كاتيكزم الكنيسة القبطية - الجزء السابع

الأخرويات والحياة بعد الموت

كاتيكيزم

الكنيسة القبطية الأرثوذكسية

Catechism of the Coptic Orthodox Church

الجزء السابع

الأخرويات والحياة بعد الموت

طبعة تمهيدية 2018

إعداد

القمص تادرس يعقوب ملطي

الشماس بيشوي بشرى فايز

كنيسة الملكة القديسة مريم والأمير تادرس

 ساوث برانزويك – نيو جيرسي

كنيسة الشهيد مار جرجس

سبورتنج - الإسكندرية


 

باسم الآب والابن والروح القدس

الله الواحد، آمين


 

المحتويات

1. عطية الموت والحياة المُقامة في المسيح. 11

1. ما هو مفهوم الموت في المسيحية؟ 11

2. ما هي نظرة المؤمن للموت؟ 11

3. ما هي أنواع الموت؟ 12

4. كيف واجهت المسيحية التيار الفلسفي الوثني بخصوص الموت؟ 12

5. ما هو موقف الوثنيين من الإيمان بالقيامة؟ 14

6. ماذا قال الفيلسوف أثيناغوراس عميد مدرسة الإسكندرية عن قيامة الموتى؟ 14

7. لماذا كان الوثنيون ينكلون بجثث الشهداء؟ 15

8. لماذا لا يرهب المؤمنون الموت؟ 16

9. بماذا يليق بنا أن نفكر في لحظات خروجنا من العالم؟ 16

10. كيف لا نخاف الموت؟! 17

11. لماذا لم يبطل الرب موت الجسد عن مؤمنيه في هذا العالم؟ 17

12. هل من مجالٍ للتوبة بعد الموت؟ 19

13. من يحمل النفس بعد انفصالها عن الجسد؟ 19

2. آلام الفراق المقدسة 20

1. هل نتجاهل آلام الفراق المقدسة؟ 20

2. كيف نتغلب على آلام الفراق؟ 23

3. المُلك الألفي. 27

1. ماذا يعني بتقييد الشيطان ألف سنة (رؤ 20: 1-3)؟ 27

2. ماذا يُقصد بالقيامة الأولى (رؤ 20: 5-6)؟ 29

3. ما هو الدافع لفكرة الألف سنة الحرفية في بعض كتابات الكنيسة الأولى؟ 31

4. ما هو موقف مدرسة الإسكندرية من هذا الفكر في القرن الثاني؟ 32

5. ما هو تعليم الكتاب المقدس والتقليد المقدس بخصوص المُلك الألفي Chiliasm Millenarism؟ 32

6. ما هي فكرة الألف سنة عند بعض الطوائف المعاصرة؟ 34

7. ماذا يعني حلّ الشيطان في آخر الأزمنة؟ 36

8. ما هو المُلك الألفي؟ وما هو معناه الحقيقي؟ 37

4. المجيئان والاختطاف.. 39

1. ماذا يقول الكتاب المقدس والتسليم الكنسي عن المجيئين؟ 39

2. ما هو موقف إبليس من المجيء الثاني للسيد المسيح؟ 41

3. ما هو موقف المؤمنين من إبليس المقاوم للسيد المسيح ليشوه مجيئه الثاني؟ 42

4. كيف يهيئ ضد المسيح Antichrist الجو كي يقبله البشر؟ وما هي علامات مجيئه؟ 43

5. ما هي العلامات التي تسبق المجيء الثاني ليسوع المسيح؟ 44

6. هل يحدث اختطاف للمؤمنين قبل مجيء ضد المسيح؟ 45

7. ما هو أصل الكلمة المترجمة "سنُخطف" في 1 تس 4: 17 وتطورها؟ 46

8. ماذا تعني فكرة الاختطاف التي اعتنقها John Darby في بداية القرن التاسع عشر؟ 46

9. ما هو مفهوم الاختطاف؟ 47

10. هل ميعاد مجيئه معروف؟ 47

11. ما هو موقف النفس بعد انطلاقها من الجسد إلى يوم مجيء الربّ الأخير؟ 48

12. ماذا يقول الكتاب المقدس عن يوم الدينونة؟ 49

13. ماذا يقول الكتاب المقدس عن ملكوته الذي بلا نهاية؟ 49

14. هل سيأتي الربّ سريعًا؟ 49

15. كيف يمكن للجسم الذي انحل أن يعود ثانية ويتحد بالنفس؟ 49

16. هل كل البشر سيقومون؟ 49

17. ما هي حالة النفوس منذ تركها الجسد إلى يوم القيامة؟ 49

18. لماذا لا تتمتع النفس بالمصير النهائي بعد انطلاقها من الجسد مباشرة؟ 49

19. لماذا نقول إن نفوس الأبرار تتذوق البركة قبل اليوم الأخير؟ 50

20. هو يتمتع الأبرار باللقاء مع السيد المسيح وجهًا لوجه بعد موتهم مباشرة؟ 50

21. ما هي الحياة الأبدية التي يتمتع بها الأبرار؟ 50

22. ما هو مصدر هذه السعادة العظمى؟ 50

23. هل يتمتع الجسم مع النفس في السعادة الأبدية؟ 50

24. هل يتساوى جميع الأبرار في المجد؟ 50

25. ما هو نصيب العصاة غير المؤمنين؟ 51

26. لماذا يسمح الله للأشرار بالمعاناة الأبدية؟ 51

27. ماذا ننتفع من التأمل في الموت والقيامة ويوم الربّ العظيم والتمتع بالحياة الأبدية أو العذاب الأبدي؟ 51

28. ما هو التعليم الخاص بانتهاء الزمن؟ 51

29. ما هو تعليم نهاية الأزمنة حسب التقليد المقدس؟ 52

5. الدينونة العامة 54

1. ماذا يقول العهد الجديد عن الدينونة العامة؟ 54

2. ماذا يقول العهد القديم عن الدينونة العامة؟ 56

3. ما هي البركات التي يتمتع بها المؤمنون الأبرار؟ 56

4. كيف نتمتع برؤية الله؟ 60

5. ما هي المتاعب التي تحلّ في يوم الدينونة على الأشرار الذين أصرّوا على عدم رجوعهم إلى الله؟ 62

6. ماذا يقول الآباء عن المتاعب التي تحلّ في يوم الدينونة على الأشرار الذين أصرّوا على عدم رجوعهم إلى الله؟ 62

7. كيف نستعد ليوم الدينونة؟ 63

6. الجسد المُقام 68

1. ما هو الحوار الذي يدور بين النفس والجسد في لحظة انفصالهما؟ 68

2. كيف يلتقي جسم الإنسان البار مع نفسه في يوم الرب العظيم؟ 69

3. كيف يلتقي جسد الإنسان الشرير الذي لم يعطِ لنفسه فرصة للرجوع إلى الله، مع النفس الشريرة؟ 70

4. كيف يُقام الأموات؟ وبأي جسم يقومون؟ (1 كو 15: 35) 70

5. هل من أمثلة عملية يقدمها لنا الله كي نثق في قيامة أجسادنا في بهاءٍ أعظم؟ 71

6. ما هي إرادة الله من جهة أجسامنا القائمة من الأموات؟ 72

7. ماذا يعني الرسول بقوله: "وأجسام سماوية، وأجسام أرضية، لكن مجد السماويات شيء، ومجد الأرضيات آخر" (1 كو 15: 40)؟ 73

8. هل سيتساوى كل المؤمنين في المجد الأبدي؟ 73

9. ماهي طبيعة الجسم القائم من الأموات وما هي سماته؟ 74

10. هل الجسم الذي سيقوم غير الجسم الذي لنا الآن في هذا العالم؟ 81

11. هل الجسد الحيواني هو الأول أم الجسد الروحاني؟ 81

12. إلى من ننتمي: إلى الإنسان الترابي أم الرب السماوي؟ 81

13. ماذا يعني الرسول بقوله: "كما هو الترابي هكذا الترابيون أيضًا، وكما هو السماوي هكذا السماويون أيضًا" (1 كو 15: 48)؟ 82

14. ماذا يعني الرسول بقوله: "وكما لبسنا صورة الترابي، سنلبس أيضًا صورة السماوي" (1 كو 15: 49)؟ 84

15. ماذا يعني الرسول بقوله: إن لحمًا ودمًا لا يقدران أن يرثا ملكوت الله، ولا يرث الفساد عدم الفساد" (1 كو 15: 50)؟ 84

16. ماذا يعني الرسول بالبوق الأخير؟ 86

17. كيف يفقد الموت سلطانه؟ 87

18. ما هي شوكة الموت؟ 89

19. كيف ننال النصرة على الخطية والموت؟ 90

7. السماء وأورشليم العليا 92

1. ماذا نعني بكلمة "السماء"؟ 92

٢. من يدرينا أنه توجد سماء حقيقية؟ 92

٣. ماذا يعني القول: "لا تحلفوا البتة لا بالسماء لأنها كرسي الله، ولا بالأرض لأنها موطئ قدميه" (مت ٥: ٣٤-٣٥)؟ 93

٤. هل الطبيعة تشهد لحقيقة وجود السماء؟ 94

٥. هل من شهادة معاصرة لتحدي المؤمنين للموت وفرحهم هم وعائلاتهم بالاستشهاد؟ 95

٦. ما موقف السماء من التفجيرات المعاصرة التي لحقت ببعض الكنائس؟ 95

7. بماذا ختم القديس يوحنا رؤياه بخصوص يوم الرب؟ 96

8. ماذا يُقصد بالسماء الجديدة والأرض الجديدة، لأن السماء الأولى والأرض الأولى مضتا (رؤ ٢١: ١)؟ 96

9. ما هي سمات الكنيسة السماوية؟ 97

10. لماذا دعاها "المدينة" (رؤ 21: 2)؟ 98

11. بماذا عبَّر الرسول عن الصوت السماوي؟ 99

12. ما هو حال هذه الكنيسة الواحدة؟ 99

13. ماذا يعني بالكنيسة المقدسة؟ 101

14. ماذا يعني بالكنيسة جامعة رسولية؟ 102

15. ما هي مقاييس مدينة الله أورشليم السماوية؟ 103

16. ما هي مباني مدينة الله أورشليم السماوية؟ 103

17. ما هو النهر الصافي الخارج من عرش الله وشجرة الحياة (رؤ 22: 1-7)؟ 105

18. لماذا نقرأ هذه النبوة والوقت لا يزال متسعًا وبعيدًا؟ 108

 


 

1. عطية الموت والحياة المُقامة في المسيح[1]

1. ما هو مفهوم الموت في المسيحية؟

الإنسان الذي يركز عينيه على أعماقه الداخلية فيرى مسيحه في داخله، يتطلع أيضًا إلى موت الجسد فيراه عطية إلهية. يراه قنطرة عبور إلى الخلود، وتحررًا حقيقيًا من الحياة الزمنية بكل متاعبها وأمراضها الروحية والجسدية. يقول القديس باسيليوس الكبير: [إن موت الأبرار صار رقادًا، بل صار هو الحياة.]

ويقول القديس أنطونيوس الكبير: [الموت بالنسبة للذين يفهمونه خلود، أما بالنسبة للبلهاء الذين لا يفهمونه فهو موت. يجب علينا ألا نخاف هذا الموت، بل نخاف هلاك النفس الذي هو عدم معرفة الله. هذا هو ما يرعب النفس بحق!] كما يقول: [يستحيل علينا أن نهرب من الموت بأية وسيلة. وإذ يعرف العقلاء بحق هذا، يمارسون الفضائل ويفكرون في حب الله، ويواجهون الموت بلا تنهدات أو خوف أو دموع، مفكرين في أن الموت أمرٌ محتم من جهة، ومن جهة أخرى أنه يحررنا من الأمراض التي نخضع لها في هذه الحياة.]

2. ما هي نظرة المؤمن للموت؟

إذ مات قيصريوس الابن البكر والطبيب الناجح الذي كان له حظوة لدى رجال الدولة في القصر الإمبراطوري بالقسطنطينية ترقب أخوه الأصغر القديس غريغوريوس أسقف نزيانزا ماذا تفعل والدتهما في هذا الحدث المؤلم. لاحظ أنها دخلت حجرتها وغابت ثم خرجت ترتدي ثياب العيد، وقد ملأت البشاشة وجهها. فقد ابتلع فرحها بانطلاق ابنها إلى السماء كل مشاعر الفراق المؤلمة! لم يتعجب القديس من تصرفات والدته، فقد عرفها تمامًا كشاهدة للحياة السمائية!

انطبع هذا الفكر السماوي على حياة ابنتها القدِّيسة جورجونيا التي تطلَّع إليها أخوها الأصغر منها القدِّيس غريغوريوس النزينزي كنموذجٍ حيٍّ للمسيحي الملتهب شوقًا نحو السماء، فسجل في حديثه عنها الآتي:

[موطن جورجونيا كان أورشليم العليا (عب 12: 22-23)... التي يقطنها المسيح، ويشاركه المجمع وكنيسة الأبكار المكتوبين في السماء...

كل ما استطاعت أن تنتزعه من رئيس هذا العالم أودعته في أماكن أمينة. لم تترك شيئًا وراءها سوى جسدها. لقد فارقت كل شيءٍ من أجل الرجاء العلوي. الثروة الوحيدة التي تركتها لأبنائها (الروحيين) هي الاقتداء بمثالها، وأن يتمتَّعوا بما استحقَّته...

هنا أتكلَّم عن موتها وما تميَّزت به وقتئذٍ لأوفيها حقَّها... اشتاقت كثيرًا لوقت انحلالها، لأنَّها علمت بمن دعاها وفضَّلت أن تكون مع المسيح أكثر من أي شيءٍ آخر على الأرض (في 1: 23).]

هذه هي نظرة المؤمن الحقيقي للموت، إنه رحلة ممتعة نحو السماء خلال الاتحاد بالمسيح القائم من الأموات؛ وأما صلوات الجنازة فما هي إلا احتفال مفرح بعيدٍ فريدٍ!

إذ بدأت أسجل مقتطفات من كتابات الآباء عن "الموت وما وراء الموت" أو عن "الفكر الأخروي"، شعرت بعجزٍ شديدٍ، فقد كاد أن يحتل هذا الفكر كل كتاباتهم. يرى الآباء أبواب السماء مفتوحة تترقب بشوق مجيئهم، بل رأوا كأن السماء قد نزلت إلى قلوبهم بنزول رب السماء إلى أرضهم، ليحل وسط الناس كواحدٍ منهم. إن كتبوا تعليقاتهم على نصوص في الكتاب المقدس، أو دافعوا عن عقيدة إيمانية، أو سجلوا كتابات ليتورجية تعبدية، أو ألقوا عظات روحية أو بعثوا برسائلٍ لسببٍ أو آخر، لا يتوقفون عن التأمل في السماء والحديث عنها! أستطيع أن أقول بحقٍ إني أشعر بعجزٍ شديدٍ عن تسجيل فكر الكنيسة الحي فيما يخص الأمور الأخروية.

3. ما هي أنواع الموت؟

يذكر الكتاب المقدس ثلاثة أنواع من الموت:

‌أ.    الموت الجسدي الطبيعي، حيث يفقد الإنسان الحياة الحاضرة بانفصال نفسه عن الجسد.

‌ب. الموت الروحي، بانفصال الإنسان عن الله خالقه ومخلصه ومصدر تقديسه وتجديده وتهيئته للمجد الأبدي.

‌ج.  الموت الأبدي، حيث يعزل الإنسان نفسه أبديًا عن الله ويُصرّ على ذلك، فيسقط تحت ثمرة عصيانه وهو حرمانه من الأبدية. هذا هو الموت الثاني كما جاء في سفر الرؤيا: "وطُرح الموت والهاوية في بحيرة النار" (رؤ ٢٠: ١٤).

بالنسبة للموت فقد جاء ثمرة عصيان آدم وحواء، فسقطت البشرية كلها خلال الموت الجسماني. أما أخنوخ وإيليا اللذين صعدا إلى السماء، فإنهما سيعودان عند ظهور ضد المسيح ويسندان الكنيسة ويستشهدا.

4. كيف واجهت المسيحية التيار الفلسفي الوثني بخصوص الموت؟[2]

كان لابد للمسيحية من مواجهة الكثير من التيارات الوثنية، وعلى وجه الخصوص الأفكار الخاصة بالموت. إذ كان الوثنيون يتطلعون إلى الموت كقضاءٍ وقدرٍ يحل بالإنسان فيحطمه، ويهدد كل حيويته إلى النهاية.

عندما جاء السيد المسيح إلى العالم كان أغلب الأمميين يتطلعون إلى الموت كأمرٍ رهيبٍ، ولا يعتقدون في وجود حياة بعد الموت. فقد وُجدت على بعض المقابر نقوش، جاء فيها:

"يُقدم الحظ وعودًا كثيرة، لكنه لا يحتفظ بوعدٍ واحدٍ منها.

عش يومك وساعتك، فإنه لا يوجد بالحقيقة شيء آخر بين أيدينا![3]"

"افرح ما دمت حيًا، فالحياة ليست إلا شيئًا قليلاً، تبدأ الآن، وتنمو بقوة تدريجيًا، ثم تختفي تدريجيًا[4]".

يعتقد بعض الفلاسفة الوثنيين في الحياة بعد الموت، لكنها حياة بلا بهجة، هي أشبه بنومٍ أبديٍ، ترتبط بظلمة الأرض. ولا يُعتق أحد من تسليمه في أيدي آلهة مملوءة غضبًا[5]. فالموت بالنسبة لهم هو تحطيم لكل حياةٍ، وإن اشتهاه البعض، إنما للخلاص من متاعب الحياة، لا لينعموا بحياةٍ جديدةٍ، وإنما ليعيشوا بلا حيويةٍ ولا سعادةٍ.

لقد هاجمت الفلسفات اليونانية موضوع قيامة الجسد من الأموات بطريق أو آخر. فلم يقبل أتباع أفلاطون وأفلوطين قيامة الجسد مطلقًا، فبالنسبة لهم ليست موضوع نقاش. بهذا يجعلون من البشرية نفوسًا بلا أجساد، خلالها يفقد الإنسان كيانه الشخصي ووحدته، ويحتقر الجسد كأمرٍ رديءٍ تريد النفس الخالدة الخلاص منه. والعجيب أن بعضهم إذ يرون أن النفس تتطهر بخلاصها من الجسد، ونسيانها للمآسي التي عاشت فيها أثناء اتحادها بالجسد، يعتقدون أنها تعود ثانية إلى مآسي جسدية. أما فرفوريوس (بروفوريوس) Prophyry، الفيلسوف اليوناني وأحد أبرز ممثلي الأفلاطونية المحدثة في القرن الثالث وبداية الرابع الميلادي فيرفض تناسخ الأرواح، أي عودة النفوس إلى أجساد أخرى لأنها بهذا ترجع إلى مآسي الجسد والحياة.

واجهت الكنيسة هذا التيار التشاؤمي كما يظهر من النقوش التي على مقابر المسيحيين الذين تلامسوا مع عربون الحياة السماوية وهم بعد على الأرض. كثيرًا ما تعبِّر هذه النقوش عما سيحل بالراقد من سلام وشركة في الملكوت الأبدي المجيد. لا نجد أثرًا لكلمات اللعنة والمرارة التي وُجدت على مقابر الوثنيين، بل جاء غالبيتها: "لتحيا في الرب، لتتهلل إلى الأبد..." إن عبّر البعض عن مرارة الحزن لأجل آلام الفراق فإنها قليلة للغاية.

5. ما هو موقف الوثنيين من الإيمان بالقيامة؟

إيمان المسيحيين بالحياة الجديدة بعد الموت وشركة الجسد المُقام مع النفس في المجد الأبدي دفعهم لمواجهة الآلام والموت بفرحٍ شديدٍ مما جذب أنظار الوثنيين. وقد شهد القديس يوستين الشهيد عن ذلك حيث كشف عن مشاعره الشخصية قبل قبوله الإيمان، كيف أُعجب بهم[6].

من جانب آخر رأى بعض الفلاسفة الوثنيين أنه من أصعب العقبات التي تعثرهم في قبولهم المسيحية هو التعليم بميلاد في حياة جديدة وقيامة الأجساد. هذا ما نلمسه في ردود الفعل تجاه تصريحات بولس الرسول عن القيامة في محكمة أريوس باغوس بأثينا. كان بعضهم يهزأون، والآخرون يقولون سنسمع منك عن هذا مرة أخرى (أع 32:17). لذلك كثيرًا ما تكررت حوارات فلسفية ولاهوتية في كتابات المسيحيين خاصة في دفاعهم عن الإيمان المسيحي كما فعل الفيلسوف أثيناغوراس عميد مدرسة الإسكندرية في القرن الثاني[7].

6. ماذا قال الفيلسوف أثيناغوراس عميد مدرسة الإسكندرية عن قيامة الموتى؟

يعتبر أول محاولة يقوم بها كاتب مسيحي للفلاسفة الوثنيين ليؤكد عقيدة القيامة ببراهين فلسفية وليس بدلائل من الكتاب المقدس وحده... ويعتبر من أفضل ما كُتب في هذا الشأن في الكتابات المسيحية الأولى[8]. وبالرغم مما يشوبه من بعض العيوب، لكنه يكشف عن عمق في الإدراك ومهارة في التفكير[9].

يحوي هذا المقال 25 فصلاً، ينقسم إلى جزئين رئيسيين:

الجزء الأول يمثل الجانب السلبي، ألا وهو الرد على اعتراضات الفلاسفة ضد قيامة الأجساد (فصل 1-10).

والجزء الثاني يمثل الجانب الإيجابي، ألا وهو تقديم البراهين على حقيقة القيامة (فصل 11-25).

هذا ويمكن القول بأن الجزء الأول يعرض موضوع "اللّه والقيامة"، أما الجزء الثاني فيعرض "الإنسان والقيامة".

في الجزء الأول أوضح أن اعتراضات الفلاسفة على القيامة إما بسبب نقص معرفة اللّه أو قدرته أو مشيئته في القيامة. فمن جهة المعرفة فإن اللّه الذي يخلق الأجساد يعرف أن يقيمها. ومن جهة القدرة فإنه إذ يقدر أن يخلق من العدم ألا يقدر أن يعيد تكوينها حتى إن تحللت أو تناثرت أو اندمجت عناصرها في الأرض أو في الحيوان أو في الإنسان. أما من جهة المشيئة، فهل اللّه لا يشاء القيامة خوفًا من أن يلحق بالقائم من الأموات ظلمًا، أو لأن في القيامة ما يشين اللّه. والحق أن القائم من الأموات لا يلحقه ظلم ولا تشين القيامة اللّه في شيءٍ، فهو يشاء القيامة.

وفي الجزء الثاني يعطى دلائل على القيامة خلال علاقتها بالإنسان:

أ. القيامة ضرورية للإنسان الذي خلقه اللّه كائنًا عاقلاً ليعيش إلى الأبد (11-13).

ب. يتكون الإنسان من الجسد والنفس، هذه الوحدة يحطمها الموت لتعيدها القيامة من جديد فيحيا إلى الأبد (14-17).

ج. ينبغي أن يشترك الجسد مع النفس في المكافأة في العالم الآتي كما اشتركا معًا في الجهاد والتصرفات هنا (18-23).

د. خُلِقَ الإنسان من أجل السعادة الأبدية التي لا تتحقق بوجوده هنا على الأرض، وإنما في الحياة الأخرى (24-25).

وقد دافع أوكتافيوس عن المسيحية، قائلاً بأنه أسهل على الله أن يقيم الأجساد من الموت عما سبق ففعله إذ خلقها من العدم، كما أوضح أن الطبيعة نفسها تؤكد القيامة.

[لاحظ كيف أن كل الطبيعة مشغولة في تأكيد القيامة المقبلة، وتهبنا راحة. الشمس تغطس ثم تعود فتُولد، والكواكب تختفي ثم تعود، الزهور تموت ثم تعود فتحيا من جديد. البراعم تبزغ بين الأوراق بعد موتها. البذور لا تبزغ ما لم تُدفن.

الجسد في هذا العالم يشبه الأشجار في الشتاء، الذي يخفي اخضرارها تحت خداع العقم.

لماذا لا تصبر على الجسد لكي يأتي إلى الحياة ويعود ما دمت لا تزال في الشتاء المرّ؟

يليق بنا أن ننتظر حتى يحلّ ربيع الجسد[10].]

7. لماذا كان الوثنيون ينكلون بجثث الشهداء؟

إذ أدرك المضطهدون الوثنيون إيمان المسيحيين بالقيامة من الأموات، وأن سّر قوة المسيحيين واحتمالهم العذابات بفرحٍ هو رجاءهم في القيامة، لذلك كانوا يبذلون كل الجهد في أن يبددوا أجسام الشهداء لا ليحرموا المؤمنين من اقتنائها فحسب، إنما كانوا يظنون أنهم يبددون رجاء المسيحيين في قيامة الأجساد[11].

لم يهز هذا إيمان المسيحيين في قيامة الجسد، إذ يقول المدافع تاتيان Tatian: [وإن دمّرت النيران جسدي... وإن بُعثر بين الأنهار والبحار، ومزقته الوحوش الكاسرة إلى قطعٍ، فإنني أُجمع في مخازن الله الغنية... وعندما يريد الله الملك سيعيد كياني المنظور بالنسبة له وحده إلى حالته الأصلية[12].]

8. لماذا لا يرهب المؤمنون الموت؟

المسيحي الحقيقي كعضوٍ حيّ مرتبط بالرأس يسوع المسيح، يقبل سمات المسيح المصلوب الذي قَبِلَ الموت بإرادته، فيعشق الألم ويبحث عنه ويشتهيه حتى الموت، لا لأجل الألم في ذاته، ولا هروبًا من العالم، بل لأنه علامة شركة الحب الحقيقي والوحدة بين العريس المتألم المصلوب وعروسه.

هكذا انطلق الصليب بالألم كما بالموت بالنسبة للمؤمن الحقيقي من كونه علامة الخطية ودلالة حجب الإنسان وحرمانه من الله مصدر السعادة ليصير علامة حب وشركة. فيقول الرسول بولس: "حاملين في الجسد كل حين إماتة الرب يسوع" (2 كو 10:4). ويؤكد أنها آلام المسيح: "لأنه كما تكثر آلام المسيح فينا، كذلك بالمسيح تكثر تعزيتنا أيضًا" (2 كو 5:1).

إن كنا لا ننكر أن المسيحي من أجل آلام الفراق يحزن، لكن في حدود، وإلى حين، فإن كثيرين من الوثنيين قبلوا الإيمان بالسيد المسيح عندما رأوا كيف واجه المسيحيون الموت بشجاعة وبشاشة. حتى في فترات السلام كان أحد العوامل التي جذبت الوثنيين نحو الإيمان طقوس جنازات المسيحيين وما حملوه من أحاسيس السلام والرجاء في الأبدية[13]. يقول البابا أثناسيوس الرسولي:

[إذ بسط يديه على الصليب طرح رئيس سلطان الهواء الذي يعمل في أبناء المعصية (أف 2:2)، مهيئًا لنا طريق السماوات.]

[حين رُفع جسده إلى العُلا، ظهرت الأمور التي في السماء[14].]

[بعد قيامة مخلصنا الجسدية، لم يعد يوجد سبب للخوف من الموت.

الذين يؤمنون بالمسيح يطأون على الموت كأنه لا شيء، مفضلين أن يموتوا بالأحرى عن أن ينكروا الإيمان بالمسيح. فإنهم مقتنعون أن الموت لا يعني دمارًا بل حياة، خلال القيامة يصيرون غير قابلين للدمار... الدليل الواضح على هذا هو أنه قبل الإيمان بالمسيح كان الناس يتطلعون إلى الموت كموضوع مرعب، كشيء يجعلهم جبناء. وما أن قبلوا الإيمان وتعليم المسيح، صاروا على العكس يحسبون الموت أمرًا صغيرًا يدوسون عليه، ويجعلهم شهودًا للقيامة التي حققها المخلص ضد الموت[15].]

9. بماذا يليق بنا أن نفكر في لحظات خروجنا من العالم؟

في وسط الآلام لم تفكر الشهيدة جوليا في نفسها، بل في خلاص مضطهديها، مصلية:

"لتكن مباركًا يا إلهي وسيدي يسوع المسيح الذي أهَّلتني أن أموت مثلك ومن أجلك مصلوبة على خشبة الصليب... أسألك يا إلهي بحق دمك الطاهر الذكي أن تنظر بعين رحمتك إلى هذا الشعب الجالس في ظلام الموت، وتغفر لهم وتنير عليهم بنور الإيمان بك".

10. كيف لا نخاف الموت؟!

يقول القديس أمبروسيوس: [إن كنا نريد ألا نهاب الموت، فلنقف حيث يوجد المسيح، حتى يقول عنا: "حقًا أقول لكم إن من القيام ههنا قوم لا يذوقون الموت" (لو 27:9). الذين بلغوا حقيقة إلى الشركة مع المسيح لن يعرفوا الموت. إنهم بلا شك يذوقون موت الجسد، ويتعرضون له، لكن تبقى حياة الروح.] كما يقول: [ينبغي علينا ألا نصم آذاننا، بل أن نفتحها حتى نسمع صوت يسوع. فمن يسمع هذا الصوت لن يخشى الموت.]

ويقول القديس أنبا أنطونيوس: [يجب علينا ألا نخاف هذا الموت، بل نخاف هلاك النفس الذي هو عدم معرفة اللّه. هذا هو ما ُيرعب النفس بحق!]

ويقول القديس يوحنا سابا: [هذا هو رجائي وشوقي إلى الرب: أن أكون في تلك الساعة بلا معين من الناس، ولا من يُغمض عينيَّ غير اللّه. إذ أكون مُلقى على وجهي بالتأمل فيه. هذا أحب إليَّ من كل شيء!] وأيضًا يقول الأب أفراهات: [الذين يعيشون في الملذات يهابون الموت، أما الحزانى فيترجونه لكي يرحلوا سريعًا.]

11. لماذا لم يبطل الرب موت الجسد عن مؤمنيه في هذا العالم؟

قد يسأل أحدهم: لماذا لم يبطل الرب عن مؤمنيه موت الجسد هنا، فلا يعمل الموت فيهم بعدما قاموا من الموت بموت الرب وقيامته، فيعيشون إلى الأبد دون أن تنفصل نفوسهم عن أجسادهم؟

أولاً: لكيلا يرتبط قلبنا بالأرض. لم يسمح الله لنا أن نبقى هنا في الجسد إلى الأبد، لئلا تتركز أنظارنا في الأرضيات، ولا يرتفع رجاؤنا إلى الأبديات، فإنه "إن كان لنا في هذه الحياة فقط رجاء في المسيح، فإننا أشقى جميع الناس" (1 كو 19:15). فالرب ارتفع إلى السماء حتى تشخص أنظارنا إلى فوق، وتنتظر اللقاء مع الله شخصيًّا من أجل الله ذاته وبه وفيه، ويكون هو الكل في الكل.

ثانيًا: لكي تظهر الحرية في اختيارنا للإيمان. يقول القديس مقاريوس الكبير: [لو كان جسد الإنسان غير قابل للموت وغير مائل للفساد، لكان أهل العالم كله عندما يرون هذا الأمر الفائق الظن، أي أن أجساد المسيحيين لا تفسد، عندئذ ينجذبون إلى فعل ما هو خير بالضرورة لا باختيار منهم، ولكن المُراد أن تظهر الحرية التي منحها الله للإنسان منذ البدء... وتظل ثابتة. لهذا نظمت الأمور بتدبير مخصوص وتقرر انحلال الجسد، لكي يميل الإنسان إلى الخير أو الشر بإرادة منه.]

ثالثًا: لكيلا نهتم بموت الجسد بل بموت الروح. يقول القديس أمبروسيوس [قال الرب عن يوحنا البشير: "إن كنت أشاء أنه يبقى حتى أجيء" (يو 22:21). نحن لا نعتقد أن المقصود هنا يوحنا وحده، بل هي دعوة موجهة عامة لكثيرين. فالرب لم يستبعد موت الجسد بل موت الروح. لأنه يوجد أموات يعيشون، ويوجد أحياء قد ماتوا! مثال ذلك تلك المرأة المتنعمة التي قد ماتت وهي حية (1 تي 6:5). وكما هو مكتوب: "ليبغتهم الموت لينحدروا إلى الهاوية أحياء" (مز 15:55). فإنه يوجد من ينزلوا الهاوية أحياء، إذ بالخطية ينزلون إلى الهاوية ويقيمون في مكان الموت. بالأحرى أحياء هم أولئك الذين لم تنتهِ حياتهم عند موت الجسد، مثل إبراهيم واسحق ويعقوب، الذين نعرف أنهم أحياء بحسب سلطان الكلمة الإلهية، إذ أن الله: "إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب، ليس إله أموات بل إله أحياء" (مت 32:22).]

رابعًا: ربنا يسوع لم يغشنا. يقول الشهيد كبريانوس: [من يحارب (روحيًا) من أجل الله، يلزمه أن يعرف أنه قد وُضع في معسكرٍ قاسٍ، على رجاء نوال جزاء سماوي. فلا يرتعب من عواصف العالم وأعاصيره، ولا يهتز منها، لأن الرب سبق أن أنبأنا عن كل ما سيحدث لنا. لقد سبق فأخبرنا عن حدوث حروب ومجاعات وزلازل وأوبئة في كل مكانٍ. وبحديثه هذا أوصى كنيسته وعلمها وهيأها وشددها لتحتمل كل ما سيأتي. لقد سبق فأنذرنا بأن الكارثة تتزايد شيئًا فشيئًا في أواخر الزمان، وذلك لكيلا نهتز منأي مخاطر مميتة غير متوقعة. انظروا، فإن ما أنبأنا عنه يحدث. وإذ يحدث إنما يتبعه أيضًا ما قد وعدنا به قائلاً:لاً "هكذا أنتم أيضًا متى رأيتم هذه الأشياء صائرة، فاعلموا أن ملكوت الله قريب" (لو 31:21). هوذا ملكوت الله أيها الإخوة الأعزاء يقترب![16]]

خامسًا: لإعادة تشكيله من جديد بلا خطية. للقديس غريغوريوس أسقف نيصص رأي خاص بأن الموت ضروري لكي يقود الجسد فيتشكل من جديد كأصله القديم دون أن يمتزج بالخطية التي ارتبطت به أثناء حياتنا على الأرض. يشَّبه جسد الإنسان بإناء خزفي تسلل السم في مادته لذا يحتاج إلى إعادة عجنه ونزع كل أثرٍ للسم منه، وترجع ذات المادة من جديد للتشكل بدون السم الذي تسلل إليها. هذا كله من قبيل محبة الله الفائقة للإنسان هنا في العالم بدم السيد المسيح، يتقدس بكامله؛ لكن يبقى صراع الجسد مع الخطية قائمًا، لذا فنحن في حاجة إلى إعادة تشكيله تمامًا لتحمله من جديد في استحقاقات الدم الثمين.

سادسًا: غيَّر الرب مفهوم الموت. إذ قَبل مسيحنا الموت بإرادته لأجل خلاص العالم، غيَّر مفهوم الموت، فلم يعد عقوبة يرتعب أمامها المؤمن، وإنما صار علامة حب يشتهيها المؤمن. يقبل الموت من أجل الله ومن أجل خلاص إخوته وبنيان نفسه، فيمارسه كل يومٍ كشركةٍ مع المسيح المصلوب، وعربون حيِّ للأبدية. يقول القديس يوحنا كاسيان، ليس في خوفٍ ورعب بل بروح الرجاء وترقب للأبدية، يتطلع المؤمن في الممارسة اليومية للموت إلى حياته لا بنظرةٍ سوداوية، بل بعيني الروح، فيرى مع كل نسمة يتمتع بالتجديد الروحي المستمر، حتى يبدو كأن جسده ينتقل من الجسد إلى الروح تدريجيًا، مشتاقًا أن يرى اليوم الأخير، حيث يحمل عوض الجسد الترابي جسدًا روحانيًا (1 كو 44:15). ينعم مع كل ممارسة للإماتة اليومية ليس في بلادةٍ وجمودٍ بل بمعرفةٍ روحيةٍ ناميةٍ، حتى ينتقل إلى كمال المعرفة حين يرى الله وجهًا لوجه[17].]

12. هل من مجالٍ للتوبة بعد الموت؟

كيف يمكن للنفس التي في الجحيم أن تمارس التوبة، وقد انفصلت عن الجسد، ولا يوجد مجال لإعلان الحياة لله والناس. في العالم يشترك الجسد مع النفس في الإيمان، والسلوك في الربّ، ويكافأ الاثنان معًا إما بالدخول في السماء أو بالحرمان من رؤية الله.

13. من يحمل النفس بعد انفصالها عن الجسد؟

في مثل لعازر المسكين والغني، إذ مات لعازر جاءت ملائكة أبرار وحملوا نفسه إلى حضن إبراهيم (لو ١٦: ٢٢). ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم إن نفوس الأشرار عند موتهم يُحملون بواسطة ملائكة أشرار.

جاء في العظة ٢٢ للقديس مقاريوس أن مجموعة من الشياطين وقوات الظلمة تأخذ نفس الشرير.

أشار القديس كيرلس الإسكندري إلى أن النفس عندما ترحل: "يحملها ملائكة قديسون، ويعبروا في الهواء، فتصعد إلى فوق"... يقود الملائكة القديسون النفس ويقدمون ما فعلته النفس من صلاحٍ[18].


 

2. آلام الفراق المقدسة

1. هل نتجاهل آلام الفراق المقدسة؟

آلام الفراق أمر طبيعي، يعيشها الإنسان الذي وهبه اللّه الأحاسيس والمشاعر ليمارسها... فقد تألمت مريم ومرثا لانتقال أخيهما (يو 19:11). وإذ رآهما السيد المسيح متألمتين بكي (يو 35:11)، مشاركًا إيّاهما آلامهما!

وجاءت العظة التي ألقاها القديس أمبروسيوس في جنازة أخيه الأصغر ساتريوس Satyrus تكشف عن مشاعر القديس المرهفة نحو أخيه المحبوب لديه جدًا.

[أقدم هذه العظة لكي أرافقه، فأكون معه بالروح في رحلته إلى مدة أطول قليلاً، ولكي احتضنه بعقلي هذا الذي تراه عيناي. لأثبت نظري بعمق عليه، أودعه ببطء وأظهر له ما في القلب. لأخاطبه بكل شكل من الأشكال التي تُظهر معزتي له.

توقف ذهني عن التفكير، لست أظن إني قادر أن أفكر بأن ذاك الذي لازلت قادرًا على رؤيته أمامي قد رحل. لا أستطيع أن أتيقن أنه مات، فإني لازلت محتاجًا إلى خدماته التي أنسب إليها حياتي ونسماتي... إني محتاج أن أهدئ من حزني، لا أن أنتزع مشاعر عواطفي، فتشبع اشتياقاتي لا أن اسكنها لتنام[19].]

عاد بعد أسبوع من موت أخيه يعظ، فيبدأ كلماته بصورة مختلفة تمامًا عنها في يوم الجنازة، إذ يقول: [لقد حجَّمت اشتياقاي، لئلا وأنا أطلب أدوية قوية لجرحي الملتهب أزيده التهابًا عوض تهدئة آلامه[20].]

سجل لنا أيضًا القديس أغسطينوس مشاعره الفياضة يوم انتقال والدته القديسة مونيكا، فقال في اعترافاته:

[أغمضت عينيها فتملكني حزن شديد، كاد يتحول إلى دموع لو لم تمتصها عيناي، بأمرٍ صادرٍ من إرادتي، من ينبوعها حتى كادت تجففها. أواه!...

رأينا أنه من المناسب أن نحتفل بهذا المأتم بلا صراخ ولا نواح ولا بكاء، لا كمن يبكون على موتاهم كأنهم ذاهبون إلى الفناء التام، لأن موت أمي لا يدعو إلى الحسرة، ولأنه ليس موتًا كاملاً... لم أذرف دمعة حتى ولا خلال الصلوات، لكنني طوال نهاري كنت أشعر في داخلي بثقل الحزن عليَّ[21].]

وكتب القديس جيروم إلى باولا Paula سائلاً إياها ألا تفرط في الحزن بسبب وفاة بلاسيللا Blaesilla ، يقول: [بالتأكيد الآن إذ نؤمن بالمسيح ونحمله في داخلنا، فبسبب زيت مسحته التي قبلناها (1 يو 27:2) يليق بنا ألا نفارق هيكله، أي عملنا المسيحي، ولا نرتبك كالأمم غير المؤمنين، بل نبقى على الدوام في الداخل كخدام مطيعين لإرادة الرب[22].]

ولعل من أجمل ما قدمته القديسة ماكرينا لأخيها القديس غريغوريوس أسقف نيصص قبيل نياحتها هو الحياة المتهللة السماوية كسمة الإنسان الروحي. في حديثهما معًا تذكرا أخاهما القديس باسيليوس الكبير الذي تنيح منذ سنوات، فتأثر القديس غريغوريوس جدًا وانسابت دموعه، أما هي فلم تشعر بانهيار أمام حزنه، بل حولت الحديث عن أخيهما إلى الحديث عن الحكمة السماوية... رفعت قلب أخيها الأسقف من الذكريات إلى الالتهاب بالحياة العلوية. تمالكت نفسها وهي هزيلة الجسد لتقول له إنه لا يليق أن نحزن على الراقدين كمن لا رجاء لهم. كانت تخفي تنهداتها وكل ما تعانيه من ضيق في التنفس لتبرز الجانب المضيء المفرح. وكانت تتحدث معه وتجيب على أسئلته. وكما قال: [لقد بدت نفسي وكأنها قد ارتفعت تمامًا من جوها البشرى بما قالته وتحت تأثير حديثها، ووقفت في المقادس السماوية.]

كتب القديس غريغوريوس مقالاً يحوي حديثه معها، جاء في مقدمته:

[باسيليوس العظيم بين القديسين قد رحل إلى اللَّه من هذا العالم. لقد حزنت عليه كل الكنائس! كانت أخته "المعلمة" لا تزال حية، وقد سافرُت إليها، لكي نتبادل التعزية من أجل فقدان أخيها.

كانت نفسي بحقٍ مضروبة بالحزن، وذلك بتلك الصفعة المؤلمة، فبحثت عن شخص يمكن أن يحمل ذات مشاعري على قدم المساواة، حتى يمزج دموعه بدموعي.

إذ كنا معًا في الحضرة ألهبت رؤيتي للمعلمة كل آلامي، إذ كانت راقدة منبطحة حتى الموت... لقد حاولت أن تصلح من أمري بالحديث معي، وأن تصحح بلجام (شكيمة) براهينها ما أصاب نفسي من تشويش. لقد اقتبست كلمات الرسول إنه لا يليق بنا أن نحزن على الراقدين (1 تس 4: 13)، فإن هذه هي مشاعر من لا رجاء لهم. وبقلبٍ يعتصر ألمًا سألتها: "كيف يمكن للبشر أن ينفذوا ذلك؟[23]]

والكنيسة كأم حنون تشارك المتألمين مشاعرهم، فيشترك الكهنة والشمامسة والشعب مع أسرة الراقد في الآلام، معبرين عن ذلك بنغمات الحزن التي يترنمون بها في صلوات الجنّاز... لكنها نغمات تبعث مع الحزن عزاءً ورجاءً. وكما يقول الرسول: "ثم لا أريد أن تجهلوا أيها الإخوة من جهة الراقدين، لكي لا تحزنوا كالباقين الذين لا رجاء لهم. لأنه إن كنّا نؤمن أن يسوع مات وقام، فكذلك الراقدون بيسوع سيحضرهم اللّه أيضًا معه" (1 تس 13:4-14).

وفي عام 374م؛ يبدو أن أمفليكوس Amphilochios لام ابن عمه القديس غريغوريوس أسقف نزينزا لأنه لم يتفاعل معه في مشاعره عندما مات ابنه، فكتب إليه القديس وهو أصغر منه في السن:

[إنك تحزن! أنت تبكي! بالنسبة لي، فيُفترض أني مبتهج! كما ترى إنني كمن في عيد، وأنا أفتخر بهذا.

أتحزن من أجل ابنك الذي أُخذ منك وأُعطي كرامات يستحقها؟

إنك متأسف لأنه لم يعد بعد يهتم بك في شيخوختك، ويرد لك كما يليق بما فعلته معه من أمورٍ صالحة.

ماذا بالنسبة لي؟ ألم أحزن إذ تركني والدي في رحلته الأخيرة، فلا يعود يرجع ولا يُظهر ذاته لنا؟

مع هذا فأنا لا أنتقدك، ولا أطلب منك ذات التعزية التي لنا، فإننا نعرف أن الشعور بالألم بسبب موت الأحباء لا يترك مجالاً للاهتمام بمتاعب الآخرين...

إنك تتهمني - كما فهمت - أننا لا نبالي بابنك الذي هو بالحق "أخي"، أو أننا قد خناه، وهذا أمر مؤلم! أتظن أننا لا نشعر بكل ما لحق بك وبأصدقائه وأقاربه أنه خسارة؟ ماذا بالنسبة لي؟ إنني خسرت أكثر من الكل؛ هو وحده كان سندًا لي، كان مرشدي، ورفيقي في ممارسة التقوى...

بسبب حزني القديم كنت عاجزًا عن الحضور إليك مرة أخرى، وذلك بسبب حزني والتزامي نحو والدي، الذي يستحق الإكرام، فإنه ليس شيء يفوق هذا...

لتلقِ هذا الحزن جانبًا الذي يبدو لي أنه ليس بلائقٍ[24].]

يظهر اهتمام المسيحيين بالمشاعر المقدسة نحو فراق الأحباء من الرسالة التي كتبها القديس غريغوريوس أسقف نزينزا إلى القديس غريغوريوس أسقف نيصص ليعزيه في ثيؤسيبيا التي تبدو أنها كانت زوجته (قبل سيامته وعاشا بعد كأخين)، وإن كان البعض يرى إنها مجرد شماسة، عُرفت بفكرها الراجح وكانت محبوبة جدًا[25].

[إني معجب من ثباتك والفلسفة التي أظهرتها - كما سمعت - عند عبور أختك الطوباوية القديسة.

كان سلوكك هو سلوك رجل صالح وقائد تقي، له معرفة بالإلهيات والأمور البشرية أكثر من غيره. إنك إنسان يتطلع إلى ما هو محزن للغاية بالنسبة لغيره إن وجدوا في مثل هذه الظروف، على أنها أمور محتملة.

لقد تركتها تذهب إلى القبر وتوضع في أماكن الراحة كسنبلة قمح تُجمع في الوقت اللائق (أي 26:5)، بعدما شاركت في سحر الحياة وهربت من اللحظات المؤلمة، فإن مدة حياتها مُقاسة تمامًا، إذ رحلت قبل أن تحزن على موتك، فنالت كرامات في جنازتها تليق بالقديسين.

كما تعرف، أود أنا أن أترك هذه الحياة، وإن كان ليس في ذات العمر مثلك، إذ أريد لك عمرًا أطول، إنما على الأقل أن أكون بارًا مثلك!

ما هي مشاعرنا نحو ناموس الله الذي وُضع منذ القدم والذي تحقق الآن في "ثيؤسيبياي" my Theosebia؛ ادعوها: "لي my" لأنها عاشت في الله، في قرابة روحية تفوق قرابة الدم.

ثيؤسيبيا هي مجد الكنيسة، لؤلؤة المسيح، فخر جيلنا، كرامة النساء.

ثيؤسيبيا أعظم مجدًا وشهرة بين إخوتها الرائعين.

ثيؤسيبيا هي قديسة وزوجة كاهن، تكرم بالمساواة وتستحق أسرارًا فائقة.

ثيؤسيبيا سيقتنيها الجيل القادم ويضعها في سجل الخالدين، وفي قلوب كل من يعرفها ومن سيأتي بعد.

لا تعجب إن كنت أكرر اسمها؛ فإني أجد لذة في تذكر هذه الطوباوية[26].]

2. كيف نتغلب على آلام الفراق؟

يقدم لنا القديس أمبروسيوس صورة رائعة عملية للتغلب على آلام الفراق. فقد كان له أخ أصغر منه يُدعى ساتيروس Satyrus، كان محاميًا مثله يحملان فكرًا واحدًا. فالاثنان كانا محاميين ناجحين، وعندما سيم أمبروسيوس أسقفًا على ميلان للحال أغلق ساتيروس مكتبه وطلب أن يتسلم مكتب أمبروسيوس لكي يتفرغ أمبروسيوس للخدمة. بعد سنوات قليلة في ١٧ أكتوبر عام ٣٧٩م أصيب ساتيروس بمرضٍ خطير. تأثر أمبروسيوس بموت أخيه المحبوب جدًا لديه كما لدى الشعب. فسجَّل كتابين أحدهما بمناسبة جنازة أخيه والثاني بعد أسبوع من الوفاة، أعلن في الكتابين في صراحة كاملة عن مشاعره، وفي نفس الوقت كشف لنا كيف تغلب على آلام الفراق.

اقتطفت هنا بعض عباراته التي تكشف عن سرّ عزائه في موت أخيه وما وراءها:

‌أ.    إعطاء الأولوية لرسالته الإنجيلية في العالم: في صراحة كاملة تحدث القديس مع شعبه أنه كان يحب أخاه حتى حسبه جزءًا منه، وبموته مبكرًا شعر كمن فقد شيئًا ثمينًا، ولكنه حسب أن رسالته أن يشهد لمسيحه مخلّص العالم لها الأولية على مشاعره الخاصة نحو أخيه الراقد. كما في أثناء جنازة أخيه حوّل حديثه عن محبته لأخيه إلى الحديث عما فيه بنيان ملكوت الله؛ مشتاقًا أن يموت هو ويحيا شعب الله. لم تستطع محبته لأخيه وشعوره بمرارة آلام الفراق أن تشغله عن محبته للشعب.

[ليس شيء من الأمور الأرضية يا إخوتي الأعزاء أحسبها ثمينة للغاية، وأفضِّلها عن الحب. ليس شيء عزيز عليّ مثل أخ كهذا، لكن الأمور العامة (التي تخص الجماعة) تتقدم أمام أموري الخاصة.

ويليق بكل أحدٍ أن يتحقق ما هي مشاعره مفضلاً أن يُذبح من أجل الآخرين عن أن يعيش لنفسه. لأن المسيح مات حسب الجسد من أجل الجميع، لكي نتعلم ألاَّ نعيش لأجل أنفسنا وحدنا[27].]

‌ب.  شكره لله الذي وهبه أخاه الأصغر قرضًا مؤقتًا واسترده منه. فعوض الحزن على موت أخيه، يشكر الله الذي أعطاه هذا الأخ المبارك، يشاركه أفكاره في الحياة مع الربّ وخدمة شعب الله.

[يليق بي ألاَّ أكون جاحدًا لله. إنما أفرح أنه كان لي أخ كهذا عوض أن أحزن على فقدانه. فإن الأول كان هدية من الله (إذ أعطاني هذا الأخ) والثاني (أنه مات). فيلزمني أن أرد لله ما اقترضته منه ... إنه من الخطأ أن ترفض ما اقترضته، ومن التقوى أن ترفض التضحية (أي موت الأحباء)[28].]

‌ج.  ارتفاع فكره من النظر إلى الوراء، ما قدمه أخوه ساتيروس من محبة شديدة وإغلاقه مكتبه ليدير مكتب أخاه وسماته الفائقة من محبة ووداعة وحب لخدمة الآخرين. إنما بالأحرى ينظره وهو في الفردوس لم يعد أخًا للقديس الذي لم يعد يرتبط فقط بأسرته، بل صارت كل البشرية أسرته وإخوته، يحب الجميع ويصلي لأجلهم.

شعر القديس أمبروسيوس أن عبور أخيه إلى الفردوس هو عبور إلى ما هو أفضل في كيانه هناك، بهذا حسب أمبروسيوس أنه بالفعل دخل الفردوس، يا لها من مشاعر حب رائعة لدى أمبروسيوس نحو أخيه! يعتبر القديس أمبروسيوس رحيل أخيه إلى الفردوس جعله أكثر التصاقًا به، لأن الفردوس هو الميراث المشترك للاثنين.

 [كيف يلزمني أن أبكيك أيها الأخ الكليّ المحبة، يا من اُنتزعت هكذا مني كي تصير أخًا للجميع؟!

إنني لم أخسر شيئًا، إنما تغيرت علاقتي بك. قبلاً كنا منفصلين عن بعضنا بالجسد، والآن نحن لسنا منفصلين في الحنو، فإنك تبقى معي وستبقى إلى الأبد معي. بالحق حين كنت تعيش معي لم تعزلك بلدنا عني، وأنت أيضًا لم تكن تفضل بلدنا (أي شعب الكنيسة) عني، والآن بالتأكيد صرت في بلدٍ أخرى، فلا أكون غريبًا هناك حيث نصيبي الأفضل هناك بالفعل.[29]]

د. التطلع إلى محبة إخوته له في الضيق: يتحدث القديس أمبروسيوس مع شعبه كإخوة له مملوئين حبًا وحنوًا. فيقول: [بالحقيقة الامتنان عميق نحوكم أيها الإخوة الأعزاء، أيها الشعب المقدس، أنكم تقَّدرون حزني. إنه ليس إلا حزنكم، فتحسبون هذه الفاجعة كما لو حلَّت بكم، فقدمتم لي دموع المدينة كلها من كل الأعمار، والأمنيات طيبة من كل الطبقات الاجتماعية بمودةٍ غير طبيعية. هذا ليس بحزنٍ مع تعاطفٍ خاص، وإنما هو خدمة وتقدمة صالحة من العامة...حقاً كنت أود أن يعيش أخي لكن الحنو العام المزدهر مبهج جداً، وفي الوقت الضيق مُستحب جدًا.[30]]

ه. تقديره لدموع الباكين: إذ رأى القديس أمبروسيوس دموع المدينة كلها على أخيه تذكر دموع الأرامل على طابيثا، فصلي بطرس وطلب منها أن تقوم، فقامت وجلست (أع 9: 40). أما ساتيروس الذي خدم المدينة فبكت عليه، لكن ساتيروس رقد لا ليقوم في العالم بل ليتمتع بالقيامة في يوم الرب العظيم. [هذا الذي مات لا يجلس بعد على النعش، إذ يجد راحته في المسيح، وإن كان لا يتحدث معنا، فهو يفرح إذ يري الأمور التي أعلى منا.[31]]

و. خُطف أخوه وهو صغير السن كي لا يتعرض فهمه للفساد: ["إنه لا يحتاج أن يقوم إلى حين، ذاك الذي ينتظر القيامة الأبدية. فإنه لماذا يرجع إلى هذه الحالة البائسة والتعسة من الفساد، ويعود إلى الحياة الحزينة...؟[32].]

تحدث بعض الآباء عن انتقال بعض الأبرار في سنٍ مبكر، فيقول الشهيد كبريانوس: [هذا كان مسرًا في عينيّ الله أن أخنوخ قد تأهل أن ينطلق من سُم هذا العالم. لكن يعلمنا الروح القدس أيضًا خلال سليمان أن الذين يسرون الله يؤخذون من هنا في سن مبكر، ويتحررون سريعًا، لئلا خلال بقائهم لزمنٍ طويلٍ في هذا العالم يفسدون بواسطة التعامل مع العالم[33].] ويقول القديس أمبروسيوس: [إن كان لا يحزن أحد على أخنوخ الذي انتقل (تك 5: 24) حينما كان العالم في سلامٍ، ولم تكن الحروب قد اشتعلت، وإنما بالحري يهنئه، كما يقول الكتاب عنه: "خُطف لكي لا يُفسد الشر فهمه" (حك 4: 11)، فكم بالأكثر يمكن أن يُقال هذا بأكثر تبرير حيث كثرت مخاطر العالم للحياة غير المستقرة؟ لقد خُطف لكي لا يسقط في أيدي البرابرة، لقد أُخذ لكي لا يرى دمار الأرض كلها، ونهاية العالم، ودفن أقربائه، وموت زملائه المواطنين، وفوق كل هذا وأكثرهم مرارة من أي موت، لئلا يرى العذارى والأرامل القديسات يُفسدن[34].]

س. يتطلع إلي موت أخيه ليس فقداناً للحياة بل خلاصاً من الخوف من المتاعب التي تهدده: يوجه القديس أمبروسيوس حديثه إلى أخيه الذي انتقل، قائلاً: "هكذا إذن يا أخي أحسبك سعيدًا في كلٍ من جمال حياتك وفي ملائمة موتك. فإنك قد خُطفت ليس منا بل من المخاطر، إنك لم تفقد الحياة بل هربت من الخوف من المتاعب التي تهددك[35].]

ح. أخيرًا، إذ يوجه حديث لأخيه الراحل يقول له إنه لا يعود إليه، إنما هو (أمبروسيوس) ذاهب إليه. لقد عاشا في شركة معاً في أمور كثيرة وسيتمتع بالشركة معه على مستوي أبدي[36].


 

3. المُلك الألفي[37]

بعدما تحدث سفر الرؤيا في أسلوب رمزي عن حال الكنيسة خلال جهادها على الأرض إلى يوم لقائها بربنا يسوع عريسها بدأ يحدثنا عن بيت الزوجية السماوي، أي الملكوت الأبدي، المُعد لنا منذ تأسيس العالم. هذا الملكوت ليس غريبًا عن المؤمن الحقيقي، بل هو امتداد لما يتمتع به هنا على الأرض عربونًا للسماء، وما يحيا به في الفردوس لحظة انتقاله. لهذا بدأ السفر يتحدث في الأصحاح الحادي والعشرين عن الملكوت الذي نعيشه هنا، والسلطان الذي لنا على إبليس وجنوده، كبداية لامتداد أبدي ولقاء سماوي مع أبينا السماوي وجهًا لوجه.

1. ماذا يعني بتقييد الشيطان ألف سنة (رؤ 20: 1-3)؟

"ورأيت ملاكًا نازلاً من السماء معه مفتاح الجحيم، وسلسلة عظيمة على يده. فقبض على التنين الحيَّة القديمة الذي هو إبليس والشيطان، وقيده ألف سنة. وطرحه في الجحيم، وأغلق عليه، وختم عليه لكي لا يضل الأمم فيما بعد حتى تتم الألف سنة؛ وبعد ذلك لا بد أن يُحل زمانًا يسيرًا" (1-3).

هذا الملاك الذي نزل من السماء وله سلطان على الجحيم وقادر أن يربط الشيطان ويقيده رمز لملاك العهد، ربنا يسوع (ملا 3: 1)، الذي نزل من السماء، وسُمر على الصليب من أجل البشر، حتى يُمزق صك الخطية، وبالتالي لا يكون لإبليس موضع فيهم، وبهذا يقدر المؤمن أن يدوس على إبليس وقوته. وكما يقول الكتاب المقدس[38]: "الآن يطرح رئيس هذا العالم خارجًا" (يو 12: 31).

"إذ محا الصك الذي علينا في الفرائض، الذي كان ضدًا لنا، وقد رفعه من الوسط، مسمرًا إياه بالصليب، إذ جرد الرياسات والسلاطين أشهرهم جهارًا، ظافرًا بهم فيه (أي في الصليب)" (كو 2: 14، 15). "وأما عن دينونة، فلأن رئيس هذا العالم قد دين" (يو 16: 11). "رأيت الشيطان ساقطًا مثل البرق من السماء. ها أنا أعطيكم سلطانًا لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو ولا يضركم شيء" (لو 10: 19).

يوجد في العهد الجديد شواهد كثيرة تطمئن نفوسنا لا أن طبع إبليس قد قُيِّد، بل سلطانه، فلم يعد قادرًا أن يملك على الإنسان مادام ليس له في قلبه شيء. أما إذا اختار الإنسان أن يُدخل في قلبه شيئًا مما لإبليس، فيكون قد سلم نفسه بنفسه للعدو. وما أكثر كتابات الكنيسة الأولى التي تهب للمؤمن رجاء وشجاعة ليحارب إبليس بلا خوف ولا اضطراب، مطمئنًا أنه بالصليب يقيده ويحطمه. يقول القديس أغسطينوس إن الملاك النازل من السماء هو السيد المسيح الذي أخرج الذين كانوا في الجحيم على رجاء الفداء، كما قُيَّد سلطان إبليس حتى لا يكون له سلطان على مؤمنيه المجاهدين مدة جهادهم على الأرض[39].] أما كون الزمن 1000 سنة فيمكن أن تفهم بطريقتين:

أ. الكنيسة في جهادها تعيش في يوم "الرب" أي سبت الراحة "Sabbath" هذا الذي ابتدأ بقيامة الرب ولا يغرب أبدًا حيث يتمتع القديسون بالراحة اللانهائية، إذ يعبرون من جهادهم إلى الأبدية كامتداد لحياتهم ههنا. واليوم عند الرب كألف سنة، لذلك يُحسب زمنه بألف سنة!

ب. تشير الألف سنة إلى كمال الزمن منذ قيامة السيد، أي منذ دخول الرب "بيت القوي ونهب أمتعته بعد ما ربطه" (مر 3: 27)، واهبًا لأولاده أن يجاهدوا ولا يكون لإبليس سلطان إلى أن يأتي ضد المسيح، ويحل إبليس حتى لو أمكن أن يضل المختارين (مت 24: 24).

وإن كان قلة من الطوائف تزدري بهذا التفسير قائلة كيف تقولون إن الشيطان مربوط ونحن نراه يعمل؟ وإنما سيقيَّد فيما بعد. أترك بعض إخواننا البروتستانت وخاصة اللوثريين يجيبون على ذلك:

فمثلاً يقول شارلس ايردمان إن ربنا وتلاميذه استخدموا كلمات أقوى من الربط والسجن ليصفوا أثر العمل الخلاصي للمسيح على الشيطان. إذ قال "رئيس هذا العالم قد دين"... وأورد Joseph S. Exell في مجموعة The Biblical Illustrator آراء لمفسرين كثيرين من إخواننا البروتستانت يُصِّرون بكل شدة إلا أن يقبلوا أن الشيطان مقيد حاليًا بالنسبة للمؤمن الحقيقي.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إن أردنا التغيير فعلاً، علينا أن نستعين بالسيد المسيح. وإن رغبتم في الصلاح، فلا شيء يعوقكم، ولا أحد يمنعكم، حتى الشيطان ليس لديه قوة عليكم. طالما اخترتم الأفضل، واجتذبتم الله لعونكم. لكن إن لم تريدوا ذلك بأنفسكم، بل تحاشيتم الأمر، فكيف يحميكم؟ لأنه ليس عن ضرورة ولا عن إجبار، بل بمحض إرادتكم الذاتية يريد أن يخلصكم[40].]

يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [النفس تحكم نفسها ذاتيًا. ومع أن الشيطان يقدر أن يقترح عليها، لكنه ليس له سلطان يلزمها بشيء بغير إرادتها. إنه يصور لك فكر الزنا، فإن أردت قبلته، وإن لم ترد تحتقره. لأنك لو كنت زانيًا قهرًا لما أعد الله جهنم؟! وإن كنت صانع برّ بالطبيعة وليس بإرادتك لما أعد الله أكاليل مجد لا يُنطق بها؟! الغنم وديع، لكنه لا يكلل على وداعته، لأنها ليست باختياره بل بحكم الطبيعة[41].]

يقول القديس مرقس الناسك: [أفكار الشيطان هي مجرد تصور عقلي محض لشيء (أو عمل) شرير والذي يُمكَّنه من التملك علينا أو حتى مجرد الاقتراب إلى عقلنا هو ضعف إيماننا. لأننا بعدما تسلِّمنا الوصية لنطرح عنا كل الارتباكات ونحفظ قلوبنا في يقظة كاملة (أم 23:4)، ونطلب ملكوت الله الذي هو في داخلنا، إذ تخلى العقل عن القلب وعن الغرض الذي نسعى إليه، بهذا أفسحنا المجال في الحال لتخيلات الشيطان، وصار العقل متساهلاً في قبول أي مشورة شريرة. حتى إلى هذا الحد، ليس للشيطان أي سلطان أن يحرك أفكارنا وإلا ما كان يرحمنا بل كان يدس لنا كل أنواع الأفكار الشريرة ولا يسمح لنا بأي صلاح. إنما قدرته محصورة في مجرد تقديم مشورة كاذبة في بدء كل فكر، ليختبر أي جهة يميل إليها قلبنا: هل يميل إلى مشورته أم إلى مشورة الله؟ لأنهما نقيضان[42].]

يقول القديس دوروثيؤس من غزة: [هذه هي قوة السرّ، وهذا هو السبب الذي لأجله مات المسيح هنا، لكي يرجعنا نحن الموتى إلى الحياة، ويردنا من الجحيم إلى محبته وشفقته. والآن أصبح لدينا القدرة أن نرجع ثانية إلى الفردوس، ولم يعد لعدونا أية قدرة كما كان له من قبل ولم يعد يأخذنا الشيطان عبيدًا له.]

يقول القدِّيس إيرينيؤس: [خلال الآلام صعد الرب إلى العُلي وسبى سبيًا، وأعطى الناس عطايا (مز 68: 18؛ أف 4: 8)، ووهب الذين يؤمنون به سلطانًا أن يدوسوا على الحيَّات والعقارب وكل قوَّة العدو (لو 10: 19)، أي سلطان على قائد الارتداد[43].]

2. ماذا يُقصد بالقيامة الأولى (رؤ 20: 5-6)؟

"ورأيت عروشًا فجلسوا عليها، وأعطوا حكمًا، ورأيت نفوس الذين قتلوا من أجل شهادة يسوع، ومن أجل كلمة الله، والذين لم يسجدوا للوحش ولا لصورته، ولم يقبلوا السمة على جباههم وعلى أيديهم، فعاشوا وملكوا مع المسيح ألف سنة. وأما بقية الأموات فلم تعش حتى تتم الألف سنة. هذه هي القيامة الأولى. مبارك ومقدس من له نصيب في القيامة الأولى. هؤلاء ليس للموت الثاني سلطان عليهم، بل سيكونون كهنة لله والمسيح، وسيملكون معه ألف سنة" (رؤ 20: 4-6).

هنا يحدثنا عن القيامة الأولى دون أن يذكر الكتاب المقدس في كل أسفاره عبارة "القيامة الثانية"، فماذا تعني القيامة الأولى؟ إننا نعلم أن الخطية دخلت إلى العالم، فملك الموت على كل النفوس، وصرنا نعيش بالجسد لكن نفوسنا ميتة بانفصالها عن مصدر حياتها "الله". إذًا جاء ربنا ليقدم لنا قيامة روحية لأنفسنا قبل أن تتمتع أجسادنا مع أنفسنا بالقيامة العامة يوم الدينونة. يقول الرب: "الحق الحق أقول لكم إنه تأتي ساعة وهي الآن، حين يسمع الأموات (بالروح) صوت ابن الله والسامعون يحيون" (يو 5: 25). يقول الرسول عن هذه القيامة: "مدفونين معه في المعمودية، التي فيها أقمتم أيضًا معه بإيمان عمل الله، الذي أقامه من الأموات" (كو 2: 12). وبالتوبة أيضًا نتذوق القيامة ونحن بعد نجاهد. "استيقظ أيها النائم وقم من الأموات فيضيء لك المسيح" (أف 5: 14). وهي موضوع اختبار مستمر في حياة المؤمن اليومية. فالرسول القائل في صيغة الاستمرار: "لأعرفه وقوة قيامته وشركة آلامه" (في 3: 10).

فبكل تأكيد نقول إن الكنيسة في جهادها بالرغم مما تعانيه من آلام إلا أنها تعيش في الملك الألفي، القيامة الأولى، متذوقة عربون السماويات. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كان الإنسان آخر المخلوقات العاقلة، لكن هوذا قد صار القدم رأسًا. وبواسطة الباكورة صرنا إلى العرش الملكي... لقد أحضر طبيعتنا إلى العرش الإلهي، لذلك يصرح بولس، قائلاً: "أقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات، في المسيح يسوع. ليظهر في آخر الدهور الآتية غنى نعمته الفائق باللطف علينا" (أف 2: 6-7). كيف نقول ليظهر في آخر الدهور الآتية؟ ألم يظهر الآن؟ لقد ظهر فعلاً. ولكن ليس لكل الناس بل لي أنا المؤمن، أما غير المؤمن فلم يظهر له بعد هذا العجب. لكن في ذلك اليوم تتقدم كل البشرية لترى وتتعجب مما حدث. أما بالنسبة لي فيزداد الأمر وضوحًا[44].]

إذن هؤلاء الذين يحملون الصليب مع ربنا يسوع شاهدين له حتى الموت يتمتعون هنا بالقيامة الأولى، أما بقية الأموات بالروح الذين لا يقبلون الإيمان فلا يتمتعون بالقيامة الأولى، ويسقطون تحت الموت الثاني الأبدي (رؤ 21: 8). نعود فنؤكد ما يقوله القديس أغسطينوس: [لن يكون هناك مجيء للمسيح قبل ظهوره الأخير للدينونة، لأن مجيئه حاصل بالفعل الآن في الكنيسة وفي أعضائنا. أما القيامة الأولى في سفر الرؤيا فهي مجازية تشير إلى التفسير الذي يحدث في حالة الناس عندما يموتون بالخطية ويقومون لحياة جديدة[45].] فالحكم الألفي للمسيح على الأرض قد بدأ فعلاً بيسوع المسيح نفسه في الكنيسة، والقديسون يحكمون الآن فيها.

يقول البابا أثناسيوس الرسولي: [لما ارتدى الكلمة جسدًا بدأ كل سم الحية ينطفئ تمامًا من الجسد، وبدأت جميع الشرور الصادرة من حركات الجسد تُنزع منه، ومن ضمنها أبيد الموت أيضًا، الذي هو ملازم للخطية، كما قال الرب نفسه: "رئيس هذا العالم يأتي ولا يجد فيّ شيئًا..." (يو 30:14)، وكما كتب يوحنا أيضًا: "من أجل ذلك أُظهر ابن الله، لكي ينقض أعمال إبليس" (1 يو 8:3). فلما نُقضت أعمال إبليس من الجسد، حينئذ تحررنا جميعًا هكذا بسبب قرابتنا مع الجسد (أي مع جسد المسيح)، وصرنا منذ ذلك الوقت متحدين بالله[46].] كما يقول: [ارتدى الكلمة جسدًا مضمدًا كل لدغة الحية، نازعًا كل شرٍ ينبع عن عواطف الجسد، مبطلاً أيضًا الموت المصاحب للخطية... وكما كتب يوحنا: "لأجل هذا أظهر ابن الله ينقض أعمال إبليس"[47].]

يقول القديس غريغوريوس صانع العجائب: [فإذ كانت العذراء الطاهرة تحيا في حياة نقيّة. وتسلك في كل الفضائل، وتعيش في حياة أسمى من غيرها. لهذا أخذ – المولود من الله الآب – لنفسه منها جسدًا حتى يدين الخطية في الجسد، ويهزم الشيطان المجرب، معلنًا بداية القيامة وتأسيس الحياة الأبديّة ونشأة الصداقة بين الناس والآب[48].]

3. ما هو الدافع لفكرة الألف سنة الحرفية في بعض كتابات الكنيسة الأولى؟

بعدما تعرضنا لتفسير النص السابق الذي يتحدث عن الملك الألفي أو القيامة الأولى نود أن نبين للقارئ أن وُجد فكر جاء عرضًا بين كتابات الآباء في القرون الثلاثة الأولى وهو تفسير النص بصورة حرفية أن الرب يملك على الأرض مع مؤمنيه مُلكًا زمنيًا لمدة ألف سنة. غير أنه يليق بنا أن نفصل بين ما جاء في الكتابات الأولى وكتابات المحدثين في هذا الأمر.

نحن نعلم أن اليهود لهم فكرهم المادي، لذلك رفضوا ربنا يسوع بسبب رفضه الملك الزمني. وإلى يومنا هذا لازال بعضهم ينتظرون المسيح الذي يملك ملكًا زمنيًا على العالم كله. هذا الفكر دخل إلى الكنيسة في بدء نشأتها عن طريقين:

أ. دخول اليهود إلى المسيحية ومعهم بعض تصوراتهم المادية[49]، فبثوا هذه الأفكار عرضًا وسط الكتابات والعظات لهذا نجد مثلاً الأب بابياس من رجال القرن الأول يتصور ملكًا زمنيًا ماديًا لمدة ألف سنة يحدث في بداية القيامة فيه تنمو كروم العنب كل كرم يحمل عشرة آلاف فرع وكل فرع يحمل عشرة آلاف غصن... وإلى غير ذلك من الأمور التي تقبلها من الفكر اليهودي المادي في سذاجة. ويقول يوسابيوس[50] إن بابياس وصل إلى هذه الكيفية المادية بسبب قصور فهمه للكتابات الرسولية غير مُدرك أن أقوالهم كانت مجازية (روحية) وإليه يرجع السبب في أن بعض آباء الكنيسة من بعده اعتنقوا نفس الآراء. ويسمي يوسابيوس هذا الأمر "خرافة". وقد انحرف وراء ذلك القديس أغسطينوس في البداية، لكنه عاد وأدرك الخطأ.

ب. في قراءة محاورة يوستينوس مع تريفو اليهودي[51] ندرك أن يوستين أخذته الحماسة والغيرة لتأكيد أن كل ما كان لليهود من وعود وبركات قد صارت بكاملها وتمامها لكنيسة العهد الجديد، وبهذا حاول أن يثبت أن ما جاء في (إش 65: 17-25، مي 4: 1-7) سيتحقق للمسيحيين وحدهم.

وإننا نجد نفس الأمر مع ترتليان في محاوراته مع اليهود فبعدما أكد نفس الفكرة أن كل ما بالعهد القديم من وعود صار للكنيسة وحرم اليهود من كل بركة عاد للأسف فحول الفكر اليهودي المادي وجعله للكنيسة.

4. ما هو موقف مدرسة الإسكندرية من هذا الفكر في القرن الثاني؟

لم تكن عقيدة الألف سنة عقيدة قائمة بذاتها، ولا أُعطى لها اهتمام كبير، لكن مدرسة الإسكندرية سرعان ما تنبهت لخطورة الأمر. وكأنها قد تطلعت بنظرة بعيدة المدى لترى ما نراه في أيامنا هذه كيف مثلت هذه العقيدة الخاطئة فكرًا خطيرًا رئيسيًا في بعض الطوائف مثل الأدفنتست. لهذا انبرى العلامة أوريجينوس في القرن الثاني وقاوم هذا الفكر، وتلاه البابا ديوناسيوس السكندري في القرن الثالث، وأدحض فكرة التفسير الحرفي لسفر الرؤيا. وقبل أن ينتهي القرن الرابع كاد هذا الفكر أن يزول تمامًا في كنيسة الإسكندرية. أما في الخارج فقد قام القديس أغسطينوس، بعدما أدرك خطأه، وأوضح خطورة التفسير الحرفي للألف سنة مُفندًا ذلك بقوة حجة لا تقاوم.

5. ما هو تعليم الكتاب المقدس والتقليد المقدس بخصوص المُلك الألفي Chiliasm Millenarism؟

أولاً: موقف القديس چيروم. أشار في تعليقه على إنجيل مت ١٩: ٢٩-٣٠ إلى التمييز بين حديث بعض الآباء عن المُلك الألفي وبين الذين سقطوا في التعليم الخاطئ لهذا الفكر. لقد قال: [بالنسبة للآباء الأولين الذين قبلوا هذا التعليم لم يبدِ أي منهم أدنى إشارة إلى الاستمرار في الإنجاب خلال الملك الألفي. وعلى العكس يرى كرينتورس Cerintorus الهرطوقي أن فترة الألفية تكون فترة مسرات مادية حيث يستمر الإنسان في الإنجاب[52].]

هنا يليق أن نتساءل: إن كانت الألفية هي لقاء مع السيد المسيح كملكٍ ينقذ الأبرار من الضيقة العظيمة، تبقى أسئلة كثيرة تمس خلاصنا بالمسيح المصلوب القائم من الأموات والصاعد إلى السماوات، من بينها الأسئلة التالية:

‌أ.    إذ قال السيد المسيح لبيلاطس بنطس إن مملكته ليست من هذا العالم (يو 18: 36)، فهل يعود ويملك مع المؤمنين على الأرض؟

‌ب. بماذا يجيبون عن قول الرسول بولس: "إن كنا نتألم معه لكي نتمجد أيضًا معه" (رو ٨: ١٧)، فهؤلاء الذين لا يتألمون في الألف سنة كيف يتمجدون مع الربّ أبديًا؟!

‌ج.  إن كان السيد المسيح سيملك على الأرض ويحفظ مؤمنيه، فلماذا قال إنه من أجل المختارين سيقصر أيام ضد المسيح حتى لا يضلوا (مر ١٣: ٢٠)؟

أشار القديس چيروم أكثر من خمسين مرة خطأ هذا التعليم، خاصة في تفسيره للأنبياء، وقام بمناقشته. في مناقشته لهذا التعليم غالبًا ما يربط بين اليهود المؤيدين لمملكة المسيَّا على الأرض وبين المنادين من المسيحيين لهذا التعليم.

ثانيًا: القديس أغسطينوس. يرى في كتابه "مدينة الله[53]" أن الفترة ما بين الخليقة ومجيء السيد المسيح حوالي ٦٠٠٠ سنة، ولما كانت الألف سنة عند الربّ كيومٍ واحدٍ (٢ بط ٣: ٨)، فهذه الفترة تشير إلى ستة أيام الخليقة، ومن قيامة المسيح إلى القيامة العامة تُحسب اليوم السابع، أو يوم الربّ. فالألف سنة هي فترة تذوق المؤمنين للقيامة في حياتهم الداخلية.

هكذا يرى القديس أغسطينوس أن حياة الأبرار على الأرض هي عربون الأبدية، إذ تتمتع نفوسهم بعذوبة القيامة. بهذا ينادي بأن الذين يرون في المُلك الألفي كمُلك على الأرض لا يقبلها أصحاب الفكر الروحي، بل أصحاب الفكر الجسداني المادي.

التفسير الثاني للمُلك الألفي عند القديس أغسطينوس أن السيد المسيح وعد أن من يترك كل شيءٍ يأخذ مئة ضعف (مت ١٩: ٢٩). فإن كان ما يملكه يُرمز له برقم ١٠ فإن ما يتركه ينال مئة ضعف ١٠x١٠٠ فالمحصلة هي الألف.

بهذا يرى القديس أغسطينوس أن رقم ١٠٠٠ يشير إلى المؤمنين الحقيقيين الذين يعيشون في عربون السماويات عبر كل الأجيال ينالون الوعد الإلهي، عبثًا يحاول الشيطان أن يتسلل إلى قلوبهم.

يرى القديس أغسطينوس أيضًا أن طرح إبليس وتقييده ألف سنة والختم عليه يشير أنه في خلال هذا الزمن حيث يختبر المؤمنون عربون السماء، ليس لإبليس سلطان على أولاد الله المجاهدين، أما الإغلاق عليه في الهاوية والختم عليه فيشير إلى أنه في خلال الألف سنة لا يستطيع أحد أن يعرف من الذين هم مع إبليس ومن هم مع المخلّص.

فإذا رأينا إنسانًا ساقطًا لا نحكم عليه لأنه قد يقدم توبة صادقة، وأيضًا قد نظن في إنسانٍ أنه بار وتنتهي حياته بالسقوط في الخطية. لكن الله يعلم الذين هم له (٢ تي 2: ١٩).

6. ما هي فكرة الألف سنة عند بعض الطوائف المعاصرة؟

ظهرت هذه الفكرة عند بعض الطوائف، وجعلت منها عقيدة أساسية، وبدأت تضع لها مواعيد محددة لمجيء المسيح ليملك ألف سنة على العالم. وهنا نجد اختلافًا للفكرة في الكتابات الأولى عما ورد في كتابات بعض المحدثين.

أ. في الكتابات الأولى جاءت عرضًا، وكان دافعها الرئيسي تأكيد أن اليهود غير المؤمنين بالرب يسوع قد اُنتزعت عنهم كل المواعيد، ويقول الشهيد يوستينوس: [إن كثيرين من المسيحيين المعتبرين لا يأخذون بهذا التعليم ولا يقرونه.]

ب. إن بعض الطوائف البروتستانتية نادت بهذه الفكرة على هذه الأسس.

أولاً: يأتي السيد المسيح ليملك على قديسيه[54] قبل أن يأتي "إنسان الخطية" وتحلّ الضيقة العظمى ولا تلحق بهم، ثم يعود فيظهر مرة أخرى ليبيد ضد المسيح.    

ثانيًا: إن إسرائيل ستؤمن بالسيد المسح ولكنها تبقى جسدًا متميزًا عن الكنيسة[55]، وإن أورشليم تتسع وتتزين وتصير مركزًا للشعب اليهودي الذي يحكم العالم.

ثالثا: إعادة بناء الهيكل وتقديم ذبائح حيوانية...

وإنني في هذا المجال لا أود الدخول في مناقشات لكنني أذكر ما ورد في كتابات بعض إخوتي البروتستانت يردون على هذه الأفكار:

أ. يرى ايردمان[56] أن هذه المبادئ التي تقوم عليها فكرة المُلك الألفي المادي تتناقض مع بعضها البعض وتبتعد عن روح الكتاب المقدس.

ب. يرى سمرز[57] صاحب كتاب "مستحق هو الخروف" أنه لا يليق أن تُبنى أنظمة شاملة تخص الأمور الأخيرة واللاهوت وفلسفة التاريخ على ثلاث آيات (رؤ 20: 4-6) بتفسير حرفي غير مستقر.

ج. H. Monod[58] يرفض التفسير الحرفي للملك الألفي معللاً ذلك بالآتي (بتصرف):

أولاً: أن التفسير الروحي والرمزي يتفقان مع اتجاه الأنبياء عامة وخاصة في سفر الرؤيا. فنجد فيها الكنيسة منارة والخدام كواكب فلا نقبلها بحرفيتها.

ثانيًا: لاحظ أيضًا أن القديس يوحنا يتحدث فقط عن (نفوس) [4] تنتعش وتملك مع المسيح، أي لم يقل "نفوس وأجساد".

ثالثًا: أن التفسير الحرفي لا يتفق مع النصوص الأخرى الواردة في الكتاب المقدس التي تتحدث عن القيامة العامة. فلم يحدثنا قط عن قيامة تحدث مرتين أو في فترتين مختلفتين. إنما يظهر بوضوح من (إش 12: 2، يو 5: 28، 1 تس 4: 16، 17) أن قيامة الأموات - بالنسبة للأبرار والأشرار - يتبعها فورًا الدينونة والحياة الأبديّة.

رابعًا: يستحيل أن نفهم كيف تهب العودة إلى الأرض سعادة للأبرار الذين ماتوا في الإيمان وقد اجتمعوا في الراحة التي لشعب الله؟! إن خطأ اليهود متمثل في رغبتهم أن يملك المسيا مُلكًا زمنيًا، ويختلف الألفيّون عنهم في ذلك.

خامسًا: لو أخذنا بالتفسير الحرفي، ماذا يكون حال الذي يولدون أثناء الحكم الألفي؟ حاليًا بالموت (جسديًا) يخلص المؤمنون: إذ يموتون في سلام تاركين التجارب والبؤس ليرحلوا إلى الرب، لكن هذا لا يحدث للمولودين في المُلك الألفي. أكمل حديثه قائلاً: كيف يحمل الصليب مع الرب يسوع المولودون أثناء المُلك الألفي، ما دام هو مُلك زمني مادي فيه يزوِّجون ويتزوَّجون؟ وكيف يسيرون في الطريق الضيق؟

سادسًا: هذا النص هو العبارة الوحيدة في الكتاب المقدس التي فيها يقال إن القيامة الأولى تكون قبل نهاية العالم، بينما عدد كثير من النبوات تتحدث عن القيامة دون أن تتحدث عن قيامة للأجساد بالصورة المادية الحرفية. أيهما أصح أن نفسر الكتاب كله وخاصة هذه النبوات على ضوء هذا النص الغامض، أم نشرح النص الغامض على ضوء نبوات الكتاب الكثيرة الواضحة؟

وأخيرًا يختتم حديثه معاتبًا الألفيّين الماديّين فيقول: "ليته يدرك ذلك العدد الضخم من النفوس في كنيسة أنفسهم أن هذا الملكوت المسيحي هو هكذا سلطان وهكذا لطيف وعذب ومجيد!"

ويخرج H. Monod بهذه النتيجة: [أن المسيح يسوع يستمر في أن يملك بأن يُجلس إنجيله على العرش الذي في داخل الإنسان الذي يقبل الإيمان المسيحي، عندئذ لا تكون الديانة المسيحية أداة للسياسة في يد الحكومات بل تكون تعبيرًا مخلصًا لطريقة الحياة.]

4. يرفض J. Gible [59] فكرة الملك الألفي الزمني، مُدحضًا فكرة قيامة الأجساد ليملكوا مُلكًا جسديًا منظورًا. كما يقول إن نفوس الشهداء حية وهي تمارس نوعًا من القيامة إذ يذوقون نوعًا من الراحة وحالة من السلطان والحيوية. وهم يمارسون نوعًا من المِلكيّة مع الرب قدر الآلام والأتعاب التي احتملوها في فترة جهادهم من أجل الرب. وأن قديسي الرب يسوع يملكون معه بطريقة مجيدة غير مادية تفوق إدراكنا الحالي. وهو يُسمي الألفيّون بالماديّين والمتشكّكين. كما يطالبنا أن يكون لنا رجاء محدد وليس رجاءً ماديًا في أمور باطلة. إنه أفضل للإنسان أن يطلب كل شيءٍ للمسيح ليربح المسيح ويوجد فيه لينتفع بالملكوت السماوي... عالمين أن الصليب هو طريق الإكليل... لا أن نطلب أمور مادية.

وأخيرًا يقول بأن عدم قبول المُلك الألفي الزمني يبعث في المؤمنين تعزية، حينما يخلعون خيمتهم الأرضية. إنهم يعرفون أن نفوسهم لا تنام في حالة من الظلمة بلا إحساس، بينما تكون أجسادهم في التراب، بل يكون الموت بالنسبة لهم ربحًا.

هذه بعض آراء لقليل من إخوتنا البرتستانت، إذ يهاجمون فكرة المُلك الألفي الزمني بعنفٍ.

7. ماذا يعني حلّ الشيطان في آخر الأزمنة؟

قيل: "ثم متى تمت الألف سنة، يُحل الشيطان من سجنه" (رؤ 20: 7).

أي متى جاء الزمان الذي فيه يأتي ضد المسيح الذي يُوهب له سلطان إبليس وقوته ليقوم ويخرب، حتى ولو أمكن أن يضل المختارين. لهذا يُقال إن الشيطان يُحل من الجحيم سجنه ليظهر عاملاً بقوة لم نرَ مثلها من قبل. يكمل سفر الرؤيا: "ويخرج ليضل الأمم الذين في أربع زوايا الأرض، جوج وماجوج ليجمعهم للحرب الذين عددهم مثل رمل البحر. فصعدوا على عرض الأرض، وأحاطوا بمعسكر القديسين وبالمدينة المحبوبة، فنزلت نار من عند الله من السماء وأكلتهم. وإبليس الذي كان يضلهم طُرح في بحيرة النار والكبريت، حيث الوحش والنبي الكذاب، وسيعذبون نهارًا وليلاً إلى أبد الآبدين" (رؤ 20: 8-10).

وهنا نجد تفسيرين لهذا النص:

التفسير الأول: أن قبائل معينة خاضعة لأحد الملوك العشرة التي تعاصر ضد المسيح يجتمعون بمدينة أورشليم لمقاتلة إيليا وأخنوخ والباقين من الكنيسة في أورشليم، ولكن الله يرسل نارًا ليحرقهم. ويرى البعض أن "جوج وماجوج" لا تعني قبائل معينة بل كل الشعوب المنحرفة التي يجتمع جنودها لمقاومة الكنيسة لكن الله يؤدبهم بنار سماوية. 

التفسير الثاني: يرى القديس أغسطينوس[60] أن الحرب هنا حرب روحية وليست مادية. يستخدم ضد المسيح وأنصاره "جوج وماجوج" كل طرق القسوة والعنف والخداع والتضليل للفتك بالقديسين لكي ينحرفوا عن الإيمان، لكن الله يسند الشاهدين الأمينين إيليا وأخنوخ بنار الروح القدس السماوية التي تحرق الأضاليل وتنزع الخوف وتسند الإيمان. بهذه النار يثبت المؤمنون في أيام الشاهدين، وبالأكثر بعد استشهادهما وقتل ضد المسيح، إذ يبكت الروح القدس كثيرين ممن انحرفوا وراء ضد المسيح، وقاوموا الكنيسة، لكي يتوبوا ويرجعوا عن شرهم. أما بالنسبة لإبليس فإن نهايته ستكون مع الوحش والنبي الكذاب إذ يُلقى الأشرار في البحيرة المتقدة بالنار.

8. ما هو المُلك الألفي؟ وما هو معناه الحقيقي؟

أشار سفر الرؤيا بأن ربنا يسوع سيحكم على الأرض لمدة ألف سنة (رؤ ٢٠: ١-١٥)، خلال هذه الفترة يُقيَّد الشيطان الذي دخل قبل ذلك في معركة ضد الكنيسة، وأنه هو وملائكته وأتباعه سيُهزمون في معركة هرمجدون. وقد سقط البعض في هذا الفكر إذ لم يميزوا بين ما ورد في سفر الرؤيا رمزيًا وبين تفسيره بطريقة مادية حرفية. قاوم هذا الفكر الخاطئ أوريجينوس[61] والقديس ديونيسيوس السكندري[62] وميثوديوس من أولمبيا[63] والقديس غريغوريوس النزينزي[64] القديس أبيفانيوس أسقف سلاميس[65]، والقديس چيروم[66] والقديس أغسطينوس[67].

هذا الاعتقاد يتبناه شهود يهوه إذ يعتقدون أن المسيح سيحكم ماديًا لمدة ألف سنة ويقيم مملكة أرضية. وهم يجحدون التعليم الخاص بالثالوث القدوس والأسرار الكنسية وتكريم القديسين.

يليق بنا ونحن ندرك أن سفر الرؤيا يحجب الأسرار الإلهية بالرموز، هذا يدعونا إلى الآتي:

أولاً: واضح أن مدة الألف سنة رمزية. يقول القديس بطرس: "ولكن لا يخفِ عليكم هذا الشيء الواحد أيها الأحباء أن يومًا واحدًا عند الربّ كألف سنةٍ وألف سنة كيومٍ واحدٍ" (٢ بط ٣: ٨). الألفية الكتابية تشير إلى نُصرة الكنيسة وتحقيق الرسالة الإنجيلية على كل الأرض، وهي نبوة عن تحقيق مُلك الله على القلوب حيث يُقيد إبليس ويضعف للغاية أمام قبول الإيمان الحقيقي، واستنارة كل الأمم بالإنجيل في آخر الأزمنة.

ثانيًا: هذه الألفية سيحطمها إبليس إذ تُفك قيوده إلى حين في زمن ضد المسيح، غير أن السيد المسيح في مجيئه الثاني سيدين إبليس وملائكته الأشرار وخدامه. بعد الدينونة الأخيرة سيتمتع المؤمنون بملكوت الله الكلي التطويب، بينما يُطرد غير المؤمنين الذين أصرّوا على عدم التوبة.

ثالثًا: حين اتهم الوالي بيلاطس السيد المسيح أنه أقام نفسه ملكًا، لم ينكر السيد أنه ملك، ولكنه قال له: "مملكتي ليست من هذا العالم" (يو ٨: ٢٦)، فهل سيتراجع ملك الملوك ورب الأرباب (رؤ ١٩: ١٦) ليقيم نفسه ملكًا في مملكة أرضية؟

رابعًا: يحذرنا سفر الرؤيا من الانحراف عما ورد فيه. "لأني أشهد لكل من يسمع أقوال نبوة هذا الكتاب: إن كان أحد يزيد على هذا، يزيد الله عليه الضربات المكتوبة في هذا الكتاب. وإن كان أحد يحذف من أقوال كتاب هذه النبوة، يحذف الله نصيبه من سفر الحياة، ومن المدينة المقدسة، ومن المكتوب في هذا الكتاب. يقول الشاهد بهذا: "نعم! أنا آتي سريعا". آمين. تعال أيها الرب يسوع. نعمة ربنا يسوع المسيح مع جميعكم. آمين" (رؤ ٢٢: ١٨-٢١).


 

4. المجيئان والاختطاف

كان مجيء السيد المسيح القادم والأخير يشغل ذهن الكنيسة الأولى في تمتعها بكلمة الله وفي عبادتها وفي إرشاداتها. بكون هذا الحدث القادم هو بلوغ بالتاريخ البشري إلى قمته، حيث يظهر السيد المسيح على السحاب، ويحمل كنيسته التي تضم جميع المؤمنين من آدم إلى آخر الدهور إلى حضن الآب، للتمتع بشركة الأمجاد الأبدية. إنه يوم الرب العظيم كما يدعوه الكتاب المقدس حيث تنفتح عيون السمائيين والأرضيين لاكتشاف قمة الحب الإلهي الفائق المُقدم للبشرية المقدسة، والتي تدخل في شركة مع السمائيين على مستوى فائق أبدي، ويتهلل السمائيون والأرضيون بهذا الحب الإلهي الذي يوحِّد الجميع معًا[68].

لسنا نكرز بمجيء واحد للسيد المسيح بل بمجيئين؛ المجيء الأول إذ جاء كلمة الله متجسدًا ليقدم لنا الخلاص المجاني بالصليب، والمجيء الثاني والأخير فيه يكون السيد المسيح بمجدٍ أعظم من الأول. المجيء الأول أظهر حبه وصبره وطول أناته على البشرية كلها. والثاني يُحضر معه إكليل مملكته الإلهية.

1. ماذا يقول الكتاب المقدس والتسليم الكنسي عن المجيئين؟

كتب القديس كيرلس الأورشليمي عن المجيء الثاني للسيد المسيح:

["كنت أرى أنه وُضعت عروش، وجلس القديم الأيام، ثم "كنت أرى في رؤى الليل، وإذا مع سحب السماء مثل ابن إنسان آتى..." (دا 7: 9، 13).

لسنا نكرز بمجيء واحد للمسيح بل وبمجيء آخر فيه يكون ممجدًا جدًا أعظم من الأول. المجيء الأول أظهر صبره، والثاني فيحضر معه إكليل مملكته الإلهية. لأن تقريبًا كل شيءٍ في ربنا يسوع المسيح يحمل جانبين: فله نسب مزدوج، مولود من الله قبل كل الدهور، ومولود من العذراء في ملء الدهر. ونزوله مزدوج، واحد يأتي فيه مختفيًا، "مثل المطر على الجزاز" (مز 72: 6)، والآخر مجيء واحد مُنتظر.

في المجيء الأول كان الحضور الملائكي جزئيًا، إذ ظهر فقط "جمهور من الجند السماوي" (لو 2: 13). أما في المجيء الثاني، فسيكون الحضور أكمل وأشمل لأن الرب سيأتي وجميع الملائكة القديسين معه، كما يقول متى البشير (مت 25: 31).

في مجيئه الأول كان ملفوفًا بقماطات في المذود، وفي ظهوره الثاني يظهر "اللابس النور كثوبٍ" (مز 104: 2). في مجيئه الأول "احتمل الصليب مستهينًا بالخزي" (عب 12: 2)، وفي الثاني تحوطه جيوش الملائكة ممجدًا[69].

فنحن لا نستند على مجيئه الأول فحسب، وإنما ننتظر مجيئه الثاني أيضًا. وكما قلنا في مجيئه الأول: "مبارك الآتي باسم الرب" (مت 21: 9؛ 23: 39). سنردد أيضًا هذا في مجيئه الثاني، فإذ نتقابل مع سيدنا وملائكته، نتعبد له قائلين: "مبارك الآتي باسم الرب".

سيأتي لا ليُحكم عليه، بل ليدين من حاكموه. ذاك الذي صمت أثناء محاكمته يقول للأشرار الذي فعلوا معه هذه الجسارة: هذه الأشياء صنعتم وسكتُّ (مز 50: 21).

إذن، قد جاء بتدبير إلهي معلمًا الناس بالإقناع، أما هذه المرة بالضرورة يقبلونه ملكًا حتى الذين لا يريدون!

بخصوص هذين المجيئين يقول ملاخي النبي: "ويأتي بغتة إلى هيكله السيد الذي تطلبونه" (ملا 3: 1)، هذا هو المجيء الأول. أما عن مجيئه الثاني، فيقول: "وملاك العهد الذي تسرون به. هوذا يأتي قال (رب الجنود القادر على كل شيءٍ)، ومن يحتمل يوم مجيئه؟! ومن يثبت عند ظهوره؟! لأنه مثل نار الممحص، ومثل أشنان القصار، فيجلس ممحصًا ومنقيًا". بعد هذا يقول المخلص نفسه: "واقترب إليكم للحكم، وأكون شاهدًا سريعًا على السحرة وعلى الفاسقين وعلى الحالفين زورًا..." (ملا 3: 5)

لهذا السبب يحذرنا بولس الرسول قائلاً: "إن كان أحد يبني على هذا الأساس ذهبًا، فضة، حجارة كريمة، خشبًا، عشبًا، قشًا، فعمل كل واحدٍ سيصير ظاهرًا، لأن اليوم سيبينه، لأنه بنار يُستعلن" (1 كو 3: 12-13).

عرف بولس المجيئين حين كتب إلى تيطس قائلاً: "ظهرت نعمة الله المخلصة لجميع الناس، معلمة إيانا أن ننكر الفجور والشهوات العالمية، ونعيش بالتعقل والبرّ والتقوى في العالم الحاضر منتظرين الرجاء المبارك، وظهور مجد الله العظيم ومخلصنا يسوع المسيح" (تى 2: 11-14). ها أنتم ترون كيف يتحدث عن المجيء الأول الذي من أجله يُقدم تشكرات، وعن الثاني الذي نطلبه وننتظره. هكذا أعلن بولس نفس الإيمان الذي نعلنه، فنحن نؤمن بالذي صعد إلى السماوات وجلس عن يمين الآب، وأيضًا يأتي في مجده ليدين الأحياء والأموات الذي ليس لملكه انقضاء...

مجيء السيد المسيح الأول لخلاص العالم غيَّر نظرتنا نحو مجيئه أو يوم الرب، أو يوم الدينونة، فقد صار بالنسبة لنا يوم العرس الأبدي المفرح! لم يعد يوم مجيئه مرعبًا، بل صار شهوة قلوبنا التي طالما تترقبه بفرحٍ وتهليلٍ.

من التداريب الرئيسية في حياة آباء البرية كما في حياة الجادين في خلاصهم هو تذكرهم ليوم مجيء الرب الأخير، ليس خوفًا من الدينونة، وإنما بالأكثر استعدادًا للتمتع بالأمجاد الأبدية، والتمتع بالأحضان الإلهية.

يقول الشهيد كبريانوس: [يا له من يوم عظيم ذاك الذي يعطينا فيه السيد مكافأة الإيمان والإخلاص! كيف سيكون المجد؟ وكم يكون فرح الدخول إلى حضرة الله عظيمًا. أن نتشرف بقبول الفرح الذي للنور الأبدي والخلاص في حضرة المسيح الرب إلهنا! إننا نتقابل مع إبراهيم وإسحق ويعقوب وكل البطاركة والرسل والأنبياء والشهداء. في بهجة الخلود الذي سيُمنح لنا نقبل هناك ما لم تره عين، ولم تسمع به أذن، ولم يخطر على قلب بشرٍ[70].]

يقول القدِّيس كيرلس الكبير: [يليق بنا أن نتطلع إلى مجيء المسيح الثاني من السماء، فإنه سيأتي في مجد الآب مع الملائكة القدِّيسين... سيأتي المسيح كما من وليمة، لهذا يظهر بوضوح أن الله يسكن كما في أعياد (عُرس)، الأمر الذي يليق به. فإنه لا يوجد حزن قط في الأعالي، إذ لا يوجد قط شيء يُحزن الطبيعة التي فوق الأهواء والتي لا تتأثر بها قط[71].]

بمجيء السيد المسيح الثاني على السحاب يحتضنا عروسًا سماوية من صنع يديه، نشاركه المجد الأبدي. يقول القدِّيس كيرلس الكبير: ["ويصعدون من الأرض" (هو 1: 11)، بمعنى أنهم يحيون حياة القدِّيسين حسنًا، "لأن يوم يزرعيل عظيم". بالحقيقة عظيم هو يوم المسيح، عندما يقيم كل الأموات إلى الحياة. حقًا ينزل من السماء، ويجلس على عرشه المجيد "ويجازي كل واحدٍ حسب أعماله" (مت 16: 27). لذلك إن أراد أحد أن يفهم "اليوم" أنه وقت الافتقاد - عندما تُمنح مغفرة الخطايا بواسطة المسيح لليونانيين واليهود والذين أخطأوا ضده - فإن هذا ليس فيه انحراف. فإن داود أشار إلى وقت مجيء مخلصنا بالقول: "هذا هو اليوم الذي صنعه الرب، فلنبتهج ونفرح فيه" (مز 118: 24)[72].]

2. ما هو موقف إبليس من المجيء الثاني للسيد المسيح؟

يدرك إبليس عجزه عن مقاومة السيد المسيح في مجيئه الثاني، فيبذل كل الجهد في خداع البشرية حتى يضلوا ويحسبوا أضداد المسيح أنهم المسيح القادم أو أتباعه. لهذا قيل:

"أيها الأولاد، هي الساعة الأخيرة. وكما سمعتم أن ضد المسيح يأتي، قد صار الآن أضداد للمسيح كثيرون، من هنا نعلم أنها الساعة الأخيرة (1 يو 2: 18).

"حينئذ إن قال لكم أحد هوذا المسيح هنا أو هناك، فلا تصدقوا" (مت 24: 23).

يقول الرسول: "هي الساعة الأخيرة". في كل جيل يشعر المؤمنون إنها الساعة الأخيرة، فيستعدون لمجيئه ويحذرون من خداع إبليس. في كل يومٍ يقول المؤمن إنها اللحظات الأخيرة للمعركة بين اللَّه والشيطان. يمد اللَّه أولاده بذاته ليعطيهم النصرة، والشيطان أيضًا إذ يرى أيامه قد اقتربت يصارع باثًا روحه في أضداد المسيح لكي يفسدوا إيمان أولاد اللَّه وحياتهم.

أولاد اللَّه يحبون أباهم السماوي، مستتفهين الحياة الزمنية. يرون أيام غربتهم مهما امتدت هي "ساعة أخيرة" تنتهي حتمًا، ليحيوا في الفردوس، إلى أن يُكللوا في الأبدية. بهذا يطَّمئن الرسول أولاده ألا يخافوا من المقاومين لهم.

3. ما هو موقف المؤمنين من إبليس المقاوم للسيد المسيح ليشوه مجيئه الثاني؟

إذ تحدث الرسول يوحنا عن إبليس ومقاومته للسيد المسيح حتى في مجيئه الثاني يدعو المؤمنين الثبات في الإيمان بالله والاعتزاز ببنوتهم له، قائلاً: "وأما أنتم فما سمعتموه من البدء، فليثبت إذا فيكم.

إن ثبت فيكم ما سمعتموه من البدء، فأنتم أيضًا تثبتون في الابن وفي الآب. وهذا الوعد الذي وعدنا هو به، الحياة الأبدية. "كتبت إليكم هذا عن الذين يضلونكم. وأما أنتم فالمسحة التي أخذتموها منه ثابتة فيكم، ولا حاجة بكم إلى أن يعلمكم أحد، كما تعلمكم هذه المسحة عينها عن كل شيء. والآن أيها الأولاد اثبتوا فيه، حتى إذا أظهر يكون لنا ثقة، ولا نخجل منه في مجيئه. "إن علمتم أنه بار هو، فاعلموا أن كل من يصنع البرّ مولود منه" (1 يو 2: 24-29).

غاية كتابته هنا توجيه أنظار المؤمنين حتى لا يضلهم المبتدعون بأساليبهم المخادعة، كما يود أن يثبتهم في كلامه بالمسحة الثابتة فيهم.

أ. يصير لهم رجاء وشوق نحو مجيئه، كعروس تنتظر عريسها، لتعيش في حضنه، وتراه وجهًا لوجه في الأبدية. لنترنم مع القديس مار يعقوب السروجي، قائلين:

[ربي، ليهبّ عليّ روح الحياة من وحيك، وليرشدني لأُعد الميمر العجيب على مجيئك.

يوم الدين يوقظ فيَّ ألحانه بألمٍ عظيمٍ، لأكرز للأرض عن القيامة، قائلاً: ها هي قد حلّتَ...

يا ابن الله أنت كلك فائدة، أعطني لأفيد من يسمعني بواسطتك.

مَن يرى الشمس العظمى، ولا يستنير بها؟ أو مَن يجد كنزًا مملوءً ولا يغتني به؟

أو مَن يأكل خبزك الحيَ ولا يشبع؟ أو مَن يشرب كأسك المحيي ولا يرتوي؟

مَن يركع ويشرب منك يا ابن الله، ويقدر أن يُبعد فمه عن ينبوعك؟

كلماتك أحلى من شهد العسل، وأي خبر يحلِّي الفم إلا خبرك؟

العالم مرّ وكل كلماته مليئة موتًا، تقيأت الحية فيه ولا يحلو إلا بك.

خبرك يزيل الأخبار غير الحسنة، لأن كلمتك نور تطرد ظلال العالم.

ليترك كل إنسان الأخبار العالمية، وليسمع كلمتك فقط لأنها مفيدة[73].]

ب. بالنسبة المؤمنين الذين لم ينشقوا عن الكنيسة، فليثبتوا فيما سمعوه من البدء وتسلموه جيلاً بعد جيل. وبثباتهم في الإيمان المستقيم والحياة يثبتون في الابن وفي الآب، متطلعين إلى الوعد الذي يشتهونه، أي "الحياة الأبدية".

ج. يليق بنا نحن المؤمنين؛ ففينا مسحة القدوس ثابتة، ولسنا محتاجين إلى تعاليم غريبة جديدة تلك الذي بلغت أحيانًا ما يقرب من ٦٠٠ طائفة جديدة. أما نحن فلنثبت على ما سلمه لنا الروح القدس، روح الحق الذي ليس فيه خداع "وهي حق وليست كذبًا"، حيث يختفي جميع المعلمين فلا يخدموا من عندهم، بل في المعلم الواحد وهو المسيح (مت 23: 10). إذًا لنثبت في هذا التعليم.

د. إذ يثبت محبو اللَّه في كلامه بالمسحة الثابتة فيهم عندئذ يعلمون أنه بار وكأولاد له لا يقبلوا إلاَ أن يكونوا على مثال أبيهم، يطيعون وصاياه ويجاهدون مثابرين لعمل البرّ بقوة المسحة المقدسة التي تعمل فيهم، فينالون برّ المسيح.

4. كيف يهيئ ضد المسيح Antichrist الجو كي يقبله البشر؟ وما هي علامات مجيئه؟

من هو ضد المسيح؟ هو خصم المسيح، الذي يجاهد أن يمحو المسيحية، لكن بدلاً من أن يصنع هذا يبلغ إلى نهاية مرعبة. "وحينئذٍ سيستعلن الأثيم الذي يبيده الربّ بنفخة فمه ويبطله بظهور مجيئه" (٢ تس ٢: ٨). عمل عدو الخير هو بث روح الكراهية بين الإخوة حتى يُفسح الطريق لمجيء ضد المسيح، لأن الشيطان يصنع الانقسام بين الناس حتى يقبلوا المزمع أن يأتي. أما الله فمنع أي خادم من خدام المسيح أن يذهب إلى هنا أو هناك نحو العدو.

وإذ يكتب الرسول بولس في هذا الأمر يعطى علامة واضحة لمجيء ضد المسيح، فيقول: "لأنه لا يأتي (هذا اليوم) إن لم يأتِ الارتداد أولاً ويُستعلن إنسان الخطية ابن الهلاك، المقاوم والمرتفع على كل ما يُدعى إلهًا أو معبودًا، حتى إنه يجلس في هيكل الله كإله، مظهرًا نفسه أنه إله. أما تذكرون إني وأنا بعد عندكم كنت أقول لكم هذا؟ والآن تعلمون ما يحجز حتى يُستعلن في وقته، لأن سرّ الإثم الآن يعمل فقط إلى أن يُرفع من الوسط الذي يحجزُ الآن، وحينئذ سيُستعلن الأثيم الذي الرب يبيده بنفخة فمه، ويُبطله بظهور مجيئه. الذي مجيئه بعمل الشيطان، بكل قوةٍ، وبآيات وعجائب كاذبة وبكل خديعة الإثم في الهالكين" (2 تس 2: 3-10). هكذا كتب بولس، وقد تم الارتداد[74]، إذ ارتد الناس عن الإيمان المستقيم، فالبعض يتجاسر ويقول إن المسيح أُوجد من العدم. قبلاً كان الهراطقة ظاهرين، أما الآن فالكنيسة مملوءة هراطقة مستترين، إذ ضل الناس عن الحق، وصموا آذانهم (2 تي 4: 3).

هل يوجد مقال مملوء بالمظاهر الكاذبة؟! الكل ينصتون إليه بفرح! هل توجد كلمة للإصلاح؟ الكل يتحولون عنها! تحول الغالبية عن الكلمات الصحيحة، واختاروا الكلمة الشريرة عوض الصالحة. هذا هو الارتداد، والعدو يتطلع إليه. فقد أرسل جزئيًا رواده حتى يأتي وينقض على الفريسة.

اهتم بنفسك يا إنسان، ولتكن نفسك في أمان. الكنيسة تُحملك المسئولية أمام الله الحي، فهي تخبرك عما يخص ضد المسيح قبل أن يأتي. وإننا لا نعلم إن كان يأتي في أيامكم أو بعدكم، لكن يليق بكم إذ تعرفون هذه الأمور أن تحترسوا[75].]

5. ما هي العلامات التي تسبق المجيء الثاني ليسوع المسيح؟

لا يعرف أحد موعد المجيء الثاني للسيد المسيح، غير أنه ستوجد أحداث تُعد الطريق لمجيئه، سبق فأعلن عنها الربّ قبل آلامه بوقتٍ قصيرٍ، وهي:

أولاً: بحسب تعاليم ربنا ومخلّصنا يسوع المسيح ابن الله: "سوف تسمعون بحروب وأخبار حروب. انظروا، لا ترتاعوا. لأنه لا بد أن تكون هذه كلها، ولكن ليس المنتهى بعد. لأنه تقوم أمة على أمة ومملكة على مملكة، وتكون مجاعات وأوبئة وزلازل في أماكن. ولكن هذه كلها مبتدأ الأوجاع. حينئذ يسلمونكم إلى ضيق ويقتلونكم، وتكونون مبغضين من جميع الأمم لأجل اسمي. وحينئذ يعثر كثيرون ويسلمون بعضهم بعضا ويبغضون بعضهم بعضًا (مت 24: 6-10).

ثانيًا: البشارة بالأناجيل المقدسة في العالم كله (مت ٢٤: ١٤).

ثالثًا: إذ يدخل ملء الأمم ثم يخلص جميع إسرائيل (رو ١١: ٢٥: ٢٦)، إذ يؤمنون بالإنجيل، ويعرفون أن يسوع هو المسيَّا الحقيقي، المخلّص. إنهم سيدركون أن مجيء إيليا ليُعد الطريق للمسيح قد تحقق فعلاً بمجيء النبي يوحنا المعمدان الذي جاء بروح إيليا (لو ١: ١٧).

رابعًا: سيحدث الارتداد العظيم قبل المجيء الثاني للمسيح، وسيخدع الأنبياء الكذبة الكثيرين (مت ٢٤: ٥). ولكثرة الإثم تبرد محبة الكثيرين. ولكن الذي يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص. ويُكرز ببشارة الملكوت هذه في كل المسكونة شهادة لجميع الأمم. ثم يأتي المنتهى" (مت ٢٤: ٦-١٤). هذا مع انشغال الكثيرين بشهوات العالم (لو ١٧: ٢٦-٣٠)، وسيجدفون على الله إله السماء بسبب الآلام التي تحلّ عليهم ولا يقدمون توبة عن أعمالهم (رؤ ١٦: ١١).

تزايد الخطية يخلق بؤسًا عظيمًا يصحبه قلقًا ويأسًا. هذا وصفه الربّ قائلاً: "وتكون علامات في الشمس والقمر والنجوم. والبحر والأمواج تضج، والناس يُغشى عليهم من خوف وانتظار ما يأتي على المسكونة، لأن قوات السماوات تتزعزع. وحينئذ يبصرون ابن الإنسان آتيا في سحابة بقوةٍ ومجدٍ كثير. ومتى ابتدأت هذه تكون، فانتصبوا وارفعوا رؤوسكم لأن نجاتكم تقترب" (لو ٢١: ٢٥-٢٨). هكذا تتحقق نبوة الرسول بولس، حيث لا يأتي يوم الربّ، ما لم يأتِ الارتداد أولاً، ويستعلن إنسان الخطية، ابن الهلاك، المقاوم والمرتفع على كل ما يُدعى إلهًا أو معبودًا، حتى أنه يجلس في هيكل الله كإله، مظهرا نفسه أنه إله" (٢ تس ٢: ٣-٤).

خامسًا: قمة الارتداد، البؤس والحيرة يصدران عن ضد المسيح. جاء في الديداكية: [ففي الأيام الأخيرة يكثر الأنبياء الكذبة والمفسدون، وتتحول النعاج إلى ذئاب" (مت ٧: ١٥)، والمحبة إلى كراهية (مت ٢٤: ١٢). إذ يزداد الإثم يكره الناس بعضهم بعضًا، ويضطهدون بعضهم بعضًا (مت ٢٤: ٨-٩)، عندئذ يظهر مضلل العالم كابن الله (٢ تس ٢: ٤). ويصنع آيات وعجائب (مت ٢٤: ٢٤) وتصبح الأرض في قبضة يديه، ويرتكب آثامًا لم يحدث مثلها منذ البدء. عندئذ تدخل الخليقة نار الاختبار، ويتعثر كثيرون ويهلكون، أما الذين يثبتون في إيمانهم فيخلصون من اللعنة" (مت ٢٤: 8-13)[76].] ويقول القديس يوحنا الإنجيلي واصفًا ضد المسيح: "كل روح لا يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء في الجسد" (١ يو ٤: ٣)، "لأن أنبياء كذبة كثيرين قد خرجوا إلى العالم" (١ يو ٤: ١).

يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [في البداية يلبس مظهر اللطف الحقيقي والتعقل والحنو، وبالعلامات الكاذبة والعجائب السحرية المخادعة يخدع اليهود كما لو كان المسيح المنتظر. بعد هذا يُظهِر كل أنواع الجرائم الوحشية والشرور، فيفوق كل الأشرار والملحدين الذين سبقوه، مستخدمًا روح قتالٍ قاسٍ جدًا ضد كل البشرية خاصة المسيحيين، فيكون بلا رحمة مملوءً غشًا. وبعد ثلاثة سنوات وستة أشهر فقط تتحطم هذه الجرائم بالظهور المجيد لابن الله الوحيد ربنا ومخلّصنا يسوع المسيح الحقيقي من السماء، حيث يسحق ضد المسيح بفمه، ويلقيه في نار جهنم[77].]

6. هل يحدث اختطاف للمؤمنين قبل مجيء ضد المسيح؟

اعتمد البعض على قول الرسول: "لأن الرب نفسه بهتافٍ بصوت رئيس ملائكة وبوق الله سوف ينزل من السماء والأموات في المسيح سيقومون أولاً. ثم نحن الأحياء الباقين سنخطف جميعا معهم في السحب لملاقاة الرب في الهواء وهكذا نكون كل حين مع الرب" (1 تس 4: 16-17). هذا يدعونا إلى التعرف على أصل الكلمة المترجمة "سنُخطف" في 1 تس 4: 17 وتطورها.

7. ما هو أصل الكلمة المترجمة "سنُخطف" في 1 تس 4: 17 وتطورها؟[78]

الاختطاف rapture مقتبسة من الكلمة الفرنسية rapture وهي من أصل لاتيني في العصر الوسيط rapture (أي القبض على شخص أو ممتلكات بسرعة)، مقتبسة من اللغة اللاتينية raptus (أي يأخذه بعنفٍ carrying off). الكلمة اليونانية باللغة القديمة Koine في 1 تس 4: 17: يحمل الفعل معنى "نُحمل إلى فوق مع فهم أنه يتم بسرعة فائقة." وقد أُستخدمت نفس الكلمة اليونانية في أع 8: 39؛ 2 كو 12: 2-4؛ رؤ 12:5 ولم تترجم يُخطف.

أما في الترجمة اللاتينية، أي الفولجاتا فتٌرجمت نُحمل أو نُؤخذ catch up, take away.

8. ماذا تعني فكرة الاختطاف التي اعتنقها John Darby في بداية القرن التاسع عشر؟

لدراسة هذه الفكرة التي نادى بها جون داربي يليق يليق بنا أن نتساءل:

‌أ. لماذا لم تُشر إليها الكنيسة في كتابات الآباء أو الليتورچيات أو التفاسير كعقيدة كنسية طوال المدة منذ القرن الأول حتى آخر القرن الثامن عشر؟

‌ب. لماذا استخدم الرسول بولس هذه الكلمة في حديثه عن القيامة من الأموات في تسالونيكي الأولى (آية ١٧) بينما لم يذكرها في كورنثوس الأولى التي خصَصَت أصحاحًا كاملاً في الحديث عن القيامة من الأموات (الأصحاح ١٥)؟

‌ج. لماذا لم ترد هذه الكلمة في أي موضع آخر في العهدين القديم والجديد بخصوص النبوات عن مجيء المسيح الثاني أو علامات مجيئه الثاني؟

‌د. لماذا لم يقبلها بعض طوائف الإنجيليين؟

‌ه. كيف صوَّر الفيلم الخاص بالاختطاف؟ وأنه إذ اُختطف سائق مركبة أو سفينة أو طائرة لأنه تقي وبار تحدث كوارث مُفجعة، فهل يتفق هذا مع التدبير الإلهي الذي لا يعرف التشويش بل يتسم بالاهتمام بسير الأمور في لياقةٍ وتدبيرٍ حسنٍ؟

‌و. هل يُختطف المؤمنون إلى السحاب قبل حدوث الضيقة العظيمة لكي يحفظ كنيسته بينما يرى الرسل أن الضيق عطية كي نتألم ونُصلب مع المسيح فنقوم معه؟

‌ز. هل أشار الكتاب المقدس إلى مجيء الكلمة الإلهي متجسدًا من أجل تحقيق الخلاص، ثم يأتي مرة أخرى لاختطاف كنيسته حتى ينقذها من الضيقة العظيمة، وبعد ذلك يأتي للمرة الثالثة لأجل الدينونة العامة؟

سنعود إلى الإجابة على هذه الأسئلة لندرك أن ما ورد في 1 تس 4: 17 لم يكن في ذهن الرسول ما نادى به جون داربي.

9. ما هو مفهوم الاختطاف؟

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إن قول الرسول: "نحن الأحياء الباقين" لا يقصد بها الرسول نفسه والجيل المعاصر له، وإنما قصد المؤمنين الذين يبقون حتى يوم مجيئه[79]. أما قوله "نحن" فعلامة الوحدة في الكنيسة، ما يتحقق مع أولاده الذين يكونون أحياء في ذلك الحين يحسبه الرسول كأنه يتحقق معه.

يتساءل القديس يوحنا الذهبي الفم: [إن كان (السيد) نازلاً، فلماذا نُختطف نحن إلى فوق (في السحب)؟ من أجل الكرامة! فإنه عندما يدخل ملك مدينة ما يخرج إليه أصحاب الكرامة لملاقاته، أما المدانون فيبقون في الداخل ينتظرون القاضي. عند مجيء أب حنون يأخذ أولاده الحقيقيين ومن هم مستحقون أن يكونوا كأولاد في مركبة ليخرجوا وينظروه ويقبلونه، أما الخدم المخطئون فيبقون في الداخل، هكذا نُحمل نحن في مركبة أبينا (السحب): فقد أُخد هو في السحابة (أع ١: ٩) ونحن أيضًا نختطف في السحب. أنظروا أية كرامة هذه! إنه ينزل إلينا فنصعد نحن لملاقاته! ما أعظمها غبطة أن نكون نحن معه![80]]

يرى القديس غريغوريوس أسقف نيصص أن اختطاف المؤمنين على السحاب لكي يلتقوا بالسيد القادم إليهم ويكونوا معه إلى الأبد، إنما هو علامة التغيير الذي يتم في أجسادنا، فتتحول من الفساد الذي كان يمثل ثقلاً يجتذبها إلى الأرض إلى عدم الفساد، فترتفع خفيفة منطلقة إلى السحب لملاقاة الرب. إنه يقول: [عندما يُسمع بوق القيامة الذي ييقظ الأموات، ويحوَّل الذين هم أحياء إلى شكل الذين تمتعوا بالتغيير الخاص بالقيامة أي إلى عدم الفساد، فلا يعود يكون وزن الجسد ثقيلاً ينزل بهم إلى الأرض، إنما يرتفعون إلى أعلى في الهواء كقول الرسول[81].]

10. هل ميعاد مجيئه معروف؟

مجيء ربنا ومخلّصنا يسوع حدث أكيد، أما موعد مجيئه فيبقى غير معروف. كثيرًا ما سأله تلاميذه عن موعده، فقال: "ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطانه" (أع ١: ٧).

السيد المسيح كإنسانٍ كامل يجهله، إذ يقول: "وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا ملائكة السماوات إلاَّ أبي وحده" (مت ٢٤: ٣٦). ويرى البعض أن الابن كديان للبشرية يعرف اليوم لكن كالمدرس الذي يضع الامتحان وليس من اللائق به أن يعلن عن الأسئلة لتلاميذه.

قدم القديس بولس حقيقة مجيء المسيح، قائلاً: "لأنكم أنتم تعلمون بالتحقيق أن يوم الربّ كلصٍ في الليل هكذا يجيء" (١ تس ٥: ٢). واستخدم القديس بطرس هذا المثال، قائلاً: "ولكن سيأتي كلصٍ (في الليل) يوم الربّ الذي فيه تزول السماوات بضجيجٍ وتنحل العناصر محترقة وتحترق الأرض والمصنوعات التي فيها" (٢ بط ٣: ١٠).

قارن السيد المسيح نفسه بين يوم مجيئه الثاني وأيام نوح، قائلاً: "وكما كانت أيام نوح كذلك يكون أيضًا مجيء ابن الإنسان، لأنه كما كانوا في الأيام التي قبل الطوفان يأكلون ويشربون ويتزوجون ويزوّجون إلى اليوم الذي دخل فيه نوح الفلك، ولم يعلموا حتى جاء الطوفان وأخذ الجميع، كذلك يكون أيضًا مجيء ابن الإنسان" (مت ٢٤: ٣٦-٣٩). بحسب قول ربنا والتلاميذ لا يجوز لنا أن نسأل عن موعد المجيء الثاني، بل بالحريّ نسهر ونستعد لاستقبال السيد.

11. ما هو موقف النفس بعد انطلاقها من الجسد إلى يوم مجيء الربّ الأخير؟

يقدم الإيمان الحيّ العامل بالمحبة عربون السماء للمؤمن، فيحيا بروح الرجاء مشتاقًا أن يلتقي بالسيد المسيح وجهًا لوجه. هذا لا يعفيه من موت الجسد بانفصال النفس عنها، فتنطلق النفس وتتمتع بما هو امتداد لحياتها في المسيح يسوع. ويتساءل البعض: هل تُدان النفس فورًا أم تنتظر يوم الدينونة العام؟ يرى البعض أن النفس التي تمتعت بنعمة الله في حياتها على الأرض تدخل في دينونة جزئية فتتمتع بالفردوس مع القديسين وترى الربّ وملائكته إلى يوم مجيء الربّ، فتتمتع بالمجد بصورة كاملة.

وأيضًا النفس الشريرة الجاحدة للربّ تسقط في مرارة وحرمان من رؤية الربّ في مجده، ولا تشارك السمائيين تسبيحهم لله، إلى يوم الربّ حيث تُطرد إلى جهنم مع إبليس وملائكته[82].

البعض يميز بين الفردوس والحياة الأبدية، حيث يرون أن الفردوس فترة ما بين موتنا الجسدي ويوم الدينونة العامة، والحياة الأبدية هي تمتعنا بكمال الميراث الأبدي. ويميزون أيضًا بين الجحيم وجهنم بكون الجحيم هو الفترة الأولى المُرّة بسبب الحرمان من الربّ وملائكته، والثانية هي نيران جهنم والعذاب الأبدي. هذا وقد تحدث الربّ في الموعظة على الجبل عن الحياة الأبدية المُعدّة للمؤمنين وجهنم المُعدّة لإبليس وملائكته.

12. ماذا يقول الكتاب المقدس عن يوم الدينونة؟

"فإنه تأتي ساعة فيها يسمع جميع الذين في القبور صوته، فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة، والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة" (يو ٥: ٢٨-٢٩).

13. ماذا يقول الكتاب المقدس عن ملكوته الذي بلا نهاية؟

"هذا يكون عظيمًا وابن العليّ يُدعى، ويعطيه الربّ الإله كرسي داود أبيه، ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه نهاية" (لو ١: ٣٢-٣٣).

14. هل سيأتي الربّ سريعًا؟        

يقول الإنجيلي: "هي الساعة الأخيرة" (١ يو ٢: ١٨)، لأنه مهما طالت المدة تُحسب كساعة أخيرة بالنسبة للأبدية. إنه يريدنا أن نكون دومًا مستعدين لمجيئه. يقول الرسول: "لا يتباطأ الربّ عن وعده كما يحسب قوم التباطؤ، لكنه يتأنى علينا، وهو لا يشاء أن يهلك أناس بل أن يُقبل الجميع إلى التوبة. ولكن سيأتي كلصٍ في الليل" (٢ بط ٣: 10). كما قيل: "فاسهروا إذًا لأنكم لا تعرفون اليوم ولا الساعة التي يأتي فيها ابن الإنسان" (مت ٢٥: 1٣).

15. كيف يمكن للجسم الذي انحل أن يعود ثانية ويتحد بالنفس؟

إذ خلق الله الجسم من التراب، فإنه قادر أن يرده ثانية بعد انحلاله. لقد شبهه القديس بولس بالبذرة التي تُلقى في الأرض فتنحل ثم تصير شجرة: "الذي تزرعه لا يحيا إن لم يمت. والذي تزرعه لست تزرع الجسم الذي سوف يصير، بل حبة مجردة ربما من حنطة أو أحد البواقي ولكن الله يعطيها جسمًا كما أراد؛ ولكل واحد من البذور جسمه" (١ كو ١٥: ٣٦-٣٨).

16. هل كل البشر سيقومون؟

جميع البشر يقومون بدون استثناء، لكن البعض سيكونون أحياء في ذلك الوقت. هؤلاء ستتغير أجسامهم في لحظةٍ فتصير أجسام روحية خالدة "هوذا سرّ أقوله لكم: لا نرقد كلنا، ولكننا كلنا نتغيَّر. في لحظة في طرفة عين عند البوق الأخير. فإنه سيبوق فيُقام الأموات عديمي فساد ونحن نتغير" (١ كو 15: ٥١-٥٢).

17. ما هي حالة النفوس منذ تركها الجسد إلى يوم القيامة؟

نفوس الأبرار من الراقدين هم في نورٍ إلهي وفي سعادة فائقة تتذوق مقدمًا السعادة الأبدية، أما نفوس الأشرار فتعيش في حالة من المرارة.

18. لماذا لا تتمتع النفس بالمصير النهائي بعد انطلاقها من الجسد مباشرة؟

يقول الرسول: "أخيرًا قد وُضع لي إكليل البرّ الذي يهبه لي في ذلك اليوم الربّ الديَّان العادل، وليس لي فقط بل لجميع الذين يحبون ظهوره أيضًا" (٢ تي ٤: ٨). كما يقول: "لأنه لابد أننا جميعًا نُظهر أمام كرسي المسيح لينال كل واحدٍ ما كان بالجسد بحسب ما صنع خيرًا كان أم شرًّا" (٢ كو ٥: ١٠).

19. لماذا نقول إن نفوس الأبرار تتذوق البركة قبل اليوم الأخير؟

هذا ما شهد عنه يسوع المسيح نفسه في مثل لعازر المسكين والغني، إذ ذهب لعازر إلى حضن إبراهيم بعد موته مباشرة (لو ١٦: ٢٢).

20. هو يتمتع الأبرار باللقاء مع السيد المسيح وجهًا لوجه بعد موتهم مباشرة؟

هذا واضح من اشتياق الرسول بولس أن يموت ويكون مع المسيح (في ١: ٢٣).

21. ما هي الحياة الأبدية التي يتمتع بها الأبرار؟

يقول الإنجيلي: "أيها الأحباء الآن نحن أولاد الله، ولم يُظهر بعد ماذا سنكون. ولكن نعلم أنه إذا أُظهر نكون مثله، لأننا سنراه كما هو" (١ يو ٣: ٢). ويقول الرسول بولس: "أعرف إنسانًا في المسيح قبل أربع عشرة سنة، أفي الجسد؟ لست أعلم، أم خارج الجسد؟ لست أعلم. الله يعلم. أُختطف هذا إلى السماء الثالثة ... إنه أُختطف إلى الفردوس وسمع كلمات لا يُنطق بها، ولا يسوغ لإنسانٍ أن يتكلم بها" (٢ كو ١٢: ٢، ٤).

22. ما هو مصدر هذه السعادة العظمى؟

بالتأمل في نور الله ومجده والاتحاد معه. يقول الرسول: "فإننا ننظر الآن في مرآة في لغزٍ، لكن حينئذٍ وجهًا لوجه. الآن أعرف بعض المعرفة لكن حينئذٍ سأعرف كما عُرفت" (١ كو ١٣: ١٢). ويقول السيد المسيح: "حينئذٍ يضيء الأبرار كالشمس في ملكوت أبيهم" (مت ١٣: ٤٣).

23. هل يتمتع الجسم مع النفس في السعادة الأبدية؟

عند مجيء الربّ سيتمتع الجسم بنور الله، ويصير على صورة السيد المسيح إذ تجلى على جبل تابور. ويقول الرسول: "يُزرع في هوانٍ ويُقام في مجدٍ. يُزرع في ضعفٍ ويقام في قوةٍ ... وكما لبسنا صورة الترابي سنلبس أيضًا صورة السماوي" (١ كو ١٥: ٤٣، ٤٩).

24. هل يتساوى جميع الأبرار في المجد؟

سينال كل شخص من المجد حسب إيمانه وحبه وأعماله المقدسة. يقول الرسول: "مجد الشمس شيء، ومجد القمر آخر، ومجد النجوم آخر لأن نجمًا يمتاز عن نجمٍ في المجد. هكذا يكون أيضًا في قيامة الأموات" (١ كو ١٥: ٤١-٤٢). هذا ويُسر المؤمن بما يناله الأخرون من أمجاد ويحسبها كأنها أمجاده، فلا يحسدهم.

25. ما هو نصيب العصاة غير المؤمنين؟

"هذا هو الموت الثاني. وكل من لم يوجد مكتوبًا في سفر الحياة طُرح في بحيرة النار" (رؤ ٢٠: ١٤-١٥). يقول القديس مار يعقوب السروجي:

[هناك يُمدح الأبرار من قبل العدالة، ويُلام الأشرار بسبب أفعالهم.

هناك تُصور صور المجد للجميلين بألوان اللهيب الملتهبة التي لا تُجس.

هناك تُفضح عيوب فاعلي الإثم البغيضة، ويقف كل واحدٍ بأفعاله بدون حجابٍ.

هناك يُمجد بأعماله مَن يستحق، لأنه لا توجد محاباة.

في تلك المحكمة تقف جبهة الاستقامة، وتصدر هناك كل الأحكام بعدالةٍ.

يتم الانتقام الحقيقي الأخير، إذ لا توجد أسباب ليستتر الأشرار من المجازاة[83].]

26. لماذا يسمح الله للأشرار بالمعاناة الأبدية؟

الله لا يريد هلاك أحدٍ، إنما رفض الأشرار الالتصاق بالله مصدر الحياة والفرح الأبدي، لقد رفضوا الحق والتمتع بالخلاص. فما يحلّ بهم إنما هو ثمرة اختيارهم الانعزال عن الله مصدر حياتهم وسعادتهم.

27. ماذا ننتفع من التأمل في الموت والقيامة ويوم الربّ العظيم والتمتع بالحياة الأبدية أو العذاب الأبدي؟

هذا كله يحثنا على الرغبة في اللقاء مع الله وقبول الخلاص المجاني الذي يقدمه لنا، والدخول في صداقة معه، فنتحدى بالنعمة الإلهية إغراءات العالم وملذاته، كما نتحدى إغراءات الخطية وحيل إبليس وخداعه.

28. ما هو التعليم الخاص بانتهاء الزمن؟

يقول الرسول: "هيئة هذا العالم تزول" (١ كو ٧: ٣١)، يريد أن يؤكد أن كل ما في هذا العالم الحاضر إنما هو مظهر لن يدوم وليس بمضمونٍ. كما يُقال: "وإنما نهاية كل شيءٍ قد اقتربت" (١ بط ٤: ٧). "ولكن سيأتي كلصٍ في الليل يوم الربّ الذي فيه تزول السماوات بضجيجٍ وتنحل العناصر محترقة وتحترق الأرض والمصنوعات التي فيها" (٢ بط ٣: ١٠).

كثيرًا ما أشار العهد القديم إلى مجيء الربّ في اليوم الأخير. "لأنه هوذا بالنار يأتي ومركباهت كزوبعة ليردّ بحمو غضبه ورجزه بلهيب نار. لأن الربّ بالنار يعاقب، وبسيفه على كل بشرٍ ويكثر قتلى الربّ" (إش ٦٦: ١٥-١٦).

يقول صفنيا النبي: "قريب يوم الربّ العظيم، قريب وسريع جدًا. صوت يوم الربّ يصرخ حينئذٍ الجبار مرًا. ذلك اليوم يوم سخط يوم ضيق وشدة، يوم خراب ودمار، يوم ظلام وقتام، يوم سحاب وضباب. يوم بوق وهتاف على المدن المحصَّنة، وعلى الشُرف الرفيعة. وأضايق الناس فيمشون كالعمي، لأنهم أخطأوا إلى الربّ، فيُسفح دمهم كالتراب ولحمهم كالجلة. لا فضتهم ولا ذهبهم يستطيع إنقاذهم في يوم غضب الربّ، بل بنار غيرته تؤكل الأرض كلها. لأنه يصنع فناءً باغتًا لكل سكان الأرض" (صف ١: ١٤-١٨).

ويقول ملاخي: "فهوذا يأتي اليوم المتقد كالتنور، وكل المستكبرين وكل فاعلي الشرّ يكونون قشًا ويحرقهم اليوم الآتي قال ربّ الجنود، فلا يبقى لهم أصلاً ولا فرعًا" (مل ٤: ١).

ورأى دانيال النبي في حُلمٍ: "كنت أرى أنه وُضعت عروش وجلس القديم الأيام. لباسه أبيض كالثلج، وشعر رأسه كالصوف النقي، وعرشه لهيب نار، وبكراته نار متقدة. نهر نار جرى وخرج من قدامه ألوف ألوف تخدمه، وربوات ربوات وقوف قدامه. فجلس الديان (الابن) وفُتحت الأسفار. كنت أنظر حينئذٍ من أجل صوت الكلمات العظيمة التي تكلم بها القرن. كنت أرى إلى أن قُتل الحيوان وهلك جسمه ودُفع لوقيد النار. أما باقي الحيوانات فنُزع عنهم سلطانهم ولكن أُعطوا طول حياة إلى زمانٍ ووقتٍ. كنت أرى في رؤى الليل وإذا مع سحب السماء مثل ابن إنسان أتى وجاء إلى القديم الأيام فقربوه قدامه. فُأعطى سلطانًا ومجدًا وملكوتًا لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة. سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول وملكوته ما لا ينقرض" (دا ٧: ٩-١٤).

يرى البعض أن ما ورد هنا في العهد القديم يخص المجيء الأول للسيد المسيح الخاص بتجسده، والذي صار دينونة ضد الذين لم يؤمنوا به[84]. إذ قيل: "الذي يؤمن به لا يُدان، والذي لا يؤمن قد دين لأنه لم يؤمن باسم ابن الله الوحيد" (يو ٣: ١٨).

29. ما هو تعليم نهاية الأزمنة حسب التقليد المقدس؟

بحسب ما ورد في الديداكية:

[أ. اسهروا على حياتكم، ولا تدعو مصابيحكم تنطفئ، ولا أحقاكم تنحل، بل كونوا مستعدين دائمًا لأنكم لا تعرفون الساعة التي يأتي فيها ربنا (لو ١٢: ٣٥؛ مت ٢٤: ٤٢).

ب. يليق بكم أن تجتمعوا دائمًا وتطلبوا ما يخص نفوسكم، لأنه لا ينفعكم طيلة زمان إيمانكم إن لم تكونوا كاملين في اللحظة الأخيرة.

ج. ففي الأيام الأخيرة يكثر الأنبياء الكذبة والمفسدين، وتتحول النعاج إلى ذئاب (مت ٧: ١٥)، والمحبة إلى كراهية (مت ٢٤: ١٢).

د. إذ يزداد الإثم يكره الناس بعضهم بعضًا، ويطردون بعضهم بعضًا (مت ٢٤: ٨، ٩). عندئذ يظهر مضلل العالم (رؤ ١٢: ٩) كابن الله (٢ تس ٢: ٤)، ويصنع آيات وعجائب (مت ٢٤: ٢٤)، وتصبح الأرض في قبضة يديه، ويرتكب آثامًا لم يحدث مثلها منذ البدء.

ه. عندئذ تدخل الخليقة نار الاختبار، ويتعثر كثيرون ويهلكون. أما الذين يثبتون في إيمانهم فيخلصون من اللعنة (مت ٢٤: ٨-٩).

و. عندئذ تظهر علامات الحق، وهي: أولاً: علامة السماوات المفتوحة. ثانياً: ثم علامة صوت البوق (مت ٢٤: ٣١)، ثالثًا: قيامة الموتى، ليس جميعهم (1 تس 4: 16-17).

ز. لكن كما قيل سيأتي الربّ ومعه جميع قديسيه (زك ١٤: ٥)، وسينظر العالم الربّ آتيًا على سحب السماء (مت ٢٤: ٣٠)[85].]


 

5. الدينونة العامة

1. ماذا يقول العهد الجديد عن الدينونة العامة؟

يقول الرب في عظته على الجبل: "كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم: يا رب يا رب أليس باسم تنبأنا وباسمك أخرجنا شياطين وباسمك صنعنا قوات كثيرة. فحينئذ أُصرّح لهم إني لم أعرفكم قط. اذهبوا عنّي يا فاعلي الإثم" (مت 7: 22-23).

"ولكن أقول لكم إن كل كلمة بطّالة يتكلم بها الناس سوف يعطون عنها حسابًا يوم الدين" (مت 12: 36).

"فإن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته وحينئذٍ يجازي كل واحدٍ حسب عمله" (مت 16: 27).

"ويجتمع أمامه جميع الشعوب، فيميّز بعضهم من بعض كما يميّز الراعي الخراف من الجداء. فيُقيم الخراف عن يمينه والجداء عن اليسار. ثم يقول الملك للذين عن يمينه: تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المُعد لكم منذ تأسيس العالم، لأني جُعت فأطعمتموني وعطشت فسقيتموني. كنت غريبًا فأويتموني، عريانًا فكسوتموني، مريضًا فزرتموني. محبوسًا فأتيتم إليّ..." (مت 25: 32-37).

بعدما حدثنا سفر الرؤيا عن ملكوت الله الذي في داخلنا لنتمتع به، والسلطان الذي لنا، وما سيحل بالكنيسة من ضيق من جراء حلّ الشيطان في آخر الأزمنة دون أن يتركنا الرب، بل يعمل بروحه في الكنيسة، عاد ليطمئن أولاده أنه يعقب هذا بقليل مجيء الرب للدينونة.

"ثم رأيت عرشًا عظيمًا أبيض، والجالس عليه الذي من وجهه هربت الأرض والسماء، ولم يوجد لهما موضع!" (رؤ 20: 11)

هنا يظهر ربنا جالسًا على عرش أبيض إشارة إلى السلام، أو لا يعود يحارب ولا يدافع، لأن الكنيسة كلها صارت في أمان، ويأتي عدوها "إبليس" مقيدًا ليُطرح في النار، وقد هربت من أمام الرب الأرض والسماء الماديتان! لا يأتي في فمه سيف (رؤ 1: 16؛ 19: 15، 21)، لا يظهر هنا كفارس خارج من سبط يهوذا ليحارب (زك 1: 8)، ولا كأسد ليطمئن نفوسًا خائرة (رؤ 5: 5)، بل جالس على العرش لكي يهب للغالبين شركة الأمجاد السماوية.

وصفه بأنه "الذي من وجهه هربت الأرض والسماء، ولم يوجد لهما موضع" (رؤ 20: 11)، فذلك لكي يطمئننا أننا لا نعود بعد إلى الحياة المادية القديمة، فلا نكون في حاجة إلى أرض بما عليها من بحار ومواد طبيعية وغير طبيعية، ولا نحتاج إلى كواكب وأفلاك.

إنه بهذا ينزع من أمامنا كل ذكريات قديمة لحياة امتلأت بالتجارب والأتعاب. معارك كانت بيننا وبين إبليس، بل هي بين الله وإبليس. فأمجاده الأبدية تبتلع الصور القديمة وتنزعها من ذاكرتنا!

"ورأيت الأموات صغارًا وكبارًا، واقفين أمام الله، وانفتحت أسفار وانفتح سفر آخر هو سفر الحياة، ودين الأموات مما هو مكتوب في الأسفار بحسب أعمالهم. وسلم البحر الأموات الذين فيه، وسلم الموت والجحيم الأموات الذين فيهما، ودينوا كل واحدٍ بحسب أعماله" (رؤ 20: 12).

في لحظة يُدان الكل الأبرار صغارًا مع كبار المكتوبين في سفر الحياة بحسب أعمالهم، ويُدان الأشرار ساكنو الجحيم، الأموات روحيًا حسب أعمالهم، لأنه ليس عند الله محاباة. ويُلاحظ هنا الآتي:

1. فتح أسفار... ويرى القديس أغسطينوس[86] أنها رمز إلى فتح سرائر كل البشرية، أي قلوبهم وضمائرهم، حتى يدرك الكل عدل الله.

2. انفتاح سفر الحياة... الذي هو الكشف عن شخص ربنا يسوع وعمله كشجرة حياة، من يأكلها في أيام جهاده على الأرض يعيش إلى الأبد. إنه السفر المفتوح، فيه يقرأ المؤمنون برَّهم الذي ليس لهم من ذاتهم، بل في شخص ربنا، عندئذ يتهللون قائلين: "إذًا لا شيء من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع، السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح. لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني من ناموس الخطية والموت" (رو 8: 1، 2).

3. سَلَّمَ البحر الأموات الذين فيه، وإذ يرمز البحر للعالم، لهذا يرى القديس أغسطينوس أن الإشارة هنا إلى الأشرار الذين يأتي عليهم يوم الرب ولا يكونوا قد ماتوا وانتقلوا إلى الجحيم. البحر الذي غرقوا فيه وفي ملذاته سيسلمهم للدينونة الأبديّة.

4. يُسلم موت الروح والجحيم من بهما، فدينوا أيضًا على أساس عادل حسب أعمالهم الشريرة.

يقول أيضًا: "وطرح الموت والجحيم في بحيرة النار. هذا هو الموت الثاني. وكل من لم يوجد مكتوبًا في سفر الحياة طُرح في بحيرة النار" (رؤ 20: 14-15).

هذه هي نهاية موت الروح والجحيم، أي نهاية السالكين حسب الجسد، حسب موت أرواحهم والذين صار نصيبهم بعد موتهم بالجسد الجحيم ينقلون إلى الموت الثاني، النار الأبديّة.

ويرى القديس أغسطينوس أن هذا إشارة إلى الشيطان الذي هو رئيس الموتى بالروح، وزعيم سكان الجحيم، لقد طرح في البحيرة المتقدة.

بهذا انتزعت صورة الشر تمامًا ليسجل لنا الرسول في الإصحاحين التاليين الصورة المبهجة لبيت الزوجية السماوي المملوء أمانًا واطمئنانًا، إذ طرح الشرير إلى الأبد بعيدًا.

2. ماذا يقول العهد القديم عن الدينونة العامة؟

"نزعًا أنزع الكل عن وجه الأرض يقول الرب، انزع الإنسان والحيوان. أنزع طيور السماء وسمك البحر والمعاثر مع الأشرار، وأقطع الإنسان عن وجه الأرض يقول الرب" (صف 1: 2-3).

"ويكون في ذلك اليوم يقول رب الجنود إني أقطع أسماء الأصنام من الأرض، فلا تُذكر بعد، وأزيل الأنبياء أيضًا والروح النجس من الأرض" (زك 13: 2).

"كنت أرى أنه وُضعت عروش وجلس القديم الأيام، لباسه أبيض كالثلج، وشعر رأسه كالصوف النقي. وعرشه لهيب نار، وبكراته نار متقدة. نهر نار جرى وخرج من قدامه. فجلس الدَّين، وفُتحت الأسفار..." (دا 7: 9-10).

"ولولوا لأن يوم الرب قريب، قادم كخرابٍ من القادر على كل شيءٍ. لذلك ترتخي كل الأيادي ويذوب كل قلب إنسان، فيرتاعون. تأخذهم أوجاع ومخاض يتلوّون كوالدة. يبهتون بعضهم إلى بعضٍ. وجوههم وجوه لهيب. هوذا يوم الرب قادم قاسيًا بسخطٍ وحمو غضب ليجعل الأرض خرابًا ويبيد منها خُطاتها. فإن نجوم السماوات وجبابرتها لا تبرز نورها. تظلم الشمس عند طلوعها، والقمر لا يلمع بضوئه. وأعاقب المسكونة على شرها، والمنافقين على إثمهم وأبطل تعظم المستكبرين وأضع تجبّر العتاة... لذلك أزلزل السماوات وتتزعزع الأرض من مكانها في سخط رب الجنود وفي يوم حمو غضبه" (إش 13: 6-13).

3. ما هي البركات التي يتمتع بها المؤمنون الأبرار؟

افتتح السيد المسيح الموعظة على الجبل بتسع تطويبات (مت 5: 2-11)، تلاها بتشجيع المؤمنين أنهم ملح الأرض (مت 5: 13) ونور العالم (مت 5: 14)، وأبرز أبوّة الله السماوي لهم (مت 7: 11)، وفي حديثه عن الملكوت، قال: "المُعد لكم منذ تأسيس العالم" (مت 25: 24)، وعندما تحدث عن النار الأبدية قال: المعدّة لإبليس وملائكته" (مت 45: 41).

هذا هو منهج رب المجد في تعامله مع مؤمنيه، يبرز ما هو إيجابي ومُفرح ويؤكد لهم أنه مشغول بهم منذ تأسيس العالم. وأما العقوبات فهي مُعدة لإبليس وملائكته. هذا المنهج اتَّبعه الرسول بولس، ففي رسائله يبدأ بإبراز ما هم عليه من أمور صالحة، ويعالج الأخطاء بعد ذلك، فيلمسون فيه تقديره لهم ومحبته وتشجيعه، وإن كان الروح القدس يتستّر على الأخطاء أو الخطايا خلال توبة المخطئ.

أهم البركات التي يتمتع بها المؤمنون الأبرار هي الآتي:

أولاً: يفتتح الرب موعظته بتسع تطويبات. كلمة "طوبى" باليونانية لا توجد لها ترجمة دقيقة في اللغات الأخرى، فهي لا تعني مجرد "يا سعادة" أو "يا لفرح". إنما تشير إلى الحياة الملائكية السماوية التي لا يُعبر عنها. هذا ما سنتمتع به حين نلتقي مع أبينا السماوي وندخل في شركة مع السمائيين، وتصير الكنيسة المنتصرة أشبه بطغمة سماوية. هذا التطويب الذي ينتظر الأبرار يملأهم بالسعادة السماوية الدائمة التي لا يُنطق بها.

تدعونا كلمة الله أن نتذوق هذا التطويب أثناء جهادنا على الأرض وتمتعنا بالنعمة الإلهية.

 يقول الأب شيريمون: [بالحقيقة علامة (تمتعنا) بالطوباوية العميقة وبالصلاح الفريد هو الاستمرار في تعلم الحب وتعليمه للغير، هذا الذي به نلتصق بالرب، فنتأمل فيه كل أيام حياتنا، ليلاً ونهارًا، كقول المرتل، ونقوت أنفسنا التي تجوع بِنَهَمٍ إلى البرّ وتعَطُّشٍ إليه، باجترارها هذا الطعام السماوي[87].]

يرى المعلم دانيال الصالحي التطويب هو عطية الروح القدس الممنوحة لراغبيها فإن لفظ "طوبى" هو أحد القاب السيد المسيح، إذ يقول القديس بولس: "المبارك العزيز الوحيد، ملك الملوك ورب الأرباب" (1 تي 6: 15). وكأن التطويب هو عمل الروح فينا باتحادنا مع المطوّب المبارك، رأسنا يسوع المسيح.

يُلاحظ البعض أن المرتل يطوب مقاومي الشر (مز 1)، ليؤكد أن هبة هذه التطويب تُمنح كعطية مجانية لمقاومي الخطية. فيؤكد القديس أغسطينوس أن الشاب الذي يقاوم فكرًا شريرًا لا يثور في مشاعر أو أحاسيس الطفل الصغير يهبه الله إكليلاً أعظم مما للطفل. فالشاب المقاوم للخطية ينال إكليل الجهاد عن حب وصراع، لا كالطفل لا يسقط فيه عن عجزٍ. طهارة الشاب المقاومة للشر هي طهارة النضوج، أما طهارة الطفل فهي عن ضعف!

ثانيًا: يتمتعون بفردوس الله الذي في وسطه شجرة الحياة (رؤ 2: 7)، التي حُرم منها آدم وحواء بعصيانهما للوصية الإلهية. لقد تجسد كلمة الله لكي بصليبه ندخل إلى الفردوس السماوي الذي يُدعى مدينة الله المقدسة النازلة من السماء من عند الله والمُعدّة كعروسٍ مزينة لرجلها (رؤ 20: 3). إنها خيمة الله التي يسكن فيها الأبرار مع الله، الحاملة مجد الله (رؤ 21: 11). والتي ليس بها هيكل لأن الله القدير والحمل هما هيكلها (رؤ 21: 22). إنها مجمع وكنيسة الأبكار الذين يتجددون في السماء (عب 12: 23). هي الميراث غير الفاسد وغير الدنس الذي لا يزول، محفوظ في السماوات (1 بط 1: 4).

يقول القديس مار أفرآم:

[شجرة الحياة (مصدر الخلود) رمز لابن الله الحيّ[88].]

[مجمع القديسين هو علامة خارجية للفردوس، يقطفون كل يومٍ ثمرة ذاك الذي يهب الحياة للجميع[89].]

[مبارك هو الرحوم، الذي رأى السيف بجوار الفردوس، يحجز الطريق إلى شجرة الحياة. جاء وأخذ لنفسه جسدًا، الذي جُرح بفتح جنبه ليفتح الطريق للفردوس[90].]

[لعل تلك الشجرة المباركة، شجرة الحياة، بأشعتها هي شمس الفردوس. وأوراقها تتلألأ، يُطبع عليها بركات تلك الجنة. نسمات الأشجار الأخرى تنحني، كما لو كانت تسجد أمام قائدة الأشجار وملكتهم[91].]

ثالثًا: ليس من يقدر أن يصف البهاء المنعكس على الأبرار، والجمال الفائق الذي يدهش السمائيين. سيتمتع الأبرار بشركة الطبيعة الإلهية التي اختبروها أثناء جهادهم في هذا العالم في حدودٍ بعمل النعمة الإلهية فيهم، دون أن يفقد كل بارٍ شخصيته وطبيعته البشرية. إذ اتحد كلمة الله بطبيعتنا البشرية وبقي إلهًا، نتمتع نحن بشركة الطبيعة الإلهية ونبقى بشرًا.

في جهادنا نحن مدعوون أن نتمتع بشركة الطبيعة الإلهية فكم بالأكثر في الحياة الأبدية. نحن لسنا مدعوّين لفضائل خارجية بل للاتحاد بالله، والامتثال به، فيكون لنا حب الرب، وقداسته، وصبره واحتماله وطول أناته ووداعته وبساطته. لهذا يقول الرسول: "لكي تصيروا شركاء الطبيعة الإلهية هاربين من الفساد الذي في العالم بالشهوة" (2 بط 1: 4).

رابعًا: يصيرون ملوكًا يجلسون عن يمين ملك الملوك. يملك الأبرار أبديًّا، حيث لا يعانون من خوفٍ أو جوعٍ أو عطشٍ أو صراع مع قوات الظلمة ولا من الخطية. إنما يسود الوفاق والتناغم والوحدة بين النفس والجسد، كما بين كل الأبرار ورثة المجد الأبدي وبعضهم البعض، وبينهم وبين الطغمات السماوية.

خامسًا: يتمتع الأبرار بالوحدة بصورةٍ فائقة، كطلب السيد المسيح من الآب قبل آلامه بفترة قصيرة: "ولست أسأل من أجل هؤلاء فقط، بل أيضًا من أجل الذين يؤمنون بي بكلامهم. ليكون الجميع واحدًا، كما أنك أنت أيها الآب فيّ وأنا فيك، ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينًا" (يو 20: 21).

سادسًا: يرون الله كما هو، كقول القديس يوحنا الحبيب: "أيها الأحباء الآن نحن أولاد الله، ولم يُظهر بعد ماذا سنكون. ولكن نعلم أنه إذ أُظهر نكون مثله لأننا سنراه كما هو (1 يو 3: 2). رؤيتنا له تخلق فينا فرحًا عظيمًا كما حدث للتلاميذ أثناء التجلّي، حيث قال بطرس: "جيد يا رب أن نكون ههنا" (مت 17: 14). ويقول الرسول بولس: "ونحن جميعًا ناظرين مجد الرب بوجهٍ مكشوف كما في مرآة نتغيّر إلى تلك الصورة عينها من مجدٍ إلى مجدٍ كما من الرب الروح" (2 كو 3: 18). ويقول الرب: "حينئذ يضيء الأبرار كالشمس في ملكوت أبيهم" (مت 13: 43).

لن يتوقف عطش المؤمن الحقيقي إلى رؤية الله بكل وسيلةٍ، ليتمتع باللقاء مع محبوبه السماوي وجهًا لوجه. هذه الرؤية لن تحدث في الحياة العتيدة وحدها، وإنما هي امتداد لحياة مُعاشة يختبرها المؤمن كل يومٍ.

شهوة قلب كل مؤمن وكل لاهوتي حقيقي أن يكون من حق المختارين أن يتمتعوا برؤية الله في الحياة الأبدية. هذا ما يعلنه القديس يوحنا الرسول: "لأننا سنراهُ كما هو" (1 يو 3: 2). غير أنه في ذات الرسالة يقول: "الله لم ينظرهُ أحد قط" (1 يو 4: 12). ويؤكد الرسول بولس: "ساكنًا في نورٍ لا يُدنَى منه، الذي لم يَرَهُ أحد من الناس، ولا يقدر أن يراهُ" (1 تي 6: 16). هذا يثير أسئلة كثيرة منها:

أ. هل هذه الرؤية محفوظة فقط للحياة الأبدية؟ أم يُمكن أن تبدأ هنا في خبرة داخلية في أعماق النفس؟

ب. هل رؤية السمائيين لله هي رؤية لجوهره؟

ج. هل يتمتع المؤمنون في السماء برؤية الجوهر الإلهي؟

الكلمة الحقيقي والابن الوحيد الجنس وحده يرى الآب، رؤية الواحد معه في ذات الجوهر. لا يضارعه في هذا كائن ما على الأرض أو في السماء. ليس من مجال للمقارنة بينه وبين إبراهيم أب الآباء أو موسى مستلم الشريعة أو غيره من الأنبياء، ولا وجه للمقارنة بينه وبين أية طغمة سماوية.

يقول القيس ثاوفيلوس أسقف أنطاكية: [تقول لي: يا من ترى الله، هل تُظهر لي ما هي هيئة الله؟

اسمع يا إنسان. هيئة الله لا يُنطق بها، ولا يُمكن شرحها، إذ لا تراها الأعين الجسدية. إنه في المجد غير مُدرَك، وفي العظمة لا يُسبر غوره، وفي العلو لا يُدرَك، وفي القوة لا يُقارن، وفي الحكمة منقطع النظير، وفي الصلاح لا يُضاهَى، وفي الحنو لا يُنطق به.

عندما أقول عنه إنه "نور"، أنعت عمله؛

إن دعوته "الكلمة"، أدعو سلطانه؛

إن دعوته "عقلاً"، أتحدث عن حكمته؛

إن قلت إنه "روح"، أتحدث عن نسمته...

إن دعوته "العناية"، أشير إلى صلاحه؛

إن دعوته "الملكوت"، أشير إلى مجده؛

إن دعوته "الرب"، أشير إليه كديَّانٍ؛

إن دعوته "الديَّان"، أشير إليه كعادلٍ؛

إن دعوته "أب"، أتحدث عنه كمصدر كل شيءٍ؛

إن دعوته "نارًا"، أشير إلى غضبه...[92] [

[عندما تخلع عنك الفاسد وتلبس عدم الفساد، ترى الله بحقٍ. فإن الله يقيم جسدك في عدم موت مع نفسك، وإذ تصير غير قابل للموت، ترى "الواحد الذي له عدم الموت"، إن كنت تؤمن به الآن[93].[

يرى القديس إيرينيئوس أن الإنسان يتقدم في رؤيته لله حتى في الحياة الأبدية: [حتى في العالم الآتي سيُعَلِم الله على الدوام، ويتعلم الإنسان دائمًا من الله[94].] وأن الرؤية تختلف من شخصٍ إلى آخر، لذا قيل: "في بيت أبي منازل كثيرة (يو 14: 2)[95].

يقول القديس إكليمنضس السكندري: [اقبل المسيح، اقبل البصيرة الداخلية، تَقبّل نورك حتى يمكنك أن ترى الله والناس حسنًا. عذبة هي الكلمة التي تهبنا نورًا، إنها أثمن من الذهب والحجارة الكريمة، وأشهى من العسل والشهد"[96].]

4. كيف نتمتع برؤية الله؟[97]

القلب النقي هو العين الروحيّة الداخليّة التي ترى ما لا يُرى.

"النقاوة" كما جاءت في التعبير اليوناني إنّما تُشير إلى الغسل والتطهير كإزالة الأوساخ من الملابس، وتعني أيضًا تنقية ما هو صالح ممّا هو رديء كفصل الحنطة عن التبن، وتطهير الجيش من الخائفين. وتستخدم أيضًا بمعنى وجود مادة نقيّة غير مغشوشة، كتقديم لبن بلا مادة غريبة. هكذا القلب الذي ينحني على الدوام عند أقدام ربّنا يسوع المسيح يغتسل على الدوام بالدم المقدّس فيتنقّى من كل شائبة، ويقوم الروح القدس نفسه الذي تمتّع به خلال سرّيّ العماد والميرون بحراسته، فلا يترك مجالاً لفكرٍ شريرٍ أو نظرةٍ رديئة أن تقتحمه، ولا يسمح لشهوة رديئة أن تسيطر عليه... وهكذا يصفو القلب ويتنقّى بكل اشتياقاته وأحاسيسه ودوافعه فلا يطلب في كل شيءٍ إلا الله وحده، فيعاينه خلال الإيمان بالروح القدس الساكن فيه.

يقول القدّيس أغسطينوس:

[لنُنقِّ قلوبنا بالإيمان، لكي تتنهيأ لذاك الذي لا يُوصف، أي للرؤيا غير المنظورة.]

[لنجاهد بالعفّة حتى يتطهّر ذاك الذي يرفع الإنسان لله[98].]

[هذا هو غاية حبّنا، هذه هي النهاية التي بها نصير كاملين غير هالكين... فإنّنا إذ نُعاين الله لا نحتاج بعد لشيءٍ من أفعالنا وأعمالنا الصالحة واشتياقاتنا ورغباتنا الطاهرة. لأنه ماذا نطلب بعد مادام الله حاضرًا؟ ماذا يُشبع الإنسان ما لم يشبعه الله؟...

سبق رب المجد فذكر المطوّبين وأسباب تطويبهم، ذاكرًا أعمالهم وجزاءاتهم واستحقاقاتهم دون أن يذكر عن أحدهم أنه "يعاين الله"، ولكن عند ذكره نقاوة القلب وعد بمعاينة الله، ذلك لأن القلب يحوي العيون التي تُعاين الله هذه العيون يتحدّث عنها الرسول بولس قائلاً: "إنارة عيون قلوبكم" (أف 1: 18). أنها تستنير الآن بالإيمان، إذ يتناسب مع ضعفنا، أمّا في الأبديّة، فتستنير بمعاينة الله بسبب قوّتها: "فإذ... نحن مستوطنون في الجسد، فنحن متغرّبون عن الرب. لأننا بالإيمان نسلك لا بالعيان" (2 كو 5: 6-7). وإذ نسلك الآن بالإيمان يُقال عنّا: "فإننا ننظر الآن في مرآة في لغز، ولكن حينئذ وجهًا لوجه" (1 كو 13: 12)[99].]

[إن كل ما تقدّمه الكتب المقدّسة الإلهيّة لا يهدف إلا إلى تنقية النظر الباطني ممّا يمنعه عن رؤية الله. وكما أن العين خُلقت لكي ترى هذا النور الزمني حتى إذا دخلها جسم غريب عكّر صفوها وفصَلها عن رؤية ذلك النور، كذلك هي عين قلبك، فإنها إن تعكّرت وجُرحت، مالت عن نور البرّ وما تجاسرت أو تمكّنت من النظر إليه... وما الذي يُعكّر صفاء عين قلبك؟ الشهوة والبُخل والإثم واللذّة العالميّة؛ هذا كلّه يُعكّر عين القلب ويغلقها ويعميها[100].]

يقول العلامة أوريجينوس: [من له القلب النقي يرى الله (مت 5: 8). أما من ليس له القلب النقي، فلا يرى ما يراه الآخرون. اَعتقد أنه يلزمنا أن نفهم شيئًا مثل هذا بخصوص المسيح أيضًا حين نُظر في الجسد. فإنه ليس كل من ألقى بنظره عليه كان قادرًا أن يراه. لقد رأوا جسمه، لكنهم لم يقدروا أن يروه من حيث أنه هو المسيح. أما تلاميذه فرأوه ونظروا عظمة لاهوته[101].]

يقول القديس إكليمنضس السكندري: [ماذا يطلب الإنسان بعد أن ينال النور الذي لا يُدنى منه؟[102]]

ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [هنا يدعو "أنقياء" من حصلوا على كل فضيلة، أو الذين لا يحملون أية مشاعر شرّ فيهم، أو الذين يعيشون في العفّة. فإنه ليس شيء نحتاج إليه لمعاينة الله مثل الفضيلة الأخيرة. لهذا يقول بولس أيضًا: "اتبعوا السلام مع الجميع، والقداسة التي بدونها لن يرى أحد الرب" (عب 12: 14)[103].]

5. ما هي المتاعب التي تحلّ في يوم الدينونة على الأشرار الذين أصرّوا على عدم رجوعهم إلى الله؟

إذ تجسد كلمة الله وقدم الخلاص المُفرح، هذا الذي يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون (1 تي 2: 4)، وحُسبت رسالته للبشرية إنجيلاً أي رسالة مفرحة، وفي نفس الوقت يحذر الأشرار المعاندين من ثمار عنادهم ورفضهم النعمة الإلهية، يجنون ثمر شرهم وهو:

أولاً: حرمانهم من النعمة الإلهية، إذ ينالون حسب قلوبهم العنيدة، فلا يرون الله في مجده.

ثانيًا: تعاني قلوبهم وأفكارهم من الدود الذي لا يموت، حيث لا يفارقهم الحزن والمرارة على ما فعلوه خلال حياتهم على الأرض.

ثالثًا: شركتهم مع إبليس وقوات الظلمة، في البحيرة المتقدة نارًا لا تنطفئ.

رابعًا: في قصة الإنسان الغني الغبي ولعازر المسكين نسمع عن الهاوية والعذاب (لو 16: 23) وغير ذلك من المتاعب الأبدية التي لا يستطيع الإنسان أن يدركها.

6. ماذا يقول الآباء عن المتاعب التي تحلّ في يوم الدينونة على الأشرار الذين أصرّوا على عدم رجوعهم إلى الله؟

يقول القديس أغسطينوس:

[سيكون الديان هنا ابن الإنسان، سيكون ذلك الشكل هو الذي يدين، وقد كان تحت الحكم.

اسمعوا وافهموا ما قاله النبي بالفعل: "سينظرون إلى من طعنوه" (زك ١٢: ١٠؛ يو ١٩: ٣٧). سينظرون ذات الشكل عينه الذي طعنوه بحربةٍ. يجلس كديانٍ ذاك الذي وقف أمام كرسي القضاء. سيحكم على المجرمين الحقيقيين، ذاك الذي جعلوه مجرمًا باطلاً، سيأتي بنفسه بذات الشكل.

هذا تراه أيضًا في الإنجيل عندما ذهب إلى السماء أمام أعين تلاميذه، وقفوا ونظروا وتكلم الصوت الملائكي: "أيها الرجال الجليليون ما بالكم واقفين... إن يسوع هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء، سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقًا إلى السماء" (أع ١:١١)...

انظروا الآن على أي أساس كان هذا ينبغي أن يحدث وبحق إن الذين يلزم أن يُدانوا يرون الديان. فإن الذين يُدانون هم صالحون وأشرار معًا. "ولكن طوبى للأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله" (مت ٥: ٨). بقي أنه في الدينونة يُعلن شكل العبد للصالحين والأشرار، ويحفظ شكل الله للصالحين وحدهم[104].]

[هل سيرى الشرير الله أيضًا هذا الذي قال عنه إشعياء: "ليُطرد الشرير فلا يرى مجد الله" (إش ٥٦: ١٠ LXX)؟... لذلك فإنه سيعلن نفسه للكل، للصالحين والأشرار، ولكن يحتفظ بنفسه للذين يحبونه... بعد قيامة الجسد عندما يُطرد الشرير فلا يرى مجد الله؛ فإنه "إذ أظهر نكون مثله، لأننا سنراه كما هو" (١ يو ٣: ٢)، هذه هي الحياة الأبدية[105].]

[كيف إذن لا يأتي الآب نفسه؟ ذلك بكونه لا يكون منظورًا في الدينونة، "سينظرون إلى الذي طعنوه". الشكل الذي ظهر أمام القاضي، سيكون هو الديان.

ذاك الشكل الذين حُوكم سيدين. لقد حُوكم ظلمًا، سيدين بالعدل.

سيأتي في شكل العبد، وهكذا سيظهر.

لأنه كيف يظهر شكل الله للأبرار والظالمين؟ لو أن الدينونة ستكون بين الأبرار وحدهم يظهر لهم شكل الله. ولكن لأن الدينونة هي للأبرار والظالمين، ولا يُسمح للظالمين أن يروا الله، لأنه "طوبى للأنقياء القلب، لأنهم يعينون الله" (مت 5: 8)[106].]

[هناك سيكون فصل (بين الأبرار والأشرار)، ولكن ليس كما هو الآن. الآن نحن منفصلون ليس من جهة المكان، بل حسب السمات والرغبات والإيمان والرجاء والمحبة.

الآن نعيش معًا، نعيش مع الأشرار، وإن كانت حياة الكل ليست واحدة.

في السرّ نحن متمايزون، سرّا نحن مفصولون، كالقمح في البيدر، وليس كالقمح في المخزن. في الحقل القمح مفصول ومختلط، مفصول لأنه مختلف عن التبن، ومختلط لأنه لم يُغربل بعد.

بعد ذلك سيحدث فصل عام... فالذين صنعوا الصالحات سيعيشون مع ملائكة الله، والذين صنعوا السيئات يتعذّبون مع إبليس وجنوده...

سيعلن نفسه، كما وعد للذين يحبونه. إذ يقول: "من يحبني يحفظ وصاياي؛ والذي يحبني يحبه أبي، وأنا أحبه، وأُظهر له ذاتي" (يو 14: 21)[107].]

يقول القديس كيرلس الكبير: [سيتطلع هؤلاء البؤساء إلى الذي سخروا به، إذ رأوه معلقًا على الصليب الثمين. سيرونه متوجًا بالمجد الإلهي، وسينحدرون إلى هوة الدمار في مجازاة عادلة على شرهم من نحوه[108].]

7. كيف نستعد ليوم الدينونة؟

أولاً: نتوقع سرعة مجيئه، أنه على الأبواب. يقول القدِّيس مار أفرآم السرياني[109]:

[احذروا يا إخوتي أن يعدم أحدكم هذا الميراث السعيد. فإنه، ها هو على الأبواب!

نزل النور إلينا فأنارنا، وقرَّبنا إليه، وأصعدنا معه. نزل إلينا فصار من أجلنا مثلنا، ليجعلنا مثله.

من لا يموت نزل إلى المائتين، وإذ جعلهم غير مائتين ارتفع إلى الآب،

وسيجيئ بمجد أبيه المبارك، يدين الأحياء والأموات.

صار لنا طريق حياة مملوءة نورًا ومجدًا، لكي نسلك نحن في النور إلى الآب.]

ثانيًا: نلتحف بالمخافة الإلهية مع الحب الإلهي. يستخدم القديس باسيليوس الكبير توقع مجيء الرب كباعثٍ على الإصلاح الروحي؛ ومخافة دينونة الله كدافعٍ قويٍ على ممارسة الفضيلة بالنسبة للمبتدئين والمتهاونين، فمن كلماته:

[لكي نقدر أن نفلت من الغضب الذي يحلّ على أبناء المعصية[110].]

[لنسمع باجتهاد عندما يُقال (عن مجيئه)، ونطلب بغيرة أن نمارس الوصايا الإلهية، لأننا لا نعلم في أي يوم أو أية ساعة يأتي ربنا[111].]

[ألا نضع أمام أعيننا يوم الرب العظيم المرعب هذا؟[112]]

يقول الأب أمبروسياستر: [في هذا اليوم سيُعلن الرب يسوع المسيح للمؤمنين وغير المؤمنين. عندئذ سيتحقق غير المؤمنين أن ما لم يريدوا أن يؤمنوا به هو حقيقة صادقة. أما المؤمنون فسيفرحون، إذ يجدون أن ما يؤمنون به أكثر عجبًا مما كانوا يتخيلون[113].]

ويقول القديس مار اسحق السرياني:

[عندما تقترب من فراشك قل له: "هذه الليلة عينها ربما تكون أنت قبري يا أيها الفراش، فإنني لست أعلم إن كان في هذه الليلة عوض نومي المؤقت يكون لي النوم الدائم".

هكذا مادام لك رجلان أسرع إلى العمل، قبلما تُربط بذلك القيد الذي ما إن يُوضع لا ينحل بعد.

مادام لك يدان أبسطهما نحو السماء في الصلاة، قبلما يسقط الذراعان من مفصليهما، حيث تشتهي أن تسحبهما فلن تقدر.

مادام لك أصابع ارشم ذاتك بالصليب، قبلما يحل الموت الذي يحل قوة أعصابها اللائقة.

مادام لك عينان، املأهما بالدموع، قبلما تأتي الساعة حين يغطي التراب ثيابك السوداء، وتتجه عيناك نحو اتجاه واحد بنظرة لا تدركها ولا تعرفها. لا، بل املأ عينيك بالدموع مادام قلبك تحكمه قوة التمييز، قبلما تهتز نفسك برحيلها منه، وتترك القلب بيتًا مهجورًا من ساكنه.

يا أيها الحكيم لا تنخدع بتوقعك حياة طويلة المدى![114]]

يقول القديس مرقس الناسك: [إن وضعتَ في ذهنك دينونة الرب للأرض كلها (مز 7:1.9) كقول الكتاب المقدس، فإن كل حادث يعلِّمك معرفة الله.]

يقول الأب أوغريس الراهب: بتذكر على الدوام ساعة خروجك، ولا تنسى الدينونة الأبدية، فلا توجد في نفسك خطية.]

من أقوال آباء البرية: [كان أخ حارًا في الصلاة، وإذ كان أخوه يمارس الخدمة، غلبته الدموع وكان أحيانًا ينسى فقرات من المزمور. توسل إليه الأخ يومًا ما أن يخبره فيما هو يفكر أثناء الخدمة حتى يبكي هكذا بمرارة. قال له: "سامحني يا أخي، فأنا أتأمل دائمًا أثناء الخدمة في الديان، ووقوفي أمامه، فإني مجرم مذنب تحت الاستجواب. وإذ لا أجد تبريرًا لنفسي أقف مرتعبًا، ويُغلق فمي، فتعبر مني آية من المزمور. سامحني على مضايقتي لك، فلنمارس الخدمة كلٌ لوحده". أجاب الأخ: "لا يا أبي، فإنني أعيش بلا ندامة، فعلى الأقل إذ أراك أخجل". وإذ رأى الله تواضعه وهبه الندامة التي لأخيه. دعنا نحن أيضًا نحفظ أعيننا على هذه العطية، فيكون لنا ذات المنفعة مثل هذا الأخ[115].]

يقول القديس غريغوريوس النيسي: [لا نستطيع أن نصف الأفراح التي تنتظر هؤلاء الذين يعيشون وفقا لمشيئة الله، ولا نستطيع أن نقارن معاناة الخاطئين في الجحيم بأي شيء مشابه لما يحدث على الأرض.]

ثالثًا: لنستقبل ربنا القادم من السماوات بالتسبيح! يقول القديس مار أفرآم السرياني:

[تعالوا يا أحبائي نسلك في الطريق التي أظهرها لنا الرب.

لنصل بسرورٍ إلى مملكته، ولنأخذ زادًا وزيتًا في آنيتنا، فالطريق ليست قصيرة!

لنشدّ أحقاءنا بالحق، ومثل أناسٍ وعبيدٍ حافظين منتظرين سيِّدهم،

نوقد مصابيحنا، ونستيقظ بشهامة، لأننا منتظرون أن نستقبل ربنا مقبلاً من السماوات.

فلا ننعس فيما بعد، لئلا تنطفئ مصابيحنا.

ها قد حلّ النور فرحل الليل، وأتى النهار.

يا بني النور بادروا إلى النور. اخرجوا بفرحٍ لاستقبال ربكم...

ليكن نظركم إلى فوق، متأمِّلاً ذلك الجمال والسرور يا وارثي الآب، وشركاء ميراث ابن الله[116].]

يقول القديس أغسطينوس: [الآن هو زمن الرحمة، فيما بعد يأتي زمن الدينونة، إذ قيل: "أسبح لك يا رب الرحمة والحكم" (مز ١٠١: ١)[117].]

لنسبح مع القديس مار يعقوب السروجي، قائلين:

[اسمعوا أيها المتميزون أعجوبة الدينونة العظمى، وأعطوا التسبيح لديان الخفايا.

إنه لقول عجيب وسمع مدهش، بخصوص ذلك اليوم الذي فيه تُفحص كل أعمال البشر.

عندما تنحل السماء والأرض والعالم والبحر، وتصير دينونة كل القبائل أمام العدالة.

عندما تُعلن كل أشكال البشر، ويقفون عراة: إما ليخسروا وإما لينتصروا...

عندما يتواضع من تكبر بالاستعارات، ويرتفع من تواضع بالبساطة.

عندما يُلقى الكبرياء في الحفرة، ويركب التواضع الغيوم ليرتفع.

عندما يوضع الضعفاء في العلو كما هو مكتوب، وينزل الأقوياء إلى العمق، لأنهم آثموا.

عندما يحني الفقر الأغنياء ويذلهم، ويصير كنز الملك العظيم مفتوحًا للفقراء...

عندما تردّ العدالة الأجرة حسب وعدها، فإنها لا تنكر (أجرة) من سقى حتى كاس ماء.

عندما تتحرك لتطالب بخاصتها بقوةٍ، لا تنسى التعقيب حتى عن غمز العيون...

عندما يُظهر الديان لصفوفه قدرته الآمرة، وتصرخ طغمات القوات: مباركة هي دينونتك!

عندما يُمدح من قبل الملائكة والأبرار: مباركة هي أحكامك، ونيّر هو ميمر استقامتك!

عندما تصرخ الأرملة بألمٍ ضد من ظلمها، واليتيم يوبخ من لطمه قدام الحاكم.

عندما تدخل تنهدات الأيتام العالية، وصوت حسراتهم يضرم النار في سالبيهم.

عندما تنتصر هناك الصدقات كالنيِّرات، وتُعلن درجات صانعيها سامية وبهية ومجيدة.

عندما تُفضح عيوب أبناء الإثم الممقوتة، ولا يستر الكذبُ من تمسك به.

عندما تُهتك كل الأشكال عن كل الطغمات، وتقف هناك بعنقٍ مكشوفٍ كما هو مكتوب.

في ذلك الحين ليفرح من مُجد، ولا يحزن أحد هنا أو يُلام.

في ذلك النصر من انتصر هو من الظافرين، ولو انتصر هنا لا يحظى بشيءٍ[118].]


 

6. الجسد المُقام[119]

قبل الحديث عن الجسد المُقام أود إبراز اهتمام آباء الكنيسة الأولى بالحديث عن الوحدة العجيبة التي بين جسد الإنسان ونفسه. هذا يدعونا إلى الحديث عن العلاقة المتبادلة بينهما في لحظات انفصالهما عند الموت وعند اتحادهما في يوم القيامة.

1. ما هو الحوار الذي يدور بين النفس والجسد في لحظة انفصالهما؟[120]

يقدم لنا القديس أفرآم صورة رائعة لوحدة النفس مع الجسد، وحالهما في لحظات الموت عند خروج النفس من الجسد. فالنفس المقدسة بالربّ تشعر أنها مدينة للجسد المقدس كما يشعر الجسد المقدس أنه مدين للنفس المقدسة، وأن كل منهما كان معينًا للآخر أثناء الجهاد على الأرض وذلك بواسطة عمل النعمة الإلهية فيهما، إذ كانت النفس تنمو روحيًا خلال استخدام الجسد أعضاءه للبنيان. فبالعينين تقرأ كلمة الله، وباليدين تقدم خدمات محبة للآخرين، وبالقدمين يسير الإنسان نحو بيت الله، والإنسان بكل جسده يمارس الصلوات والأصوام والسجود والمطانيات للربّ... حقًا إنها لحظات سعيدة حين يعمل الجسد المقدس متحدًا بالنفس المقدسة، ويصير الإنسان بكليته في السماء أشبه بملاك الله، ولا يقف الجسد عائقًا للنفس في المجد الأبدي.

جاء الحوار مختصرًا للغاية في هذه التسبحة التي سجلها مار أفرآم السرياني، تكشف عن التزامنا بتقديس الجسد وتقديرنا له كعطية إلهية معيِنة للنفس.

[إذ تترك النفس الجسد، هذا فيه ألم عظيم، وتشعر النفس بحزنٍ شديدٍ.

تتشتت النفس (عند خروجها من الجسد) هنا وهناك، لتتعرف على مصيرها.

فالأرواح الشريرة ترغب أن تأخذها معها، لتدخل بها في وسط الجحيم.

والملائكة أيضًا تود أن ترحل النفس معها إلى موضع النور.]

[في تلك اللحظة تدرك النفس من هم أصدقاؤها وإخوتها المحبين،

هؤلاء الذين تكنّ لهم معزّة، وجيرانها ومن كانوا معروفين لها.]

هكذا يرى مار أفرآم السرياني وجود صراع بين قوات الظلمة وملائكة الله. الأولى تبذل كل الجهد في جذب النفس إليها، وتجد مسرتها في أن تدخل بها إلى نيران الشرّ والظلمة. ومن جانبٍ آخر فإن سعادة الملائكة وبهجتها أن تجد نفسًا التصقت بالربّ، وخرجت لتلتقي مع من عاشت معه وهي في العالم، فتنطلق إلى موضع النور أو المسكن الإلهي.

محبة السمائيين لنا تتجلى بكل قوةٍ عند خروج النفس من الجسد، إذ تحملها إلى الحضرة الإلهية كما حملت تفس لعازر المسكين (لو 16: 22)، فتسبِّح الملائكة الخالق الذي خلَّص الإنسان من الموت والفساد، وأعدّ له ميراثًا أبديًا.

مع انشغال النفس المقدسة بالملائكة القادمين لحملها إلى الله والترحيب بها، يرى مار أفرآم، أن النفس وهي منطلقة تحزن على إخوانها، النفوس التي التصقت بالزمنيات واستهانت بالأبديات.

يقول مار أفرآم:

[في تلك الساعة تستخف بمن كانوا متعلقين بالثروات والممتلكات الزمنية.

لكنها إذ تقدّر عبورها، تصير لها لهفة عظيمة (للانطلاق).]

يقدم لنا القديس حديثًا وداعيًا للنفس:

[تقف (النفس) منفصلة عن الجسد الذي تركته وتتحدث إليه قائلة:

"لقد أذن لي الموت بالخروج: لتبقَ (أيها الجسد) في سلامٍ، فإني منطلقة بعيدًا."

عندئذ يجيبها الجسد: "امضٍ بسلامٍ يا أيتها النفس الرقيقة المحبوبة!

الربّ هو شكّـلنا، وهو الذي يحقق خلاصنا من جهنم."]

2. كيف يلتقي جسم الإنسان البار مع نفسه في يوم الرب العظيم؟

تجول في أذهان البعض عدة تساؤلات، منها: كيف يلتقي جسم البار مع نفسه البارة؟ إذ يتحد الاثنان معًا من جديد، يشعر الجسد أنه مدين للنفس المقدسة، لأنها خضعت لروح الله القدوس، وتقدست إرادتها حيث وجدت مسرتها في الطاعة لوصية الله محبوبها، وقبلت أن يقيم المخلص ملكوته فيها، وسلكت بالحق بروح التبنّي للأب. وفي نفس الوقت تصورت النفس أنها مدينة للجسد الذي سلك بحواسه بروح القداسة، وجاهد في دراسة الكتاب المقدس والأصوام والصلوات والسهر بروح التسبيح.

لم يوجد مجال للعتاب بينهما، بل يقف المؤمن في يوم الرب شاكرًا عمله في نفسه وجسده وكل طاقاته!

يقول القديس أغسطينوس: [عندئذ سيكون هناك نوع من الانسجام بين الجسد والروح، فالروح يحيي الجسد الخادم دون أية حاجة إلى قوتٍ منه. ولا يعود بعد يوجد صراع في داخلنا. فكما سوف لا يوجد أي أعداء من الخارج، هكذا لا يعود يوجد أعداء من الداخل[121].]

3. كيف يلتقي جسد الإنسان الشرير الذي لم يعطِ لنفسه فرصة للرجوع إلى الله، مع النفس الشريرة؟

يبدو لي أن كل منهما يلقي باللوم على الآخر. فالنفس تحسب أن الجسد بشهواته دفع الإنسان ككل إلى محبة العالم ورفض الرجوع إلى الله والتراخي في الالتقاء بالله وقبول نعمته لإقامة الملكوت الإلهي في داخل الإنسان. ويشعر الجسد أن النفس مسئولة عن انحراف الإرادة، وعما مارسه الإنسان من بغضة للآخرين وجحود لنعمة الله. هكذا يقضي الشرير حياته في صراع حتى في جهنم. لا يطيق الجسد النفس، والنفس لا تطيق الجسد. هما في مرارةٍ لا تتوقف، وفي حُكم الهلاك ولا يفنيان.

في اختصار يسود الحياة الأبدية الحب في المسيح يسوع حتى بين النفس والجسد، ويسود جهنم الصراع المُرّ حتى بين النفس والجسد!

4. كيف يُقام الأموات؟ وبأي جسم يقومون؟ (1 كو 15: 35)

السؤال الأول يوجهه غير المؤمنين للذين يؤمنون بقيامة الأموات. وهو بأية قوة أو كيف يمكن تحقيق القيامة؟ لأن هذا في نظرهم مستحيل. والسؤال الثاني هو إن افترضنا أنها تتحقق، فهل يقوم بذات الشكل والأعضاء. السؤال الأول هو سؤال الملحدين العاجزين عن إدراك قوة الله لتحقيق القيامة، والسؤال الثاني هو سؤال فيه حب استطلاع المتشككين.

عوض القول كيف؟ وجب الإيمان بإمكانية قوة الله لتحقيق ذلك. فعندما سُئل حزقيال النبي عن إمكانية إقامة العظام الجافة، كانت إجابته: "يا سيد الرب أنت تعلم!" (حز 37: 3).

إن كان الله صنع الشمس والقمر والكواكب بكلمة، فما هي المشكلة إن كان يقيم أجسادنا كأجسادٍ جديدةٍ.

يقول القديس أمبروسيوس: [ربما يُدهش أحد كيف يمكن للأجساد التي تحللت أن تعود سليمة، والأعضاء التي تبعثرت وتحطمت أن تُسترد. ومع هذا لا يعجب أحد من البذور الرقيقة التي تتحطم عندما تتبلل وتثقل بالتربة إذ بها تنمو وتعود خضراء. مثل هذه البذور حتمًا تتحلل باحتكاكها بالتربة، ولكن برطوبة التربة واهبة الحياة تنال البذور المدفونة والخفية نوعًا من الحرارة المحيية، وتنال قوة واهبة الحياة لنمو النبات عندئذ بالتدريج تقوم بالطبيعة، فتظهر سنبلة نامية على الساق، وكأم معتنية بها تغلفها وهي في مرحلة ما قبل النضوج بأغطية تحميها من الدمار، من صقيع البرد أو حرارة الشمس، حتى تظهر البذور كما لو كانت أطفالاً صغارًا[122].]

كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لماذا يقدم بولس برهانًا كهذا بدلاً من أن يشير ببساطة لسامعيه عن قوة الله كما فعل في مواضعٍ أخرى؟ هنا يتعامل مع شعب لا يؤمنون بما يقوله، لذلك قدم لهم براهين عقلية لما يقوله[123].]

يجيب الرسول: "يا غبي الذي تزرعه لا يحيا إن لم يمت" (1 كو 15: 36). بالنسبة للجانب الأول يجيب الرسول بأن القيامة هي في إمكانية الله القدير الذي يعمل دومًا بقوته الإلهية في حياتنا اليومية بما يشابه القيامة. فكما تنحل حبة القمح وتبدو كأنها قد هلكت تمامًا لتعود فتقدم ثمارًا من ذات النوع، هكذا يحدث مع جسمنا. كأنه يقول لماذا في غباوة نجحد قوة الله واهب القيامة ونحن نختبر في كل يوم قوته المحيية لأشياءٍ ميتةٍ؟

يجيب الرسول بمثلٍ واقعي يعرفه كل إنسانٍ، فإن الاعتراض على إمكانية القيامة لا أساس له من خلال الواقع العملي. قيامة المسيح الذي مات من أجلنا لم تنزع عنا موت الجسد الذي حلّ بنا من آدم لكنه يُحضرنا إليه لننعم بحياة جديدة سماوية خارجة من موته المحيي.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إنه يحل مشكلة يقدمها الأمم ضد القيامة... فيقدم صعوبتين، إحداهما بخصوص طريقة القيامة، والثانية نوع الأجساد... لهذا يدعو الشخص غبيًا إذ يجهل ما يحدث معه يوميًا، يجهل أمورًا تحدث معها القيامة، ومع هذا يشك في قدرة الله. لهذا يؤكد قائلاً: "الذي تزرعه" يا أيها القابل للموت والهلاك...[124]]

ويقول القديس أمبروسيوس: [يليق بنا ألا نشك فيما هو متفق مع الطبيعة وليس ضدها. فإنه طبيعيُا كل الأشياء الحية تقوم، ودمارها أمر غير طبيعي.]

5. هل من أمثلة عملية يقدمها لنا الله كي نثق في قيامة أجسادنا في بهاءٍ أعظم؟

يتعجب الرسول بولس أننا نرى أمثلة واقعية في حياتنا سمح بها الخالق تؤكد إمكانية قيامة الجسد، مثال ذلك يُمكن لحبة القمح المجردة بعد دفنها في التربة، أن تخرج سنبلة من ذات النوع، بل وأفضل وأعظم منها. هكذا بالنسبة لنا نُزرع جسمًا ليقوم ذات الجسم، ولكنه أبرع جمالاً وبهاءً، له طبيعة جديدة مجيدة روحية أعظم مما زُرع. فالموت ليس طريقا لعبور الجسد وعودته فحسب، لكنه طريق لتمجيد الجسد ليشارك النفس بهاءها الأبدي.

لم ينزع الصليب الموت الجسدي، لأننا بالإيمان إذ نموت مع السيد المسيح نتهيأ للقيامة المجيدة بسمات أفضل تليق بالحياة الأبدية.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [مقال (الرسول) هنا لم يعد بخصوص القيامة بل أسلوب القيامة... ماذا إذن يقول؟ "لست تزرع الجسم الذي سوف يصير فيما بعد". فسنبلة القمح، هي ذات البذرة وفي نفس الوقت ليست هي بعينها. فالمادة هي ذاتها، لكنها ليست هي لأنها أفضل منها. تبقى المادة كما هي لكن يصير جمالها أفضل، يقوم نفس الجسم لكنه جديد[125].]

يقول أيضًا: [يقول أحد: "نعم، لكن هذا من فعل الطبيعة". أخبرني، أية طبيعة؟ ففي هذه الحالة الله بالتأكيد هو الذي يصنع الكل، وليست الطبيعة ولا الأرض ولا المطر، بل الله هو العامل. لذلك قد صنع كل هذه الأشياء بطريقة واضحة، تاركًا الأرض والمطر والجو والشمس وأيدي الفلاّحين، ويقول: "الله يعطيها جسمًا كما أراد" (1 كو 15: 38). لذا لا يليق بك أن تسأل أو تنشغل كيف وبأية وسيلة يتم ذلك عندما تسمع أن ذلك يتحقق بقوة الله وإرادته[126].]

ويقول القديس أمبروسيوس: [تُزرعون مثل سائر الأشياء، فلماذا تتعجبون أنكم ستقومون مثل بقية الأشياء؟ أنتم تؤمنون بالبذرة لأنكم ترونها. أنتم لا تؤمنون بالقيامة لأنكم لا ترونها. "طوبى للذين آمنوا ولم يروا" (يو 20: 29). ومع ذلك قبل حلول الموسم المناسب حتى بالنسبة للبذرة لا يصدقون بها. فإنه ليس كل موسمٍ مناسبًا للبذار كي تنمو. فالقمح يُزرع في وقت وينمو في وقت آخر، في وقت ما تُطعم الكرمة. وفي وقت معين تظهر الجذور، وفي وقت آخر تظهر أوراق الشجرة بكثرة ثم تتشكل عناقيد العنب. في وقت معين تغرس شجرة الزيتون. وفي وقت آخر تصير مثقلة كما بطفلٍ وكمن هي حامل بحصرم العنب وتنحني من كثرة ثمارها. لكن قبل الوقت المعين لكل نوع يبدو الإنتاج محدودًا. ليست الشجرة أو الزرع له وقت لحمل الثمار من قوته الذاتية[127].]

6. ما هي إرادة الله من جهة أجسامنا القائمة من الأموات؟

يقول الرسول: "ولكن الله يعطيها جسمًا كما أراد، ولكل واحدٍ من البذور جسمه" (1 كو 15: 38). يهب الله الجسد "كما أراد"، وما هي إرادته إلا أن يتمتع الجسم بالحياة المطوبة السماوية. هذه هي مسرّته أن يهب ذات الجسم الذي شارك النفس جهادها في هذا العالم أن يشاركها مجدها.

كل بذرة تُزرع تقيم جسمًا خاصًا بها، فلم نسمع عن بذرة قمح جلبت شعيرًا، ولا بذرة تفاح جلبت ليمونًا، بل كل بذرة تجلب حصادًا من ذات نوعها. يقول الرسول: " ليس كل جسد جسدًا واحدًا، بل للناس جسد واحد وللبهائم جسد آخر وللسمك آخر وللطير آخر" (1 كو 15: 39).

جاء وقت ادعى العلماء بأن ما يقوله الرسول بولس خطأ فإن جسد الإنسان وجسد الحيوان وأيضًا السمك والطيور هو واحد، مكون من ذات الجبلة الأولى أو بروتوبلازما الخلية أو المادة الحية الأساسية في الخلايا protoplasm. اليوم أدرك العلماء أن مادة الخلايا cytoplasm وقلبها nuclei تختلف في هذه الأنواع الأربعة من الجسد[128].

الجسد الذي يقيمه الرب هو جسد حقيقي، جسد إنسان له طابعه الخاص، لكنه ممجد وروحي. إنه ليس كما يظن البعض أنه جسد خيالي. يقول ثيؤدور أسقف المصيصة: [في القيامة سيقوم جسد أفضل، جسد لا يعود فيه لحم ودم هكذا بل كائن حي خالد ولا يمكن هلاكه.]

7. ماذا يعني الرسول بقوله: "وأجسام سماوية، وأجسام أرضية، لكن مجد السماويات شيء، ومجد الأرضيات آخر" (1 كو 15: 40)؟

يعود الرسول فيقارن بين جسمنا الترابي الذي على مثال جسم آدم، وذاك الذي سنناله على مثال جسم المسيح القائم من الأموات. فإنه لا يوجد وجه للمقارنة بين مجد الجسم الترابي ومجد الجسم الروحاني السماوي. ففي السماء يكون الجسم ممجدًا وبهيًا وكاملاً. حقًا إنه حتى في هذا العالم يتمتع جسمنا الترابي بعربون المجد الداخلي والبهاء، أما في يوم الرب، فإنه "سيغير شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده بحسب عمل استطاعته أن يُخضِع لنفسه كل شيءٍ" (في 3: 21). وكما وعدنا السيد المسيح: "حينئذ يضيء الأبرار كالشمس في ملكوت أبيهم" (مت 13: 43).

إذ يتحدث هنا عن الأجسام السماوية ربما لا يعني الشمس والقمر والكواكب، لكنه يعني الملائكة والطغمات السمائية، فإنهم أرواح لكنهم بالمقارنة بالله الروح البسيط يُحسبون كمن لهم أجسام. ونحن إذ نشترك معهم في الحياة السماوية تصير أجسامنا روحية، لكنها مختلفة عن تلك التي للسمائيين. وربما يقصد بالأجسام السماوية جسم المسيح القائم من الأموات وأجسام القديسين القائمة من الأموات، وبالأجسام الأرضية أجسامنا هنا في الحياة الزمنية على الأرض.

يقول العلامة أوريجينوس: [حتى بين الأجسام الأرضية الاختلاف ليس بقليل. خذ الجنس البشري كمثال. البعض يونانيون والبعض برابرة، وبين البرابرة البعض أكثر عنفًا من غيرهم. البعض لهم قوانين سامية والآخرون قوانين منحطة، البعض لهم عادات متوحشة وآخرون ليس لهم قوانين قط يخضعون لها[129].]

8. هل سيتساوى كل المؤمنين في المجد الأبدي؟

يقول القديس بولس: "مجد الشمس شيء، ومجد القمر آخر، ومجد النجوم آخر، لأن نجمًا يمتاز عن نجمٍ في المجد" (1 كو 15: 41).

إن كنا ونحن نجاهد على الأرض تهبنا الحياة المقامة مع المسيح قوة لتحطيم الخطية وكسر شوكة الموت، فنعيش بروح النصرة المتهللة، كل مؤمن حسب قامته الروحية، ففي الأبدية توجد منازل كثيرة (يو 14: 2). هذه المنازل لا تسبب غيرة أو حسدًا أو كبرياء، بل كل مؤمن يشعر كأن ما يناله إخوته ناله هو، فيشتهي أن يكون آخر الكل. يقول القديس جيروم: [مع تنوع المجد في السماء إلا أن الكل يتمتعون ببيتٍ واحدٍ، وقد صعد الرب لا ليُعد مواضع كثيرة، بل يُعدّ بيتًا واحدًا، فالكل يشتركون في ذات البيت ويشعرون بالكفاية والشبع، وإن اختلف مجد كل نجمٍ عن الآخر[130].]

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:

[حقًا سيقوم الكل في قوةٍ وعدم فسادٍ، ولكن في هذا المجد الذي بلا فسادٍ لا يتمتع الكل بذات الكرامة والأمان[131].]

[مع وجود قيامة واحدة توجد اختلافات ضخمة في الكرامة من جسدٍ إلى آخر[132].]

[إذ يقول هذا يصعد إلى السماء ويقول: "مجد الشمس شيء ومجد القمر آخر". كما يوجد اختلاف بين الأجسام الأرضية يوجد أيضًا في السماوية. هذا الاختلاف ليس بالأمر العادي بل يبلغ قمته. لا يوجد اختلاف فقط بين الشمس والقمر والنجوم، بل وبين النجوم وبعضها البعض. فمع وجودها جميعًا في السماء غير أن البعض لها مجد أعظم والأخرى أقل. ماذا نتعلم من هذا؟ وإن كان الجميع سيكونون في ملكوت الله، لكن لا يتمتع الجميع بذات المكافأة، وإن كان الخطاة في الجحيم لكن ليس الكل يعاني من نفس العقوبة[133].]

9. ماهي طبيعة الجسم القائم من الأموات وما هي سماته؟

إنه جسد جديد لكنه ليس خليقة جديدة؛ من الناحية العضوية يمت بصلة للجسد القديم وإن كان بينهما ارتباط كما بينهما اختلاف. وذلك مثل حبة القمح التي تُزرع وتأتي بسنبلة، أو كالشخص المولود كاملاً الذي كان جنينًا في بطن أمه.

في يوم الرب ستُجمع أعضاء الجسد الموجودة في القبر أو التي تحلّلت ويُعاد بنائها كجسمٍ جديدٍ. حتى تلك الأعضاء التي لا يعرف الإنسان من أين جمعها الرب، فإن الله لا يجهلها ولا يصعب عليه جمعها، أينما تبعثرت. يجمعها الرب بطريقة سرّية، فتقوم بغير فسادٍ، ويُحسب الجسم غريبًا بالنسبة لهذا العالم الحاضر.

يقوم الجسد بسمات جديدة تليق بالحياة الأبدية. هذا الأمر يبقى لنا سرًّا يفوق قدراتنا البشرية التعرّف عليها.

تحدث رب المجد عن هذا التغير، قائلاً: "لأنهم في القيامة لا يُزوّجون ولا يتزوَّجون، بل يكونون كملائكة الله في السماء" (مت 22: 30). إذ لا يستطيعون أن يموتوا أيضًا، لأنهم يصيرون مثل الملائكة، وهم أبناء الله؛ إذ هم أبناء القيامة" (لو 20: 36). ويقول الرسول بولس: "الأطعمة للجوف والجوف للأطعمة، والله سيبيد هذا وتلك" (1 كو 6: 13).

أولاً: بلا فساد (1 كو 15: 42). يقول الرسول: "هكذا أيضًا قيامة الأموات: يُزرع في فساد، ويقام في عدم فساد." جاءت كلمة " يُزرع" كتعبيرٍ مُبهج عوض "يُدفن".

"يُزرع في فساد" إذ يتعرض الجسم للانحطاط والفساد والانحلال. "ويُقام في عدم فساد"، كجسدٍ مجيدٍ لن يخضع بعد إلى فسادٍ أو انحلالٍ أو موتٍ. يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [سيقوم هذا الجسد ولكن ليس في ضعفه الحالي. سيقوم نفس الجسم ولكن بعد إزالة الفساد وتحوله، وذلك كالحديد الذي يصير نارًا عندما يتحد بالنار، وذلك كما يعرف الرب الذي يقيمنا. إذن هذا الجسد سيقوم، ولكن لن يبقى في وضعه الحالي بل يصير جسدًا أبديًا. لا يعود يحتاج إلى قوت للحياة كما الآن، ولا إلى درجات يصعد عليها. يصير روحيًا، إنه أمر عجيب، نسأل أن نتعرف على وضعه[134].]

يقول القديس أغسطينوس:

 [مع أن القديسين روحيون في الذهن إلا أنهم لا يزالوا جسديين في الجسد القابل للفساد الذي يبقى ثقلاً على النفس. إنهم سيصيرون روحيين أيضًا في الجسد عندما يُزرع الجسد الحيواني ويقوم جسدًا روحانيًا. إنهم لا يزالوا سجناء في حصون الخطية، ما داموا يخضعون لإغراءات الشهوات التي لا يوافقون عليها. هكذا فهمت هذا الأمر كما حدث مع هيلاري وغريغوريوس وأمبروسيوس وغيرهم من معلمي الكنيسة المشهورين، هؤلاء رأوا أن الرسول بكلماته حارب بقوة نفس المعركة ضد الأفكار الجسدية التي لم يكن يريدها[135].]

[كما أنه عندما تخدم الروح الجسد تُدعى بحقٍ جسدانية، هكذا عندما يخدم الجسد الروح يدعى بحقٍ روحانيًا. ليس بمعنى أنه يتحوّل إلى روح كما يتوهّم البعض بتفسيرهم الكلمات: "يزرع في فساد ويُقام في عدم فساد"، وإنما لأنه يُخضع للروح في استعداد للطاعة الكاملة العجيبة ويتجاوب في كل شيءٍ مع الإرادة التي دخلت إلى الخلود، فيزول عنها كل تخاذل وفساد وخمول. لأن الجسد ليس فقط سيكون أفضل مما عليه الآن في أفضل حالته الصحية، بل وسيسمو فوق جسدي أبوينا الأولين اللذين أخطأ[136].]

[بطريقة ما تشرق البتولية هناك، وبطريقة أخرى تشرق هناك عفة الزواج، وبطريقة ثالثة سوف يُشرق الترمل المقدس. يشرق الكل بطرقٍ مختلفةٍ، لكن الكل سيكونون هناك[137].]

[لقد ضُربت (أيها الموت)، لقد جُرحت، لقد سقطت طريحًا، لكن جُرح ذاك الذي خلقني. يا موت، يا موت، هوذا الذي أوجدني جُرح من أجلي وبموته غلبك. بنصرة سيقولون: "أين شوكتك يا موت؟ أين غلبتك يا موت؟ (1 كو 15: 55)[138]]

[سنتجدد نحن أيضًا في الجسد عندما يلبس هذا الفاسد عدم الفساد، فيصير جسدًا روحانيًا. آدم لم يتغير بعد إلى مثل هذا الجسم، بل كان موضوعًا له أن يكون هكذا لو أنه لم يتأهل بسبب الخطية للموت حتى بالنسبة لجسده الطبيعي. أخيرًا فإن بولس لم يقل: "الجسد مائت بسبب الخطية"، بل الجسد مات بسبب الخطية[139].]

[لو سألنا مسيحيًا صالحًا له زوجة، وقد يكون لديه أبناء منها عما إذا كان يرغب في أن تكون له علاقة جسدية بزوجته في ملكوت السماوات، فبالرغم من محبته لزوجته في الحياة الحاضرة وارتباطه بها، سيجيب بلا تردد رافضًا بشدة أن تكون علاقته بها في السماء علاقة جسدية، لأنه يهتم بتلك الحياة التي فيها يلبس الفاسد عدم فساد وهذا المائت عدم موت (1 كو 53:15، 54).

هل لي أن أسأله مرة أخرى عما إذا كان يرغب في أن تكون زوجته معه بعد القيامة هناك، حيث يكون لها ذلك التغير الملائكي الذي وعد به الرب القديسين، فإنه سيجيب بالإيجاب بشدة، قدر ما رفض بشدة في الحالة الأولى.]

نفهم من أقوال أغسطينوس أن على الزوجين أن يحبا بعضهما البعض ويهتم كل منهما بالحياة الروحية للآخر فلا تكون علاقتهما ببعض مجرد اتصال جسدي، سوف ينتهي ويزول بزوال العالم... وذلك كنظرتنا إلى الطعام، فهو ليس بالشيء المحرم أو النجس ومع ذلك فينبغي ألا يكون هدفًا لنا، لأنه طعام فاسد لا يبقى إلى الأبد. فالزواج سرّ مقدس له كرامته وقدسيته لأن مؤسسه رب المجد نفسه. ويقول عنه أغسطينوس نفسه "إن قداسة السر، لها في زيجتنا (المسيحية) قوة أكثر من قوة ثمرة الأولاد في الدم[140]."

لهذا ما يحبه المسيحي الصالح في المرأة هو كونها مخلوق إلهي، هذه التي يرغب لها التجديد والتغير دون أن يهتم بالعلاقة الشهوانية. وبنفس الطريقة يحب الإنسان عدوه، لا لأجل عداوته له بل لكونه إنسانًا يرغب له نفس النجاح الذي يريده لنفسه، أي بلوغ ملكوت السماوات.

وهذا ينطبق أيضًا على الأبوة والأمومة وبقية العلاقات الجسدية (الدموية)، فنبغض فيهم العلاقات الجسدية، بقدر ما نحب كل ما يؤدي بهم إلى الوصول لملكوت السماوات. فهناك لا نقول لأحد: "أبي"، بل جميعنا نقول لله "أبانا". ولا نقول لأحد: "أمي" بل نقول جميعنا لأورشليم السماوية "أمنا". ولا نقول لأحد: "أخي" بل يقول الكل للآخر: "أخي".

حقًا سيكون هناك زواج من جانبنا، إذ نتقدم جميعًا كزوجة واحدة لذاك الذي خلصنا من نجاسة هذا العالم بسفك دمه، لذلك يلزم لتلميذ المسيح أن يكره تلك الأمور الزائلة المتعلقة بأقربائه، وبقدر كراهيته لهذه الأمور يحب أشخاصهم، راجيًا لهم حياة أبدية[141].]

ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم:

[على أي الأحوال "هذا الفاسد" الذي للجسد "لابد أن يلبس عدم فساد". أما الآخر، أي النفس، فليس فيها فساد قط حيث يوجد فيها عدم الفساد... الآن إن كنا سنرحل إلى العالم الآخر وفينا فساد فسيصير هذا الفاسد بلا فساد بلا نهاية، بل يبقى محترقًا ولا يحترق ليفنى، يبقى دومًا مضروبًا بالدود، فساده لا يفسد. فيكون حاله مثل أيوب الطوباوي الذي فسد (جسده) ولم يمت ولفترة طويلة. كان "انهياره مستمرًا يضع كتل التراب على قروحه" (أي 5:7 LXX)[142].]

[لئلا عندما يسمع أحد "أن لحمًا ودمًا لا يقدران أن يرثا ملكوت الله" يظن أن أجسامنا لا تقوم، لذلك أضاف: "ولا يرث الفساد عدم الفساد"، و"يلبس هذا المائت عدم موت". الآن فإن الجسم فاسد، الجسم مائت، لذلك يبقى الجسم حقًا، لأن الجسم هو الذي سيلبس عدم الفساد، لكن فساده وموته يبيدان، بينما يحل عليه عدم الفساد وعدم الموت. لا تعود بعد تسأل كيف ستعيش حياة بلا نهاية، فقد سمعت الآن عن تحوله إلى عدم الفساد[143].]

ثانيًا: مجيد (1 كو 15: 43). يتسم الجسم القائم من الأموات أنه مجيد، وقد قال السيد المسيح: "حينئذ يضيء الأبرار كالشمس في ملكوت أبيهم" (مت 13: 43). بينما يضيء الأبرار كالنجوم أكثر من الشمس يكون الأشرار في الظلمة.

يقول الرسول: "يُزرع في هوانٍ، وُيقام في مجدٍ". بسبب الخطية حُرم الجسم وطاقاته وحواسه ومشاعره من كل المجد وصار في هوانٍ، وأصبح مصيره الموت. لكنه يقوم في مجدٍ، إذ يتمتع بالخلود ويتحرر من عبودية الموت أبديًا. يقول القديس ديديموس الضرير: [عندما يُزرع الجسد الذي يتكون بواسطة العلاقات الجسدية بين ذكر وأنثى يكون فيه هوان وضعف، لأنه جسد نفس هالكة تشاركه سماته. ولكن إذ يقوم بقوة الله يظهر جسدًا روحيًا يحمل عدم الهلاك والقوة والكرامة.] ويقول الأب أمبروسياستر: [يُزرع الجسد في هوان، لأنه يوضع في كفن فيه يفسد ويأكله الدود. ولكن عندما يقوم يكون في مجدٍ وينتهي كل أثر للهوان[144].]

ثالثًا: في قوة (1 كو 15: 43). يقول الرسول: "يزرع في ضعف، ويُقام في قوة". "يُزرع في ضعف": إذ يتعرض للأمراض، "ويُقام في قوة"، إذ لا يتعرض بعض للتعب والمرض والشيخوخة والانحلال والموت. ماذا يقصد بالقوة هنا؟ ليست كتلك الخاصة بالله ولا بملائكة. وهي ليست بالقوة البدنية، لكنها قوة تعمل ما يبدو كأنه أمر مستحيل تنفيذه الآن. أيضًا القوة هنا مقابل الضعف الذي كان الجسم يتعرض له في هذا العالم. وكأن القوة تعني عدم خضوع الجسم للأمراض والضعفات والاحتياجات الجسمانية من أكل وشرب ونوم، كما لا يمكن أن يحلّ به الموت أو الفساد أو الانحلال.

رابعًا: جسم روحاني (1 كو 15: 44). يقول الرسول: "يُزرع جسمًا حيوانيًا، وُيقام جسمًا روحانيًا. يوجد جسم حيواني، ويوجد جسم روحاني". يزرع جسمًا حيوانيًا، يشبه الجسم الحيواني من جهة تكوينه كجسم به عضلات وعظام وأعصاب وأوردة وشرايين الخ، لها ذات الوظائف وبه الجهاز الهضمي الذي يحول الطعام إلى دم والجهاز التنفسي الخ. "ويًقام جسمًا روحانيًا" يتسم بالكمال، فلا يحتاج إلى مئونة خارجية كالطعام والشراب والهواء؛ ولا يخضع للموت، له وجود روحي، ومئونة روحية.

"الجسم الحيواني"، يترجم أحيانًا "الجسم الطبيعي"، وهو الجسم الذي به يمارس الحيوان حياته من أكل وشرب وتنفس وحيوية وله حواس ملموسة ويحتاج إلى راحة ونومٍ. "الجسم الروحاني" لا يعني روحًا، لأن الروح ليس له جسم.

ما معنى أن الجسد سيكون روحيًّا؟ سيكون الجسد روحيًا وإن كان قد زُرع كجسد طبيعي. يرى العلامة أوريجينوس أنه سيكون روحيًا لأنه سيكن رقيقًا وخفيفًا يشبه أجسام الملائكة[145].

ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم إنه سيكون روحيًا، إما لأن الروح القدس يبقى في أجساد الأبرار أبديًّا أو لأن الروح القدس يحكمه على الدوام. وأيضًا لأنه سيكون خفيفًا، أو لأن هذه الأمور كلها تجتمع معًا[146].

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [هل جسدنا الحاضر ليس بعد روحيًا كما ينبغي؟ حقًا إنه روحاني، لكنه سيصير أكثر روحانية، لأنه الآن غالبًا ما تفارقه نعمة الروح القدس الغنية متى ارتكب خطايا عظيمة. مرة أخرى فإن الروح يستمر حاضرًا وتعتمد حياة الجسد على النفس وتكون النتيجة في هذه الحالة هو الحرمان من الروح. ولكن بعد القيامة لا يعود يكون الأمر هكذا، بل يسكن في جسد البار على الدوام وتكون النصرة حليفة له وتكون النفس الطبيعية حاضرة... بهذا لتؤمن أن الله قادر أن يجعل هذه الأجساد الفاسدة غير فاسدة وأكثر سموًّا من الأجسام المنظورة[147].]

ويقول القديس أغسطينوس: [سنكون لا نزال أجسادًا لكن نحيا بالروح، فنحتفظ بمادة الجسد دون المعاناة من خموله وإماتته[148].]

كما يقول: [كما أن الروح عندما تخدم الجسد لا يكون غير لائق أن يُقال إنها جسدية هكذا الجسد عندما يخدم الروح يُدعى روحانيًا بحقٍ. ليس لأنه قد تحول إلى روح كما ظن الذين أساءوا تفسير النص "يُزرع جسد طبيعي ويقوم جسد روحاني"، وإنما لأنه سيخضع للروح في طاعة كاملة عجيبة مرنة، فتقبل قانونه الخاص بالخلود غير المنحل، وتطرد جانبًا كل شعورٍ بالتعب، وكل ظلٍ للألم، وكل علامةٍ للانحطاط. هذا الجسد الروحاني ليس فقط يصير أفضل من أي جسد على الأرض في صحة كاملة بل ويتعدى جسد آدم وحواء قبل السقوط[149].]

خامسًا: على شبه جسم الإنسان الثاني، الرب من السماء (1 كو 15: 45-50). إننا سنلبس صورة السماوي، يقول الرسول: "هكذا مكتوب أيضًا صار آدم الإنسان الأول نفسًا حية، وآدم الأخير روحًا محييًا" (1 كو 15: 45). يشير الرسول بولس إلي ما ورد في سفر التكوين 2: 7، بأن آدم صار نفسًا حية. أما بالنسبة لآدم الثاني الذي صار روحًا محييًا، فيتحدث بعض اليهود عن روح المسيّا أنه هو الروح الذي كان يرف على وجه المياه (تك 1: 2) ليهب حياة، وأنهم دومًا كانوا يشيرون إلى المسيّا أنه يُحي الذين يسكنون في التراب. وقد جاء في إنجيل يوحنا: "فيه كانت الحياة" (يو 1: 4).

أقام الله آدم نفسًا حية، لكنه كان يحتاج إلى الحياة من خارجه، لهذا إذ وهبه الله زوجة دعاها "حواء" أي "حياة" لتجلب حياة، وتكون أمًا لكل حي، وإذ بها تجلب موتًا. أما آدم الثاني فهو الكلمة المتجسد المحيي يؤكد لنا: "أنا هو الحياة والقيامة".

ثمرة التصاقنا بأبينا آدم الأول أننا حملنا جسدًا حيوانيًا، أما ثمرة اتحادنا بأبينا الجديد آدم الثاني أننا نصير جسدًا روحانيًا، إذ يهبنا الحياة السماوية الأبدية.

يقول بطرس خريسولوجوس:

[اليوم يعتبر الرسول القديس بولس أن شخصين هما أصل الجنس البشري، أعني آدم والمسيح. هما شخصان، لكنهما مختلفان في الاستحقاق. حقًا متشابهان في هيكل الأعضاء لكنهما بالحق مختلفان في بدايتهما.

الإنسان الأول، آدم كما يقول النص صار نفسًا حية، وآدم الأخير صار روحًا محييًا.

الإنسان الأول خلقه الأخير، منه نال نفسه لكي يحيا. هذا الأخير تكوّن بذاته، فهو وحده لا ينتظر الحياة من آخر، بل يهبها لكل البشر.

الأول قد تشكّل من التراب الرخيص جدًا، والأخير جاء من رحم العذراء الثمين.

في حالة الأول تحوّل التراب إلى جسد، أما في الأخير فالجسد نفسه صعد إلى الله.

لماذا؟ أقول أكثر من هذا. هذا الأخير هو آدم الذي وضع صورته في الأول عندما خلقه. هذا هو السبب الذي لأجله قام (المسيح) بنفس الدور مثل السابق، وتقبل اسمه حتى لا يسمح له بالهلاك إذ هو مهتم به، ولهذا السبب خلقه على صورته.

آدم الأول وآدم الأخير؛ الأول له بداية والأخير بلا حدود. لأنه بالحق هذا الأخير هو الأول، إذ يقول: "أنا هو الأول وأنا الآخر"، فبالتأكيد هو بلا نهاية.

يقول النص: "لكن ليس الروحاني أولاً بل الجسداني وبعد ذلك الروحاني". فبالتأكيد توجد الأرض قبل الثمرة، لكنها ليست في قيمة الثمرة. الأرض تخرج تنهدات وأتعاب، والثمرة تهب وجودًا وحياة. بحق يمجد النبي مثل هذه الثمرة: "من ثمرة بطنك أجلس على كرسيك" (مز 132: 11).

يكمل النص: "الإنسان الأول من التراب هو أرضي، والإنسان الثاني من السماء سماوي". أين هؤلاء الذين يظنون أن حبل العذراء وميلادها لطفلها يشبه ما يحدث مع النساء الأخريات؟ ما حدث مع النساء الأخريات هو من الأرض، وأما ما حدث للعذراء فمن السماء.

واحد تم بقوة إلهية، والآخر بضعف بشري.

حالة تمت خلال جسد خاضع للأهواء، والأخرى خلال هدوء الروح الإلهي وسلام الجسد البشري.

صمت الدم، ودُهش الجسد، واستراحت أعضاؤها، وكان كل رحمها في راحة خلال افتقاد السماوي له. ارتدى موجد الجسد ثوبًا من الجسد، حتى يمكن لذاك الذي ليس فقط وهب الأرض للإنسان بل وهو يهبه السماء يمكنه أن يصير إنسانا سماويًا[150].]

10. هل الجسم الذي سيقوم غير الجسم الذي لنا الآن في هذا العالم؟

يقول العلامة أوريجينوس: [بالنسبة لطبيعتنا الجسدية يليق بنا أن نفهم أنه لا يوجد جسم نعرفه في انحطاطٍ وفسادٍ وضعفٍ، وآخر مختلف عنه سنستخدمه فيما بعد في عدم فساد وقوة ومجد. بل بالأحرى ذات الجسم يُنزع عنه ضعف وجوده الحالي، ويتحول إلى شيءٍ من المجد ويصير روحانيًا، فتكون النتيجة أنه ما كان إناءً للهوان هو بعينه يتطهر ويصير إناءً للكرامة ومسكن الطوباوية (رو 9: 21)[151].]

11. هل الجسد الحيواني هو الأول أم الجسد الروحاني؟

يقول الرسول: "لكن ليس الروحاني أولاً، بل الحيواني، وبعد ذلك الروحاني" (1 كو 15: 46). الحيواني أو الطبيعي أولاً إذ هو الجسد الذي خُلق عليه آدم ليعيش على الأرض، أما "الروحاني" فهو ذات الجسد بعد أن يتمجد لتلتحف به النفس في القيامة ويعيش في السماء ككائنٍ أشبه بالروح. يقول القديس أغسطينوس: [من الأبوين الأولين للجنس البشري كان قايين هو البكر وكان منتسبًا لمدينة البشر؛ بعد أن وُلد هابيل الذي انتسب لمدينة الله. فإنه كما بالنسبة للفرد تميّز الحق في عبارة الرسول: "ليس الروحي أولاً بل الطبيعي وبعد ذلك الروحاني"، هكذا كل إنسانٍ ينسحب من المجموعة يولد أولاً من آدم شريرًا وجسمانيًا، وبعد ذلك يصير صالحًا وروحانيًا، عندما يُطعَّم في المسيح بالتجديد، هكذا كان الأمر بالنسبة للجنس البشري كله[152].]

كما يقول: [يُفهم الجسم الروحاني كجسمٍ يخضع للروح ليناسب سكناها السماوية؛ كل ضعفٍ أرضي وفساد وتغير يتحول إلى طهارةٍ سماويةٍ واستقرارٍ[153].]

ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [في خطة الله سيعبر ما هو أقل ونتوقع بالأكثر ما هو أفضل. هذا هو السبب لماذا يقول بولس أن الأمور الأقل قد عبرت والأمور الأفضل في الطريق (2 كو 5: 17)... فإن الفلاح وهو يرى البذور تنحل لا يحزن[154].]

12. إلى من ننتمي: إلى الإنسان الترابي أم الرب السماوي؟

جهادنا في الرب أن نلتصق به ونتحد معه كي يقيم ملكوته فينا ويقود الروح القدس حياتنا. بهذا نتمتع بعربون السماء، ونتهيأ أن نُنسب لآدم الثاني السماوي، ولا يكون للتراب موضعًا فينا. يقول الرسول: "الإنسان الأول من الأرض ترابي، الإنسان الثاني الرب من السماء" (1 كو 15: 47). "ترابي" لا تعني أنه مجرد يسلك على الأرض التي هي تراب بل يحمل طبيعة ترابية زائلة.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [الفارق الأول كان بين الحياة الحاضرة والحياة العتيدة، أما هذا الاختلاف فهو بين الحياة قبل إعلان النعمة وتلك التي بعد إعلان النعمة[155].]

ويقول القديس أغسطينوس: [الرب السماوي صار أرضيًا لكي يجعل الأرضيين سمائيين. الخالد صار قابلاً للموت بأخذه شكل عبد، وليس بتغيير طبيعة الرب، لكي يجعل المائتين خالدين بتمتعهم بنعمة الرب وعدم انشغالهم بمعصية العبد[156].]

كما يقول القديس هيلاري أسقف بواتييه: [الإنسان الأول جاء من الأرض، والثاني من السماء. بقوله: "الإنسان" يعلمنا عن ميلاد هذا الإنسان من العذراء، التي بتحقيق عملها الكامل عملت بما يتفق مع طبيعة جنسها في الحبل بالإنسان وميلاده. وعندما يؤكد أن الإنسان الثاني من السماء يشهد أن أصله من ظهور الروح القدس الذي حلّ على العذراء. هكذا يوضح بدقة بينما كان هو إنسانًا كان أيضا سماويًا. فإن ميلاد هذا الرجل كان من العذراء، الحبل كان من الروح[157].]

13. ماذا يعني الرسول بقوله: "كما هو الترابي هكذا الترابيون أيضًا، وكما هو السماوي هكذا السماويون أيضًا" (1 كو 15: 48)؟

 كما كان آدم الذي تشكّل من التراب هكذا تكون سلالته، خاضعين للضعف والانحلال والموت. وكما هو السماوي هكذا من يتحد به يشترك في المجد السماوي. يقول العلامة أوريجينوس: [إن بقيت فيما هو من الأرض فإنك تتحول إليها في النهاية. يجب أن تتغير، يلزم أن تصير سماويًا[158].]

ويقول مكسيموس أسقف تورينو: [تشكل آدم من الطين بيدي الله، وتشكل المسيح في الرحم بروح الله[159].]

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ماذا إذن؟ ألم يمت هذا الإنسان أيضًا؟ حقًا لقد مات لكن لم تصبه أذية من هذا بل بالأحرى وضع نهاية للموت[160].]

يقول الأب بطرس خريسولوجوس:

[ليتنا نسمع ما جاء بعد ذلك: "كما كان الترابي هكذا الترابيون، وكما هو السماوي، هكذا يكون السمائيون". كيف يمكن للذين لم يولدوا هكذا كسمائيين أن يوجدوا سمائيين؟ ليس ببقائهم على ما وُلدوا عليه بل بالاستمرار في أن يكونوا حسب الولادة الجديدة.

أيها الإخوة هذا هو السبب أن الروح السماوي بأمر سرّي لنوره أعطى خصوبة لرحم الأم العذراء. لقد أراد أن يلد أولئك الذين لهم أصل من كم ترابي موروث فجاءوا كبشرٍ أرضيين في حالة يُرثى لها ليصيروا ككائناتٍ سماوية. أراد أن يحضرهم إلى شبه خالقهم. هكذا ليتنا نحن الذين بالفعل قد وُلدنا ثانية وتشكلنا على صورة خالقنا نحقق ما أمر به الرسول. لذلك وإن كنا قد حملنا شبه الأرضي، فلنحمل شبه السماوي!

لنثق بأن كل هذا كان ضرورة وهو أننا قد تشكلنا من الأرض، فلا نقدر أن نجلب ثمارًا سماوية. نحن الذين وُلدنا من الشهوة لا نقدر أن نتجنب الشهوة، نحن الذين وُلدنا من إغراءات الجسد القوية لابد لنا أن نحمل ثقل إغراءاته. وإذ نتثقل بإغراءاته حسبنا هذا العالم بيتنا وصرنا أسرى لشروره. نحن نولد من جديد على شبه ربنا (كما أشرنا) الذي حبلت به البتول، فنحيا بالروح، ونحمل التواضع ويولد فينا الكمال، وتنتعش فينا البراءة، ونتعلم القداسة، ونتمرن على الفضيلة، ويتبنّانا الله أبناء له.

لنحمل صورة خالقنا في إنتاج كامل. ليكن ذلك إعادة إنتاج ليس لذاك الجلال الذي هو فريد في هذا، وإنما في تلك البراءة والبساطة والوداعة والصبر والتواضع والرحمة والسلام الذي به قد عيّن لكي يصير واحدًا معنا.

ليته تبطل احتكاكات الرذائل المزعجة، وتنهزم إغراءات الخطايا الخطيرة، وتُضبط العين مصدر الجرائم. ليت كل ضباب الأمور الزمنية يتبدد من حواسنا. ليت كل وهن الشهوات العالمية تُطرد من أذهاننا.

لنقبل فقر المسيح الذي يخزن لنا غنى أبديًا في السماء. لنحفظ بالكامل قداسة النفس والجسد، لكي نحمل صورة خالقنا ونعتز بها فينا، لا خلال حجمها بل طريقة عملها.

يؤكد الرسول ما قلناه بكلماته: "الآن أقول يا إخوة أن لحمًا ودمًا لا يقدران أن يرثا ملكوت الله". انظر كيف يكرز بقيامة الجسد! هناك الروح تملك الجسد، لا الجسد يملك الروح، كما توضح الكلمات التالية: "ولا يرث الفساد عدم الفساد" (1 كو 15: 50).

ها أنتم ترون أنه ليس الجسد هو الذي يهلك، بل عنصر الفساد؛ ليس الإنسان، بل أخطاؤه، ليس الشخص بل خطاياه، حتى أن الإنسان الذي يعيش في الله وأقامه، هو وحده يفرح عند بلوغه الخلاص من خطاياه[161].]

14. ماذا يعني الرسول بقوله: "وكما لبسنا صورة الترابي، سنلبس أيضًا صورة السماوي" (1 كو 15: 49)؟

في القيامة يلبس الجسم مجدًا، فيصير كجسم السيد المسيح القائم من الأموات، يستطيع أن يخترق الحواجز الأرضية، ويعبر في الهواء، ويشرق ببهاء منعكس عليه من بهاء المسيح. كأبناء لآدم وُلدنا على شبهه وخضعنا لما خضع له. الآن إذ اتحدنا بالسماوي ننعم بشبهه أيضًا. بقوله: "سنلبس" يوضح أن صورة السماوي أشبه بثوب نرتديه ونختفي فيه، فجسدنا قائم لكنه يحمل طبيعة جديدة مشرقة ببهاء عظيم.

يقول العلامة أوريجينوس: [إن كان أحد لا يزال يحمل صورة الترابي حسب الإنسان الخارجي، فإنه يتحرك بالشهوات الأرضية والحب الزمني. أما شهوة وحب ذاك الذي يحمل صورة السماوي في إنسانه الداخلي فهي سماوية. تتحرك النفس بالحب السماوي والاشتياق السماوي، إذ ترى بوضوح جمال كلمة الله وكماله فتسقط إلى الأعماق في حبه وتتقبل الكلمة نفسه كسهمٍ معين يجرحها بالحب[162].] ويقول الأب أمبروسياستر: [هذه تعنى أنه كما نحمل الجسد الفاسد الذي لآدم الترابي هكذا في المستقبل نحمل الجسد غير الفاسد شبه ذاك الذي للمسيح المقام[163].]

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [أن تحمل صورة (السماوي) ليس بالأمر الذي يخص الطبيعة، وإنما هو حسب اختيارنا وسلوكنا[164].] كما يقول: [قصد بولس هو هكذا: إذ حملنا صورة الترابي، أي الأعمال الشريرة، لنحمل صورة السماوي، طريقة الحياة الفائقة بالسماويات. فإن كنا نتحدث عن الطبيعة، فإننا لا نحتاج إلى نصيحة أو حث إذ واضح أنه يتحدث هنا عن أسلوب حياتنا[165].]

ويقول القديس أغسطينوس: [لماذا خلقتني بهذه الكيفية؟ إن أردت أن تعرف هذه الأمور لا تكن طينًا بل كن ابنًا لله خلال رحمة ذاك الذي يعطي المؤمنين باسمه القوة أن يصيروا أبناء الله، وإن كان لم يعطِ بعد هكذا حسبما تريد للذين يرغبون في معرفة الإلهيات قبل أن يؤمنوا بها[166].]

15. ماذا يعني الرسول بقوله: إن لحمًا ودمًا لا يقدران أن يرثا ملكوت الله، ولا يرث الفساد عدم الفساد" (1 كو 15: 50)؟

يقصد باللحم والدم لا كيان الجسم، بل ما هو مائت وفاسد وكل أثر للخطية عليه بكونه جسدنا الفاسد العاجز أن يتمتع بالملكوت الإلهي وهو على هذه الحال. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يقصد بولس بالجسد هنا الأعمال الشريرة المتعمدة. فالجسم في ذاته ليس عائقًا، وإنما بسبب شرنا لا نقدر أن نرث ملكوت الله[167].] كما يقول: [يقصد باللحم هنا أفعال الإنسان الشريرة التي يفعلها أيضًا في موضع آخر، وذلك كما يقول: "وأما أنتم فلستم في الجسد بل في الروح" (رو 8:8-9)... الآن إن كان يتكلم عن الجسم في أي موضع بالفساد، فإنه ليس بالفساد لكنه قابل للفساد. لذلك يكمل في مقاله عنه فلا يدعوه بالفساد بل بالفاسد، قائلاً: "متى لبس هذا الفاسد عدم فساد" (1 كو 15: 54)[168].]

ويقول القديس جيروم: [ليتنا لا نحتقر الجسم بأية وسيلة، بل نرفض أعماله. لا نحتقر الجسم الذي سيملك في السماء مع المسيح. لا يقدر جسد ودم أن يرثا ملكوت الله. هذا لا يشير إلى الجسد والدم هكذا بل إلى أعمال الجسد[169].]

ويقول القديس غريغوريوس النزينزي: [سأرى أخي قيصريوس ليس في منفى ولا مدفونًا ولا حزينًا ولا يحتاج إلى من يشفق عليه، بل في بهاءٍ ومجدٍ وسموٍ[170].]

يقول الرسول بولس: "هوذا سرّ أقوله لكم، لا نرقد كلنا، ولكننا كلنا نتغير" (1 كو 15: 51). يكشف عن سرّ لم يكونوا يعرفونه من قبل، وهو أن ليس كل البشرية تموت، لكنها جميعًا تتغير. هذا ما لم يكن يدركه اليهود. يقول القديس أغسطينوس: [حيث أننا نفهم في هذه العبارة الرقاد ليس إلا موتًا، كيف نرقد كلنا أو نقوم إن كان أشخاص كثيرون سيجدهم المسيح في الجسد لم يرقدوا ولم يقوموا؟ فإن كنا نعتقد بأن القديسين الذين سيوجدون أحياء عند مجيء الرب ويرتفعون لمقابلته فإنه في ذات صعودهم يتحولون من الموت إلى عدم الموت، فإننا لا نجد صعوبة في كلمات الرسول. أما عندما يقول: "ما تزرعه ما لم يمت"، أو قوله "سنقوم جميعنا"، "نرقد جميعنا"، فإنه حتى القديسون سيحيون إلى عدم الموت بعد أن يموتوا أولاً. باختصار وبالتبعية لن يستثنوا من القيامة التي يسبقها الرقاد. ولماذا يبدو لنا أنه غير معقول أن مجموعة الأجساد يلزم أن تزرع في الهواء، ويلزم أن يتغيروا من الفساد إلى عدم الفساد، عندما نؤمن بشهادة نفس الرسول أن تتحقق القيامة في طرفة عين، وأن يتحول تراب الأجساد إلى سمو غير المدرك وخفيفٍ إلى هؤلاء الأعضاء الذين يعيشون إلى ما لا نهاية؟[171]]

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [(الأحياء عند مجيء الرب) هم أيضًا قابلون للموت. لهذا لا تخافوا لأنكم تموتون كمن لا يقوموا بعد. فإنه سيوجد أيضًا من سيهربون من هذا لكن هذا لن يشبعهم لأجل القيامة؛ فإنه حتى الذين لا تموت أجسامهم يلزم أن يتغيروا ويتحولوا إلى عدم الفساد... إذ يقول: "نحن" لا يتحدث عن نفسه بل عن أولئك الذين سيوجدون في ذلك الحين أحياء[172].]

16. ماذا يعني الرسول بالبوق الأخير؟

يقول الرسول: "في لحظة في طرفة عين عند البوق الأخير، فإنه سيبوق، فيُقام الأموات عديمي فساد، ونحن نتغير" (1 كو 15: 52). بقوله "في لحظة"، يعني نقطة من الزمن غير قابلة للانقسام؛ وقوله "في طرفة عين" يشير إلى ما يكاد يكون في غير زمنٍ يمكن قياسه، يتحقق هذا كله. بهذا يعبّر عن حدوث القيامة بقدرة إلهية لا تحتاج إلى زمنٍ لإتمامه.

ضرب البوق في يوم مجيء الرب هو تعليم كتابي ورد في زكريا 9: 14؛ مت 24: 31؛ يو 5:25؛ ا تس 4: 16).

توجد أبواق كثيرة، فقد حدثنا سفر الرؤيا عن الأبواق السبعة التي تُضرب عبر الأجيال حتى مجيء المسيح لتحقيق خطة الله. في العهد القديم كانت الشريعة تقدم مع صوت بوق (خر 19: 16). وكانت الأبواق تُضرب لكي يتهيأ الكهنة والشعب للاحتفال بالأعياد الكبرى خاصة في بدء الشهر السابع حيث يشير إلى عيد نهاية العالم وكمال الأزمنة وفي اليوم العاشر حيث عيد الكفارة والخامس عشر حيث عيد المظال احتفالاً بالخلاص من مصر روحيًا (مز 50: 1-7؛ زك 14: 18-19). وعندما أقيم لعازر من الموت تحقق بصوت عظيم (يو 11: 43)، هكذا سيكون البوق الأخير عند مجيء الرب للدينونة (مت 24: 31؛ 1 تس 4: 16).

يقول القديس جيروم: [عند صوت البوق الأرض وكل شعبها يكونون في رعبٍ، وأما أنتم فستفرحون. العالم سوف يحزن ويتنهد عندما يأتي الرب ليدينه. قبائل الأرض تقرع الصدور. الملوك القادرون يرتعبون في عريهم. جوبتر مع كل نسله يلتهبون؛ وأفلاطون مع تلاميذه يظهرون أغبياء؛ وبراهين أرسطو تصير باطلة. ربما تكون أنت فقيرًا قرويًا لكنك تتمجد وتضحك قائلاً: "هوذا المصلوب إلهي! هوذا دياني![173]]

ويقول القديس أغسطينوس: [بقوله "بوق" يُود أن نفهم بأنه سيكون الأمر جليًا جدًا بعلامة مميزة، ففي موضع آخر يدعوه صوت رئيس الملائكة وبوق الله (1 تس 4: 16)[174].]

ويقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [يعلمنا الرسول أن التغيير يتم في لحظة زمن، موضحًا أن هذا الزمن المحدود ليس فيه أجزاء وليس له امتداد، فدعاه "لحظة" و"طرفة عين". فلا يوجد بعد احتمال لأحدٍ في لحظة الزمن التي هي الأخيرة... أن ينال بالموت هذا التغيير الذي يقيم الأموات. يتغير الذين هم أحياء ليصيروا على شكل الذين نالوا التغيير بالقيامة، أي إلى عدم الفساد. فلا يكون ثقل الجسد بعد قائمًا ولا ينزل بهم إلى الأرض بل يرتفعون إلى الهواء، إذ نرتفع على السحاب لمقابلة الرب في الهواء، وهكذا نكون مع الرب على الدوام[175].]

وأيضًا يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [أما بخصوص وصف الرسول بولس لعجائب القيامة كيف يمكن لإنسانٍ ما أن يعالج هذا الموضع ظانًا أنه يمكنه بسهولة أن يبلغ إليه ويقرأ عنه؟ "كل الأموات" كيف؟ إنه بصرخة... أو بضربة البوق كل الأموات والمنبطحين يتغيرون في طرفة عين إلى كائنات خالدة[176].]

17. كيف يفقد الموت سلطانه؟

يقول الرسول: "ومتى لبس هذا الفاسد عدم فساد، ولبس هذا المائت عدم موت، فحينئذ تصير الكلمة المكتوبة: أُبتلع الموت إلى غلبة" (1 كو 15: 54). لن يبقى سيف الموت متسلطًا على البشرية، لكنه سيتحطم أمام الأبدية الخالدة. هنا يُشخّصن الموت ويقدمه ككائنٍ مفترسٍ يبتلع البشرية في كل أجيالها، ولكن بقيامة الجسد وانهيار مملكة الموت يُبتلع الموت نفسه فتحطمه الأبدية‍. يملك الله ولا يكون للموت بعد وجود. حقًا إن جسدنا في العالم تحت سيفه القاتل حتى تتحقق القيامة، فلا يعود لشوكته وجود ولا يكون له بعد أي سلطان. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [أي أنه يتحطم بالكامل وليس جزء منه يبقى أو يترجّى العودة، لأن عدم الفساد يُبيد الفساد[177].]

يقول الرسول: "أين شوكتك يا موت؟ أين غلبتك يا (قبر) هاوية" (1 كو 15: 55). يُشخصّن الرسول الموت والهاوية، فيجعل للموت شوكة كمن يسوق ثورًا ينخسه بالشوكة على الدوام، ويجعل للهاوية مملكة، كانت له غلبة ونُصرة كاملة على البشرية، ليس من يفلت من إمبراطورتيه.

يُصور الموت في النقوش القديمة بهيكل عظمي يحمل إكليلاً على الجمجمة وبيده حربة يقتل بها الكل. ويصورون اليهود ملاك الموت حاملاً سيفًا تتساقط منه قطرات قاتلة تنزل في أفواه كل البشر.

كثيرا ما تستخدم كلمة "قبر" عوض الهاوية، بكونه الموضع الذي فيه تنفصل النفوس عن الأجسام البشرية. يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [أنتم ترون ما يُعلن عن عمله في الآخرين، فالذين أوشكوا على الموت، الطفل الذي كاد حالاً أن يفقد الحياة، والشاب الذي على باب القبر، الذين لهم الفساد يتجدّدون بأمرٍ واحدٍ للحياة. هل تبحثون عن أولئك الذين ماتوا خلال جراحات وسفك دماء، كل ضعف القوة الواهبة للحياة تمنعهم عن التمتع بالنعمة؟ تطلّعوا إلى ذاك الذي جرحت يداه بالمسامير، تطلّعوا إلى ذاك الذي طعن جنبه بحربة. ضعوا أصابعكم على آثار المسامير وأياديكم في موضع الحربة... إن كان قد قام فإننا حسنًا ننطق بتسبيح النصرة التي نطق بها الرسول الخاصة بالأموات![178]]

ويقول البابا أثناسيوس: [عندما يكون الجسد في تناغمٍ مع العقل، ويُبتلع الموت في غلبة، فلا تبقى بعد شهوات جسدية في العقل لتصارع، وعندما يعبر الصراع الذي على الأرض، تنتهي حرب القلب، وينتهي ما قيل عنه: "الجسد يشتهي ضد الروح، والروح ضد الجسد، وهذان يقاوم أحدهما الآخر حتى تفعلون ما لا تريدون" (غلا 17:5)[179].] كما يقول: [[الإنسان بالطبيعة يخشى الموت وانحلال الجسد. ولكن توجد حقيقة مدهشة أن الذي يلبس الإيمان بالصليب يحتقر حتى ما هو مُرعب بالطبيعة ومن أجل المسيح لا يخاف الموت[180].]

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [عدم الفساد يبتلع الفساد ولا يترك شيئًا من الحياة الماضية خلف ذلك[181].] كما يقول: [هل ترون سمو نفسه؟ كيف أنه مثل إنسانٍ يقدم ذبيحة على رجاء النصرة هكذا كان بولس قد أوحى له أن يرى الأمور العتيدة كأمورٍ قد حدثت فعلاً، فيثب وهو يطأ الموت كما لو كان ساقطًا تحت قدميه. وينطق بصرخات النصرة على رأس الموت حيث يسقط صارخًا بقوةٍ وتهليلٍ: "أين شوكتك يا موت؟ أين غلبتك يا قبر؟" لقد ذهب الموت، لقد انتهى وزال. فإن المسيح ليس فقط جرد الموت من سلاحه وغلبه بل وحطمه ولا يعود بعد له وجود قط![182]]

يقول القديس أغسطينوس:

[أين هو الموت؟ ابحث عنه في المسيح، فإنه لا يعود يوجد. لو وُجد، فإن الموت قد مات الآن. يا الله أيها الحياة، يا قاتل الموت! لنكن بقلبٍ صالحٍ، فيموت الموت فينا أيضًا. ما قد حدث مع رأسنا سيحدث مع أعضائه. سيموت الموت فينا أيضًا. ولكن متى؟ في نهاية العالم، في قيامة الأموات التي نؤمن بها والتي لا نشك فيها[183].]

[عندئذ ليس فقط أننا سوف لا نطيع أية إغراءات للخطية، وإنما سوف لا توجد مثل هذه الإغراءات من النوع التي أُوصينا إلا نطيعها[184].]

[من أجل الأنشطة الضرورية لهذه الحياة لا تُحتقر الصحة حتى يلبس هذا المائت عدم الموت. هذه هي الصحة الحقيقية الكاملة التي لا تنتهي، هذه التي لا تنتعش بالملذات الفاسدة عندما تفشل خلال الضعف الأرضي، وإنما تتأسس بقوة سماوية، وتصير شابة بعدم الفساد الأبدي[185].]

[إذ خضعت الطبيعة البشرية لعدو... يليق بالإنسان أن يخلص من سلطانه ليجد نفسه. عندئذ إن كانت حياته في هذا الجسد ممتدة فإنه يُعان في صراعه حتى يغلب العدو. وأخيرًا فإن المنتصر سوف يتجمل لكي يملك، وفي النهاية عينها يتساءل: "أين فريستك يا موت؟[186]"]

18. ما هي شوكة الموت؟

يقول الرسول: "أما شوكة الموت فهي الخطية، وقوة الخطية هي الناموس" (1 كو 15: 56). لو لم توجد الخطية ما وُجد الموت. عصيان الإنسان عزله عن الله مصدر الحياة، فخضع لسلطان الموت وشريعته الظالمة. وبدون الناموس ما كان يمكن أن نميز الخطية (رو 3: 20؛ 4: 15؛ 5: 13). أعطانا الناموس الفرصة لكشف ما نحمله في داخلنا من عصيان لمشيئة الله فعاشت الخطية فينا.

الخطية هي والدة الموت؛ إذ بإنسانٍ واحد دخلت الخطية إلى العالم وصار الموت بالخطية (رو 5: 12). يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [تحطم المعمودية شوكة الموت. فإنكم تنزلون إلى المياه مثقلين بخطاياكم. ولكن دعوة النعمة تهب نفوسكم هذا الختم، فلا تعود تقودكم لكي تُبتلعوا بالتنين الرهيب. تنزلون أمواتًا في الخطية، ولكنكم تصعدون أحياء للبرّ[187].]

ويقول القديس أغسطينوس: [المنع (بالناموس) دائمًا يزيد الرغبة الخاطئة مادام الحب والفرح في القداسة ضعيفان غير قادرين على الغلبة على الميل للخطية. لهذا بدون معونة النعمة الإلهية يستحيل للإنسان أن يحب القداسة ويبتهج فيها[188].]

كما يقول: [عندما تمنع الشريعة (أمرًا ما) نخطئ بأكثر خطورة مما لو أننا لم نمنع بواسطتها. على أي الأحوال، إذ تحل النعمة تتمم الناموس بدون صعوبة وبأكثر رغبة عما لو ضغط الناموس نفسه أن نفعله. لم نعد بعد عبيدًا للناموس خلال الخوف، بل صرنا أصدقاء خلال الحب وعبيدًا للبرّ الذي كان نفسه المصدر لما أعلنه الناموس[189].]

ويقول: [عندما يلبس هذا الفاسد عدم الفساد، وهذا المائت عدم الموت، يعبِّر عن القول المكتوب: "قد اُبتلع الموت في غلبة. أين غلبتك يا موت؟" بحق "أين شوكتك يا موت؟" إنك تبحث عن موضعه فلا تجده. ما هي شوكة الموت؟ ماذا "أين شوكتك يا موت؟ أين الخطية؟ أنت تبحث عنها وليس لها موضع، لأن شوكة الموت هي الخطية. هذه كلمات الرسول لا كلماتي. عندئذ يُقال: "أين شوكتك يا موت؟" لا تعود توجد الخطية لكي تُدهشك، ولا لكي تحاربك، ولا لكي تلهب ضميرك[190].]

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لأن بدون الناموس الخطية ضعيفة، فإنها وإن كانت تمارس بدونه لم يكن إدانتها بالكامل. ومع أن الشر صار له موضع، لكن لم يُشر إليه بوضوح هكذا. لهذا فإن الناموس سبب تغييرًا ليس بقليلٍ. أولاً جعلنا نتعرف على الخطية بطريقة أفضل وقدَّم العقوبة... نعم لكي يظهر أن الناموس ليس في ذاته يهب الخطية القوة، لذلك أكمل المسيح الناموس كله وكان بلا خطية[191].]

19. كيف ننال النصرة على الخطية والموت؟

يقول الرسول: "ولكن شكرا لله الذي يعطينا الغلبة بربنا يسوع المسيح" (1 كو 15: 57). حياة النصرة تهب المؤمن حياة شكر لله. وكأن قيامة الرب تُعد الإنسان لتقديم ذبيحة شكر مقبولة لدي الله.

لن يمكن تحقيق النصرة بأنفسنا (مز 89: 1)، إنما هي عطية ربنا يسوع المسيح لنا.

يقول أمبروسياستر: [لم يربح المسيح النصرة لأجل نفسه بل لنفعنا. فإنه إذ صار إنسانًا بقي هو الله، وغلب الشيطان. فإن ذاك الذي لم يخطئ قط اقتنى النصرة لأجلنا نحن الذين كنا مربوطين في الموت بسبب الخطية. موت المسيح غلب الشيطان، الذي التزم أن يسلم كل الذين ماتوا بسبب الخطية[192].]

ويقول القديس أغسطينوس: [لئلا نفعل ما هو مُسر بطريقة غير شرعية، ولئلا في هذه المعركة نعاني من متاعبٍ ومخاطرٍ كثيرةٍ بأن نترجى النصرة الأكيدة بقوتنا الذاتية أو ننسبها عند تحقيقها إلى قوتنا، لا إلى نعمة ذاك الذي يقول عنه الرسول: "شكرًا لله الذي يهبنا الغلبة بيسوع المسيح ربنا"[193].]

ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لقد أقام بنفسه الغلبة، لكنه أعطانا أن نشترك نحن لننال الأكاليل، وذلك ليس على سبيل دين بل من قبل الرحمة وحدها[194].]

يختم الرسول حديثه عن قيامة الأموات، قائلاً: "إذا يا إخوتي الأحباء كونوا راسخين غير متزعزعين، مكثرين في عمل الرب كل حينٍ، عالمين أن تعبكم ليس باطلاً في الرب" (1 كو 15: 58). إذ يهبنا الإيمان بقيامة المسيح الغلبة على الخطية نقدم ذبيحة شكر لا بالكلام فحسب، وإنما أيضا بحياة مثمرة في الرب. يدعونا الرسول للسلوك بالحياة المُقامة كعربونٍ للتمتع بالحياة الأبدية. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إن كانت الغلبة عطية إلهية فبقوله: "كونوا راسخين" يؤكد ثقة المؤمن في نفسه أنه بالنعمة يثبت ويكون راسخا في إيمانه، لا يقدر أحد مهما كان مركزه أو قدراته أن يُزعزعه. يليق بنا ليس فقط أن نجاهد في الرب، بل أن نفعل ذلك بغنى وبفيضٍ. جهاد الإنسان بعد طرده من الفردوس هو عقوبة من أجل معاصيه، ولكن الجهاد (بالنعمة) أساس المكافآت العتيدة[195].]


 

7. السماء وأورشليم العليا[196]

1. ماذا نعني بكلمة "السماء"؟

يعتقد اليهود بوجود ثلاث سماوات.

الأولى الغلاف الجوي المحيط بالأرض، يدعوها القديس باسيليوس الكبير سماء الطيور.

والثانية الجَلَد الذي فيه توجد الكواكب والنجوم.

والثالثة يدعونها سماء السماوات حيث عرش الله والطغمات السماوية، وتُدعى الفردوس. وكما يقول الرسول بولس: "أعرف إنسانًا في المسيح قبل أربع عشرة سنة أفي الجسد لست أعلم أم خارج الجسد لست أعلم، الله يعلم. أُختطف هذا إلى السماء الثالثة... إنه أُختطف إلى الفردوس، وسمع كلمات لا يُنطق بها، ولا يسوغ لإنسان أن يتكلم بها" (٢ كو ١٢: ٢-٤).

تعتقد الكنيسة أن الفردوس هو مكان انتظار النفوس البارة بعد انطلاقها من الجسد.

ومع إيماننا بأن الله في كل مكانٍ إلاَّ أنه يُوصف بأنه ساكن في السماء. قيل عنه: "فلما فرغ من الكلام معه صعد الله عن إبراهيم" (تك ١٧: ٢٢). وفي صلاة سليمان عند تدشين الهيكل، قال: "اسمع تضرع عبدك وشعبك إسرائيل الذين يصلون في هذا الموضع. واسمع أنت في موضع سكناك في السماء، وإذا سمعت فاغفر" (١ مل ٨: ٣٠). وفي حديث السيد المسيح مع نيقوديموس يقول: ولم يصعد أحد إلى السماء إلاَّ الذي نزل من السماء ابن الإنسان الذي هو في السماء" (يو ٣: ١٣). كما قيل للواقفين عند صعود السيد: "إن يسوع هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقًا إلى السماء" (أع ١: ١١).

٢. من يدرينا أنه توجد سماء حقيقية؟

أولاً: يقدم لنا الأنبا يؤأنس أسقف الغربية السابق أول دليل على حقيقة السماء هو شهادة الوجدان أو الشعور الفطري الكامن في النفس البشرية. أشار إلى العالم الفرنسي فوستيل دي كولانج Fustel Coulangees الذي قام بدراسة علمية عميقة نشرت عام ١٨٦٤ تحت عنوان المدينة العتيقة La Cité Antique جاء فيها: [اعتقدت أقدم الأجيال قبل أن يوجد الفلاسفة بزمنٍ طويلٍ في وجود حياة أخرى بعد هذه الحياة. ولم تواجه الموت باعتباره انحلالاً للكائن بل باعتباره تبديلاً يسيرًا للحياة ... كانت العادة عند نهاية الاحتفال الجنائزي أن تُدعى روح الميت ثلاث مرات بالاسم الذي كان يحمله، وكانوا يتمنون لها أن تعيش سعيدة تحت الثرى (التراب)، ويقولون لها ثلاث مرات: كوني بعافية ... وكانوا يكتبون على القبر أن الراقد يستريح هناك.]

ثانيًا: هذه الغريزة الفطرية في كل العالم، حتى إن أنكرها إنسان ما، ففي لحظات موته غالبًا ما يشعر بندمٍ شديدٍ أنه أفسد حياته بتجاهل هذه الغريزة أو إنكارها. نذكر على سبيل المثال:

كثير ممن أنكروا الإيمان في فترات شبابهم وقوتهم وسلطانهم عادوا إليه في أواخر حياتهم، خاصة وهم يصارعون مع الموت، وأظهروا ندمهم الشديد على إنكارهم العناية الإلهية والحياة الأبدية؛ منهم نابليون بونابرت، والفيلسوف الفرنسي الشهير ڤولتير، وعالم الطبيعة الأمريكي اديسون، والفيلسوف والكاتب الروسي تولستوي.

ثالثًا: المقارنة بين مواجهة الشهداء والقديسين للموت بفرحٍ، وكأنهم يعلنون شوقهم للقاء مع مخلّصهم مفرِّح القلوب. وكما يقول القديس بولس: "لي اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح ذاك أفضل جدًا" (في 1: 23). بينما نسمع عن كثيرين من الملحدين المشهورين أنهم كانوا يرتعبون في خوفٍ وفزعٍ عند شعورهم بحلول لحظات الموت.

رابعًا: شهادة كلمة الله. يقول المرتل: "السماء تحدِّث بمجد الله، والفلك يُخبر بعمل يديه" (مز 19: 1). ويقول سليمان الحكيم بعد أن بنى الهيكل: "لأنه هل يسكن الله على الأرض. هوذا السماوات وسماء السماوات لا تسعك، فكم بالأقل هذا البيت الذي بنيت" (١ مل ٨: ٢٧).

ويقول السيد المسيح: "ليس أحد صعد إلى السماء إلاَّ الذي نزل من السماء ابن الإنسان الذي هو في السماء" (يو ٣: ١٣). كما قال لنثنائيل: "من الآن ترون السماء مفتوحة وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن الإنسان" (يو ١: ٥١).

٣. ماذا يعني القول: "لا تحلفوا البتة لا بالسماء لأنها كرسي الله، ولا بالأرض لأنها موطئ قدميه" (مت ٥: ٣٤-٣٥)؟

روى نيافة الأنبا يؤانس القصة التالية: [كان هناك رجل يقيم في خيمة في الصحراء، وكان بعض العلماء يترددون على هذه الصحراء بحثًا عن الآثار، وعندما وصلوا إلى خيمة هذا الرجل سمعوه يصلي داخل الخيمة. فانتظروا حتى فرغ من صلاته، ثم تقدموا للتعرف عليه، وقالوا له في سخرية: "كيف تعلم يقينًا أنه يوجد إله يستجيب لصلاتك؟" أجابهم: "وأنتم كيف علمتم أن إنسانًا زارني في خيمتي الليلة الماضية؟" أجابوه: "لقد علمنا ذلك من آثار قدميه على الرمال". فقال: "وأنا أعلم أنه يوجد إله، لأنني أرى آثاره في كل مكان" ... نعم إن الله يترك آثاره حولنا في كل شيء وفي كل مكان ... لم يقل السيد المسيح: "السماء كرسي الله، والأرض موطئ قدميه ... كأن الله يتمشى على الأرض بين البشر، تاركًا آثارًا مختلفة.]

يقول الرسول بولس: "إذ معرفة الله ظاهرة فيهم لأن الله أظهرها لهم. لأن أموره غير المنظورة تُرى منذ خُلق العالم مدركة بالمصنوعات، قدرته السرمدية ولاهوته، حتى أنهم بلا عذر. لأنهم لما عرفوا الله لم يمجدوه أو يشكروه كإله بل حمقوا في أفكارهم واظلم قلبهم الغبي" (رو 1: 19-21).

يُعلّق القدّيس أمبروسيوس على التعبير "قدرته السرمدية"، قائلاً: [إن كان المسيح هو قدرة الله السرمدية، فالمسيح إذن سرمدي[197].]

ويرى القديس أغسطينوس في هذا القول الرسولي أن الله يقدم لنا العالم كعطية نستخدمها وليس لنتلذذ بها، فنرى خلالها أموره غير المنظورة، نمسك بالروحيات والسماويات خلال الماديات والزمنيات[198].

يقول البابا أثناسيوس الرسولي: [أعطى الله بواسطة كلمته للكون ترتيبه وتدبيره، حتى يمكن للبشر أن يتعرفوا عليه بطريقة ما خلال أعماله ما دام هو بطبعه غير منظور. غالبًا ما يُعرف الفنان بأعماله حتى وإن لم يره الشخص[199].] ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ربما تصمت السماوات، لكن التطلع إليها يصدر صوتًا أعلى من صوت البوق، يثقفنا لا بسماع الأذن وإنما باستخدام العين، فإن الأخيرة (تقدم معلومات) أكثر تأكيدًا ودقة من الأولى[200].]

٤. هل الطبيعة تشهد لحقيقة وجود السماء؟

يقول نيافة الأنبا يؤانس: [الطبيعة هي أول وأقدم شهادة على السماء، ووجود الله ووجود حياة في السماء.]

قال نيوتن عالم الطبيعة الإنجليزي (١٦٤٢-١٧٢٧م): [لقد رأيت الله في أعمال الطبيعة ونواميسها، التي تبرهن على وجود حكمة وقوة غير عادية.]

في العالم الطبيعي نرى الأدلة العديدة على وجود الخالق العظيم، من أمثلة ذلك:

أولاً: إذ تُدفن البذرة وتُسقى بالماء تبدو إنها ماتت، وإذا بها تنمو وتزهر وتثمر.

ثانيًا: دودة القز تنزوي وراء ورقة في شجرة توت وتقوم بتصنيع خيوط حريرية دقيقة لتغطي نفسها، وتبدو أنها ماتت، لكنها في النهاية تصير شرنقة، وبعد ذلك تصير دودة القز.

ثالثًا: الأشجار في المناطق الثلجية تتساقط أوراقها في فصل الخريف، وتصير كأنها ماتت في فصل الشتاء، وفي الربيع يذوب الثلج وتدب الحياة في الأشجار.

٥. هل من شهادة معاصرة لتحدي المؤمنين للموت وفرحهم هم وعائلاتهم بالاستشهاد؟

الأحداث المتوالية سواء في التفجير الذي حدث في مدخل كنيسة القديسين بسيدي بشر بالإسكندرية وقد شاهدنا تعزيات الله الواضحة في عائلات الشهداء البالغين أكثر من عشرين شهيدًا وفي الذين أصيبوا بمستشفى الكنيسة لم يئن أحدهم من الألم بينما بلغ بأحدهم حروق تبلغ ٨٥٪ من جسمه، وشاهدنا أطفالاً انسحقت عظام أقدامهم وقفوا يشكرون الله أنهم أُصيبوا من أجل ربّ المجد المصلوب.

هذا وقد تأثر كثيرون في بلاد العالم من موقف شهداء ليبيا. لقد ظن الذين قتلوهم أنهم يُرعبون الأقباط بأخذ فيديو للاستشهاد، فكان ثمر ذلك شهادة الكثيرين لنعمة محبة الله وقوة النعمة الإلهية فانفتحت قلوب كثيرة بالحب للسماوي، وتعرَّف العالم كله على كنيسة الشهداء.

يصعب حصر البركات التي نالتها الكنيسة، وتوبة الكثيرين في بلاد، كثيرة من وراء مثل هذه الأحداث المعاصرة!

٦. ما موقف السماء من التفجيرات المعاصرة التي لحقت ببعض الكنائس؟

أُقدِّم صورة عملية معاصرة لتحرك السماء والشهادة لمحبة الله لكنيسته:

في اليوم التالي أو بعد التالي من حدث تفجير كنيسة القديسين بالإسكندرية التي أنشأها المتنيح القمص بيشوي كامل، اتصل بي أحد الخدام بسيدني أستراليا، وهو من خدام كنيسة الشهيد مار جرجس باسبورتنج، وقال لي وهو متهلل ما يلي: أنه كان في عمله بسيدني عندما سمع ما حدث بكنيسة القديسين. صرخ في أعماقه، متسائلاً: ما هو موقف أبينا بيشوي في الفردوس وأيضًا تماڤ ايريني وأبينا القديس الشهيد أبي سيفين.

عاد إلى منزله وهو مُرّ النفس جدًا فنام وهو جالس، وإذا به يرى السماء قد انفتحت وربّ المجد جالس على عرشه، وانطلق أبونا بيشوي يستقبل الشهداء القادمين إلى الفردوس ويقدمهم للسيد المسيح. وكان أبونا بيشوي متهللاً بهؤلاء الشهداء.

تهللت نفس الخادم، واتصل بي هاتفيًا ليروي لي كيف يهتم أبونا بيشوي وهو في الفردوس ويفرح بالشهداء!

أحداث الاستشهاد كشفت عن السماء المفتوحة والمتهللة بعمل نعمة الله في شعبه!

إذ نشأت كنيسة باسم القديس البابا كيرلس السادس في لوس أنجلوس قيل لي: تقدم شخص ومعه ظرف به مبلغ من المال، وقال للكاهن القبطي: لقد اجتمعنا نحن مجموعة من المسيحيين والهنود وعرفنا أن هذه الكنيسة هي التي استشهد بعض أعضائها في ليبيا لأنهم مسيحيون، فحسبنا أن إنشاء كنيسة في هذه المنطقة بركة لنا جميعًا!

7. بماذا ختم القديس يوحنا رؤياه بخصوص يوم الرب؟

ختم القديس يوحنا سفر الرؤيا (أصحاح 21) بوصف أورشليم السماوية أو كما يقول القديس أغسطينوس: "الكنيسة السماوية[201]"، وأيضًا أمجاد الكنيسة السماوية وتطويبها واشتياق ربنا يسوع المسيح أن يأتي سريعًا (رؤ ٢٢: ٢٠-٢١) ليدخل بعروسه الملكة إلى عرشه.

أخذ كثيرون من الفلاسفة والأدباء والشعراء أمثال أفلاطون يرسمون لنا مدنًا مثالية حسبما تصوروها، يسنّون لها قوانين ونظمًا ومبادئ حسبما تمليه عليهم فلسفتهم وفكرهم. لكن سرعان ما تتسلل في تخيلاتهم مبادئ خاطئة أو خيالية، فتخرج المدينة ناقصة ومملوءة ضعفات. أما الرسول يوحنا فلم يحذو حذوهم، بل صعد بالروح، فرأى كنيسة حقيقية مثالية خالدة، هي في حقيقتها "مسكن الله مع الناس" (رؤ 21: 3). ولما كان هذا الأمر يصعُب رسمه أو التعبير عنه بلغةٍ بشريةٍ، لهذا سجل لنا ما رآه فعلاً، لكن في رموز بسيطة تاركًا لنا أن نتعمق فيها لنتذوق ما عليه هذه المدينة السماوية الواحدة على قدر ما تستطيع قامتنا الروحية أن تدرك بإرشاد الروح القدس.

8. ماذا يُقصد بالسماء الجديدة والأرض الجديدة، لأن السماء الأولى والأرض الأولى مضتا (رؤ ٢١: ١)؟

إن كانت الأرض التي نعيش الآن عليها والسماء التي نحيا تحتها يشهدان على قدرة خالقنا ورعايته الفائقة، إذ لم يجعلنا معوزين إلى شيءٍ. فالأرض بكل نواميسها ومواردها وإبداعها إنما لأجل خدمتنا، والشمس والقمر والنجوم تعمل لحسابنا، هذه الخليقة كلها لا تُقارن بالسماء الجديدة والأرض الجديدة.

‌أ. على أرضنا الحالية نترقب الموت الذي لا يفلت منه إنسان، وفي الأرض الجديدة لا نخضع لزمنٍ يعبر وينتهي، بل نبقى كل حياتنا أبدية، نرى كل شيء جديدًا لا يقدُم ولا يشيخ ولا ينتهي.

‌ب. على أرضنا نئن من التجارب التي تحلّ بنا وبكل المحيطين بنا لكي ما نستعد للرحيل إلى وطننا السماوي.

‌ج. على أرضنا نحيا بالإيمان فنتذوق عربون السماء، أما على الأرض الجديدة فلا يفارقنا الفرح الحقيقي والسعادة الدائمة، ونُسرّ إذ نرى كل من هم حولنا من السمائيين والقديسين في حياة مطوَّبة، ونحسب أمجادهم هي أمجادنا التي لا تذبل قط.

‌د. على أرضنا نعتز بعضويتنا الكنسية، ونلمس حراسة الملائكة لنا، وتتحرك السماء كلها كي نتهيأ للمجد الذي أعدّه الربّ لنا.

‌ه. يرى القديس أغسطينوس أن السماء الجديدة والأرض الجديدة، هي نفوسنا وأجسادنا. فهنا يحارب الشيطان نفوسنا وأجسادنا لكي نيأس ونفقد الرجاء في الأبدية. أما في يوم الربّ العظيم إذ تتحد نفوسنا بأجسادنا القائمة من الأموات، لا يجسر عدو الخير أن يحاربنا، ولا أن ينظر إلينا، إذ نحمل انعكاس بهاء الربّ على كياننا كله!

‌و. على أرضنا نفتخر بأقربائنا الناجحين في حياتهم، والذين نالوا مراكز سامية أو غنى أو درجات علمية الخ، أما على الأرض الجديدة فنعتز بصداقات كل السمائيين لنا، ونحسب كل القديسين إخوة وأخوات لنا والمسيح رأس الجميع! يصير السمائيون والأرضيون كأنهم عائلة واحدة.

9. ما هي سمات الكنيسة السماوية؟

كنيسة واحدة جديدة (رؤ 21: 1–8مقدسة (رؤ 21: 9–11جامعة رسولية (رؤ 21: 9–11). يقول الرسول: "ثم رأيت سماء جديدة وأرضًا جديدة، لأن السماء الأولى والأرض الأولى مضتا" (رؤ 21: 1). لقد أوضح لنا ربنا يسوع أن الخمر الجديدة لا توضع في زقاق قديمة، بل في زقاق جديد، هكذا نحن خمر ملكوته، إذ نخلع هذا الجسد الفاسد نلبسه في عدم فساد، وهذا المائت في عدم موت. نقوم في مجدٍ وقوةٍ، لنا أجسام روحانية (1 كو 15: 42-44)، لهذا يدخل بنا ربنا في سماءٍ جديدةٍ.

يليق بنا كأبناء ملكوتٍ جديدٍ ألا نعود بعد إلى هذه الأرض، لأنه كما أكد لنا ربنا يسوع: "السماء والأرض تزولان". وقد طمأننا الرسول بطرس أنه بمجيء يوم الرب "تنحل السماوات ملتهبة والعناصر محترقة تذوب، ولكننا بحسب وعده ننتظر سماوات جديدة وأرضًا جديدة يسكن فيها البرّ" (2 بط 3: 12-13). نسكن في "أرض الأحياء" مع كافة القديسين الأحياء بالروح.

ولعل قوله "سماء جديدة وأرض جديدة" يحمل معنى آخر أيضًا، هو أنه مع زوال كل ما هو قائم حاليًا سنعود إلى سماء جديدة، أي نلتقي مع "الرب إله السماء"، ومع السمائيين في شركة مبدعة جديدة في كمالها وتمامها.

ونلتقي أيضًا مع إخوتنا الذين كانوا معنا على الأرض في "أرض جديدة"، أي في لقاء حب من صنفٍ جديدٍ، في وحدةٍ تامةٍ وكاملةٍ في شخص ربنا يسوع. إنه لقاء كنيسة واحدة تذوق الوحدة الأبدية في صورة ليس لها مثيل، لهذا يقول: "والبحر لا يوجد فيما بعد" (رؤ 21: 1). ليس للبحر موضع هناك، إذ يشير البحر إلى الانقسام والانشقاق حيث يفصل البلدان أو الدول أو القارات، أما في السماء فالكنيسة ليس فيها ما يفصل أعضاءها عن بعضهم البعض. والبحر يشير أيضًا إلى الاضطراب والقلق، إذ يقول الكتاب: أما الأشرار فكالبحر المضطرب لأنه لا يستطيع أن يهدأ وتقذف مياهه حمأة وطينًا" (إش 57: 20). فالكنيسة السماوية لا يختفي فيها شرير واحد، بل مع كمال وحدتها يسودها سلام داخلي وخارجي.

10. لماذا دعاها "المدينة" (رؤ 21: 2)؟

"أنا يوحنا رأيت المدينة المقدسة أورشليم الجديدة، نازلة من السماء من عند الله، مهيأة كعروسٍ مزينةٍ لرجلها" (رؤ 21: 2). رأى يوحنا الرسول ما أعده الله لنا أو رآنا بروح النبوة ونحن في المجد، وإذ عاد ليخبرنا بما رأى لم تسعفه اللغة البشرية، إذ يعلم مدى اشتياقنا للمعرفة، وفي نفس الوقت يريد الروح القدس أن نعرف، لهذا سجل لنا ما رآه خلال رموز بسيطة، فقال إنه رأى "المدينة". إنه كطفلٍ بالكاد يعرف اللغة، لم يرَ طائرات من قبل، دخل مطارًا ضخمًا فرأى مئات الطائرات، فعاد ليقول "رأيت حمامًا كبيرًا على الأرض". هكذا يقول الرسول عن الأبديّة إنها "المدينة". هي في حقيقتها مسكن الله مع الناس، لهذا سماها "المدينة".

وإذ أدرك أحضان قدوس القديسين المفتوحة للقاء قديسيه، دعا ذلك اللقاء "المدينة المقدسة". إنها امتداد للكنيسة المقدسة التي جاهدت على الأرض، إذ حالّ فيها القدوس.

وحينما أراد أن يعطيها اسمًا دعاها "أورشليم الجديدة"، أي مدينة الله الجديدة، وتبقى جديدة، لأن ما هو أخروي جديد، ويبقى جديدًا لا يصيبه القِدَم، لأنه لا يوجد زمن يجعلها تشيخ، ولا عوامل فناء ولا فيها ما يفقدها جمالها وضياءها المتقد بنور الرب.

أما سرّ قداستها وجِدَّتها فهو أنها "نازلة من السماء من عند الله". ومع أنها هي السماوات بعينها لكنها "نازلة من السماء" كالأم الحنون التي تفتح أحضانها وتركض لتحتضن طفلتها التي طالما اشتاقت إليها. هكذا تتوق الأبدية إلينا لأننا لسنا غرباء عنها بل أعضاء فيها. بنزولها من السماء من عند الله، تقدم لنا رجاء في أننا أبناء لها وأعضاء أحياء فيها، فلا يراودنا اليأس بحجة ضعفنا أننا لا نصلح لها.

في نزولها من عند الله تعلن حب الله للبشر واشتياقه إلى اللقاء معهم، فهو دائمًا المبادر بالحب. وهو الذي يهتم بهم، إذ "أن الله لا يستحي أن يُدعى إلههم، لأنه أعد لهم مدينة" (عب 11: 16). وقد لمس إبراهيم أب الآباء في الأبديّة عمل الله تجاهه، فقيل عنه أنه كان "ينتظر المدينة التي لها الأساسات التي صانعها وبارئها الله" (عب 11: 10).

وأخيرًا إذ رأى الرسول أن كل ما في المدينة يتلألأ جمالاً لم يعرف بماذا يصفها فقال: "مهيأة كعروسٍ مزينة لرجُلِها". إنها عروس واحدة مزينة بزينة عريسها التي أهداها لها.

لقد سبق فنزل كلمة الله إلينا متجسدًا كي يحمل خطايانا على الصليب، ويبررنا أمام الآب الذي يرانا أيقونة للمخلّص. والآن تنزل مدينته المقدسة، وتفتح أبوابها لمن حملوا صورة العريس السماوي كي يتمتعوا بعُرس سماوي لا يقدُم.

نزل السماوي إذ يريد أن الكل يخلصوا، وها هي مدينته تنزل لأنها تعتز بالعروس المحبوبة لدى عريسها.

11. بماذا عبَّر الرسول عن الصوت السماوي؟

"وسمعت صوتًا عظيمًا من السماء قائلاً: هوذا مسكن الله مع الناس، وهو سيسكن معهم، وهم يكونون له شعبًا، والله نفسه يكون معهم إلهًا لهم" (رؤ 21: 3). لم تجد السماء اسمًا لهذه المدينة الجديدة والأرض الجديدة والسماء الجديدة يليق بها سوى أن تدعوها "مسكن الله مع الناس". لم تقل "مسكن الناس مع الله" بل "مسكن اللّه مع الناس"، لأن اشتياق الناس للسكنى معه لا يُقاس ولا يُقارن باشتياق الله نفسه للسكنى معنا. يا لعظم محبة اللّه الفائقة! كأن الله ينتظر الأبديّة ليستريح بالسكنى معنا، مع أننا نعلم أنه ليس محتاجًا إلى عبوديتنا، بل نحن المحتاجون إلى ربوبيته[202].

لهذا يبدأ بالقول "وهم يكونون له شعبًا"، أي أنهم هم المحتاجون إليه، وهو يسكب حبه عليهم، إذ "الله نفسه يكون معهم إلهًا لهم". إنه إله كل البشر، وإله المؤمنين. لكن في الأبدية ينعم أبناء الملكوت بمفاهيم أعمق وعذوبة أكثر في ربوبية الله لهم.

وأخيرًا يمكننا من خلال قراءتنا للأصحاحين 21 و22 من سفر الرؤيا أن نفهم ماذا تعنيه الكنيسة السماوية الواحدة وهو:

أ. إنها المسكن الأبدي الذي يقول عنه الرب: "أنا أمضي لأعد لكم مكانًا"، وقد قدمه لنا الرسول واصفًا لنا أبعاده ومواد بنائه في أسلوب رمزي بسيط.

ب. إنها الوجود في حضرة العريس السماوي واللقاء الدائم معه، إذ هي "مسكن الله مع الناس"، لهذا حدثنا عن شخص العريس وعمله مع شعبه.

ج. إنها جماعة المؤمنين الغالبين "الذين يُحسبون سماءً"، ليس في الحياة الأبدية فحسب، بل وهم على الأرض. إذ يقول القديس أغسطينوس [الإنسان الروحاني في الكنيسة هو السماء... الكنيسة هي السماء... والسماء هي الكنيسة[203].]

12. ما هو حال هذه الكنيسة الواحدة؟

أ. "وسيمسح الله كل دمعةٍ من عيونهم": وكما يقول العلامة ترتليان[204] إن الله يمسح كل دمعة سكبتها العيون قبلاً، إذ ما كان لها أن تجف ما لم تمسحها الرأفات الإلهية. طوبى لأصحاب العيون الباكية، لأن الله بنفسه يمسحها ويطيِّبها!

ب. "والموت لا يكون فيما بعد": وكما يقول النبي: "يبلغ الموت إلى الأبد ويمسح السيد الرب الدموع عن كل الوجوه" (إش 25: 8).

ج. "ولا يكون حزن ولا صراخ ولا وجع فيما بعد، لأن الأمور الأولى قد مضت" (رؤ 21: 4). لقد مضى العالم القديم بما يحمله من نقص وقابلية للفناء، وصار كل ما في الأبدية جديدًا مفرحًا ومبهجًا للكل.

د. "وقال الجالس على العرش ها أنا أصنع كل شيءٍ جديدًا". في العالم الآخر لا نجد ما تسأمه النفس، ولا ما تملّ منه، إذ ليس فيها شيء يعتق ويشيخ بل لحظة فلحظة - إن صح هذا التعبير - نجد كل شيءٍ جديدًا. إذ نحن ماثلون أمام الله الذي لا تشبع النفس من اشتهائه. وكما يقول القديس غريغوريوس النيسي: [أن رؤية الله بالضبط لا تَشبع النفس من اشتهائه. وهذا يتم إلى الأبد والنفس ذاهبة من بدء إلى بدء ببداءات لا تنتهي[205].] كلما تأمل الإنسان في الله، يراه كأنه لأول مرة ينظره فهو جديد في نظره، يزداد شوقًا إلى السجود له والنظر إليه، ويستمر هكذا بلا نهاية.

ولما كان هذا الأمر مجيدًا حتى يستصعب الكثيرون نواله، أراد الرب أن يبعث فيهم الرجاء، فقيل للرسول: "وقال لي: اكتب، فإن هذه الأقوال صادقة وأمينة، ثم قال لي: قد تمّ" (رؤ 21: 5-6). إنها أمور حقيقية واقعية قد أتم الله تهيئتها للبشر، ولم يبقَ سوى أن ندخل ونرث. وكأنه يقول لعروسه: "الله بالحق قد أعد بيت الزوجية، وبقي أن تأتي يا صاحبة البيت".

أما مقدم الدعوة فيقول: "أنا هو الألف والياء، البداية والنهاية". وقد سبق لنا شرح هذا القول. إنه يقول: إنني بلغة السماء أعلمكم التسبحة الجديدة، وأنا رأس الكل أتيت أخيرًا لكي أحتضن الجميع وأجمعهم.

إنني لا أبخل على أحدٍ، بل أقدم ذاتي ينبوع ماء حياة مجاني لكل طالب، "أنا أعطي العطشان من ينبوع ماء الحياة مجانًا" (رؤ 21: 6). يقدم نفسه لكل ظمآن يشعر بالحاجة إليه، القائل مع المرنم: "كما يشتاق الإيل إلى جداول المياه هكذا تشتاق نفسي إليك يا الله. عطشت نفسي إلى الله إلى الإله الحي، متى أجيء وأتراءى قدام الله، صارت لي دموعي خبزًا نهارًا وليلاً، إذ قيل لي كل يومٍ: أين إلهكِ؟" (مز 42: 1-3). لهذا ينادي الرب قائلاً: "إن عطش أحد فليقبل إلىَّ ويشرب" (يو 7: 37). وحتى لا يسيء أحد إلى فهم مجانية الماء الحي، عاد ليؤكد لنا أن الميراث الأبدي لا يناله إلا المجاهدون المثابرون، لهذا يقول: "من يغلب يرث كل شيء وأكون له إلهًا وهو يكون لي ابنا" (رؤ 21: 7). إنه يعطي للغالبين... فماذا يأخذون؟ "يرث كل شيءٍ!" إنه كأبٍ رأى الأيام التي كان فيها ابنه قاصرًا قد انتهت، وقد صار الآن ناضجًا، فيقدم له كل أمواله وممتلكاته ويسلمه كل شئونه وأسراره، وإن استطاع أن يقدم له كل قلبه. إنه يورّثه كل شيءٍ وهو بعد حي! هذا ما يعنيه بقوله: "يرث كل شيءٍ". لهذا يكمل قائلاً: "وأكون له إلهًا، وهو يكون لي ابنًا". حقًا بالمعمودية صرنا أبناء، ولكننا ندرك كمال بنوتنا حين نتسلم الميراث الأبدي!

أما غير المجاهدين وغير المؤمنين فليس لهم نصيب معه، إذ يقول: "وأما الخائفون وغير المؤمنين والرجسون والقاتلون والزناة والسحرة وعبدة الأوثان وجميع الكذبة فنصيبهم في البحيرة المتقدة بنار وكبريت الذي هو الموت الثاني" (رؤ 21: 8). لقد بدأ هذه القائمة المرة بالخائفين، أي الجبناء الذين ينكرون الإيمان خوفًا على حياتهم الزمنية، وهؤلاء أشر الفئات. ويليهم "غير المؤمنين" لأنه بدون إيمان لا يُمكن إرضاءه. ويليهم صانعو الشر أي "الرجسون والقاتلون..." أي المؤمنون اسمًا لكن أعمالهم لا تتناسب مع الإيمان. وأخيرًا يركز على الكذب، فيقول: "وجميع الكذبة"، ويقصد بالكذب الذين يستخدمون الغش والخداع في معاملاتهم وأحاديثهم.

13. ماذا يعني بالكنيسة المقدسة؟

"ثم جاء إليّ واحد من السبعة الملائكة الذين معهم السبعة الجامات المملوءة من السبع الضربات الأخيرة، وتكلم معي قائلاً: هلم فأريك العروس امرأة الخروف" (رؤ 21: 9). اختار الرب أن يرسل ملاكًا من الذين معهم السبعة الجامات ليرى الرسول "العروس امرأة الخروف المقدسة"، وذلك ليُظهر لنا حب هؤلاء الملائكة لنا وحنانهم تجاه البشر، فمع كونهم يسكبون الجامات لكنهم يتوقون إلى رؤية البشر في حالة تقديس كامل، ليس فقط هكذا بل ويريدون أن يعلنوا ذلك لكل أحدٍ. ستكون الكنيسة في قداستها موضوع إعجاب الملائكة، فيترنمون مع المرتل، قائلين: "جعلت الملكة عن يمينك بذهبٍ أوفير..." ويناجيها العريس نفسه، إذ يرى فيها جمالاً فائقًا، فيقول: "ها أنت جميلة يا حبيبتي..." (نش 1: 15). هذا الجمال السماوي الذي هو القداسة المنعكسة عليها من الله. أما سر قداستها فهو:

أ. "علوّها وسموّها": "وذهب بي الروح إلى جبلٍ عظيمٍ عالٍ، وأراني المدينة العظيمة أورشليم المقدسة" (رؤ 21: 10). إنها مرتفعة جدًا، سماوية، لا يقدر أن يقترب إليها إبليس أو جنوده، لأنهم مُلقون في البحيرة المتقدة.

ب. "نازلة من عند الله" (رؤ 21: 10). سرّ قداستها إنها مرتفعة كما رأينا، وإنها "نازلة من السماء من عند الله". ففي علوِّها لا يقدر أحد أن يصعد إليها، وبنزولها من السماء يعلن أن الله يُصعدنا إليه. يقول القديس أغسطينوس[206] إنه لا يستطيع أحد أن يصعد إلى شركة أورشليم السمائية ما لم يؤمن أن صعوده لا يتم بقوته الذاتية بل بعمل الله. وبنزولها أيضًا يعلن لنا أنه يجب علينا أن نختبر الحياة السماوية ونحن هنا على الأرض قبلما يأتي يوم الرب لنرتفع معه وبه. يقول القديس إكليمنضس الإسكندري إننا نستعيض عن الأرض بالسماء، إذ بالأعمال الصالحة نصير آلهة[207]... وبسلوكنا في السماويات نصير كمن هم في السماء!

ج. "لها مجد الله شبه أكرم حجر كحجر يشب بلوري" (رؤ 21: 11). مجدها ليس من ذاتها، بل هو مجد الله المُشرق عليها. وهي كالبلّور تستقبل الأمجاد الإلهيّة. فكما أنه "في المنظر شبه حجر يشب" (رؤ 4: 3)، هكذا باتحادنا به وتقبلنا إشعاعات مجده نصير كحجر يشب بلوري. هو شمس البرّ يتلألأ جمالاً، ونحن كالبلور الذي يحيط به من كل جانب حتى تختفي فينا ملامح البلّور ولا يظهر إلا الإضاءات القوية من شمس البرّ علينا. إن كل واحدٍ منا كالبلّور يرى في أخيه مجد الله، ويرى أخوه فيه مجد الله. هكذا يصير الله الكل في الكل.

14. ماذا يعني بالكنيسة جامعة رسولية؟

"وكان لها سور عظيم وعال" (رؤ 21: 12). من هو هذا السور؟ يقول المرتل "لأنك أنتَ إله حصني" (مز 43: 2). الله هو حصن الكنيسة السماوية وملجأها، في ستره نسكن، وفي ظله نبيت (مز 91). هذا السور يجمع شمل الكنيسة الجامعة في وحدةٍ كاملةٍ لا يدخلها عدو، أي إبليس وأعماله لكي يقسمها أو يفرق أعضاءها. وكما يقول القديس أغسطينوس: [طوبى للذي يسكن في المدينة التي لا يخرج منها صدِّيق ولا يقتحمها عدو!] هذه الكنيسة أو المدينة جامعة، يجمع سورها شمل الكنيسة كلها. كنيسة العهد القديم مع كنيسة العهد الجديد، وهي رسولية، يُنقش على أساس سورها أسماء رسل المسيح، إذ يقول: "وكان لها إثنا عشر بابًا وعلى الأبواب اثنا عشر ملاكًا، وأسماء مكتوبة هي أسماء أسباط بني إسرائيل الاثني عشر. ومن الشرق ثلاثة أبواب، ومن الغرب ثلاثة أبواب، ومن الشمال ثلاثة أبواب، ومن الجنوب ثلاثة أبواب. وسور المدينة كان له اثنا عشر أساسًا، وعليها أسماء رسل الخروف الاثني عشر" (رؤ 21: 12-14). لقد جمعت أسماء الأسباط الاثني عشر، أي رجال العهد القديم وأسماء رسل المسيح، أي رجال العهد الجديد، لأنها كنيسة واحدة، أما اليهود المنشقون عنها برفضهم الإيمان، فلم يعد لهم مكان إذ انتزع عنهم نسبهم الروحي للأسباط وصاروا غير مؤمنين. وتشير الأبواب الاثنا عشر إلى افتتاح الأبواب من كل جانب لكل أبناء الملكوت[208]. أما توزيع الأبواب في كل الجهات فذلك لكيلا يضل أحد من الراغبين في الميراث الأبدي عن البلوغ إلى داخله.

15. ما هي مقاييس مدينة الله أورشليم السماوية؟

قيل: "والذي كان يتكلم معي كان معه قصبة من ذهب، لكي يقيس بها المدينة وأبوابها وسورها" (رؤ 21: 15). أبناء الملكوت معروفون ومقاسون من قبل الله ومحفوظون لديه. أما وحدة القياس فهي قصبة من ذهب أي سماوية، لأن الأمور الروحية والسماوية لا تُقاس إلا بما هو روحي سماوي.

"والمدينة كانت موضوعة مربعة، طولها بقدر العرض؛ فقاس المدينة بالقصبة مسافة اثني عشر ألف غلوة. الطول والعرض والارتفاع متساوية" (رؤ 21: 16). هي مربعة لها أربعة زوايا متساوية، إشارة إلى أن حاملها الأناجيل الأربعة التي ترتفع بالمؤمنين تجاه السماويات وتهيئهم ليكونوا عروسًا سماوية بقوة الكلمة. أما قياسها 12000 غلوة فذلك لأن رقم 12 يشير إلى أبناء الملكوت، 1000 يشير إلى السماء، أي تتسع لكل أبناء الملكوت السمائيين.

"وقاس سورها: مئة وأربعة وأربعين ذراع إنسان أي الملاك" (رؤ 21: 17). يشير رقم 144 إلى الكنيسة الجامعة التي تضم مؤمني العهدين (كنيسة العهد القديم 12× كنيسة العهد الجديد 12)، وهي مسورة بسور واحد تنعم بالإله الواحد. أما الذي قاس السور فهو ملاك وليس إنسانًا أرضيًا حتى لا نتخيل في السماء ماديات وأرضيات.

16. ما هي مباني مدينة الله أورشليم السماوية؟

أولاً: سور المدينة. "وكان بناء سورها من يشب، والمدينة ذهب نقي شبه زجاج نقي" (رؤ 21: 18). فهي مسورة بالله ذاته حافظها، وهي من ذهب نقي شبه زجاج نقي أي سماوية طاهرة.

يبحث العالم عن الذهب ويستخرجه من مناجم الذهب التي كان كثيرون يموتون أثناء العمل فيها، أما الذهب فغالبًا ما يستخدم للزينة والبهرجة سواء خلال الحليّ الذهبية أو التماثيل الذهبية وغيرها، وهي ليست ضرورية في حياة البشر، بل بسببها قُتل البعض. أما الذهب في الكتاب المقدس فكثيرًا ما يشير إلى المجد السماوي، حيث يعيش المؤمن في المجد، فيصير الجسد بكامله ممجدًا والنفس ممجدة، بل والسمائيون يمجدون الله لأنه أقام منا نحن الترابيين كائنات تمجد الله.

أساسات الكنيسة عليها أسماء الرسل والأنبياء، غايتها أن نسلك بالفكر الرسولي الإنجيلي. نسلك في الحياة سالكين بروح الإنجيل واهب الفرح الداخلي، والتحرر من محبة الماديات والخلاص من كل خطية وشهوة رديئة!

"وأساسات سور المدينة مزينة بكل حجر كريم. الأساس الأول يشب. الثاني ياقوت أزرق. الثالث عقيق أبيض. الرابع زمرد ذبابي. الخامس جزع عقيقي. السادس عقيق أحمر. السابع زبرجد. الثامن زمرد سلقي. التاسع ياقوت أصفر. العاشر عقيق أخضر. الحادي عشر اسمانجوني. الثاني عشر جمشت" (رؤ 21: 19-20).

أ. تشير هذه الحجارة الكريمة إلى رسل المسيح، إذ هي كنيسة رسولية، كما يقول الكتاب: "مبنيين على أساس الرسل والأنبياء والمسيح نفسه حجر الزاوية" (أف 2: 20).

ب. تشير الحجارة الكريمة أيضًا إلى الفضائل الإلهية التي يهبنا الله إياها لأجل زينتنا. فالأساس الذي نُبني عليه في الأبديّة هو الفضائل الإلهية التي يهبنا عربونها في هذه الحياة خلال جهادنا. وهناك تتلألأ فينا في مجدٍ سماويٍ. لهذا يُعزي الرب الكنيسة المجاهدة قائلاً لها: "أيتها الذليلة المضطربة غير المتعزية، هأنذا أبني بالإثمد حجارتك، وبالياقوت الأزرق أؤسسك، وأجعل شرفك ياقوتًا، وأبوابك حجارة بهرمانية وكل تخومك حجارة كريمة... هذا هو ميراث عبيد الرب وبرّهم من عندي، يقول الرب" (إش 54: 11-17).

ج. إذ يشير رقم 12 إلى أبناء الملكوت، كأن كل ابن للملكوت يتزين بزينة إلهية مختلفة عن أخيه، لكنها ثمينة وجميلة. وهكذا تكمل الكنيسة بعضها البعض في وحدة بالغة.

ثانيًا: الأبواب. "والاثنا عشر بابًا اثنتا عشرة لؤلؤة، كل واحدٍ من الأبواب كان من لؤلؤة واحدة". الرب يسوع هو "اللؤلؤة" الكثيرة الثمن من أجلها يبيع الإنسان كل ماله ليقتنيها (مت 13: 46). فأبناء الملكوت جميعهم الداخلون من الأبواب باعوا العالم واشتروا اللؤلؤة. ومن ناحية أخرى نجد أنه من كل جانب يظهر ثلاثة أبواب أي الثالوث القدوس. كأن الثالوث القدوس من كل جانب يبهج نظر الشعوب لتبيع ما تملكه وتقتني الأبدية، فتدخل إلى الميراث المُعد لها. ويرى البعض أن الاثني عشر بابًا أيضًا تشير إلى الاثني عشر هؤلاء الذين جعلهم الباب الفريد، أي الرب يسوع أبوابًا، عن طريق كرازتهم تدخل الشعوب إلى الإيمان به.

ثالثًا: السوق (أو الساحة). "وسوق المدينة ذهب نقي كزجاج شفاف" (رؤ 21: 21). يشير سوق المدينة إلى صنفٍ ما من الأبرار. على أي الأمور كل المدينة ذهب نقي، أي سماوية ليس فيها أمر أرضي؛ وزجاج شفاف أي ليس فيها دنس أو تعقيد بل بساطة ونقاوة قلب.

رابعًا: الهيكل. "ولم أر فيها هيكلاً، لأن الرب الله القادر على كل شيءٍ هو والخروف هيكلها" (رؤ 21: 22).

أ. طالب الله الشعب القديم أن يقيموا خيمة اجتماع، يجتمع فيها الله مع الناس خلال الرموز والظلال. ثم عاد فطلب بناء هيكل يحمل معنى وجود الله وسط البشر.

ب. وإذ انحرف اليهود ورفضوا الرب، خرب الهيكل بعدما قدم لنا الرب جسده هيكلاً جديدًا (يو 2: 19)، وإذ صرنا نحن من لحمه وعظامه (أف 5: 30)، صرنا به هيكلاً مقدسًا (1 كو 3: 16-17)، وأصبحنا بناء الله (1 كو 3: 9).

ج. وفي نفس الوقت سلّمنا الذبيحة غير الدمويّة في خميس العهد، وطالبنا أن تُقدم في هيكل العهد الجديد، عربون الهيكل الأبدي.

د. أما في الأبدية فلم يرَ الرسول هيكلاً، لا لأنه غير موجود، بل لأن "الرب الله القادر على كل شيءٍ هو الخروف هيكلها". إنه هيكل هذا اتساعه وهذه إمكانياته، هيكل لا نهائي سرمدي!

خامسًا: الإنارة. "والمدينة لا تحتاج إلى الشمس ولا إلى القمر ليضيئا فيها، لأن مجد الله قد أنارها، والخروف سراجها" (رؤ 21: 23). انعدمت وسائل الإضاءة المادية إذ صار لنا الرب شمسًا وسراجًا.

سادسًا: مجدها. "وتمشي شعوب المخلصين بنورها، وملوك الأرض يجيئون بمجدهم وكرامتهم إليها. وأبوابها لن تغلق نهارًا، لأن ليلاً لا يكون هناك. ويجيئون بمجد الأمم وكرامتهم إليها. ولن يدخلها شيء دنس، ولا ما يصنع رجسًا وكذبًا، إلا المكتوبين في سفر حياة الخروف" (رؤ 21: 24-27]. على ضيائها وبنورها يسير كثيرون تجاهها، إذ يقول الرب: "إن كثيرين سيأتون من المشارق والمغارب ويتكئون مع إبراهيم واسحق ويعقوب في ملكوت السماوات" (مت 8: 11). يأتون بمجدهم وكرامتهم، أي نازعين كل مجدٍ أرضيٍ وكرامةٍ زمنيةٍ من أجلها. يأتون بإرادتهم وليس قسرًا أو إلزامًا، فالأبواب مفتوحة للكل والدعوة للجميع، إذ يريد الله أن الكل يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون. يأتون ليجدوا أبوابها لن تغلق، إذ تستقبل الكل بلا محاباة بين غني أو فقير، عبد أو حر. يأتون نهارًا، لأنه لا يدخلها في الظلمة ولا يتسلل إليها من يصنع دنسًا أو رجسًا أو كذبًا.

17. ما هو النهر الصافي الخارج من عرش الله وشجرة الحياة (رؤ 22: 1-7)؟

يقول الرائي: "وأراني نهرًا صافيًا من ماء حياة، لامعًا كبلّور، خارجًا من عرش الله والخروف. في وسط سوقها (ساحتها) وعلى النهر من هنا ومن هناك شجرة حياة تصنع اثنتي عشرة ثمرة، وتعطي كل شهر ثمرها. وورق الشجرة لشفاء الأمم. ولا تكون لعنة فيما بعد" (رؤ 22: 1-3).

يقول العلامة ترتليان إنه لا يمكننا تفسير هذا النص تفسيرًا حرفيًا. ففي الحياة الأبدية لا توجد أنهار ولا ساحات ولا أشجار. وتظهر رمزية هذه الأوصاف في حديثه عن شجرة الحياة أنها قائمة وسط ساحة المدينة، وفي نفس الوقت هي بذاتها قائمة على شاطئ النهر من الجانبين. فكيف يكون هذا لو كان ذلك بتفسيرٍ حرفيٍ؟

أولاً: نهر الحياة: يرى العلامة ترتليان أن النهر هو شخص السيد المسيح الذي يروي كل نفسٍ. وهو بنفسه الحمل الذي فدانا. وهو أيضًا شجرة الحياة الذي يشبع أولاده. إنه كل شيء بالنسبة للمخلصين. ويرى القديس أمبروسيوس[209] أنه الروح القدس الذي لا يشرب منه إلاّ الذي يؤمن بالسيد المسيح، القائل: "إن عطش أحد فليقبل إليّ ويشرب. من آمن بي كما قال الكتاب تجري من بطنه أنهار ماء حي". قال هذا عن الروح الذي كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه (يو 7: 37-39). هذا هو روح الآب والابن منبثق من الآب مستقر في الابن، أرسله الابن من عند الآب ليبكتنا ويقدسنا ويقودنا حتى نبلغ العرس السماوي. هذا هو النهر الخالد الذي روى ويروي العروس.

وهو أيضًا يشير إلى فيض نعم الله المبهجة في الأبدية، والتي هي في حقيقتها ليست شيئًا خارجًا عنه بل يعطينا ذاته ننعم به ونبتهج. وكما يقول المرتل: "نهر سواقيه تُفرح مدينة الله مقدس مساكن العلي. الله في وسطها فلن تتزعزع" (مز 46: 4-5).

يشير أيضًا إلى السلام الذي تنعم به أورشليم السماوية، إذ قيل: "هأنذا أدير عليها سلامًا كنهر... كإنسان تعزيه أمه هكذا أعزيكم أنا، وفي أورشليم تعزون، فترون وتفرح قلوبكم" (إش 66: 12-14).

ثانيًا: شجرة الحياة. يرى طيخون الأفريقي أن شجرة الحياة تشير إلى الصليب المقدس الذي إليه امتدت أيدينا لتقتطف كل ثمر شهي. كثيرون مثل مار أفرآم السرياني[210] يلقّبون الصليب بشجرة الحياة. فبالصليب أمات الرب الموت، وفتح لنا الفردوس، وأعطانا جسده ودمه المبذولين عنا، وجعلنا أبناء بركة ووارثين للحياة الأبدية. بالصليب يتمم الروح القدس الأسرار المقدسة على أيدي الكهنة في الكنيسة، هذه الأسرار التي هي غذاء الكنيسة. والصليب كما نعلم امتد عمله ليقطف رجال العهد الجديد منه كل يوم ثمارًا. ونبقى في الأبدية نتأمل جراحات الحمل القائم كأنه مذبوح فنجد فيها شبعًا. لهذا نجد الإثمار شهري ومستمر، إثمار جديد بالنسبة لنا نأكل منه فنشبع وفي نفس الوقت يلتهب القلب شوقًا إليه، فنعود لنأكل منه لنجد فيه ثمارًا جديدة بالنسبة لنا فنأكل ونشبع، ويصاحب الشبع زيادة في الجوع إليه. وهكذا كما يقول ابن سيراخ إن من يأكل منه يعود إليه جائعًا، ومن يشرب منه يعود إليه ظمآنًا (سي 24: 21).

بهذا نقف دومًا أمام الشجرة في دهشةٍ وعجب بلا ملل! أما إثمارها اثنتي عشرة، فذلك لأن رقم 12 يشير إلى أبناء الملكوت، وكأن الثمر مخصص لهم، كل ابنٍ يجد فيه احتياجه وشبعه.

لقد أسهب الآباء الأولون مثل القديسين باسيليوس الكبير وأغسطينوس[211] والآب يوحنا الدمشقي في حالة الازدهار التي تكون عليها الأبديّة، وحالة الشبع التي يكون فيها الإنسان. وقد أدرك النبي ذلك فقال: "أنا أؤمن أني أعاين خيرات الرب في أرض الأحياء" (مز 27: 13).

ثالثًا: سعادة دائمة. "ولا تكون لعنة فيما بعد"... لقد تسلمنا خبرة مرة من أبينا آدم الذي تنعم بفردوس أرضي ولكن إلى حينٍ، إذ خرج مطرودًا يئن من ثقل اللعنة التي يحملها على كتفيه بعصيانه، أما في الأبدية فلا يكون للخطية والعصيان موضع، بل الكل يخدمون الله في طاعةٍ كاملةٍ، إذ يقول: "وعرش الله والخروف يكون فيها، وعبيده يخدمونه" (رؤ 22: 3).

يخدمونه في حب ويتوقون إلى رؤيته، ويفتخرون باسمه، إذ أنهم "سينظرون وجهه واسمه على جباهم" (رؤ 22: 4).

رابعًا: نور دائم. "ولا يكون ليل هناك، ولا يحتاجون إلى سراج أو نور شمس، لأن الرب الإله ينير عليهم، وهم سيملكون إلى الأبد" (رؤ 22: 5). ما أكثر العبارات التي جاء بها سفر الرؤيا المنير ليعلن لنا سرّ استضاءة أبناء الملكوت، ألا وهو وجود الله "شمس البِر" حولهم وفوقهم ومحيطًا بهم.

لقد اختبر الآباء نور الله المشرق عليهم وهم بعد هنا في الجسد الترابي[212]:

يقول الشيخ الروحاني: [مصباحًا واحدًا أنظر، وبنوره أستضيء، والآن أنا في ذهول؟ أبتهج روحيًا، إذ في داخلي ينبوع الحياة، ذاك الذي هو غاية العالم غير المحسوس!]

ويقول القديس أغسطينوس: [إلهي... أنت نوري، افتح عيناي فتعاينا بهاءك الإلهي، لأستطيع أن أسير في طريقي بغير تعثر في فخاخ العدو! وما هو النور إلا أنت يا إلهي! أنت هو النور لأولاد النور! نهارك لا يعرف الغروب! نهارك يضيء لأولادك حتى لا يتعثروا! أما الذين هم خارجًا عنك، فيسلكون في الظلام ويعيشون فيه! إذن، لنلتصق بك يا من أنت هو نور العالم! ما حاجتنا أن نجرب كل يوم الابتعاد عنك؟! لأن كل من يبتعد عنك أيها النور الحقيقي يتوغل في ظلام الخطية، وإذ تحيط به الظلمة لا يقدر أن يميز الفخاخ المنصوبة له على طول الطريق!]

أخيرًا اختتم وصفه للمجد الأبدي بالقول: "ثم قال لي هذه الأقوال أمينة وصادقة، والرب إله الأنبياء القديسين أرسل ملاكه، ليُري عبيده ما ينبغي أن يكون سريعًا. ها أنا آتي سريعًا. طوبى لمن يحفظ أقوال نبوة هذا الكتاب" (رؤ 22: 6-7). إنها أقوال صادقة يلزمنا أن نهتم بها، لأن مرسلها هو إله الأنبياء الذي سبق فأنبأنا بأمور كثيرة خاصة بخلاصنا وتحققت نبواتها، والآن ينبئنا بإرسال ملاكه ليُري عبيده ما سيكون سريعًا.

18. لماذا نقرأ هذه النبوة والوقت لا يزال متسعًا وبعيدًا؟

يجيب: "ها أنا آتي سريعًا. طوبى لمن يحفظ أقوال نبوة هذا الكتاب". إنه يحذرنا ألا نفسد الوقت في التشكك، إنما بإيمان نقبل النبوة ونحفظ أقوالها أي وصاياها، ونسهر منتظرين مجيئه لهذا نصلي قائلين في تسبحة نصف الليل - الخدمة الأولى: [ها هوذا العريس يأتي في نصف الليل. طوبى للعبد الذي يجده مستيقظًا. أما الذي يجده متغافلاً فإنه غير مستحق المُضي معه. فانظري يا نفسي لئلا تثقلي نومًا، فتلقي خارج الملكوت بل اسهري واصرخي، قائلة: قدوس، قدوس، قدوس... اسهري متضرعة لكي تلتقي بالمسيح الرب بدهنٍ دسمٍ، وينعم لك بعرس مجده الإلهي الحقيقي.]



[1] راجع للكاتب: عطية الموت، 1998.

[2] Cf. Boniface Ramsey: Beginning to Read the Fathers, 1985, ch. XII.

للمؤلف: آباء مدرسة إسكندرية الأولون، 1980؛ كوستي بندلي: إله الإلحاد المعاصر، منشورات النور؛ الأنبا يوأنس: السماء، 1974.

[3] Orellius: Inscriptionum Latinarum selectarum amplissima collectio, Turici 1828-1856, 3. 6234.

[4] Cf. A. Rush: Death and Burial in Christian Antiquity, Studies in Christian Antiquity 1, Washington 1941, p. 89.

[5] Orellius, 2. 4793.

[6] 2 Apology, 12.

[7] راجع للمؤلف: آباء مدرسة إسكندرية الأولون، 1980، ص 38-40.

The Author: School of Alexandria, N.J. 1995, p. 224-235.

[8] Altaner: Patrology, P. 130.

[9] Rev. B. Schmid: Manual of Patrology, 1903, p. 97.

[10] Octavius of Minucius Felix, 34.

[11] Lebreton: History of the Primitive Church, p. 483.

[12] Or. ad. Graecos, 6.

[13] Boniface Ramsey: Beginning to Read the Fathers, p. 218.

[14] Ep. to Adelphius, De Incarn 25

[15] De incarnatione Verbi, 27.

[16] Treatise 7 On the Mortality, 2.

[17] St. Cassian: Institutions, 5:41.

[18] St. Cyril of Alexandria: Homily 14 on the Departure of the Soul and the Second Coming.

[19] De excess frat.1.

[20] De excess frat. 2:1.

[21] Confession, Book 9:12:29, 33.

[22] Ep 39:4.

[23] Dialogus de anima et resurrectione qui inscribtur Macrinia

[24] Letter 63 to Amphilochios, the Elder, his consin.

[25] للمؤلف: القديس غريغوريوس أسقف نيصص 1993، ص 12.

[26] Letter 197.

 

[27] Book 1 on the Decease of His Brother, 2.

[28] Ibid Book 1: 2.

[29] Ibid 1: 6.

[30] Ibid 1: 28.

[31] Ibid 1: 29.

[32] Ibid 1: 30.

[33] On Mortality, 23.

[34] Of the Decease of Satyrus, Book 1: 30.

[35] Ibid 1: 31.

[36] Ibid 1: 79.

[37] راجع من تفسير وتأملات الآباء القديسين: رؤيا يوحنا اللاهوتي، الأصحاح 21.

[38] راجع القمص بيشوي كامل: "مُلك الألف سنة" سلسلة إيمان كنيستنا القبطية الأرثوذكسية رقم 3.

[39] راجع مدينة الله 20: 7 (بتصرف).

[40] Homilies on Matthew, 22:6.

[41] Catechetical Lectures, 4:21.

[42] الأب مرقس الناسك: توجيهات منتخبة عن أحاديثه الأخرى، 21.

[43] Adv. Haer 5:24:2:20:3.

[44] راجع للمؤلف: "هل للشيطان سلطان عليك؟ للقديس يوحنا ذهبي الفم" مقال 1.

[45] مجلة مرقس عدد يناير 68 (عن مدينة الله 20: 7، 6).

[46] Against the Arians 2:69.

[47] Cf. St. Athanasius: 4 Discourses against the Arians, 2: 89.

[48] البشارة بالتجسد الإلهي.

[49] St. Justin: Dialogue with Trypho, 80 - 81.

[50] راجع القمص بيشوى كامل: مُلك الألف سنة، مقالات "الحكم الألفي" لمجلة مرقس.

[51] يوسابيوس ك 3 ف 39.

[52] Jerome: Commentary on Matthew

[53] City of God, Book 17-22, Ch. 7, Catholic University of America Press, 1954, vol. 24, p. 264-269; Sermon 259.

[54] ترى لورة ب. هيملتون في كتابها "كشف المستقبل" أن الذين يملكون مع المسيح أناس خاضعين له لكن منهم من يخضعون له بأجسادهم دون قلوبهم... فعندما يأتي ضد المسيح ينكشف الخاضعون الحقيقيون من المرائين.

[55] راجع تفسير ايردمان لسفر الرؤيا ص 156.

[56] نفس المرجع السابق.

[57] المنشورات المعمدانية.

[58] The Biblical Illustrator by Rev. Joseph S. Exell M.A.

[59] The Biblical Illustrator p. 275\6.

[60] City of God, 20: 12.

[61] De Principiis 2: 11: 2 PG 11: 24: ½.

[62] Eusubius: c. pis 7: 24: 4 PG 20: 693.

[63] Epist. 102 to Cledonius. PG37: 197.

[64] Epist. 263: 4 PG 32: 980.

[65] Against Heresies 77: 36-39 PG 42: 697

[66] Comm. Isaiah 30: 26’ 54: 2.

[67] City of God 20: 7.

[68] للكاتب: الحب الإلهي، 2010، ص 1157-1158.

[69] ربما اقتبس القديس كيرلس المقارنة بين المجيئين عن الشهيد يوستينوس (دفاعه 1: 52؛ مع تريفو 110). أنظر أيضًا ترتليان (ضد اليهود 14) وهيبوليتس (ضد المسيح 44).

[70] للكاتب: الحب الإلهي، 2010، ص 1157.

[71] In Luc hom 92.

[72] St. Cyril of Alexandria Commentary on Hosea 1:9.

[73] الميمر 31 (راجع نص الدكتور بهنام سوني).

[74] في كل عصر يوجد مرتدون، فيشعر المؤمن أن مجيء ضد المسيح والمجيء الثاني للرب قد اقترب.

[75] مقال ١٥: ١، ٢، ٩.

[76] الديداكية ١٦: ٣-٥.

[77] Cat. Lect. 15: 12.

[79] In 1 Thess, hom 7.

[80] Ibid 8.

[81] On Making of Man 22.

[82] H.E. Panteleimon Lampadarios: The Catechism of the Orthodox Church, Greece, 2006, p. 319.

[83] الميمر 68 على الآخرة والدينونة المخيفة (راجع نص بول بيجان والدكتور بهنام سوني).

[84] H.E. Panteleimon Lampadarios, p. 337.

[85] ترجمة للكاتب: قانون الإيمان للرسل – الديداكية، سنة ١٩٧٥، ١-٧.

[86] City of God, 20. 14.

[87] Cassian, Conf. 11: 15.

[88] Hymns on the Church 49: 16.

[89] Paradise Hymns 7: 8.

[90] Hymns on Nativity 8: 4.

[91] Hymns on Nativity 3: 2.

[92] Theophilos of Antioch to Autolyctus, Chapter 3.

[93] Theophilos of Antioch to Autolyctus, Chapter 7.

[94] Adv. Hae Adv. Haer. 2:28:2-3.

[95] Adv. Haer 5:36:2.

[96] Stromata: 5:12.

[97] راجع من تفسير وتأملات الآباء الأولين: إنجيل متى الأصحاح 5.

[98] In Ioan. 5:8.

[99] Ser. on N. T. 3.

[100] خواطر فيلسوف في الحياة الروحيّة (الخوري يوحنا الحلو)، المطبعة الكاثوليكية بيروت، 1970, ص 291-292.

[101] Homilies in Luke, Homily 3: 3-4.

[102] راجع تفسير 1 تي 6: 16 في سلسلة "من تفسير وتأملات الآباء الأولين".

[103] In Matt. hom 15:6.

[104] Sermon on N.T. Lessons, 77:10.

[105] Sermon on N.T. Lessons, 77:11-13.

[106] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate 19:16.

[107] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate 19:18.

[108] Comm. on St.Luke, Hom. 145, ch. 22.

[109] عن نسخة خطية لميامر مار أفرآم السرياني، دبر السريان، ميامر رقم 2000، تاريخها 14 أمشير سنة 1207 ش، أعدَّها الراهب صموئيل السرياني، مقال 21، ص. 130-131.

[110] De Jud. ad fin.

[112] Reg Fus. 1.

[113] Ambrosiaster: Comm. On Paul’s Epistles, CSEL 81:7-8.

[114] Ascetical Homilies 64.

[115] The Armenian version of Apophthegmata, L. Lelorr, ed. Paterica Armenica, Corpus Scriptorum Christianprum Orientalium, Louvain, 1974 -, 1, p. 547.

[116] الراهب صموئيل السرياني، مقال 21، ص 131.

[117] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate, 54: 5.

[118] الميمر 68 على الآخرة والدينونة المخيفة (راجع نص بول بيجان والدكتور بهنام سوني).

[119] راجع للكاتب تفسير 1 كو 15 من تفسير وتأملات الآباء الأولين.

[120] Cf. Metrical Hymns, 12. The Parting of Body and Soul.

[121] Enchiridion 23:9.

[122] On His Brother Satyrus, 2:55.

[123] On 1 Cor., hom 41:2

[124] On 1 Cor., hom 41:2.

[125] On 1 Cor., hom 41:3.

[126] On 1 Cor., hom 41:3.

[127] On His Brother Satyrus, 2:60.

[128] William S. Deal: Baker's Pictorial Introduction to the Bible, 1967, p. 342.

[129] De Principiis 2:9:3.

[130] Against Jovinianus, 2:28

[131] On 1 Cor., hom 41:5.

[132] On 1 Cor., hom 41:4.

[133] On 1 Cor., hom 41:4.

[134] Catechetical Lectures, 18.

[135] Against Julian 70.

[136] City of God 13:20.

[137] Sermons on New Testament Lessons, 82:3.

[138] Sermons on New Testament Lessons, 78:10.

[139] The Literal Meaning of Genesis (ACW), 6:24:35, 36.

[140] في الزيجة 21:18، 32:24.

[141] Sermon on the Mount 1:15:41.

[142] In Ephes., hom. 24.

[143] On 1 Cor., hom 42:3.

[144] CSEL 81:181.

[145] On Matthew 17: 29.

[146] Comm. On 1 Cor. Homily 41:3.

[147] On 1 Cor., hom 41:5.

[148] City of God 13:22.

[149] City of God 13:20.

[150] Fr. Peter Chrysologus: Selected Sermons (Frs. of the Church), 117.

[151] De Principiis 3 :6 :3.

[152] City of God 15:1

[153] Faith and The Creed 6:13.

[154] On 1 Cor., hom 41:6.

[155] On 1 Cor., hom 42:1.

[156] Letter to Consentius, 205.

[157] Trinity,10.

[158] In Genesis, hom. 9.

[159] Maximus of Turin: Sermons, 50:2.

[160] On 1 Cor., hom 42:2.

[161] Fr. Peter Chrysologus: Selected Sermons (Frs. of the Church), 117.

[162] Comm. On Song of Songs, Prol. 2. (ACW).

[163] CSEL 81:182-83.

[164] On 1 Cor., hom 42:2.

[165] On 1 Cor., hom 42:2.

[166] Questions 68:3.

[167] On 1 Cor., hom 42:2.

[168] On 1 Cor., hom 42:3.

[169] On Psalm 143, hom. 34.

[170] Funeral Sermon: On His Brother Caesarius, 21.

[171] City of God 20:20.

[172] On 1 Cor., hom 42:3.

[173] Letters, 14:11.

[174] Letter 34.

[175] On the Making of Man, 22:3.

[176] On the Soul and the Resurrection.

[177] On 1 Cor., hom 42:4.

[178] On the Making of Man, 35.

[179] Sermons on New Testament Lessons, 6:8.

[180] On Incarnation 28.

[181] On 1 Cor., hom 42:2.

[182] On 1 Cor., hom 42:4.

[183] Sermons for the Easter Season 233:4.

[184] Letter to Asellicus 196.

[185] Letter to Proba 130.

[186] Against Julian 20:65.

[187] Catechetical Lecture on Baptism 3: 11-12.

[188] City of God 13:5.

[189] Question 44.

[190] Sermons on New Testament Lessons, 81:7.

[191] On 1 Cor., hom 42:4.

[192] CSEL 81:186-87.

[193] City of God 22:23.

[194] On 1 Cor., hom 42:4.

[195] On 1 Cor., hom 42:5.

[196] راجع نيافة الأنبا يؤانس أسقف الغربية سابقًا: السماء، الطبعة الخامسة ١٩٩٤، ص ٣١-٥٤؛ راجع للكاتب من تفسير وتأملات الآباء الأولين: سفر الرؤيا 21، 22.

[197] Of Christ. Faith 1: 10 (62).

[198] On Christian Doctrine 1: 4.

[199] Contra Gentes.

[200] Concerning the Statues, 9:4.

[201] City of God, 22: 27.

[202] عن القداس الإغريغوري بتصرف.

[203] أغسطينوس، الصلاة الربانية ص 17.

[204] Tertullian: On the Resurrection of the Flesh, 58.

[205] مجلة النور عدد 8 لسنة 1968.

[206] المذاهب 31.

[207] أي ترتسم فينا صورة الله... لا أن نصير موضوع عبادة، بل يعكس الله إشراقاته علينا فنستنير بنوره.

[208] إذ رأينا في أكثر من موضع أن رقم 12 يشير إلى ملكوت الله.

[209] The Holy Spirit 3: 21.

[210] ميامر الميلاد لمار أفرآم السرياني.

[211] راجع في ذلك كتاب "التأملات" للقديس أغسطينوس فصل 26.

[212] . راجع للمؤلف: الحب الإلهي... الله نور النفس ص 63-78

Previous
Previous

كاتيكزم الكنيسة القبطية - الأسئلة والمحتويات

Next
Next

كاتيكزم الكنيسة القبطية - الجزء السادس