book 3:11.

[134] De. Principiis 1:1:2.

[135] De principiis 1:1:3.

[136] In Levit. Hom 1.

[137] In Exod. Hom. 12.

[138] Commentary on Song of Songs, Homily 10.

[139] Against Eunomius, 7:1

[140] Letter, 63: 78 – 79.

[141] Letter to Clementianus, 68.

[142] Letter to Honoratus 140:19.

[143] Letter to Hilarius, 157.

[144] Easter Season 259:3.

[145] Easter Season, 251:7.

[146] In 2 Cor. Hom. 7:4.

[147] المؤلف: آباء مدرسة الإسكندرية، 1980.

[148] Nelson: A New Catholic Commentary on the Holy Scripture, 1969, p. 15.

[149] Cf. John MacQueen: Allegory, Methuen & Co, London, 1970, p.18ff.

[150] Everett Ferguson: Encyclopedia of Early Christianity, N.Y, 990, p. 23.

[151] J.N.D. Kelly: Early Christian Doctrines, 1978, p. 70-1.

[152] Jean Daniélou: From Shadows to Reality, Studies in the Biblical Typology of the Fathers, p. 69.

[153] Cf. J.N.D. Kelly: Early Christian Doctrines, 1978, p. 74-5.

[154] Collat. 14:8.

[155] F.L. Cross: The Oxford Dictionary of the Christian Church, 1990, p. 37.

[156] N.R.M. De Lange: Origen and the Jews: Studies in Jewish-Christian Relations in Third-Century Palestine, 1976, Cambridge, p. 82-3

[157] Contra Celsus 5:60.

[158] In Lev. hom. 1:1.

[159] In Jer. hom., 18:7-10; Carl A. Volz: Life and Practice in the Early Church, Minneapolis, 1990, p. 114.

[160] In Ioh. Comm 13:26.

[161] Ibid ,1.4

[162] Comm. on the Songs of Songs, book 3:13 (ACW).

[163] Hom. Gen 2:6.

[164] PG 68:140A.

[165] Comment on St. John, Pusey II:386, 4 f.

[166] Comment on Osee, Pusey I:85, 25ff.

[167] PG 70:1429 A.

[168] Comment on Amos, Pusey I, 535, 19 ff.

[169] F. F. Bruce: Tradition: Old and New, Michigan 1975, p20, 21.

[170] O’Brein of The Convergence of Tradition, p. 22.

[171] J. Kelly: History of the Early Christian Doctrines, N.Y 1960, p 32.

[172] F. F .Bruce, p33

[173] J. P. Mackey: Tradition & Change in the Church, Ireland 1968, p. 20.

[174] C. Richardson: Early Christian Father, p 957

[175] F. F. Bruce, P. 37

[176] New Westminster Dictionary of the Bible, p 957.

[177] Athanasius: Ad Serap. 1:28

[178] J. Kelly, p. 30,31.

[179] P.E. Hallett: A Catholic Dictionary, London 1951, p 782.

[180] St. Irenaeus: Adv. Haer 3:4:1. J. F. Bethume – Baker: An Introduction to the Early History of Christian Doctrine, London 1920, p 55- 56.

[181] Catech. 4:33.

[182] Contra Epist. Manichae quam V Cant Fundamenti 6.

[183] Sergius Bulgakov: The Orthodox Church, N.Y. 1935, p 21.

[184] Ibid

[185] Scottish Journal of Theology 3 (1950), p180.

[186] Jean Danielou: A History of the Early Christian Doctrine, vol 1- The Theology of Jewish Christianity, London1964, p46.

[187] Irenaeuse: Adv. Haer 5:33:4.

[188] Jean Danielou: The Theology of Jewish Christianity, p46.

[189] F. F. Bruce, p. 108.

[190] Eusebius: H.E. 3:39:3 – 4. PG 20:297 Ante – Nicene Frs, vol 1, p151-155.

[191] F. F. Bruce, p. 111.

[192] Eusebius: H.E. 5:20:4 –7.

[193] Irenaeus: Adv. Haer 3:3:1

[194] G.L. Prestige: Father and Heretics, London 1958, p16.

[195] Irenaeus: Against heresies 3:2:2, 3:3:1, 3:4:1.

[196] Ibid 3:24:1.

[197] Ibid 3:3:1.

[198] Ibid 1:8:1.

[199] Ibid 5:20:2.

[200] Probably referring to the in Palestine (ante Nicene frs, vol1, p 331).

[201] Irenarus: Against Heresles 1:10:2;3:2,2:3, 3L:3:1; 3:3:3; 3:4:1, 2; 3:5:1;3:24:1. Ante-Nnicene Fathers, vol 1. j. Stevenson: A new Eusebius, London, 1974,p 115 – 117.

[202] Tertullian: on prescription against heresies, 27 (see 22).

[203] J. Kelly, p 40.

[204] Tertullian: De praescriptione 21.

[205] Tertullian: Against Marcion 4:5.

[206] CF. De praescrip. 9, De Resurr.21, Adv. Prax. 26.

[207] Tertullian the Chaplet or De Corona 3,4. Ante – Nicene Frs. Vol 3, 94-95.

[208] Eusebius: H.E 6:13:8,9.

[209] Clement. Alex: Strom 7:16.

[210] Ibid

[211] Ibid 6:7:61.

[212] Origen: De Principus: Praef. 2.

[213] Origen: Hom. Luc. 34.

[214] J. Danielou: “Le Bon Samaritan” in Mel Robert, Paris – Tournai 1957, p. 457-465.

[215] J. Danielou: The Theology of Jewish Christianity, p 49.

[216] Yves Congar: Tradition and the Life of the Church, London 1964 – p 83.

[217] St. Cyprian: Epistle 74:11, Unity of the Church 6.

[218] St. Gregory of Nyssa: Contra Eunomuim 4 PG 45: 653.

[219] St. Basil: On the Spirit, ch. 10 (25).

[220] For the unction of catechumens (cf. Apost. Const. 7:22), of the baptized (Tert. De Bapt.7), of the confirmed or oil of Chrism (Tert: De Bapt. 8) and of the sick (James 5:14).

[221] For trine immersion, an early authority is Tertullian: Praxeam 26, Greg Nyss.: De Bapti.

[222] St. Basil: On the Spirit, ch 27 (66, 67).

[223] St. John Chrysostom. In 2 Thess., hom 4:4, PG 62:488.

[224] St. Epiphanius: Adv. Haer.61:6. PG 41:1048, Ancoratus 63.

[225] St. Augustine: Contr. Bapt. Dont. 2:7. PL 43:133.

[226] P.E. Hallett: A Catholic Dictionary, p 781.

[227] F. F. Bruce, p. 22.

[228] Mishnah: Erubin 4:3 etc. The fixing of a limit of 2000 cubits was based on an extension of the principle of Num. 35.5.

[229] Josephus: Ant. 18:16 (Bruce, ch.1).

[230] John L. Mckenzie: Dictionary of the Bible, London 1965, p 948.

[231] F. L. Cross Oxford Dict. of the Christian Church, London 1974, p. 1 338.

[232] F. F. Bruce, ch 1, J.P. Mackey: Tradition & Change in the Church, Ireland 1968, p 2f.

[233] Mishnah: Sabbath 7:1f.

[234] For more details, see our book: Christ in the Eucharist 1973, p188 –191.

[235] Dom Guerager: Institution Iiturgiques. Yve Conger: Tradition & the Life of the Church, p 125.

[236] Y. Kelly p 48-49.

[237] Ad Monach. PG 77:12,13.

[238] In Joh. Ev. 4:11 PG 74:216.

[239] Adv. Nect. 4.2.

[240] De recta Fide ad rign; apol c. Orient PG 76: 1212f, 316f.

[241] E. Schwartz: Acta Conciliorum oecumenicorum 1:1, 7, 89 f.

[242] Quasten: Patrology, Vol 3, p. 136.

[243] Epistle 89.

[244] Epistle 151. PG 83:1440 (Kelly, p 49).

[245] Quasten, vol, 3, p 285.

[246] Bulgakov: The Orthodox Church. P 38, 36.

[247] cf. J.P. Mackey: tradition & Change in the Church, p24.

[248] Meyendorff: Orthodoxy & Catholicity.

[249] He visited Melbourne in 1977.

[250] Meyendorff: Orthodoxy & Catholicity.

Previous
Previous

كاتيكزم الكنيسة القبطية - الجزء الثاني